Полный текст (1 296 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
كسفتجة. قال شراحه: السفتجة بفتح السين المهملة وسكون الفاء وفتح الفوقية والجيم- لفظ أعجمي، أي فارسي معرب -: ورقة يكتبها مقترض ببلد كمصر لوكيله ببلد آخر كمكة ليقضي عنه بها ما اقترضه بمصر مثلاً فيمنع لانتفاع المقرض بدفع كلفة ما أقرضه عن نفسه من مصر إلى مكة وغرره براً وبحراً إلا أن يعم الخوف في البر والبحر فيجوز للضرورة. قال الدردير: كعموم الخوف على المالفي الطريق فيجوز أن يسلفه لمن علم أنه يسلم معه. قال الصاوي: بل يجب، لأن حفظ المال واجب بأي وجه تيسر حفظه به، وكذلك يجب دفعه إن قام دليل على نفع المقترض فقط كمحاقة، أو كان بيع المسوس الآن أحظ للمسلف - بالفتح - لغلائه ورخص الجديد في إبانه فيجوز، بل يجب لوجود المواساة حينئذ اهـ بتوضيح.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقرض انتقل يتكلم على أحكام الإجارة وما يتعلق بها، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 842
كتاب الإجارة
أي في بيان ما يتعلق بأحكامها، وحقيقتها، وأركانها، وشروطها، وموانعها، ومفسداتها.
الإجارة لغة هي مصدر سماعي لفعل أجر، وشرعاً: عقد يفيد تمليك منافع شيء مباح مدة معلومة بعوض غير ناشئ عن المنفعة، ومثلها الكراء، لأن الإجارة والكراء شيء واحد، وإنما اختلفا في التسمية عرفاً، فالإجارة هي التعاقد على منفعة الآدمي وبعض المنقولات كالأثاث، وفي بعضها تسمى بالكراء خاصة كمنفعة الحيوان وجميع الأشياء الثابتة كالدور والأراضي وغيرها فإن العقد على منافعها يسمى كراء على معنى الإجارة، وبالعكس عرفاً، ولذلك كانت الإجارة والكراء في معنى واحد اهـ ملخصاً من الفقه.
قال رحمه الله تعالى: " وهي عقد لازم على المنافع المباحة ولا تنفسخ بالموت، بل يقوم وارث كلٍّ مقامَه " وفي أقرب المسالك: الإجارة: عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض بما يدل أي على تمليك المنفعة. وفي الرسالة: والإجارة جائزة إذا ضربا لها أجلاً وسميا الثمن. قال شارحها: وما تقدم من أن الإجارة جائزة بيان لحكمها الأصلي. وقد تكون مكروهة مثل أن يؤجر نفسه للإمامة أو للحج أو غيرهما من أنواع الطاعات، أو لذمي لا يناله من ذلك مذلة. وقد تكون محرمة مثل أن يؤجر نفسه لذمي يناله بذلك مذلة أو يؤجر نفسه لمعروف بالغصب. وكذا كل إجارة يترتب عليها فعل محرم اهـ. قال ابن جزي: وأما المنفعة فيشترط فيها شرطان:
الأول: أن تكون معلومة إما بالزمان كالمياومة والمشاهرة وإما بغاية العمل كخياطة الثوب، ولا يجوز أن يجمع بينهما، لأنه قد يتم العمل قبل الأجل أو بعده، وإذا استأجره
стр. 843
على رعاية غنم بأعيانها لزمه رعاية الخلف عند ابن القاسم.
الثاني: أن تكون المنفعة مباحة لا محرمة ولا واجبة، أما المحرم فلا يجوز إجماعاً، وأما الواجب كالصلاة والصيام فلا تجوز الإجارة عليه، وتجوز الإجارة على الإمامة مع الأذان والقيام بالمسجد لا على الصلاة بانفرادها، ومنعها ابن حبيب متفرقة ومجتمعة، وأجازها ابن عبد الحكم مافرقة ومجتمعة اهـ. وقوله:
ولا تنفسخ بالموت إلخ، وهو كذلك إن كانت الإجازة مضمونة، وعبارة أبي محمد في الرسالة: ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن، ولا بموت غنم الرعاية، وليأت بمثلها. ومن اكترى كراء مضموناً فماتت الدابة فليأت بغيرها، وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء وليكتروا مكانه غيره اهـ. أما إذا كانت غير مضمونة بأن كانت معينة فإنها تنفسخ. وفي الرسالة أيضاً: ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي، وكذلك الأجير يموت والدار تهدم قبل تمام مدة الكراء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم تعيين المنفعة بالعمل كالخياطة والبناء والصياغة ونحو ذلك أو منتهى مسافة الركوب أو الحمولة أو ما يكتريها له، وتعيين المحمول مشاهدة أو قدراً " يعني كما في عبارة النفراوي أنه قال: واعلم أن الإجارة لا تصح إلا بشروط ثلاثة: أحدها أن يكون أجلها معلوماً بشهر أو سنة، أو تكون محدودة بعمل كخياطة ثوب أو كتابة كراس. وثانيها أن يكون الأجر معلوماً للمتعاقدين ولو بالعرف كأجرة الخياطة أو صبغ الثوب أو غيرهما مما لا تختلف أجرته عرفاً. وثالثها أن يكون العمل المستأجر عليه معلوماً للمتعاقدين، كما يشترط تعيين الذات المعقود عليها لتعليمها أو لركوبها. قال خليل: وعين متعلم ورضيع ودار وحانوت وبناء على جدار، ومحمل إن لم توصف، ودابة لركوب، وإن ضمنت فجنس ونوع وذكورة وأنوثة اهـ.
قال ابن جزي في القوانين: وأما الدواب فتكرى لأربعة أوجه: للركوب فيتعين
стр. 844
بالمسافة أو الزمان، ولا يجمع بينهما، ولا يشترط وصف الراكب خلافاً للشافعي، ويجب أن يركبه مثله لا أضر منه. وللحمل فيجب أن يصف ما يحمل عليها ويعين المسافة أو الزمان، فإن زاد في حملها وعطبت، فإن كان ما زاده مما يعطب بمثله فربها مخير بين أخذ قيمة كراء ما زاد عليها مع الكراء أو قيمة الدابة، وإن كانت الزيادة مما لا يعطب بمثله فله كراء الزيادة مع الكراء الأول ولا خيار له، ولهذا الحكم أشار رحمه الله تعالى بقوله: " وحمل الأضر، وارتكاب غير المماثل، وسلوك الأشق أو الأبعد اختياراً يوجب ضمانها إلا أن يختار أخذ الأجرة مع أجرة المثل للتفاوت، فإن سلمت فله أجرة المثل للتفاوت " هذا كما قال خليل: وضمن إن أكرى لغير أمين، أو عطبت بزيادة مسافة أو حمل تعطب به، وإلا فالكراء إلخ وهذا ظاهر كما بينه ابن جزي.
واعلم أنه لا يشترط تعيين الراكب عند العقد في الكراء بل يصح على حمل آدمي. قال خليل عاطفاً على الجائزات: وعلى حمل آدمي لم يره ولم يلزمه الفادح وهو العظيم الثقيل، ومثله المريض والمعروف بكثرة النوم أو بعقر الدواب، وإن لم
يكن ثقيلاً، والأنثى ليست من الفادح مطلقاً، فإن وقع العقد على حمل آدمي وأتاه بامرأة لزمه حملها حيث لم تكن ثقيلة بخلاف ما لو وقع العقد على حمل رجل فأتى له بامرأة فله الامتناع من حملها، بخلاف عكسه. قال النفراوي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وعلى الكري ما تفتقر الدابة إليه من آلة وإعانة المكتري في العكم والحطب والركوب، وتعيين مدة الخدمة والسكنى، ويجب بيان مبدئها، وتلزم الأجرة على جميعها، لا تعجيلها بل بحسب الاستيفاء أو العرف أو الشرط، أو كونها عرضاً معيناً، أو يفسد ببقائهأو بتراخي مبدأ المدة على العقد، وله الاستيفاء بنفسه أو بغيره، وإجارتها من مؤجرها وغيره " يعني أنه يجب على
стр. 845
الكري أن يأتي بما جرت العادة بإتيانه من الآلة التي لا بد منها في حالة السير كجمل. وتلزم المعاونة لكل بقدر الطاقة والعادة عند العقبات والمنازل، وعند الآكام والهبوط والركوب، ويجوز أن يتفقا على أن يكون طعام أحدهما على الآخر. قال خليل: وجاز على أن عليك علفها وطعام ربها، أو عليه طعامك، أو ليركبها في حوائجه. قال الخرشي: أي جاز كراء الدابة على أن عليك يا مكتري طعام رب الدابة، أو كراءها بدراهم، على أن على ربها طعام المكتري وإن لم توصف النفقة لأنه معروف اهـ. انظر المواق. قال ابن جزي في القوانين: ويجوز استئجار الأجير للخدمة والظهر بطعامه وكسوته على المتعارف. وقال أيضاً ولا يجب تقديم الأجرة بمجرد العقد، وإنما يستحب تقديم جزء من الأجرة باستيفاء ما يقابله من المنفعة إلا إن كان هناك شرط أو عادة، أو يقترن بالعقد ما يوجب التقديم، مثل أن تكون الأجرة عرضاً معيناً، أو طعاماً رطباً، وما أشبه ذلك، أو تكون الإجارة ثابتة في ذمة الأجير، فيجب تقديم الأجرة، لأنها بمنزلة رأس المال في السلم. قال الشافعي: تجب الأجرة بنفس العقد اهـ. قال العلامة الجزيري في الفقه على مذهب المالكية: يشترط في الأجر أن يدفع عاجلاً في مسائل بحيث لو أخر دفعه فيها لم يصح العقد:
المسألة الأولى: أن يكون الأجر شيئاً معيناً كما إذا استأجر أحد شخصاً لخدمته سنة في نظير جمل معين يعطيه إياه فإنه يجب أن يسلمه الجمل عاجلاً بحيث لا يجوز له أن يؤخره أكثر من ثلاثة أيام فإن أخره فسد العقد لأن في ذك غرراً، فإن الجمل قابل للتغيير، فيصح أن تكون قيمته الآن عشرة وأن خدمة الرجل تساويها، فإذا قبضه فقد أخذ قيمة أجره كاملة، أما إذا تأخر فإنه قد يهزل أو يعرض له عارض آخر تنخفض به قيمته وفي ذلك ضرر بالعامل، أو تعرض له زيادة وفي ذلك ضرر بصاحبه، فدفعاً لهذا الغرر يجب تقديم الأجرة ومثل ذلك كل سلعة معينة كهذا الثوب، فإنها قابلة للنقص والزيادة وفي ذلك غرر
стр. 846
يوجب النزاع، فمتى
كان الأجر معيناً فإنه يجب تعجيله حتى ولو كان العرف جارياً على التأجيل في مثله، فإذا كان العرف جارياً على التأجيل فإنه يجب اشتراط التعجيل وإلا فسد العقد. ثم قال:
المسألة الثانية: أن يكون الأجر غير معين كما إذا استأجره على أن يعطيه جملاً ما لا جملاً معيناً، أو ثوباً ما، مثاله: أن يقول شخص لآخر استأجرتك لتخدمني سنة وأعطيك جملاً أجرة لك في نظير خدمتي، وهذه الحالة تشتمل على ثلاث صور: الصورة الأولى أن يشترطا دفع الأجرة مقدماً، وحكمها أنه يجب الدفع عملاً بالشرط وإلا فسدت. الصورة الثانية لم يشترطا التعجيل ولكن العادة بين الناس في مثل ذلك التعجيل فيجب التعجيل عملاً بالعادة. الصورة الثالثة لم يقع شرط ولم تكن عادة وهذه تشتمل على صورتين: الصورة الأولى أن يكون عقد الإجارة على منفعة في الذمة لا على منفعة شيء معين، كأن يقول له: استأجرتك على أن تخيط هذا الثوب في ذمتك إن شئت فعلته بنفسك أو بغيرك، فإنه في هذه الحالة استأجره على أن يؤدي له منفعة مضمونة في ذمته. الصورة الثانية أن يستأجر منفعة شيء معين كأن يستأجر شخصاً لخدمته أو داراً لسكناه، ففي الصورة الأولى يجب تعجيل دفع الأجرة وإلا كان مقابلة دين بدين، لأن العامل في هذه الحالة مدين بالمنفعة والمستأجر مدين بالأجر، وهذا غير جائز. نعم إذا شرع العامل في العمل فإن تعجيل الأجر لا يجب، لأن الذي يصنعه العامل يكون مقبوضاً إنما يجب أن يشرع بدون تأخير، كأن يكون الليلة أو لغد وإلا فلا يصح، فإذا لم يكن الأجر معيناً ولم يشترط تعجيله، ولم يجر العرف بتعجيله، ولم تكن المنافع المعقود عليها في الذمة فإنه لا يجب التعجيل. وحكم هذه الحالة يختلف باختلاف حال عقد الإجارة، وذلك لأنك قد عرفت أن العقد إما أن يكون على منفعة آدمي، وهو ثلاثة أقسام: أجير وصانع وخادم، والفرق بين الأجير والصانع أن الأجير هو الذي يعمل بدون أن يكون شيء مما يعمل فيه في
стр. 847
حيازته كالبناء فإنه يبني وينصرف ويترك ما عمله تحت يد المستأجر، ومثله كل صانع يعمل فيما ليس في حيازته كالنجار الذي يصلح الأبواب أو الشبابيك. وأما الصانع فهو الذي يعمل فيما هو تحت يده كالخياط والحداد والصائغ. ثم الصانع ينقسم إلى قسمين: صانع فقط، وصانع بائع، فالصانع فقط هو الذي لا يعمل شيئاً سوى الصنعة بدون زيادة عليها من عنده، والصانع البائع هو الذي يزيد على الصنعة شيئاً كالصباغ فإنه يزيد الصبغة. وأما الخادم فهو الذي يستأجر لخدمة الغير. وإما أن يكون عقد الإجارة على منفعة دار أو عقار أو حيوان أو آنية، فإن كان على منفعة آدمي صانع أو أجير فحكمه أنه ليس لهما المطالبة
بأخذ الأجر إلا بعد الفراغ من عملهما، ما لم يكن هناك عرف يقضي بالتعجيل فإنهما يعاملان به، فإذا عمل النجار جزءاً من عمله مثلاً وأراد أخذ أجرته وامتنع المستأجر فليس له جبره على الدفع إلا بعد تمام العمل، إلا إذا كانت العادة تقديم الدفع فيعمل بها، فإذا أراد أن ينفصل عن العمل ولا يتمه فإن له أن يحاسب على ذلك الجزء الذي عمله. أما إذا كان العقد على منفعة دار أو عقار أو راحلة أو آدمي للخدمة أو آنية - كآنية الفراشين - فإنه يصح فيها الاتفاق على تقديم الأجرة. وتأخيرها يشترط ألا يتأخر الشروع في العمل أكثر من عشرة أيام، وإلا فلا يصح تعجيل الدفع، فإذا لم يحصل اتفاق تدفع الأجرة يوماً بيوم وبذلك نعرف أقسام الإجارة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز كل سنة بكذا، ولكل الترك، ويلزم من الأجر بحسابه " يعني كما في القوانين، وقال: وأما الرباع فتكون مياومة ومشاهرة ومسانهة إلى سنة أو سنين لا تتغير في مثلها. ويقع الكراء فيها على وجهين: أحدهما تعيين المدة فيلزمهما وليس لأحدهما حل الكراء إلا برضا الآخر. والثاني إبهام المدة، كقوله: أكري بكذا وكذا للشهر، فلكل واحد منهما حل الكراء متى شاء، ويؤدي من الكراء بحسب ما سكن، ومثل ذلك قال ابن الماجشون، إلا أنه قال يلزمهما الشهر
стр. 848
الأول، فإن انهدم جميعاً انتقض الكراء وإن انهدم بعضها لم يلزم ربها إصلاحها عند ابن القاسم خلافاً لغيره، ويجوز كراؤها من ذمي إذا لم يشترط فيها بيع الخمر والخنزير اهـ. قال الدردير عاطفاً على الجائزات: ومشاهرة ولا تلزمهما إلا بنقد أي من المكترى فقدره كالوجيبة بشهر كذا، أو هذا الشهر، أو شهراً، أو سنة، أو إلى كذا، فالمعنى أنه جاز الكراء مشاهرة وهو ما عبر فيه بلفظ كل، نحو كل يوم، أو كل جمعة أو كل شهر، أو كل سنة بكذا. ولا يلزمهما عقدها فلكطل منهما حله عن نفسه متى شاء ولا كلام للآخر، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو أحد أقوال ثلاثة، حاصلهما: أن القول الأول لا يلزم الكراء في الشهر الأول ولا فيما بعده، وللمكتري أن يخرج متى شاء، ويلزمه من الكراء بحساب ما سكن، وهذا القول هو الذي ذهب إليه كثير من أهل المذهب كالمصنف. والقول الثاني: يلزمهما المحقق الأقل كالشهر الأول لا ما بعده. والقول الثالث: يلزم الشهر إن سكن بعضه. قال الشيخ مياره، وبهذا الأخير جرى العمل عندنا أي بفارس وهذه الأقوال الثلاثة داخلة في الكراء مساناة اهـ. نقله الصاوي عن البناني.
قال رحمه الله تعالى: " وتمكن الاستيفاء يوجب الأجرة وإن لم يستوف حتى انقضت، إلا أن تكون مضمونة فعليه أجرة المثل للماضي والإجازة بحالها " يعني
إذا اكترى شيئاً معيناً كهذا البيت فلا يستحق الأجرة بمجرد العقد، بل بالتمكن من الاستيفاء في حصول المنفعة، وإذا تمكن من الاستيفاء ولم يستوف بنفسه ولا بغير حتى انقضت مدة الكراء فإن المكري يطالبه بدفع ما مضى من الكراء من وقت التمكن ولو لم يسكن إن كان داراً أو غيرها من المعينات، كهذه الدابة وهذه الأرض، أي أرض الزراعة مثلاً. وأما لو كان الكراء مضموناً فإنه يلزم المكتري دفع أجرة المثل للماضي من يوم التمكن للاستيفاء والإجارة بحالها كما هي، وإليه أشار خليل بقوله: ولزم الكراء بالتمكن وإن فسد لجائحة أو غرق بعد وقت الحرث أو عدمه بذراً، أو
стр. 849
سجنه، أو انهدمت شرفات البيت، أو سكن أجنبي بعضه، لا إن نقص من قيمة الكراء، وإن قل أو انهدم بيت فيها، أو سكنه مكريها، أو لم يأت بسلم للأعلى، أو عطش بعض الأرض، أو غرق فبحصته اهـ. قوله: لا إن نقص يريد إذا قام بذلك، فإن سكت وسكن ولم يقم به فلا شيء له قاله في المدونة.
وحاصل مذهب المدونة في ذلك أنه إذا انهدم شيء من الدار قليلاً كان أو كثيراً لم يجبر ربها على إصلاحه مطلقاً كما في التوضيح، ثم ينظر فيه، فإن كان فيه مضرة على الساكن فله الخيار بين أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج، فإن خرج ثم عمرها ربها لم يلزمه الرجوع إليها، وإن عمرها وهو فيها لزمه بقية الكراء، وإن سكن الدار مهدومة لزمه جميع الكراء، وإن كان لا ضرر على المكتري في السكنى فالكراء له لازم، وينظر إلى المتهدم فإن نقص من قيمة الكراء حط ذلك النقص إذا قام به المكتري ولم يصلحه رب الدار، فإن سكت وسكن فلا شيء له، وإن لم ينقص من قيمة الكراء شيئاً فلا كراء له والله أعلم اهـ. قاله الحطاب. قال ابن جزي: ويوجب الفسخ وجود عيب أو ذهاب محل المنفعة كانهدام الدار كلها أو غصبها، فإن انهدم بعضها لم ينفسخ الكراء ولم يجبر رب الدار على إصلاحها، وحط عن المكتري ما ينوب المنهدم عند ابن القاسم. وقال غيره: يجبر على إصلاحها ولا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين ولا بعذر طارئ على المكتري، مثل أن يكتري حانوتاً فيحرق متاعه أو يسرق، خلافاً لأبي حنيفة في المسألتين. وإن ظهر من مكتري الدار فسوق أو سرقة لم ينفسخ الكراء ولكن السلطان يكف أذاه، وإن رأى أن يخرجه أخرجه وأكراها عليه ويبيعها على مالكها إن ظهر ذلك منه ويعاقبه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وكري الحج إن أخلف اكترى الحاكم عليه، وإن أخلف المكتري اكتري مكانه والزيادة والنقص له وعليه، فإن فات الوقت
стр. 850
قبل الحكم انفسخت " يعني - كما في المدونة - أنه قال: أرأيت إن رفعت إلى السلطان أمري حين هرب المكري أيكترى لي عليه أم لا؟ قال نعم يكترى لك عليه،
وقلت: وكذلك لو ذهب المكتري فرفع الجمال ذلك إلى السلطان أيكري الإبل على المكتري إلى مكة كان الكراء أو غير ذلك؟ قال: نعم. وما ذكرت لك من الرفع إلى السلطان في الهرب وكراء السلطان عليهما فهو قول مالك. وقال قبل ذلك: كل كراء مضمون فإنه يلزم صاحبه الكراء وإن فر عنه المكري، وليس له على المكري إلا حمولته عليه والكراء لازم له إلا كراء الحاج وحده فإنه يفسخ عنه ويرد كراؤه إن كان قبضه، لأن الحج إذا ذهب إبانه فات اهـ. وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: من تكارى وشرط البلاغ ثم قصرت الدابة استكرى عليه بما قام، وإن لم يشترط البلاغ فمن حيث قصرت الدابة حسب لصاحبها بقدره اهـ المدونة.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتنفسخ بتعذر الاستيفاء كتلف العين، وامتناع المؤجر من التسليم، وموت الأجير والرضيع والعليل، وانسلاخ السن، وغرق أرض الزرع في إبانه، وانقطاع شربها، وتلف زرعها لفسادها " يعني تنفسخ الإجارة بالأشياء المذكورة، وتقدم ذكر بعضها عن قريب، وهي أنها تنفسخ بوجود العيب وذهاب محل المنفعة كانهدام الدار كلها وغصبها، وكذلك تنفسخ بتعذر الاستيفاء كامتناع الؤجر من تسليمها، وموت الأجير كما تقدم، وبموت الرضيع قبل تمام مدة الرضاع، ومثله موت العليل الذي استأجر الطبيب فمات قبل استعمال ذلك عليه قال الحطاب في المستثنيات التي تنفسخ الإجارة بها: والطبيب يوافق على معافاة العليل مدة فيموت قبلها اهـ. ومما تنفسخ به انسلاخ السن أو سكونه، قال خليل: وسن القلع فسكنت أي أن الإجارة تنفسخ بسكون ألم السن المستأجرعلى قلعها اهـ نقله المواق.
стр. 851
ومما تنفسخ به ما ذكره المصنف من تغريق الزرع وانقطاع الماء في إبانه. وكل ذلك مما تنفسخ به الإجارة.
