في الأوقاص وهي بين الفريضتين من كل الأنعام. وذلك كما بين بنت المخاض وبنت اللبون في الإبل، وكما بين التبيع والمسنة في البقر ، وكذا ما بين جذعة من الشاة وشاتين في الغنم. وهكذا في جميع الأجناس الثلاثة إلى آخر الفروض فتأمل.
ولما أنهى الكلام على زكاة الإبل انتقل يتكلم على زكاة البقر فقال رحمه الله تعالى: " ونصاب البقر ثلاثون ففيها تبيع " وفي الحديث عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه، قال: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبعيا أو تبعية، ومن كل أربعين مسنة ". وعنه ﵁: " أمرني رسول الله ﷺ ألا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت ففيها بقرة مسنة " اهـ رواه النسائي، وفي الرسالة ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع جل جذع أوفى سنتين، ثم كذلك حتى تبلغ أربعين فيكون فيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى وهي أربع سنين، وهي ثنية فما زاد ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع اهـ. هذا مقصود المصنف ﵀ بقوله: " وفي أربعين مسنة " أي إلى تسع وخمسين، ثم في ستين تبيعان إلى تسع وستين، ثم في سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة. وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشر مسنتان وتبيع ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي مائة وعشرين يخير الساعي بين ثلاث مسنات وأربعة أتبعة " وما ذكره من التخيير إن وجدا معا وأما إن وجدت منفردة تعينت كما تقدم ذلك. قال العلامة خليل: ومائة وعشرون كمائتي الإبل، التشبيه في الخيار بين أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون هذا في الإبل وإن لم يتقدم ذكر مائتين فإنه مفهوم من قوله ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
ثم ذكر ما يضم بعضه لبعض من نوع البقر وغيرها فقال رحمه الله تعالى: " والجواميس
стр. 387
نوعها " الضمير عائد إلى البقر المذكور في أول النصاب. والجواميس جمع جاموس وهي بقر سود ضخام صغيرة الأعين طويلة الخراطيم، مرفوعة الرأس إلى قدام بطيئة الحركة وقوية جدا، لا تكاد تفارق الماء، بل ترقد فيه غالب أوقاتها، يقال إنها إذا فارقت الماء يوما فأكثر هزلت، رأيناها بمصر وأعمالها، قاله زروق في شرحه على الرسالة اهـ. والمعنى أن الجاموس من نوع البقر يضم بعضه لبعض في الزكاة، لأن اسم الجنس جمعهما في قوله ﵊: " في كل ثلاثين من البقر تبيع " ومثلها باقي الأجناس التي تجمع مع الأخرى، فمن ملك خمس عشرة بقرة ومثلها جاموسا وحال عليها الحول وجب عليه أن يزكيها. قال ابن جزي في القوانين: تجب الزكاة في الأنعام سواء كانت سائمة أو معلوفة، إلى أن قال: ويضم المعز إلى الضأن، والجواميس إلى البقر، والبخت من الإبل إلى العراب. وقال خليل وضم بخت لعراب، وجاموس لبقر، وضأن لمعز، وخير الساعي إن وجبت واحدة وتساويا، وإلا فمن الأكثر. قال الشيخ زروق في شرح الرسالة: والبخت إبل ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان أحدهما خلف الآخر، تأتي من ناحية العراق، وقد رأيناها بمصر والحجاز مع الأورام في حجهم.
فسبحان الخلاق العظيم اهـ قلت: نعم ونحن أيضا رأيناها بمكة أيام الحج سنة ١٣٤٤ هجرية كما وصفها الشيخ. وأما اليوم فلا يأتون بها، بل لا يأتون بالعراب إلا نادرا، وغالب المراكب اليوم السيارات والطيارات كما هو مشاهد. والعراب إبل معروفة، وكذا الضأن والمعز معروفان. قال الخرشي: يعني إذا اجتمع صنفان من ضأن ومعز، أو من بخت وعراب، أو من جاموس وبقر وتساويا، كعشرين
ضائنة ومثلها معزا، أو خمس عشرة بقرة ومثلها جاموسا، فإن الساعي يخير في أن يأخذ الواجب من أي الصنفين شاء مع مراعاة الأحظ. هذا إذا تساويا وأما إن لم يكونا متساويين كعشرين عرابا أو جاموسا أو ثلاثين ضأنا وعشرة من الصنف الآخر فيأخذ بنت المخاض في الإبل، والتبيع في البقر، والشاة في الغنم، أي يأخذ كذلك من
стр. 388
الأكثر، وهو العشرون من أحد الصنفين الأولين، ويأخذ الشاة من الثلاثين، ولا يأخذ من العشرة شيئا لأن الحكم للغالب اهـ مع إيضاح. وإذا زاد الواجب على ذلك عليك بالمطولات كشراح المختصر وغيره.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويكمل النصاب بالعجاجيل كالفصلان، ويؤخذ السن الواجب " قال في الرسالة: ولا تؤخذ في الصدقة السخلة، وتعد على رب الغنم، ولا يؤخذ العجاجيل في البقر ولا الفصلان في الإبل وتعد عليهم. ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا المخاض، ولا فحل الغنم، ولا شاة العلف، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس. ولا يؤخذ في ذلك عرض ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعالم وغيرها أجزأه إن شاء الله اهـ والحاصل أنه لا يجوز أخذ الشرار مراعاة لحق الفقراء ولا الجياد مراعاة لحق أرباب المواشي. قال القرافي: فإن أعطى واحدة من الخيار طيبة بها نفسه جاز ذلك، وإن أعطى من الشرار فلا يجزئ، وإن كانت كلها خيارا أو شرارا لزم الوسط على المشهور. فإن امتنع أجبر على ذلك. قاله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " فلو ماتت الأمهات وبقيت الأولاد نصابا زكيت " قال مالك في المدونة: إذا كانت عجاجيل كلها أو فصلانا كلها، أو سخالا كلها، وفي عدد كل صنف منها ما يجب فيه الصدقة فعلى صاحب الأربعين من السخال أن يأتي بجذعة أو ثنية من الغنم، وعلى صاحب الثلاثين من البقر إذا كانت عجولا أن يأتي بتبيع ذكر. وإن كانت فصلانا كلها خمسة وعشرين فعليه أن يأتي بابنة مخاض، ولا يؤخذ من هذه الصغار شيء اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتزكي العوامل والهوامل " يعني بالعوامل جمع عاملة وهي التي تستعمل في الحرث والحمل أو السقي أو نحو ذلك. والهوامل جمع هاملة أو مهملة وهي التي تسرح وتترك بغير راع، وتسمى سائمة أيضا، وفي العزية: فصل في زكاة النعم وهي
стр. 389
الإبل والبقر و الغنم ، معلوفة أو سائمة، عاملة أو مهملة. والمعلوفة هي التي يعلفها ربها من عنده، والسائمة هي التي تأكل من المرعى. وتقدم آنفا معنى العاملة والمهملة، قال خليل: وإن معلوفة وعاملة ونتاجا. قال السادة المالكية: والتقييد بالسائمة في حديث " في سائمة الغنم زكاة "
لأنه الغالب على مواشي العرب، فهو خرج مخرج الغالب ولبيان الواقع ولذا قالوا لا مفهوم له. انتهى.
ولما أنهى الكلام على زكاة البقر انتقل يتكلم على الغنم فقال رحمه الله تعالى: " ونصاب الغنم أربعون وفيها شاة كالتي في الإبل " والغنم اسم جنس يطلق على الضأن والمعز، ولذا تضم مع الأخرى. ولا زكاة من الغنم في أقل من أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة جذعة، أو ثنية أوفت سنة ودخلت في الثانية. وفي كتاب ابن حزم في صدقة الغنم: ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان، إلى مائتي شاة، فإذا كانت شاة ومائتي شاة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة شاة، فما زاد ففي كل مائة شاة، وإليه أشار رحمه الله تعالى: " وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان " أي جذعتان، أو جذعان إلى مائتين. ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي مائتين وشاة ثلاث " أي من الشياة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين، ثم في أربعمائة أربع من الشياه.
قال رحمه الله تعالى: " ثم في كل مائة شاة " أي بعد الأربعمائة فلا يتغير الواجب بعدها إلا بزيادة المائة.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا تؤخذ هرمة، ولا هزيلة، ولا معيبة، ولا فحل، ولا كريمة الضأن " قال في المدونة كما في كتاب ابن حزم: ولا تخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق. وتقدم لنا في شرح قول المصنف ويؤخذ السن الواجب فراجعه إن شئت. قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وتعين أخذ
стр. 390
الوسط ولو انفرد الخيار أو الشرار، إلا أن يتطوع المزكي أو يرى الساعي أخذ المعيبة أحظ اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمعز جنس " وتقدم أن الغنم اسم جنس يطلق على الضأن والمعز، كما يشملهما لفظ الشاة. قال مالك في الموطأ في الرجل يكون له الضأن والمعز إنها تجمع عليه في الصدقة، فإن كان فيها ما تجب فيه الصدقة صدقت. وقال إنما هي غنم كلها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وحكم الأولاد ما تقدم " أي عند قوله فلو ماتت الأمهات وبقيت الأولاد نصابا زكيت، فراجعه إن شئت. ثم قال رحمه الله تعالى: " وتزكى السائمة والمعلوفة " وتقدم الكلام أيضا في السائمة والمعلوفة عند قوله: وتزكى العوامل والهوامل، فراجعه إن شئت، قال رحمه الله تعالى: " ومبدل نصابا
بجنسه يبني، وبخلافه المشهور الاستئناف إلا أن يفعله فرارا " والمعنى أن من أبدل ماله بجنسه أي بنوعه - وهو نصاب وقت الإبدال فإنه يبني على حول ماله قبل الإبدال. وأما إن أبدله بغير جنسه فالمشهور أنه يستأنف حولا من يوم التبديل، إلا أن يفعله فرارا من الزكاة فتؤخذ منه. قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: ومن أبدل أو ذبح ماشية فرارا أخذت منه ولو قبل الحول إن قرب. وبنى في راجعة بعيب أو فلس أو فساد لا إقالة: قال الصاوي في حاشيته عليه: حاصله أن من كان عنده نصاب من الماشية سواء كان للتجارة أو للقنية ثم أبدله بعد الحول أو قبله بقرب كشهر بماشية أخرى من نوعها أو من غير نوعها، كانت الأخرى نصابا أو أقل من نصاب، أو أبدلها بعرض أو نقد فرارا من الزكاة، ويعلم ذلك من إقراره أو من قرائن الأحوال، فإن ذلك الإبدال لا يسقط عنه زكاة المبدلة، بل يؤخذ بزكاتها معاملة له بنقيض قصده. ولا يؤخذ بزكاة البدل وإن كانت زكاته أكثر لأن البدل لم تجب فيه زكاة لعدم مرور الحول عليه اهـ.
