← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عرف بقدر ما للعامل من الربح في مثل ذلك القراض عمل به، وإلا فهل يقسم الربح بينهما بالتساوي، أو يكون كقراض وقع بجزء مبهم. وأما إن كان لغير معين كالفقراء فإنه يجب من غير قضاء اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بفساده قراض المثل. وقيل أجرة المثل " تقدم بيان هذه الجملة عند قوله: " وقراضه بعروض " فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " والربح تابع للأصل في الزكاة، ولكل اشتراط زكاة الربح على الآخر للأصل، فإن لم يكن العامل أهلاً سقطت عن حصته، وأوجبها عبد الملك تبعاً " قال ابن جزي في القوانين: واختلف في اشتراط أحدهما على الآخر زكاة نصيبه من الربح اهـ. قال خليل عاطفاً على ما يجوز: وزكاته على أحدهما. قال الخرشي: الضمير في زكاته يرجع للربح، والمعنى أن زكاة ربح المال يجوز اشتراطهما على العامل أو على رب المال على المشهور، وأما رأس المال فلا يجوز اشتراط زكاته على العامل اتفاقاً اهـ بحذف. ونقل المواق عن ابن رشد ما نصه: لا يجوز اشتراط زكاة رأس المال على العامل، ويجوز أن يشترطها العامل على رب المال لأنها واجبة عليه. واختلف إذا اشترط أحد المتقارضين زكاة ربح المال على صاحبه على أربعة أقوال: أحدها أن ذلك جائز لكل واحد منهما على صاحبه، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وروايته عن مالك. لأنه لا يرجع إلى جزء مسمى، فإن اشترطت الزكاة على العامل صار عمله على أربعة أعشار الربح وثلاثة أرباع عشره، وإن اشترطت الزكاة على رب المال صار عمله على نصف الربح كاملاً اهـ. قوله فإن لم يكن العامل أهلاً سقطت، يعني كأن كان العامل رقيقاً أو مديناً ليس عنده وفاء، أو كان كافراً فهؤلاء تسقط عن حصة واحد منهم لعدم الأهلية، وأوجبها عبد الملك تبعاً للأصل اهـ. تنبيه: ليس لعامل هبة لغير ثواب في مال القراض ولا تولية، بأن يعطي السلعة

стр. 877

لغيره بمثل ما اشتراها، هذه إذا لم يخف رخصها وإلا جاز. وقال في القوانين: لا يجوز أن يهدي رب المال إلى العامل ولا العامل إلى رب المال؛ لأنه يؤدي إلى سلف جر منفعة اهـ. أحكام الشركة ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقراض وأحكامه انتقل يتكلم على الشركة وما يتعلق بأحكامها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ فيما يتعلق بالشركة وشروطها أي في بيان ما يتعلق بالشركة، وهي لغة الاختلاط، وعرفاً عقد مالكي مالين فأكثر على التجر فيهما معاً، أو على عمل والربح بينهما بما يدل عرفاً، أي على ما يدل على الإذن والرضا من جانبين فيما جرى به العرف. قال رحمه الله تعالى: " تجوز الشركة بالنقد والعروض، ويجعل رأس المال قيمتها " يعني أن الشركة جائزة بالنقود والعروض. قال ابن جزي في القوانين: وهي على ثلاثة أنواع: الأولى شركة الأموال فتجوز في الدنانير والدراهم، واختلف في جعل أحدهما دنانير والآخر دراهم، فمنعه ابن القاسم لأنه شركة وصرف، وتجوز في العروض بالقيمة، واختلف في جوازها بالطعام، وعلى القول بالجواز يشترط اتفاق الطعامين في الجودة. والشركة في الأموال على نوعين: شركة عنان وشركة مفاوضة. فشركة العنان أن يجعل كل واحد من الشريكين مالاً ثم يخلطاه أو يجعلاه في صندوق واحد ويتجرا به معاً ولا يستبد أحدهما بالتصرف دون الآخر. والنوع الثاني شركة المفاوضة وهي أن يفوض كل واحد منهما التصرف للآخر في حضوره وغيبته،