قال الجريري: أما الأرض التي غمرها الماء فإن كان يمكن أن ينكشف عنها ولو نادراً فإنه يصح إجارتها من غير نقد، فإذا انكشف عنها الماء نقده إجارتها وإلا فلا، أما التي لا أمل في انكشاف الماء عنها فإن إجارتها لا تصح على أي حال، أي إن وقعت فسخ. وحاصل ما ذكره الجريري مما تنفسخ به الإجارة على المذهب أنه قال: ينفسخ عقد الإجارة بأمور: أحدها: أن تتلف العين المتعلقة بها المنفعة المطلوبة بحيث لا يمكن للمستأجر أن يستوفيها كما إذا استأجر سخص من آخر داراً فانهدمت، أو اكترى دابة فماتت فإن العقد في هذه الحالة ينفسخ، لأن المستأجر لا يمكنه أن يستوفي المنفعة التي عقد من أجلها. ثانيها: أن يستأجر شخص آخر على قلع ضرس فيسكن ألم الضرس قبل قلعه، أو على عملية جراحية فيزول الألم قبل عملها، فإنه في هذه الحالة ينفسخ العقد. أما إذا لم يسكن الألم
فإن المستأجر يلزمه دفع الأجرة وإن لم يعمل من غير أن يجبر على قلع ضرسه أو شق دمله مثلاً. ثالثها: أن تغصب الدار المستأجرة مثلاً أو تغصب منفعتها ولا يمكن تخليصها منه بالحاكم أو بشيء آخر. رابعها: أن يأمر الحاكم بإغلاق الدكاكين أو هدمها مثلاً فإن الإجارة تنفسخ بذلك. خامسها: تنفسخ إجارة المرضع بظهور حملها أو حصول مرض لها لا تقدر معه على إرضاع الطفل كما تقدم. سادسها: تنفسخ بمرض خادم عجز عن عمل ما استؤجر عليه، فإن عوفي بعد ذلك قبل انقضاء المدة فإن الإجارة تعود ويكمل باقي العمل، أما إذا استأجر دابة فمرضت ثم صحت أثناء المدة فإن الإجارة لا ترجع لما يلحق المستأجر من الضرر في السفر بالانتظار. سابعهما: تنفسخ الإجارة ببلوغ الصبي وهو رشيد. ويأتي تفصيله إن شاء الله. ثامنهما: ينفسخ عقد إجارة الوقف إذا مات
стр. 852
مستحقه الذي أجره قبل موته مدة قبل انقضاء تلك المدة، أما إذا مات المؤجر المالك أو المستأجر فإن العقد لا ينفسخ بموتهما ولا بموت أحدهما ويحل الوارث محلهما في استيفاء المنفعة، انظر بقية كلامه في الفقه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " لا بجائحة وعدم نباته " قال ابن جزي في القوانين: ولا يحط الكراء بما يصيب الزرع من جائحة غير القحط، ولا يجوز النقد إلا في الأرض المأمونة اهـ. يعني أن الإجارة والكراء لا ينفسخان بجائحة ولا بعدم إنبات البذر من الأرض، ونقل المواق عن سحنون أنه قال: الجائحة من المكتري، وقال ابن حبيب: في ذلك تفصيل. قال ابن يونس: ليس هذا كله بشيء لأن كل ما منع المكتري من السكنى من أمر غالب لا يستطيع دفعه من سلطان أو غاصب فهو بمنزلة ما لو منعه أمر من الله كانهدام الدار أو امتناع ماء السماء، حتى منعه حرث الأرض فلا كراء عليه في ذلك كله، لأنه لم يصل إلى ما اكترى. وقال أضبغ: من اكترى رحا سنة فأصاب أهل ذلك المكان فتنة جلوا بها من منازلهم وجلا معهم المكتري أو بقي آمناً إلا أنه لا يأتيه الطعام لجلاء الناس فهو كبطلان الرحا بنقص الماء أو كثرته، ويوضع عنه قدر المدة التي جلوا عنها، وكذلك الفنادق التي تكرى لأيام الموسم إذا أخطأها ذلك لفتنة نزلت أو غيرها، بخلاف الدار تكرى ثم ينجلون لفتنة وأقام المكتري آمناً، أو رحل للوحشة وهو آمن، فإن هذا لا يلزمه الكراء كله، ولو انجلى للخوف سقط عنه الكراء مدة الجلاء اهـ. وفي المدونة فيمن اكترى الأرض ومنعه عن الزرع مانع قال مالك: إذا اكتراها الرجل فجاءه من الماء ما يمنعه الزرع أنه لا كراء عليه فإن كان قد زرعها ثم جاءه الماء فغرق زرعه في أيام الحرث وهو لو أن الماء انكشف عن الأرض كان يقدر على الحرث، لأن
إبان الحرث لم يذهب، فمنعه الماء من أن يعيد زرعه فلا كراء عليه، وإن كان أصابها في زمان الحرث فهلك زرعه ثم انكشف الماء في إبان يدركه فيه
стр. 853
الحرث فالكراء له لازم لأنه يدرك أن يزرع، وليس هذا بمنزلة ما أصابها بعد ذهاب أيام الحرث، وذلك مثل الجراد والجليد والبرد، والكراء لازم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وفي انقضاء مدة الغرس يخير ربها بين خلعه وأخذه بقيمته مقلوعاً أو تركه بأجرتها " يعني أنه إذا انقضت مدة الغرس يخير رب الأرض بين أن يدفع لصاحب الغرس قيمة غرسه مقلوعاً أو يتركه ويأخذ كراء السنة، ومثله من استحق الأرض بعد الغرس أو البناء من ذي شبهة، قال في المدونة: من اكترى أرضاً سنين للبناء أو الغرس فبنى أو غرس ثم قام مستحق قبل تمام المدة فللمستحق أن يجيز كراء بقية المدة أو يفسخ، فإن أجاز فله حصة الكراء من يومئذ، ثم له بعد تمام المدة أن يدفع إلى المكتري قيمة البناء والغرس مقلوعاً، قال ابن المواز: بعد طرح أجر القلع، إذ على ذلك المكتري، وإن فسخ الكراء قبل تمام المدة لم يكن له قلع ذلك ولا أخذه بقيمته مقلوعاً، ولكن يقال له: ادفع قيمة البناء والغرس قائماً يريد على أن يقلع إلى وقته، فإن أبى قيل للمكتري: أعطه قيمة أرضه، فإن أبى كانا شريكين اهـ. نقله المواق، وفيها أيضاً: أرأيت إن استأجرت أرضاً سنين مسماة فغرست فيها شجراً فانقضت السنون وفيها شجري فاكتريتها كراء مستقبلاً سنين أيضاً أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: نعم لا بأس بذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز إجارة المشاع كبيعه " يعني أنه يجوز إجارة الشيء المشاع قبل القسم، قال في المدونة: سمعت مالكاً سئل عن رجل اكترى نصف دار مشاعاً غير مقسوم، قال لا بأس بذلك قلت: هل يجوز أن يكري نصف دار أو سدس دار مشاعاً غير مقسوم؟ قال: هو جائز. قال ابن القاسم: ولقد سألت مالكاً عن الرجلين يكتريان داراً فيريد أحدهما أن يكري نصيبه منها من رجل
стр. 854
من غير شريكه أترى لشريكه فيها شفعة؟ فقال: لا شفعة له، ولا يشبه هذا عندي البيع، فهذا من قول مالك يدلك على أن الكراء في نصف الدار إن كان غير مقسوم أنه جائز وكذلك بلغني عن مالك اهـ. وتقدم الكلام على جواز بيع المشاع في آخر الكلام على بيع الغائب عند قول المصنف: ويجوز بيع المشاع فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ضمان على رب السفينة والحمام إلا بالتعدي. وهل يلزم من أجرتها بحسب الماضي؟ قولان " يعني كما في الرسالة، ونصها: ولا ضمان على صاحب الحمام ولا ضمان على صاحب السفينة ولا كراء له إلا على البلاغ. قال شارحها: والمعنى أن حارس الحمام لا ضمان عليه في الثياب التي
تضيع، وكذا غير الثياب ولو أخذ على ذلك أجرة، لأنه أجير والأجير أمين. وظاهره أنه يستحق الأجرة ولو ضاعت الثياب. ومحل عدم الضمان إذا لم يحصل منه تفريط وإلا ضمن. ومثل حارس الحمام غيره من حراس البساتين وغيرها لا فرق بين كون المحروس طعاماً أو غيره، وسواء مما يغاب عليه أو غيره. وأيضاً إن محل عدم الضمان للثياب وغيرها إن لم يجعلها ربها رهناً تحت الأجرة، و \غلا ضمنها ضمان الرهان. وأما صاحب السفينة كذلك فإنه لا ضمان عليه أيضاً في جميع ما كان فيها من مثال أو نفس إذا غرقت بفعل سائغ فعله فيها من علاج أو موج أو ريح، وأما إن غرقت بفعل غير سائغ فإنه يضمن المال والدية في ماله على المذهب وقيل: الدية على عاقلته. وهذا كله حيث لم يقصد قتل الأنفس وإلا قتل بهم اهـ. بحذف واختصار كما يأتي عند قول المصنف: وإلقاء الأمتعة خوف الغرق. وعبارة الدردير في أقرب المسالك أنه قال: وهو أمين فلا ضمان عليه ولو شرط إثباته أو عثر بدهن أو غيره أو بآنية فانكسرت، أو انقطع الخيل ما لم يتعد أو يغر بفعل. حكارس ولو حمامياً وأجير لصانع، وسمسار خير، ونوتي غرقت سفينته بفعل سائغ وإلا ضمن، كراعٍ خالف مرعى شرط، أو أنزى بلا إذن اهـ. قوله: وهل يلزم من أجرتها إلخ قال ابن جزي:
стр. 855
وكراء السفن من الجعل فلا تلزم الأجرة إلا بالبلوغ خلافاً لابن نافع اهـ. وتقدم مثله في الرسالة قال الدردير فقرب المسالك: والأصح أن كراء السفن بالبلاغ إلا أن يتم العمل غيره فللأول بحسب كرائه يعني كما إذا كان كراء الأول عشرة وغرقت في نصف الطريق فاستأجر عليها بعشرين فليس للأول إلا خمسة اهـ بطرف من الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: " كتلف الدابة بالمتاع في بعض المسافة، ولا الراعي فيما تلف، أو ذبحه خوف موته، بخلاف أكله " يعني أنه لا ضمان على المكتري بتلف الدابة بما عليها من المتاع. وكذلك لا ضمان على الراعي بموت غنم الرعية على ما يأتي من التفصيل في ذلك. قال العلامة الشيخ أحمد النفراوي في الفواكه: تلخص مما ذكرناه في الكلام على الراعي وعلى المكتري التصديق في الهلاك أو الضياع بعد حلف المتهم دون غير ولا فرق بين كون الذات المكتراة مما يغاب عليها كالثوب والوعاء، أو لا يغاب عليها كالدابة. وأما لو ذبح واحد الذات التي تحت يده فتقدم أنه يصدق الراعي في ذبحه لخوف موت ما ذبحه، بخلاف المكتري لنحو ثور فإنه لا يصدق أنه ذبحه لخوف موته إلا بلطخ أو بينة. ومثله المستعير والمرتهن والشريك والمودع وإن كانوا يصدقون في دعوى التلف أو الضياع، ولعل الفرق بين هؤلاء وبين الراعي - مع كون الجميع مؤتمنين - تعذر
الإشهاد من الراعي غالباً بخلاف هؤلاء ف\غنهم لا مشقة عليهم في الإشهاد غالباً. وأحرى من هؤلاء في الضمان من مر على دابة شخص فذكاها وادعى أنه إنما فعل ذلك خوف موتها، أو سلخ دابة غيره وادعى أنه وجدها ميتة فلا يصدق إلا ببينة أو لطخ. وكل من ترك الذبح من هؤلاء حتى ماتت الدابة فلا ضمان عليه إلا إذا كان عنده من يشهد على ذبحهما خوف الموت، كما يضمن الراعي بترك ذكاتها وشهادة البينة عليه بتفريط اهـ.
