Полный текст (952 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وأنشد في هذا الباب:
(٢٤٠)
(سود كحب الفلفل المصعرر)
هذا البيت لا أعلم من قائله وأنه يصف بعراً فشبهها في اسودادها واستدارتها وامحاقها لطول اعهد بحب الفلفل، كما قال امرؤ القيس:
ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
والمصعرر: المستدير.
* * *
وأنشد في باب المبدل:
(٢٤١)
(نصي الليل بالأيام)
وهذا صدر بيت لذي الرمة والبيت بكماله:
نصى الليل بالأيام حتى صلاتنا ... مقاسمة يشتق انصافها السفر
وبعده:
نبادر إدبار الشعاع بأربع ... من اثنين عند اثنين مماسهما قفر
стр. 807
يصف أنهم يصلون الليل بالنهار في مداومة السفر فيقصرون الصلاة. وقوله (نبادر إدبار الشعاع)، يقول: نبادر بصلاة العصر قبل ميل الشمس للغروب فأصلى أنا ركعتين ورفيقي ركعتين، فتلك أربع ركعات بيننا. وقوله من اثنين يعني من رجلين هو ورفيقه. وقوله: عند اثنين أي عند جملين وممساهما: مكانهما الذي أمسيا فيه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٤٢)
(وإن ريع منها أسلمته النوافز)
البيت للشماخ بن ضرار وصدره:
هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها
وصف قوساً وقوله هتوف أراد أنها مصوتة عند الرمي. وريع: أفزع وأسلمته: خذلته والنوافز والنواقز بالفاء والقاف: القوائم لأنها تنفز وتنقز أي تثبت يقول: إذا فزع الظبي من صوت القوس أسلمته قوائمه فسقط، ويروى قذوف، وهي الشديدة القذف بالسهم، وهو أحسن من الرواية الأولى لأنه قال قبل هذا البيت:
إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
فقوله ترنمت يغنيه عن قوله هتوف.
стр. 808
وفي البيت المتقدم شيآن يحتاجان إلى جواب وهما: إذا وغن. فإن شئت جعلت قوله أسلمته النوافز جواباً لإن وحذفت جواب إذا، فيكون التقدير: إذا ما خالط الظبي سهمها أسلمته النوافز. يريد أنه يسقط إلى الأرض من الفزع وإن لم يخالطه سهمها، كما سقط إذا خالطه. وإن شئت جعلت قوله (أسلمته النوافز) جواباً فإذا وحذفت جواب إن، والأول على مذهب سيبويه لأنه يختار حمل الشيء على ما قرب منه، والثاني على مذهب القراء وأصحابه: لأنهم كانوا يختارون الحمل على الأسبق. ويجوز في رواية من روى (هتوف) أن يكون التقدير إذا ما خالط الظبي سهمها هتف فاستغنى عن ذكر هتفت لما تقدم من قوله هتوف، كما تقول أنا شاكر لك عن أحسنت إليّ، فلا تأتي للشرط بجواب استغناء بما تقدم من الكلام، فغن قيل إن حمله على هذا التأويل يضعف المعنى، لأنه يصير المعنى أنها لا تهتف إلا عند مخاطلة سهمهتا للظبي، والقوس يهتف على كل حال خالطه سهمها أو لم يخالطهن فالجواب أن من ذهب هذا المذهب فالمعنى عنده أن الظبي لا يسمع صوتها غلا بعد مخالطة سهمها إياه، لأن سهمها يسبق إليه قبل وصول صوتها إلى أذنيه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٤٣)
(فليست بطلق ولا ساكره)
هذا البيت لأوس بن حجر الأسدي، وكانت ناقته جالت به بني مكانين يقال لأحدهما شرج وللآخر ناظره، فسقط فانكسرت فخذه، فقال في ذلك:
стр. 809
خذلت على ليلة ساهرة ... بصحراء شرج إلى ناظره
تزاد ليالي في طولها ... فليست بطلق ولا ساكره
أنوء برجل بها ذهنها ... وأعيث بها أختها العاشرة
كأنى أطاول شوك السيال ... تشك به مضجعي شاجره
يقال ليلة طلق وطلقة إذا اكنت حسنة لا حر فيها ولا قر ولا شيء يؤذي ويكره، والساكرة: الساكنة الريح. وقوله: أنوء: أي أنهض من تثاقل لانكسار رجلي، والذهن ههنا القوة. والإعنات: الإضرار والمشقة، والسيال: شجر له شوك، يقول، كأن على مضجعي شوك السيال فلا أقدر على النوم ويقال شجر الشيء شجرا إذا دخل بعضه ببعض.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٤٤)
(فهي تئوخ فيها الإصبع)
هذا بعض عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي والبيت بكماله:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالنيء فهي تئوخ فيها الإصبع
وصف فرساً سقاها صاحبها اللبن وقصر عليها الصبوح منه، أي حبسها عليها، واختصها به، حتى قويت وكثر لحمها وسمنت. وكان الصمعي يعيب هذا البيت ويقول أحسبه كان سمنها للذبح. إنما توصف الفرس بشدة اللحم ويبسه لا بأن الإصبع تئوخ فيه. قال: والجيد قول امريء القيس:
стр. 810
بعجلزة قد أترز الجرى لحمها ... كميت كانها هراوة منوال
وقال غير الأصمعي: لم يرد أن لحمه رخو تثوخ فيه الإصبع وإنما أراد أن أعلاها ريان من اللحم، فلو كانت الإصبع مما يمكن أن تثوخ فيها لثاخت. وسماوة الفرس توصف بالامتلاء من اللحم وإنما يستحب قلة اللحم في قوائمه كما قال الآخر:
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فرياً، وأما أرضه فمحول
ويروى فشرج لحمها بالرفع، أي صار شريحين أي خليطين من لحم وشحم. ويروى لحمها بالنصب ومعناه أن الصبوح هو الذي فعل بها ذلك. والضمير في قوله قصر يرجع إلى شجاع ذره قبل هذا البيت في قوله:
والدهر لا يبقى على حدثانه ... مستشعر حلق الحديد مقنع
تعدو به خوصاء يفصم جريها ... حلق الرحالة فهي رخو تمزع
* * *
وأنشد في [باب إبدال الياء من أحد الحرفين المثلين إذا اجتمعا]:
(٢٤٥)
(تقضي البازي إذا البازي كسر)
هذا البيت للعجاج من شعر يمدح به عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عبد الملك بن مروان وجهه إلى أبي فديك الحروري حين خرج عليه فأوقع به، وقبله:
стр. 811
حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات وإن طالب بالوغم اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع أبتدر ... داني جناحيه من الطور فمر
الوغم: الحقد، والباع: اشرف، وسمى باعاً لأن الطالبين للشرف لا يصلون إليه إلا بالسير الحثيث الذي يحتاج فيه إلى امتداد الباع وسعة الخطو، وقوله (دانى جناحيه من الطور): شبهه بطائر ضم جناحيه إلى نفسه وانقض على الصيد، ويحتمل أن يكون شبهه بالعقاب وشبه الجيش حوله بالجناحين لأن جيشه أنهضه إلى ما أراد، كما تنهض العقاب جناحاها. وقد سرق أبو الطيب هذا المعنى فأبدع فيه وذلك قوله
يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب
ومعنى كسر: ضم جناحيه وانقض وقوله تقضي: أراد تقضض فأبدل الضاد التي هي لام الفعل ياء استثقالاً لاجتماع المثال وكسر ما قبلها لتصح، وانتصابه على المصدر المشبه به، والتقدير دانى مداناة مثل تقضي البازي، والأجود حمله على المرور لقربه منه. وفيه نوع آخر من المجاز، وذلك أن مروره ومداناته جناحيه يفيد معنى الانقضاض، فكأنه قال: تقضي تقضي الباز فهو من المصادر المحمولة على المعاني.
