← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على اليقين تمنع الاجتهاد، فإن عجز فالجهة قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وروى البيهقي عن ابن عباس، ﵄، قال: " إن رسول الله ﷺ قال: " البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض " اهـ وهذا الحديث وإن ضعف الترمذي بعض رجاله فمعناه صحيح لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وفي الحديث عن البراء بن عازب: قال " قدم رسول الله ﷺ المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان يصلي مع النبي ﷺ على قوم من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة " رواه الخمسة. وهنا قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا في شدة الخوف " يعني أن الخوف الشديد مبيح للخائف إيقاع الصلاة على غير القبلة. قال خليل: أو خوف من كسبع. وفي المواق: قال مالك في المدونة: من خاف إن نزل من سباع أو غيرها صلى على دابته إيماء أينما توجهت به، فإن أمن في الوقت فأحب إلي أن يعيد بخلاف العدو. قال ابن يونس: ووقته وقت الصلاة المفروضة قال اللخمي: ويسقط استقبال القبلة عن المكتوف، والمربوط، وصاحب الهدم، والمسايف للعدو، والخائف من اللصوص والسباع يخشى متى وقف أدركه العدو أو اللصوص أو السباع. قال المصنف رحمه الله تعالى عاطفا على شدة الخوف: " والنافلة في سفر القصر على الدابة " يعني أن التنفل يجوز له أن يصلي حيث ما توجهت به الدابة قال ابن جزي في القوانين: الاستقبال شرط في الفرائض إلا في صلاة المسايفة، والراكب في السفر

стр. 177

يخاف إن نزل لصا أو سبعا فتجوز الصلاة حينئذ إلى القبلة وغيرها، وهو أيضا شرط في النوافل إلا في السفر فيصلي حيث ما توجهت به راحلته، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يتكلم ولا يلتفت، وذلك بشرط أن يكون السفر طويلا ويكون راكبا. ويصلي من في السفينة إلى القبلة، فإن دارت استدار: وروى ابن حبيب أنه يتنفل حيث سارت به كالدابة اهـ. وفي المختصر: وصوب سفر قصر لراكب دابة فقط، وإن بمحمل بدل في نفل وإن وترا. قال الشارح: يعني أن جهة السفر للمسافر عوض له عن توجهه إلى الكعبة في النوافل، وإن وترا، لفعله ﵊ ذلك، ويجري ركعتي الفجر وسجود التلاوة بشرط أن يكون سفره سفر قصر، وأن يكون لراكب دابة فلا يرخص في ذلك في حضر ولا فيما دون مسافة القصر، أو سفر غير مباح ولوالي القبلة، ولا لماش ولا لراكب سفينة. والمحمل كالدابة وهو ما يركب فيه من شقدف وغيره. وإذا استوفى هذه الشروط له أن يبتدئ تنفله إلى جهة سفره، ولا يجب عليه أن يبدئه إلى جهة القبلة اهـ. ثم رجع إلى بيان وجوب استقبال الكعبة وجهتها لمن تأهل، فقال ﵀: " فيلزم معانيها إصابتها، وغيره جهتها " هذا في غير ما استثنى من الخائف والمتنفل في سفر قصر على الدابة، ومن كان في حالة الالتحام في قتال جائز فهؤلاء يجوز لهم الصلاة إلى القبلة وغيرها، ولا غيرهم، وأما أهل مكة فيلزمهم معاينة الكعبة من الأمن والقدرة كما تقدم. وأما غيرهم ممن كان خارجا عنها فيلزمه التوجه إلى جهتها لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] * * * وفي المختصر: ومع الأمن استقبال عين الكعبة لمن بمكة، فإن شق ففي الاجتهاد نظر وإلا فالأظهر جهتها اجتهادا، كأن نقضت والعياذ بالله تعالى. انظر حاشية الصاوي على أقرب المسالك عند قول مصنفه وهي عين الكعبة لمن بمكة إلخ.

стр. 178

قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أشكلت تحرى " يعني أن المصلي إذا أشكلت عليه القبلة ولم يهتد بجهتها، ولم يجد من يقله فإنه يجتهد ويتحرى جهة ويصلي عليها، وإن تبين خطؤه في الصلاة قطع، وبعدها أعاد في الوقت، ووقته في الظهرين اصفرار الشمس، وفي العشاءين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس. قال المصنف ﵀: " فإن تحير تخير جهة. وقيل يصلي أربعا إلى أربع جهات " وفي المختصر: فإن لم يجد، أو تحير مجتهد تخير ولو صلى أربعا لحسن، وهو المختار عند اللخمي. قال الدردير: والمعتمد الأول: فإن لم يجد غير المجتهد مجتهدا يقلده ولا محرابا تخير جهة من الجهات الأربع وصلى إليها صلاة واحدة وسقط عنه الطلب لعجزه. وقال الدسوقي: وأما لو وجد ذلك المقلد من يقلده من مجتهد أو محراب وترك تقليد ما ذكر، واختار جهة تركن لها نفسه وصلى لها كانت صلاته صحيحة إن لم يتبين خطؤه، فإن تبين الخطأ فيها قطع حيث كان كثيرا، وإن تبين بعدها فقولان بالإعادة أبدا، أو في الوقت اهـ. وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " فإن تبين الخطأ في أثنائها استدار وبعدها لا إعادة " يعني أنه قد تقدم البيان في ذلك، لكن نذكر هنا نص المدونة لزيادة الإيضاح. قال مالك فيمن استدبر القبلة أو شرق أو غرب فصلى وهو يظن أن تلك القبلة، ثم تبين له أنه على غير القبلة فقال: يقطع ما هو فيه ويبتدئ الصلاة، فإن فرغ من صلاته ثم علم في الوقت فعليه الإعادة. قال: وإن مضى الوقت فلا إعادة عليه. وقال أيضا: لو أن رجلا صلى فانحرف عن القبلة ولم يشرق ولم يغرب فعلم بذلك قبل أن يقضي صلاته فإنه يميل إلى القبلة ويبني على صلاته اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وغير المجتهد يقلد عارفا جهتها كالأعمى " يعني أن غير المتأهل للاجتهاد سواء كان بصيرا أو أعمى يقلد عارفا بطريق القبلة بشرط أن يكون

стр. 179

مكلفا عدلا، أو يقلد محرابا وإن لم يكن من محاريب الأمصار. انتهى بمعناه. قال ابن جزي: المصلون ثلاثة: متيقن للقبلة، ومجتهد، ومقلد، وهي مرتبة فلا يجوز الانتقال عن واحد إلى ما بعده إلا بعد العجز عنه. فالقطع لمن صلى في مكة، ومحراب النبي ﷺ بالمدينة بمنزلة الكعبة. والاجتهاد لمن صلى في سائر الأقطار إن قدر عليه، والتقليد لمن عجز عن الاجتهاد فيسأل مسلما عاقلا عارفا بالقبلة ويقلده، فإن عدم من يقلد فقيل يصلي إلى حيث شاء، وقيل يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات اهـ. وقد تقدم أن المعتمد من القولين الأول. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وداخل القرية المسلمة يعمل على محرابها " يعني أنه قد تقدم أن غير المجتهد إذا لم يجد مجتهدا يدله على القبلة يقلد المحراب وإن لم يكن من محاريب الأمصار، هذا إذا كان بلدا عظيما حضر نصب محرابه إلى جهة الكعبة جمع من العلماء العارفين، وذلك كبغداد ومصر والإسكندرية وإلا فلمجتهد أن يعتمد على اجتهاده. قال في المختصر: ولا يقلد مجتهد غيره ولا محرابا إلا لمصر. وفي المواق: قال ابن القصار: يجوز تقليد محاريب البلاد التي تكررت صلواتها ونصبتها الأئمة، القباب: وهذا إذا لم تكن مختلفة ولا مطعونا عليها انظر المواق اهـ. قال الخرشي: وقوله ولا يقلد محرابا، يريد إن كان البلد الذي هو فيه خرابا، أما لو كان البلد عامرا: تتكرر فيه الصلاة ويعلم أن إمام المسلمين قد نصب محرابه، أو اجتمع أهل البلد على نصبه فإنه يجب أن يقلده، وهو معنى قوله إلا لمصر، ولا يجوز له الاجتهاد حينئذ اهـ. ولما أنهى الكلام على الشرط الأول انتقل يتكلم على الشرط الثاني وهو الستر، ولما كان ستر العورة شرطا من شروط صحة الصلاة على القادر عليه أفرده المصنف بالفصل استقلالا واعتناء بشأن ذلك في الصلاة وخارجها، فقال ﵀:

стр. 180

فَصْلٌ في ستر العورة في الصلاة وخارجها أي في ستر العورة. والمعنى أن المصنف ﵀ عقد هذا الفصل في بيان وجوب ستر العورة بقوله: " ستر العورة شرط " أي في صحة الصلاة. قال الخرشي: والعورة في الأصل الخلل في الثغر وغيره وما يتوقع منه ضرر وفساد، ومنه عورة المكان أي توقع الضرر والفساد منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَة﴾ [الأحزاب: ١٣] أي خالية يتوقع فيها الفساد. والمرأة عورة لتوقع الفساد من رؤيتها أو سماع كلامها، لا من العور بمعنى القبح لعدم تحققه في الجميلة من النساء لميل النفوس إليها. وقد يقال المراد بالقبح ما يستقبح شرعا وإن ميل إليه طبعا. وعبارة بعضهم: والعورة وهو القبح، لقبح كشفها لا نفسها، حتى قال محيي الدين بن عربي: الأمر بستر العورة لتشريفها وتكريمها لا لخستها، فإنهما - يعني القبلين - منشأ النوع الإنسان المكرم المفضل اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهي من الرجل ما بين السرة إلى الركبة " يعني أن عورة الرجل التي يحرم النظر إليها مابين السرة والركبة، فيجب على كل رجل مكلف سترها في جميع الأحوال، في الصلاة وخارجها، إلا في الخلوة فمستحبة، وكل ذلك إن قدر ووجد ما يستتر به بأي ساتر كان. وعبارة المصنف شاملة للعورة المغلظة والمخففة، لأن العورة المغلظة هي السوءتان، وهما القبل والدبر وما والاهما من الأليتين والعانة والأنثيين، وما عدا ذلك من الفخذ عورة مخففة في حق الرجل، وفي الرسالة: والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها. قال شارحها: فغاية ما يقال إنه يكره كشفه مع غير الخاصة، والحرمة بعيدة لأنه ﵊ كشف فخذه مع أبي بكر وعمر، ففي مسلم " عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته كاشفا فخذيه وساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة فتحدث، ثم استأذن