стр. 878

ويلزمه كل ما يعلمه شريكه. ومنع الشافعي شركة المفاوضة واشترط أبو حنيفة فيها تساوي رؤوس الأموال. ويجب في شركة الأموال في المذهب أن يكون الربح بينهما على حسب نصيب كل واحد منهما من المال، ولا يجوز أن يشترط أحدهما من الربح أكثر من نصيبه من المال، وما فعله أحد الشريكين من معروف فهو في نصيبه خاصة إلا أن يكون مما ترجى به منفعة في التجارة كضيافة التجار وشبه ذلك. وإلى ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ويشترط خلطهما حقيقة أو حكماً وهي عنان. وهي ألا ينفرد أحدهما بالتصرف، ومفاوضة وهي أن يمضي تصرف كل صاحبه، والربح والخسران والعمل توابع، فإن زاد أحدهما في العمل فله أجرة مثله إلا أن يتبرع " يعني كما قال الجزيري في الفقه ونصه: وأما شركة العنان فهي أن يشتركا على ألا يتصرف أحدهماإلا بإذن صاحبه فإن كل واحد منهما آخذ بعنان صاحبه يمنعه إذا أراد، حتى لو تصرف أحدهما بدون إذن الآخر كان له رده. وإذا اشترطا أن يكون لأحدهما التصرف المطلق دون الآخر فقيل إنها تكون عناناً في المقيد ومفاوضة في المطلق. وقيل تفسد وهو الظاهر. فأما شركة المفاوضة فهي اشتراك اثنين فأكثر في الاتجار بمالين على أن يكون لكل منهما نصيب في الربح بقدر رأس ماله بدون تفاوت، وأن يطلق كل من الشركاء حرية التصرف للآخر في البيع والشراء والكراء والاكتراء، وأن يشتري ويبيع في غيبته وفي حضوره سواء اتفقا على أن يتجرا في نوع واحد كالقمح أو الشعير أو في جميع الأنواع. وبعض أئمتنا في المذهب يقول إنها إذا كانت في نوع واحد تكون عناناً لا مفاوضة؛ لأن شركة المفاوضة يجب أن تكون عامة في كل الأنواع، ولا تفسد شركة العنان بانفراد أحد الشريكين بمال غير مال الشركة، فيصح أن تكون عامة في كل الأنواع، ولا تفسد شركة العنان بانفراد أحد الشريكين بمال غير مال الشركة، فيصح أن تكون الشركة على ألف لكل منهما خمسمائة وعلى أحدهما زيادة على الخمسمائة اهـ بالتقديم.

стр. 879

قال رحمه الله تعالى: " وتجوز بالأبدان بشرط اتحاد الصنعة والمكان، لا مال وبدن " يعني أن الشركة تجوز بالأبدان بشرط أن تتحد الصنعة والمكان. ولا يجوز أن تكون بمال من جانب وبدن أي عمل من جانب آخر. قال في المدونة: لا تجوز الشركة إلا بالأموال. أو على عمل الأبدان إذا كانت الصنعة واحدة. وفيها أيضاً عن ربيعة في رجلين اشتركا في بيع بنقد أحدهما، قال ربيعة: لا يصلح هذا. وقال الليث مثله لما فيه من الغرر اهـ بتوضيح. قال رحمه الله تعالى: " وما يفتقران إليه من آلة فبينهما " قال الجزيري: وإذا كان لكل منهما آلة للبرادة أو الحدادة أو النجارة فإنه لا يجوز أن يعمل بها قبل أن يشتري كل منهما نصفه بنصف الآخر حتى يكون لكل منهما نصف إحداهما ملكاً أصلياً والنصف الآخر بالشراء. وقيل يجوز. والأول هو المعتمد اهـ. قال خليل: وفي جواز إخراج كل آلة واستئجاره من الآخر، أو لا بد من ملك أو كراء تأويلان اهـ. وقد علمت المعتمد منهما فتأمل. وعبارة الجزيري في فقه المذاهب أنه قال: أما شركة العمل وهي المعروفة بشركة الأبدان فهي أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا معاً ويقتسمان أجرة عملهما بنسبة العمل بشرط أن تكون الصنعة متحدة كحدادين أو نجارين أو خياطين أو نساجين، فلا يصح حداد ونجار، ولا اشتراك صائغ ونساج. نعم يصح اشتراك صانعين تتوقف صنعة أحدهما على صنعة الآخر، كأن يشترك الذي يغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ مع صاحبه الذي حمله ويمسك له ونحو ذلك. وأن يتساويا في العمل بأن يأخذ كل واحد بقدر عمله من الغلة، ويصح أن يزيد أحدهما على الآخر شيئاً يتعارفه الناس ويحصل التعاون بينهما ولو كانا بمحلين مختلفين كدكانين متقاربين اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وشركة الذمم باطلة " يعني هذه هي الشركة الثالثة المتقدم ذكرها كما في القوانين لابن جزي، نصه: وأما شركة الوجوه فهي أن يشتركا

