Полный текст (952 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
البيت لقيس بن الخطيم، وصدره:
لو أنك تلقى حنظلاً فوق بيضنا
وصف تضايقهم في الحرب وشدة تلاصقهم لكثرة عددهم حتى لو ألقى الحنظل على بيضاتهم لمشى عليها ولم يسقط إلى الأرض، وكان الناس يعدون هذا من الإغراق والمحال الذي لا يمكن، حتى قال ابن الرومي:
فلو حصبتهم بالنضاء سحابة ... لظل على هاماتهم يتدحرج
يقول: لو نزل على رؤوسهم برد لم يسقط إلى الأرض فكان ذلك أشنع في الحال من قول قيس. ثم قال أبو الطيب المتنبي فزاد في الإغراق والمحال.
يمنعها أن يصيبها مطر ... شدة ما قد تضايق الأسل
ومعنى تدحرج: استدار، والسام: عروق الذهب، ويعني بذي سامه: البيض المذهبة، ويروى عن دلاصه وهو البراق الأملس. وفي قوله عن ذي سامه شذوذ واستكراه لأن الهاء التي في سامه ترجع إلى البيض، وذو السام هو البيض بعينه، وهذا يقتضي إضافة الشيء إلى نفسه. وفيه شذوذ آخر. وذلك أن الشيء إذا ذكر ثم احتيج إلى إعادة ذكره في جملة واحدة وجب أن يضمر ولا يظهر كقولك زيد قام، ويقبح أن تقول زيد قام زيد. فكان ينبغي أن يضمر البيض لأن ذكرها قد جرى فيقول: تدحرج عنه، فأتى به مظهراً بغير لفظ الأول
стр. 877
فصار كقولك: لقيت زيداً فضربت ذا الفرس، وأنت تريد فضربته ثم أضافه إلى الهاء فصار كقولك لقيت زيداً فضربت ذا فرسه. وهذا شذوذ لا نظير له في كلامهم فيما علمناه، وهو أقبح من قولهم مررت برجل حسن وجهه على ما فيه من القبح. والوجه لمن روى هذه الرواية أن يجعل الهاء عائدة على الرجال من قوله قبل هذا البيت:
رجال متى يدعوا إلى الموت أرفلوا ... إليه كإرقال الجمال المصاعب
فكأنه قال تدحرج عن ذي سام الرجال، وذكر الضمير وأفرده على معنى الجميع. وذو سام الرجال، هو البيض. فأدى ذلك ما يؤديه قوله عن بيض الرجال، ولو روى عن ذي سامتا، أي عن بيضنا، لكان أجود وإن كان مستكرهاً، وإنما أضاف السام إلى الرجال، أو إلى ضميرهم وإن كان السام إنما هو للبيض، لأنهم الذين أذهبوه به وزينوه فكأنه قال: عن البيض الذي أذهبه الرجال أو أذهبناه وقد يضاف الشيء على الشيء وإن لم يكن له لما بينهما من الملابسة والاتصال كقوله تعالى: (ذلك لمن خاف مقامي) ولا مقام لله تعالى ولا هو من صفاته وإنما المعنى مقامه عندي. وقد روى بيت زهير:
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا
والرهن ليس لها وإنما المعنى رهن عندها.
* * *
стр. 878
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٦)
(لقحت حرب وائل عن حيال)
البيت للحارث بن عباد، وصدره:
قربا مربط النعامة منى
قاله في حرب بكر وتغلب حين قتل جساس كليبا، فاعتزل الحارث حربهم، وقال هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل، فذهبت مثلاً. فلم يزل كذلك إلى أن لقي مهلهل بجيراً ابن أخيه وزعم أبو العباس المبرد أنه ابنه فقتله وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فأخبر بذلك الحارث فقال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل فكف سفهاءهما وحقن دماءهما. والسفاء ممدود: الطيش فقيل له إنما قتله مهلهل بشسع نعله، فلم يصدق ذلك وبعث إلى مهلهل: إن كنت قتلت بجيراً بأخيك ورضيت به كفأ فقد رضيت ذلك لنزول هذه النائرة: فقال مهلهل: إنما قتلته بشسع نعله، فعندها قال الحارث هذا الشعر وبعد هذا البيت:
لا يجير أغنى قتيلا ولا رهـ ... ـط كليب تزاجروا عن ضلال
لم أكن من جناتها علم اللـ ... ـه وإني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة منى ... إن قتل الغلام بالشسع غالي
стр. 879
والنعامة اسم فرسه، ومعنى لقحت: حملت، والحيال أن تضرب الناقة فلا تحمل، وإنما ضرب ذل مثلاً لما تولد عن الحرب وانتهج منها من الأمور التي لم تكن تحتسب قبل ذلك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٧)
(تؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل)
هذا البيت من مشهور شعر امريء القيس وصدره:
ويضجي فتيت المسك فوق فراشها
ويجوز في تؤوم الرفع على إضمار مبتدأ والنصب على إضمار فعل، كأنه قال أعنى، والخفض على البدل من الضمير، ومعنى لم تنتطق: لم تحتزم بنطاق للخدمة، والتصرف والتفضل: التجرد في ثوب واحد للابتذال، وإنما أراد أنها مكفية المؤونة وأن لها من يخدمها، فهي تنام إلى وقت الضحى، ويتناثر المسك من شعرها على فراشها لكثرته.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣١٨)
(ومنهل وردته عن منهل)
стр. 880
هذا البيت للعجاج، وبعده:
قفرين هذا، ثم ذا، لم يؤهل ... كأن أرياش الحمام النسل
عليه ورقان القران النصل ... كأن نسج العنكبوت المرمل
على ذرى قلامه المهدل ... سبوب كتان بأيدي الغزل
وأنشده ابن الأعرابي في نوادره في رجز ذكر أنه لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وأنشد بعده:
قفر به الأعطان لم تسهل ... عليه نسج العنكبوت المرمل
طال فلم يقطع ولم يوصل
المنهل: مورد الماء، ويوهل: يعمر ويكون به أهل، والمرمل: المنسوج يقال: رملت الحصير وأرملته، وهو مخفوض على الجوار، ويجوز أن يكون صفة للعنكبوت على أن يريد المرمل نسجه ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه النسج مقامه فاستتر في الرمل؛ لأن الضمير المرفوع إذا كان مفردا استتر في الفعل وما ينوب مناب الفعل، وإنما يظهر في التثنية والجمع. وعلى هذا الوجه يحمل قول العرب (هذا جحر ضب خرب) فيكون خرب صفة لا مخفوضاً على الجوار. فإن قيل: فما الذي يمنعكم من كسر الميم من المرمل فتكون صفة للعنكبوت على ما ينبغي ولا يحتاج إلى هذا التكلف، فالجواب أنه سمع من العرب مفتوح الميم فلذلك احتيج إلى هذا التأويل. والذري: الأعالي واحدها ذروة وذروة بضم الذال
стр. 881
وكسرها، والقلام: نبت، والمهدل: المتدلي الأغصان والسبوب: الثياب الرقاق واحدها سب.