قال العلامة الجزيري: الأصل فيمن استولى على شيء بإجارة أو كراء أن يكون أميناً
стр. 856
ولا ضمان على الأمين فيما يتلف أو يضيع منه، بشرط ألا يتعدى على ما بيده أو يهمل في صيانته، ويصدق في دعوى التلف أو الضياع سواء كان بيده من الأشياء التي لا يمكن إخفاؤها بسهولة كالجمال والبقر ونحوها. ويعبرون عنها بما لا يغاب عليه، أو كان من الأشياء التي يمكن إخفاؤها كالنقود والثياب ونحوها. ويعبرون عنها بما يغاب عليه. ويستثنى من هذه القاعدة أمران: أحدهما الأكرياء على حمل الطعام والشراب بخصوصه. ثانيهما: الصناع، فأما الأكرياء: كالحمالين أي الشيالين والعربجية ونحوهما فإنهم يضمنون ما تلف منهم أو ضاع من الطعام خاصة كالقمح والأرز والعسل والسمن والفواكه الرطبة والجافة وغير ذلك من كل ما يؤكل. وكذلك ما يشرب كالزجاجة التي فيها أشربة، وذلك لأن الطمع في مثل هذه الأشياء كثير، والأيدي تمتد إليها بسهولة، فمن اللمصلحة أن يضمنها الحمالون صيانة لأموال الناس، إنما يضمنون بشرطين: الأول أن يكون التلف أو الهلاك حاصلاً بسببهم كما إذا أهمل أحد في حفظها بأن ربطها بحبل واه فانقطع الحبل فانكسرت أو طرحها بعنف فسقطت فانكسرت أو نحو ذلك. وأما إذا حصل ذلك لأسباب قهرية كأن عثرت رجله أو رجل دابته فانكسر الإناء وتلف ما فيه من سمن أو عسل أو غيره فإنه لا يضمن، إلا إذا ساق دابته بشدة غير معتادة، أو سار سيراً سريعاً غير معتاد فإنه في هذه الحالة يكون متسبباً فعليه الضمان. الشرط الثاني ألا يكون صاحب الطعام المحمول معه، فمن أجر حمالاً ليحمل له فاكهة وصاحبه في سيره إلى منزله فتلفت الفاكهة من الحمال فإنه لا يكون مسؤولاً عنها في هذه الحالة، لأنه لم يسلمها للحمال ويتركه وشأنه، بل لازمه في سيرها وحفظها فلا ضمان على الحمال سواء كان حاملاً على سفينة أو دابة أة عربة، أو كان حاملاً بنفسه أي على رأسه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن استعان عبداً أو صبياً بغير إذن ضمنه، فإن سلم فلوليه أجرة مثله لا في غير متلف كمناولة ثوب ونحوه " بمعنى كما في المدونة،
стр. 857
ونصها: أرأيت لو أن صبياً أجر نفسه وهو صغير بغير إذن وليه أتجوز هذه الإجارة أم لا؟ قال: لا تجوز الإجارة له، فإن عمل فله ما سمي، إلا أن تكون إجارة مثله أكثر فيكون له إجارة مثله أي لوليه وكذلك العبد. قال: فإن عطب الصبي أو الغلام ماذا على المستأجر؟ قال: إذا استعملهما عملاً يعطبان فيه فهو ضامن لقيمة العبد يوم استعمله، أو الكراء، وسيد العبد مخير في ذلك إن شاء أخذ الكراء ولا شيء له من قيمة العبد، وإن شاء أخذ قيمة العبد بالغة ما بلغت ولا شيء له من الكراء. وأما في الصبي الحر فعلى المتكاري أجر ما عمل الصبي الأجر الذي سميا إلا أن يكون أجر مثله أكثر مما سميا، وتكون على عاقلته الدية، لأن الحر في هذا ليس بمنزلة العبد، لأن الحر لا تخير ورثته كما يخير سيد العبد، لأن العبد سلعة من السلع والحر ليس بسلعة من السلع، لأن الدية لازمة في الحر على كل حال، وهي السنة أن الدية لازمة.
قال مالك: ومن استعمل عبداً عملاً شديداً فيه غرر بغير إذن أهله فعمله فعليه فيه الضمان إن أصيب، وإن كان العبد قد أرسل في الإجارة وذلك أنه إنما أذن له من الإجارة فيما تجري فيه الأعمال وتؤمن فيه البلايا ولم يؤذن له في الإغرار كالبئر التي قتلت أهلها حمأة وأشباه ذلك، وإن خرج به سفراً بغير إذن سيده فهو ضامن له. وعن ربيعة أنه قال: يضمن العبد فيما استعين عليه من أمر ينبغي في مثله الإجارة فهو لما أصابه ضامن. وما كان من صبي أو عبد استعين بهما لا ينبغي فيه الإجارة، كالرجل يقول: ناولني نعلي، أو ناولني قدحاً أو كأشباه ذلك فليس في هذا عقل اهـ.
ثم ذكر الصناع فقال رحمه الله تعالى:
" ويضمن الصانع ما غاب عليه وإن عمل بغير أجر لا ما عمله بحضرة
стр. 858
ربه أو صدقه أو قامت به بينة ولا أجرة له، وأوجبها ابن المواز " يعني كما في الرسالة ونصها: والصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر اهـ. يعني أن الضمان لازم على الصناع سواء صنعوا بأجرة أو بغير أجرة، وسواء صنعوه في الحوانيت أو البيوت، تلف بصنعهم أو بغير صنعهم. قال النفراوي في الفواكه: ولضمان الصانع شروط منها أن ينصب نفسه للصنعة لعامة الناس، فلا ضمان على الصانع الخاص بجماعة. ومنها أن يغيب على الذات المصنوعة، لا إن صنعها ببيت ربها ولو بغير حضرته أو بحضرته ولو في محل الصانع فلا ضمان. ومنها أن يكون
المصنوع مما يغاب عليه بأن يكون ثوباً أو حلية، فلا ضمان على معلم الأطفال أو البيطار إذا ادعى الأول هروب الولد والثاني هروب أو تلف الدابة. ومنها ألا يكون في الصنعة تغرير وإلا فلا ضمان كنقش الفصوص، وثقب اللؤلؤ، وتقويم السيف، وحرق الخبز عند الفران، وتلف الثوب في قدر الصباغ وما أشبه ذلك، كالبيطار يطرح الدابة لكيها مثلاً فتموت، وكالخاتن لصبي يموت عند ختنه، والطبيب للمريض يموت تحت يده، والحاجم يستأجر لقلع الضرس فلا ضمان على واحد من هؤلاء لا في ماله ولا على عاقلته حيث لم يحصل تقصير ولا خطأ في الصنعة، فإن كان من أهل المعرفة ولكن أخطأ فخطؤه على العاقلة إن بلغت الجناية الثلث، وإلا كانت في ماله، كما لو لم يكن من أهل المعرفة وغر من نفسه فإن عليه الدية من ماله، والعقوبة من الإمام في بدنه. ومنها ألا تقوم بينة على ما ادعاه من تلف أو ضياع وإلا فلا ضمان، وتسقط الأجرة عن رب المصنوع حيث لم يحصل منه تفريط في حفظه. ومنها ألا يكون الصانع أحضره لربه مصنوعاً على الصفة المطلوبة ويتركه ربه اختياراً فيضيع وإلا فلا ضمان حيث كان إحضاره بعد دفع الأجرة، لأنه صار كالوديعة، بخلاف ما لو أحضره على غير الصفة أو دعاه لأخذه من غير إحضار، أو
стр. 859
أبقاه عنده حتى يقبض الأجرة ثم يدعي ضياعه بعد ذلك فإنه يضمنه اهـ باختصار وأما قوله ولا أجرة إلخ وهو كذلك على المشهور. وقيل: له أجرته وإليه ذهب محمد بن المواز القائل بوجوبها مع تلف المصنوع. وعبارة ابن جزي في موجبات الضمان أنه قال: (السابع) تضمين الصانع فيضمنون ما غابوا عليه سواء عملوه بأجرة أو بغير أجرة، ولا يضمنون ما لم يغيبوا عليه، ولا يضمن الصانع الخاص الذي لم ينصب نفسه للناس. وقال أبو حنيفة: لا يضمن من عمل بغير أجرة. وللشافعي في ضمان الصانع قولان، فإن قامت بينة على التلف سقط عنهم الضمان. واختلف هل تجب لهم أجرة إذا كان هلاكه بعد تمام العمل أم لا؟ قولان في المذهب. وكذلك يضمنون كل ما جاء على أيديهم من حرق أو كسر أو قطع إذا عمله في حانوته، إلا في الأعمال التي فيها تغرير كاحتراق الثوب في قدر الصانع، واحتراق الخبز في الفرن، وتقويم السيوف فلا ضمان عليهم فيها إلا أن يعلم أنهم تعدوا، ومثل ذلك الطبيب يسقي المريض أو يكويه فيموت، والبيطار يطرح الدابة فتموت، والحجام يختن الصبي أو يقلع الضرس فيموت صاحبه، فلا ضمان على هؤلاء لأنه مما فيه التغرير. وهذا إذا لم يخطئ في فعله فإن أخطأ فالدية على عاقلته وينظر فإن كان عارفاً فلا يعاقب على خطئه، وإن كان غير عارف وعرض نفسه فيؤدب بالضرب والسجن، ولا ضمان على صاحب السفينة والحمام بغير تقصير كما تقدم اهـ انظر القوانين لابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: " وإذا ادعى الإيداع والصانع والاستصناع أوالعمل بغيرأجرة، والصانع الأجرة؛ أو صفة والصانع غيرها، فالقول قول الصانع مع يمينه " يعني إذا اختلف الصانع ورب المتاع بأن قال: أودعته عندك فقال الصانع: بل للاستصناع فها هو مصنوع خالصاً كما أمرتني فالقول قول الصانع بيمينه، أو اختلفا في أصل الأجرة وعدمها فالقول قول الصانع بيمينه، أو اختلفا في صفة المصنوع
стр. 860
فالقول في جميع ذلك للصانع مع يمينه. قال في المدونة: أرأيت لو أن رجلاً دبغ جلداً لرجل، أو خاط ثوباً لرجل، أو صاغ حلياً لرجل، أو عمل قلنسوة لرجل، أو عمل بعض ما يعمل أهل الأسواق لرجل، فأتى رب الجلد والثوب والفضة والذهب وهذه الأشياء التي وصفت لك، فقالوا للعامل: إنما استودعناك هذه الأشياء ولم نستعملك، قال: القول قول العامل ولا يلتفت إلى قول أرباب تلك السلع في إنما استودعوها. وقال غيره العامل مدع، قلت: لابن القاسم: ولم جعل مالك القول قول الصانع؟ قال: لأنهم يأخذون ولا يشهدون، وهذا أمرهم فيما بينهم وبين الناس، فلو جاز هذا القول لهم لذهبوا بما يعملون له باطلاً فلا يكون القول قول رب المتاع. قال ابن القاسم: ولقد سألت مالكاً عما يدفع إلى الصناع ليعملوه فيقروا أنهم قد قبضوه وعملوه وردوه إلى أربابه بعد الفراغ منه والقبض له، قال مالك: إذا أقر أنه قد قبض المتاع فهو ضامن إلا أن يقيم البينة أنه قد رده. قال: ولو جاز هذا للصناع لذهبوا بمتاع الناس اهـ ونقل القاضي إبراهيم ابن فرحون عن مختصر الواضحة قال: وما أصاب الثياب عند القصار أو الصباغ أو الخياط من قرض الفأر أو لحس السوس فعرف ذلك وبين للناظر إليه فلا ضمان عليهم فيه، وإن ادعى صاحب الثياب أن الصانع أضاع الثوب وفرط حتى أصاب ذلك وزعم الصناع أنهم لم يفرطوا ولم يضيعوا فالقول قولهم، وعلى أصحاب الثياب البينة أنهم ضيعوا؛ لأن قرض الفأر أو لحس السوس أمر غالب، ولا يلزم أحداً دعوى التعدي إلا ببينة تشهد عليه. قال: فظل ابن القاسم يقول: القول قول أصحاب الثياب. وإن أشكل أنه قرض فأر فالصانع ضامن حتى تقوم البينة أنه قرض فأر أو لحس سوس وكله قول مالك اهـ تبصرة.