стр. 880

على غير مال ولا عمل، وهي الشركة على الذمم، بحيث إذا اشتريا شيئاً كان في ذمتهما، وإذا باعاه اقتسما ربحه، وهي غير جائزة خلافاً لأبي حنيفة. تلخيص: أجاز مالك شركة العنان والمفاوضة والأبدان، ومنع شركة الوجوه، وأجاز أبو حنيفة الأربعة وأجاز الشافعي العنان خاصة اهـ. ثم انتقل يتكلم على الشركة في الزرع لأنها من جملة شركة الأبدان فقال رحمه الله تعالى: " وتجوز الشركة في الزرع بشرط التساوي في البذر والعمل والمؤونة والأرض كانت ملكاً أو مكتراة أو حبساً، فلو كانت لأحدهما وللآخر البذر للزم ربه نصف أجرتها وربها نصف المكيلة، فإن انفرد بالعمل فالزرع له، وعليه مكيلة البذر، وبالعكس " يعني كما في الرسالة: والشركة في الزرع جائزة إذا كانت الزريعة منهما جميعاً والربح بينهما، كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر، أو العمل بينهما واكتريا الأرض، أو كانت بينهما، أما إن كان البذر من عند أحدهما ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه أو عليهما والربح بينهما لم يجز. ولو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك اهـ. قال شارحها: تلخص مما تقدم أن شرط صحة الشركة في الزرع السلامة من كراء الأرض بممنوع، أو يتساويا في الخارج والمخرج، وليس المراد بالتساوي المناصفة. ويجوز أن يتبرع أحدهما لصاحبه بعد العقد اللازم بشيء من العمل أو غيره. ومن الشروط اللازمة أن يخلطا البذر ولو حكماً بأن يخرج كل واحد البذر من عنده ولم يخلطاه حتى يصلا إلى الفدان، ويبذر كل واحد بذره بحيث لا يتميز عن بذر صاحبه، فإن تميز بأن بذر كل في ناحية فلا تصح، ولكل ما نبته حبه. وقيل لا يشترط خلط البذر، وعليه اتفق الإمام وابن القاسم. ومن الشروط أن تقع بلفظ الشركة، لا إن وقعت بلفظ الإجارة أو طلاق اهـ النفراوي بحذف. قوله فلو كانت لأحدهما إلخ. قال خليل: وإن فسدت وتكافآ عملاً