стр. 181

عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه فدخل وتحدث معه، فلما خرج قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تباله، ودخل عمر فلم تباله - أي لم تهتم لدخولهما وتستر فخذيك - ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة " والاستحياء منه مزية وهي لا تقتضي الأفضلية اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن الفخذ عورة مخففة يجوز كشفه مع الخواص، ولا يجوز مع غيرهم، فقد كشف النبي ﷺ فخذه مع أبي بكر وعمر، وستره حين أقبل عثمان، ثم ذكر الحديث المتقدم إلى آخره، وقال: ولذا لا يعيد الرجل الصلاة لكشفه ولو عمدا، وإلا أعادت الأمة في الوقت، والحرة أبدا لأنه من الأنثى عورة حقيقة مطلقا اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن لم يجد إلا إزارا اتزر به، أو ثوبا واسعا التحف به وخالف طرفيه وعقدهما على عاتقه " يعني أن المصلي إذا لم يجد إلا إزارا واحدا فإنه يشده على وسطه ويصلي فيه ولا يعيد، وأما إن وجد ثوبا واسعا فإنه يلتحف به ويخالف طرفيه ويعقده على اعتقه، والعاتق هو ما بين المنكب والعنق. والأصل في هذا حديث جابر أن النبي ﷺ قال له: " إذا كان الثوب واسعا فالتحف به " يعني في الصلاة. ولمسلم " فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقا فاتزر به " رواه البخاري ومسلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتكره السراويل بانفرادها " وفي نسخة السراولة بمفردها. والسراويل تذكر وتؤنث. وفي المصباح: والجمهور أن السراويل أعجمية. وقيل عربية، جمع سراولة تقديرا، والجمع سراويلات اهـ. يعني أن الصلاة في السراويل مكوهة إلا إذا كان معها شيء. وفي الأخضري: وتكره الصلاة في السراويل إلا إذا كان فوقها شيء وفي الرسالة: ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل

стр. 182

لم يعد اهـ. وما ذكر من كراهة الصلاة في السراويل محله إذا لم يكن شفافا، وإذا كان فوقهما شيء كثيف يحجب الوصف انتفت الحرمة والكراهية اهـ. قال المصنف ﵀: " والمحدد لرقته " يعني أنه يكره لبس الثوب المحدد لأجل رقته، وهذا ليس مخصوصا بالسراويل، بل لجميع الثوب الرقيق الذي يصف الجسد أو العورة لرقته ولو بغير صلاة لإخلاله بالمروءة ومخالفته لزي السلف الصالح. وفي المواق: قال ابن الحاجب ما يصف لرقته أو لتحديده يكره كالسراويل. ومن المدونة: كره مالك الصلاة في السراويل. ابن يونس لأنه يصف. والمئزر أفضل منه. قال خليل: لا بريح، وفي المواق: الذي لابن يونس من صلى في ثوب رقيق يصف أعاد، إلا أن يكون رقيقا لا يصف إلا عند ريح فلا يعيد اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأمة كالرجل " يعني أن عورة الأمة كعورة الرجل. وقد تقدم أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة. قال في المختصر: وهي من رجل وأمة وإن بشائبة، وحرة مع امرأة ما بين سرة وركبة. قال الخرشي: يعني أن عورة الرجل مع مثله، أو مع أمة ولو بشائبة من أمومة، فما دونها مع رجل أو امرأة بالنسبة للرؤية وللصلاة ما بين السرة والركبة، عورة الحرة مع حرة، أو أمة ولو كافرة بالنسبة للرؤية ما بين السرة والركبة وهما خارجان اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب ستر بدنها لا رأسها " يعني أنه يندب للأمة القن أن تستر جميع بدنها إلا الرأس فلا تستره للتمييز بينها وبين الحرة، كما يستحب لأم الولد والمبعضة تغطية العنق. وأما فلا يستحب لها ذلك. قال في المختصر: ولا تطلب أمة بتغطية رأس. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يستحب " تغطية المستولدة والمبعضة

стр. 183

العنق " قال العلامة العدوي في حاشيته على الخرشي: وحاصل ما في المقام أن أم الولد وغيرها اشتركتا في وجوب ستر ما بين السرة والركبة وفي ندب ما زاد على ذلك إلا الرأس، واختلفتا في الرأس، فأم الولد يندب لها أي ستر الرأس، وغيرها أقوال ثلاثة بالجواز، وندب التغطية، وندب عدمها. قال أفاده علي الأجهوري ﵀. ثم قال: والحاصل أن المعتمد ما قلنا كما أفاده شيخنا. قال عياض الصواب ندب تغطيتها في الصلاة لأنها أولى من الرجال، ولا ينبغي اليوم الكشف مطلقا لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت جارية مكشوفة الرأس في الأسواق والأزقة لوجب على الإمام أن يمنعها من ذلك، ويلزم الإماء بهيئة تميزهن من الحرائر. وبعض الشراح جعل كلام المصنف عاما، ولا تطلب أمة لا وجوبا ولا ندبا، بل يندب عدم التغطية كما صرح به ابن ناجي. وقد كان عمر بن الخطاب، ﵁، يضرب من تغطي رأسها من الإماء لئلا يشتبهن بالحرائر. . وصوب سند الجواز كما نقله أبو سعيد؛ لأن غايتها أن تكون كالرجل، فإذا لم يستحب له كشف رأسه بل يجوز ففي الأمة أولى اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها " يعني أن المرأة الحرة البالغة يجب عليها ستر جميع بدنها لأنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية. أي لا يكشفن أبدانهن إلا عند أزواجهن أو أقربائهن ومن ذكر معهم في الآية الكريمة. قال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما الحرة فكلها عورة إلا الوجه والكفين. وزاد أبو حنيفة القدمين، ولم يستثن ابن حنبل. ثم قال حكم المرأة في النظر إلى المرأة كحكم الرجل في النظر إلى الرجل، فيمنع النظر إلى العورة، ويجوز ما عدا ذلك. وحكم المرأة في النظر إلى ذوي محارمها كحكم الرجل في النظر إلى الرجل. وحكمها في النظر إلى الأجنبي كحكم الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والكفين فقط على الأصح. وقيل كنظر الرجل

стр. 184

إلى المرأة الأجنبية اهـ. وفي العزية: وعورة المرأة الحرة مع أجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين اهـ. وفي الأخضري: والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " والساتر الحصيف لا الشفاف " يعني يشترط في الساتر الذي يستر عورته به أن يكون كثيفا. قال ابن جزي: وأما الساتر فيجب أن يكون صفيقا كثيفا، فإن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه اهـ. وفي الرسالة: وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الخصيفة (١) السابغة التي تستر ظهور قدميها، وهي القميص والخمار الخصيف. قال الشارح: القميص هو الذي يسلك في العنق، وشرطه كونه كثيفا لا يصف ولا يشف. وقوله: والخمار تتقنع به أي تغطي به رأسها وشعرها وعنقها، ولا يجوز لها أن تجعل الوقاية فقط فوق رأسها وتترك ذقنها وعنقها مكشوفين، ويشترط في الخمار من الكثافة ما يشترط في الدرع. قاله النفراوي. وفي الثمر الداني: الخمار بكسر الخاء المعجمة وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها فشرطه شرط القميص من كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف، فإن كان مما تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط أي يحددها فيكره وتعيد في الوقت. والرجل كالمرأة في ذلك: فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقهما ودلاليها، ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة. والأصل فيما ذكر قوله ﷺ " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " يعني بالغة. وفي رواية " سئل رسول الله ﷺ

стр. 185

أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: " إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها " اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن لم يجد إلا حريرا أو نجسا صلى به " يعني أن المصلي إذا لم يجد ما يستر به العورة إلا ثوب حرير أو نجس فإنه يصلي به للضرورة، وصحت صلاته، وإن تركه وصلى عريانا فإنه يعيد صلاته أبدا. قال الدردير على أقرب المسالك: فإذا علم من يعيره ما يستر به عورته فلم يستعره وصلى عريانا بطلت. وكذا من صلى عريانا مع وجود حرير أو نجس اهـ بمعناه. قال خليل - مشبها بالإعادة في الوقت -: كمصل بحرير وإن انفرد أو بنجس بغير. وقال بعد ذلك بقليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا أو ذهبا أو سرق أو نظر محرما فيها. قال الشارح: قوله كمصل بحرير تشبيه في الإعادة في الوقت، يعني أن من صلى بحرير أو بذهب لابسا لكل فإنه يعيد في الوقت، وإن انفرد باللبس مع وجود غيره خلافا لابن حبيب القائل بإعادته أبدا. ويحتمل وإن انفرد في الوجود، أي لم يجد غيره حتى صلى به، خلافا لأصبغ القائل بعدم الإعادة. وأما من صلى حاملا له في كمه أو في جيبه أو في فمه فلا إعادة عليه ولا إثم عليه. وقوله أو نجس، أي وكذلك يعيد إلى الاصفرار إذا صلى بثوب نجس ذاتا أو عارضا لابسا له أو حاملا، ويعيد في شيء طاهر غير حرير، إذ لا فائدة في الإعادة بشيء نجس أو حرير. وكذلك لا يعيد في الآخر إذا صلى بأحدهما اهـ الخرشي. وأما قول خليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا إلخ، قال المواق: أما إن صلى به مختارا فقد نص ابن الحاجب على أنه عاص، فإن كان معه ساتر غيره فقال ابن القاسم وسحنون يعيد في الوقت، وقال ابن وهب وابن الماجشون لا إعادة عليه. قال ابن عرفة ونقل ابن الحاجب عدم صحة الصلاة لا أعرفه. فانظر قول خليل وصحت، هل يريد ويعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة، أو يكون بنى على قول ابن وهب وابن الماجشون؟