قال رحمه الله تعالى: " والأجرة كالثمن وتجوز عيناً ومنفعة، ويلزم بالفساد أجرة المثل " يعني أنه يشترط في الأجرة شروط كشروط الثمن؛ لأنها لا تصح إلا
стр. 861
بالطاهر المنتفع به المقدور على تسليمه المعلوم كما تقدم في البيع. ويجوز أن تكون عيناً ومنفعة، ثم إذا وقعت اإجارة أو الكراء فاسداً لزم الرجوع إلى أجرة المثل أو كراء المثل بعد الفسخ أو الفوات كالبيع. قال ابن جزي في القوانين:
المسألة السادسة إذا وقع الكراء والإجارة على وجه فاسد فسخ، فإن كانت المنفعة قد استوفيت رجع إلى كراء المثل أو أجرة المثل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز إجارة الخادم والظئر بطعام وكسوته ويلزم المشبه " يعني كما تقدم لابن جزي أنه قال: ويجوز استئجار الأجير للخدمة والظهر بطعامه وكسوته على المتعارف اهـ. قال مالك: لا بأس أن يؤاجر الحر العبد أجلاً معلوماً بطعام في الأجل أو بكسوته. وكذلك إن كان مع الكسوة أو الطعام دنانير أو دراهم أو عروض بعينها معجلة فلا بأس به، وإن كانت عروضاً مضمونة بغير عينها جاز تأخيرها إن ضربا لذلك أجلاً كأجل السلم اهـ نقله المواق. قال رحمه الله تعالى: " ويلزم من خدمة الطفل مقتضى العرف " يعني إذا عقد الإجارة لخدمة الطفل فإنما يعتبر في ذلك بالعرف، ومثل العرف الشرط وذلك كغسل خروقه وثيابه وبدنه ومسح قذراته وغير ذلك من قيام بشأنه كما تقدم ذلك في الحضانة.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز كراء الدابة إلى موضع معين على إن وجد حاجته دونها لزمه بحسابه " يعني كما قال الجزيري في فقه المذاهب: أنه يجوز أن يستأجر دابة أو داراً إلى مدة معينة بأجرة معلومة بشرط أنه إن استغنى عنها أثناء هذه المدة سلمها لصاحبها وحاسبه بقدر المدة التي سكن فيها إن كانت داراً أو المسافة التي قطعها بها إن كانت دابة، وهذا وإن كانت المنفعة التي باعها المالك مجهولة فيه لعدم بيان المدة إلا أن الجهالة فيها يسيرة، فإن المعتاد أن الذي يستأجر شيئاً من ذلك إنما يعمل حسابه فلا يستغني عنه غالباً، وإن استغنى عنه فإنما يستغني عنه في أخريات المدة فيغتفر تسهيلاً
стр. 862
للعامل، ولكن يشترط ألا يدفع المستأجر للمالك الأجرة؛ لأنه إن دفعها له يحتمل أن يرجع بعضها إن لم يستوف المدة، ويحتمل ألا يرجع إن استوفاها فيكون تارة أجرة وتارة سلفاً وهو ممنوع اهـ.
قال رر: " ولا يجوز كراء أرض الزرع بمطعوم ولا ببعض ما تنبته من المزروعات " أي لا يجوز بمعنى يمنع كراء الأرض بالمطعومات، ولا بما تنبته الأرض من المزروع إلا ما استثنى مما يطول مقامه فيها كالعود والصندل ونحوهما، كما في الزرقاني على الموطأ. قال خليل عاطفاً على الإجارة الفاسدة وكراء أرض بطعام أو بما تنبته، إلا كخشب. قال الدردير: أو لم تنبته كلبن وسمن وعسل. وكذلك الشاة المذبوحة والحيوان الذي لا يرى إلا للذبح كخصي المعز والسمك وطير الماء، وكذلك الحيوان الذي يراد للبن كل ذلك مما لا يجوز كراء الأرض به. بخلاف كرائها بالحيوان الذي يراد للقنية لغير اللبن فيجوز، كجوازها بالماء ولو ماء زمزم، ومثله كراؤها لغي الزراعة بطعام، وكذا يجوز بيعها ولو بطعام. قال الصاوي في البيوع.
تنبيه: يجوز بيع أرض الزراعة بالطعام لحماً أو غيره، لأن المنهي عنه إنما هو كراؤها به، أي وعلة المنع في كرائها بطعام أنه يؤدي إلى بيع الطعام بطعام إلى أجل وهو ممنوع اهـ مع طرف من الدردير.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز اشتراط ثمرة شجرة الدار بشرط كون قيمتها ثلث الأجرة فدونها " يعني كما في عبارة خليل: واغتفر ما في الأرض ما لم يزد على الثلث بالتقويم. قال المواق: المعنى أن من اكترى أرضاً أو داراً فيها شجر مثمر فاشتراط المكتري إدخال الشجر المذكور في عقد الكراء فإن ذلك جائز حيث كانت قيمته الثلث فأقل. قال ابن القاسم في المدونة: ومن اكترى داراً أو أرضاً فيها سدرة أو دالية، أو كان في الأرض نبت من نخل أو شجر ولا ثمرة فيها حينئذ أو فيها ثمرة لم تزه
стр. 863
فالثمرة للمكري. إلا أنه إن اشترط المكتري ثمرة ذلك فإن كانت تبعاً مثل الثلث فأقل فذلك جائز. ومعرفة ذلك أن يقوم كراء الأرض أو الدار بغير شرط الثمرة، فإن قيل: عشرة قيل: ما قيمة الثمرة فيما عرف مما تطعم كل عام بعد طرح قيمة المؤونة والعمل فيعلم الوسط من ذلك. فإن قيل خمسة فأقل جاز. قال أصبغ: وهذا إذا علم أن الثمرة تطيب قبل مدة الكراء وإلا لم يجز أن يعقداه اهـ ومثله في الخرشي بتوضيح.
قال رحمه الله تعالى: " ولا تجوز لمسلم إجازة نفسه أو عبده أو دابته أو داره في عمل معصية " يعني أنه لا يجوز لمسلم أن يؤجر نفسه أو عبده أو دابته أو داره فيما فيه معصية الله تعالى، فإن فعل شيئاً من ذلك فقد ظلم نفسه، وللحاكم الشرعي رده وأدبه في ذلك، كما ينبغي أن يؤدبه إذا أجر نفسه لكافر فيما لا يجوز له فعله كعمل خمر، أو رعي خنزير، أو كنس كنيسة ونحو ذلك مما لا يجوز لمسلم شرعاً، لخبر:: إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه " ولا خلاف أن الخمر والخنزير حرام. وأما لو أجر المسلم نفسه أو عبده أو داره أو دابته لكافر في عمل مما يجوز للمسلم عمله كبناء وخياطة بدون إهانة فإنه يجوز مع الكراهة. قال ابن جزي في القوانين: ويجوز كراؤها من ذمي إذا لم يشترط فيها بيع الخمر والخنزير اهـ. وقال خليل عاطفاً على المكروهات: وكراء كعبد أي مسلم لشخص كافر. قال الشارح: يعني أنه يكره للمسلم أن يؤجر نفسه أو ولده أو عبده المسلم أو دابته لكافر، ومحلها إذا كان للمسلم فعله لنفسه كعصر الخمر ورعي الخنازير وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز له أن يؤجر نفسه وما ذكر معه لكافر، فإن فعل فإن الإجارة ترد قبل العمل، فإن فاتت بالعمل فإن الأجرة تؤخذ من الكافر ويتصدق بها على الفقراء أدباً للمسلم، إلا أن يعذر لأجل جهل ونحوه فإنها لا تؤخذ منه اهـ الخرشي. وفي
الحطاب: واختلف هل يتصدق بالأجرة أم لا؟ قال ابن القاسم: التصدق بها أحب إلينا. قاله في التوضيح اهـ.
стр. 864
أحكام الجعل
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالإجارة انتقل يتكلم على الجعل وما يتعلق بأحكامه التي تختص به فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان ما يتعلق بأحكام الجعل وشروطه
أي في بيان أحكام الجعل بالجيم المثلث، أفرده المصنف عن الإجارة لاختصاصه ببعض الأحكام، وهو رخصة، قال رحمه الله تعالى: " الجعل جائز " الجعل لغة: هو ما جعل على العمل، أي المال المجعول. أما في العرف فهو التزام أهل الإجارة عوضاً علم، أي معلوماً لتحصيل أمر يستحقه السامع بالتمام، أي بإتمام العمل المطلوب، وبه تحصل ثمرته، قاله الدردير كما في المختصر، وحكمه الجواز.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بالشروع من جهة الجاعل " يعني يلزم الجاعل بالسروع ما التزمه من المال المجعول في طلب الضالة مثلاً قال رحمه الله تعالى: " ويجب تعيينه لا العمل ولا العامل " الضمير في تعيينه عائد إلى الجعل، فالمعنى أنه يجب على الجاعل أن يعين المال المجعول ولا يلزمه تعيين العمل أي تحديده بالزمان ولا تعيين العامل، ولا يشترط إيقاع العقد من الجانبين، بل يستحق العامل الجعل وإن لم يعاقد رب الشيء.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز إلى أجل " يعني كما قال في الرسالة: ولا يضرب
стр. 865
في الجعل أجل في رد آبق أو بغير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه، ولا شيء له إلا بتمام العمل اهـ. قال ابن جزي: إنما يجوز الجعل بثلاثة شروط: أحدها أن تكون الأجرة معلومة، الثاني: ألا يضرب للعمل أجل، الثالث: أن يكون يسيراً عند عبد الوهاب خلافاً لابن رشد اهـ. وما ذكروه من عدم ضرب الأجل في الجعل هو كذلك لأن الأجل يفسده، بخلاف الإجارة أنها لا تصح إلا به، فلو عين زمناً في الجعل لفسد، وذلك لأن العامل لا يستحق الجعل إلا بتمام العمل فقد
ينقضي الزمن قبل التمام فيذهب عمله باطلاً، أو يتم العمل قبل انقضائه فيأخذ ما لا يستحقه، لأنه يأخذ الجعل كاملاً لتمام العمل ويسقط عنه العمل في بقية الأجل، إلا أن يكون العامل شرط على الجاعل الترك متى شاء فإنه يجوز ضرب الأجل حينئذ: قال خليل بلا تقدير زمن إلا بشرط تركه متى شاء ففيه زيادة غرر مع أن الأصل فيها الغرر، وإنما أجيزت لإذن الشارع بها اهـ النفراوي بتوضيح من بعض تقريرات.