* * *
وأنشد في هذا البيت:
(٣١٩)
(واسأل بهم أسداً إذا جعلت ... حرب العدو تشول عن عقم)
البيت للنابغة الجعدي، وقوله تشول عن عقم يقال: شالت الناقة إذا رفعت ذنبها لترى أنها لاقح، والعقم: مصدر العقيم وهي التي لا تلد، يقول: اسأل عنهم أسداً كيف صبرهم وشجاعتهم إذا صارت الحرب الحائل لاقحا وهو مثل قوله - لقحت حرب وائل عن حيال. وبعده:
شم الأنوف طوال أنضية الـ ... أعناق غير تنابل كزم
والتنابل: القصار واحدهم تنبال، والكزم: القصار الأنوف، وقيل هم القصار الأصابع واحدهم أكزم، والأنضية: جمع نضى وهو القدح بلا نصل فشبه به العنق.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٢٠)
(لوردٍ تقلص الغيطان عنه)
هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري، وتمامه:
(يبذ مفازة الخمس الكمال)
стр. 882
يصف حمير وحش تسير لورود الماء وهي شديدة العطش، فهي تسرع فكأن الغيطان تقصر من سرعتها. والغيطان: المواضع المنخفضة من الأرض، واحدها غائط، وقوله: عنه، أي من أجله. ويبذ هنا بمعنى يقطع، والمفازة: الفلاة سميت بذلك تفاؤلاً لسالكها بالفوز والنجاة، وكان ينبغي أني قال لها: مهلكة كما قالوا للذيع سليم، تفاؤلاً له بالسلامة. هذا قول الأصمعي، وحكى أبو العباس ثعلب قال: ذكرت لابن الأعرابي قول الأصمعي في المفازة فقال أخطأ، لأن المكارم أخبرنا أنها إنما قيل لها مفازة، لأن من قطعها فاز. وحكى أبو العباس المبرد: فاز الرجل وفوز إذا هلك، فالمفازة على هذا بمنزلة المهلكة بخلاف ما قالا، وأراد بالخمس الكمال: مسيرها إلى الماء خمس ليال كاملة، يريد أنها تقطع المسافة التي لا تقطع إلا في هذا المقدار فيما دون ذلك لسرعة السير، وكمال جمع كامل كقولك قائم وقيام، ويجوز أن يكون جمع كميل كقولك ظريف وظراف، ويروى الخمس بكسر الخاء، والكمال بفتح الكاف، وتقديره على هذا ذي الكمال فحذف المضاف، ويجوز أن يصف بالمصدر فيجعله بمعنى اسم الفاعل كما قالوا: رجل عدل: أي عادل، ونوم: أي نائم، وقبل هذا البيت:
فذكرها مناهل طاميات ... بصارة لا تنزح بالدوالي
فاقبلها النجاد وشايعته ... هواديها كأنضية المغالي
قوله ذكرها: يعني الحمار، والمناهل: موارد الماء، والطاميات: اللواتي طمى ماؤها أي ارتفع لكثرته. وقوله لا تنزح أي لا يسقى ما فيها حتى ينقذ لكثرته، وأنه في فلاة لا يرده وارد فيستقيه، والدوالي: ما يدلي به الماء، أي يستقي. والنجاد: المواضع المرتفعة، وشايعته: تابعته على ما أراد، والهوادي:
стр. 883
المتقدمة، والأنضية: سهام لا نصال لها واحدها نضى، شبهها بها لسرعتها، والمغالى: الذي يرامى صاحبه لينظر أيهما أبعد غلوة سهم وأقصر على الغرض.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٢١)
(ولقد شهدت إذا القداح توحدت ... وشهدت عند الليل موقد نارها)
(عن ذات أولية أوساد ربها ... وكأن لون الملح فوق شفارها)
البيتان للنمر بن تولب، مدح نفسه بحضور الميسر والمقامرة، وكانوا يعدون ذلك من الكرم ويسمون اللاعب له: يسرا، وكانوا يعدون الامتناع من لعبه من اللؤم ويسمونه الممتنع منه برما، ولذلك قال العرندس الكلابي:
هينون لينون أيسار ذو وكرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار
ويروى: إذا اللقاح توحدت، فمن روى القداح فمعناه: أخذ كل رجل قدحاً واحداً لغلاء اللحم، وإذا كان اللحم رخيصاً فربما أخذ الرجل قدحين فكان له غنمهما وعليه غرمهما، وربما اخذ أكثر من ذلك. ومن روى: إذا اللقاح فمعناه: تفرد كل إنسان بلقحة للجهد ليقوم عليها ولا يشركه فيها أحد. واللقحة: الناقة ذات اللبن. قال يعقوب: أراد أنه شهدها حيث توحدت ليشرب لبنها وشهدها حيث أوقدت النار ليضرب عليها بالقداح. وذكر إيقاد النار إعلاماً بأن
стр. 884
ذلك كان في أيام البرد وضيق الأحوال. وفي ذلك الوقت يتمدحون باللعب. والموقد بفتح القاف: المكان الذي توقد فيه النار، ويكون أيضاً مصدراً بمعنى الإيقاد، والموقد بكسر القاف: اسم الفاعل والرواية بفتح القاف. وقوله: (عن ذات أولية) فيه قولان، قال قوم: أراد سنامها، شبهه لتكاثف الشحم عليه بالأولية وهي البراذع واحدتها ولية. وقال بعضهم: أراد أنها أكلت وليا بعد ولي. والولي أصله المطر الذي يلي الوسمى. وأراد هاهنا النبت الذي أنبته الولي، سماه باسمه إذ كان نباته عنه كما قالوا للنبت ندى لتكونه عن الندى والمساودة والسواد: المسارة يقال: ساودت الرجل يريد أنه يسار صاحب الناقة ليخدعه. وفي الحديث السواد ضرب من السحر. وقيل لابنة الحنس: كيف زنيت وأنت سيدة قومك عقلاً ورأياً؟ فقالت: قرب الوساد، وطول السواد. وقوله عن ذات أولية: أي من أجلها، وكان لون الملح فوق شفارها فيه قولان: قيل أراد الشفار شحذت لها حتى ترت تلألأ وتطرد مثل لون الملح، ومثله قول عنترة:
ضرتب عمراً على الخيشوم مقتدرا ... بصارم مثل لون الملح بثار
وقيل: أراد على شفارها التي جزرت بها من شحمها شبه الملح، وغنما قال عند الليل، ولم يقل عند الصبح لأن لعبهم إنما كان بالعشايا وبالليل، ولذلك قال دريد بن الصمة القشيري:
دفعت إلى المفيض وقد تجانوا ... على الركبات مغرب كل شمس
* * *
стр. 885
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٢٢)
(شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج)
البيت لأبي ذؤيب الهذلي وصف سحابا ارتفعت من البحر. وهذيل كلها تصف أن السحاب تستقيم، البحر ثم تصعد في الجو. وقبل هذا البيت:
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم سود ماؤهن ثجيج