стр. 391
قال رحمه الله تعالى: " ومستفيد نصاب أو دونه من جنس ماشيته يبينه على حولها " أي يبينه على حول ماشيتها بشرط أن يكون في ماشيته نصاب قبل الفائدة. قال مالك في الموطأ: ولو كانت لرجل إبل أو بقر أوغنم تجب في كل صنف منها الصدقة، ثم أفاد إليها بعيرا أو بقرة أو شاة صدقها مع ماشيته حين يصدقها. وهذا أحب ما سمعت إلي في ذلك، قال أيضا في المدونة: وإنما تضاف الغنم إلى الغنم، والبقر إلى البقر، والإبل إلى الإبل، إذا كان الأصل الذي كان عند ربها قبل أن يفيد هذه الفائدة نصاب ماشية فإنه يضيف ما أفاد من صنفها إليها إذا كان الأصل نصابا فيزكي جميعها، وإن لم يفد الفائدة قبل أن يحول إلا بيوم زكاه مع النصاب الذي كان له اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والخلطاء كالمالك الواحد بشرط كمال النصاب في ملك كل، واجتماعهم على وصفين: كالراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت وطلب المصلحة ولو آخر الحول " يعني أن الخلطاء كالملك الواحد في الزكاة، ولا تؤخذ ممن لم تبلغ حصته عدد الزكاة على المشهور، وسواء كان خليطا أو غيره.
قال الشيخ زروق في شرح الرسالة: والمذهب أن الخلطاء كالمالك الواحد بشروط ستة: اتحاد النوع، وقصد الرفق، وكون ذلك قبل الحول ما لم يقرب جدا، ونية الخلطة ، خلافا لأشهب، وملك كل نصابا على المشهور، وحلول حول كل نصاب، واجتماعها في ملك أو منفعة، في الجل من ماء ومبيت، وراع بإذنهم، وفحل لمرفق، ومراح وهو موضع إقامتها. وقيل موضع الرواح للمبيت، فهي ستة يجمع جلها الراعي، فلذا قيل يكفي وجوده. وقيل يكفي اثنان منها اهـ. وقال ابن
ناجي: وشروط الخلطة خمسة، الراعي، والفحل، والدلو، والمراح، والمبيت.
ولا خلاف أنه لا يشترط جميعها، واختلف في أقل المجزي منها، قيل ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل يكفي الراعي، ورجح المصنف الاثنين بقوله: واجتماعهم على وصفين كما تقدم. وقال مالك في الموطأ في الخليطين: إذا كان الراعي واحدا، والفحل
стр. 392
واحدا، والمراح واحدا والدلو واحدا، فالرجلان خليطان، وإن عرف كل واحد منهما ماله من مال صاحبه. قال والذي لا يعرف ماله من مال صاحبه ليس بخليط، إنما هو شريك.
قال مالك: ولا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة. وتفسير ذلك أنه إذا كان لأحد الخليطين أربعون شاة فصاعدا وللآخر أقل من أربعين شاة كانت الصدقة على الذي له الأربعون شاة ولم تكن على الذي له أقل من ذلك صدقة، فإن كان لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة جمعا في الصدقة ووجبت الصدقة عليهما جميعا. فإن كان لأحدهما ألف شاة أو أقل من ذلك مما تجب فيه الصدقة، وللآخر أربعون شاة أو أكثر فهما خليطان يترادان الفضل بينهما بالسوية على قدر عدد أموالهما على الألف بحتها وعلى الأربعين بحتها اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " وتفسير لا يجمع بين مفترق أن يكون النفر الثلاثة الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة قد وجبت على كل واحد في غنمه الصدقة، فإذا أظلهم المصدق جمعوها لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك. وتفسير قوله ولا يفرق بين مجتمع أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا أظلهما المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهى عن ذلك. قاله مالك في الموطأ، ومثله في المدونة اهـ ثم ذكر أن الافتراق والاجتماع لهما تأثير كما فسر الإمام معناه.
قال رحمه الله تعالى: " وتؤثر التخفيف كمالكي مائة وعشرين " يعني هذا مثال التخفيف. قال الخرشي: كاثنين لواحد ثمانون من العز، وللآخر أربعون من الضأن فإن عليهما واحدة من المعز على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى الآخر ثلث.
قال رحمه الله تعالى: " أو التثقيل كمالكي مائتين وشاة " يعني كما يؤثر التخفيف كذلك يؤثر التثقيل يرجع معناهما بالتقليل والتكثير في الأخذ. قال المواق نقلا عن
стр. 393
التلقين: للخلطة في الماشية تأثير في الزكاة، وتأثيرها أن يكون للاثنين ثمانون شاة لكل واحد أربعون، فيأخذ منها الساعي شاتين إذا كانا مفترقتين فإن خلطا أخذ عن الثمانين شاة واحدة، فتأثيرها في هذا الموضع التخفيف. وقد تؤثر
التثقيل، وهو أن يكون للاثنين مائتان وشاة فيؤخذ منها ثلاث شياه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن ظهر قصد الفرار أخذوا بحال الانفراد، ويصدقون في قصد المصلحة، فإن اتهموا حلفوا " قوله فإن ظهر قصد الفرار إلخ ومفهومه لو تفرقوا أو اجتمعوا لعذر لا حرمة، ويصدقون في العذر من غير يمين إن كانوا مأمونين ظاهري الصلاح، وإلا فبيمين كما ذكر المصنف اهـ النفراوي ومثله في العدوي.
ثم قال ﵀: " والنصاب المؤلف إن أخذ منه متأولا ترادوا بحسب أملاكهم، كما لو زاد الفرض بخلط دونه، وإلا فهي من مالكها كالمأخوذة من دون النصاب " قال خليل كتأول الساعي الأخذ من نصاب لهما أو لأحدهما وزاد للخلطة لا غصبا أو لم يكمل لهما نصاب اهـ وفي حاشية العدوي على الدردير: تنبيه يتراجعان بالقيمة لو أخذ الساعي من نصاب لهما متأولا كلكل عشرون من الغنم لا يملك غيرها أو لأحدهما نصاب للخلطة، كما لو كان لواحد مائة وللثاني أحد وعشرون لا يملك غيرها، وأخذ الساعي شاتين. وأما لو كان عند الشريكين أقل من نصاب وأخذ الساعي من أحدهما فمصيبة على صاحبها كالغصب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا خلطة في غير الماشية، ولا زكاة في حيوان غيرها " يعني لا خلطة معتبرة شرعا إلا في الماشية، كما لا تجب الزكاة على ذات غيرها من الحيوان. واسم الماشية لا يطلق إلا على الإبل والبقر والغنم فقط. قال النفراوي: وهي التي تجب فيها الزكاة، فلا تجب في خيل وبغل وحمير، وإنما وجبت فيها دون غيرها
стр. 394
لوجود كمال النماء فيها من لبن وصوف ونسل وغير ذلك من أنواع الانتفاع، بخلاف غيرها من بقية أنواع الحيوان اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا ضمان لتلفها قبل مجيء الساعي " الضمير في تلفها عائد إلى الماشية. وقد تقدم قول المصنف في زكاة العين، وتلفها قبل تمكنه من الأداء يسقطها، وبعده يوجب ضمانها، فراجعه إن شئت. وفي المدونة: ولو كانت لرجل ألف شاة فمضى لها خمس سنين لم يأته المصدق فيها، وهي ألف شاة على حالها، فلما كان قبل أن يأتيه المصدق بيوم هلكت فلم يبق منها إلا تسع وثلاثون شاة، قال مالك: ليس عليه فيها شيء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن نقصها فرارا ضمن " هذا كقوله سابقا فإن ظهر قصد الفرار أخذوا بحال الانفراد. والمعنى أن من نقص نصابا بذبح أو بيع أو غيرهما بقصد الفرار من الزكاة ضمنها، لأي يعامل بنقيض قصده، كالهارب بمأشيته
سنين فإنه ضامن ولو ماتت ماشيته، ولم يضع عنه موتها عما وجب عليه من الزكاة شيئا، بخلاف الذي لم يهرب لو هلكت ماشيته وجاءه المصدق بعد هلاكها لم يكن عليه شيء. وسئل ابن القاسم فيمن هرب بماشيته من المصدق وقد حال عليها الحول وقد تموتت كلها أيكون زكاتها لأنه هرب من المصدق؟ فقال نعم. وهو قول مالك. قاله في المدونة اهـ.
ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية انتقل يتكلم على زكاة الحبوب، وتسمى زكاة الحرث والثمار، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 395
فَصْلٌ
في زكاة الحرث والثمار وما يتعلق بها من الأحكام
أي في بيان زكاة الحرث والثمار، وبيان النصاب والأنواع التي تجب فيها الزكاة وما لا تجب وغير ذلك مما يتعلق بأحكام الزكاة.