قال رحمه الله تعالى: " فمن قال من جاءني بضالتي فله كذا لزمه لمن جاء بها ولا شيء له إلا بتمام العمل " يعني أن من قال: من جاءني بضالتي فله عشرة دراهم مثلاً فجاءه بها رجل لزم الجاعل ما سمى. قال خليل: يستحقه السامع بالتمام. وقال ابن القاسم: ومن جعل في عبد له عشرة دنانير لمن جاء به، فجاء به من لم يسمع بالجعل فإن كان يأتي بالآبق فله جعل مثله وإلا فليس له نفقته، وإن جاء به من سمعه فله العشرة، وإن كان مما لا يأخذ الآبق. وقال ابن الماجشون وأصبغ: إن له الجعل المسمى وإن لم يعلم به، وحكاه ابن خبيب عن مالك. قال ابن رشد: وقول ابن القاسم أظهر لأن الجاعل إنما أراد بقوله تحريض من سمع قوله على طلبه، فوجب ألا يجب ما سمى من الجعل إلا لمن سمعه فطلبه بعد ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فلو قال لرجل إن جئتني بها فلك مائة ولآخر
стр. 866
فلك خمسون فجاءا بها، فقيل يقتسمان الأكثر بحسبهما. وقيل لكل نصف جعله " يعني كما في المختصر: وإن جاء به ذو درهم وذو أقل اشتركا فيه. قال شارحه: والمعنى أن رب الآبق إذا جعل لرجل يأتي بعبده الآبق درهماً ثم جعل لآخر نصف درهم على ذلك ثم أتيا به جميعاً فإنهما يشتركان في الدرهم فيأخذ الأول ثلثيه ويأخذ الثاني ثلثه لأن نسبة نصف الدرهم إلى الدرهم والنصف ثلث، ونسبة الدرهم لذلك ثلثان، هذا هو المشهور. قاله الخرشي. وفي المواق عن المدونة: قال مالك من جعل لرجلين في عبد آبق منه جعلين مختلفين لواحد إن أتى به عشرة وللآخر إن أتى به عشرة وللآخر إن أتى به خمسة فأتيا به فالعشرة بينهما على الثلث والثلثين. قال ابن يونس: لأن جعل أحدهما مثلاً جعل الآخر. وقال ابن نافع وابن عبد الحكم: لكل واحد منهما نصف ما جعل له اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن جاء بضالة ابتداء فله أجرة مثله " وعبارة الدردير في أقرب المسالك: ولمن لم يسمع جعل مثله إن اعتاده. فالمعنى أن من اعتاد جلب ما ضل إذا أتى بشيءمنها فله جعل مثله إذا لم يسمع ربها، فإن سمعه فله ما سمى، ولربه تركه للعامل الذي شأنه طلب الضوال إن لم يلتزم ربه له جعل المثل، فإن التزمه لزمه، ولا كلام للعامل حيث لم يسمع قول ربه، بخلاف ما إذا سمعه
سمى شيئاً ولو بواسطة فله ما سماه، ولو زاد على قيمة العبد مثلاً؛ لأن ربه ورطه أي أوقعه في التعب. وأما إن لم يكن معتاداً لطلب الضوال ولم يسمع قول ربه وجاء به فإنه في هذه الحالة لم يلزم ربه إلا نفقته فقط. قال الصاوي في حاشيته عليه: واختلف إذا التزم ربه جعلاً ولم يسمعه الآتي به فهل كذلك لربه تركه لمن جاء به عوضاً عما يستحقه، وهو ما قاله الأجهوري، ونازعه رأي الشيخ الرماصي في شرحه على خليل. قال: إن له في هذه الحالة جعل مثله إن اعتاد طلب الآباق وإلا فالنفقة، وليس لربه أن يتركه له في هذه الحالة كما يؤخذ من بن اهـ بحروفه.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز في الحصاد والجذاذ ونفض الزيتون بجزء معين
стр. 867
منه، لا ما يعلمه اليوم " يعني يجوز لرب الشجر أن يجعل للعامل جزءاً معيناً مما يحصده أو يجذه أو ينفضه في مقابلة عمله، لا ما يعمله في يومه للجهل بمقداره كما هو في المدونة، ونصها: أرأيت إن قلت لرجل احصد زرعي هذا، أو التقط زيتوني هذا، فما لقطت أو حصدت منه من شيء فلك نصفه، ففعل ذلك أيكون له أن يترك ذلك فلا يعمله في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: فإن قال له احصد زرعي هذا كله ولك نصفه فقال: نعم. قلت: فإن قال له احصد زرعي هذا كله ولك نصفه فقال نعم، أو التقط زيتوني هذا كله ولك نصفه فقال نعم، ثم بدا له بعد أن يتركه، أيكون ذلك له أم لا؟ قال: لا يكون له أن يتركه، وذلك لازم له، وكذلك قال لنا مالك. قلت: لم ألزمه مالك إذا قال له احصده كله ولك نصفه؟ فقال: لأنه يصير أجيراً له بنصف هذا الزرع لأنه لو باع نصف هذا الزرع كان جائزاً، فلما جعل له نصف جميع الزرع على حصاده جاز وصارت إجارة، قلت هذا خلاف ما قرره الجزيري من أنها إجارة فاسدة للعامل أجرة مثله كما يأتي. وأما إذا قال له: ما حصدت من شيء فلك نصفه فهذا جعل، وهو متى شاء خرج؛ لأنه لم يجب له شيء يعرفه. وسأل ابن القاسم مالكاً: لو قال له احصد لي اليوم أو التقط فما حصدت أو التقطت اليوم فلك نصفه، فقال مالك: لا خير فيه، فقلت: لم؟ قال من أجل أن الرجل لو قال للرجل: أبيعك ما ألقطه اليوم بكذا وكذا لم يكن في ذلك خير، فلما لم يجز بيعه لم يجز أن يستأجره به، ولا يجعله له جعلاً في عمل يعمله له في يوم، ولا يجوز في الجعل وقت موقت إلا أن يقول: متى ما شئت تركته فيكون ذلك جائزاً اهـ المدونة.
وحاصل ما فهم من النصوص أن بين الإجارة والجعالة خصوصاً وعموماً، وكل موضع جاز فيه الجعل تجوز فيه الإجارة، وليس موضع جازت فيه الإجارة يجوز فيه الجعل، كخياطة ثوب، فالإجارة أعم منه، والجعل أخص منها. وصور بعضهم ما يصح في الجعل ولا يصح في الإجارة، مثال ذلك - كما في الجزيري - تأجير العامل
الذي يجني
стр. 868
الزيتون أو النبق ونحوهما أو يعصره زيتاً بجزء مما يخرج منه، قال: فلو قلت لرجل: انفض لي هذه الشجرة ولك سدس ما ينزل منها أو ثمنه أو نحو ذلك فإنه لا يصح إجارة؛ لأن الشجر يختلف في ذلك فمنه ما يسقط من ثمرة بالهز كثير ومنه ما يسقط قليل، فيكون القدر الذي ينزل منه مجهولاً فلا تجوز الإجارة بالشيء المجهول، فهي إجارة فاسدة، فالعامل له أجرة مثله، ويكون ذلك صحيحاً إن كان جعلاً على ما قرروه في كتب المذهب اهـ الخرشي مع طرف من الجزيري في الفقه.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز على علاج المريض على البرء، والتعليم على الحذاق " ومما يجوز أن يكون إجارة وجعالة علاج المريض على البرء من الطبيب، وتعليم التلميذ القرآن على الحذاق أو على الحفظ. قال ابن جزي في القوانين: ويتردد بين الجعل والإجارة مشارطة الطبيب على برء المريض، والمعلم على تعليم القرآن اهـ. قال أبو محمد في الرسالة: ولا بأس بتعليم المعلم على الحذاق ومشارطة الطبيب على البرء قال شارحها: والمعنى أنه تجوز الإجارة على حفظ القرآن كله أو بعضه وهو المراد بالحذاق. ولا فرق بين الحفظ غيباً أو معرفة قراءته بالحاضركما يقع للأعاجم الذين يقرؤون في المصحف. قال خليل: وعلى تعليم قرآن مشاهرة أو على الحذاق. والدليل على جواز ذلك قوله ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى) وإجماع أهل المدينة على ذلك، ولذلك قال مالك ﵁: لم يبلغني أن أحداً كره تعليم القرآن والكتابة بأجرة. واحترز بالقرآن عن الفقه وغيره من العلوم كالنحو والأصول والفرائض؛ فإن الإجارة على تعليم ما ذكر مكروهة. وفرق أهل المذهب بين جوازها على القرآن وكراهتها على تعليم غيره بأن القرآن كله حق لا شك فيه بخلاف ما عداه مما هو ثابت بالاجتهاد فإن فيه الحق والباطل. وأيضاً أخذ الأجرة على تعليمه يؤدي إلى تقليل طالبه اهـ. النفراوي انظره.
стр. 869
قال رحمه الله تعالى: " واستخراج المياه بشرط معرفة العامل شدة الأرض وبعد الماء والله أعلم " ومما يجوز أن يكون عقده إجارة أو جعلاً استخراج المياه، جمع ماء بشرط معرفة العامل والجاعل شدة الأرض وليونتها ومعرفتهما قرب الماء وبعده عادة. قال العلامة أحمد زروق في شرحه على الرسالة: ويشترط في الجعل على حفر البئر ثلاثة: اختبار الأرض في لينها وقساوتها؛ ونص عليه في المدونة. واستواء الجاعل والمجعول في العلم بها والجهل، قال في العتبية: فلو كان أحدهما عالماً بها فقط منع، وكونها في غير أرض المجاعل لئلا ينتفع بما فعل عند العجز أو الفسخ اهـ.
واعلم أن العامل في حفر البئر يشرع في عمله، وتقدم أنه يضرب له أجل ولا يشترط فيه معرفة عدد القامة، بل لا يلزمه العمل بالشروع لما تقدم من أن العقد منحل من جهته بخلاف الجاعل بعد الشروع كما تقدم، ولا يستحق العامل الجعل إلا بعد تمام العمل كوصوله إلى الماء. قال الدردير عاطفاً من لا يستحق الأجرة إلا بتمام العمل: وحافر بئر لاستخراج الماء، أي فلا يستحق الحافر ما سماه الجاعل إلا بالتمام، أي إلا بإلحاق الماء إن كان في عمل البئر، هذا إن لم ينتفع الجاعل بما عمله العامل، فإن انتفع بما حفره فإنه يلزم الجاعل أن يدفع له بعض ما سمى بحسب العمل في ذلك والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على الجعل وما يتعلق به من الأحكام انتقل يتكلم على القراض وأحكامه وما عطف عليه. فقال رحمه الله تعالى:
стр. 870
كتاب القراض والشركة والمساقاة
يعني أن هذا الكتاب مشتمل على ثلاثة أحكام متفرقة، وهو القراض، والشركة والمساقاة، ولذا جعل لكل حكم منها فصلاً مستقلاً. وبدأ بالقراض اهتماماً به فقال رحمه الله تعالى:
" القراض تنمية العامل المال بالتجارة على جزء من الربح يتفقان عليه " يعني القراض، وهو لغة: لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح. قال ابن عرفة: هو تمكين مال لمن يتجر به من ربحه. وكان أهل العراق يسمون القراض مضاربة وحكم القراض الجواز؛ والمعنى أن القراض جائز إجماعاً لأجل تنمية المال بالتجارة بها من العامل على جزء من الربح الذي اتفق عليه رب المال والعامل من النصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك بعد إخراج رأس المال. وله أحكام وشروط ولوازم كما يأتي. قال في الرسالة: والقراض جائز بالدنانير والدراهم وقد أرخص فيه بنقار الذهب والفضة أي إذا كانوا يتعاملون بها. والنقار بكسر النون القطع الخالص من الذهب والفضة، ومثلها التبر والحلي، فإن حكم الجميع واحد في الجواز إن تعومل بها في بلد العمل ولم يكن فيها مسكوك، وأما لم يتعامل بها، أو وجد المسكوك فلا يجوز على المعتمد، أي لا يجوز ابتداء، فإن وقع يمضي بالعمل عند ابن القاسم، وعند أصبغ يمضي مطلقاً ولا يفسخ. والحاصل أن غير المضروب من تبر ونقار وحلي لا يجوز جعله رأس مال إلا بشرطين: التعامل به في بلد العمل، وعدم وجود المسكوك، وإن وقع شيء من ذلك رأس مال مع فقد الشرطين أو أحدهما مضى بالعمل، وقيل بمجرد تمام العقد اهـ النفراوي بحذف.