والحناتم: سحاب سود واحدها حنتم، وأصل الحناتم: جراد خضر، ولكن العرب تجعل كل أخضر أسود. وإنما يفعلون ذلك لأن الخضرة إذا اشتدت صارت سواداً، ولذلك قالوا: الليل أخضر. قال ذو الرمة:
في ظل أخضر يدعو هامه اليوم
وقوله:
كل آخر ليلة، قال الأصمعي: يريد أبدا، ومثله: لا أكلم آخر الليالين أي لا أكلمك ما بقى علي من الزمن ليلة، والثج والثجيج: السيل الشديد، فيجوز أن يكون ثجبج بمعنى ثاج، ويجوز أن يكون أراد ذو ثجيج فحذف المضاف، ويجوز أن يكون أوقع المصدر موقع اسم الفاعل مبالغة في المعنى، وفي قوله متى لُجج قولان؛ قيل: أراد من لجج كما قال أبو المثلم الهذلي:
متى أقطارها علق نفيث
стр. 886
أراد من أقطارها، وقيل: متى بمعنى وسط وحكى أبو معاذ الهراء - وهو من شيوخ الكوفيين: جعلته في متى كمي والنشيج: المر السريع معه صوت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٢٣)
(شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم)
هذا البيت من مشهور شعر عنترة، والدحرضان: ماء آن يقال لأحدهما وسيع، وللآخر الدحرض، فلما جمعهما غلب أحدهما على الآخر. وإنما يغلبون في مثل هذه الأشهر أو الخف لفظاً. هذا قول الأصمعي، ويقال وسيع ووشيع بالسين والشين. وقال أبو عمرو الدحرضان بلد. وقال غيرهما: هو ماء لبني سعد. وزراء: مائلة منحرفة. وأراد بالديلم: الأعداء، وأصل الديلم: جيل من العجم، فشبه بهم أعداءه، هذا قول الأصمعي وابن الأعرابي. وقال أبو عمرو: الديلم: الجماعة، ويقال الظلمة، ويقال أرض، ويقال هو ماء في أقاصي البدو. وحكى يعقوب في المعاني عن الأصمعي قال: الديلم ضبة، وذلك أنهم دلمان في ألوانهم. وذكر النفار عن حياضهم، لأن بني عبس لما راغموا قومهم مروا بضبة فأرادت ضبة اخذ أموالهم فنجوا، ومالوا إلى بني عامر مستجيرين. ثم ساروا
стр. 887
على الدحرض ووسيع ورداعة حتى عاذوا بمالك ذي الرقيبة القشيري فحكى عنترة ما كان. قال: وهذه مياه بني أنف الناقة من بني بهدلة، وحكى أبو على البغدادي قال: حدثني ابن الأنباري عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قال: قال لي أبو زياد الكلابي في قوله عنترة: ٠ تنفو عن حياض الديلم)
الديلم: آبار وقد أوردتها إبلي.
وأنشد في هذا الباب:
(٣٢٤)
(ما بكاء الكبير بالأطلال)
هذا البيت لأعشى بكر وتمامه:
وسؤالي فهل يرد سؤالي
ويروى فما ترد ولا ترد، ويروى بالتاء والياء، وبعده:
دمنة قفرة تعاورها الصيـ ... ـف بريحين من صبا وشمال
فمن روى ترد على لفظ التأنيث، رفع الدمنة وجعلها الفاعلة وجعل (سؤالي) في موضع نصب، وقدر مضافاً محذوفاً كأنه قال: فهل ترد جواب سؤالي دمنة؟. في ومن روى فهل يرد بلفظ التذكير نصب دمنة وجعلها مفعوله وجعل (سؤالي) في موضع رفع، ومعناه أن سؤالي لا يرد الدمنة إلى ما كانت عليه، ومن روى "ما" واعتقد أنها نفى جاز أن يقول ترد، بلف التأنيث، ويرفع الدمنة لا غير،
стр. 888
وجاز أن يقول: يرد بلفظ التذكير وينصب الدمنة إن شاء ويرفعها إن شاء، وإن اعتقد أن "ما" ههنا استفهام، قال: يرد على لفظ التذكير، وجعل "ما" في موضع نصب بيرد، وسؤالي في موضع رفع، ونصب دمنة بالسؤال لا غير. ومن روى "فلا يرد سؤالي" على لفظ التذكير، نصب الدمنة، وإن شاء رفعها. ومن روى "فلا ترد على لفظ التأنيث رفع الدمنة لا غير".
ورويت في هذا البيت حكاية مستظرفة، رأيت إثباتها في هذا الموضع:
روى نقلة الأخبار أن طليحة الأسدي كان شريفاً، وكان يفد على كسرى فيكرمه ويدني مجلسه، قال طليحة: فوفدت عليه مرة فوافقت عيداً من أعياد الفرس، فحضرت عند سرى في جملة من حر من أصحابه، فلما طعمنا وضع الشراب فطفقنا نشرب فغنى المغني:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شر سوفه الصفر
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ ففسره له، فقال كسرى: هذا قبيح، ثم غناه المغني:
أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ فقال لا أدري. فقال بعض جلسائه شاه شاه اشتر أف أف، معناه يا ملك الملوك هذا جمل ينفخ وأشتر بلغتهم الجمل وشاه: الملك، وأف، حكاية النفخ. قال طليحة: فأضحكني تفسيره العربية بالفارسية. ثم غناه المغني بشعر فارسي لم أفهمه، فطرب كسرى وملئت له كأس وقام فشربها قائماً، ودارت الكأس على جميع الجلساء. قال طليحة: وكان الترجمان إلى جانبي فقلت له: ما هذا الشعر الذي أطرب الملك هذا الطرب؟ فقال: خرج يوماً
стр. 889
متنزها فلقي غلاماً حسن الصورة وفي يمينه ورد فاستحسنه وأمر أن يصنع له فيه شعراً فإذا غني المغني ذلك الشعر، طرب وفعل ما رأيت، فقلت: وما في هذا مما يطرب حتى يبلغ فيه هذا المبلغ؟ فسأل كسرى الترجمان عما حاورني فيه؟ فأخبره، فقال: قل له إذا كان هذا لا يطرب فما الذي يطربك أنت؟ فأدى على الترجمان قوله فقلت قول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فما يرد سؤالي
فأخبره الترجمان بذلك فقال كسرى: وما معنى هذا؟ فقلت: هذا شيخ مر بمنزل محبوبته فوجده خالياً قد عفا وتغير، فوقف فيه وجعل يبكي. فضحك كسرى وقال: وما الذي يطربك من شيخ واقف في خربة وهو يبكي؟ أو ليس الذي أطربنا نحن أولى بأن يطرب له؟ قال طليحة: فثقل عليه حالي بعد ذلك.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٢٥)
(شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد)
هذا البيت لابن مفرغ الحميري مدح به قوماً وأراد أنهم مشهورون بالسبق إلى الفضل كشهرة الفرس الذي شدخت غرته حتى ملأت جبهته، وأن لهم لمما جعادا - وهي الشعور التي تلم بالمناكب واحدتها لمة- فإذا لم تجاوز شحمة الأذن فهي وفرة، وأراد بالجعودة هاهنا: غير المفرطة وأما الجعودة المفرطة فليست مما يستحب.