стр. 186

وأما إن صلى بثوب حرير بلا ساتر معه فقال ابن وهب وابن الماجشون أيضا لا إعادة عليه. وقال أشهب: يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب يعيد أبدا. ثم قال: وعبارة ابن يونس من صلى بخاتم ذهب أو ثوب حرير وعليه ما يواريه غيره فليعد في الوقت. وقال أشهب: لا إعادة عليه إلا أن يكون عليه غيره فليعد في الوقت. وقال ابن حبيب إذا كان عليه غيره أجزأه وقد أثم، وإذا لم يكن عليه غيره أعاد أبدا. قال ابن يونس: فصار فيمن صلى بثوب حرير عامدا ثلاثة أقوال: ابن وهب: لا إعادة عليه، أشهب يعيد في الوقت. ابن حبيب: يعيد أبدا. قال المأزري: يلزم ابن حبيب أن يعيد أبدا من صلى في دار مغصوبة أو ثوب مغصوب، والمعروف خلافه فانظر هذا كله مع لفظ خليل ومع ما تقدم عند قوله كمصل بحرير إلى أن قال: وكذا المعدوم شرعا هو كالمعدوم حسا، فالمصلي بثوب الحرير كأنه ليس ذلك الثوب عليه، فإن كان عليه غيره صحت الصلاة، وإلا فهو كعريان اهـ مع حذف شيء. انظر الحطاب فإنه قد أتى بما يغني الطالب. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي اجتماعهما يقدم النجس، وقيل الحرير " يعني أنه إذا اجتمع عند مريد الصلاة ثوبان! حرير ونجس ولم يجد غيرهما، فإنه يقدم النجس على الحرير، وهو قول أصبغ. قال العدوي على الخرشي ضعيف. قال الخرشي: وإذا اجتمع الحرير مع النجس، أو المتنجس قدم الحرير على المشهور، وهو قول ابن القاسم. وفي الدردير على أقرب المسالك: وهو أي الحرير مقدم على النجس عند اجتماعهما وجوبا، لأنه لا ينافي الصلاة بخلاف النجس. وقال الصاوي عليه: قوله مقدم على النجس وكذا على المتنجس، وهذا قول ابن القاسم. وقال أصبغ: يقدم النجس، لأن الحرير يمنع لبسه مطلقا، والنجس إنما يمنع لبسه في حال الصلاة، والممنوع في حالة أولى من الممنوع مطلقا، والمعتمد ما قاله ابن القاسم اهـ.

стр. 187

قلت: والمسألة ذات خلاف، ولذا قال ابن جزي في القوانين: وإن لم يجد إلا ثوبي حرير ونجس فاختلف بأيهما يصلي اهـ ونقل عن المواق عن المدونة ونصها: من لم يكن معه غير ثوب نجس وثوب حرير فليصل بالحرير ويعيد في الوقت. قال ابن يونس: لأن النجس غير مباح لأحد الصلاة به، والحرير مباح للنساء لبسه والصلاة به وللرجل في الجهاد فهو أخف، وقال أشهب: الأخص مقدم على الأعم، فيقدم النجس في الاجتناب لأنه أخص، كالمحرم يقدم الصيد على الميتة في الاجتناب اهـ. بالاختصار. وفي حاشية العدوي على الخرشي: اعلم أن حاصل ما قيل أن الثوب النجس يصلي به اتفاقا، وفي الحرير الخلاف، وذلك لأن الثوب النجس جائز لبسه في جميع الأوقات إلا في حالة الصلاة، بخلاف الحرير، إلا أنه إذا اجنمعا يقدم الحرير، ومقتضى ما ذكر العكس. والجواب أنه إذا صلى بالنجس مع وجود غيره تبطل، وأما الحرير فلا بطلان اهـ. قلت: وغاية الأمر أنه يعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة كما تقدم. وقد علمت فيما مر أن المشهور الذي اعتمد عليه المحققون قول ابن القاسم. والله موفق للصواب. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن عدم الساتر صلى عريانا بموضع ساتر قائما راكعا ساجدا " يعني أن من لم يجد الساتر بأن عجز عن كل ما يجب الاستتار به، فإنه يجب عليه أن يصلي عريانا بموضع لا يراه أحد، وليصلها كما هي قائما بالركوع والسجود. ولا تسقط عنه لعدم الساتر ما دام يقدر على أدائها. قال خليل: ومن عجز صلى عريانا، قال الدردير: أي وجوبا، وأعاد بوقت على المذهب. وفي جواهر الإكليل: ومن عجز عن ستر عورته المغلظة صلى عريانا لأن اشتراط الستر في صحة الصلاة مقيد وهو عاجز عنه اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ومن لم يجد ثوبا صلى وحده عريانا قائما يركع ويسجد. وقال أبو حنيفة: يصلي جالسا، فإن جاء الثوب وهو في الصلاة فاختلف

стр. 188

هل يستر ويتمادى أو يقطع ويبتدئ اهـ. وفي الأخضري: ومن لم يجد ما يستر به عورته صلى عريانا، قال عبد السميع الأزهري الآبي: يعني أن المكلف إذا ضاق عليه الأمر ولم يجد ما يستر به عورته من ثوب نجس أو حرير أو حشيش أو ورق أو طين يتمعك فيه وتعذر عليه جميع ذلك فيجب عليه أن يصلي عريانا ولا يؤخر الصلاة حتى يجد ما يستر به عورته اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي جماعة العراة في الظلمة يتقدم إمامهم ويصلون كذلك. وفي نهار أو ليل مقمر قيل ينفرد كل بموضع. وقيل جماعة غاضين " يعني أن العراة الذين لا يقدرون على الثياب: إنهم يصلون أفذاذا يتباعد بعضهم عن بعض، ويصلون قياما. وإن كانوا في ليل مظلم لا يتبين بعضهم بعضا صلوا جماعة، وتقدمهم إمامهم اهـ. قال ابن جزي: وإن اجتمع عراة في الظلام صلوا كالمستورين، وإن كانوا في الضوء تباعدوا وصلوا أفذاذا، وإلا صلوا جلوسا. وقيل قياما ويغضون أبصارهم اهـ. وفي المختصر: فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين، وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قياما غاضين، إمامهم وسطهم. قال الشارح: يعني أن العراة إذا اجتمعوا في ظلام الليل، أو لظلمة مكان فإنهم يصلون على هيئتها من قيام وركوع وسجود، ويتقدم إمامهم، فإن كان الاجتماع في ضوء كنهار أو ليل مقمر فإنهم يتفرقون إن أمكن ويصلون أفذاذا، فإن لم يمكن تفرقهم لخوف على مال أو نفس من عدو أو سبع أو لضيق مكان صلوا قياما غاضين أبصارهم، وركعوا وسجدوا وإمامهم وسطهم، فإن كان معهم في هذه الحالة نساء ينبغي أن يصلي الرجال ثم النساء، أي فرادى قائمات راكعات ساجدات، وتصرف كل طائفة وجهها عن الأخرى، ولو تركوا التفرق مع القدرة عليه فالظاهر أنه بمنزلة من صلى عريانا مع القدرة على الستر فيعيد أبدا. وقيل في الوقت. ومثله

стр. 189

لو تركوا غض البصر. ولا يقال هذا بمنزلة من نظر عورة إمامه أو غيره فيجري فيه ما تقدم؛ لأن ذلك مع الستر وهذا مع فقده كما في شرح الأجهوري اهـ الخرشي مع إسضاح. ولنذكر بقية الأمثلة التي ذكرها الشيخ خليل هنا إتماما للفائدة وهي قوله: وإن علمت في صلاة بعتق مكشوفة رأس، أو وجد عريان ثوبا استترا إن قرب، وإلا أعادا بوقت، وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا، ولأحدهم ندب إعارتهم اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويمنع التلثم في الصلاة " التلثم عو تغطية الفم وما تحت الشفة السفلى بثوب. وليس بحرام إلا لقصد الكبر، وإن قصد به الكبر فحرام، وإلا فمكروه على المشهور ولو في غير الصلاة. وقد نقل الحطاب عن الزروق. ونصه: قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد عند قول صاحب الإرشاد ويمنع التلثم في الصلاة: أما التلثم فيمنع إذا كان لكبر ونحوه، ويكره لغير ذلك، إلا أن يكون ذلك شأنه، كأهل لمتونة، أو كان في شغل عمله من أجله فيستمر عليه. وتنقب المرأة للصلاة مكروه؛ لأنه غلو في الدين، ثم لا شيء عليهالأنه زيادة في الستر اهـ. وفي المواق عند قول خليل: وانتقاب امرأة - من المدونة - قال مالك: إن صلت الحرة منتقبة لم تعد. ابن القاسم وكذا المتلثمة. اللخمي: يكرهان. وتستدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل اهـ. وفي الدسوقي: والحق أن اللثام يكره في الصلاة وخارجها سواء فعل لأجلها أو لا لأنه أولى بالكراهة من النقاب، وحينئذ فلا اعتراض على المصنف اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويكره كف الكم والشعر وشد الوسط لها " يعني أن كل هذه الأفعال مكروهة في الصلاة. قال خليل: وانتقاب امرأة، ككشف كم وشعر لصلاة وتلثم. وفي الرسالة: ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة، أو يضم ثيابه، أو يكفت شعره. قال شارحها أبو الحسن في كفاية الطالب: والنهي عن هذه الأمور

