Полный текст (952 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
البيت لأبي دؤاد الإيادي، وصف فرساً أضمره وسقاه اللبن. ومعنى سرونا: نزعنا. يقال سروت عنه الثوب أسروه سروا: إذا أزلته. والجلال: جمع جل وهو الكساء الذي يجلل به الفرس واللطيمة: إبل تحمل البز والطيب. يقول لما أكمل تضميره والقيام عليه، كشفنا عنه جله فبرز كأنه ثوب ينشره تاجر ليبيع به بقية ثيابه التي يتضمنها دخداره وهو تحت الثياب. وإنما يخرج التاجر أنفس ما في تحته. وهذا نحو من قول علقمة:
كميت كلون الأرجوان نشرته ... لبيع الرداء في الصوان المكعب
والصوان التخت، وقيل بيت أبي دؤاد:
دافع المحل والشتاء ويبس الـ ... عود عنه قناعس أظآر
رهلات ضراتهن مهاريس ... جلاد إذا شتون غزار
فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذود إذ يقسمن جار
القناعس: الإبل العظام، والأصل قناعيس بالياء، لأن الواحد منها قنعاس، فحذف الياء ضرورة. والاظآر: التي تعطف على أولاد غيرها، والرهلات: المسترخيات والضرات جمع ضرة وهي: لحم الضرع. والمهاريس: الشديدات الأكل. والغزار: الشديدة اللبن.
يقول: هذه الإبل وقف عليه تغذوه بألبانها عند عدم المرعى وهو يمنعها من أنيغار عليها فتقتسم. ومعنى قصرن: حبسن.
* * *
стр. 842
وأنشد في هذا الباب:
(٢٧٨)
(تجلو البوادق عنه صفح دخدار)
البيت للكميت الأسدي يصف بقرة وحشية ولا أحفظ صدره. ومعنى تجلو: تكشف. والصفح: الجانب.
يقول: إذا لمعت البروق في الظلام ظهر منها مثل صفح الدخدار.
* * *
وأنشد في باب دخول بعض الصفات على بعض:
(٢٧٩)
(باتت تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا)
لا أعلم لمن هذا الرجز. والنوش: التنول، ويقال جئته من علو ومن علو ومن عل مخفوض غير منون، ومن عل مضموم غير منون، ومن عل مفتوح غير منون، ومن عال ومن معال مخفوضان منونان، ومعناها كلها: أنه جاء من فوقه مستعلياً عيه. والفلا: جمع فلاة، وأجوازها: أوساطها. يصف ناقة شربت الماء من الحوض. وقد يمكن أن يصف إبلاً، ويريد بقوله (به تقطع أجواز الفلا) أنهم كانوا إذا حاولوا سفراً سقوا إبلهم الماء على نحو ما يقدرونه من بعد المسافة وقربها، وكانوا يجعلون أظماء الإبل ثلثا وربعاً وخمساً على العشر، والعشر
стр. 843
نهاية الأظماء. وكانوا ربما احتاجوا في الفلاة إلى الماء ولا ماء عندهم فينحرون الإبل ويستخرجون ما في أجوافها من الماء ويشربونه، وهو معنى قوله زيد الخيل الطائي:
نصول بكل أبيض مشرفي ... على اللائي بقى فيهن ماء
عشية نؤثر الغرباء فينا ... فلاهم هالكون ولا رواء
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨٠)
(إذا نفحت من عين يمين المشارق)
البيت لذي الرمة وصدره
وهيف تهيج البين بعد تجاورٍ
والهيف: ريح حارة ذات سموم إذا هبت أعطشت الناس الإبل وغيرها، وجففت النبات وأيبست المياه، فكان ذلك سبباً لرحيلهم وطلبهم النجعة. ولذلك قال: تهيج البين بعد تجاور. ومعنى نفحت: هبت. وقبل هذا البيت
الما يئن للقلب إلا تشوقه ... رسوم المغاني وابتكار الحزائق
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨١)
(من عن يمين الحبيا نظرة قبل)
стр. 844
البيت للقطامي، واسمه عمير بن أشيم تصغير اشيم؛ وهو الذي به شامة. ويقال شييم بكسر الشين.
وصدره:
فقت للركب لما أن علا بهم
والركب جمع راكب، والحبيا: موضع بالشام، والنظرة القبل: المستأنفة التي لم تتقدمها نظرة، والباء في قوله: علا بهم هي باء النقل التي تعاقب الهمزة في قولك دخلت به وأدخلته. ومعنى علا بهم، جعلهم يعلون وينظرون، ويروى علت بهم بغير تاء، والقول الثاني قاله في بيت آخر وهو:
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت بها الكلل
واللمحة: اللمعة، وسنا البرق: ضوءه، واختالت: تبخترت. والكلل: الستور. يريد أن وجه عالية ظهر غليهم من الستر فأشرفوا ينظرون إليه إعجاباً به.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨٢)
(غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... تصل وعن قبض ببيداء مجهل)
البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي وصف قطاة وقبل هذا البيت:
أذلك أم كدرية ظل فرخها ... لقي بشرورى كاليتيم المعيل
стр. 845
يعني بالكدرية قطاة في لونها كدرة، واللقى: المطروح الذي لا يلتفت إليه. وشرورى: موضع، وشبهه في انفراده وسوء حاله باليتيم. والمعيل: الفقير. قال الأصمعي: وإنما قال لقى بشروري لأن القطاة لا تبيض إلا في الأرض في مفاحص ونقر ولا تعشش في الشجر. وقوله (غدت من عليه) يريد أن أقامت مع فرخها حتى احتاجت إلى ورود الماء وعطشت فطارت تطلب الماء عند تمام ظمئها والظمء: مدة صبرها عن الماء وهو ما بين الشرب إلى الشرب ويروى تم خمسها وهو ورود الماء في كل خمسة أيام. ولم يرد أنها تصبر عن الماء خمسة أيام إنما هذا للإبل لا للطير، ولكنه ضربه مثلاً. هذا قول أبي حاتم، ولأجل ذلك كانت رواية من روى ظمؤها، أحسن وأصح معنى.
وقال الأصمعي: قوله (من عليه) يريد من فوق الفرخ. وقال أبو عبيدة: معناه غدت من عند فرخها، وقال يعقوب في المعاني: قوله: بعد ما تم ظمؤها، أي إنها كانت تشرب في كل ثلاثة أيام أو أربعة مرة. فلما جاء ذلك الوقت طارت. قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: كيف قال غدت من عليه، والقطاة غنما تذهب إلى الماء ليلاً لا غدوة؟ فقال: لم يرد الغدوة وغنما هذا مثل للتعجيل، والعرب تقول بكر إلى العشية ولا بكور هناك.