стр. 812
وأنشد في هذا الباب:
(٢٤٦)
(باتت تكره كره الجنوب)
لا أعلم قائل هذا البيت ولا أحفه على هذه الصفة والذي أحفظه في شعر عبيد بن الأبرص:
باتت تكركره الصبا ... وهنا وتمريه خريقه
وأحفظ في شعر أبي داود:
إذا كركرته رياح الجنو ... ب ألقحن منه عجافاً حيالا
يصفان سحاباً تحمله الريح، والصبا الريح الشريقة، والجنوب الريح القبلية والوهن مقدار ثلث الليل وتمريه: تستخرج ماءه يقال مريت ضرع الشاة وخلف الناقة: إذا حلبتها، والخريق: الريح الشديدة. والعجاف من الإبل وغيرها: الهزيلة، والحيال: التي لا تحمل، وأراد بالعجاف الحيال ههنا: الأرضين المجدبة التي لا نبات فيها لما أصابها هذا المطر أنبتت، فكانت كإبل حائلة ضربها الفحل فألقحها.
* * *
стр. 813
وأنشد في هذا الباب:
(٢٤٧)
(ويخلفن ما ظن الغيور المشفشف)
البيت للفرزدق، وصدره:
موانع للأسرار إلا لأهلها
وبعده
يحدثن بعد اليأس من غير ريبة ... أحاديث تشفى المدنفين وتشغف
وصف نساء عفائف عن الفواحش يظن بهن الغيور من أهلهن الظنون السيئة، وهن بريئات من ذلك. والمشفشف: الذي شفته الغيرة عليهن، أي جهدته وأتعبته وأراد المشفف فأبدل إحدى الفاءات شينا.
* * *
وأنشد في باب ما أبدل من القوافي:
(٢٤٨)
(والله ما فضلى على الجيران ... إلا على الأخوال والأعمام)
هذا الرجز لأبي الجراح العقيلي، والمراد بالفضل ههنا: الإنعام والإفضال، ولم يرد الفضل الذي هو الشرف، وفي الكلام حذف تقديره والله ما فضلي على
стр. 814
الجيران إلا فضلي على الأخوال والأعمام، ويعني بالجيران من استجار به. يقول: ما أوليته جيراني من الفضل فإنما أوليه أخوالي وأعمامي، لأني أشيد بذلك شرفهم وأبر عشيرتي وسلفي ببرهم. فسبيلي أن التزم الوفاء لمن استجا بي ولا أغدر بمن تعلق بحبلى، فحذف الفضل الثاني الذي تتعلق به على اختصاراً.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٤٩)
(يا رب جعد فيهم لو تدرين ... يضرب ضرب السبط المقاديم)
هذا الرجز لا أعلم قائله وزاد كراع قبله:
قالت سليمي لا أحب الجعدين ... ولا القصار إنهم مناتين
وأراد بالمقاديم ههنا الرؤوس لأنها مقاديم الحيوان، وهي في موضع نصب بيضرب لا بالضرب كأنه قال: يضرب المقاديم ضرب السبط فقدم وأخر. ولك في المقاديم وجهان: إن شئت جعلتها جمع المقدم الخفيف الدال الساكن القاف، فتكون الياء زائدة لإشباع الكسرة كالتي في قوله:
نفي الدراهم تنقاد الصياريف
стр. 815
وإن شئت جعلتها جمع المقدم المشدد الدال، فتكون الياء عوضاً عن إحدى الدالين الساقطة في التكسير. ومن روى ولا السباط فقد غلط لأنها كانت تحب السباط وتريدهم، والشعر يدل عل ذلك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٥٠)
(كأن أصوات القطا المنقض ... بالليل أصوات الحصى المنقز)
قال أبو علي هكذا رويته عن ابن قتيبة المنغص بالغين المعجمة والصاد غير المعجمة وهو من الغصص ومعناه المختنق، ورويته عن غير ابن قتيبة المنقض بالضاد المعجمة والقاف وهو الصواب، شبه صوت انقضاض القطا إذا انقضت بأصوات الحصى إذا قرع بعضها ببعض والمتنقز: المتوثب. يقال: قز وانقز إذا وثب.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٥١)
(والله لولا شيخنا عباد ... لكمرونا عندها أو كادوا)
(فرشط لما كره الفرشاط ... بفيشة كأنها ملطاط)
стр. 816
معنى كمرونا: غلبونا بعم كمرهم، والكمر: جمع كمرة وهي رأس الذكر. والفرشطة والفرشاط. فتح الفخذين. والملطاط: شفير الوادي والنهر وقال أبو بكر بن دريد: الملطاط أشد انخفاضاً من الفائط وأوسع منه قال غيره الملطاط عظم ناتيء في رأس البعير. وصف قوماً تفاخروا بعظم كمرهم فكان المفاخرون لهم يغلبونهم حتى أخرج شيخهم عباد كمرته فغلبهم.