стр. 190

كلها نهي كراهة إذا كان في الصلاة، وأما خارجها فلا كراهة لما في الحديث " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء " الحديث. أما تغطية الأنف بالنسبة إلى المرأة فلأنه من التعمق في الدين، وأما بالنسبة إلى الرجل فللكبر إلا من كانت عادته ذلك كأهل مسوفة - بلد المغرب - فيباح له في الصلاة وغيرها، ويستحب له تركه في الصلاة. وأما تغطية الوجه لهما - أي للرجل والمرأة - فللتعمق في الدين. وأما ضم الثياب فإنما يكره إذا فعل ذلك لأجل الصلاة أو صونا لثيابه لئلا تتلوث ترابا لأن في ذلك ضربا من ترك الخشوع المطلوب في الصلاة. وأما إذا كان في صنعة أو عمل فحضرته الصلاة وهو كذلك فيجوز له أن يصلي على ما هو عليه من غير كراهة. وأما كفت الشعر فإنما يكره إذا قصد بذلك خوف تلوثه، أما إذا كانت عادته ذلك لشغل فلا كراهة. والأفضل أن يحل ذلك كله اهـ. وروي " إذا سجد الإنسان فسجد معه شعره كتب له بكل شعرة حسنة " وفي الحديث " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكفت شعرا ولا ثوبا " فأخبر أن النهي إنما هو إذا قصد به الصلاة. قال النفراوي والحاصل أن كلا من الانتقاب والتلثم والاحتزام والتشمير وضم الأكمام والشعر إنما يكره إذا فعل في الصلاة، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، ولا يكره شيء من ذلك لغير الصلاة إلا الانتقاب لمن لم يكن عادته ذلك. ويفهم من ذلك أنه لو أحضرته الصلاة وهو محتزم أو شامر لثوبه لا تكره صلاته على تلك الحالة، وإن كان الأولى حل ذلك اهـ. ثم ذكر المصنف شرطا ثالثا من شروط الصلاة بقوله رحمه الله تعالى: " وإزالة النجاسة شرط. وقيل مع الذكر والقدرة " يعني أن إزالة النجاسة عن محمول المصلي شرط في صحة الصلاة. وقيل فرض مع الذكر والقدرة. والقول الثالث أنها سنة مؤكدة. والقول بالسنية هو المشهور في المذهب؛ لأنه قول ابن القاسم عن مالك في المدونة. واعتمد ابن رشد وابن يونس وعبد الحق. وحكى بعض المحققين الاتفاق

стр. 191

عليه كما في الخرشي. ولفظ المدونة عن مالك: رفع النجاسات من الثياب والأبدان سنة لا فريضة. قال ابن رشد: وعليه فمن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت - ولو عمدا - الظهرين للاصفرار، والعشاءين للفجر، والصبح للطلوع، والجمعة كالظهرين اهـ. وفي الرسالة: وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب، فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض. وقيل وجوب السنن المؤكدة اهـ. قال شارحها أبو الحسن في كفاية الطالب: وقد شهر كل من القولين. وعلى الأول لو صلى بالنجاسة متعمدا قادرا على إزالتها أعاد أبدا، وإن صلى بها ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت، وعلى الثاني يعيد في الوقت مطلقا. ثم قال: والوقت في الظهرين إلى الاصفرار، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح إلى الإسفار اهـ. قال الزروق في شرحه على الرسالة: وذكر في البيان أن المشهور في المذهب قول ابن القاسم عن مالك أن رفع النجاسة من الثياب والأبدان سنة لا فريضة. فمن صلى بثوب نجس على مذهبه ناسيا أو جاهلا مضطرا إلى الصلاة فيه أعاد في الوقت اهـ. قال النفراوي: وهذا القول أي بسنية إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه شهره ابن رشد لأنه قول ابن القاسم رواه عن مالك كما تقدم اهـ. انظره في المطولات. والله أعلم بالصواب. ولما أنهى الكلام على الشروط وما يتعلق بجميع ذلك مما هو خارج الماهية انتقل يتكلم على الماهية المعبر عنها بالركن والفرض والواجب واللازم والحتم، فقال رحمه الله تعالى:

стр. 192

فَصْلٌ في أركان الصلاة أي في الأركان. واعلم أن المصنف عقد هذا الفصل في بيان أركان الصلاة والأركان جمع ركن. وركن الشيء جزء ماهيته: أي حقيقته كما في المصباح. والمراد بالصلاة مطلق الصلاة ولو نفلا. وابتدأ بالركن الذي تركه المصلي تبطل صلاته فقال رحمه الله تعالى: " أركانها النية مقترنة بالتكبير " يعني أنه أخبر أن النية هي أول ركن من أركان الصلاة. وقد أورد المصنف هنا اثنى عشر ركنا كما سيأتي. والنية هي أصل كل العمل وأساسه. وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " الحديث. وشروطها في أول كل عمل، فيشترط هنا أي في الصلاة أن تكون مقرونة بتكبيرة الإحرام بأن يكون قصده مقارنا للفظ التكبير. قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن قدمها بالكثير لم يجزه إلا يستصحبها ذكرا " بضم الذال ضد النسيان. يعني أن تقديم النية على تكبيرة الإحرام أو تقديم تكبيرة الإحرام عليها قد تصح به الصلاة وقد تبطل أخرى. قال خليل: وبطلت بسبقها إن كثر، وإلا فخلاف. قال الشارح: يعني أن النية إذا سبقت أي تقدمت على تكبيرة الإحرام فإن الصلاة تبطل إن بعد السبق اتفاقا، وكذا إن تأخرت النية عن تكبيرة الإحرام مطلقا، فإن لم يبعد سبق النية لتكبيرة الإحرام بل تقدمت عنها بيسير فخلاف، البطلان لابن الحاجب وتلميذه عبد الوهاب فيشترط المقارنة، وعدمه لابن رشد حيث قال: تقدم النية قبل الإحرام بيسير جائز كالوضوء والغسل عندنا، والصوم عند الجميع اهـ. وفي حاشية العدوي على الخرشي: وأما المقارنة فهي حال الصحة والكمال

стр. 193

اتفاقا. قال في توضيحه أي خليل: والذي يظهر لي أن أقوال المتأخرين في اشتراط المقارنة معناها أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه يشترط أن تكون مصاحبة له اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومحلها القلب بغير تلفظ، فإن تلفظ بها فواسع " قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز التلفظ بها، لكن الأولى تركه في صلاة أو غيرها. قال الصاوي: ويستثنى الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس كما في المواق اهـ. قال ابن جزي: محل النية القلب، ولا يلزم النطق بها، وتركه أولى خلافا للشافعي اهـ. فالحاصل أن النطق بالنية مكروه وبدعة إلا من كثر عليه الوسواس فيجوز له ذلك لدفع ما عليه من الوسواس. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو اختلف العقد واللفظ فالمعتبر العقد، والأحوط الإعادة " يعني لو تلفظ بالنية وخالف لفظه ما نواه في قلبه، كأن نوى صلاة الظهر مثلا وتلفظ بالعصر فالعبرة بما نواه لا بما تلفظ به. وينبغي له الإعادة احتياطا، فإن لم يعد فلا شيء عليه. وفي حاشية الصاوي على الدردير: تنبيه: إن خالف لفظه نيته فالعبرة بالنية إن وقع ذلك سهوا. وأما عمدا فمتلاعب تبطل صلاته اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " يقصد أداء فرض الوقت " أي ينوي أداء الصلاة المعينة التي حضر وقتها كالظهر مثلا حال كونه " قائما مستقبلا " أي إلى القبلة إلا في ما استثني من شدة خوف أو متنفل على الدابة في سفر قصر كما تقدم. قال المصنف رحمه الله تعالى: " غير مقنع رأسه ولا مطأطئ له " يعني أن يكون عند تكبيرة الإحرام قائما مستقبلا معتدلا رافع رأسه ولا مطأطئه ويحضر بقلبه جلال الله ، ويشعر نفسه أنه واقف بين يديه يناجيه لأداء ما فرض عليه، ثم يكبر. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثاني من أركان الصلاة " تكبيرة

стр. 194

الإحرام يتعين " لفظ " الله أكبر " يعني أن المصلي يتعين إذا أراد الدخول في الصلاة أن يقول الله أكبر، سواء كان إماما أو فذا أو مأموما، كانت الصلاة فرضا أو نفلا، ذات ركوع وسجود أو غيرها. وفي الرسالة: والإحرام في الصلاة أن تقول الله أكبر، لا يجزئ غير هذه الكلمة اهـ. نعم اتفق أهل المذهب على أن غير الله أكبر لا يجزئ. ذكره ابن ناجي في شرح الرسالة. وفي الحديث " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وكلهم عن علي بن أبي طالب. وخرجه الترمذي أيضا عن أبي سعيد الخدري تنبيه: قال المحقق عبد الرؤف المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: قد جعل الله لكل مطلوب مفتاحا يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدقة، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال والإصغاء، ومفتاح الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية والمحبة الذكر. ومفتاح الفلاح والتقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان التفكر في مصنوعات الله، ومفتاح الدخول على الله استسلام القلب والإخلاص له في الحب والبغض، ومفتاح حياة القلوب تدبر القرآن بالأسحار وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الحق والسعي في نفع الخلق، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار، ومفتاح العز الطاعة، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل. وهذا باب واسع من أنفع أبواب العلم، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يقف عليه إلا الموفقون اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثالث من أركان الصلاة " القيام لها " أي لتكبيرة الإحرام للقادر عليه في الفرض ولو كفائيا، فلو كبر القادر جالسا في الفرض

стр. 195

ثم قام فصلاته باطلة، وكذا لو كبر راكعا، إلا أن ينوي بها الإحرام على أحد القولين في المسبوق. وأما العاجز والمتنفل فيجوز لهما الجلوس عند تكبيرة الإحرام. قاله ابن تركي في " الجواهر الزكية " مع طرف من الصفتي. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الرابع من أركان الصلاة " الفاتحة، يفتتحها بالحمد لله رب العالمين " أي فاتحة الكتاب، وهي الحمد لله رب العالمين إلخ وقوله: يفتتحها بالحمد يقرأ بضم الدال تأدبا بالقرآن، يعني أن الركن الرابع من اركان الصلاة قراءة الفاتحة، فهي فرض لكل مصل إلا من كان خلف الإمام فيستحب له قراءتها في السرية دون الجهرية، وفي الموطأ: أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإمام قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام. قال يحيى سمعت مالكا يقول: الأمر عندنا لأن يقرأ الرجل وراء الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة، ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة اهـ ثم اعلم أنه يجب لمن لم يحسن الفاتحة أن يتعلمها إن اتسع الوقت لذلك، وكان يقبل التعليم، ووجد من يعلمه ولو بأجرة وجدها، وإلا وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها إن وجده، ووجد من يعلمه ولو بأجرة وجدها، وإلا وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها إن وجده، فإن وجده ولم يأتم به بطلت صلاته. وأما قوله: يفتتحها بالحمد لله رب العالمين إشارة إلى ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك، ﵁، قال: " إن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين " رواه البخاري ومسلم، وزاد مسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " وفي رواية لأحمد والنسائي " لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " وفي الموطأ " عن أنس بن مالك أنه قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة " وإليه ذهب أبو محمد في الرسالة، فإنه قال في باب صفة العمل: ثم تقرأ، فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن لا تستفتح