* * *
وأنشد أبو زيد:
(٢٨٣)
(بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي)
стр. 846
وعلى هذا يتأول بيت النابغة:
مشى الإماء الغوادي تحمل الحزُما
وقال أبو حاتم: معنى تصل: تضرب أحشاءها من اليبس والعطش، والصليل: صوت الشيء اليابس، يقال: جاءت الإبل تصل عطشا. وقال غيره: أراد أنها تصوت في طيرانها، والقيض: قشر البيضة الأعلى، وإنما أراد قشر البيضة التي خرج منها فرخها. والبيداء: القفر الذي يبيد من سلكه أي يهلكه، والمجهل: الذي ليس فيه أعلام يهتدي بها، ويروى بزيزاء مجهل والزيزاء: ما ارتفع من الأرض وغلظ فمن روى بيداء جعل المجهل صفة لها، من روى بزيزاء أضافها إلى مجهل، وهذه رواية البصريين، وأجاز الكوفيون ترك صرف زيزاء على أن يكون ألفها للتأنيث، واحتجوا بقوله تعالى (تخرج من طور سيناء) في قراءة من قرأ بكسر السين. فمجهل على هذا الرأي صفة لزيزاء. ولم يجز البصريون ذلك، وألف فعلاء المكسورة الفاء لا تكون عندهم إلا للإلحاق وكذلك فعلاء المضمومة الفاء دائماً تكون الهمزة للتأنيث عندهم في فعلاء المفتوحة الفاء خاصة، ويقولون في قوله تعالى (من طور سيناء) ليس امتناعه من الصرف من أجل أن الهمزة للتأنيث، وإنما امتناعه لأنه ذهب بها إلى البقعة أو الأرض فاجتمع فيها التأنيث والتعريف وفي القولين جميعاً نظر.
* * *
стр. 847
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٨٤)
(وزعت بكالهراوة أعوجى ... إذا ونت الركاب جرى وثابا)
هذا البيت لابن عادية السلمى فيما ذكر أبو عبيدة، وبعده:
كمريخ يدافع جانبيه ... كأن يدف فارسه عقاباً
فنجاني من الغمرات يردى ... ونار الحرب تلتهب التهابا
قوله وزعت يقول: ففت الخيل عن انتشارها في الغارة بفرس مثل الهراوة في الشدة والصلابة إذا ونت الإبل التي تتمطى وتحمل مجنوباً معها لم يعى هو وجرى حينئذ إن احتيج إلى جريه، وثاب له جرى. ومعنى ونت: فترت وأعيت. والركاب: الإبل، ولو قال إذا ونت الجياد لكان أجود، ولكن كذا الرواية. ومعنى ثاب: جاء يجرى بعد جرى، وأعوجي: منسوب إلى أعوج وهو فرس قديم تنسب إليه عتاق الخيل، والمريخ: السهم الذي يغالي به. وقوله يدافع جانبيه: أي ينثني في عطفيه، والدف: الجنب. يقول إذا قاده فارسه إلى جنبه فكأنه يقود عقاباً من سرعته.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٨٥)
(ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فهي العين طوراً وترتقي)
стр. 848
هذا البيت يروى لامرئ القيس بن حجر النكدي، ويروى لعمرو بن عمار الطائي، وصف فرساً فقال: رحنا من الصيد بفرس مثل ابن الماء في سرعته وسهولة مشيه، وابن الماء: طائر يقال إنه الغرنيق، ويجنب: يقاد، ويرى يختب وهو يفتعل من الخبب وهو جرى، ليس بالشديد، وتصوب: تنحدر، وترتقي: ترتفع .. يريد أن يعن النظر إليه تصعد فيه النظر وتصوبه إعجاباً به.
وبعده:
وأصحب زهلولاً يزل غلامنا ... كقدح النضى باليدين المفوق
والزهلول: الخفيف. يقول أصبح خفيفاً بعد أن جهدناه في طلب الصيد لم يكسر ذلك من حدته ولا نقص من سرعته، والقدح، السهم، والنضى: الذي لا نصل فيه. قال ثعلب: ولا يقال له سهم حتى يكون فيه نصل، وإن لم يكن في نصل فهو قدح. والمفوق: الذي عمل فيه فوق وهو موضع الوتر من السهم.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨٦)
(وصاليات ككما يؤثفين)
البيت لخطام المجاشعي وصف منزلاً قد خلا من أهله وبقيت فيه آثارهم، ومن تلك الآثار صاليات يعني الأثافي، لأنها صليت بالنار حتى اسودت، وأجرى الكاف الجارة مجرى مثل، فأدخل عليها كافا ثانية، فكأنه قال كمثل ما يوثفين،
стр. 849
(وما) مع الفعل تقدر بتقدير المصدر كأنه قال كمثل إثفائها؛ أي إنها على حالها حين أثفيت، والكافان في قوله (ككما) لا تتعلقان بشيء، أما الأولى منهما فإنها زائدة كزيادتها في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) وقد ذكرنا فيما مضى أن حرف الجر إذا كان زائداً لم يتعلق بشيء. وأما الثانية فقد جرت مجرى الأسماء لدخول حرف الجر عليها فحكمها كحكم الأسماء، ولو سقطت الكاف الأولى لقال كما يؤثفين، وكان يجب حينئذ أن تكون الكاف متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدر محمول على معنى الصاليات لا على لفهظا، لأنه قوله وصاليات قد ناب مناب قوله ومثفيات فكأنه قال ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر، ولابد لك من هذا التقدير ليصح اللفظ والمعنى، وأما قوله يوثفين فاختلف النحويون في وزنه من الفعل، فقال قوم: وزنه يؤفعلن والهمزة زائدة والثاء فيه فاء الفعل وكان يجب أن يقول يثفين ليكون كيرضين ويعلين غير أنه جاء به على الأصل للضرورة كما قال الآخر-: (فإنه أهل لأن يؤكرما-) وكان قياسه يكرما. ومن ذهب هذا المذهب جعل وزن أثفية أفعولة، وأصلها أثفوية اجتمعت فيها ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبل الياء لتصح. واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب ثفيت القدر: إذا جعلتها على الأثافي. وبقول الكميت:
وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا ... ولا ثفيت إلا بنا حين تنصب
وتقول العرب: امرأة مثفاة، إذا كان لها ثلاثة أزواج. وقال قوم: وزن يؤثقين على مثال يسلقين ويجعبين، وجعلوا الهمزة أصلاً والياء هي الزائدة بعكس
стр. 850
القول الأول؛ ووزن أثفية عنهم فعلية على مثال بختية، واستدلوا على لك بقول النابغة:
- وإن تأثفك الأعداء بالرفد -
فوزن تأثف تفعلك لا يصح فيه غير ذلك، والهمزة أصل ولو كان من قولهم ثفيت القدر لقال تثفاك. وفي هذه المسألة نظر أوسع من هذا ولنا ندعه لموضع هو أخص به من هذا الموضع.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨٧)
(على كالحنيف السحق يدعو به الصدي ... له قلب عفى الحياض اجون)
هذا البيت يروى لامرئ القيس بن حجر ويروى لسلامة العجل، وقبله:
سأبعثها يدمى من الجهد خفها ... وأنت بأكناف الشطيط بطين
قوله سأبعثها يعني ناقته، وأرد أنه يسير بها وإن كان خفها قد دمى من الجهد والتعب على طريق مثل الخنيف، والخنيف: ثوب يتخذ من الكتان: والسحق البالي. يريد أنه طريق قديم قد سلكه الناس وأثروا فيه بالأقدام والحوافر، فلذلك
стр. 851
شبهه بالثوب البالين والصدى: ذكر البوم، يريد أنه موحش خال، فالبوم يصيح فيه، والقلب: الآبار واحدها قليب، وعفى: جمع عاف وهو الدارس، وأجون قد أجن ماؤها أي تغير لطول عهده بالاستقاء منه، وأجون جمع آجن، كما يقال قاعد وقعود، ويجوز أن يكون أجون مصدراً وصف به، فيكون تقديره ذات أجون فحف المضاف، يقال أجن الماء وأجن بفتح الجيم وكسرها: إذا تغير، فمن كسر الجيم قال في تصريفه يا جن أجنا فهو أجن، كقولك حذر يحذر حذرا فهو حذرن ومن فتح الجيم من الماضي قال في تصريه يا جن وياجن بكسر الجيم وضمها وفي المصدر أجن (بسكون الجيم) وأجون، وفي اسم الفاعل آجن، وهذه رواية يعقوب، وأما الطوسي فروى: له (صدد ورد التراب دفين) والصدد القصد والورد الأحمر.