وهذا الرجز يمكن أن يكون من الشعر الذي يسمى المختص وهو نوع من الرجز لكل بيتين قافية تخالف قافية بيتين آخرين فلا يكون من هذا الباب.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٥٢)
(كأن تحت درعها المنقد ... شطا رميت فوقه بشط)
هذا الرجز لأبي النجم، والمعروف (كأن تحت درعها المنعط) وهذا لا ضرورة فيه، وكذلك أنشده الحاتمي وذكر الأصبهاني أن الجنيد بن عبد الرحمن المرى بعث إلى خالد بن عبد الله القسري بسبي من الزط بيض، فجعل خالد يهب أهلي البيت كما هو للرجل من رجال قريش، حتى بقيت جارية منهن جميلة وعليها فوطتان فقال لأبي النجم: هل يحضرك فيها شيء وتأخذها الساعة؟ فقال العريان بن الهيثم النخعي - وكان على شرطته-: والله ما يقدر على ذلك. فقال أبو النجم:
علقت خودا من بنات الزط ... ذات جهاز مضغط ملط
ربي المجس حسن المخط ... كأنما قط على مقط
стр. 817
كان تحت ثوبها المنعط ... إذا بدا منها الذي تغطى
شطا رميت فوقه بشط ... لم ينز في البطن ولم ينحط
فيه شفاء من أذى التمطي ... كهامة الشيخ اليماني الثط
وأوما بيده إلى العريان وكان العريان ثطا وهو القليل شعر اللحية. فضحك خالد وقال له: خذها ثم قال: يا عريان: هل تراه احتاج إلى أن يروى فيها؟ قال: لا والله ولكنه ملعون ابن ملعون. والمنقد والمنعط سواء وهو المنشق المنخرق. وقال ابن قتيبة الثط: السنام. وقال الخليل الشط شق السنام وهو أحسن في التشبيه، والجهاز: الفرج.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٥٣)
(إذا نزلت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا)
وفسره فقال العند: الجانب، ورواه أبو بكر بن دريد العندا بضم العين وتشديد النون جعله جمع عائد وهو المائل المنحرف، وزاد بعده:
ولا أطيق البكرات الشردا
стр. 818
وقد يجوز لقائل أن يقول ما الذي يمنعكم أن جعلوا الألف حرف الروى فيهذين البيتين فلا يكونان من هذا الباب، وقد وجدناهم استعملوا الألف رويا في نحو قوله:
نأت دار ليلى وشط المزار ... فعيناك ما تطعمان الكرا
ومر بفرقتها بارح ... فصدق ذاك غراب النوى
فالجواب: أن الذي يمنع من ذلك أن الألف التي في قوله وسطا هي التي تبدل من التنوين في الوقف في نحو قولك رأيت زيدا، والألف التي في قوله العندا هي التي تزاد لإطلاق القوافي المنصوبة في نحو قوله:
أقلى اللوم عاذل والعتابا ... وقولي عن أصبت لقد أصابا
وهاتان الألفان لا يجوز أن تكونا رويا، فلذلك عدلنا عنه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٥٤)
(أبلج لم يولدبنجم الشح ... مميم البيت كريم السنح)
стр. 819
هذا الرجز يروى لرؤبة بن العجاج ولم أجده في ديوان شعره، والميمم: المقصود لكرمه، والسنخ والسنج بالخاء والجيم: الأصل، وقد روى السنح بالحاء غير معجمة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٥٥)
(كأنها والعهد منذ أقياظ ... أس جراميز على وجاذ)
قد ذكرنا في الكتاب الثاني أن الصواب (مذ أقياظ) بحذف نون منذ وإطلاق القافية لأن الرجز كله كذلك.
وأنشد أبو عمرو الشيباني في نوادره:
أتعرف الدار بذي أجراذ ... دار لسعدي وأبنني معاذ
إذ النوى تدنو عن الخواذ ... لم يبق منها رهم الرذاذ
ومر ريح سيهك هذاذ ... غير أثافى مرجل جواذى
كأنها والعهد مذ أقياظ ... أس جراميز على وجاذ
وفسره فقال الجواد: التفرقن والأس: الأصل، والجراميز: الحياض الواحد جرمز، والوجاذ: الصفا ولم نسمع له بواحد، كذا قال الشيباني. وقال غيره واحدها وجذ، وكذا قال سيبويه. والهذاذ: السريعة والسيهك والسيهج التي نسهك الأرض وتسجها أي تسحقها وتذرى ترابها. والرهم:
стр. 820
الأمطار الضعيفة والجواذي: المنتصبات، يقال جذا يجذوا إذا قام على أطراف أصابعه.
وانشد الأصمعي بعد هذا الرجز وذكر أنه لعمرو بن جميل ولم يذكر فيه البيتين اللذين أنشدهما ابن قتيبة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٥٥)
(حشورة الجنبين معطاء القفا ... لا تدع الدمن إذا الدمن طفا)
ألا بجزع مثل أثباج القطا
الحشورة: العظيمة، والمعطاء: التي تساقط شعرها. والدمن: الزبل، والأثباج: الأوساط. يصف ناقة قد اشتد عطشها فهي تشرب الماء بما يطفو عليه من الزبل ولا تعافه، ونظيره قول عوف بن عطية بن الخرع:
وتشرب أسار الحياض تسوفها ... ولو وردت ماء المريرة آجما
أراد آجنا، وهو المتغير، فأبدل النون ميماً. وشبه جرعاتها في عمها بأثباج القطا.
وأنشد ابن قتيبة ومن رأى رأيه هذا الرجز على أن الفاء هي حرف الروى، فلذلك جعله من هذا الباب. وقد يمكن أن تكون الألف هي حرف فلا يكون الروى في الرجز عيب وقد ذكرنا ذلك.
* * *
стр. 821
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٥٦)
(قبحت من سالفة ومن صدع ... كأنها كشية ضب في صقع)
هذا الرجز لجواس بن هريم. والسالفة: صفحة العنق: والكشية: شحمة بطن الضب. والصقع: الناحية من الأرض، ويروى صقغ بالغين معجمة. هجا امرأة وشبه سالفتها وصدغها في اصفرارهما بكشية ضب في صقع من الأرض، وأراد أن يقول من سالفتين ومن صدغين فلم تمكنه التثنية، فوضع الواحد موضع الاثنين اكتفاء بفهم السامع كما قال الآخر:
كأنه وجه تركيين قد غضبا ... مستهدف لطعان عند تذنيب
وقوله كأنها كشية ضب إنما أفرد الضمير ولم يقل كأنهما لأنه أراد سالفتيها وصدغيها وهي أربع فحمله على المعنى.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب المقلوب:
(٢٥٧)
(كأن لها في الأرض نسيا تقصة ... على أمها وإن تحدثك تبلت)
هذا البيت للشنفري الأزدي واسمه عمرو بن عامر. والنسى الشيء المنسي الذي ضل عن صاحبه ويكون النسي أيضاً الشيء الذي تقادم عهده حتى نسى.