قال رحمه الله تعالى: " نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق " ابتدأ بما في صحيح مسلم من قوله ﷺ : " ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق " وفي رواية للبخاري كما في الموطأ " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة "
وفي الرسالة: ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق. وذلك ستة أقفزه وربع قفيز. والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﷺ ، وهو أربعة أمداد بمده ﵊. وقال النفراوي: والمد حفنة وهي ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، ووزنه رطل وثلث بالبغدادي، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا بالبغدادي، وحينئذ فالخمسة أوسق بالأرطال الشرعية ألف وستمائة رطل، كل رطل مائة وثمانية وعشرون درهما بالوزن المكي والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أحد عشر درهما، ووزن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة وخمسآ حبة من متوسط الشعير , وأما بالأرطال المصرية فالخمسة أوسق - كما قال الأجهورى - ألف رطل وأربعمائة رطل وخمسة وثمانون رطلا. فعلم أن الخمسة أوسق بالصيعان ثلاثمائة صاع , وبالأمداد ألف مد ومائتا مد. وبما ذكرنا علم قدر النصاب بالكيل الشرعي والمصري، وبالوزن الشرعي والمصري اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وهي ثلاثمائة صاع بالمدني " يعني فالخمسة الأوسق تعتبر بالصاع المدني وهو الذي تقدم وصفه. قال العلامة الدردير: كل صاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث , وكل رطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا، لأنه ورد " الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة " لأن مكة محل التجارة الموزونة، والمدينة
محل الزروع والبساتين
стр. 396
فيعتنون بالكيل. وكل درهم خمسون حبة وخمسا حبة من وسط الشعير. قال في المجموع: فيوزن القدر المعلوم من الشعير ويكال. ثم الضابط مقدار الكيل، فلا يقال الوزن يختلف باختلاف الحبوب. وتقريب النصاب بكيل مصر أربعة أرداب وويبة - كيلتين بالكيل المصري - وذلك لأن كل ربع مصري ثلاثة آصع، فالأربعة أرداب وويبة ثلاثمائة صاع، وذلك قدر الخمسة الأوسق لأن الجملة ألف مد ومائتان. وهذا كيلها. ووزنها ألف وستمائة رطل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فيجب العشر فيما سقي سيحا أو بعلا، ونصفه فيما سقي نضجا " يعني أن المأخوذ من النصاب باختلاف السقي. قال النفراوي على الرسالة: لم يبين المصنف القدر المأخوذ من النصاب، وهو العشر فيما سقي بغير مشقة، فيدخل أرض السيح أي الماء الجاري، وما سقي من السماء، وما سقي بقليل ماء كالذرة الصيفي بأرض مصر فإنه يصب عليه قليل ماء عند وضع حبه في الأرض ثم لا يسقى بعد ذلك. ونصف العشر فيما سقي بمشقة كالدواليب، والدلاء، والأصل في ذلك قوله ﷺ . فيما سقت السماء والعيون العشر، وما سقي بالنضج نصف العشر وإن سقي بهما فعلى حكميهما. حيث تساويا أو تقاربا، فيؤخذ العشر من ذي السيح، ونصفه من ذي الآلة، وإن سقي بأحدهما أكثر فقيل الحكم للأكثر ويلغى الأقل، قيل لا تبعية وتعتبر القسمة. قال خليل: وإن سقي بهما فعلى حكميهما، وهل يغلب الأكثر؟ خلاف اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن اجتمعا وتساويا فثلاثة أرباعه " يعني كما في الفقه على قول المالكية إن سقى بالآلة وبغيرها نظر للزمن، فإن تساوت مدة السقيين أو تقاربت أخرج عن النصف العشر وعن النصف الآخر نصف العشر فيخرج عن الجميع ثلاثة أرباع العشر. قال الدردير: وإن سقي بهما فعلى حكمهما، أي فالزكاة في ذلك الزرع تجري على حكم السقي بالآلة والسقي بغيرها بأن يقسم الخارج نصفين فيه العشر والآخر
стр. 397
فيه نصف العشر. وظاهره سواء استوى السقي بكل منهما في الزمن أو في عدد السقيات أم لا، وهو أحد المشهورين، والثاني يعتبر الأغلب لأن الحكم للغالب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تفاوت فالمشهور اعتبار المأخوذ بهما. وقيل الأقل تابع " يعني تفاوت إحدى السقيات ينظر لكل، وأخذ بهما، فإذا كان السقي في ثلثي المدة بدون الآلة وفي ثلثها بالآلة أخرج عن ثلثي الخارج العشر، وعن ثلثه نصف العشر. وقيل العبرة للأكثر والأقل تابع له، لأن الحكم للغالب، وعلى هذا فيخرج عن الكل العشر. والحاصل أنهما قولان مشهوران.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويضم إلى البر الشعير والسلت والعلس " قال أبو محمد في الرسالة: ويجمع القمح والشعير والسلت في الزكاة. قوله في الزكاة لأنها جنس واحد، لا في البيوع، فأجناس. وما ذكره المصنف هنا من ضم العلس مع البر قيل بع، لكن المشهور في المذهب أن العلس يضم مع شيء، كالأرز والدخن والذرة لا يضم واحدة منها مع الأخرى. والعلس نوع من القمح إلا أنه لا يضم معها، وتكون الحبتان منه في قشرة واحدة، وهو طعام أهل اليمن. قال الدردير في أقرب المسالك: تضم القطاني لبعضها كقمح وسلت وشعير، لا علس وذرة ودخن وأرز وهي أجناس لا تضم. والزيتون والسمسم وبذر الفجل. والقرطم أجناس. والزبيب جنس والتمر جنس اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويخرج من كل بحسابه " يعني يخرج من البر والشعير والسلت بقدر كل منها إذا حصل من اثنين أو مجموعها خمسة أوسق بحسبما تقدم في السقي من العشر أو نصفه. قال النفراوي: وتقدم أنه عند الضم يخرج من كل نوع بحسابه، وإن أخرجت من بعض الأنواع فقط أجزأ إن كان المخرج منه أعلى من المخرج عنه اهـ. والمتبادر أن الإخراج من الأعلى أفضل من المتوسط. قال في الفقه: فإن اجتمع النصاب من جيد ومتوسط ورديء أخرج زكاة الجميع من المتوسط، فإن أخرجها من
стр. 398
الجيد كان أفضل، ولا يجزئ الإخراج من الرديء لا عنه ولا عن غيره اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " كالقطاني " جمع القطنية كل ما له غلاف. وهي سبعة " الحمص، والعدس، واللوبيا، والترمس، والفول، والجلبان، والبسلة. قالا في الفقه: القطاني السبعة جنس واحد في الزكاة، تضم أنواعه بعضها إلى بعض، فإذا حصل من مجموعها نصاب فأكثر وجبت زكاة الجميع، ويخرج من كل نوع القدر الذي يخصه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف الذرة والأرز والدخن " وينبغي أن يكون العلس مع هذه الجملة كما تقدم. وفي الفقه أيضا. وأما الذي لا يضم بعضه إلى بعض: الأرز، والذرة، والعلس، والتمر، والزبيب، والدخن، فكل واحد منها ينظر إليه وحده، فإن حصل منه نصاب وجبت زكاته وإلا فلا، فلا يضم أرز لذرة، ولا تمر لزبيب، كما لا يضم فول إلى قمح، ولا عدس إلى شعير، مثلا اهـ. قال مالك في المدونة: القمح والشعير والسلت هذه الثلاثة الأشياء يضم بعضها إلى بعض في الزكاة. والأرز والذرة والدخن لا يضم إلى الحنطة ولا إلى الشعير ولا إلى السلت، ولا يضم بعضها إلى بعض، ولا يضم الأرز إلى الذرة، ولا إلى الدخن، ولا تضم الذرة أيضا إلى الأرز ولا إلى الدخن، ولا يضم الدخن إلى
الذرة، ولا إلى الأرز، ولا يؤخذ من الأرز ولا من الذرة، ولا من الذخن زكاة، حتى يكون في كل واحد منها خمسة أوسق. والقمح والسلت والشعير يؤخذ من جميعها إذا بلغ ما فيها خمسة أوسق، يؤخذ من كل واحد منها بحساب ما فيه.
والقطاني كلها الفول والعدس والحمص والجلبان واللوبيا وما ثبتت معرفته عند الناس أنه من القطاني فإنه يضم بعضه إلى بعض، فإذا بلغ جميعه خمسة أوسق أخذ من كل واحد منها بحصته من الزكاة اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فيجب في الحب بيبسه وفي الثمر بزهوه " وما ذكره
стр. 399
من وجوب زكاة الحب بيبسه أحد الأقوال الثلاثة: قيل تجب بالحصاد لقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قال مالك في الموطأ: إن ذلك الزكاة، وقد سمعت من يقول بذلك. وقيل إن وجوبها بالإفراك، هذا هو المشهور. وقد ذكر ابن جزي وقت الوجوب في الثمار، قال الطيب. وقيل الخرص. وقيل الجذاذ. وفي الزرع اليبس في المشهور. وثمرة الخلاف إذا مات المالك أو باع أو أخرج الزكاة بعد أحد الأوجه الثلاثة أو قبله اهـ بتوضيح. قال النفراوي: وقولنا وقت وجوب إخراج الزكاة لأن وقت الوجوب يدخل بمجرد الإفراك. قال خليل: والوجوب بإفراك الحب وطيب الثمر، فما أكل بعد الإفراك زمن المسبغة من القمح والشعير والفول يجب عليه أن يتحراه، ويؤدي زكاته من جنسه حبا ناشفا أو من ثمنه إن باعه، كما يجب عليه أن يتحرى ما تصدق به أو ما استأجر به. وأما الثمار فوقت الوجوب فيها يوم الطيب. قال مالك: إذا زهت النخل، وطاب الكرم، واسود الزيتون أو قارب، وأفرك الزرع، واستغنى عن الماء وجب فيه الزكاة اهـ. واعلم أنه قد بين العلامة الخرشي وجه الجمع بين الإفراك واليبس بقوله: والمراد بالإفراك أن يبلغ حدا يستغنى معه عن السقي وذهاب الرطوبة وعدم النقص وذلك إنما يكون بيبسه. والمراد بطيب الثمر بلوغه الحد الذي يحل بيعه فيه إلخ. قد ظهر أن الإفراك هو يبس الحب عن الرطوبة خلاف ما نقله الصاوي عن التتائي. قال في حاشيته على الدردير: والحق أن اليبس غير الإفراك كما هو معلوم بالمشاهدة اهـ. فتحصل في تعين وقت وجوب زكاة الحب ثلاثة أقوال، وشهر ابن جزي اليبس. وقيل الحصاد كما في الآية الكريمة. وشهر الجمهور الإفراك كما لخليل في المختصر وابن الحاجب وابن شاس كما هو نص المدونة، وضعفوا ما لابن عرفة من الوجوب باليبس اهـ. ذكره الصاوي في الحاشية، انظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " وتؤخذ بعد التصفية والجذاذ من عينه لا تجزئ قيمته
стр. 400
كان جيدا أو رديئا " المعنى: تؤخذ زكاة الحب بعد الوجوب والتصفية عن التبن والقشر الذي لا يخزن به عادة. وفي المواق قال ابن رشد تجب زكاة الزرع حبا مصفى. وقال القرافي العلس يخزن في قشرة كالأرز فلا يزاد في النصاب لأجل قشره. وكذلك الأرز قياسا على نوى التمر وقشر الفول الأسفل خلافا للشافعية اهـ. وقوله من عينه، أي يخرج زكاة شيء من نفسه لا من غيره كما لا تؤخذ القيمة. وتقدم لنا قول صاحب الرسالة أنه قال: ولا يؤخذ في ذلك عرض ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها أجزأه إن شاء الله.
وقال الشارح: وحاصل ما يتعلق بهذه المسألة أن إخراج العين عن الحرث والماشية يجزئ مع الكراهة على المشهور. وإخراج العرض عنهما أو عن العين لا يجزئ من غير نزاع. وكذا إخراج الحرث والماشية عن العين. وكذا إخراج الحرث عن الماشية أو عكسه اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن اجتمعا وتساويا ففي كل بحسابه " يعني فإن اجتمع الجيد والرديء وتساويا فإنه يخرج الزكاة في كل بقدر حساب كل منهما.
قال خليل: وأخذ من الحب كيف كان، كالتمر نوعا أو نوعين، وإلا فمن أوسطها.
وفي أقرب المسالك: وأخذ عن أصنافهما من الوسط بخلاف غيرهما فمن كل بحسبه اهـ. وفي الحطاب: يعني أن الزكاة تؤخذ من الحب كيف كان، فإن كان جيدا أخذت منه، وكذا إن كان رديئا أو وسطا، فإن كان نوعين أو أنواعا فإنه يؤخذ من كل نوع عشرة أو نصف عشرة. قال اللخمي: إذا كان القمح مختلفا جيدا ورديئا أخذ من كل شيء بقدره، ولم يؤخذ الوسط، وكذلك إذا اجتمع القمح والشعير والسلت، أو اجتمع أصناف القطاني أخذ كل شيء بقدره. ولم يؤخذ من الوسط، وكذلك أصناف الزبيب. واختلف في التمر، فقال مالك إن كان جنسا واحدا أخذ منه ولم يكن عليه أن يأتي بأفضل منه، وإن كان أجناسا أخذ من الوسط. وقال في كتاب محمد: يؤخذ من كل صنف بقدره اهـ.