* * *
وأنشد في باب دخول بعض الصفات على بعض:
(٢٨٨)
(وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا)
هذا البيت لا أعلم قائله، والأجدع: المقطوع الأنف، والتقدير فلا عطست شيبان إلا بأنف أجدع، فحذف الموصوف. وفيه مجاز آخر، وهو أنه بأنوف الواحد موضع الجمع كما قال : (ثم يخرجكم طفلاً) كأنه قال: وضع جدع ودعا عليهم بجدع الأنوف لصلبهم العبدي.
* * *
стр. 852
وأنشد في هذا الباب:
(٢٨٩)
(بطل كان ثيابه في سرحة)
هذا البيت من مشهور شعر عنترة بن شداد وتمامه:
يحذى نعال السبت ليس بتوأم
السرحة: شجو فيه طول وإشراف، أراد أنه طويل الجسم فكأن ثيابه على سرحة من طوله. وقوله (يحذى نعال السبت)، يريد أنه من الملوك فهو يلبس النعال السبتية وهي المدبوغة بالقرظ وهم يتمدحون بجودة النعلا كما يتمدحون بجودة الملابس، ولذلك قال النابغة:
رقاق النعال طيب حجزاتهم
وقال كثير:
إذا جردت لم تطب الكلب ريحها ... وإن خليت في مجلس القوم شمت
يريد بقوله لم تطب الكلب ريحها أنها ليست من جلد غير مدبوغ لأن النعال إذا كانت كذلك وفر بها الكلب أكلها كما قال النجاشي:
ولا يأكل الكلب السروق نعالنا ... ولا ينتقي المخ الذي في الجماجم
стр. 853
وقوله ليس بتوأم يريد أنه لم يزاحمه أخ في بطن أمه فيكون ضاوي الخلق ضعيفاً.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩٠)
(فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب)
هذا البيت من مشهور شعر النابغة الذبياني الذي يقوله للنعمان بن المنذر اللخمي عند موجدته عليه. والوعيد: التهديد، والقار ههنا: القطران، وإنما شبه نفسه بالبعير الجرب المطلي بالقطران، لأن الناس يطردونه إذا أراد الدخول بين إبلهم لئلا يعرها بالقطران ويعديها بدائه، فقال للنعمان إن لم تعف عني كنت كهذا البعير يتحاما في الناس ما يتحامونه خوفاً منك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩١)
(وأن يلتقي الحي الجميع تلاقني ... على ذرة البيت الرفيع المصمد)
هذا البيت من مشهور شعر طرفة بن العبد، وذروة كل شيء: أعلاه، والمصمد: الذي يقصده الناس، يصف أنه مشهور المكان في الشرف كما قال الأحوص:
إني إذا خفى الرجال وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان
стр. 854
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٩٢)
(إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها)
البيت للقحيف العقيلي، وزاد أبو زيد الأنصاري بعده:
ولا تنيو سيوف بني قشير ... ولا تمضي الأسنة في صفاها
وقد تقدم من قولنا في وقوع (على) ههنا موقع (عن) ما أغنانا عن إعادته ههنا.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩٣)
(أرمي عليها وهي فرع أجمع)
وزاد يعقوب في كتاب القلب والإبدال:
وهي ثلاث أذرع والإصبع ... وهي إذا انبضت فيها تسجع
ترنم النحل أبى لا يهجع
الفرع: القوس تتخذ من عود كامل، وقيل: هي التي تتخذ من طرف القضيب، وقوله: والإصبع كان الذي يقطع العود لتتخذ منه القوس يزيد على الثلاث الأذرع المتعارفة إصبعاً احتياطاً لاختلاف أذرع الناس في الطول والقصر.