стр. 822
وصف امرأة بالعفة والخفر يقول: إذا مشت نظرت إلى الأرض لشدة حيائها كأنها تطلب شيئاً تلف لها. والأم: القصد الذي تريده لا تعرج عنه إلى غيره ومعنى تبلت: تقطع كلامها ولا تطيله. وبعده:
أميمه لا يخزى نثاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفت وجلت
إذا هو أمسى آب قرة عينها ... مآب السعيد لم يقل أين ظلت
فدقت وجلت، واسبكرت وأكملت، ... فلوجن إنسان من الحسن جنت
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٥٨)
(مثل القسي انتقاها المنقي)
هذا الرجز لا أعلم قائله، وأحسيه يصف إبلا لأن تشبه بالقسي: وقد يمكن أن يكون شبه أضلاعها بالقسي كما قال الشماخ:
فقربت مبراة تخال ضلوعها ... من الماسخيات القسي الموترا
* * *
стр. 823
وأنشد في باب ما تتكلم به العرب من الكلام الأعجمي:
(٢٥٩)
(وكنا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه دون الأنثيين على الكرد)
هذا البيت للفرزدق يهجو به جندل بن الراعي وبعده:
وأورثك الراعي عبيد هراوة ... وما طورة تحت السوية من جلد
والعتود: من أولاد المعز الذي قد رعى النبات قوى. ونب: هاج وطلب السفاد. والأنثيان: الأذنان، جعلها أنثيين لأن اسمهما مؤنث. وهذا مما يوهمون فيه أن المعاني مطابقة للأسماء وإن كانت مخالفة لها لغرض من الأغراض يقصدونه، كما قال الآخر:
وما ذكر فإن يكبر فأنثى ... شديد الأزم ليس بذي ضروس
يريد القراد لأنه يقال له ما دام صغيراً قراد، وهو اسم مذكر اللفظ، فإذا كبر سمي حلمة وهو اسم مؤنث اللفظ. ومثله قول الأخطل ليربوع بن حنظلة:
تسد القاصعاء عليه حتى ... تنفق أو تموت به هزالا
جعله كاليربوع حقيقة إذا كان يسمى باسمه. والكرد: العنق. يقول إذا كثرت معز القسى وضأنه وتوالدت فأدركه الأشر وحركه إلى الحرب البطر، ضربنا عنقه، ونحوه قول الشماخ:
стр. 824
نبئت أن ربيعاً أن رعى إبلا ... يهدي إلى خناه ثاني الجيد
يقول لما كثرت إبله وحسنت حاله أبطرته النعمة. وقيل معناه أنا نغزوه في أيام الربيحين يهيج الحيوان ويطلب السفاد. وفي ذلك الوقت يغزو بعضهم بعضاً ونحوه قول الآخر:
قوم إذا نبت الربيع لهم ... نبتت عداوتهم مع البقل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٦٠)
٠ قد علمت فارس وحمير والـ ... أعراب بالدست أيكم نزلا)
هذا الشعر لأعشى بكر في شعر يمدح به سلامة ذا فايش الحمير. يقول: قد علمت الفرس وحمير والأعراب أيكم غلب على الصحراء ونزل بها. ويروى أيهم والدست: الصحراء، وإنما أشار بهذا على الحرب التي كانت بين حمير والحبشة، وكان سيف بن ذي يزن الحميري قدم على كسرى فاستمده على الحبشة، فبعث معه وهزر الفارسي، وفي ذلك يقول الأعشى:
قتلنا القيل مسروقاً ... وروينا الكثيب دما
стр. 825
وبعد البيت المتقدم:
ليث لدى الحرب أو تدوخ له ... قسراً وبذ الملوك ما فعلا
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٦١)
(قردمانيا وتركا كالبصل)
هذا البيت للبيد بن ربيعة وصدره:
فخمة ذفراء ترتى بالعرا
وقبله:
فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوه ذات جرس وزجل
النقع: ارتفاع الأصوات، ويحلبوه: يمدوه ويعينوه بحلائب الخيل، الجرس والجرس بالفتح والكسر: الصوت، والزجل كذلك إلا أن فيه تطريباً. أراد كتيبة ذات جرس وزجل، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه. وقوله فخمة ذفراء فيه قولان: قال يعقوب: أراد بالفخمة الكتيبة وجعلها ذفراء لسهكها وتغير رائحتها من الحديد. وقال ابن القزاز في المعاني: أراد درعاً وجعلها ذفراء لرائحة الحديد. وتُرتى: تشد يقال: رتوت الشيء إذا شددته، ورتوته: إذا أرخيته، وهو من الأضداد. ومعنى ترتى بالعرا أنهم كانوا يتخذون عرا في أوساط الدروع تشد ذيوله إليه لتشمر عن لابسها إذا أراد أن يمشي. وكانوا أيضاً يشدون البيض في الدروع لئلا تسقط البيضة عن رأس الفارس إذا ضرب على
стр. 826
رأسه، وكان الفارس ربما رفع ذيل درعه وشده في رئاس سيفه إذا أراد المشي ولذلك قال أبو قيس بن الأسلت:
أعددت للأعداء فضفاضة ... بيضاء مثل النهي بالقاع
أحفزها عني بذي رونق ... أبيض مثل الملح قطاع
واختلف في القردماني فقيل: هي دروع، وقال أبو عبيدة: قباء محشو، وقيل: هي قسى كانت تعمل وترفع في خزائن الملوك. وشعر لبيد هذا يشهد بأنها الدروع؛ لأنه قال بعد هذا البيت:
أحكم الجنثى من عورتها ... كل حرباء إذا أكره صل
والحرباء: مسمار تسمر به حلق الدرع، ومن رفع الجنثى ونصب كلا أراد بالجنثى الزراد، ومن نصب الجنثى ورفع كلا أراد بالجنثى السيف وجعل أحكم بمعنى منع ورد. وروى عن عورتها أي رد اسيف عن عوارتها. والترك البيض وشبهها بالبصل البرى في استدرائها وبياضها. وأحسن من هذا قول سلامة ابن جندبل:
كأن النعام باض فوق رؤوسهم ... بنهى القذاف، او بنهي مخفق
стр. 827
وفي إعراب بيت لبيد إشكال، فمن ذهب إلى أن الفخمة الدرع نصبها على البدل من ذات جرس، وهو بدل اشتمال لأن في قوله يحلبون ذات جرس وزجل معنى يشتمل على أنهم يحلبونه بالدروع وغيرها، والعائد من البدل إلى المبدل منه محذوف، كأنه قال بالعرا منها. هذا على قياس مذهب البصريين، وأما على قياس مذهب الكوفيين فإن الألف واللام في العرا سدتا مسد الضمير ونابتاً منابه وقردمانيا بدل من فخمة ولم نحتج في إبدال القردماني من الفخمة إلى ضمير كما احتجنا إليه في إبدال فخمة من ذات جرس؛ لأن القردماني هو الفخمة بعينها، لأنه لم يرد بالفحمة ههنا درعاً واحده وإنما هو لفظ خرج مخرج الخصوص والمراد به العموم، ومن ذهب إلى أن الفخمة ههنا الكتيبة وهو قول يعقوب، نصبها على الصفة لذات جرس ونصب قردمانيا بفعل مضمر دل عليه قوله ترتى بالعرا لأنه لما قال: ترتى بالعرا على صيغة ما لم يسم فاعله احتمل أن يريد أنها ترتو دروعها لتشمرها، أو ترتو بيضها على دروعها خوف السقوط.