стр. 401
ثم قال رحمه الله تعالى: " وإن تفاوتا فالظاهر أنه كذلك. وقيل الأقل تابع، ومن المتنوع الوسط " يعني وإن تفاوتت الأصناف فالظاهر يخرج من كل صنف بقدره كما تقدم. وقيل يعتبر الأكثر فيخرج الجميع منها إلا إذا كثر الأصناف جدا ففي المتوسط. قال العدوي: فإذا كانت أربعة أعلى ودون ودون ودون كان الوسط صنفين، إذ الطرفان أعلاها وأدناها، ويبقى النظر إذا كانت خمسة متفاوتة فهل الوسط الثالث وهو الظاهر، أو ما بين الطرفين. وإنما خالف التمر غيره لأنه لو أخذ من كل نوع من التمر ما ينويه لشق ذلك لاختلاف ما في الحائط اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويخرص النخل والكرم إذا أزهيا بالحاصل جافا، فإن أكلوا أو باعوا ضمنوا " هذا شروع في بيان خرص النخل والعنب. ويخرص ما على النخل من الرطب تمرا، ومن الكرم زبيبا. قال رحمه الله تعالى: " وإن تركوا وتبين خطؤه وهو عارف فالظاهر الأخذ بما خرص " يعني أن الخارص إذا خرص النخل ثم ظهر خلاف ما خرص فإنه يؤخذ بهما خرص إذا كان عادلا عالما بذلك.
قال الدردير: وكفى مخرص واحد إن كان عدلا عارفا، قال الصاوي: أي لأنه حاكم فيجوز أن يكون واحدا. وكان ﵊ يبعث عبد الله بن رواحة وحده خارصا إلى خيبر اهـ قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يخرص من الثمار إلا النخل والأعناب فإن ذلك يخرص حين يبدو صلاحه ويحل بيعه، وذلك أن ثمر النخل والأعناب يؤكل رطبا وعنبا فيخرص على أهله للتوسعة على الناس، ولئلا يكون على أحد في ذلك ضيق فيخرص ذلك عليهم ثم يخلى بينهم وبينه يأكلونه كيف شاؤوا ثم يؤدون منه الزكاة على ما خرص عليهم عليهم اهـ.
وفي المدونة: فإن خرص الخارص أربعة أوسق فجد فيه صاحب النخل خمسة أوسق قال مالك أحب إلى أن يؤدي زكاته. لأن الخراص اليوم لا يصيبون، فأحب إلي أن يؤدي زكاته قبل أن يؤكل أول شيء منها. قال
стр. 402
وكذلك في العنب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن خرص جماعة واختلفوا أخذ بقول أعرفهم " قال الصاوي: سواء كان رأي الأقل أو الأكثر. والموضوع أنه وقع التخريص منهم في زمن واحد، وأما إذا وقع التخريص في أزمان فيؤخذ بقول الأول وأما استواؤهم في المعرفة فيؤخذ من كل واحد جزء على حسب عددهم، فإن كانوا ثلاثة أخذ من قول كل الثلث، وأربعة الربع، وهكذا. وإليه أشار ﵀ بقوله: " وإن استووا وزع الواجب بحسب اختلافهم " قال الخرشي: فلو رأى أحدهم مائة وآخر تسعين، وآخر ثمانين يزكى عن تسعين، وليس ذلك أخذا بقول من رأى تسعين، إنما هو لموافقة ثلث مجموع ما قالوه اهـ.
ثم ذكر الجائحة فقال رحمه الله تعالى: " فإن أجيحت بعده فلا ضمان، فإن بقي نصاب لزم منه " يعني إن نزلت بها جائحة بعد التخريص بنحو أكل طير أو جراد أو دود أو جيش أو برد أو غير ذلك فإن بقي ما يوجب فيه الزكاة زكاه وإلا فلا. قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أن النخل يخرص على أهلها وثمرها في رؤوسها إذا طاب وحل بيعه، ويؤخذ منه صدقته تمرا عند الجذاذ، فإن أصابت الثمرة جائحة بعد أن تخرص على أهلها وقبل أن تجذ فأحاطت الجائحة بالثمر كله فليس عليهم صدقة، فإن بقي من الثمر شيء يبلغ خمسة أوسق فصاعدا
بصاع النبى ﷺ أخذ منهم زكاتة , وليس عليهم فيما أصابت الجائحة زكاة. وكذلك العمل فى الكرم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن باع بعد الزهو ضمن , فإن أفلس فهل يتبع أو يؤخذ من يد المشترى؟ " يعنى كما قال مالك في الموطأ: ومن باع زرعه وقد صلح ويبس في أكمامه فعليه زكاته، وليس على الذي اشتراه زكاة. وقال الزرقاني: لأن وجوبها بطيب الثمر فإذا باعها وقد وجبت زكاتها فقد باع حصته وحصة المساكين.
стр. 403
فيحمل على أنه ضمن ذلك لهم اهـ. وقوله فإن أفلس إلخ قال الخليل: والزكاة على البائع بعدهما إلا أن يعدم فعلى المشتري , يعني إذا افتكر البائع وجب على المشتري أن يدفع الزكاة نيابة عن البائع إن بقي المبيع بيد المشتري أو فوته هو ثم يرجع على البائع بحصة ما أخرجه زكاة من الثمن وهو العشر أو نصفه , فإن فات المبيع بسماوي أو أتلفه أجنبي فلا يزكيه المشتري , بل وجب أن يزكيه البائع إن أيسر اهـ. قاله فى الإكليل. ومثله في الخرشي. وقال الدسوقي: هذا التفصيل الذي ذكره الشارح مثله في أبي الحسن , إذ قال: إذا عدم البائع أخذت الزكاة من المشتري إن كان قائما بعينه أو أتلفه بأكل ونحوه. وإن تلف بسماوي أو أتلفه أجنبي فلا تؤخذ من المشتري وهو موافق لقول ابن القاسم في الرجوع على المشتري. ففي الأمهات: قال ابن القاسم: فإن لم يكن عند البائع شيء يأخذ منه المصدق ووجد المصدق الطعام بعينه عند المشتري أخذ المصدق منه الصدقة ورجع المشتري على البائع بقدر ذلك من الثمن. وقال سحنون: وقد قال بعض أصحاب مالك: ليس على المشتري شيء مطلقا كان المبيع قائما أو تلف بسماوي أو أتلفه هو أو أجنبي , لأن البيع كان جائزا ويتبع بها البائع إذا أيسر اهـ
فتبين أن الزكاة تؤخذ من البائع أصالة , وتارة من المشتري نيابة , ثم يرجع بها على البائع ولا يتبع المشتري في حال عدمه , ويتبع البائع وإن فى عدمه , فتأمل.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهل يرجع بقدر الثمن أو يكلف شراء الجنس؟
قولان كالذي لا يتناهى " يعني لما تقرر رجوع المشتري على البائع فدفع ما وجب عليه من الزكاة نيابة عنه عند عدمه فهل يرجع بقدر الثمن أو يكلف على البائع بشراء جنس الطعام الذي دفعه المشتري للمصدق قولان. قال الدسوقي: والصواب أنه يرجع على البائع بما ينويه ما أداه زكاة من الثمن كما هو الواقع في عبارة ابن راشد اهـ. ومثله في الخرشي. ونص المدونة صريح فى رجوع المشتري على البائع بقدر ذلك من الثمن وهو قول ابن القاسم.
стр. 404
وقوله كالذي لا يتناهى أي كما يلزم عليه شراء شيء لا ينقطع وجوده كالموز فى بعض الأقطار , هذا لمجرد التشبية بما
يسهل وجوده في كل وقت لاأن الزكاة تتعلق بالمشبه لأنه من الفواكه التي لا زكاة فيها فتنبه. ثم قال رحمه الله تعالى " وما يعتصر يوسق حبا ويؤخذ من دهنه " المعنى أن الذي يعتصر منه زيت إذا بلغ حبه النصاب تؤخذ زكاته من زيته. قال في الرسالة: ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته , فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن الزيتوت إذا كان له زيت يتعين الإخراج من زيته , ولا يجزئ الإخراج من حبه ولا ثمنه إذا باعه , وإن كان فى بلد لا زيت له فيها كزيتون مصر فيخرج من ثمنه من غير خلاف , ومثله ما لا يجف من رطب مصر وعنبها وحمصها وفولها وفريكها إذا بيعت قبل جفافها , إلا أن هذه يجوز إخراج زكاتها حبا يابسا كما تقدم في نحو الجلجلان اهـ. وفي الدردير: وزيت ما له زيت , وجاز من حب غير الزيتون , وثمن ما لا زيت له، وما لا يجف من عنب ورطب ولا يجزئ من حبه , وكفول أخضر , وجاز من حبه اهـ. فتحصل أن ذوات الزيوت الأربع وهي الزيتون والسمسم والقرطم وحب الفجل الأحمر كلها يجوز الإخراج من حبها وثمنها إذا باع , إلا الزيتون فقط فإنه لا يجزئ الإخراج من حبه ولا من ثمنه إذا باع , بل يتعين الإخراج من زيته على المعتمد , كما صدر به صاحب الرسالة بقوله: ويزكى الزيتون إلى قوله من زيته.
ثم قال رحمه الله تعالى " ولا زكاة في شيء من النبات غير ما ذكرنا " يعني أي لا تجب الزكاة في شيء من النبات إلا ما تقدم ذكرنا إياه؛ لأن الأصناف التي تجب فيها الزكاة تنحصر في عشرين صنفا كما تقدم , لا في تين ورمان وتفاح , ولا في بزر كتان ولا في سجلهم وهو اللفت , ولا جوز ولوز , ولا في حب الفجل الأبيض والعصفر , ولا في
стр. 405
التوابل وهى الفلفل والكزبرة واليانسون والشمار والكمون والحبة السوداء وغير ذلك من مصلحات الطعام وإن كانت ربوية , وكذلك لا تجب في الفواكه والخضر كالدباء والباذنجان والبطيخ الأخضر والأصفر , وكذلك القثاء والخيار والمشمش , ولا في البقول كالبصل والجزر وما شابهها مما ينبت بنفسه في الجبال أو يستنبت مما لا يعد منها ولا يحصى , وكلها لا تتعلق بذاتها الزكاة. وقد قالت عائشة ﵂: " جرت السنة أن لا زكاة في الخضر على عهده ﵇ وعهد الخلفاء من بعده " وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة: وعليه عامة الفقهاء , إلا أبا حنيفة فإنة أثبتها في جميع النبات حتى ما نبت على الجبال إلا الحشيش والحطب والقصب اهـ والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على زكاة الحرث والثمار انتقل ليتكلم على صدقة الفطر
فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فى زكاة الفطر ومن تلزمه
أي في بيان صدقة الفطر , أي من آخر رمضان. قال بعض المشايخ كما هو وارد. وإنما وجبت تطهيرا للصائم ورفقا بالفقير وإغناء له يوم العيد وليلته؛ لأنه وقت سرور شامل فلا يختص به الغنى دون الفقير. وقال بعضهم: ويقال لها زكاة الفطر. فرضت في السنة الثانية من الهجرة , فرضها رسول الله ﷺ كما صح فى الحديث. قال العدوي فى حاشية الخرشي: من أنكر مشروعيتها يكفر , ومن أنكر وجوبها لا يكفر وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث , طعمة للمساكين , فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة , ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " اهـ صححه الحاكم.