* * *
стр. 890
وأنشد في هذا الباب:
(٣٢٦)
(بها كل خوار إلى كل صعلة)
البيت لذي الرمة وتمامه:
ضهول ورفض المذرعات القراهب
وصف داراً خلت من أهلها وصارت مألفا للوحوش بعدهم. والخوار: الثور، وقيل هو الظبي: والصعلة: النعامة، سميت بذلك لصغر رأسها وكل نعامة كذلك. والضهول: التي تذهب وتعود. والرفض: القطع المتفرقة، والمذرعات: البقر التي لها ذرعان وهي أولاد البقر واحدها ذرع. والقراهب: المسنة واحدها قرهب. وقبله:
خليلي عوجا بار الله فيكما ... على دارمي من صدور الركائب
بصلب المعى أو برقة الثور لم يدع ... لها جدة مر الصبا والجنائب
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٢٧)
(شدوا المطى على دليل دائب)
هذا البيت لعوف بن عطية بن الخرع فيما ذكر يعقوب، وتمامه:
من أهل كاظمة بسيف الأبحر
стр. 891
وصف قوماً رحلوا فشدوا مطيهم للرحيل ومعهم دليل دائب. أي يواصل السير ويديمه. يريد أنهم لا ينفكون من السفر. و (على) ههنا هي التي تعاقب واو الحال في قولهم: جاءني على مرضه، أي جاءني وهو مريض، وكذلك تقدير البيت شدوا المطى ومعهم دليل دائب. وكاظمة اسم بئر، والسيف: ساحل البحر.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٢٨)
(وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع)
البيت لأبي ذؤيب الهذلي وصف أتنا وحماران والربابة: الخرقة التي تجمع فيها قداح الميسر وأراد ههنا: القداح بأعيانها على مذهبهم في تسمية الشيء باسم ما جاوره أو كان منه بسبب. واليسر: المقامر صاحب الميسر. شبه الأتن في اجتماعها وتصريف الحمار لها على حكمه بقداح يلعب بها يسر ويصرفها كيف شاء. ومعنى يفيض: يدفع، ومنه الإفاضة من عرفات. ومعنى على القداح: بالقداح، ويصدع: يفرق ويفصل الحكم من قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر)؛ أي افصل الحكم. وقال الخليل: معنى يصدع: يصيح بأعلى صوته: هذا قداح فلان. ويجب على هذا أن تكون العين بدلاً من جاء لأن المعروف أن يقال صدح يصدح. وقال ابن الأعرابي: معنى يصدع: يخرج القداح. وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض. وقال الأصمعي: قوله وكأنه يسر يفيض
стр. 892
على القداح أي يكب عليها وهو يفيض، كما يقال سكر على الخمر؛ أي سكر وهو يشربا لخمر. يقول الحمار يصكها كما يصك اليسر القداح:
وأنشد:
كما يصك اليسر القدوحا ... صك معلاهن والمنيحا
وبعد بيت أبي ذؤيب:
وكأنما هو مدوس متقلب ... بالكف إلا أنه هو أضلع
وفوردن والعيوق مقعد رابيء الـ ... ـضرباء فوق النجم لا يثتلع
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٢٩)
(كان مصفحات في ذراه ... وأنواحاً عليهن المآلي)
هذا البيت للبيد بن ربيعة القامري. وصف سحاباً فيه برق ورعد. ويروى: مصفحات بكسر الفاء وهي الرواية التي ذكر ابن قتيبة. ويروى مصفحات بفتح الفاء، فمن كسر الفاء، أراد النساء اللواتي يصفحن أي يصفقن، والتصفيح والتصفيق سواء، شبه صوت الرعد بالتصفيق. ومن فتح الفاء شبه لمع البرق بالسيوف المصفحات وهي العريضة، وذراه: أعالية، وأنواح: نساء ينحن. والمآلي: جمع مئلاة وهي خرق يمسكهن النوائح بأيديهن ويلطمن بهن خدودهن، شبه بها حركة البرق. وروى أبو حاتم بأيديها المآلي. وقبله:
стр. 893
أصاح ترى بريقاً هب وهناً ... كمصباح الشعيلة في الذبال
كان ربابه في الأفق حبس ... قيام بالحراب وبالآل
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٣٠)
(وبردان من خال وسبعون درهماً ... على ذاك مقرو من القد ماعز)
هذا البيت للشماخ بن ضرار، وصف قواساً أراد بيع قوس. وقبله:
فوافي بها أهل المواسم وانبرى ... له بائع يغلي له السوم رائز
فقال إزار شرعبي وأربع ... من السيراء أو أواق نواجز
ثمان من الكورى حمر أنها ... من الجمر ما يذكى من النار خابز
أراد أن هذه الأشياء كلها ثمن هذه القوس لنفاستها والمواسم: الأسواق والمواضع المشهورة التي يجتمع إليها الناس وانبرى: اعترض، والبائع ههنا: المشترى. والرائز، المختبر هل يبيعها أم لا، والشرعبي: البرد المصنف. والسيراء: ثياب حرير. والنواجز: الحاضرة التي لا مطل فيها، ويعني بالأواقي: أواقي من ذهب، والأوقية: أربعون درهماً. والكورى: الذهب الذي خلص في كور الحداد بعدما خلص من تراب المعدن. والخال: ثياب تصنع باليمن وقيل: هو
стр. 894
موضع باليمن تصنع به الثياب. والمقروظ: الجلد المدبوغ بالقرظ. والماعز: الشديد المحكم أي وتعطيني مع هذه الأشياء جلداً مقروظاً. فعلى بمعنى (مع).