فبين الرتو الذي أراد فكأنه قال ترتو قردمانيا، وتركا: أي تشد بيضاتها إلى دروعها خوف السقوط. ونظيره قول الآخر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوايح
لأنه لما قال ليبك يزيد على صيغة ما لم يسم فاعله احتمل أن يبكي لمعان شتى، فبين المعنى الذي أراد. وذهب بعض النحويين إلى أن قردمانيا مفعول ثان لترتي؛ لأنه إذا قال ترتي بالعرا فكأنه قال تكسى، يريد أنه أجراه مجرى الأفعال التي تحمل على غيرها لتداخل معانيها.
стр. 828
وقد ذكرنا في الكتاب الثاني طرفا من هذا المعنى. وهذا عندي بعيد ههنا لأنه إنما يصح له هذا التأويل في قول من قال أنه أراد بالفخمة الكتيبسة والكتيبة لا توصف بأنها ترتى بالعرا، إنما ترتى دروعها. فلابد من تقدير مضاف محذوف حتى يصح الكلام، كأنه قال: ترتى دروعها ثم حذف الدروع وأقام الضمير مقامها، فاستتر في الفعل، فلا يستقيم على هذا أن تجعل ترتى بمعنى تكسى، لأن الدروع لا توصف بأنها تكسى قردمانيا.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٦٢)
(كالخص إذ جلله الباري)
وقد تقدم هذا البيت في باب ما يشدد والعوام تخففه، وقلنا فيه هناك ما أغنى عن إعادته.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٦٣)
(كالحبشي التف أو تسبجا)
هذا البيت للعجاج وقبله:
واستبدلت رسومه سفنجا ... أصك نغضا لا يني مستهدجا
стр. 829
يعني بالسفنج ظليماً؛ وهو ذكر النعام. والأصك: الذي يصطك عرقوباه، وكل ظليم أصك لأنه ينشر جناحيه إذا أسرع ولا يستقل عن الأرض استقلال الطائر فيتقارب عرقوباه. والنغض: الذي يرفع رأسه ويحركه. وقوله: لايني مستهدجاً: أي لا يزال منفرا فزعاً لأنه شديد الشرود والخوف من كل شيء يراه، ولذلك قيل في المثل "أشرد من نعام" وأشرد من ظلم". ومعنى يني: يفتر. يقال وني في أمره يني. والمستهدج: الذي يحمل على أن يهدج ويضطر إلى ذلك، والهدج والهدجان: سرعة مع مقاربة خطو. وشبه الظليم لسواد لونه وما عليه من الريش بحبشي التف في كساء أو لبس سبيجا، وهو ثوب من صوف ليس له كمان مثل البقيرة يلبسه الجواري. ونحوه قول عنترة:
(كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم)
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٦٤)
(كما رأيت في الملاء البردجا)
وأنشد معه بيتين آخرين للعجاج، وهذه الأبيات الثلاثة متقاربة في شعره فرأيت أن أذكرها مع ما يتصل بها وهي:
стр. 830
وكل عيناء تزجى بخرجا ... كأنه مسرول أرنذجا
في نعجات من بياض نعجا ... كما رأيت في الملاء البردجا
يتبعن ذيالا موشى هبرجا ... فهن يعكفن به إذا حجا
بربض الأرطى وحقف أعوجا ... عكف النبيط يلعبون الفنزجا
يوم خراج يخرج السمرجا
العيناء: البقرة الوحشية، سميت بذلك لعظم عينها وتزجى بخرجا: تسوقه برفق لتعلمه المشي، والبخرج: ولد البقرة، والمسرول: الذي البس سراويل، والأرندج: جلد أسود يعمل منه أخفاف يلبسها النصارى كما قال الشماخ:
كمشى النصارى في خفاف اليرندج
وإنما قال ذلك لأن بقر الوحش في قوائمها سواد ونعجات بقر شديدات البياض. والنعج بفتح العين: البياض. كأنه قال في بقر مبيضات. والملاء: الملاحف. والبردج: ما سبى من ذراري الروم وغيرهم، وذيال: ثور طويل الذنب، والهبرج: المتبختر في مشيه. وحجا: أقام ووقف. والنبيط: جنس من العجمسموا بذلك لإنباطهم المياه، والفتزج: لعبة للنبط يجتمعون حولها. شبه اجتماع البقر حول الثور باجتماع النبط للفنزج. والسمرج الخراج يؤدي إلى العامل في ثلاث مرات هذا أصله عند الفرس واستعملته العرب في كل خراج.
стр. 831
وأنشد للعجاج أيضاً:
(٢٦٥)
(مياحة تميح مشياً رهوجاً)
يصف امرأة، والمياحة: التي تتبختر في مشيها، والمشي الرهوج: السهل، ومشي مصدر محمول على معنى الفعل لأنها إذا ماحت فقد مشت مشياً رهوجاً وبعده:
تدافع السيل ذا تعمجا
وتعمج السيل تثنيه.