стр. 855
فصارت الإصبع معهودة عندهم متعارفة لديهم، كتعارف الأذرع الثلاث، فلذلك أدخل عليها الألف واللام اللتين للعهد، وكانوا ربما زادوا شبراً قال الراجز:
ما علتي وأنا شيء يجر ... والقوس فيها وتر حبجر
وهي ثلاث أذرع والشبر
والإنباض: جذب الوتر عند الرمي. وشبه رنينها عند إنباضها بترنم النحل، وذل لكرم عودها وعتقه. وأما قوله (وهي فرع أجمع) فإن اجمع يرتفع على وجهين: أحدهما التأكيد للضمير المتوهم في فرع، لأن فرعاً وإن لم يكن جارياً على فعل، فإنه بمعنى الجاري، كما قالوا؛ مررت بقاع عرفج له، والثاني أن يكون تأكيداً لهي كأنه قال: وهي أجمع فرع. وكان ينبغي أن يقول: جميعاً ولكنه حمله على معنى العود. وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن فرعا نكرة، والنكرة لا تؤكد، وقد حكى الكوفيون تأكيد النكرة في الشعر وأنشدوا:
يا ليتني كنت صبياً مرضعاً ... تحملني الذلفاء حولا أكتعا
إذا بكيت قبلتني أربعاً ... إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا
ففي هذا شيئان من الشذوذ: أحدهما تأكيد النكرة، والثاني استعمال (أكتع) غير تابع لأجمع.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩٤)
(لم تعقلا جفرة على ولم ... أوذِ صديقاً ولم أبل طبعاً)
стр. 856
هذا البيت الذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن عمرو، ويقال حرثان ابن الحارث بن محرث، ولقب ذا الإصبع لأن أفعى عضت إصبعه فقطعها، وقبل هذا البيت:
إنكما صاحبي لن تدعا ... لومي ومهما أضع فلن تسعا
إنكما من سفاه رأيكما ... لن تجنباني الشكاة والقذعا
يعنف صاحبيه على لومهما إياه فيقول لهما: لم أجن جناية تعقلان فيها عنى جفرة، وهي الصغيرة من أولاد الضان والمعز، ولم أوذ صديقاً من أصدقائي ولم أتدنس بدنس فأستحق اللوم على ذلك، قال الأصمعي: والجفرة لا تعقل وإنما ضرب مثلاً أي لم تعقلا عني قدر جفرة، والقذع: الكلام القبيح. والطبع: الدنس. وأصل الطبع في السيف، ثم استعير في غيره.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩٥)
(إذا ما امرؤ ولى على بوده ... وأدبر لم يصدر بادباره ودي)
стр. 857
البيت لدوسر بن عسان اليربوعي، وبعده:
ولم أتعذر من خلال تسوؤه ... كما كان يأتي مثلهن على عمد
فإن تك أثوابي تمزقن للبلى ... فإني كنصل السيف في خلق الغمد
ويروى لم يدبر بإدباره.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩٦)
(فان تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب)
هذا البيت من مشهور شعر علقمة بن عبدة، وعبدة مفتوح الباء ومن سكنها فقد أخطأ، فأما عبدة بن الطيب فساكن الباء، وقد قيد ابن الرومي هذا بقوله:
أعتقت عبدي في القريض معا ... عبدة والفحل من بني عبده
وقد قيد عبدة بن الطيب هذا أيضاً بقوله
يتباشرون بأن عبدة مقبل ... كلاً وما جمع الحجيج إلى منى
والبصير: العالم. والطبيب: الحاذق وأدواء: جمع داء.
стр. 858
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩٧)
(تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينه أم لم تعارا)
البيت لعمرو بن أحمر وهذا من الشعر الذي يدل على قائله ويغني عن ذره ووقع في شعر ابن أحمر: (وربت سائل عني حفي) وهو الصحيح، لأنه ليس قبل هذا البيت مذكور يعود إليه الضمير من قوله (تسائل)، ولعل الذي ذكر ابن قتيبة رواية ثانية مخالفة للرواية التي وقعت إلينا من هذا الشعر. وبعد هذا البيت:
فإن يفرح بما لاقيت قومي ... لئامهم فلم أكثر حواراً
والحوار: مصدر حاورته في الأمر إذا راجعته فيه. يقول: لم أكثر مراجعة من سر بذلك من قومي ولا عنفته في سروره بما أصابني، وكان رماه رجل يقال له مخشي بسهم ففقأ عينه وفي ذلك يقول:
شلت أنامل مخشي فلا جبرت ... ولا استعان بضاحي كفه أبدا
أهوى لها مشقصاً حشراً فشبرقها ... وكنت أدعوها قذاها الإثمد الفردا
أعشو بعين وأخرى قد أضربها ... ريب الزمان فأمسى ضوءها خمدا
وقوله: أم لم تعارا، كان قياسه أن يقول أم لم تعر، ولكنه أراد النون الخفيفة كما قال الآخر:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخنا على كرسيه معمما
* * *
стр. 859
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٢٩٨)
(دع المغمر لا تسأل بمصرعه ... واسأل بمصقلة البكرى ما فعلا)
البيت للأخطل من شعر يمدح به مصقلة بن هبيرة أحد بني ثعلبةبن شيبان والمغمر ههنا: الرجل الذي تغمره الرجال أي تفضله وتعلو عليه وهو من قولهم: غمره الماء إذا علاه فلم يظهر، فشبه الرجل الذي لا صيت له في الناس بالشيء المتوارى تحت الماء. ويقال في هذا المعنى: رجل مغمور، وهو الذي أراد ابن قتيبة بقوله (فالعلماء مغمورون).
يقول لا تسأل عن مصرع من هو بهذه الصفة، فإن فقده لا يهم، والرزء به لا يغم، وإنما ينبغي لك أن تسأل عن مصقلة البكرى الذي يوجع مصابه ويستمطر إيابه وبعد هذا البيت:
جزل العطاء، وأقوام إذا سئلوا ... يعطون نزرا ًما تستوكف الوشلا
وفارس غير وقاف برايته ... يوم الكريهة حتى يخضب الأسلا
والنزر: القليل من كل شيء، والوشل: القليل من الماء خاصة، وتستوكف تستقطر قطرة بعد قطرة.
وقوله: ما فعلا فيه ثلاثة أوجه: يجوز أن تكون (ما) بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر، وهي في كلا هذين الوجهين يدل من مصقلة، والعامل فيها الباء العاملة في مصقلة، ويجوز أن يجعلها استفهاماً فتكون
стр. 860
في موضع نصب بالفعل الذي بعدها ويكون في هذا الوجه قد علق الباء عن العمل في (ما)، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وأجرى السؤال مجرى القول لأنهما يرجعان إلى معنى واحد؛ فإن قال قائل: قد وجدنا أسماء الاستفهام يعمل فيها ما قبلها إذا كان العامل من عوامل الجر، وما ينوب منابها كقولك: بمن تمر؟ ولم جئت. وإنما يمتنع ذلك في الناصب والرافع، فلم امتنعت من أعمال الباء في قوله ما فعلا؟ فالجواب: أن ذلك إنما يجوز في الجار إذا كان متعلقاً بما بعده، وهذه الباء ههنا متعلقة بما قبلها فلذلك لم يجز ذلك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٢٩٩)
(ولا يسأل الضيف الغريب إذا شتا ... بما زخرت قدرى له حين ودعا)
هذا البيت لمالك بن حريم الهمذاني، وكان أبو العباس المبرد يقول: خريم بخاء معجمة وراء مفتوحة على لفظ التصغير، وكان ينسب في ذلك إلى التصحيف، قال السيرافي: وأخبرني أبو بكر بن السراج أنه وجد بخط اليزيدي الروايتين جميعاً.
وحكى أبو جعفر بن النحاس قيل: قال أبو عبد الله نفطويه: هو مالك بن خزيم بالزاي وخاء معجمة على لفظ التصغير. كذلك وجدته مضبوطاً عنه، ووقع
стр. 861
في بعض نسخ أدب الكتاب: ولا تسأل الضيف بنصب الضيف وتاء الخطاب على لفظ النهي، والصحيح ولا يسأل الضيف بالرفع، والياء على وجه الإخبار، وعليه يصح المعنى لأن بعده:
(فإن يك غثاً أو سميناً فإنني ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعاً)
يقول: ليس يحتاج ضيفي إذا ودعني وفارقني أن يسأل عما كنت أطبخه في قدري، لأن ما فيها من غث أو سمين لايغيب عنه، لأني أقدمه بين يديه وأجعل عينيه مقنعاً لنفسه، أي أقول له تحير: ما تحب. ومعنى زخرت: غلت، وذكر الشتوة لأنها وقت الضيق والجهد، ويروى (له) و (به)، والعامل في إذا جوابها الذي دل عليه، وأغنى عنه قوله: ولا سئل الضيف والعامل في حين، يجوز أن يكون زخرت، ويجوز أن يكون يسأل وهو أجود.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٠٠)
(تصد وتبدى عن أسيل وتتقي)
هذا البيت مشهور لامرئ القيس بن حجر وتمامة.