قال رحمه الله تعالى: " صدقة الفطر تلزم من فضل عن قوتة ودينه ومؤنة
стр. 406
عياله , عنه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين " وما ذكره من قوله ودينه فيه خلاف: قال النفراوى: تنبيه: وقع الخلاف في إسقاط الدين لصدقة الفطر , وظاهر المذهب عدم إسقاطها بالدين لوجوب تسلف الصاع عنه في الحال للقادر على وفائه في المستقبل. واقتصر على هذا القول خليل اهـ. قال أبو الحسن في كفاية الطالب: وكذلك لا يسقط الدين زكاة الفطر عند أشهب , ويسقطها عند عبد الوهاب , ورجح العدوي في حاشيته القول الأول. قال في الرسالة: وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير أو صغير , ذكر أو أنثى , حر أو عبد من المسلمين صاعا عن كل نفس بصاع النبي ﷺ وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو أقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز. وقيل إن كان العلس (١) قوت قوم أخرجت منه , وهو حب صغير يقرب من خلقة البر , ويخرج عن العبد سيده والصغير لا مال له يخرج عنه والده. ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد اهـ. وقال الدردير: زكاة الفطر واجبة بغروب آخر رمضان , أو بفجر شوال على الحر المسلم القادر , وإن بتسلف لراجي القضاء , عن نفسه وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو
زوجية أو رق أو مكاتبا , والمشترك بقدر الملك كالمبعض , ولا شيء على العبد وهي صاع فضل عن قوته وقوت عياله يومه , من أغلب قوت المحل , من قمح أو شعير أو سلت أو ذرة أو دخن أو أرز أو تمر أو زبيب أو أقط فقط , إلا أن يقتات غيرها فمنه اهـ.
ثم بين قدرها كما تقدم بقوله رحمه الله تعالى: " قدوها وهو صاع وزنه خمسة أرطال وثلث بالبغدادي حبا "وقد تقدم بيان مقدار الصاع عند الكلام في نصاب الحبوب والثمار ولا حاجة بإعادته هنا فراجعه إن شئت.
стр. 407
قال رحمه الله تعالى: " والأفضل من غالب قوت بلده , وتجزئ من البر والشعير والسلت والتمر والزبيب والأقط " وتقدم البيان أيضا عن هذا كله. والأقط على وزن كتف هو اللبن اليابس الذي أخرج زبده. قال رحمه الله تعالى: " وعن العبد المشترك عن كل بقدر ملكه , كمن بعضه حر "
يعني تلزم زكاة الفطر عن العبد المشترك بين اثنين فأكثر بأن يخرج عنه كل واحد بقدر حظه منه كالنصف والثلث بحسب ذلك , وليس على المبعض شيء في مقابلة بعضه الثاني لما فيه من شائبة الرقية كما هو معلوم.
ثم قال رحمه الله تعالى " والمشهور تعلق الواجب بطلوع الفجر يوم الفطر" يعنى أن المشهور من القولين يبتدئ وقت وجوب إخراج زكاة الفطر ودفعها لمستحقها من بعد طلوع الفجر الصادق يوم العيد وقبل صلاتها كما في الدردير. وقال في الرسالة: ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر. هذا قول.
وشهر بعضهم الرواية الثانية من أن وجوبها بغروب آخر رمضان وهو المشهور الثاني. قال صاحب العزية: تجب بأول ليلة عيد الفطر على أحد القولين المشهورين , والآخر تجب بطلوع فجر يوم العيد , وفائدة الخلاف تظهر فيمن مات أو ولد أو أسلم ونحو ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى " ومصرفها الفقراء والمساكين بالاجتهاد , فيدفع صاع لجماعة واصع لواحد " يعني أن زكاة الفطر تصرف للفقراء والمساكين بالاجتهاد من الحاكم إن جمعت عنده , أو باجتهاد المزكي , فله دفع صاع لجماعة الفقراء والمساكين , وآصع لواحد بشرط الإسلام والحرية. قال خليل: وإنما تدفع لحر مسلم فقير. قال مالك في المدونة: لا يعطى أهل الذمة ولا العبيد من صدقة الفطر شيئا اهـ. ويجوز دفعها للقريب الذي لا تلزمه نفقته. وللزوجة دفعها لزوجها الفقير , لا عكسه ولو فقيرة لوجوب نفقتها عليه: ولم يجر الخلاف في دفع الزوجة.
لزوجها، وإنما الخلاف في زكاة المال. وجاز
стр. 408
إخراجها قبل يوم العيد باليومين والثلاثة، ويستحب لمن زال فقره أو رقه يوم العيد أن يخرجها، كما يندب للمزكي إخراجها من قوته الأحسن. ولا تسقط بمضي زمنها، فإن لم يقدر إلا على بعضها أخرجه، وأثم إن أخر للغروب لتفويته وقت الأداء وهو اليوم كله.
ولما أنهى الكلام على زكاة الفطر انتقل يتكلم على بيان من تصرف له الزكاة فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيمن تصرف له الزكاة
أي في بيان من يستحق الزكاة. وتدفع لأحد الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " مصارف الزكاة الأصناف الثمانية التي ذكرها الله تعالى " وهي إنما الصدقات الآية , في سورة التوبة. قال رحمه الله تعالى: " وقد سقط نصيب المؤلفة قلوبهم والعاملين " يعني أن هذين الصنفين سقط نصيبهما من الزكاة , لكن في ذلك خلاف في المذهب. قال في المدونة: سئل ابن شهاب عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية , قال: لا نعلمه نسخ من ذلك شيئا , إنما الصدقات بين من سمى الله فأسعدهم بها أكثرهم عددا أو أشدهم حاجة اهـ. قال خليل: ومؤلف كافر ليسلم أي يعطى منها ليسلم , وحكمه باق , قال العلامة الشيخ صالح عبد السميع: قوله ليسلم. وقيل مسلم قريب عهد بالإسلام , فيعطى منها ليتمكن إسلامه. قوله وحكمه باق أي لم ينسخ، هذا قول لبعض أهل المذهب والمشهور انقطاع سهم هذا النصف بعزة الإسلام والأول. مبني على أن المقصود من دفعها له ترغيبه في الإسلام لإنقاذ مهجته من الخلود في النار , والثاني مبني على أن المقصود من دفعها له ترغيبه في الإسلام لإعانته لنا على الكفار.
стр. 409
وهذا الخلاف جار على أنه كافر يعطى ليسلم , وأما على أنه مسلم يعطى للتمكن فحكمه باق باتفاق. اهـ قال ابن جزي في القوانين: وأما المؤلفة قلوبهم فالكفار يعطون ترغيبا في الإسلام , وقيل هم مسلمون ويعطون ليتمكن إيمانهم. واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء عنهم اهـ. قلت ولعل المصنف اعتمد في إسقاط مؤلفة القلوب بما روى ابن مهدي عن إسرائيل بن يونس عن جابر عن الشعبي قال لم يبق من المؤلفة أحد , إنما كانوا على عهد رسول الله ﷺ فلما استخلف أبو بكر
انقطع الرشا " اهـ ذكره في آخر قسم الزكاة من المدونة. وقد جمع ابن عاشر الأصناف الثمانية مع أوصافهم في بيتين بقوله:
مصرفها الفقير والمسكين ... غاز وعتق عامل مدين
مؤلف القلب ومحتاج غريب ... أحرار إسلام ولم يقبل مريب
وأما قوله رحمه الله تعالى: والعاملين , هذا ما رأيت من تكلم في إسقاط العامل على الزكاة , بل النصوص تشير إلى الابتداء به. قال خليل: وبدئ به , قال الخرشي: أي بالعامل قبل الأصناف لأنه المحصل , حتى لو حصلت له مشقة وجاء بيسير لا يساوى مقدار أجرته أخذ جميعه. قلت: والعامل يعطى الزكاة ولو كان غنيا , بل له أن يأخذ بوصفيه إن كان فقيرا. قال خليل: وأخذ الفقير بوصفيه اهـ. وباقي الأصناف لا خلاف في دفع الزكاة لهم , والخلاف في المؤلفة القلوب فقط كما تقدم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويجوز صرفها إلى صنف , إلى واحد منه بقدر كفايته وإن زاد على النصاب " يعني يجوز دفع الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية , ولا يجب تعميمهم , بل متى دفعها لأي شخص موصوف بكونه منهم كفى لكن يندب إيثار المحتاج منهم بأن يخص بالإعطاء أو يزاد له أكثر مما أعطى غيره ولو كان مجموع ذلك يزيد على النصاب , إذ المقصود إعطاؤه كفايته وسد خلته.
قال مالك في المدونة: ومن لم يجد إلا صنفا مما ذكر الله تعالى في كتابه أجزأه أن يجعل زكاته فيهم ,
стр. 410
وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم , وليس في ذلك قسم مسمى اهـ.
قال رحمه الله تعالى " ولا يشترط عدم قدرته على الكسب , ولا تعففه عن المسألة " يعني أن المزكي يجوز دفع زكاته للفقير القادر على الكسب والسائل. قال الدردير: وجاز دفعها لقادر على الكسب , أي إذا كان فقيرا ولو ترك التكسب اختيارا اهـ. وكذلك لا يشترط للفقير التعفف عن المسألة , لأن السائل تدفع له الزكاة بل هو أولى بها , وسؤاله دليل على احتياجه. قال تعالى في مدح المزكين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] قال المفسرون: المراد بالسائل الذي يسأل الناس ويتكفف عليهم. وبالمحروم أي الممنوع الذي يمنع عنه الزكاة لتعففه عن المسألة فيحسب غنيا , على حد: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويصدق أنه مستحق إلا أنه يظهر خلافه " يعنى كما
في الصاوي نقلا عن حاشية العدوي: وإذا ادعى شخص الفقر أو المسكنة ليأخذ من الزكاة فإنه يصدق بلا يمين إلا لريبة بأن يكون ظاهره يخالف ما يدعيه فإنه لا يصدق إلا ببينة , وهل يكفي الشاهد واليمين , أو لا بد من شاهدين؟ كما ذكروه في دعوى المدين المعدم , ودعوى الولد العدم لأجل نفقة والديه , وعلى أنه لا بد من شاهدين فهل يحلف معهما كما في المسألتين المذكورتين , أو لا يحلف كما في مسألة دعوى الوالد العدم لأجل أن ينفق عليه ولده في ذلك خلاف اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا تنقل عن بلدها مع وجود المستحق فمن فعل كره وأجزأه , والأجرة عليه " هذه العبارة ضعفها الخرشي , والمعتمد عبارة خليل وهي: ووجب نيتها وتفرقتها بموضع الوجوب أو قربه إلا لأعدم فأكثرها له بأجر من الفيء إلخ قال العدوي في حاشية الخرشي: عبارة الإرشاد ولا تنقل عن بلدها مع وجود المستحق فإن فعل كره وأجزأت , والأجرة عليه , أي لأن عبارته عامة.