стр. 881

فبينهما وترادا غيره، أي غير العمل، كما لو كانت الأرض من أحدهما والبذر من الآخر فيرجع صاحب البذر على صاحب الأرض بمثل نصف بذره، ويرجع صاحب الأرض على صاحب البذر بأجرة نصف أرضه. ولا خفاء في فساد هذه الصورة لمقابلة الأرض البذر كما في الخرشي. والمراد بالتكافؤ في العمل وقوعه من كل منهما وإن لم يتساويا في قدره، وإنما يكون الزرع بينهما إذا انضم لعمل يد كل منهما غيره من أرض أو بذر أو عمل بقر أو بعض ذلك، وأما لو وقع من أحد الشريكين فقط فالزرع كله له لأنه نشأ عن عمله وعليه للآخر أجرة الأرض. فشرط اختصاص المنفرد بالعمل بالزرع أن يكون له مع عمله إما بذر أو أرض، أو تكون الأرض والبذر منهما والعمل من واحد، ولا بد أيضاً أن ينضم إلى عمل يده آلة من بقر أو محراث وإلا فليس له إلا أجرة مثله اهـ النفراوي. قال الخرشي: هذه المسألة تعرف بمسألة الخماس، وصورتها أن يخرج أحدهما البذر والأرض والبقر وعلى الآخر عمل يده فقط وله من الزرع جزء كربع أو غيره من الأجزاء. وحاصل القول فيها أنه إن عقدها بلفظ الشركة جازت اتفاقاً، وإن عقدها بلفظ الإجارة لم تجز لأنها إجارة بجزء مجهول، وإن عرى عن ذلك بأن أطلقا القول عند العقد فحملها ابن القاسم على الإجارة فمنعها، وحملها سحنون على الشركة فأجازها. والمشهور الأول اهـ انظره وتأمل. قال رحمه الله تعالى: " ومن احتمل السيل بذره إلى أرض غيره فالزرع له ولا غرم عليه وقيل لربه وعليه أجرة الأرض " يعني من ألقى بذره في الأرض فجاء السيل فحمل البذر وذهب به إلى أرض غيره ونبت هناك فالزرع لصاحب الأرض ولا غرم عليه من قيمة البذر. وقيل فالزرع لرب البذر وعليه دفع أجرة الأرض لصاحبها، ولم أقف على نص لهذه المسألة بعد البحث ومن وجد فيها نصاً فليعلقه هنا لنفع المسلمين. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

стр. 882

أحكام المساقاة ولما أنهى الكلام على الشركة وما يتعلق بها انتقل يتكلم على المساقاة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في المساقاة وأحكامها أي في بيان ما يتعلق بالمساقاة. وهي عقد بين اثنين على القيام بمؤونة شجر أو نبات بجزء من غلته بصيغة نحو ساقيت، أو لفظ عاملت وهي مستثناه مما نهي عنه وحكمها الجواز. قال رحمه الله تعالى: " تجوز المساقاة على أصول الثمرة ولو قبل ظهورها إلا بعد بدو الصلاح " يعني أن المساقاة جائزة على أصول الأشجار الثابتة. قال ابن جزي: تجوز في الأصول الثابتة كالكرم والنخل والتفاح والرمان وغير ذلك بشرطين: الأول أن تعقد المساقاة قبل بدو صلاح الثمرة والثاني أن تعقد إلى أجل معلوم. وتجوز في الأصول غير الثابتة كالمقاثي والزروع بأربعة شروط: الشرطان المذكوران، والثالث أن تنعقد بعد ظهوره من الأرض، والرابع أن يعجز عنه ربه اهـ. قال في الرسالة: والمساقاة جائزة في الأصول على ما تراضيا عليه من الأجزاء. والعمل كله على المساقي، ولا يشترط عليه عملاً غير عمل المساقاة، ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من شد الحظيرة وإصلاح الضفيرة وهي مجتمع الماء، من غير أن ينشئ بناءها، والتذكير على العامل، وإصلاح مسقط الماء من الغرب وتنقية مناقع الشجر، وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل. ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب، وما مات منها فعلى ربه خلفه ونفقة الدواب والأجزاء على العامل، وعليه ذريعة البياض اليسير، ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل وهو أحله، وإن كان البياض كثيراً لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل اهـ.