стр. 871
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بشغله المال، وهو أمين ما لم يتعد " يعني يلزم عامل القراض بشغله المال بأن تهيأ بشراء السلع بالمال، وهو أمين. قال الدردير: والعامل أمين، فالقول له في تلفه وخسره، ورده إن قبضه بلا بينة توثق، أو قال أخذت منك قراضاً، وقال رب المال بضاعة بأجر وعكسه، أو قال أنفقت
من غيره، وكذلك القول قوله في تنازعهما في جزء الربح إن أشبه، ولرب المال إن انفرد بأشبه، أو قال قرض أو وديعة فالقول له أي لرب المال إن أشبه.
قال رحمه الله تعالى: " والتلف والخسارة من ربه. واشتراطه على التعامل مفسد، كتأجيله، وقسره على ما لا يغلب وجوده وقراضه بعروض " يعني إن وقع التلف والخسارة في مال القراض. وذلك على رب المال. قال ابن جزي والخسران والضياع على رب المال دون العامل، إلا أن يكون منه تفريط اهـ. قال الدردير عاطفاً ما يشترط عليه ألا يفعله وإن فعل فعليه الضمان: وضمن إن خالف أي إن خالف ما اشترط جميع ما ذكر وتلف المال أو بعضه قال الصاوي: قوله المال أو بعضه أي زمن المخالفة، وأما لو اتجر أو اقتحم النهي وسلم ثم حصل تلف بعد ذلك من غير الأمر الذي خالف فيه فلا ضمان، وكذا لو خالف اضطراراً بأن مشى في الوادي الذي نهي عنه، أو سافر بالليل، أو في البحر اضطراراً لعدم المندوحة فلا ضمان ولو حصل تلف. وإذا تنازع العامل ورب المال في أن التلف وقع زمن المخالفة أو بعدها صدق العامل في دعواه بيمين اهـ. وأما قوله: وقراضه بعروض أي من مفسدات القراض جعل رأس المال عروضاً، قال في الرسالة: ولا يجوز بالعروض ويكون إن نزل أجيراً في بيعها وعلى قراض مثله اهـ. قال ابن جزي: إذا وقع القراض فاسداً فسخ فإن فات بالعمل أعطي العامل قراض المثل عند أشهب. وقيل أجرة المثل مطلقاً وفاقاً لهما أي للشافعي وأبي حنيفة وقال ابن القاسم أجرة المثل إلا في أربعة مواضع، وهي قراض بعرض، أو لأجل، أو بضمان، أو
стр. 872
بحظ مجهول اهـ. وحاصل المعنى أنه إن وقع عقد القراض بعرض فإنه يكون فاسداً يجب فسخه فإن لم نطلع عليه حتى باع العامل العرض فإنه يجب فسخه وله أجرة مثله في تولية البيع، وأما لو لم نطلع عليه حتى أتجر بثمن العرض فإنه يستحق في تولية بيع العرض أجرة مثله، وله قراض مثله في الاتجار بالثمن فيجمع بين الأمرين، هذا إذا دخلا على أن رأس المال هو الثمن الذي باع به العرض. فإن قال له: خذ هذا العرض اجعله رأس مال أو قيمته الآن أو يوم المفاصلة فإنه يكون كأجير في بيعها، ويعطى أجرة مثله في الاتجار بالثمن. والفرق بين قراض المثل وأجرة المثل أن قراض المثل في الربح فإن لم يحصل ربح لا شيء له، وأجرة المثل في الذمة فتلزم رب المال ولو لم يحصل ربح. قاله تلنفراوي اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يسافر، ولا يشارك، ولا يقارض، ولا يقارض، ولا يبيع بدين إلا بإذنه، فإن قارض فلربه بشرطه وحصته بينه وبين عامله، وله في السفر نفقة مثله " يعني أنه لا يسافر بمال القراض إلا بإذن رب المال، وكذل لا
يشارك العامل في مال القراض غيره ولو عاملاً آخر، وكذلك لا يدفع مال القراض لغيره قراضاً بغير إذن رب المال، فإن فعل شيئاً من ذلك بغير إذن ضمن إن تلف المال لتفريطه. قال الدردير: لأن ربه لم يستأمن غيره فيه. قال الصاوي في حاشيته عليه: أي فقد عرضه للضياع، ومحل الضمان إذا غاب شريكه العامل الذي شاركه بلا إذن على شيء من المال وحصل خسر أو تلف، وسواء كان الشريك صاحب مال أو عاملاً، وأما إن لم يغب على شيء لم يضمن إذا تلف كما قاله ابن القاسم، واعتمده أبو الحسن. وقوله فإن قارض إلخ قال الصاوي أيضاً: حاصله أن عامل القراض إذا دفع المال لعامل لآخر قراضاً بغير إذن رب المال فإن حصل تلف أو خسر فالضمان من العامل الأول، وإن حصل ربح فلا شيء للعامل الأول منه، وإنما الربح للعامل الثاني ورب المال، ثم إن دخل العامل الثاني مع الأول على مثل ما دخل عليه الأول مع رب المال فظاهر، وإن دخل معه على أكثر مما دخل عليه فإن
стр. 873
العامل الأول يغرم للثاني الزيادة، وإن دخل معه على أقل فالزائد لرب المال لا للعامل الأول، فإن لم يحصل للعامل الثاني ربح فلا شيء له، ولا يلزم العامل الأول لذلك الثاني شيء كما هو القاعدة أن العامل لا شيء له إذا لم يربح المال اهـ. قوله وله في السفر نفقة مثله. قال في الرسالة: وللعامل كسوته وطعامه إذا سافر في المال الذي له بال، وإنما يكتسي في السفر البعيد. قال خليل: واكتسى إن بعد، ولا بد من مراعاة الشروط في الإنفاق في السفر، وكونه للتجر فقط لا لأهل ولا لحج أو غزو أو قربة، واحتمال المال وكونه بالمعروف اهـ شارحها باختصار.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وإذا طالبه بالتنضيض لزمه " يعني أن رب المال إذا طالب العامل بالتنضيض لزمه ذلك. قال في الرسالة: ولا يقتسمان الربح حتى ينض رأس المال أو يتراضيا على قسمة، فإن طلب أحدهما نضوضه نظر أهل البصيرة في ذلك. قال خليل: وإن استنضه فالحاكم ينظر في ذلك من تعجيل أو تأخير، فما كان صواباً فعله. وتجوز قسمة العروض إذا تراضوا عليها، وتكون بيعاً، وإنما لم تجز قسمة قبل نضوضه إلا برضاهما؛ لأنه إذا قسم قد تهلك السلع أو تتحول أسواقها فينقص رأس المال، فيحصل الضرر لرب المال بعدم جبر رأس المال بالربح اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ينفسخ بموت أحدهما، ويلزم ورثة العامل التنضيض إن ائتمنتهم أو أتوا بأمين، وإلا سلموا المال " قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فاشترى به سلعة ثم
باع السلعة بدين فربح في المال، ثم هلك الذي أخذ المال قبل أن يقبض المال، قال إن أراد ورثته أن يقبضوا ذلك المال وهم على شرط أبيهم من الربح فذلك لهم إذا كانوا أمناء على ذلك، وإن كرهوا أن يقتضوه وخلوا بين صاحب المال وبينه لم يكلفوا أن يقتضوه ولا شيء عليهم، ولا شيء لهم إذا أسلموه إلى رب المال، فإن اقتضوه فلهم فيه الشرط والنفقة مثل
стр. 874
ما كان لأبيهم في ذلك، وهم فيه بمنزلة أبيهم، فإن لم يكونوا أمناء على ذلك فإن لهم أن يأتوا بأمين ثقة فيقتضي ذلك المال، فإذا اقتضى جميع المال وجميع الربح كانوا في ذلك بمنزلة أبيهم اهـ. وعبارة النفراوي على الرسالة أنه قال: إذا مات العامل قبل نضوض المال فلوارثه الأمين إتمام العمل ولو كان أقل أمانة من مورثه، ويستحق الجزء، وإن لم يكن أميناً فله الإتيان بأمين كمورثه فيها وإلا سلم المال لربه هدراً. وظاهر كلام أهل المذهب أنه لا شيءلوارث العامل حينئذ ولو اتخذ رب المال من يتمم العمل، فليس كالجعل في هذه، ولعل الفرق أن الشارع لما مكن الوارث من الإتيان بأمين بغيره فهو مغلوب فجعل له نسبة الثاني، واستحسن شيوخنا هذا الفرق اهـ. قال ابن جزي في القوانين: الفرع الثالث: لا ينفسخ القراض بموت أحد المتقارضين ولورثة العامل القيام به إن كانوا أمناء أو يأتوا بأمين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتجبر وضيعته من ربحه ثانية، فإن تفاضلا عليها ثم عمل فرأس المال ما بقي، وإن اقتسما ربحا قبل تنضيضه ثم حدثت وضيعة جبراها منه " يعني إن حصلت الوضيعة في مال القراض وهي بيد العامل وإن قبل العمل يجب جبرها من الربح بعدها. والوضيعة بوزن النقيصة لفظاً ومعنى. فالمعنى إن نقص شيئاً من رأس المال وجب جبره بما حصل بعد ذلك من الربح. قال النفراوي في الفواكه: إذا حصل في رأس مال القراض خسر وحمل فيه بعد ذلك ربح فإنه يجب الخسر بالربح، ولو شرط العامل على رب المال خلاف ذلك ما دام المال تحت يد العامل، لا إن قبضه ربه بعد الخسر ورده للعامل بعد ذلك فإنه يصير قراضاً مؤتنفاً اهـ. وإلى ما تقدم أشار خليل بقوله: وجبر خسره وما تلف وإن قبل عمله إلا أن يقبض، أي إلا أن يقبض رب المال ماله من يد العامل ثم يرده له فيربح فيه فلا يجبر ربحه خسر الأول ولا تلفه؛ لأن هذا قراض
стр. 875
مؤتنف، وكذلك إن قسما الربح بعد النضوض والانفصال ثم ردها للعامل فإنه لا تجبر وضيعة الأول بربح الثاني؛ لأنه قد حصل القبض والانفصال فصار هذا قراضاً مؤتنفاً، بخلاف ما إذا لم ينفصلا ولو قسما الربح فتجبر بما يحصل من الربح ثانية.