بناظرة من وحش وجرة مطفل
ومعنى تصد: تعرض. وتبدى: تظهر. والناظرة فيها قولان؛ قيل: أراد العين، وقيل أراد بقره ناظرة، ووجرة: فلاة تألفها الوحش، وخصها بالذكر
стр. 862
لأنها قليلة الماء، فوحشها تجنزي بالنبات الأخر عن شرب الماءن فتضمر بطونها ويشتد عدوها. ومطفل: ذات طفل. وخص المطفل لأنها تحنو على ولدها وتخشى عليه القناص، والسباع، فتكثر التلفت والتشوق، فذلك أحسن في المنظر، لها وأصح في تنبيه المرأة بها لأنه أراد أنها حذرة من الرقباء. فهي متشوفة كتشوف هذه البقرة.
وفي إعراب هذا البيت إشكال، فأما قوله "تصد وتبدى" فلك أن تعمل أي الفعلين شئت. فإن أعملت (تصد) وهو اختيار الكوفيين وعليه بني ابن قتيبة، كانت (عن) بدلاً من باء الجر، لأن صد إنما يتعدى بالياء لا بعن، ألا ترى أنك تقول صددت بوجهي عنه. وإن أعملت تبدى - وهو اختيار البصريين - كانت (عن) غير مبدلة من حرف آخر، لأنك تقول أبديت عن الشيء، كما قال سحيم يصف ثوراً يحفر في أصل شجرة كناساً له:
يثير ويبدي عن عروق كأنها ... أعنة خراز جديداً وباليا
والوجه ههنا أن يعمل تبدى، لأنه إذا أعمل (تصد) لزم أن يقول: تصد وتبدى عنه عن أسيل، لأن الفعل الأول في هذا الباب إذا أعمل أضمر في الثاني، وإذا أعمل الثاني لم يضمر في الأول، إلا أن يكون فاعلاً فإنه يضمر في قول أكثر النحويين، إذ لابد من فاعل ظاهر أو مضمر.
فإن قلت: كيف زعم ابن قتيبة وزعمت أنت أن حكم (صد) أن يتعدى بالباء حتى احتيج إلى أن يجعل (عن) بدلاً من (الباء) ونحن نجد صد يتعدى (بعن) في نحو قوله:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
стр. 863
فالجواب: أن صد إنما يحتاج في تعديه إلى (عن) في غير الشيء المصدود به، كقولك صد زيد عن عمرو، فإذا ذكرت الشيء الذي يقع به الصد احتجت إلى الباء كقولك: صد زيد بوجهه عن عمرو. فلما كان الخد الأسيل هو الذي به يقع الصد لا عنه، كان مكان الباء، ولم تجز فيه (عن) فالصد إذن نوعان من التعدي: تعد على جهة النقل، وتعد على غير جهة النقل؛ فتعديه على جهة النقل هو الذي يحتاج فيه إلى الباء المعاقبة للهمزة، وتعديه على غير جهة النقل هو الذي يحتاج فيه إلى (عن). تقول: صد زيد بوجهه عن عمر، وأصد زيد وجهه عن عمرو، فتكون الباء معاقبة للهمزة، كما قال امرؤ القيس:
أصد نشاص ذي القونين حتى ... تولى عارض الملك الهمام
ونظير هذه المسألة قولك: نزل زيد بجملته على عمرو، فتعدى نزل بالباء، و (على) على معنيين مختلفين، وقد يستغنى صددت عن الباء في تعديه فيقال صددت الشيء وأصددته كما قال (صددت الكاس عنا أم عمرو) - ولا يستغني عن التعدي (بعن) إذا أردت ذكر الشيء الذي وقع الإعراض عنه. وأما قوله (مطفل) فمن جعل الناظرة البقرة، كان (مطفل) صفة لها. وكان التقدير: ونتقى بعين بقرة ناظرة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وحذف الموصوف أيضاً وأناب الصفة منابه، ويجوز أن يريد وتتقي من نفسها ببقرة ناظرة، فيكون كقولك لقيت بزيد الأسد أي لقيته فكأني لقيت الأسد، ففي هذا الوجه حذف موصوف لا غير، وفي الأول حذف موصوف ومضاف.
стр. 864
ومن جعل الناظرة العين، جعل مطفلاً بدلا ًمن ناظرة ولابد من تقدير محذوف أيضاً حتى يصح الكلام، وتقديره: وتتقي بناظرة ناظرة مطفل، ثم حذف المضاف. فهو إذن من إبدال الشيء وهما لعين واحدة. وذهب بعض النحويين - وأحسبه قول ابن كيسان- إلى أنه أراد وتتقي بناظرة مطفل، فلما فرق بين المضاف والمضاف إليه رد التنوين الذي كان سقط للإضافة. وعلى هذا كان يتأول قول الآخر:
رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلعه الطلحات
وهذا القول خطأ لا يلتفت إلى مثله، لأن العرب إذا حالت بين المضاف والمضاف إليه لم تنونه، وذلك أكثر في الشعر من أن يحصى كقوله:
كأن أصوات من إيفالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
وليس ينبغي أن يحمل الشيء على الشذوذ إذا وجد له وجه صحيح يحمل عليه. وقوله من وحش وجرة (من) فيه متعلقة بمحذوف لأنها في موضع خفض على الصفة لناظرة، فمن اعتقد أن الناظرة البقرة، فتقدير الكلام: بناظرة بقرة كائنة من وحش وجرة، فحذف الموصوف. ومن اعتقد أن الناظرة العين فتقدير الكلام بناظرة بقرة كائنة من نواظر وحش وجرة، ففيه مجازان: حذف موصوف، وحذف مضاف.
* * *
стр. 865
وأنشد في هذا الباب:
(٣٠١)
(وتركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى)
البيت لزيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسمى زيد الخيل لخيل كثيرة انت له، منها: الهطال، والكميت، والورد، والكامل ودؤول، ولاحق، وهذا البيت من شعر خاطب به كعب بن زهير، وقبله:
تحضض جبارا على ورهطه ... وما صرمتي منهم لأول من سعى
فترعى بأذناب الشعاب ودونها ... رجال يصدون الظلوم عن الهوى
والهاء في قوله "وتركب فيها" تعود على الصرمة، وقوله "بصيرون في طعن الأباهر والكليء) وصفهم بالحذق في الطعن، فهم يتعمدون المقاتل. والأباهر: جمع أبهر وهو عرق مستبطن المتن متصل بالقلب.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٠٢)
(وخضخضن فينا البحر حتى قطعنه ... على كل حال من غمار ومن وحل)
هذا البيت لا أعلم قائلة واحسبه يصف سفنا، والخضخضة: التحريك، والغمار: جمع غمرة وهي معظم الماء.