* * *
وأنشد للعجاج أيضاً:
(٢٦٦)
(وكان ما اهتض الجحاف بهرحا)
اهتض: كسر وأهلك. والجحاف والجحاش: المدافعة في الحرب، وبهرج: باطل لا دية فيه. وإنما وصف حرباً ذكرها قبل هذا البيت بأبيات في قوله:
стр. 832
إنا إذا مُذكى الحروب أرجا ... منها سعاراً واستشاطت وهجا
ولبست للموت جلا اخرجا ... نرد عنا رأسها مشججا
ومعنى أرج: أوقد والسعار والوهج: حر النار، واستشاطت: التهبت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٦٧)
(وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمى سفسير)
هذا البيت يروى للنابغة الذبياني، ويروى لأوس بن حجر. والضمير في قوله: وفارقت يعود إلى ناقة ذكرها قبل هذا البيت في قوله.
هل تبلغنيهم حرف مصرمة ... أجد القفار وإدلاج وتهجير
قد عريت نصف حول أشهراً جدداً ... يسقى على رحلها بالحيرة المور
الحرف: الناقة التي انحرفت عن السمن إلى الضمر. وقيل: هي العظيمة الخلق. شبهت بحرف الجبل، وقيل: هي الماضية التي لا يردها شيء. شبهت
стр. 833
بحرف السيف، وقيل: هي التي تقوست من الهزال شبهت بحرف من حروف المعجم. قالوا وذلك الحرف هو النون لتقوسها، والمصرمة القليلة اللبن، وذلك محمود في الإبل التي تتخذ للركوب والسفر، ومذموم في الإبل التي يتخذ للنسل والأجد: القوية من قولهم بناء مؤجد، ويروى جرداً بالراء وجدداً بالدال. والمور: دقاق التراب الذي تحمله الريح ويسمى أيضاً السافي والسافياء وقارفت أي أكدت تجرب ولم تفعل. وباع ههنا بمعنى اشترى: والفصافص: جمع فصفصة وهي القضب، وأصلها بالفارسية (اسفست)، ويقال اسبست بالباء والفصافص من علف أهل الأمصار وليس من علف أهل البوادي، والنمى: فلوس من رصاص كانوا يتبايعون بها. وقيل: هو الدرهم الرديء يقال للدرهم الرديء قد ظهرت نُميته أي رداءته. والسفسير: خادم القوم وتابعهم، وهو أيضاً: الرسول، وهو أيضاً الفيج، والسفسير أيضاً الواسطة بين البائع والمشترى. وإنما أراد النابغة أنه أقام بالحيرة ستة أشهر ينتظر صلة النعمان حتى همت ناقته بأن تجرب لمقامها بالحاضرة واعتلافها علف أهل الأمصار، واختلاف الغذاء عليها، ولولا انتظار جبا الملك لم تقم فيها هذه المدة، وقد بين ذلك بقوله:
لولا الهمام الذي ترجى نوافله ... لقال راكبها في عصبة سيروا
وأنشد في هذا الباب:
(٢٦٨)
(وبيداء تحسب ارآمها ... رجال أياد بأجيادها)
стр. 834
البيت لأعشى بكر، والبيداء: الفلاة التي تبيد من سكها أي تهلكه، والآرام: أعلام تنصب في الفلوات ليهتدي، بها فشبهه برجال إياد لأنهم كانوا يوصفون بالطول وعظم الأجسام، ولذلك رواه الأصمعي بأجلادها: أي بشخوصها وخلقها.
وأما أبو عبيدة فقال: أراد الجودياء وهو الكساء بالنبطية أو بالفارسية يريد أنه شبه الأعلام برجال إياد وقد احتبت بأكسيتها، وقوله تحسب آرامها جملة في موضع الصفة للبيداء وهي صفة جرت على غير من هي له، واستتر فيها الضمير الفاعل لأن الفعل يتضمن ضمير الأجنبي كما يتضمن ضمير غير الأجنبي. ولو صيرت الجملة صفة محضة لبرز الضمير ولم تتضمنه الصفة، وكنت تقول: وبيداء حاسب آرامها أنت. والباء في قوله بأجيادها هي التي تنوب مناب واو الحال كأنه قال رجال إباد وهي بأجيادها. وبعد هذا البيت:
يقول الدليل بها للصحا ... ب لا تخطئوا بعض أرصادها
قطعت إذا خب ريعانها ... بعرفاء تنهض في آدها
* * *
وأنشد في هذا الباب
(٢٦٩)
(وغارة ذات قيروان ... كأن أسرابها الرعال)
стр. 835
هذا البيت لامريء القيس بن حجر، والقيروان: معظم الشيء وهو مفتوح الراء، وحكى صاعد بن الحسن الريعي، قال: حدثني على بن مهدي الفارسي، قال: سمعت ابن دريد يقول: القيروان بفتح الراء: الجيش، والقيروان بضم الراء القافلة، والأسراب الجماعات. والرعال. جمع رعلة: وهي القطعة من القطا، شبههم بها في السرعة. وبعده:
كأنهم حرشف مبثوث ... بالجو إذ تبرق النعال
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٧٠)
(أضاء مظلته بالسرا ... ج والليل غامر جدادها)
البيت لأعشى بكر يصف خماراً طرقه لابتياع خمر منه فأوقد سراجه والليل قد غمر جُداد المظلة. والمظلة: الخباء" والجُداد: الخيوط المعقدة. وقيل: هي هُدب الثوب. وقال أبو عبيدة هي خصاص ما بين شفتي الملة قال الأصمعي أراد أن الليل لازق بمؤخر البيت. وبعده:
دراهمنا كلها جيد ... فلا تحبسنا بتنقادها
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٧١)
(تضمنها وهم ركوب كأنه ... إذا ضم جنبيه المخارم رزدق)
стр. 836
هذا البيت لأوس بن حجر، ويقال أنه لشريح ابنه، وصف نعامة تساير ظليماً، وقبل هذا البيت:
كأن ولاياها إذا هي هيجت ... تضمنها وحف الجناحين نقنق
أرته حياض الموت صكاء صعلة ... فلا هي تشآه ولا هو يلحق
يقول كأن ولايا الناقة التي وصف على ظهر ظليم، وحف الجناحين، أي كثير الريش، والنقنق: الذي يردد صوته. والولايا: جمع ولية وهي شبه البرذعة، وقوله: أرته حياض الموت صكاء، يريد أنها أتعبته وجهدته بفرارها منه واتباعه إياها. والصكاء: النعامة المصطكة العرقوبين، والصعلة: الصغيرة الرأس. ومعنى تشآه: تسبقه. ومعنى تضمنها وهم: أي صارت فيه فاشتمل عليها، وكان ينبغي أن يقول تضمنها لأنه وصف ظليماً ونعامة فلم يمكنه، فأخبر عنها وترك الإخبار عن الظليم لعلم السامع أنه إذا تبعها فهو معها في طريق واحد. والوهم ههنا: الطريق العظيم، والركوب: الذي يركب ويوطأ. وشبهه بالرزدق وهو: السطر الممدود والصف، والمخارم: أنوف الجبال. ويجوز أن يكون الضمير في قوله تضمنها عائداً على الناقة المذكورة قبل هذه الأبيات في قوله