وقال في تفسير شعر الشماخ: قوله على ذلك مقروظ: أراد عيبة من أدم فيها هذه الثياب، "فعلى" في هذا التفسير واقعة موقعها، وليست ببدل من (مع) لأن هذه الأشياء إذا كانت في المقروظ فالمقرو عليها مشتمل. ويجوز عندي أيضاً أن يريد وزائد على ذلك مقروظ من القد، فإذا حمل البيت على هذين التأويلين لم يكن فيه شاهد.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣١)
(متى ما تنكرها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث)
هذا البيت فيه غلط من وجهين: أحدهما يختص يعقوب، والآخر يختص الأصمعي. أما الغلط الذي يختص يعقوب، فإنه نسب هذا البيت إلى صخر الغي فاتبعه ابن قتيبة على غلطه، وإنما البيت لأبي المثلم الهذلي من شعر رد به على صخر الغي، ويدل على ذلك قوله بعد هذا البيت:
ومن يك عقله ما قال صخر ... يصبه من عشيرته خبيت
وإنما قال هذا لأن صخر الغي قال في شعره:
وليت مبلغاً يأتي بقول ... لقاء أبي المثلم لا يريث
فيخبره بأن العقل عندي ... جراز لا افل ولا أنيث
стр. 895
والعقل: الدية؛ أي لا دية عندي إلا السيف الجُرازي. وأما الغلط الذي يختص الأصمعي فنه زعم أن الهاء في قوله (متى ما تنكروها) ضمير الكتيبة أي متى ما أنكرتم هذه الكتيبة عرفتموها بهذه العلامة يسيل من أقطارها الدم. وهذا تفسير طريف، لأن الشاعر لم يذكر في هذا الشعر كتيبة لا قبل هذا البيت ولا بعده. وإنما قبله وهو أول القصيدة:
أنسل بني شعارة من لصخر ... فإني عن تفقركم مكيث
لحق بني شعارة أن يقولوا ... لصخر الغي ماذا تستبيث
وبنو شعارة: رهط صخر، وشعارة لقب لصخر، ويروى بالعين والغين. وتستبيث: تستخرج، أي ماذا تستخرج وتثير من الشر بما قلته. فيجب - على ما قال الأصمعي - أن يكون هذا من الإضمار الذي يستعملونه ون لم يجر له، ذكر، لما في الكلام عليه من الدليل، وهو كثير في الكلام والشعر. ولكن ليس تحتاج في هذا الشعر إلى تكلف هذا؛ لأن الأصمعي روى في آخر هذا الشعر بيتاً وقع في غير موضعه، وهو:
فلا وأبيك لن تنفك مني ... إليك مقالة فيها وعوث
فهذا البيت إذا قدم قبل (قوله متى ما تنكروها)، استقام الشعر ولم يحتج إلى إضمار شيء لم يذكر، لأن الهاء في قوله تنكروها تعود على المقالة. والمعنى إني أقول فيكم مقالة لا تقدرون على إنكارها ورفعها عن أنفسكم لأني أسمها بأسمائكم وأشهرها بذكركم وتأتيكم وعلى أقطارها الدم المنفوث. أي إنها مقالة تثير الحرب
стр. 896
وسفك الدماء، كما يقال: هذا كلام يقطر منه الدم، فإذا حمل الشعر على هذا كانت (على) قد وقعت موقعها، والضمير قد عاد إلى مذكور، وفي الأشعار الجاهلية والإسلامية القديمة كثير من هذا النوع قد أفسدته الرواة، فقدموا وأخروا، يرى ذلك من تأمل الأشعار وعني بها كقول طرفة:
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقة قدمه
عند أنصاب لها زفر ... في صعيد جمة أدمه
ولا مدخول لقوله "عند أنصاب" في هذا الموضع ولا يتعلق به إلا على استكراه وتأويل بعيد، وإنما موضعه اللائق به بعد قوله
أخذ الأزلام مقتسما ... فأتى أغواهما زلمه
لأنهم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام. وكذلك ما أنشده يعقوب من قول الراجز:
إن زل فوه عن اتان مئشير ... اصلق ناباه صياح العصفور
يتبعن جابا كمدق المعطير
وإنما ينبغي أن يكون قوله (يتبعن جأبا) قبل قوله (إن زل فوه)، لأن الضمير إليه يرجع.
وأنشد أبو علي البغدادي في نوادره (حمراء من معرضات الغربان) يقدمها كل علاه عليان.
وإنما ينبغي أن يكون قوله: يقدمها قبل قوله حمراء وحمراء صفة لعلاه. ويجوز رفعها على أن تكون صفة لكل. والعلة في اضطراب هذه الروايات أن
стр. 897
الشاعر كان يقول الشعر وينشده بعكاظ أو في غيرها من المواسم فيحفظه عنه من يسمعه من الأعراب ويذهبون به إلى الأقطار فيقدمون ويؤخرون ويبدلون الألفاظ، وربما حفظ السامع منهم بعض الشعر ولم يحفظ بعضه ولم ين القوم أصحاب خط وتاب، إنما كانوا يعولون على القوم الحفظ، والحف يخون صاحبه ما لم يقيده بكتاب فكان الرواة يسمعون ذلك وينقلونه عنهم حسب ما يسمعون.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣٢)
(وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال)
هذا البيت من مشهور شعر امرئ القيس. يقال: وعم يعم على مثال وعد يعد، ووعم يعم بكسر العين على مثال ومق يمق: وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من ينعمن وأجازوا عم صباحاً بفتح العين وكسرها، كما يقال أنعم صباحاً وأنعم. وزعموا أن بعض العرب أنشد:
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... بفتح العين
وحكى يونس أن أبا عمرو بن العلاء سئل عن قول عنترة:
وعمى صباحاً دار عبلة واسلمي
فقال: هو من نعم المطر إذا كثر، ونعم البحر إذا كثر زبده، كأنه يدعو لها بالسقيا وكثرة الخير.
стр. 898
وقال الأصمعي والفراء في قولهم (عم صباحاً) إنما هو دعاء بالنعيم والأهل وهو المعروف، وما حكاه يونس نادر غريب. وأما قوله في ثلاثة أحوال، فحكى يعقوب عن الأصمعي أن "في" ههنا بمعنى (من)، وأجاز أن يكون بمعنى "مع" كما قال النابغة الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة
وكونها بمعنى (من) ورواه الطوسي أو ثلاثة أحوال، وكل من فسره ذهب إلى أن الأحوال ههنا: السنون جمع حول والقول فيه عندي أن الأحوال هاهنا جمع حال لا جمع حول ونما أراد كلف ينعم من كان أقرب عهده بالنعيم ثلاثين شهراً وقد تعاقبت عليه ثلاثة أحوال، وهي اختلاف الرياح عليه، وملازمة الأمطار له، والقدم: المغير لرسومه، فتكون (في) هنا هي التي تقع بمعنى واو الحال في نحو قولك: مرت عليه ثلاثة أشهر في نعيم أي وهذه حاله.
* * *
وأنشد للنابغة الجعدي:
(٣٣٣)
(ولوح ذراعين في بركة)
وتمام البيت:
(إلى جؤجؤ رهل المنكب)
стр. 899
وصف فرساً وكل عظم عريض فهو لوح. والبركة: الصدر إذا أدخلت فيها هاء التأنيث كسرت الباء، وإذا حذفت الهاء فتحت الباء: وأصل البرك والبركة للبعير لأن يبرك عليه، فاستعير في غيره. والجؤجؤ: الصدر والرهل المسترخي. ونما أراد أن جلد صدره واسع غير ضيق فمنكبه يموج ويتقلب، وذلك مستحب في الفرس. وكذلك قال أبو الطيب:
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
وقوله "ولوح" معطوف على قوله قبل هذا البيت بأبيات:
وأوظفة أيد جدلها ... كأوظفة العالج المصعب
والعالج: البعير الذي له سنامان والمصعب الذي لم يرض.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣٤)
(أو طعم غادية في جوف ذي حدب ... من ساكن المزن يجري في الغرانيق)
هذا البيت لخراشة بن عمرو العبسي، ورواه بعض الرواة لعنترة بن شداد، وقبله:
كان ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من مستكن نماه النحل في النبق
стр. 900
وصف امرأة بعذوبة الريق وطيبه. والكرى: النوم، لأن الأفواه تتغير بعد النوم. واغتبقت: من الغبوق، وهو ما يشرب بالعشى أو بالليل. ويعني بالمستكن: عسلاً نمته النحل أي رفعته في نيق وهو أعلى الجبل. والطعم: المذق، وللغادية: السحابة المبكرة، والحدب: الموضع المشرف.