* * *
стр. 866
وأنشد في هذا الباب:
(٣٠٣)
(نلود في أم لنا ما تغتضب)
هذا البيت لبعض شعراء طيء، وبعده:
سما لها أنف عزيز وذنب ... وحاجب ما عن يواريه العطب
من السحاب ترتدي وتنتقب
يعني بالأم سلمى أحد جبلى طيء وجعله أما لهم لأنه كان يضمهم ويؤويهم كما تضم المرأة ولدها وتؤويه، كما قال تعالى: (فأمه هاوية). ويواريه: يستره، والعطب: القطن.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٠٤)
(وإذا تنوشد في المهارق أنشدا)
البيت لأعشى بكر وصدره:
(ربي كريم لايكدر نعمة)
عني بربه سرى، وكنا الحارص بن وعلة أغار على بعض سواد كسرى فأخذ كسرى قيس ابن مسعود ومن وجد من بني بكر فحبسهم، فلذلك قال
стр. 867
الأعشى هذا يستعطفه به ويسأله نعمته عليهم وأن يكدرها بإساءة من أساء منهم. وقوله: (وإذا تنوشد بالمهارق)، يذكره بمعاهدته التي كان عاهدهم، وذمته التي كان أعطاهم، فوصفه بأنه إذا حلف بما في كتب الأنبياء، التزم ما حلف عليه لصحة دينه واستحكام بصيرته ويقينه، وقبله:
قالت قتيلة: ما لجسمك شاحباً ... وأرى ثيابك باليات همدا
أذللت نفسك بعد تكرمة لها ... أم كنت ذاعوز ومنتظرا غدا
أم غاب ربك فاعترتك خصاصة ... فلعل ربك أن يعود مؤيدا
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٠٥)
(رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار التي فيها واستغارا)
البيت للراعي وصف ناقة فقال: رعت هذا الموضع أشهر الربيع وخلالهان فلم ين لها فيه منازع، فسمنت. الني: الشحم، ومعنى طار: أسرع ظهوره.
وقال ابن قتيبة في المعاني: استغار وغار واحد كأنه قال ظهر الني فيها واستتر. ورواه الباهلي فسار بالسين، وقال: معنى سار: ارتفع، واستغار: انهبط من قولك غار يغور، ومثله قول ابن أحمر:
تعلى الندى في متنه وتحدرا
وقال الحربي: يقال استغار الجرح إذا تورم. وأنشد:
(فطار الني فيها واستغارا)
стр. 868
وذكر أنه يروى استعار بالعين غير معجمة، أي ذهب يميناً وشمالاً من قولهم عار الفرس إذا أفلت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٠٦)
(فخر صريعاً لليدين وللفم)
هذا البيت يروى للمكعبر الأسدي وقيل إنه للمكعبر الضبين ويقال إنه لشريح ابن أوفى العبسي، وقيل نه لعصام بن المقشعر العبسي، وذكر ابن شبة أنه للأشعث بن قيس الندي، وصدره.
تناولت بالرمح الطويل ثيابه
وهذا الشعر قيل في محمد بن طلحة، وقتل يوم صفين، وكان على ﵁ قال لأصحابه: اجعلوا شعاركم حاميم، لا يبصرون. وكان محمد بن طلحة من أصحاب معاوية، فكان إذا حمل عليه رجل من أصحاب على يقول له محمد: أسألك بحاميم فيكف عنه، إلى أن حمل عليه الأشعث بن قيس فقال له محمد أسألك بحاميم فلم يلتفت إلى قوله فقتله وقال:
وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
تناولت بالرمح الطويل ثيابه ... فخر صريعاً لليدين وللفم
يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
على غير شيء غير أن ليس تابعاً ... عليا ومن لا يتبع الحق يندم
* * *
стр. 869
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٠٧)
(كأن محواها على ثفناتها ... معرس خمس وقعت للجناجن)
هذا البيت للطرماح بن حكيم، وبعده:
وقعن اثنتين واثنتين وفردة ... يبادرن تغليساً سمال المداهن
المخوى: مصدر خوى البعير تخويه، ومخوى: إذا تجافى للبروك. ويقال للموضع الذي يبرك فيه محوى أيضاً. والثفنات: ما أصاب الأرض من البعير إذا برك، والمعرس: موضع التعريس وهو النزول في السحر. ويكون مصدراً أيضاً بمعنى التعريس، والجناجن: جمع جنجن وجنجن وهي عظام الصدر، وصف نافة بركت فشبه آثار ثفناتها في الأرض، وهي قوائمها الأربع وصدرها بآثار خمس من القطا وقعت على جناجها فأثرت في الأرض، وأراد بالاثنتين والاثنتين: مواقع يديها ورجليها، وبالفردة: موقع صدرها، وأراد أن يقول: معرس خمس من القطا فلم يمكنه ذلك، وقد أوضح ذلك ذو الرمة بقوله:
مناخ قرون الركبتين كأنه ... معرس خمس من قطا متجاور
وقعن اثنتين واثنتين وفردة ... حريدا هي الوسطى بصحراء حائر
قال الأصمعي: قوله قرون الركبتين يقول: إذا بركت قرنت بين ركبيها فكأن معرسها معرس خمس من قطا. أراد الركبتين والثفنتين والكركرة وهي ما أصاب
стр. 870
الأرض من صدرها. وقوله: (وفردة حريدا) يعني الكركرة وهي الوسطى. وحائر: موضع. والتغليس: البكور، والسمال: بقايا الماء. والمداهن: نقر في الصخر يجمع فيها الماء واحدها مدهن.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٠٨)
(يسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا)
البيت لعمرو بن أحمد الباهلي، وصدره:
تقول وقد عاليت بالكور فوقها
وصف أنه يتعب ناقته بطول السفر حتى إنها لو انكت ممكن يتكلم لقالت هذه المقالةن والتقدير يسقى ابن احمر فلا يروى مني، فقدم وأخر. واستعمل (إلى) موضع (من) وضرب السقى والري مثلين لما يناله بها من المآرب، ويدرك بالسفر عليها من المطالب، وقبله:
فزعت إلى القصواء وهي معدة ... لا مثالها عندي إذا كنت أوجرا
كثور العداب الفرد يضربه الندى ... تعلى الندى في متنه وتحدرا
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٠٩)
(أم لا سبيل إلى الشباب، وذكره ... أشهى إلى من الرحيق السلسل)
стр. 871
البيت لأبي كبير الهذلي وهو أحد من شهر بكنيته دون اسمه، واسمه عامر بن الحليسن أحد بني سعد بن هذيل، وقال أبو عمرو الشيباني: هو عامر بن جمرة بجيم وراء غير معجمة وقبل هذا البيت:
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل على الشباب الأول
زهير ترخيم زهيرة وهي ابنة، والرحيق: الخمر، والسلسل: السهل في الحلق السلس. يقال ماء سلس وسلسال وسلاسل وسلسبيل: إذا كان عذابا.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٠)