стр. 883

قال رحمه الله تعالى: " وعلى الزروع والبقول بعد ظهورها " يعني ويشترط في جواز المساقاة على الزروع والبقول أن تكون بعد ظهورها من الأرض لا قبل ذلك كما تقدم بيان ذلك لابن جزي. قال مالك في الموطأ: والمساقاة أيضاً تجوز في الزرع إذا خرج واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه. فالمساقاة في ذلك جائزة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي أن يعمل العامل على جزء من الثمرة، وعليه السقي والإبار والجذاذ، وقطع الجريدة، ونفقة العمال، وعلوفة الدواب، وإصلاح القف ومناقع الشجر " والقف ما ارتفع وغلظ من الأرض وهو دون الجبل، والجمع قفاف كما في المصباح. وينبغي أن يراد به هنا القفة التي تصنع بالخوص كالزنبيل الذي يطرح به القمامة، وأما القف الذي بمعنى ما ارتفع من الأرض فإصلاحه من الأعمال التي لا يشترط على العامل، فتأمل. وقوله ومناقع الشجر، وفي نسخة ومنافع الشجر بالفاء وهي ثابتة في جميع النسخ التي بأيدينا، لكن الأصح أنها بالقاف كما في الرسالة. قال زروق في شرحه على الرسالة: ومنقع الماء مجتمعه في أصول الشجر. وقال النفراوي في الفواكه: والمناقع جمع منقع بفتح القاف: موضع يستنقع فيه الماء. والمراد كنس أماكن الماء الكائن في أصول الشجر بأن يحفر حول الشجر ليحبس فيه الماء اهـ. وحاصل ما في المقام كما قال مالك في الموطأ: والسنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو فرسك أو ما أشبه ذلك من الأصول، جائز لا بأس به على أن لرب المال نصف الثمر من ذلك أو ثلثه أو ربعه أو أكثر من ذلك أو أقل. وقال قبل هذا أيضاً: والسنة في المساقاة التي يجوز لرب الحائط أن يشترطها على

стр. 884

المساقي شد الحظار، وخم العين، وسرو الشرب، وإبار النخل، وقطع الجريد، وجذ الثمر، هذا وأشباهه على أن للمساقي شطر الثمر أو أقل من ذلك أو أكثر إذا تراضيا عليه، غير أن صاحب الأصل لا يشترط ابتداء عملاً جديداً يحدثه العامل فيها من بئر يحتفرها، أو عين يرفع رأسها، أو غراس يغرسه فيهايأتي بأصل ذلك من عنده، أو ضفيرة يبنيها تعظم فيها نفقته، وإنما ذلك بمنزلة أن يقول رب الحائط لرجل من الناس ابنِ لي ها هنا بيتاً أو احفر لي بئراً، أو أجر لي عيناً أو اعمل لي عملاً بنصف ثمر حائطي هذا قبل أن يطيب ثمر الحائط ويحل بيعه، فهذا بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " لا بناء حائط، وحفر بئر، وغرس شجر، وخلف دابة " يعني لا يلزم على العامل بناء الحائط ولا حفر البئر ولا غرس الشجر، ولا خلف الدابة إذا ماتت، ومثل الدابة الرقيق. قال مالك في الموطأ: ومن مات من الرقيق أو غاب أو مرض فعلى رب المال أن يخلفه اهـ. قال ابن جزي: المسألة الثالثة: العمل في الحائط على ثلاثة أقسام: أحدها ما لا يتعلق بالثمرة فلا يلزم العامل بالعقد، ولا يجوز أن يشترط عليه. الثاني: ما يتعلق بالثمرة ويبقى بعدها كإنشاء حفر بئر أو عين أو ساقية أو بناء بيت يخزن فيه التمر أو غرس فلا يلزمه أيضاً، ولا يجوز أن يشترط عليه. الثالث: ما يتعلق بالثمرة ولا يبقى فهو عليه بالعقد كالحفر والزبر والتقليم والسقي والتذكير والجذاذ وشبه ذلك. وأما سد الحظار وهو تحصين الجدار وإصلاح الضفير وهو مجرى الماء إلى الصهريج فلا يلزمه، ويجوز اشتراطها عليه لأنه يسير، وعليه جمع المؤن من الآلات والأجزاء والدواب ونفقتهم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتجوز سنين، وتنتهي السنة بالجذاذ، ولا تنفسخ