والحاصل أن المصنف
стр. 411
ـ يعنى الشيخ خليلا ـ فصل بين موضع الوجوب وقربه والبعيد , وأن موضع الوجوب وقربه حكمهما واحد دون البعيد. وكلام الإرشاد جعل حكم الكل واحدا اهـ. وقال المواق من المدونة: قال مالك: العمل في الصدقة أن لا تخرج عن موضع جبيت منه , كانت من عين أو حرث أو ماشية , إلا أن يفضل عنهم فضلة فتجعل في أقرب البلدان إليهم. وإن بلغه عن بعض البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فينقل إليهم جل تلك الصدقة , رأيت ذلك صوابا لأن المسلمين أسوة فيما بينهم إذا نزلت الحاجة اهـ. وعقد صاحب العزية فصلا قال في أوله: وتجب نية الزكاة وتفرقتها بالموضع الذي وجبت فيه , ولا يجوز نقلها عنه إلا أن يكون موضع آخر به فقراء أشد إعداما فإنه يعطى منها في موضع الوجوب , وينقل أكثرها للأعدام اهـ.
قال رحمه الله تعالى " ولا تصرف في شيء من وجوه البر غير مصارفها " يعني أن الزكاة لا تصرف لغير الأصناف الثمانية المذكورين في الآية الكريمة. قال ابن جزي في القوانين: لا تصرف الزكاة في بناء مسجد , ولا تكفين ميت. قال مالك في المدونة: لا تجزئه أن يعطي من زكاته في كفن ميت , لأن الصدقة إنما هي للفقراء والمساكين ومن سمى الله , فليست للأموات ولا لبنيان المساجد اهـ. قلت وما ذكره ابن جزي مثل نص المدونة , خلافا لما قرره الشعراني في الميزان في أول باب قسم الصدقات , فإنه قال: اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجوز إخراج الزكاة لبناء مسجد أو تكفين ميت اهـ. والأول أصح وأشهر في الذهب انظره.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتبين الخطأ يوجب الإعادة إلا أن يتولاها الإمام
العادل " فتجزئ. قال الدردير , كما في خليل: أو دفعت لغير مستحق لها كعبد أو كافر أو هاشمي أو غني فلا تجزئ. فقال الصاوي: أي إلا الإمام يدفعها باجتهاد فتبين أن الآخذ غير مستحق فتجزئ حيث تعذر ردها , والوصي ومقدم القاضي كذلك , فتحصل أن ربها
стр. 412
إذا دفعها لغير مستحقها لا تجزئه مطلقا , والإمام ومقدم القاضي والوصي تجزئه إن تعذر ردها , هذا هو المعول عليه اهـ. ومثله في الإكليل. قال ابن جزي في القوانين: إذا كان الإمام عدلا وجب دفع الزكاة إليه , وإن كان غير عدل , فإن لم يتمكن صرفها عنه دفعت إليه وأجزأت , وإن تمكن صرفها عنه دفعت صاحبها لمستحقها , ويستحب أن لا يتولى دفعها بنفسه خوف الثناء اهـ.
قال رحمه الله تعالى:" ولا يخص بها أقاربه , فإن كانوا في عياله لم يجزه والله أعلم " يعني كما في الدردير في سياق كلامه على عدم الإجزاء قال: أو دفعت لمن تلزمه نفقته , ومفهومه أن دفعها لمن لا تلزمه نفقته من الأقارب جائز , إلا إذا آثره بأن دفعها كلها له فيكره , كما كره للنائب إيثار أقاربه أو أقارب رب المال. قال الخرشي: وكذلك يكره لرب المال أن يخصص قريبه نفقته بالزكاة , فإن أعطاه مثل غيره فلا كراهة. ومفهوم قوله الذي لا تلزمه نفقته أنه لو كان ممن تلزمه نفقته فلا تجزئ كما مر والله أعلم اهـ بتوضيح.
ولما أنهى الكلام على الزكاة وما يتعلق بها انتقل يتكلم على ركن من أركان الإسلام وهو الصوم فقال رحمه الله تعالى:
стр. 413
كتاب الصيام
أي في بيان فرائضه وسننه ومندوباته، وما يجوز فيه وما لا يجوز، وذكر مبطلاته ومكروهاته.
الصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء، وشرعا: الإمساك عن شهوتي
البطن والفرج، وما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار، بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد. اهـ الصاوي نقلا عن الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " صيام رمضان فرض عين يلزمه برؤية ظاهرة، أو شهادة عدلين، فإن غم فبكمال عدة شعبان " يعني أن صيام رمضان فرض واجب عينا يلزم المكلف غير المعذور برؤية هلاله، أو بشهادة عدلين، فإن غم الهلال أي أخفاه الغيم أو الغبار فبكمال عدة شهر شعبان ثلاثين كما في الحديث. قال الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية، أي فمن حضر وقته منكم فلينو صيامه. والضمير في فليصمه عائد إلى الشهر، فنية واحدة كافية في جميع الشهر عند المالكية، بناء على أن رمضان أي صيامه بمنزلة العبادة الواحدة، تجب في العام مرة كالزكاة، وقد قال ﷺ : " وإنما لكل امرئ ما نوى " وهذا قد نوى جميع الشهر، لكن يندب التبييت كل ليلة مراعاة للخلاف لأن الشافعي يرى النية لكل يوم على انفراده كالصلاة. وفي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " وفي رواية: " إذا
стр. 414
رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا " وفي رواية لمسلم: " فاقدروا له ثلاثين " وفي أخرى للبخاري: " فأكملوا العدة ثلاثين " وله من حديث أبي هريرة: " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " اهـ. قال بعض مشايخنا: وفي الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله، وإفطار أول يوم من شوال لرؤيته، ولا يشترط رؤية جميع أهل البلد للهلال، فإذا رآه بعضهم وثبت فقد لزم جميعهم. فالمخاطب بذلك إنما هو مجموع الأمة لا كل فرد اهـ انظر " إسعاف أهل الإيمان " للعلامة
الأستاذ حسن بن محمد المشاط، وفيه الغنية إن شاء الله. قال أبو البركات الدردير: يجب صوم رمضان على المكلف القادر الحاضر الخالي من حيض ونفاس، بكمال شعبان أو برؤية عدلين، فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا، أو بجماعة مستفيضة، أو بعدل لمن لا اعتناء لهم به، ولا يحكم به، فإذا حكم به مخالف لزم على الأظهر، وعم إن نقل عن المستفيضة، أو العدلين بهما، أو بعدل على الأرجح، وعلى العدل. والمرجو الرفع للحاكم، فإن أفطرا فالقضاء والكفارة؛ لا بقول منجم اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتجب له النية وتجزئ من الليل لا بعد طلوع الفجر " يعني كما في الحطاب أن شرط صحة الصوم - أي فرضا كان أو نفلا، معينا أو غير معين - أن يكون بنية لقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " وقوله: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " وفي رواية: " من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له " رواه أحمد وأصحاب السنن. وفي الدردير: وكفت نية لما يجب تتابعه كرمضان وكفارته وكفارة قتل أو ظهار، وكالنذر المتتابع، كمن نذر صوم شهر بعينه، أو عشرة أيام متتابعة وهذا إذا لم ينقطع بكسفر قصر أوحيض أو نفاس أو رفع نية التتابع وإلا وجب إعادتها فيما بقي اهـ بتوضيح. وفي الرسالة: ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه البيات في بقيته، ويتم الصيام إلى الليل اهـ.
стр. 415
قال رحمه الله تعالى: " وتبيت لغيره كل ليلة " يعني يجب أن يبيت النية في كل صوم يجوز له تفريقه كقضاء رمضان وصيامه في السفر، وكفارة اليمين، وفدية الأذى، ونقص الحج فلا تكفي فيه النية الواحدة، بل لا بد من التبييت في كل ليلة قاله الصاوي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم المنفرد برؤيته، فإن أفطر فعليه القضاء والكفارة، إلا أن يعذر بجهل أو تأويل " يعني أن من رأى هلال رمضان وحده سواء كان عدلا أو مرجوا أو نحوهما فإنه يجب عليه الصوم، فإن أفطر متعمدا، أو منتهكا لحرمة الشهر فعليه القضاء والكفارة، وإن أفطر متأولا فظن أنه لا يلزمه الصوم برؤيته منفردا ففي وجوب الكفارة تأويلان، والقول بوجوب الكفارة هو المشهور اهـ الحطاب. وفي المواق: قال مالك في المدونة: من رأى هلال رمضان وحده فليعلم الإمام لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما، وإن لم يره غيره رد الإمام شهادته ولزمه الصوم في نفسه، فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة. وقال أشهب: إلا أن يكون متأولا اهـ. وما ذكره من التأويل مردود بناء على أنه تأويل بعيد. قال خليل: كراء ولم يقبل، كذا في الصاوي على الدردير. قال: وأما لو
أفطر من لا اعتناء لهم بأمر الهلال مع ثبوت رؤية المنفرد له فعليهم الكفارة اتفاقا.
ولو تأولوا لأن العدل في حقهم كالعدلين اهـ. انظر القوانين لابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: " والشاك يمسك حتى يتبين، ولا يجزئ صومه مترددا " يعني وجب الإمساك للشاك ولا يصوم مع تردد؛ لأن الجزم بالنية شرط في صحتها قال عبد الباري: والنية قبل ثبوت الشهر باطلة حتى لو نوى قبل الرؤية ثم أصبح لم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه، ويمسك عن الأكل والشرب فيه لحرمة الشهر ويقضيه. ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان
стр. 416
ويجوز صيامه للتطوع والنذر إذا صادف، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " بخلافه تطوعا أو يصادف وردا أو نذرا أو قضاء " فيجوز ذلك إن لم يصادف رمضان الحاضر، وإلا لم يجزه. وقوله أو قضاء، قال الحطاب: كمن عليه صوم من رمضان فقضاه فيه أي في يوم الشك فإنه يجوز، ثم لم يثبت كونه من رمضان فقد أجزأه، وإن ثبت أنه من رمضان لم يجزه عن القضاء ولا عن رمضان الحاضر، وعليه قضاء يوم رمضان الحاضر وقضاء ما في ذمته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ورؤيته نهارا للمستقبل ولو قبل الزوال " يعني أن الهلال إذا رآه الناس في النهار، فإنه يكون لليلة المقبلة لا لليلة الماضية، ولا فرق في رؤيته قبل الزوال أو بعده فيستمر على الفطر إن وقع ذلك في آخر شعبان، وعلى الصوم إن وقع في آخر رمضان. قاله الخرشي، ومثله في الحطاب. وقل المواق عن ابن يونس: إذا رأى الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان فهو لغده رئي بعد الزوال أو قبله. قال ابن بشير: هذا هو المشهور كما هو نص المدونة عن مالك.