قال مالك في المدونة: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده أو خسره أو أخذه لص أو العاشر ظلماً لم يضمنه العامل، إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما ربح فيه أصل المال، فما بقي بعد تمام رأس المال كان بينهما على ما شرطا، ولو كان العاقل قد قال لرب المال لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال ففعل وأسقط الخسارة فهو أبداً على القراض الأول، وإن حاسبه وأحضره ما لم يقبضه منه ثم يرده منه على باب الصحة والبراءة اهـ. نقله المواق. قال مالك في الموطأ في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فعما فيه فربح، ثم اشترى من ربح المال أو من جملته جارية فوطئها فحملت، ثم نقص المال، قال مالك: إن كان له مال أخذت قيمة الجارية من ماله فيجبر به المال، فإن كان فضل بعد وفاء المال فهو بينهما على القراض الأول، وإن لم يكن له وفاء بيعت الجارية ختى يجبر المال من ثمنها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولكل اشتراط جميع الربح لنفسه " يعني كما قال خليل عاطفاً على ما يجوز: والربح لأحدهما أو لغيرهما. قال الباجي: يجوز شرط كل الربح لأحدهما في مشهور مذهب مالك، أو لغيرهما من المدونة. قال ابن القاسم: إذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين جاز ذلك، ولا أحب لهما أن يرجعا فيه، ولا يقضي بذلك عليهما اهـ نقله المواق. وعبارة الخرشي: يعني أنه يجوز اشتراط ربح القراض كله لرب المال أو للعامل أو لغيرهما لأنه من باب التبرع، وإطلاق القراض عليه حينئذ مجاز كما مر في تعريف ابن عرفه للقراض، ويلزمهما الوفاء بذلك إن كان المشترط عليه معيناً. وقيل ويقضي به إن امتنع الملتزم منهما، فإن لم يقبل المعين فإن كان هناك
стр. 876
عرف بقدر ما للعامل من الربح في مثل ذلك القراض عمل به، وإلا فهل يقسم الربح بينهما بالتساوي، أو يكون كقراض وقع بجزء مبهم. وأما إن كان لغير معين كالفقراء فإنه يجب من غير قضاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بفساده قراض المثل. وقيل أجرة المثل " تقدم بيان هذه الجملة عند قوله: " وقراضه بعروض " فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " والربح تابع للأصل في الزكاة، ولكل اشتراط زكاة الربح على الآخر للأصل، فإن لم يكن العامل أهلاً سقطت عن حصته، وأوجبها عبد الملك تبعاً " قال ابن جزي في القوانين: واختلف في اشتراط أحدهما على الآخر زكاة نصيبه من الربح اهـ. قال خليل عاطفاً على ما يجوز: وزكاته على أحدهما. قال الخرشي: الضمير في زكاته يرجع للربح، والمعنى أن زكاة ربح المال يجوز اشتراطهما على
العامل أو على رب المال على المشهور، وأما رأس المال فلا يجوز اشتراط زكاته على العامل اتفاقاً اهـ بحذف. ونقل المواق عن ابن رشد ما نصه: لا يجوز اشتراط زكاة رأس المال على العامل، ويجوز أن يشترطها العامل على رب المال لأنها واجبة عليه. واختلف إذا اشترط أحد المتقارضين زكاة ربح المال على صاحبه على أربعة أقوال: أحدها أن ذلك جائز لكل واحد منهما على صاحبه، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وروايته عن مالك. لأنه لا يرجع إلى جزء مسمى، فإن اشترطت الزكاة على العامل صار عمله على أربعة أعشار الربح وثلاثة أرباع عشره، وإن اشترطت الزكاة على رب المال صار عمله على نصف الربح كاملاً اهـ. قوله فإن لم يكن العامل أهلاً سقطت، يعني كأن كان العامل رقيقاً أو مديناً ليس عنده وفاء، أو كان كافراً فهؤلاء تسقط عن حصة واحد منهم لعدم الأهلية، وأوجبها عبد الملك تبعاً للأصل اهـ.
تنبيه: ليس لعامل هبة لغير ثواب في مال القراض ولا تولية، بأن يعطي السلعة
стр. 877
لغيره بمثل ما اشتراها، هذه إذا لم يخف رخصها وإلا جاز. وقال في القوانين: لا يجوز أن يهدي رب المال إلى العامل ولا العامل إلى رب المال؛ لأنه يؤدي إلى سلف جر منفعة اهـ.
أحكام الشركة
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقراض وأحكامه انتقل يتكلم على الشركة وما يتعلق بأحكامها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق بالشركة وشروطها
أي في بيان ما يتعلق بالشركة، وهي لغة الاختلاط، وعرفاً عقد مالكي مالين فأكثر على التجر فيهما معاً، أو على عمل والربح بينهما بما يدل عرفاً، أي على ما يدل على الإذن والرضا من جانبين فيما جرى به العرف. قال رحمه الله تعالى: " تجوز الشركة بالنقد والعروض، ويجعل رأس المال قيمتها " يعني أن الشركة جائزة بالنقود والعروض. قال ابن جزي في القوانين: وهي على ثلاثة أنواع: الأولى شركة الأموال فتجوز في الدنانير والدراهم، واختلف في جعل أحدهما دنانير والآخر دراهم، فمنعه ابن القاسم لأنه شركة وصرف، وتجوز في العروض بالقيمة، واختلف في جوازها بالطعام، وعلى القول بالجواز يشترط اتفاق الطعامين في الجودة. والشركة في الأموال على نوعين: شركة عنان وشركة مفاوضة. فشركة
العنان أن يجعل كل واحد من الشريكين مالاً ثم يخلطاه أو يجعلاه في صندوق واحد ويتجرا به معاً ولا يستبد أحدهما بالتصرف دون الآخر. والنوع الثاني شركة المفاوضة وهي أن يفوض كل واحد منهما التصرف للآخر في حضوره وغيبته،
стр. 878
ويلزمه كل ما يعلمه شريكه. ومنع الشافعي شركة المفاوضة واشترط أبو حنيفة فيها تساوي رؤوس الأموال. ويجب في شركة الأموال في المذهب أن يكون الربح بينهما على حسب نصيب كل واحد منهما من المال، ولا يجوز أن يشترط أحدهما من الربح أكثر من نصيبه من المال، وما فعله أحد الشريكين من معروف فهو في نصيبه خاصة إلا أن يكون مما ترجى به منفعة في التجارة كضيافة التجار وشبه ذلك. وإلى ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ويشترط خلطهما حقيقة أو حكماً وهي عنان. وهي ألا ينفرد أحدهما بالتصرف، ومفاوضة وهي أن يمضي تصرف كل صاحبه، والربح والخسران والعمل توابع، فإن زاد أحدهما في العمل فله أجرة مثله إلا أن يتبرع " يعني كما قال الجزيري في الفقه ونصه: وأما شركة العنان فهي أن يشتركا على ألا يتصرف أحدهماإلا بإذن صاحبه فإن كل واحد منهما آخذ بعنان صاحبه يمنعه إذا أراد، حتى لو تصرف أحدهما بدون إذن الآخر كان له رده. وإذا اشترطا أن يكون لأحدهما التصرف المطلق دون الآخر فقيل إنها تكون عناناً في المقيد ومفاوضة في المطلق. وقيل تفسد وهو الظاهر.
فأما شركة المفاوضة فهي اشتراك اثنين فأكثر في الاتجار بمالين على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بقدر رأس ماله بدون تفاوت، وأن يطلق كل من الشركاء حرية التصرف للآخر في البيع والشراء والكراء والاكتراء، وأن يشتري ويبيع في غيبته وفي حضوره سواء اتفقا على أن يتجرا في نوع واحد كالقمح أو الشعير أو في جميع الأنواع. وبعض أئمتنا في المذهب يقول إنها إذا كانت في نوع واحد تكون عناناً لا مفاوضة؛ لأن شركة المفاوضة يجب أن تكون عامة في كل الأنواع، ولا تفسد شركة العنان بانفراد أحد الشريكين بمال غير مال الشركة، فيصح أن تكون عامة في كل الأنواع، ولا تفسد شركة العنان بانفراد أحد الشريكين بمال غير مال الشركة، فيصح أن تكون الشركة على ألف لكل منهما خمسمائة وعلى أحدهما زيادة على الخمسمائة اهـ بالتقديم.
стр. 879
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز بالأبدان بشرط اتحاد الصنعة والمكان، لا مال وبدن " يعني أن الشركة تجوز بالأبدان بشرط أن تتحد الصنعة والمكان. ولا يجوز أن تكون بمال من جانب وبدن أي عمل من جانب آخر. قال في المدونة: لا تجوز الشركة إلا بالأموال. أو على عمل الأبدان إذا كانت الصنعة واحدة. وفيها أيضاً عن ربيعة في رجلين اشتركا في بيع بنقد أحدهما، قال ربيعة: لا يصلح هذا. وقال الليث مثله لما فيه من الغرر اهـ بتوضيح.
قال رحمه الله تعالى: " وما يفتقران إليه من آلة فبينهما " قال الجزيري: وإذا كان لكل منهما آلة للبرادة أو الحدادة أو النجارة فإنه لا يجوز أن يعمل بها قبل أن يشتري كل منهما نصفه بنصف الآخر حتى يكون لكل منهما نصف إحداهما ملكاً أصلياً والنصف الآخر بالشراء. وقيل يجوز. والأول هو المعتمد اهـ. قال خليل: وفي جواز إخراج كل آلة واستئجاره من الآخر، أو لا بد من ملك أو كراء تأويلان اهـ. وقد علمت المعتمد منهما فتأمل. وعبارة الجزيري في فقه المذاهب أنه قال: أما شركة العمل وهي المعروفة بشركة الأبدان فهي أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا معاً ويقتسمان أجرة عملهما بنسبة العمل بشرط أن تكون الصنعة متحدة كحدادين أو نجارين أو خياطين أو نساجين، فلا يصح حداد ونجار، ولا اشتراك صائغ ونساج. نعم يصح اشتراك صانعين تتوقف صنعة أحدهما على صنعة الآخر، كأن يشترك الذي يغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ مع صاحبه الذي حمله ويمسك له ونحو ذلك. وأن يتساويا في العمل بأن يأخذ كل واحد بقدر عمله من الغلة، ويصح أن يزيد أحدهما على الآخر شيئاً يتعارفه الناس ويحصل التعاون بينهما ولو كانا بمحلين مختلفين كدكانين متقاربين اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وشركة الذمم باطلة " يعني هذه هي الشركة الثالثة المتقدم ذكرها كما في القوانين لابن جزي، نصه: وأما شركة الوجوه فهي أن يشتركا
стр. 880
على غير مال ولا عمل، وهي الشركة على الذمم، بحيث إذا اشتريا شيئاً كان في ذمتهما، وإذا باعاه اقتسما ربحه، وهي غير جائزة خلافاً لأبي حنيفة.
تلخيص: أجاز مالك شركة العنان والمفاوضة والأبدان، ومنع شركة الوجوه، وأجاز أبو حنيفة الأربعة وأجاز الشافعي العنان خاصة اهـ.
ثم انتقل يتكلم على الشركة في الزرع لأنها من جملة شركة الأبدان فقال رحمه الله تعالى: " وتجوز الشركة في الزرع بشرط التساوي في البذر والعمل والمؤونة والأرض كانت ملكاً أو مكتراة أو حبساً، فلو كانت لأحدهما وللآخر البذر للزم ربه نصف أجرتها وربها نصف المكيلة، فإن انفرد بالعمل فالزرع له، وعليه مكيلة البذر، وبالعكس " يعني كما في الرسالة: والشركة في الزرع جائزة إذا كانت الزريعة منهما جميعاً والربح بينهما، كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر، أو العمل بينهما واكتريا الأرض، أو كانت بينهما، أما إن كان البذر من عند أحدهما ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه أو عليهما والربح بينهما لم يجز. ولو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك اهـ. قال شارحها: تلخص مما تقدم أن شرط صحة الشركة في الزرع السلامة
من كراء الأرض بممنوع، أو يتساويا في الخارج والمخرج، وليس المراد بالتساوي المناصفة. ويجوز أن يتبرع أحدهما لصاحبه بعد العقد اللازم بشيء من العمل أو غيره. ومن الشروط اللازمة أن يخلطا البذر ولو حكماً بأن يخرج كل واحد البذر من عنده ولم يخلطاه حتى يصلا إلى الفدان، ويبذر كل واحد بذره بحيث لا يتميز عن بذر صاحبه، فإن تميز بأن بذر كل في ناحية فلا تصح، ولكل ما نبته حبه. وقيل لا يشترط خلط البذر، وعليه اتفق الإمام وابن القاسم. ومن الشروط أن تقع بلفظ الشركة، لا إن وقعت بلفظ الإجارة أو طلاق اهـ النفراوي بحذف. قوله فلو كانت لأحدهما إلخ. قال خليل: وإن فسدت وتكافآ عملاً
следующие страницы →