стр. 196

ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها اهـ. قال النفراوي: أي لا تقرؤها لا سرا ولا جهرا، وإماما كنت أو فذا أو مأموما لأنها عند الإمام أحمد وأبي حنيفة ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة فينهى المصلي عن قراءتها في الفريضة نهي كراهة، هذا هو المشهور في المذهب، ولابن نافع قول بوجوبها كمذهب الشافعي. وعند الإمام مالك في المبسوط إباحتها، وعزى لابن مسلمة ندبها، ودليل المشهور حديث عبد الله بن مغفل، والعمل. قلت: وكذا حديث أنس المتقدم وحديث عائشة، انظر (رسالة الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف) للعلامة المحقق ابن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣ هجرية، فقد أتى بما لا يستغنى عنه من هذا الشأن، وعليك بها والله يتولى التوفيق، وكان المأزري يأتي بها سرا فكلم في ذلك فقال: مذهب مالك على صحة صلاة من يبسمل، ومذهب الشافعي على قول واحد ببطلان صلاة تاركها والمتفق عليه خير من المختلف فيه. وقد ذكر القرافي وابن رشد والغزالي وجماعة أن من الورع الخروج من الخلاف بقراء البسملة في الصلاة، ومثل ذلك قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بعد إحدى التكبيرات، لكن مع بعض دعاء لتصير الصلاة صحصحة باتفاق، لأن الدعاء عندنا ركن. . ومحل كراهة البسملة في الفريضة إذا أتى بها على وجه أنها فرض من غير تقليد لمن يقول بوجوبها، وأما إذا أتى بها مقلدا له، أو بقصد الخروج من الخلاف من غير تعرض لفريضة ولا نفيلة فلا كراهة، بل واجبة إذا قلد القائل بالوجوب، ومستحبة في غيره، وأما البسملة والتعوذ في النافلة فالجواز من غير كراهة اهـ النفراوي. قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمشهور وجوبها في أكثرها. وقال القاضي أبو محمد بل في كل ركعة " يعني أنه اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تارك قراءة الفاتحة في الصلاة على ثلاثة أقوال، والترك إما عمدا أو سهوا، أما العمد فلا

стр. 197

إشكال في بطلان صلاة تاركها، وأما السهو فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، أو في ركعة من الصبح أو الجمعة أو غيرهما. وانظر أقوال العلماء في جميع ذلك في المطولات، لكن المعتمد أن قراءة الفاتحة فرض واجب على المصلي في كل ركعة كالركوع والسجود، ويؤيد ذلك ما قرره الشيخ صالح عبد السميع في شرحه على الرسالة المسمى بالثمر الداني من قوله: وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة - يعني قراءة أم القرآن في الصلاة كلها - هو قول الأكثر، وهو الراجح، ومقابله ما رواه الواقدي عن مالك أنه إذا ترك القراءة في الصلاة كلها أن صلاته تجزئه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة في الركعتين قال ابن ناجي هو مؤثر في البطلان اهـ. فهذا ظاهر في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة فتأمل. قال القاضي أبو محمد في الرسالة: ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة ولا سجدة، ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح، واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام، وقيل يلغيها ويأتي بركعة، وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الخامس من أركان الصلاة " الركوع " وفي العزية الخامسة أي من فرائض الصلاة الركوع، وأكمله أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، وينصب ركبتيه، ويضع كفيه عليهما، ويجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه، ولا ينكس رأسه بل يكون ظهره مستويا اهـ. قلت إنه قد اتفق الأئمة على ركنيه الركوع والسجود، ولا خلاف بين الأمة في ذلك كما هو معلوم. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأكمله تمكين راحتيه من ركبتيه معتدلا

стр. 198

رأسه وظهره ولا يبزخ " المعنى أن أكمل الركوع أن ينحني ويمكن كفيه على ركبتيه حال كونه معتدلا بأن يسوس رأسه وظهره، ولا يطأطئه. وقوله: ولا يبزخ، البزاخ خروج الصدر ودخول الظهر. وقيل ولا يبزخ أي ولا يرفع. وفي نسخة ولا ينزح بالنون والحاء المهملة وهي خطأ، وصوابه بالباء الموحدة التحتانية والخاء المعجمة اهـ. وفي الرسالة: فإذا تمت السورة كبرت في انحطاطك للركوع فتمكن يديك من ركبتيك، وتسوي ظهرك مستويا، ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه، وتجافي بضبعيك عن جنبيك، وتعتقد الخضوع بذلك في ركوعك وسجودك اهـ وفي جواهر الإكليل: وأكمل الركوع أن يسوي فيه ظهره ورأسه فلا ينكسه ولا يرفعه، والذي فهمه أبو الحسن والإمام سند من المدونة أن وضع اليدين على الفخذين في الركوع مستحب، وفهم اللخمي والباجي منها وجوبه. وأما نصب الركبتين فمندوب اتفاقا اهـ مع إيضاح. تنبيه: قال الأقفهسي في شرح الرسالة: ولو كان بيديه ما يمنع وضعهما على ركبتيه أو قصرتا كثيرا لم يزد في الانحناء على تسوية ظهره، فإن كانت إحداهما مقطوعة وضع الباقية على ركبتها اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن السادس من أركان الصلاة " الرفع منه " أي الرفع من الركوع من فرائض الصلاة، فتبطل الصلاة بتعمد تركه. قال الدسوقي: وأما إن تركه سهوا فيرجع محدودبا حتى يصل لحالة الركوع ثم يرفع ويسجد بعد السلام، إلا المأموم فلا يسجد لحمل الإمام لسهوه، فإن لم يرجع محدودبا ورجع قائما لم تبطل صلاته مراعاة لقول ابن حبيب إن تارك الرفع من الركوع سهوا يرجع قائما لا محدودبا ويسجد من غير إعادة الركوع، أي لا يكون كتارك الركوع في إعادته اهـ بتصرف. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن السابع من أركان الصلاة " السجود على جبهته " قال الدردير على خليل: وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية، أي على

стр. 199

أيسر جزء منها، وندب إلصاقها بالأرض وما اتصل بها كسرير على أبلغ ما يمكنه. وكره شده بأرض بحيث يظهر أثره في جبهته كما يفعله الجهلة. وأما قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] معناه خضوعهم وخشوعهم في وجوههم من أثر عبادتهم كما ذكره الأمير في ضوء الشموع. ويشترط استقرارها على ما يسجد عليه، فلا يصح على تبن أو قطن إلا إذا اندك لارتفاع العجيزة عن الرأس، أي لا يشترط ذلك بل يندب اهـ مع إيضاح. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي " وجوب السجود على " الأنف " وسنيته أو استحبابه " خلاف " يعني أنه اختلف العلماء في السجود على الأنف، قيل إنه سنة، وقيل مستحب. قال في المختصر: وأعاد لترك أنفه بوقت. قال الدردير ولو في سجدة واحدة سهوا مراعاة للقول بوجوبه وإلا فهو مستحب على الراجح ولا إعادة لمستحب اهـ. وقد عد صاحب الأخضري السجود على الأنف من سنن الصلاة، وفي الجواهر الزكية: السجود على الجبهة والأنف، فإن ترك الأنف أعاد في الوقت، وإن سجد على أنفه دون جبهته أعاد أبدا على المشهور. قلت هذا كما في المدونة. قال مالك فيها: والسجود على الجبهة والأنف جميعا. قال ابن القاسم: فإن سجد على الأنف دون الجبهة أعاد أبدا، وإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه. وقال عبد الوهاب: ويعيد في الوقت استحبابا، قال المواق اهـ. وفي شرح العزية للشيخ صالح بن عبد السميع الأزهري قال: قال الحطاب: والسجود على الأنف مستحب على الراجح، وإنما الإعادة لترك السجود عليه بالوقت الاختياري، مراعاة لمن يقول بوجوبه، وإلا فالمستحب لا يترتب عليه سجود بتركه. وقيل سنة، فالمسألة ذات أقوال ثلاثة المعتمد منها الاستحباب اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثامن من أركان الصلاة " الرفع منه

стр. 200

للفصل " يعني أن الركن الثامن من أركان الصلاة الرفع من السجود لأجل الفصل بين السجدتين، والضمير في منه عائد إلى السجود المتقدم ذكره. قال الدسوقي نقلا عن المأزري: أما الفصل بين السجدتين فواجب اتفاقا؛ لأن السجدة وإن طالت لا تتصور أن تكون سجدتين، فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى تكونا اثنتين، ونحوه في التوضيح اهـ ومثله في الخرشي. قال الدردير على شرح خليل: والمعتمد صحة صلاة من لم يرفع يديه عن الأرض حال الجلوس بين السجدتين حيث اعتدل اهـ قلت: ولم يذكر المصنف ركنيه الاعتدال بين السجدتين، ولعله رأى أن الجلوس بينهما في رفع من السجود هو عين الاعتدال واستغنى عن ذكره في الأركان، أو كان عدم ذكره للاختلاف في ركنيته، مع أنه من أركان الصلاة كما ذكروه في غالب مؤلفاتهم، وسيأتي زيادة البيان فيه إن شاء الله في الركن الحادي عشر عند قول المصنف والطمأنينة، فترقب. قال المصنف رحمه الله تعالى: " يجلس واضعا يديه على فخذيه مبسوطتين " هذه صفة الجلوس بين السجدتين وكذا بين التشهدين. قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد في الرسالة: ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض، وتباشر بكفيك الأرض باسطا يديك مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك، وكل ذلك واسع، غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض، ولا تضم عضديك إلى جنبيك ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا، وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الأرض، وتقول إن شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي، أو غير ذلك إن شئت، وتدعو في سجودك إن شئت، وليس لطول ذلك وقت، وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا، ثم ترفع رأسك بالتكبير فتجلس فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين، وتنصب اليمنى وبطون أصابعها