قال رحمه الله تعالى: " وثبوته يوجب إمساك بقيته، وعيد يوجب الفطر " يعني أن ثبوت هلال رمضان يوجب الكف عن المفطرات في بقية اليوم، وأن ثبوت هلال شوال يوجب الفطر والعيد، وهو معنى قوله ﷺ " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " الحديث. وفي القوانين: إذا ارتقب هلال رمضان فلم يظهر، ثم ثبت من الغد أنه قد رئي وجب إمساك ذلك اليوم وقضاؤه، وإذا ثبت هلال شوال نهارا وجب الفطر اهـ. قال خليل: وإن ثبت نهارا أمسك، وإلا كفر إن انتهك. قال الخرشي: يعني أن رمضان إذا ثبت في أثناء النهار بوجه من الوجوه السابقة أنه رئي في الليلة الماضية فإنه يجب الإمساك وهو المنع والكف عن الأكل في حق من أكل في ذلك اليوم، وفي من لم يأكل فيه، ثم يجب عليهم القضاء لعدم الجزم بالنية. فإن لم يمسك وأفطر متعمدا بأكل
стр. 417
أو جماع فإنه يكفر إن انتهك الحرمة بعلمه الحكم، وإن كان غير منتهك بأن تأول جواز الفطر لعدم صحة الصوم فلا
كفارة اهـ. قال مالك في الموطأ: إذا صام الناس يوم الفطر وهم يظنون أنه من رمضان، فجاءهم ثبت أن هلال رمضان قد رئي قبل أن يصوموا بيوم، وأن يومهم ذلك أحد وثلاثون فإنهم يفطرون في ذلك اليوم أي ساعة جاءهم الخبر، غير أنهم لا يصلون صلاة العيد إن كان ذلك جاءهم بعد زوال الشمس اهـ.
ولما أنهى الكلام على إثبات الهلال انتقل إلى بعض أحكام الفطر في شهر رمضان وغيره فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ فيمن يلزمه القضاء دون الكفارة
أي في بيان حكم من فعل شيئا مما يأتي عن قريب من المفطرات. ثم اعلم أن الفطر في رمضان ممنوع، إلا أنه تارة يكون جائزا بل في بعض الأحوال يكون واجبا، وعلى كل حال فالقضاء واجب على من أفطر فيه إن كان قادرا عليه كما هو معلوم. قال رحمه الله تعالى: " يجب القضاء بالفطر ولو سهوا، أو جهلا، أو مكرها، أو لمرض، أو حيض، أو سفر، أو نوى رمضان تطوعا، أو نذرا، أو قضاء، أو ظن بقاء الليل أو دخوله فتبين خلافه، أو ابتلع ما يمكنه طرحه، أو رمى إلى حلقة بذوق، أو اكتحال أو وضوء، أو سعوط، أو تقطير في أذن " وقد ذكر رحمه الله تعالى جملة مما يوجب القضاء دون الكفارة: منها الفطر بالأكل أو الشراب أو الجماع سهوا أو جهلا بحرمة الشهر غير منتهك به، فمن ذلك فعليه القضاء فقط دون الكفارة. قال الدردير: فإن ظن الإباحة فأفطر فتأويل قريب ومنها الإكراه في ذلك، فمن أكره على فعل شيء من ذلك في نهار رمضان وجب عليه الإمساك والقضاء بعد زوال الإكراه دون
стр. 418
الكفارة. ومنها المرض فمن أفطر للمرض الذي لم يقدر معه على الصوم بأن خاف على نفسه هلاكا، أو شدة ضرر، أو زيادته، أو تأخر برء وجب عليه الفطر، ووجب عليه القضاء دون الكفارة. ومنها عذر مانع لصحة الصوم كحيض ونفاس وجنون، فطرو ذلك يمنع صحة الصوم ووجوبه، وعليها القضاء دون الكفارة. ومنها السفر الذي يباح فيه الفطر، فمن أفطر لسفره وجب عليه القضاء دون الكفارة. قال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ومما يوجب القضاء دون الكفارة أن ينوي بصوم رمضان تطوعا أو نذرا أو قضاء، فمن صامه كذلك وجب عليه القضاء دون الكفارة. ومن ظن بقاء الليل أو دخوله فتبين خلاف ذلك بعد فطره وجب عليه القضاء دون الكفارة. ومنها وصول المائع إلى الحلق بغير اختيار الصائم فإنه موجب
للقضاء دون الكفارة. وفي حكم المائع البخور الذي تتكيف به النفس، أو كان بخار قدر لطعام، قال الدردير: فمتى وصل ذلك للحلق أفسد الصوم ووجب القضاء. ومن ذلك الدخان الذي يشرب أي يمص بنحو قصبة، بخلاف دخان الحطب ونحوه فلا قضاء في وصوله للحلق ولو تعمد استنشاقه. وأما رائحة كالمسك والعنبر والزبد فلا تفطر. ولو استشقها لأنها لا جسم لها إنما يكره فقط اهـ.
ومنها ابتلاع ما أمكن طرحه كقيء أو قلس وصل إلى الفم فإن لم يمكن طرحه بأن لم يجاوز الحلق فلا شيء فيه. وأما البلغم الممكن طرحه فالمعتمد أن ابتلاعه. ومنها وصول الشيء المفطر إلى المعدة مطلقا مائعا كان أو جامدا، عمدا أو سهوا ولا يلزمه إلا القضاء دون الكفارة، وفي العمد بشرط عدم انتهاك حرمة الشهر كما تقدم. ومما يوجب القضاء دون الكفارة تعمد القيء، قال ابن جزي في القوانين: ومن استقاء عامدا فعليه القضاء وجوبا دون الكفارة في المشهور. وعند الجمهور من رجع إلى حلقه قيء أو قلس بعد ظهوره على لسانه فعليه القضاء اهـ.
ومثله في الرسالة. ومما يوجب القضاء دون الكفارة تقطير شيء
стр. 419
في الأذن أو الأنف، أو وصل إلى الحلق باكتحال أو غالب المضمضة أو السواك وليس في جميع ذلك إلا القضاء دون الكفارة.
ثم ذكر رحمه الله تعالى الأشياء التي لا توجب القضاء بحصول شيء منها بقوله: " لا بدخول ذباب، أو غبار، أو حقنة، أو احتلام، أو تصبح بغسل جنابة، أو حيض إن طهرت ونوت قبل الفجر " يعني أن هذه الأشياء كلها لا توجب القضاء لصحة الصوم، ولم يقع فيه خلل معها. قال العلامة الشيخ أحمد النفراوي: ومما لا قضاء فيه ما غلب من ذباب أو دقيق أو جبس لصانعه أو بائعه، كغبار الطريق يغلب الصائم، ومما لا قضاء فيه الحقنة من الإحليل وهي عين الذكر ولو بمانع، وأما من الدبر أو فرج المرأة ففيها القضاء. ومما لا قضاء فيه أيضا الجائفة حيث لم تصل محل الطعام أو الشراب، وكذا المني والمذي المستنكحان، ولا في نزع المأكول أو المشروب طلوع الفجر اهـ.
وفي الشرنوبي على العزية: وإذا طلع الفجر وهو يأكل أو يشرب أو يجامع فكف ونزع في الحال فلا قضاء عليه. وأما لو سكت قليلا متعمدا فعليه القضاء والكفارة اهـ. وفي إسعاف أهل الإيمان للعلامة الشيخ حسن محمد المشاط الملكي ما نصه: فمن طلع عليه الفجر وفي فمه شيء من طعام أو شراب طرحه حالا وصح صومه، فإن لم يطرحه وبلعه بطل صومه ووجب عليه إمساك ذلك اليوم لحرمة الوقت، وعليه القضاء عند الثلاثة، وعند الإمام مالك عليه الكفارة مع القضاء اهـ.
ثم ذكر بعض مكروهات الصيام فقال رحمه الله تعالى: " ويكره الفصد والحجامة والقبلة والملاعبة " يعني أن الفصد والحجامة مكروهان للصائم على ما مشى عليه المصنف، وجائزان على ما مشى عليه غيره إلا للمريض فيكرهان له. قال في الرسالة: ولا تكره له الحجامة. قال النفراوي: ولا الفصادة إلا خيفة التغرير قال لأدائها إلى الفطر. وربما أشعر قوله خيفة التغرير بأن هذا في حق المريض، وهو كذلك. قال خليل:
стр. 420
وكره ذوق ملح وعلك ثم يمجه، ومداواة حفر زمنه إلا لخوف ضرر، ونذر يوم مكرر، ومقدمة جماع كقبلة وفكر إن علمت السلامة وإلا حرمت، وحجامة مريض فقط، قال: وأما الصحيح فلا تكره له إلا إذا شك في السلامة وعدمها، والذي حرره الأجهوري أن الحجامة والفصادة يحرمان عند علم عدم السلامة حتى على الصحيح، ويكرهان عند الشك في السلامة ولو للصحيح، وأما عند اعتقاد السلامة فالكراهة للمريض، وعدمها للصحيح اهـ. وقوله: والقبلة والملاعبة، وفي العزية: ويكره ذزق الملح ومجه، ومقدمات الجماع كالقبلة والمباشرة والفكر والنظر المستدام والملاعبة إن علمت السلامة وإلا فيحرم عليه ذلك. وزاد بعضهم: لكنه إن أمذى من ذلك فعليه القضاء فقط، وإن أمنى فعليه القضاء والكفارة اهـ. وعبارة الخرشي: يعني أنه يكره للشاب والشيخ، رجلا أو امرأة أن يقبل زوجته أو أمته وهو صائم، أو يباشر أو يلاعب أو ينظر أو يفكر على المشهور إذا علم من نفسه السلامة من مذي ومني وإنعاظ على قول ابن القاسم اهـ.
ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يوجب الكفارة فقال: " والكفارة بتعمد الفطر، أو الجماع، أو استدعاء المني بدوام نظر أو تذكر أو تحريك دابة على المشهور " يعني أن الكفارة تجب بتعمد الفطر إلخ. قال خليل: وكفر إن تعمد - بلا تأويل قريب وجهل في رمضان فقط - جماعا أو رفع نية نهارا، أو أكلا أو شربا بفم فقط، وإن وجهل في رمضان فقط - جماعا أو رفع نية نهارا ظن أو أكلا أو شربا بفم فقط، وإن باستياء بجوزاء، أو منيا وإن بإدامة فكر إلا أن يخالف عادته على المختار. وإن أمنى بتعمد نظر فتأويلان اهـ. وعبارة الدردير في أقرب المسالك: والكفارة برمضان فقط إن أفطر منتهكا لحرمته بجماع وإخراج مني وإن بإدامة فكر أو نظر إلا أن يخالف عادته، أو رفع نية، أو إيصال مفطر لمعدة من فم فقط، لا بنسيان أو جهل أو غلبة، إلا إذا تعمد قيئا أو استياكا بجوزاء نهارا اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن شروط الكفارة
стр. 421
خمسة: العمد، والاختيار، والانتهاك للحرمة، والعلم بحرمة الموجب الذي فعله وإن جهل وجوب الكفارة، بخلاف جهل رمضان فيسقطها اتفاقا، وخامس الشروط كون الفطر في رمضان الحاضر اهـ. وعبارة الصاوي في هذه الشروط: فتحصل أن شروط الكفارة للمكلف خمسة كما في الأصل: أولها العمد فلا كفارة على ناس، الثاني الاختيار فلا كفارة على مكره أو من أفطر غلبة، الثالث الانتهاك فلا كفارة على متأول تأويلا قريبا، الرابع أن يكون عالما بالحرمة، فجاهلها كحديث عهد بالإسلام ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع فلا كفارة عليه، خامسها أن يكون في رمضان فقط، لا في قضائه، ولا كفارة أو غيرها اهـ. ويزاد في الأكل والشرب: أن يكون بالفم فقط، وأن يصل للمعدة. ولا كفارة على ناذر الدهر إن أفطر في غير رمضان على المعتمد اهـ المراد. وقال العلامة الشيخ عبد الله التيدي في أجوبة له: فهل تعرف مواضع القضاء والكفارة؟ قال نعم في اثني عشر موضعا، ولا تكون الكفارة إلا في أداء رمضان فقط. وهي مغيب الحشفة المعتد به شرعا، وإخراج مني، ومن نية نهارا عمدا أو ليلا واستمر حتى طلع الفجر، وإيصال مفطر لمعدة من فم فقط، ومن تعمد قيئا، ومن استاك بجوزاء نهارا، ومن رأى هلال رمضان ولم تقبل شهادته فأفطر، ومترقب حمى أو حيض ولو حصلا وأفطر، ومن اغتاب وأفطر، ومن عزم على السفر ولم يسافر وأفطر، والفطر في الكل عمدا فعليهم القضاء والكفارة اهـ. فتحصل بمجموع ذلك أن الكفارة لا تكون إلا في رمضان، ولا يكون الانتهاك إلا مع معرفة الحكم بلا تأويل قريب، فجاهل الحكم كحديث عهد بالإسلام لا كفارة عليه. وأما من أفطر بتأويل بعيد فإنه يجب عليه القضاء والكفارة. ومثله من أنزل بتحريك دابة على المشهور اهـ.
ثم انتقل إلى بيان أنواع الكفارة وهي ثلاثة أنواع على التخيير، فقال رحمه الله تعالى: " والمشهور تنوعها، وأنها على التخيير " واعلم أن في تنوع كفارة الصيام
стр. 422
سبعة أقوال، مشهورها أنها على ثلاثة أنواع، وهي العتق، والصوم، والإطعام. واختلف هل هي على التخيير ككفارة اليمين وهو المشهور في المذهب، أم هي على الترتيب ككفارة الظهار وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
قال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما أنواعها فثلاثة: عتق، وإطعام، وصيام، فالعتق تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ليس فيها عقد من عقود الحرية، ولا يكون عتقها مستحقا بجهة أخرى. والصيام [صيام] (١) شهرين متتابعين. والإطعام [إطعام] ستين مسكينا، مد لكل مسكين بمد النبي ﷺ . وقال أبو حنيفة مدان، وهي على التخيير ككفارة الأيمان، إلا أن أفضلها الإطعام في المشهور. وقيل على الترتيب ككفارات الظهار وفاقا لهما اهـ بلفظه. وقد ذكر تلك الأقوال المتقدمة أحمد الزروق وابن ناجي في شرحيهما على الرسالة القيروانية فراجعهما إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فيعتق رقبة مؤمنة كاملة الرق غير معيبة ولا مستحقة العتق، أو يصوم شهرين متتابعين فإن قطع لعذر بنى وإلا استأنف، أو يطعم ستين مسكينا مدا مدا، والعدد شرط " قوله والعدد شرط، قال المواق نقلا عن الباجي: ولا يجزئه أن يطعم ثلاثين مسكينا مدين مدين. وقال أبو الحسن: وله أن يسترجع ثلاثين مدا من المساكين ويعطيها غيرهم، فإن فوتوها لم يكن له عليهم رجوع.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يلفق من نوعين " يعني لا يجوز التلفيق من نوعين في الكفارات، لا في كفارة الصيام، ولا في اليمين، ولا في الظهار. قال خليل في كفارة اليمين: ولا تجزئ ملفقة وفي الدردير: ولا يجزئ تلفيق من نوعين، ولا ناقص. وقال الخرشي: يعني أن الكفارة يشترط فيها أن تكون من جنس واحد، فلا تجزئ ملفقة
стр. 423
من جنسين اهـ. وقال خليل أيضا في الظهار: ولا تركيب صنفين ولو نوى لكل عددا، أي لا يجزئ تركيب كفارة من صنفين كصيام ثلاثين يوما وإطعام ثلاثين مسكينا. قال العلامة صالح عبد السميع: احترز بصنفين من تركيبها من صنف واحد كغداء وعشاء ثلاثين وتمليك ثلاثين كل واحد مدا وثلثين فيجزئ. قاله في كفارة الظهار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتتعدد بتعدد الأيام " يعني أن الكفارة تتعدد بتعدد موجبها في كل يوم. وفي المدونة: سئل مالك عن السفينة بعد أن يحتلم يفطر في سفهه في رمضان أياما، فقال عليه لكل يوم أفطره كفارة مع القضاء. وفي موضع آخر أنه سئل فيمن جامع امرأته أياما في رمضان فقال: عليه لكل يوم كفارة، وعليها مثل ذلك إن كانت طاوعته، وإن كان أكرهها فعليه أن يكفر عنها وعن نفسه، وعليها قضاء عدد الأيام التي أفطرتها، فإن وطئها في يوم واحد مرتين فعليه كفارة واحدة. وفيها أيضا في رجل جامع امرأته نهارا في رمضان وطاوعته في ذلك ثم حاضت من يومها، فقال عليها القضاء والكفارة، ومثلها من أفطر في رمضان متعمدا ثم مرض من يومه عليه القضاء والكفارة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والأظهر عدم تعددها في اليوم الواحد " يعني أن الكفارة لا تتعدد بتعدد موجبها في اليوم الواحد على الأظهر. وهو كذلك قال ابن جزي في القوانين: ومن كرر الإفطار في يوم واحد فعليه كفارة واحدة. ومن أفطر فلم يكفر حتى أفطر في يوم ثان فعليه كفارة ثانية خلافا لأبي حنيفة اهـ. قال النفراوي: لم يتعرض المصنف لحكم ما إذا تعدد منه موجب الكفارة، ومحصله أنها لا تتعدد بتعدد الأكلات أو الوطآت، ولا بأكل ووطء في يوم واحد، ولو كان أخرج للأول كفارة قبل الثاني،
стр. 424
وإنما تتعدد بتعدد أيام. وهذا حكم الكفارة عن
نفسه. وأما أوجب الكفارة على غيره فتتعدد عليه بتعدد المكفر عنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وعدم وجوبها بالجماع سهوا " يعني أن الأظهر من الأقوال عدم وجوب الكفارة بالجماع سهوا. قال في الرسالة: ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط، سواء كان فطره بالأكل أو بالشرب أو بالجماع على المشهور، خلافا لابن الماجشون القائل تجب الكفارة إذا كان فطره بجماع.
وفي المدونة: رأيت من أكل أو شرب أو جامع امرأته في رمضان ناسيا أعليه القضاء في قول مالك؟ قال نعم. ولا كفارة عليه اهـ. وتقدم جملة مما يوجب القضاء دون الكفارة عند قول المصنف يجب القضاء بالفطر ولو سهوا أو جهلا إلخ فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وفض نية " يعني والأظهر عدم ترتب الكفارة برفض نية، بل المشهور القضاء فقط، وصوب اللخمي سقوط القضاء. وقال إنه غالب الرواية عن مالك. وكذاك في المجموع، نقله الصاوي وقال: وأما من عزم على الأكل أو الشرب ثم ترك ما عزم عليه فلا شيء عليه لأن هذا ليس رفعا للنية اهـ.
انظر الحطاب والمواق.
قال رحمه الله تعالى: " وتعجيل فطر لتوقع مبيح " يعني والأظهر عدم وجوب الكفارة لأجل توقع العلامة الدالة على إباحة الفطر كغروب الشمس ثم تبين خلافه بعد فطره، ليس عليه إلا القضاء فقط دون الكفارة كما تقدم. وفي المدونة عن مالك بإسناده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁ " أنه أفطر يوما في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وقد غربت الشمس، ثم جاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس، فقال عمر: الخطب يسير، وقد اجتهدنا " قال مالك: يريد بالخطب القضاء اهـ. ومثله في الموطأ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمكرهة تلزم المكره عنها " يعني أن المرأة المكرهة على
стр. 425
الجماع في نهار رمضان يلزم على مكرهها أن يكفر عنها وعن نفسه، وعليهما القضاء والإمساك لحرمة الوقت. قال الدردير: وكفر عن أمته إن وطئها، وعن غيرها إن أكرهها لنفسه نيابة، بلا صوم وبلا عتق في الأمة، أي ولو طاوعته لأن طوعها إكراه، ما لم تتزين له فتلزمها فتصوم، ما لم يأذن لها في الإطعام. وأما الزوجة وغيرها فإن طاوعته في الجماع أو الزنى فعليها القضاء والكفارة، وإلا فعليه الكفارة نيابة عنها. وعليها القضاء فقط. هذا في إكراهها على نفسه لا إن أكرهها على غيره. قال النفراوي: وأما لو أكره شخص شخصا على الأكل والشرب للزم المكره بالفتح ويلزم المكره بالكسر الكفارة، وبخلاف من أكره غيره على جماع امرأة لا تلزمه كفارة. والفرق أن الانتشار معه نوع اختيار، وإنما لم تلزمه الكفارة لأنه لا يتعمد. فالحاصل أن من أكره (١) غيره على الجماع لا تلزمه كفارة ولا تلزم المكره بالفتح أيضا لأن لزوم الكفارة مشروط بالتعمد اهـ. وما تقدم من تكفير المكره عن المكرهة محله إن كانت بالغة مسلمة عاقلة، وإلا فلا. قال الصاوي على الدردير: الإكراه يكون بخوف مؤلم كضرب فأعلى، كإكراه الطلاق فقد ذكر الرماصي أن الإكراه في العبادات يكون بما ذكر اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بثبوت الصيام ووجوبه ولوازم الإفطار من الكفارة وغيرها انتقل يتكلم في بعض ما يستحب للصائم، وبعض مسائل الصيام، وبيان ذلك، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يندب فعله للصائم
أي في بيان فعله للصائم، وما يلزمه وما يباح له، وما يكره عليه فعله في رمضان وغيره. فقال رحمه الله تعالى: " يستحب تعجيل القضاء وتتابعه " قال خليل عاطفا على