وقال يعقوب: ذو حدب: سيل له عرف، وهذا غلط لا وجه ههنا لذكر السيل وإنما شبه ريقها في عذوبته وبرده بماء استنقع في موضع منخفض تحت جبل فبرد وصفاً كما قال امرؤ القيس:
بماء سحاب زل عن متن صخرة ... إلى بطن أخرى طيب ماؤها خمر
وكما قال طرفة:
صادفته حرجف في تلعة ... فسجا وسط بلاط مسبطر
وذكر الغرانيق لأنها تفرح بالمطر فتجيء معه. وقوله: من ساكن المزن: يريد من الماء الساكن في المزن وهي السحاب. ووقع في شعر عنترة من ساكن المزن وهو المنسكب السائل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣٥)
(فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً)
стр. 901
هذا البيت لمتمم بن نويرة من شعر رثى به أخاه مالكاً، وكان خالد بن الوليد قتله في الردة. وقبل هذا البيت:
وكفا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وندمانا جذيمة هما: مالك وعقيل، ويقال: إنهما نادماه أربعين سنة، ولهما حديث مشهور وفيهما يقول أبو خراش:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلاً صفاء مالك وعقيل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣٦)
(حتى وردن لم خمس بائص ... جدا تعاوره الرياح وبيلا) د
هذا البيت للراعي وصف إبلاً وردت ماء بعد أن سارت إليه خمسة أيام، وهو الظماء الذي يسمى الخمس بكسر الخاء. والبائص: المتقدم السابق. والجد بضم الجيم: البئر يكون بين العشب والكلأ. ومعنى تعاوره: تداوله تهب عليه هذه الريح مرة وهذه الريح مرة، وأراد تتعاوره، فحف إحدى التائين استثقالاً لاجتماعهما فمن النحويين من يرى أن الأولى هي المحذوفة، ومنهم من يرى أن الثانية هي المحذوفة. والوبيل الثقيل على شاربه الذي لا يستمرئه إذا شربه. والتم: التمام وفيه ثلاث لغات تم وتم وتُم، وبعد هذا البيت
سدما إذا التمس الدلاء نطافه ... صادفن مشربة المثاب دحولا
стр. 902
والسدم: الماء المندفن. والنطاف: جمع نطفة وهي الماء القليل، وقد يكون الكثير، قال الهذلي:
وإنهما لجواباً خروق ... وشرابان بالنطف الطوامي
والمثاب: الموضع الذي يثوب منه الماء يقال هذه بئر لها ثائب إذا كانت لها مادة من تحت الأرض. ولم يرد المثابة التي هي مقام الساقي. كذا قال ابن قتيبة في المعاني. والدخول: البئر تحفر فيوجد ماؤه تحت أجوالها فتحفر حتى يستنبط ماؤها تحت جالها.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣٧)
(تسمع للجرع إذا استحيرا ... للماء في أجوافها خريرا)
الشعر للعجاج في وصفه إبل وردت ماء، والاستحارة: الشرب وترديد الجرع، والحرير: صوت الماء، أراد أنها وردته وهي عطاش فإذا شربت سمع للماء صوت في أجوافها، كما قال الراعي:
فسقوا سوادى يسمعون عثية ... للماء في أجوافهن صليلا
стр. 903
والضمير من قوله في أجوافها يعود على هجمة ذكرها في أول هذا الشعر، فقال:
أتت وهبت هجمة جرجورا ... أدما وعيسا معصا خبورا
والهجمة من الإبل: ما زاد على الأربعين والجرجور: العظام الخلق والأدم ههنا السمر. والمعروف في الأدب إذا وصف بها الإبل أن يراد بها البيض. وفي بني آدم السمره وإنما قلنا إنه أراد السمر، لأنه ذكر بعد ذلك العيس وهي البيض التي تعلوها حمرة. والمعص: البيض. وقيل: هي الخيار الكريمة. والحبور الغزار الكثيرة اللبن، وأصل الخبور: المزادة المملوءة بالماء شبه بها الإبل لكثرة لبنها.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣٨)
(بودك ما قومي على أن تركتهم ... سليمي إذا هبت شمال وريحها)
هذا البيت لعمرو بن قميئة اليشكري، وهو مما غلط فيه يعقوب في كتاب المعاني، فاتبعه ابن قتيبة على غلطه. وليس في هذا البيت حرف. وليست الباء فيه زائدة على ما قال، وإنما الباء ههنا بمعنى القسم. وما استفهام في موضع رفع بالابتداء وقومي خبره. والمعنى بحق المودة التي بيني وبينك، أي شيء قومي
стр. 904
في الكرم والجود عند هبوب الشمال؟ يريد في زمن الشتاء؛ لأنهم كانوا يتمدحون ويمدحون غيرهم بإطعام الطعام فيه، وأراد بريحها النكباء التي تقابلها كما قال ذو الرمة:
تناخي عند خير فتى يمان ... إذا النكباء ناوحت الشمالا
ويروى بودك بفتح الواو، فمن رواه هكذا احتمل أن يريد بحق صنمك الذي تعبدين. ومن رواه بضم الواو، جاز أن يريد المودة، وجاز أن يريد الصنم، لأن الصنم يقال له ود، وود وقد قريء بهما جميعاً.
وقد حكى أيضاً في المودة الفتح والضم والكسر، ولو أراد على مودتك قومي على ما توهم يعقوب، ومن قال بقوله، لم يقل إذا هبت شمال وريحها، وإنما كان يجب أن يقول ما هبت شمال وريحها، كما تقول لا أكلمك ما هبت الريح ولا زال حبك ما طار طائر، وهكذا جميع هذا الباب الذي يراد به الدوام، إنما يستعمل (بما) لا (بإذا). والوجه عندي أنه يريد بالود الصنم لا المودة؛ لأن سليمي هذه المذكورة كانت عرسه، وكانت نشزت عليه فطلقها، ولذلك قال (على أن تركتهم)، ولذلك قال في أول هذا الشعر:
أرى جارتي خفت وخف نصيحها ... وحب بها لولا النوى وطموحها
فيبنى على طير سينيح نحوسه ... وأشأم طير الزاجرين سنيحها
ومن جعل الود المودة فمعناه: بحق المودة التي كانت بينا قبل الطموح ووقوع الطلاق.