стр. 201

إلى الأرض، وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك، ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا اهـ وفيه كفاية عن جلب النصوص في هذا المقام وبالله التوفيق. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن التاسع من أركان الصلاة الجلوس " قدر السلام من الجلسة الأخيرة " يعني أخبر المصنف أن من أركان الصلاة الجلوس بقدر إيقاع السلام من الجلسة الأخيرة، وأما الجلوس للتشهد فهو سنة، كما أن التشهد سنة من سنن الصلاة كما سيأتي عن المصنف. وفي المختصر والجلوس بقدر السلام، قال الشارح يعني أن الجلوس لأجل إيقاع السلام في الجزء الأخير من الجلوس الذي يوقع فيه السلام فرض، وما قبله سنة، فلا يلزم إيقاع فرض في سنة بل في فرض، فلو رفع رأسه من السجود واعتدل جالسا وسلم كان ذلك الجلوس هو الواجب وفاتته السنة. ولو جلس ثم تشهد كان آتيا بالفرض والسنة اهـ الخرشي. قال المصنف رحمه الله تعالى: (و) الركن العاشر من أركان الصلاة " السلام " يعني أن السلام من أركان الصلاة. ومن أراد الخروج من الصلاة فلا بد له أن يقول: السلام عليكم، بالألف واللام، ولا يكفيه سلام عليكم، ولا سلامي عليكم، ولا سلام الله عليكم. ولا بد أيضا من تقديم السلام على عليكم، ولا يجزئ عليكم السلام، وكذلك لا بد من لفظ عليكم بميم الجمع، ولا يكفي السلام عليك. وفي الجواهر الزكية على متن العشماوية: والسلام المعرف بالألف واللام، فلا يجزئ ما عرف بالإضافة كسلامي عليكم، ولا يجزئ لفظ السلام دون عليكم، ولا عليكم السلام بلفظ الرد على المشهور في ذلك كله. وأما تسليمه الرد فيجزئ ذلك كله فيها اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وسلام وإنما يجزئ السلام عليكم بالعربية وتعريفه بأل وتقديمه على عليكم بلا فصل وإلا لم يصح، فإن تركه أو أتى بمناف قبله بطلت اهـ. وقال الخرشي: ولا بد من قول السلام عليكم، ولا تكفي النية للقادر، ولا يقوم مقامه

стр. 202

شيء من الأضداد، وسواء كان المصلي إماما أو مأموما أو فذا، إذ لا يخلو من مصحوب أقلهم الحفظة، ولا يضر زيادة ورحمة الله وبركاته لأنها خارجة من الصلاة. وظاهر كلام أهل المذهب أنها ليست بسنة وإن ثبت بها الحديث لأنه لم يصحبها عأهل المدينة، كالتسليمة الثانية للإمام والفذ. ولا بد في السلام أن يكون بالعربية، فإن قدر على الإتيان به بغير العربية فلا يأتي به، وإن قدر على الإتيان ببعضه وكان له معنى ليس بأجنبي من الصلاة أتى به على نحو ما تقدم في تكبيرة الإحرام اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهو " أي السلام عليكم " كتعين " فلا يجزئ غيره من الألفاظ " معرف " أي بالألف واللام مع تشديد السين، وفي نسخة معرفا بالنصب صحيح كل منهما. قال خليل: وسلام عرف بأل. قال المواق نقلا عن التلقين: الواجب من التسليم مرة، ولفظه متعين وهو أن يقول السلام عليكم ولا يجزئ غيره اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل ينوي به الخروج قولان " يعني أن المصلي إذا أراد الخروج من الصلاة هل يشترط عليه نية الخروج عنها كما دخل بنية، أم لا يشترط عليه ذلك، فيه قولان مشهوران، فأجاب صاحب العزية بقوله: ولا يشترط أن ينوي بسلامه الخروج من الصلاة على أحد القولين المشهورين، وقد فهمنا منه أن المشهور هو الأول بدليل قوله: ومقابله لا بد من ذلك، ولذا قال وعليه يقصد الإمام بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة اهـ. وقال الصاوي في بلغة السالك: تنبيه وقع خلاف هل يشترط أن يجدد نية للخروج من الصلاة بالسلام لأجل أن يتميز عن جنسه كافتقار تكبيرة الإحرام إليها لتمييزها عن غيرها، فلو سلم من غير تجديد نية لم يجزه. قال سند وهو ظاهر المذهب، أو لا يشترط ذلك، وإنما تندب فقط لانسحاب النية الأولى؟ قال ابن الفاكهاني وهو المشهور. وكلام ابن عرفة يفيد أنه المعتمد، فلذلك سكت المصنف عن الاشتراط. والمراد بالمصنف أي الدردير اهـ. والمفهوم من كلامهم أن المشهور من

стр. 203

القولين الأول، بمعنى لا يشترط نية الخروج من الصلاة كما اعتمد عليه المحققون. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الحادي عشر من أركان الصلاة " الطمأنينة ويجزئ منها أدنى اللبث " يعني أخبر المصنف أن الطمأنينة من فرائض الصلاة. وحقيقتها استقرار الأعضاء في حال الركوع والسجود، ولا حد لأقله على المشهور في المذهب، وأكمله مقدار ثلاث تسبيحات أو أكثر وهو راكع أو ساجد. وكذا يطلب منه أن تستقر أعضاؤه في الاعتدال بعد الرفع من الركوع والسجود، لحديث أبي داود بذلك، ومن لم يطمئن في ركوعه أو سجوده فصلاته باطلة. والدليل على ركنيه الطمأنينة والاعتدال جريان العمل به، كما أمر بذلك رسول الله ﷺ ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كله: قال خليل: وطمأنينة. وفي المواق قال أبو عمر: الاعتدال فرض لقوله ﷺ : " لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده " ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال. وقال في الكافية: لا يجزئ ركوع ولا وقوف بعد الركوع، ولا سجود ولا جلوس بين السجدتسن، حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا. وهذا هو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء. وقال عياض: فرائض الصلاة الطمأنينة في أركانها، ومن سننها الاعتدال في الفصل بين الأركان اهـ. وفي العزية: الحادية عشرة الاعتدال في الفصل بين الأركان. الثانية عشرة الطمأنينة في أركان الصلاة كلها قيامها وركوعها وسجودها والرفع منها وبين السجدتين. والفرق بينهما وبين الاعتدال أن الاعتدال في القيام مثلا انتصاب القامة، والطمأنينة استقرار الأعضاء اهـ قلت: والصحيح

стр. 204

أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتها على المذهب كما اعتمد عليه عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل دين الإلاسم. قال العلامة عبد الوهاب الشعراني في كشف الغمة: وكان رسول ﷺ يأمر بالطمأنينة في السجود، وينهى عن نقرة الغراب فيه اهـ. فثبت أن الطمأنينة مأمور به. ونقر الغراب منهي عنه، فحينئذ ومن لم يكمئن ولم يعتدل في صلاته بأن نقر فيها كنقر الديكة للحب بطلت صلاته؛ لأن العلماء قد مثلوه برجل له جارية حسناء مرغوبة عند الناس فماتت، فجعلها والدها هدية للسلطان عظيم الملك، فهل الواهب يستحق المكافأة بالإكرام من الموهوب له أم لا؟ فأجاب العارف بالله الشيخ الحاج عمر بن سعيد الفوتي في " تذكر المسترشدين وفلاح الطالبين " له بقوله رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه آمين: ينقر في الصلاة نقر الديك ... ما نال غير لعنة المليك نصوا بأنه كإنسان ملك ... جارية ماتت وأهداها الملك وقال غيره: إياك إياك ونقر الديك لا ... تفعل لكونه الصلاة مبطلا ومعنى نقر الديك كناية عن الإسراع المفرط في الصلاة المفضي إلى ترك الطمأنينة الواجبة في الصلاة جميعا. قاله العارف بالله محمد العربي في البغية. وقال أيضا: ومن تكميل هيئتها وإقامة أركانها إتمام الطمأنينة في الركوع والسجود، وإتمام الاعتدال كذلك في القيام بين يدي الملك المعبود، فلا ينقرها نقر الديكة للحب، فإن ذلك مبطل لها ومبعد لفاعله عن حضرة القرب اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثاني عشر من أركان الصلاة " ترتيب الأداء " يعني أن ترتيب أداء الصلاة من أركانها، بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام،

стр. 205

وهي على الفاتحة، ويقدمها على الركوع، وهو مع الرفع منه على السجود، وهو على السلام. قال الدردير. قال خليل: وترتيب أداء. والمراد به ترتيب الفرائض في أنفسها. الدليل على وجوب الترتيب ما أخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " ومعلوم أنه ﵊ رتب صلاته كما ثبت في صفة صلاته ﷺ وقد تقدم ذلك في الكلام على الطمأنينة فراجعه إن شئت. وفي المواق نقلا عن عياض قال: من فرائض الصلاة الترتيب في أدائها، وقال في القباب: لو عكس أحد صلاته فبدأ بالجلوس قبل القيام، أو بالسجود قبل الركوع وما أشبه ذلك لم تجزه صلاته بإجماع اهـ. وقد تمت أركان الصلاة الاثنى عشر كما وعدنا بإتيانها في أول هذا الفصل. وعدها بعضهم ثلاثة عشر. وقد عدها صاحب المختصر خمس عشرة فريضة. وقال بعض الأئمة: جملة فرائض الصلاة سبع عشرة، النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة الفاتحة، والقيام لها، والركوع، والرفع منه، والقيام له، والسجود، والرفع منه، والجلوس بين السجدتين، والجلوس للسلام، والسلام المعرف بأل، والطمأنينة، والاعتدال، وترتيب الأداء، ونية الاقتداء في حق المأموم اهـ، قاله الصفتي في حاشيته على الجواهر الزكية. سنن الصلاة ولما أنهى الكلام على أركان الصلاة شرع يتكلم في بيان سننها فقال رحمه الله تعالى: " وسننها " والسنن جمع سنة، وهي ما فعله النبي ﷺ وأظهره في جماعة وواظب عليه ولم يدل دليل على وجوبه. وسنن الصلاة قد عدها بعضهم اثنتي عشرة