(ثقال إذا راد النساء خريدة ... صناع فقد سادت إلى الغوانيا)
البيت للراعي وقد تقدم ذكر اسمه. والثقال: المرأة الثقيلة عن الحركة والتصرف الملازمة لمكانها. ومعنى راد النساء: أكثرن من الذهاب والمجيء والتصرف. يقول: إذا أكثر النساء الجولان والطواف لزمت بيتها ولم تخرج لخفرها وحيائها، أو لأن لها من يكفيها الأمور ويغنيها عن التصرف. والصناع: الصانعة الحاذقة بالأعمال. والغواني: النساء اللواتي غنين بجمالهن عن الزينة، وقيل هن اللواتي غنين بأزواجهن عن غيرهم: وقيل: هن اللواتي لم يقع عليهم سياء. ومعنى (إلى) عندي، وقبل هذا البيت:
رأيت نساء الناس لما رميتني ... أصبن الشوى مني واصمت فؤاديا
стр. 872
يقال: رماه فأشواه، ورماه فأصاب شواه إذا أخطأ مقتله. وأصل ذلك أن يرمي الوحشي فيصيب شواه وهي قوائمه وليست بمقتل فضرب ذلك مثلاً. ويقال: رماه فأصماه: إذا أصاب مقتله.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣١١)
(وكان إليها كالذي اصطاد بكرها ... شقاقاً وبغضاً أو أطم وأهجرا)
هذا البيت للنابغة الجعدي، وقد ذكرنا اسمه فيما مضى، وقبله:
فلما شفاها اليأس وارتد همها ... إليها ولم يترك لها متذكرا
أشب لها فرد خلا بين عاذب ... وبين جماد الحي بالصيف أشهرا
فلما رآها كانت الهم والمنى ... ولم ير فيما دونها متغيرا
وصف بقرة أكل السبع ولدها فلما يئست منه عرض لا ثور فرد ليس معه أزواج فأرادها ففرت عنه، لما كانت فيه من الحزن على ولدها، وكان عندها في كراهتها إياه كالذي اصطاد ولدها، أو كانت له أشد بغضاً وأهجر، ومعنى أشب لها: عرض لها، يقال أشب لي فلان إذا عرض لك بحيث تراه من بعد، ومتغير بقاء، أي حرص عليها ولم يرد بقاء دونها، والبكر: الولد الأول.
* * *
стр. 873
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٢)
(وذكرك سبات إلى عجيب)
البيت لحميد بن ثور الهلالي، وصدره:
ذكرتك لما أتلعت من كناسها
يقول لمحبوبته: لما رأيت الظبية قد مدت عنقها من كناسها ونصبته ذكرتك لشبهها بك، والتلع: إشراف العنق وانتصابه: والسبات: الأوقات واحدتها سبة، وعجيب: معجب لذيذ، يقول ذكرك في جميع الأوقات يعجبني ويلذ لي، وبعده:
فقلت على الله لا تذعرانها ... وقد بشرت إن اللقاء قريب
يريد أنها سحنت له فتفاءل بذلك. وكانت العرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح، وكان منهم من يعكس الأمر. والعلة الموجبة لاختلافهم في ذلك أن بعضهم كان يراعي ميامن ما يمر به من الوحش والطير ومياسره، وكان بعضه يراعى ميامن نفسه ومياسرها.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣١٣)
(لعمرك إن المس من أم جابر ... إلى، وإن لم آته، لبغيض)
стр. 874
وهذا البيت لا أعلم قائله وزاد ابن الأعرابي بعده:
إذا فرشتنا ثوبها فكأنما ... يفرق نمل بيننا وبعوض
ويروى: وإن باشرتها. والمراد بالمباشرة ههنا. النكاح، وصف امرأة يكره مضاجعتها وملامسة جسمه لجسمها، ويقلقه ذلك حتى كان بينه وبينها البعوض والنمل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٤)
(لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني)
البيت لذي الإصبع العدواني خاطب به ابن عمل له كان ينافسه ويعاديه. وقوله (لاه): أراد (الله) فحذف لام الجر واللام الأولى من الله. وكان أبو العباس المبرد يروى أنه حذف اللامين من الله تعالى وأبقى لام الجر وفتحها من أجل الألف، وحجته أن حرف الجر لا يجوز أن يحذف، والأول قول سيبويه، والديان: القيم بالأمر المجازي به. ومعنى تخزوني: تسوسني. يقول لله ابن عمك الذي ساواك في الحسب وماثلك في الشرف، فليس لك فضل عليه في الأبوة فتفخر به ولا أنت مالك أمره فتسوسه وتصرفه على حكمك. ويعني بابن العم المذكور نفسه فلذلك رد الإخبار بلفظ المتكلم ولم يخرجه بلفظ الغيبة لئلا يتوهم أنه يعني غير
стр. 875
نفسه، ولو جاء بالكلام على لفظ الغيبة لكان أحسن، ولكنه أراد تأكيد البيان ورفع الإشكال.
وذهب يعقوب - ومن كتابه نقل ابن قتيبة هذه الأبواب - إلى أن (عن) ههنا بمعنى (على)، وإنما قال ذل لأنه جعل قوله أفضلت من قوله: أفضلت على الرجل: إذا أوليته فضلاً، وأفضلت هذه تتعدى بعلى لأنها بمعنى الإنعام، ومعناه أنك لم تنعم علي بأن شرفتني فتعتد بذلك على. وقد يجوز أن يكون من قولهم أعطى وأفضل: إذا زاد على الواجب. وأفضل هذه أيضاً تتعدى بعلى؛ يقال أفضل على كذا: أي زاد عليه فضله. وقد يجوز أن يكون من قولهم أفضل الرجل: إذا صار ذا فضل في نفسه، فيكون معناه ليس لك فضل تنفرد به عني وتحوزه دوني، فتكون (عن) ههنا واقعة موقعها غير مبدلة من (على). وقوله: لا أفضلت معناه: لم تفضل، والعرب تقرن (لا) بالفعل الماضي فينوب ذلك مناب (لم) إذا قرنت بالفعل المستقبل؛ فمن ذلك قوله تعالى (فلا صدق ولا صلى) معناه: لم يصدق ولم يصل. ومنه قول أبي خراش:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
أي لم يلم بذنب. وبعد بيت ذي الإصبع:
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزاء تكفيني
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٥)
(تدحرج عن ذي سامه المتقارب)
стр. 876
البيت لقيس بن الخطيم، وصدره:
لو أنك تلقى حنظلاً فوق بيضنا
وصف تضايقهم في الحرب وشدة تلاصقهم لكثرة عددهم حتى لو ألقى الحنظل على بيضاتهم لمشى عليها ولم يسقط إلى الأرض، وكان الناس يعدون هذا من الإغراق والمحال الذي لا يمكن، حتى قال ابن الرومي:
فلو حصبتهم بالنضاء سحابة ... لظل على هاماتهم يتدحرج
يقول: لو نزل على رؤوسهم برد لم يسقط إلى الأرض فكان ذلك أشنع في الحال من قول قيس. ثم قال أبو الطيب المتنبي فزاد في الإغراق والمحال.