* * *
стр. 905
وأنشد في هذا الباب:
(٣٣٩)
(غلب تشذر بالذحول كأنها ... جن البدى رواسيا أقدامها)
هذا الباب للبيد بن ربيعة وقبله:
وكثبرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويرهب ذامها
يريد قبة ملك فيها قوم غرباء نزاع من كل قبيلة، فاخروه بين يدي الملك فغلبهم، وظهر عليهم. وقوله مجهولة: أراد مجهول من فيها، ولم يرد أن القبة نفسها مجهولة. والنوافل: الفضل والذام: العيب والعار، يريد أن من حضرها يرجو أن يكون له الظهور. والشرف ويرهب أن يغلب ويظهر عليه، فيكون ذلك عاراً يبقى في عقبه، فهو لذلك يُذب عن نفسه ولا يدع غاية من المفاخرة إلا قصدها. وشبههم بجمال غلب تشذر بأذنابها إذا تصاولت وهاجت. يقال تشذر البعير يذنبه إذا استثفر به وتشذر الرجل بثوبه عند القتال إذا تحزم وتهيأ للحرب. والغلب: الغلاظ الأعناق الواحد أغلب. والبديّ. واد تسكنه الجن فيما يزعمون، والرواسي، الثابتة التي لا تبرح. وتمام معنى الشعر في قوله بعد هذا:
أنكرت باطلها وبؤت جقها ... عندي ولم يفخر على كرامها
وتقدير البيت الأول وكثيرة غرباؤها مجهولة غرباؤها، فحذف المضاف وأقام الضمير المضاف إليه مقامه فاستتر في الصفة.
* * *
стр. 906
وأنشد في باب زيادة الصفات:
(٣٤٠)
(إذا يسفون بالدقيق)
وهذا صدر بيب لأمية بن أبي الصلت، والبيت بكماله:
إذ يسفون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئاً فطيراً
أراد إذ يسفون الدقيق فزاد الباء. وهذا الشعر قال في صفة بني إسرائيل وقبله.
سنته أزمة تخيل بالناس ... ترى للعضاة منها صريراً
لا على كوكب ينوء ولا ريـ ... ـح جنوب ولا ترى صحرورا
ومعنى تخيل: يتلون. والعضاة: كل شجر له شوك. والصرير: الصوت وينوء: يأنى بمطر. والصرور: الذي يلقح النخل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(٣٤١)
(بواديمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان)
هذا البيت ليعلي الأحول فيما ذكر الأصبهاني، والشث: شجر طيب الريح مر الطعم فيما ذكر الخليل. وقال أبو حنيفة، أخبرني بعض الأعراب قال: الشث
стр. 907
مثل شجر التفاح الصغار وورقة شبيه بورق الخلاف ولا شوك فيه، وله برمة موردة وسنفة مدورة صغيرة فيها ثلاث حبات أو أربع سود مثل الشيئنيز ترعاه الحمام إذا انتثر.
والمرخ: شجر خوار خفيف العيدان ليس له ورق ولا شوك تصنع منه الزناد، وهو من أكثر الشجر ناراً، ولذلك قالت العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. ويقال إن المرخ هو الذي يقال له الكلخ، والعفار: الدفلى - وروى أبو حنيفة وأسفله بالورخ، وقال اورخ شجر يشبه المرخ والشبهان شجر يشبه السمر كثير الشوك وهو من العصاة. وقال الخليل: الشبهان: الثمام.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٤٢)
(ضمنت برزق عيالنا أرماحنا)
هذا البيت لأعشى بكر ولم يقع في شعر الأعشى رواية أبي على البغدادي هكذا إنما وقع في روايته:
ضمنت لنا أعجازهن قدورنا ... وضروعهن لنا الصريح الأجردا
стр. 908
وقبله في صفة إبل:
مثل الهضاب جزارة لسيوفنا ... فإذا تُراع فإنها لن تطردا
قال أبو علي: ويروى ضمنت لنا أعجازها أرماحنا؛ أي ضمنت أرماحنا أعجاز إبلنا أن يغار عليها فنحن نتحرها ونشرب ألبانها. والصريح من اللبن: ما ذهبت رغوته، والأجرد: الذي لا رغوة له، ولعل الذي ذكر ابن قتيبة رواية ثانية، أو من قصيدة أخرى وقعت في غير روايتنا.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٤٣)
(هصرت بغصن ذي شماريخ ميال)
هذا البيت من مشهور شعر امرئ القيس، وصدره:
(فلما تنازعنا الحديث واسمحت)
قوله تنازعنا الحديث أي: تداولناه فحدثتني مرة وحدثنها أخرى، وأسمحت: لانت بعد صعوبتها وانقادت بعد إيابها، والهصر: الجذب، يقال هصرت الغصن فانهصر: أي جذبته إليّ فانجذب، والشماريخ: العراجين، شبه قدها بالغصن وشعرها بالشماريخ. وفي هذا البيت شيء يظنه قوم مخالفاً لما قاله سيبويه، وذلك أن سيبويه قال في كتابة: وأما تفاعلت فلا يكون إلا وأنت تريد فعل اثنين فصاعداً، ولا يجوز أن يكون معملاً في مفعول ولا يتعدى الفاعل إلى منصوب،
стр. 909
ففي تفاعلنا تلفظ بالمعنى الذي في فاعلته، وذلك قولك تضاربنا وترامينا وتقاتلنا. وقال بعد ذلك: وقد تجيء تفاعلت على غير هذا ما تقول عاقبت ونحوها لا تريد بها الفعل من اثنين، وذلك قولك تماريت في هذا، وتراءيت له، وتقاضيته، وتعاطيت منه أمراً قبيحاً، فلم يجز سيبويه تعدى تفاعل إلى مفعول إلا إذا كان من واحد، ولم يجزه إذا كان من اثنين لكل واحد منهما حظ في العمل، والعلة في ذلك أن قولك: تفاعلنا قد تضمن الفاعل والمفعول الذي في قولك فاعل، ألا ترى أنك تقول ضاربت زيداً وضار بني زيد، فتجعل أحد كما الفاعل والآخر المفعول، فإذا قلت تضاربنا لم يجز أن يتعدى لأنك قد أسندت الفعل إلى كل واحد منكما وجعلته فاعلاً، وتضمن الكلام أن كل واحد منكما صارب صاحبه، فلذلك امتنع من التعدي؛ إذ لم ين هناك مفعول خارج عنكما، وليس كذلك تنازعنا الحديث، لأن في هذا مفعولاً آخر خارجاً عنكما لاحظ في إسناد الفعل إليه، ألا ترى أنك تقول نازعت زيداً الحديث فتعديه إلى مفعولين، فإذا قلت: تنازعنا الحديث لم يكن بد من ذلك المفعول الثاني، لأن قولك تنازعنا إنما تضمن أحد المفعولين ولم يتضمن الآخر، فإذا كان الأمر على ما قلناه فليس فيه نقض لما قاله سيبويه، لأنا قد أخبرنا أن العلة المانعة من تعديه تضمنه المعنى الذي في فاعلته، وتنازعنا الحديث لم يتضمن المعنى في نازعته الحديث كله فلذلك تعدى. على أن سيبويه كان يلزمه أن يذكر أن هذا إنما يكون في فاعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد دون فاعل المتعدى إلى اثنين، ففي كلامه من هذا الوجه نقص عن توفية الغرض الذي أراده.