стр. 206

وبعضهم أربع عشرة. وعدها صاحب العزية ثماني عشرة وغير ذلك، وكل ذلك بحسب إخراج بعض المندوب وإدخاله، والأمر سهل. قال المصنف رحمه الله تعالى أولها: " قراءة ما تيسر بعد الفاتحة " يعني أنه من سنن الصلاة المفروضة قراءة شيء يسير من القرآن بعد الفاتحة ولو آية، أو بعض آية له بال، كآية الكرسي، أو قصيرة كوالفجر والعصر، ومدهامتان. وأما إكمال السورة فمندوب كما يأتي عن المصنف في الفضائل. قال الخرشي: والمعنى أن قراءة شيء ما ولو آية بعد أم القرآن في كل ركعة من الأولى والثانية في صلاة الفرض الوقتي المتسع وقته سنة، وإكمال السورة مستحب، بدليل أنه لا سجود عليه إذا قرأ ولو آية. وخرج بالفرض ما عداه فإن قراءة ما زاد على أم القرآن مستحب، وبالوقتي ما لا وقت له كالجنازة فلا فاتحة فيها فضلا عن السورة، وبالمتسع وقته ما لا يتسع وقته فلا سورة فيه خشية خروج الوقت اهـ. وعبارة صاحب العزية أنه قال: فصل وسنن الصلاة ثماني عشرة: الأولى قراءة سورة أو ما يقوم مقامها بعد الفاتحة في الصبح والجمعة والأوليين من غيرهما من فرائض الأعيان إلخ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا في آخرتي الرباعية وثالثة المغرب " يعني أن قراءة السورة أو ما يقوم مقامها مما تيسر من القرآن في صلاة الفريضة سنة إلا في الركعتين الأخرتين من الظهر والعصر والعشاء، وثالثة المغرب فإنه يقرأ في جميع ذلك بالفاتحة فقط. وقد أسقط المصنف هنا القيام لقراءة سورة أو ما يقوم مقامها بعد الفاتحة، فإن القيام لذلك سنة من سنن الصلاة، فتنبه. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الثانية من سنن الصلاة " الجهر في الصبح والجمعة وأوليي المغرب والعشاء " وفي نسخة بإسقاط لفظ الجهر وهو خطأ، والصواب

стр. 207

إثباته. يعني أن الجهر فيما يجهر فيه سنة، وهو في صلاة الصبح والجمعة وأوليي المغرب والعشاء. وأما السنن من الصلوات كالوتر والعيدين ونوافل الليل فالجهر فيها بالقراءة مستحب، كما يستحب الإسرار في نوافل النهار، وإن جهر فيها نهارا وأسر ليلا فخلاف الأولى. وأقل الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه، وأعلاه لا حد له، إلا أنه يكره رفع الصوت جدا حتى يتفاحش، أو يضر عقيرته بذلك، هذا في حق الرجل، وأما الأنثى فهي دون الرجل في الجهر بأن تسمع نفسها فقط؛ خشية الفتنة برفع صوتها. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الثالثة من سنن الصلاة " السر " أي فيما يسر فيه، وبينه بقوله: " في الظهر والعصر وثالثة المغرب وآخرتي العشاء " يعني أن محل السر يكون في الظهر والعصر وأخيرة المغرب وأخيرتي العشاء. وأقله حركة لسان يتكلم بالقرآن، وأعلاه أن يسمع نفسه فقط. قال الخرشي: واعلم أن أدنى السر أن يحرك لسانه بالقراءة، فإن لم يحرك لسانه لم يجزه لأنه لا يعد قراءة، بدليل جوازها للجنب، وأعلاه أن يسمع نفسه كجهر المرأة لأن صوتها عورة على المشهور، وربما كان فتنة إذا كان معها الرجال، ولذلك لا تؤذن. وينبغي للمنفرد أن لا يرفع صوته بالقراءة إذا كان بقربه مصل آخر مخافة أن يشوش عليه، هذا في حق غير الإمام، وأما هو فله رفع صوته بقدر ما يسمع من خلفه اهـ مع تصرف. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الرابعة من سنن الصلاة " الجلوس للتشهد " يعني أن الجلوس الأول بعد الركعتين لأجل التشهد سنة على المشهور، وأما الجلوس الثاني بقدر إيقاع السلام قد تقدم أنه ركن، وما زاد عليه للتشهد فسنة على المشهور. وأما الجلوس الذي يقع فيه الصلاة على النبي ﷺ ، وجلوس الدعاء فإنه مستحب. وقيل إن جلوس الصلاة على النبي سنة وهو المعتمد. قال في التوضيح:

стр. 208

إن حكم الظرف حكم المظروف، وهو يفيد أن الجلوس للصلاة على النبي ﷺ مختلف فيه بالسنة والفضيلة، والجلوس للدعاء قبل سلام الإمام مستحب، وله بعده مكروه، وللرد على الإمام وعلى من على يساره سنة. إعطاء للظرف حكم المظروف اهـ. قاله العدوي في حاشيته على الخرشي. وأما لفظ التشهد الوارد فسيأتي عن المصنف الكلام فيه هل هو سنة أو فضيلة، وأما أصل التشهد بأي لفظ كان فلا خلاف في أنه سنة. ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولفظه " أي الوارد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁؛ لأنه تشهد بهذا اللفظ الذي أورده المصنف وهو على المنبر بحضرة جمع من الصحابة ما بين المهاجرين والأنصار معلما به الناس من غير نكير عليه فكان إجماعا سكوتيا، وهو الذي أخذ به مالك، رضي الله تعالى عنه. وجزم بعض المالكية أن هذا اللفظ الوارد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنة في نفسه، ولم يعتبر أنه من تمام سنية التشهد. والصحيح أن خصوص هذا اللفظ الوارد عن عمر ﵁، فضيلة، ومعنى قول المصنف ولفظه، أي " و " السنة الخامسة من سنن الصلاة " لفظه " الضمير عائد إلى التشهد. والمعنى ولفظ التشهد الوارد عن أمير المؤمنين من سنة الصلاة، وأما لو أتى بغيره من الألفاظ في التشهد لصح، إلا أنه ما أتى بسنية اللفظ الذي أخذ به الإمام لأنه اختار هذا اللفظ في مذهبه كما هو المشهور. وأما أبو حنيفة وأحمد، ﵄، فقد أخذا بتشهد ابن مسعود. وأما الشافعي فإنه أخذ بتشهد ابن عباس، وهي ألفاظ متقاربة، نسأل الله التوفيق وحسن الأدب معهم. واللفظ الوارد الذي أخذ به المالكية هو ما أتى به المصنف ﵀: " التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا ولى عباد الله الصالحين، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا

стр. 209

عبده ورسوله " قال في الرسالة: فإن سلمت بعد هذا أجزأك. ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم صل على ملائكتك والمقربين، وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين. اللهم اغفر لي ولوالدي ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما. اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار وسوء المصير، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اهـ. هذا. وما تقدم من الصلاة على النبي ﷺ أثبته المصنف، وذكره في سنن الصلاة كما هو المشهور في المذهب. قال رحمه الله تعالى: " و " السنة السادسة من سنن الصلاة " الصلاة على النبي ﷺ في الذي " أي بعد التشهد الذي " يسلم منه " أي يقع فيه السلام. قال الدردير على أقرب المسالك في سنن الصلاة: والصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير، أي بأي لفظ كان. وقيل بل هي مندوبة كالدعاء بعدها بما أحب كما يأتي. ثم قال: وأفضلها اللهم صل على محمد إلخ. أي إلى آخرها بصيغة الصلاة الإبراهيمية. الصاوي لكونها أصح ما ورد، والاقتصار على الوارد أفضل، حتى إن الأفضل فيها ترك السيادة لورودها كذلك اهـ وفي العزية: العاشرة - أي من السنن - الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وهي اللهم صل على محمد وعلى

стр. 210

آل محمد كما صليت على إبراهيم إلخ كما تقدم. وفي الأخضري: والصلاة على رسول الله ﷺ ، أي يسن بعد أن يفرغ من التشهد أن يصلي على رسول الله ﷺ قاله الشارح في الهداية اهـ. وقد ظهر لك أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير سنة من سنن الصلاة على مذهب السادة المالكية على المعتمد. وأما مذهب السادة الشافعية والحنابلة فالصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة. قاله الجزيري في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة السابعة من سنن الصلاة " التكبير سوى تكبيرة الإحرام " يعني أن التكبير عند الشروع في أفعال الصلاة غير تكبيرة الإحرام سنة من سنن الصلاة، أما تكبيرة الإحرام فقد تقدم أنها ركن من أركان الصلاة ولا خلاف في ذلك. قال العلامة المحقق المدقق عبد الوهاب الشعراني في كشف الغمة عن جميع الأمة: وكان ﷺ يكبر في الرباعية اثنتين وعشرين تكبيرة وكان يكبر للركوع، وللهوي للسجود الأول، وللرفع منه، وللهوي للسجود الثاني، وللرفع منه، فهذه خمس تكبيرات في كل ركعة من الأربع، ما عدا تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام عن التشهد الأول اهـ. قال خليل في سنن الصلاة: وكل تكبيرة إلا الإحرام. يعني كل تكبيرة سنة مستقلة إلا تكبيرة الإحرام فإنها فرض كما تقدم. هذا مذهب ابن القاسم وهو المعتمد. وقال أشهب والأبهري: إن مجموع التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام سنة واحدة. وفي جواهر الإكليل: وينبني على الأول السجود لترك تكبيرتين سهوا، وبطلان الصلاة بترك السجود للسهو عن ثلاث تكبيرات، دون الثاني. قال الصفتي: وقد علمت ضعفه وأن كلام ابن قاسم هو المعتمد اهـ. قال الخرشي: يعني أن كل تكبيرة من تكبيرات الصلاة سنة سوى تكبيرة الإحرام فإنها