وإني لتعديني على الهم جسرة ... تخب بوصال صدوم وتعنق
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٧٢)
(ضوابعا ترمي بهن الرزدقا)
стр. 837
هذا البيت لرؤبة بن العجاج والضمير في قوله بهن يعود على إبل ذكرها في قوله:
والعيس يحذرن السياط المشقا ... كأن بالأقتاد ساجاً عوهقا
في الماء يفرقن العباب الغلفقا
العيس، الإبل البيض التي تخالط ألوانها حمرة، وهي أكرم الإبل. والمشق التي تؤثر بالضرب يقال مشقه بالصوط، والأقتاد: أعواد الرحل، والساج: خشب أسود تعمل منه السفن وغيرها. شبه الإبل وهي تسير في السراب بالسفن التي تسير في الماء. والعوهق: الطويل، والعباب: الموج، والغلفق. الطحلب وأراد العباب ذا الغلفق فحذف المضاف. والضوابع: التي تمد أضباعها في السير وهي أعضادها. وقيل: هي التي يسمع لصدورها صوت عند السير، وأراد بالزردق الطريق ههنا.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٧٣)
(كأنها وابن أيام ترببه ... من قرة العين مجتابا ديابود)
البيت للشماخ بن ضرار يصف، وقبله:
دار الفتاة التي كنا نقول لها ... يا ظبية عطلا حسانه الجيد
قوله كأنها يريد كأن الظبية ويعني بابن أيام ولدها الذي تربيه وجعله ابن أيام لصغره ويروى تُتضرتره أي تحركه ليمشي معها، ومعنى مجتابا: لابساً والديابود:
стр. 838
ثوب ينسج على نيرين. وفي معنى هذا البيت قولان: قيل أراد أنهما سمنا لما هما فيه من الخصب فكأنهما لمسنهما وحسن خلقهما قد لبسا ديابودا. وقيل: بل أراد أنهما في خصب يمشيان بين الأنوار والأزهار فكان عليهما من النبات ثوباً يلبسانه، وإلى هذا القول الثاني أشار يعقوب.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٧٤)
(حتى مات وهو محزرق)
هذا بعض عجز بيت لأعشى بكر والبيت بكماله:
فذاك وما نجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق
أراد النعمان بن المنذر حين سخط عليه كسرى فرمى به إلى الفيلة فقتلته، وساباط: موضع، ومحرزق: محبوس، وأصله بالنبطيطة هرزوقاء، ورواه الأصمعي وأبو زيد محرزق بتقديم الراء على الزاي، وكان أبو عمرو الشيباني يرويه بتقديم الزاي على الراء فقيل ذلك لأبي زيد فقال: أبو عمرو أعلم بهذا منا، يريد أن أمه نبطية فهو عالم بلغة النبط. وقوله فذاك إشارة إلى ما ذكره قبل هذا البيت من ملك النعمان بن المنذر وقدرته، وذلك قوله:
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بأمته يعطي القطوط ويأفق
وتجبي غليه السيلحون ودونه ... صريفون في أنهارها والخورنق
стр. 839
ثم قال بعد أبيات فذاك، ومعناه فذاك ملكه أو فملكه ذاك فارتفع ذاك على خبر مبتدأ مضمر أو على الابتداء وإضمار الخبر والضمير في أنجى يعود على الملك، أي وما أنجى الملك من الموت ربه، ويروى: هنالك ما اجنته عزة ربه. وروى أبو عبيد: هنالك لم ينفعه كيد وحيلة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٧٥)
(في جسم شخت المنكبين قوش)
هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وقبله يخاطب الحارث بن سليم الهجيمي:
إليك أشكو شدة المعيش ... ومر أعوام نتفن ريشي
نتف الحبارى عن قرارهيش ... حتى تركن أعظم الجؤشوش
حدباً على أحدب كالعريش ... غث ضعيف جبلة النطيش
القرا: الظهر، والهريش، لذي ترتهش من الهزال، والجؤشوش: الصدر، والغث: الهزيل، والنطيش، القوة والتصرف، والشخت: الرقيق، والقوش: الصغير.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٧٦)
(كدكان الدرابنة المطين)
стр. 840
البيت للمثقب العبدي واسمه عائذ بن محصن. وقال ابن قتيبة: اسمه محصن ابن ثعلبة، وسمى المثقب لقوله في هذه القصيدة:
رددن تحية وكتمن أخرى ... وثقبن الوصاوس للعيون
وهذا قول من قال المثقب بفتح القاف ومن قال المثقب بالكسر سماه بقوله:
فلا يدعني قومي لنصر عشيرتي ... لئن أنا لم أجلب عليهم وأثقب
وصدر البيت الذي أنشد ابن قتيبة بعضه:
(فأبقى باطلي والجد منها)
يعني ناقته يقول ركبتها في الباطل وجدت هي في السير فهزلت بين الباطل والجد. وبقى منها بعد الهزال كالدكان المطين الذي تجلس عليه الدرابنة، وهم: البوابون، واحدهم دربان. فإذا كانت خلفتها بعد أن هزلت على هذه الحال، فما ظنك بها قبل الضعف والهزال. وقبل هذا البيت:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى على وما يقيني
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٧٧)
(فسرونا عنه الجلال كما ... سل لبيع اللطيمة الدخدار)
стр. 841
البيت لأبي دؤاد الإيادي، وصف فرساً أضمره وسقاه اللبن. ومعنى سرونا: نزعنا. يقال سروت عنه الثوب أسروه سروا: إذا أزلته. والجلال: جمع جل وهو الكساء الذي يجلل به الفرس واللطيمة: إبل تحمل البز والطيب. يقول لما أكمل تضميره والقيام عليه، كشفنا عنه جله فبرز كأنه ثوب ينشره تاجر ليبيع به بقية ثيابه التي يتضمنها دخداره وهو تحت الثياب. وإنما يخرج التاجر أنفس ما في تحته. وهذا نحو من قول علقمة:
كميت كلون الأرجوان نشرته ... لبيع الرداء في الصوان المكعب
والصوان التخت، وقيل بيت أبي دؤاد:
دافع المحل والشتاء ويبس الـ ... عود عنه قناعس أظآر
رهلات ضراتهن مهاريس ... جلاد إذا شتون غزار
فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذود إذ يقسمن جار
القناعس: الإبل العظام، والأصل قناعيس بالياء، لأن الواحد منها قنعاس، فحذف الياء ضرورة. والاظآر: التي تعطف على أولاد غيرها، والرهلات: المسترخيات والضرات جمع ضرة وهي: لحم الضرع. والمهاريس: الشديدات الأكل. والغزار: الشديدة اللبن.