* * *
стр. 910
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٤٤)
(نضرب بالسيف ونرجو بالفرج)
وزاد يعقوب قبله:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج
ولم يسم قائله، وقد ذكرنا في الكتاب الثاني أن الباء إنما دخلت في قوله بالفرج لأن معنى نرجو كمعنى نطمع، وقلنا هناك في هذه الحروف ما أغنى عن إعادته ههنا. والفلج: الماء الجاري من العين، والفلج: البئر الكبيرة عن ابن كناسه، وماء فلج: جار. قال عبيد:
أو فلج ببطن واد ... للماء من تحته قسيب
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٤٥)
(أبي الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاه تروق)
البيت لحميد بن ثور الهلالي، والسرحة: شجرة من العضاه تطول في السماء، وجمعها سرح، وظلها بارد في الحر يستظل بها من الحر، ولذلك قال الشاعر:
فيا سرحة الركبان ظلك بارك ... وماؤك عذب لم يحل لوارد
стр. 911
والسرحة في هذا البيت وبيت حميد بن ثور كناية عن امرأة، وكان عمر ابن الخطاب ﵁ عهد إلى الشعراء أن لا يشبب رجل منهم بامرأة وتوعدهم على ذلك، فكان الشعراء يكنون عن النساء بالشجر وغيرها، ولذلك قال حميد قبل هذا البيت:
سقى السرحة المحلال والأبرق الذي ... به الشرى غيث دائم وبروق
وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح موجود على طريق
ويروى إلى. والأفنان: الأغصان، واحدها فنن. والأفنان أيضاً: الأنواع واحدها فن، تروق: تعجب. وإنما جعل (على) في هذا البيت زائدة لأن راق يروق لا يحتاج في تعديه إلى حرف جر إنما يقال: راقني الشيء يروقني، فالمعنى يروق كل أفنان، وقد يجوز أن يقدر في البيت محذوف كأنه قال أبي الله إلا أن أفنان سرحة مالك. وقد يكون قوله (على كل أفنان العضاه) في موضع خبر أن كما تقول أبى الله إلا أن فضل زيد على كل فضل، أي ظاهر على كل فضل، ويكون تروق خبراً ثانياً لأن أن في موضع نصب على الحال، فالأفنان على هذا القول جمع فنن وهو الغصن، وعلى القول الذي حكاه ابن قتيبة وهو قول يعقوب ينبغي أن يكون جمع فن وهو النوع، كأنه قال: تروق كل أنواع العضاه، وقد يمكن أن يقدر في صدر البيت من الحذف ما ذكرناه، فتكون الأفنان الأغصان، كما أنه يجوز في القول الثاني أن تكون الأفنان الأنواع ولا تقدر محذوفاً.
* * *
стр. 912
وأنشد في باب إدخال الصفات وإخراجها:
(٣٤٦)
(فلم يستجبه عند ذاك مجيب)
هذا البيت لكعب بن سعد الغنوي وقيل لسهم الغنوي، وصدره:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى
وبعده:
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت رفعة ... لعل أبا المغوار منك قريب
واحتج به ابن قتيبة على أنه يقال استجبتك بمعنى استجبت لك، وكذا قال يعقوب ومن كتابه نقل ابن قتيبة أكثر ما أورده ههنا. وقد يمكن أن يريد فلم يجبه. ويدل على ذلك أنه قال مجيب ولم يقل مستجيب. فيكون الشاعر قد أجرى أفعل كما قالوا استخلف لأهله بمعنى أخلف، واستوقد بمعنى أوقد، قال الله تعالى: (كمثل الذي استوقد نارا)، وقد ذكر ابن قتيبة ذلك فيما تقدم وأنشد لذي الرمة:
ومستخلفات من بلاد تنوفة ... لمصفرة الأشداق حمرا الحواصل
وروى بعضهم لعل أبي المغوار بالخفض وزعموا أن من العرب من يخفض بلعل فيقول: لعل زيد خارج، وأن منهم من يكسر لام لعل مع الخفض بها، وأنشد يعقوب:
لعل الله فضلكم علينا ... بشيء أن أمكم شريم
стр. 913
وقال قوم إنما هو لعا لأبي المغوار، وأما كلمة تقال للعاثر يراد بها الانجبار والارتفاع، قال الأعشى:
بذات لوث عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعاً
فيكون لعاً في موضع رفع بالابتدا. وقوله: لأبي المغوار مجرور في موضع الصفة له، وقريب خبر المبتدأ، ولعا اسم من أسماء الفعل مبني على السكون والتنوين فيه علامة التنكير كالتنوين في صه ومه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٤٧)
(أستغفر الله ذنباً لست محصية ... رب العباد إليه الوجه والعمل)
هذا البيت لا أعلم قائله، والوجه: القصد الذي يقصده الإنسان ويتوجه نحوه. ويحتمل أن يريد بالوجه: التوجه فيكون من الأسماء التي وضعت موضع المصادر.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٤٨)
(ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل)
стр. 914
هذا البيت من مشهور شعر عنترة بن شداد، والطوى: انطواء البطن وضموره، ويكون خلفة ويكون من قلة الأكل. وكريم المأكل ما لا عيب فيه على أكله، يقول أصبر على الجوع ولا آكل مأكلا أعاب به، والعرب تستعمل الكرم بمعنى الشرف والفضل، وإن لم يكن هناك جود ولا عطاء، قال الله تعالى: (إني ألقى إلى كتاب كريم) وقال الشاعر:
فرب ثوب كريم كنت آخذه ... من القطار بلا نقد ولا ثمن
وجاء في الحديث أن رسولا لله ﷺ أنشد هذا البيت فقال: م وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة: وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا سمع هذا البيت يقول ذاك رسول الله ﷺ .
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب أبنية الأسماء:
(٣٤٩)
(كما خشخشت يبس الحصاد جنوب)
هذا البيت من مشهور شعر علقمة بن عبدة، وصدره:
تخشخش أبدان الحديد عليهم
والخشخشة: الحركة والصوت الخفي، والأبدان: الدروع واحدها بدن. شبه أصوات الدروع على الفرسان بصوت الحصاد اليابس إذا هبت عليه الجنوب؛
стр. 915
وهي الريح القبليةن وليس لتخصيصه الجنوب بالذكر معنى أكثر من طلب القافية، ألا ترى أن الأعشى قد ذكر الدبور مكان الجنوب فقال:
لها جرس كحفيف الحصـ ... ـاد صادف بالليل ريحاً دبوراً
ويجوز أن يريد باليبيس اليابس من النبات، وهو لغة في يبس، وعلى هذا أنشده ابن قتيبة. ويجوز أن يكون جمع يابس كما قالوا راكب وركب ويقوى ذلك قول العجاج:
تسمع للحلي إذا ما وسوسا ... زفرفة الريح الحصاد اليها
فهذا جمع يبس كقولك شاهد وشهد، وكثر ممن يفسر هذا الشعر يقول: الحصاد: ما يبس من الزرع وحان أن يحصد. وحكى أبو حنيفة عن أبي نصر قال: الحصاد: نبات يشبه السبط وله إذ جف وهبت عليه الريح جرس وزفازف. قال: ولذلك قال علقمة (تخشخش أبدال الحديد عليهم) البيت.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(٣٥٠)
(وما صب رجلي في حديد مجاشع ... مع القدر إلا حاجة لي أريدها)
следующие страницы →