стр. 211

فرض كما مر. ثم يحتمل أن المراد الكل الجميعي، أي كل فرد من أفراد التكبير، فيكون ماشيا على قول ابن القاسم، ويحتمل أن المراد الكل المجموعي فيكون ماشيا على قول الأبهري واختاره الشارح، إلا أنه يرد على الكل المجموعي قوله إلا الإحرام لأن الاستثناء إنما يكون من الجميع لا من المجموع، فحمله على قول ابن القاسم متعين اهـ. وفي الحطاب قوله وكل تكبيرة إلخ ظاهره أن كل تكبيرة سنة، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام المصنف يعني خليل في فصل السهو حيث جعله يسجد لتكبيرتين. وصرح البرزلي بأنه المشهور. ونصه: مسألة، من نسي التكبير في صلاته شهرا أعادها كلها. قلت هذا على القول المشهور أنها سنن، ومن يقول كلها سنة لا يعيد اهـ الحطاب. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " اختلف في المذهب " هل كل تكبيرة " سنة مستقلة من سنن الصلاة وهو المشهور وبه الفتوى " أة الجميع " وفي نسخة أو الجمع. يعني هل كل تكبيرة سنة في نفسها أو جميع التكبيرات جملتها سنة واحدة؟ " قولان " والقولان بين ابن القاسم وأشهب، وقد علمت فيما تقرر سابقا أن المشهور قول ابن القاسم من أن كل تكبيرة بانفرادها سنة كما هو ظاهر فيما تقدم. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " اختلف أيضا " في سمع الله لمن حمده " يعني أن قول سمع الله لمن حمده هل كل واحدة منها سنة مستقلة، أو جميعها سنة واحدة؟ في ذلك خلاف. قال بعض المدققين: إن قول سمع الله لمن حمده في حق الإمام والفذ يجري فيها ما جرى في كل تكبيرة من الخلاف من أن جميع سمع الله لمن حمده هل سنة واحدة، أو كل واحدة سنة مستقلة؟ قاله ابن ناجي، فمن نسيها في صلاته ونسي أن

стр. 212

يسجد لها وطال بطلت إن كان غير صبح وإلا فلا. وقال ابن ناجي في شرح الرسالة: وحكم سمع الله لمن حمده السنة اتفاقا، وهل مجموعه في الصلاة سنة واحدة، أو كل تسميعه سنة؟ يجري عندي على الخلاف في التكبير بحسبما حكاه ابن رشد. وحكم ربنا ولك الحمد الفضيلة باتفاق. وما ذكره الشيخ من أن الفذ يجمع بينهما هو كذلك باتفاق. وكذلك حكم الإمام في قول، والمشهور أن يقول سمع الله لمن حمده فقط، وما ذكر من أن المأموم يقول ربنا ولك الحمد فقط هو المشهور. وقال عيسى إنه يجمع بينهما كالفذ، ومثله لابن نافع، حكاه الباجي عنهما. ومثله نقل المأزري، وغلطهما عياض في الإكمال فانظره. وروى ابن القاسم: ولك الحمد بإثبات الواو، كما قال الشيخ. وروى ابن وهب لك بإسقاط الواو، وما ذكر من إثبات اللهم هو نص المدونة وغيرها. وقيل بإسقاط. قاله ابن حارث. ومثله في المعلم والإكمال وغيرهما اهـ ابن ناجي. وقال الصفتي: الحاصل أن الإمام يخاطب بسنة وهي سمع الله لمن حمده، والمأموم يخاطب بمندوب وهو ربنا ولك الحمد، والفذ يجمع بينهما، والترتيب بينهما مندوب. والأصل في مشروعية سمع الله لمن حمده أن الصديق، ﵁، كان لم تفته صلاة خلف النبي ﷺ قط، فجاء يوما وقت صلاة العصر، فظن أنها فاتته معه ﵊، فاغتم لذلك وهرول ودخل المسجد فوجده ﷺ مكبرا في الركوع فقال: الحمد لله وكبر خلف رسول الله ﷺ ، فنزل جبريل والنبي ﷺ في الركوع فقال: يا محمد سمع الله لمن حمده، فقل سمع الله لمن حمده، فقالها عند الرفع من الركوع، فقال الصديق: ربنا ولك الحمد. وكان قبل ذلك يركع بالتكبير ويرفع به، فصار منذ ذلك الوقت ببركة أبي بكر الصديق، ﵁، اهـ كذا في الخرشي.

стр. 213

واعلم أنه اختلف أهل المذهب في قول ربنا ولك الحمد، قال المصنف رحمه الله تعالى: " وربنا ولك الحمد " يعني هل هي سنة من سنن الصلاة أو مندوب؟ والمشهور أنها مندوب. أفاده الصفتي. وكذلك اختلفوا في لفظ التشهد، قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولفظ التشهد " يعني اختلفوا فيه أيضا هل هو سنة من سنن الصلاة أو مندوب قال: " فقيل سنن وقيل فضائل " وفي نسخة وقيل سنة أي لفظ الوارد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنها مختلف فيها والمعتمد الندب. وأما التشهد بأي صيغة فهو سنة قال الدردير في أقرب المسالك في سنن الصلاة: وكل تكبيرة، أي سنة، وسمع الله لمن حمده لإمام وفذ حال رفعه، وتشهد، وجلوس له، والصلاة على النبي ﷺ بعد الأخير اهـ وقال العلامة الصاوي في حاشيته: والحاصل أنهم اختلفوا في خصوص اللفظ الوارد عن عمر، قيل سنة، وقيل مندوب، وأما التشهد بأي لفظ كان من جميع الروايات الواردة فهو سنة قطعا كما قال البساطي والحطاب والشيخ سالم. وقيل إن الخلاف في أصله، وأما اللفظ الوارد عن عمر فمندوب قطعا، وقواه الرماصي حيث قال: وهو الصواب الموافق للنقل، وتعقبه البناني. وبالجملة فأصل التشهد سنة قطعا أو على الراجح، وخصوص اللفظ مندوب قطعا أو على الراجح. وبهذا يعلم أن ما اشتهر من بطلان الصلاة بترك سجود السهو عنه ليس متفقا عليه، إذ هو ليس عن نقص ثلاث سنن باتفاق اهـ الصاوي. وتقدم نص تشهد عمر الذي اختاره مالك. وأما تشهد ابن عباس الذي اختاره الشافعي فهو: " التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله " وزاد " وبركاته " بعد ورحمة الله. وقال " وأن محمدا رسول الله " واختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود كما تقدم وهو " التحيات لله والصلوات والطيبات " وزاد " بركاته " وبقيته سواء. قاله ابن جزي في القوانين اهـ.

стр. 214

فضائل الصلاة ولما أنهى الكلام على سنن الصلاة انتقل يتكلم في بيان فضائلها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في فضائل الصلاة أي في فضائل الصلاة. والفضائل جمع فضيلة، وهي ما يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها ويعبر عنها بالمستحبات. والتعبير بالمندوبات أعم وأشمل. وفضائل الصلاة كثيرة. قال صاحب العزية: ومستحبات الصلاة تزيد على ثلاثين فضيلة، وأنهاها بعضهم إلى نحو الخمسين فضيلة كما في حاشية الصاوي على الدردير. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفضائلها " أي فضائل الصلاة، وعدها المصنف ثلاث عشرة فضيلة، الأولى " رفع اليدين مع الإحرام حذو منكبيه " يعني أخبر المصنف أن من فضائل الصلاة رفع اليدين عند الشروع في تكبيرة الإحرام فقط حتى تقابل الأذنين أو المنكبين، ويستحب كونهما مكشوفتين حال الرفع وسترهما بالثياب مذموم. قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " اختلف " هل على صفة الراهب " أي الذي يجعل ظهورهما للسماء وبطونهما للأرض وهو الراجح عند الفاكهاني " أو " على صفة " النابذ " وهو الذي يجعل بطونهما للسماء وظهورهما للأرض، وتسمى هذه الصفة صفة الراغب وقد فسر قوله تعالى بهاتين الصفتين، أي صفة الراهب وصفة الراغب " يدعوننا رغبا ورهبا " ومن صفة النابذ أن يجعل أصابعهما قائمتين ثم ينبذ بهما برفق،

стр. 215

كنابذ الدنيا وراء ظهره. وحكى المصنف أي صفة منها أفضل؟ في ذلك " قولان " المشهور منهما على صفة النابذ كما في الخرشي، ونصه بعد قول خليل في المندوبات كرفع يديه إلخ: والمعنى أنه يندب للمصلي رفع يديه عند إحرامه حين يشرع في التكبير، يحاذي بهما منكبيه قائمة رؤوس أصابعهما مما يلي السماء على صورة النابذ للشيء، لا على صورة الراهب، بأن يجعل ظهورهما مما يلي السماء وبطونهما مما يلي الأرض، ولا الراغب بأن تكون اليدان قائمتين يحاذي كفاه منكبيه وأصابعه أذنيه. وجعل الأجهوري في شرحه كون الرفع على صورة الراهب هو المذهب، وكذا عند الفاكهاني. انظر بقية الكلام في الخرشي اهـ. قال النفراوي على الرسالة: ويستحب كشفهما عند الإحرام، كما يستحب إرسالهما بعد التكبير لكراهة القبض في المفروضة، ويكون إرسالهما برفق، ولا يرفعهما إلى قدام. وحكمة استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام إما لمخالفة المنافقين في ضم أذرعهم إلى أجنابهم حرصا على بقاء أصنامهم تحت آباطهم، فأمرنا بالرفع لمخالفتهم، وإما للإشارة إلى أن المصلي قد رفض الدنيا وأقبل على ربه اهـ النفراوي. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل الأفضل عقدهما تحت صدره " وهو الراجح عند الجمهور خارج المذهب " أو إرسالهما " وهو المشهور في المذهب في الفرض عند السادة المالكية. قال المصنف: في ذلك " قولان " ولم يطلع المصنف على أرجحية أحدهما. والمحل يحتاج إلى بيان الوافر. وإني إن شاء الله سأؤلف رسالة في هذين الأمرين يستغني بها الطالب المنصف، ويشفي بها العليل المستقم، ويروي بها الغليل المتأسف، ويستريح بها المتعصب؛ لأن هذا الشرح لا يحمل ما أردنا إيراده. نسأل الله أن يتمم لنا المراد في الدنيا وفي المعاد إنه ولي التوفيق.
следующие страницы →