يمنعها أن يصيبها مطر ... شدة ما قد تضايق الأسل
ومعنى تدحرج: استدار، والسام: عروق الذهب، ويعني بذي سامه: البيض المذهبة، ويروى عن دلاصه وهو البراق الأملس. وفي قوله عن ذي سامه شذوذ واستكراه لأن الهاء التي في سامه ترجع إلى البيض، وذو السام هو البيض بعينه، وهذا يقتضي إضافة الشيء إلى نفسه. وفيه شذوذ آخر. وذلك أن الشيء إذا ذكر ثم احتيج إلى إعادة ذكره في جملة واحدة وجب أن يضمر ولا يظهر كقولك زيد قام، ويقبح أن تقول زيد قام زيد. فكان ينبغي أن يضمر البيض لأن ذكرها قد جرى فيقول: تدحرج عنه، فأتى به مظهراً بغير لفظ الأول
стр. 877
فصار كقولك: لقيت زيداً فضربت ذا الفرس، وأنت تريد فضربته ثم أضافه إلى الهاء فصار كقولك لقيت زيداً فضربت ذا فرسه. وهذا شذوذ لا نظير له في كلامهم فيما علمناه، وهو أقبح من قولهم مررت برجل حسن وجهه على ما فيه من القبح. والوجه لمن روى هذه الرواية أن يجعل الهاء عائدة على الرجال من قوله قبل هذا البيت:
رجال متى يدعوا إلى الموت أرفلوا ... إليه كإرقال الجمال المصاعب
فكأنه قال تدحرج عن ذي سام الرجال، وذكر الضمير وأفرده على معنى الجميع. وذو سام الرجال، هو البيض. فأدى ذلك ما يؤديه قوله عن بيض الرجال، ولو روى عن ذي سامتا، أي عن بيضنا، لكان أجود وإن كان مستكرهاً، وإنما أضاف السام إلى الرجال، أو إلى ضميرهم وإن كان السام إنما هو للبيض، لأنهم الذين أذهبوه به وزينوه فكأنه قال: عن البيض الذي أذهبه الرجال أو أذهبناه وقد يضاف الشيء على الشيء وإن لم يكن له لما بينهما من الملابسة والاتصال كقوله تعالى: (ذلك لمن خاف مقامي) ولا مقام لله تعالى ولا هو من صفاته وإنما المعنى مقامه عندي. وقد روى بيت زهير:
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا
والرهن ليس لها وإنما المعنى رهن عندها.
* * *
стр. 878
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٦)
(لقحت حرب وائل عن حيال)
البيت للحارث بن عباد، وصدره:
قربا مربط النعامة منى
قاله في حرب بكر وتغلب حين قتل جساس كليبا، فاعتزل الحارث حربهم، وقال هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل، فذهبت مثلاً. فلم يزل كذلك إلى أن لقي مهلهل بجيراً ابن أخيه وزعم أبو العباس المبرد أنه ابنه فقتله وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فأخبر بذلك الحارث فقال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل فكف سفهاءهما وحقن دماءهما. والسفاء ممدود: الطيش فقيل له إنما قتله مهلهل بشسع نعله، فلم يصدق ذلك وبعث إلى مهلهل: إن كنت قتلت بجيراً بأخيك ورضيت به كفأ فقد رضيت ذلك لنزول هذه النائرة: فقال مهلهل: إنما قتلته بشسع نعله، فعندها قال الحارث هذا الشعر وبعد هذا البيت:
لا يجير أغنى قتيلا ولا رهـ ... ـط كليب تزاجروا عن ضلال
لم أكن من جناتها علم اللـ ... ـه وإني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة منى ... إن قتل الغلام بالشسع غالي
стр. 879
والنعامة اسم فرسه، ومعنى لقحت: حملت، والحيال أن تضرب الناقة فلا تحمل، وإنما ضرب ذل مثلاً لما تولد عن الحرب وانتهج منها من الأمور التي لم تكن تحتسب قبل ذلك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٧)
(تؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل)
هذا البيت من مشهور شعر امريء القيس وصدره:
ويضجي فتيت المسك فوق فراشها
ويجوز في تؤوم الرفع على إضمار مبتدأ والنصب على إضمار فعل، كأنه قال أعنى، والخفض على البدل من الضمير، ومعنى لم تنتطق: لم تحتزم بنطاق للخدمة، والتصرف والتفضل: التجرد في ثوب واحد للابتذال، وإنما أراد أنها مكفية المؤونة وأن لها من يخدمها، فهي تنام إلى وقت الضحى، ويتناثر المسك من شعرها على فراشها لكثرته.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٨)
(ومنهل وردته عن منهل)
стр. 880
هذا البيت للعجاج، وبعده:
قفرين هذا، ثم ذا، لم يؤهل ... كأن أرياش الحمام النسل
عليه ورقان القران النصل ... كأن نسج العنكبوت المرمل
على ذرى قلامه المهدل ... سبوب كتان بأيدي الغزل
وأنشده ابن الأعرابي في نوادره في رجز ذكر أنه لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وأنشد بعده:
قفر به الأعطان لم تسهل ... عليه نسج العنكبوت المرمل
طال فلم يقطع ولم يوصل
المنهل: مورد الماء، ويوهل: يعمر ويكون به أهل، والمرمل: المنسوج يقال: رملت الحصير وأرملته، وهو مخفوض على الجوار، ويجوز أن يكون صفة للعنكبوت على أن يريد المرمل نسجه ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه النسج مقامه فاستتر في الرمل؛ لأن الضمير المرفوع إذا كان مفردا استتر في الفعل وما ينوب مناب الفعل، وإنما يظهر في التثنية والجمع. وعلى هذا الوجه يحمل قول العرب (هذا جحر ضب خرب) فيكون خرب صفة لا مخفوضاً على الجوار. فإن قيل: فما الذي يمنعكم من كسر الميم من المرمل فتكون صفة للعنكبوت على ما ينبغي ولا يحتاج إلى هذا التكلف، فالجواب أنه سمع من العرب مفتوح الميم فلذلك احتيج إلى هذا التأويل. والذري: الأعالي واحدها ذروة وذروة بضم الذال
следующие страницы →