يقول: هذه الإبل وقف عليه تغذوه بألبانها عند عدم المرعى وهو يمنعها من أنيغار عليها فتقتسم. ومعنى قصرن: حبسن.
* * *
стр. 842
وأنشد في هذا الباب:
(٢٧٨)
(تجلو البوادق عنه صفح دخدار)
البيت للكميت الأسدي يصف بقرة وحشية ولا أحفظ صدره. ومعنى تجلو: تكشف. والصفح: الجانب.
يقول: إذا لمعت البروق في الظلام ظهر منها مثل صفح الدخدار.
* * *
وأنشد في باب دخول بعض الصفات على بعض:
(٢٧٩)
(باتت تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا)
لا أعلم لمن هذا الرجز. والنوش: التنول، ويقال جئته من علو ومن علو ومن عل مخفوض غير منون، ومن عل مضموم غير منون، ومن عل مفتوح غير منون، ومن عال ومن معال مخفوضان منونان، ومعناها كلها: أنه جاء من فوقه مستعلياً عيه. والفلا: جمع فلاة، وأجوازها: أوساطها. يصف ناقة شربت الماء من الحوض. وقد يمكن أن يصف إبلاً، ويريد بقوله (به تقطع أجواز الفلا) أنهم كانوا إذا حاولوا سفراً سقوا إبلهم الماء على نحو ما يقدرونه من بعد المسافة وقربها، وكانوا يجعلون أظماء الإبل ثلثا وربعاً وخمساً على العشر، والعشر
стр. 843
نهاية الأظماء. وكانوا ربما احتاجوا في الفلاة إلى الماء ولا ماء عندهم فينحرون الإبل ويستخرجون ما في أجوافها من الماء ويشربونه، وهو معنى قوله زيد الخيل الطائي:
نصول بكل أبيض مشرفي ... على اللائي بقى فيهن ماء
عشية نؤثر الغرباء فينا ... فلاهم هالكون ولا رواء
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨٠)
(إذا نفحت من عين يمين المشارق)
البيت لذي الرمة وصدره
وهيف تهيج البين بعد تجاورٍ
والهيف: ريح حارة ذات سموم إذا هبت أعطشت الناس الإبل وغيرها، وجففت النبات وأيبست المياه، فكان ذلك سبباً لرحيلهم وطلبهم النجعة. ولذلك قال: تهيج البين بعد تجاور. ومعنى نفحت: هبت. وقبل هذا البيت
الما يئن للقلب إلا تشوقه ... رسوم المغاني وابتكار الحزائق
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨١)
(من عن يمين الحبيا نظرة قبل)
стр. 844
البيت للقطامي، واسمه عمير بن أشيم تصغير اشيم؛ وهو الذي به شامة. ويقال شييم بكسر الشين.
وصدره:
فقت للركب لما أن علا بهم
والركب جمع راكب، والحبيا: موضع بالشام، والنظرة القبل: المستأنفة التي لم تتقدمها نظرة، والباء في قوله: علا بهم هي باء النقل التي تعاقب الهمزة في قولك دخلت به وأدخلته. ومعنى علا بهم، جعلهم يعلون وينظرون، ويروى علت بهم بغير تاء، والقول الثاني قاله في بيت آخر وهو:
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت بها الكلل
واللمحة: اللمعة، وسنا البرق: ضوءه، واختالت: تبخترت. والكلل: الستور. يريد أن وجه عالية ظهر غليهم من الستر فأشرفوا ينظرون إليه إعجاباً به.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨٢)
(غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... تصل وعن قبض ببيداء مجهل)
البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي وصف قطاة وقبل هذا البيت:
أذلك أم كدرية ظل فرخها ... لقي بشرورى كاليتيم المعيل
стр. 845
يعني بالكدرية قطاة في لونها كدرة، واللقى: المطروح الذي لا يلتفت إليه. وشرورى: موضع، وشبهه في انفراده وسوء حاله باليتيم. والمعيل: الفقير. قال الأصمعي: وإنما قال لقى بشروري لأن القطاة لا تبيض إلا في الأرض في مفاحص ونقر ولا تعشش في الشجر. وقوله (غدت من عليه) يريد أن أقامت مع فرخها حتى احتاجت إلى ورود الماء وعطشت فطارت تطلب الماء عند تمام ظمئها والظمء: مدة صبرها عن الماء وهو ما بين الشرب إلى الشرب ويروى تم خمسها وهو ورود الماء في كل خمسة أيام. ولم يرد أنها تصبر عن الماء خمسة أيام إنما هذا للإبل لا للطير، ولكنه ضربه مثلاً. هذا قول أبي حاتم، ولأجل ذلك كانت رواية من روى ظمؤها، أحسن وأصح معنى.
وقال الأصمعي: قوله (من عليه) يريد من فوق الفرخ. وقال أبو عبيدة: معناه غدت من عند فرخها، وقال يعقوب في المعاني: قوله: بعد ما تم ظمؤها، أي إنها كانت تشرب في كل ثلاثة أيام أو أربعة مرة. فلما جاء ذلك الوقت طارت. قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: كيف قال غدت من عليه، والقطاة غنما تذهب إلى الماء ليلاً لا غدوة؟ فقال: لم يرد الغدوة وغنما هذا مثل للتعجيل، والعرب تقول بكر إلى العشية ولا بكور هناك.
* * *
وأنشد أبو زيد:
(٢٨٣)
(بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي)
следующие страницы →