стр. 885

بالموت " يعني أن المساقاة جائزة في مدة السنين بشرط أن تكون المدة معلومة، وأن لا تكثر جداً. قال مالك في الموطأ: والأمر عندنا في النخل أيضاً أنها للساقي السنين الثلاث والأربع وأقل من ذلك وأكثر. قال: وذلك الذي سمعت، وكل شيء مثل ذلك من الأصول بمنزلة النخل ويجوز فيه لمن ساقى من السنين مثل ما يجوز في النخل اهـ. وقال في المدونة: وإنما المساقاة إلى الجذاذ، والمعنى - والله أعلم - أن المساقاة تجوز سنين، وتنتهي السنة بالجذاذ. وإذا تم الجذاذ بعد السنة وقبل انقضاء المساقاة أنها لم تنفسخ ما لم تكثر المدة جداً فتنفسخ للغرر كما هو مفهوم من المدونة. قال ابن القاسم: لا تنقض المساقاة بموت واحد منهما. قال وهو قول مالك اهـ. المدونة، أي لا تنفسخ بموت أحد العاقدين، بل قام مقام الميت كل من ورثته كما في القراض. قال رحمه الله تعالى: " والبياض لربه وللعامل اشتراطه إن كان أجرته مثل ثلث الثمرة فدونه ولربه أن يشترط من زرعه جزءاً موافقاً لحصته من الثمرةو الله أعلم " يعني كما تقدم نص عليه صاحب الرسالة بقوله: وعليه زريعة البياض اليسير إلخ. قال ابن جزي: المسألة الخامسة إن كان مع الشجر أرض بيضاء فإن كان البياض أكثر من الثلث لم يجز أن يدخل في المساقاة ولا أن يلغى للعامل، بل يبقى لربه، وإن كان أقل جاز أن يلغى للعامل وأن يدخل في المساقاة. وأجاز ابن حنبل دخوله في المساقاة مطلقاً اهـ. قال مالك: إذا كان البياض تبعاً للأصل وكان الأصل أعظم ذلك أو أكثره فلا بأس بمساقاته، وذلك أن تكون النخل الثلثين أو أكثر ويكون البياض الثلث أو أقل من ذلك. وذلك أن البياض حينئذ تبع للأصل. وإذا كانت الأرض البيضاء فيها نخل أو كرم أو ما يشبه ذلك من الأصول فكان الأصل الثلث أو أقل والبياض الثلثين

стр. 886

أو أكثر جاز في ذلك الكراء وحرمت فيه المساقاة، وذلك أن من أمر الناس أن يساقوا الأصل وفيه البياض، وتكرى الأرض وفيها الشيء اليسير من الأصل اهـ. انظر نظائره في الموطأ. تتمة: إذا وقعت المساقاة فاسدة وجب فسخها قبل العمل مطلقاً وإن لم نطلع على فسادها إلا بعد الشروع في العمل فيفسخ أيضاً في باقي المدة إن كان الواجب أجرة المثل وذلك فيما إذا كان الفساد بسبب زيادة عين أو عرض لأحدهما على الآخر. وأما لو كان الواجب فيها مساقاة المثل فتمضي بالشروع في العمل، وذلك فيما إذا كان فسادها لحصول غرر أو نحوه من كل ما يفسدها ولا يخرجها عن المساقاة كمساقاة حائط حل بيعه ما لم يحل بيعه، أو حائط بلغ أو أن الإثمار مع ما لم يبلغا ولا تبعية في الصورتين اهـ. النفراوي. ومثله لابن جزي. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالمساقاة انتقل يتكلم على الرهن والوكالة وما يتعلق بهما. فقال رحمه الله تعالى:

стр. 887

كتاب الرهن والوكالة أي هذا الكتاب مشتمل على أحكام الرهن والوكالة. والمراد بالأحكام المسائل المتعلقة بهما من الأركان والشروط والصحة والبطلان وغيرها من المسائل. وبدأ بالرهن اهتماماً به فقال رحمه الله تعالى: " الرهن عقد لازم " يعني أن الرهن يلزم بالعقد كالبيع، وهو لغة اللزوم والحبس، وعرفاً متمول أخذ توثقاً به في دين لازم أو صائر إلى اللزوم، ويعرف أيضاً بأنه عقد لازم لا ينقل الملك قصد به التوثق في الحقوق. قال ابن جزي: الرهن محتبس بالحق ما بقي منه درهم، ولا ينحل بعضه بأداء بعض الحق اهـ. قال رحمه الله تعالى: " واشتراط غلته مبطل " وما ذكره المصنف من بطلان الرهن باشتراط الغلة فيه تفصيل قال ابن جزي: المنفعة في الرهن وهي للراهن، فإذا اشترطها المرتهن جاز إن كان الدين من بيع أو شبهه، ولم يجز إن كان سلفاً، لأنه سلف جر منفعة، فإن لم يشترطها المرتهن ثم تطوع له الراهن بها لم يجز، لأنها هدية مديان. وقال ابن حنبل: ينتفع المرتهن بالحيوان بنفقته اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز شرط منفعة عينت ببيع فقط، وعلى أن تحسب من الدين مطلقاً. قال الصاوي عليه: حاصله أن منفعة الرهن إما أن تكون مدتها معينة أو غير معينة، وفي كل إما أن يشترطها المرتهن أو يتطوع بها الراهن عليه، وفي كل إما أن يكون الرهن في عقد بيع فأخذ المرتهن لها في رهن القرض ممنوع في صوره الأربع، وهي معينة أم لا، مشترطة أو متطوع بها، وفي رهن البيع في ثلاث إذا كان متطوعاً بها معينة أم لا، أو مشترطة ولم يتعين، والجواز في واحدة وهي ما إذا اشترطت وكانت معينة اهـ. هذا بيان ما في المدونة انظر المواق. قال الجزيري في فقه المذاهب: أما ثمرة المرهون وما ينتج منه من حقوق الراهن فهي له ما لم يشترط المرتهن ذلك فإنها تكون له بثلاثة شروط: الأول أن يكون

стр. 888

الدين بسبب البيع لا بسبب القرض، وذلك كما إذا باع شخص لآخر عقاراً أو عروض تجارة أو غير ذلك بثمن مؤجل ثم ارتهن به عيناً مقابل دينه. الشرط الثاني أن يشترط المرتهن أن تكون المنفعة له، فإن تطوع بها الراهن له لا يصح له أخذها. الشرط الثالث أن تكون مدة المنفعة التي يشترطها معينة، فإذا كانت مجهولة فإنه لا يصح، فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة صح للمرتهن أن يستولي على منفعة المرهون ويأخذها له، أما إذا كان بسبب القرض فإنه لا يصح له أن يأخذ المنفعة على أي حال سواء اشترطها أو لم يشترطها، أباحها له الراهن أو لم يبحها، عين مدتها أو لم يعينها، وذلك لأنه يكون قرضاً جر نفعاً للمقرض فيكون رباً حراماً. ولا يلزم من كون المنفعة للراهن أن يتصرف في المرهون أو يكون المرهون تحت يده كلاً، فإن الرهن يكون تحت يد المرتهن ولكنه يعطي منفعته للراهن إذا لم يشترطها بالكيفية المتقدمة، فإذا راهن داراً فإن المرتهن هو الذي يؤجرها، ولكن يعطي أجرتها للراهن، فإذا أذن المرتهن الراهن في إجارتها بطل الرهن ولو لم يؤجرها بالفعل. ومثل ذلك ما إذا أذنه بالسكنى. أما إذا كان الرهن يمكن نقله كأدوات الفراش فإن مجرد الإذن بإجارتها لا يبطل الرهن، بل لا بد في بطلانه من تأجيرها بالفعل، وكذلك إذا أذن الراهن المرتهن في بيع الرهن وسلمه له، فإن الرهن يبطل بذلك ويبقى دينه بلا رهن اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فيصح بالقول، ويتم بالقبض، ويجبر الراهن عليه " الضمير في عليه راجع إلا بالقبض، فالمعنى أن الرهن يصح بالقول كما يتم بالقبض، وانعقاده كالبيع بالإيجاب والقبول، وهي تسمى بالصيغة، وهي ركن من أركانه، وهل يفتقر الرهن إلى التصريح بالرهنية أو لا يفتقر إلى ذلك؟ فلو دفع رجل إلى آخر سلعة قائلاً له: أمسكها حتى أدفع لك حقك هل تكون رهناً بذلك أم لا؟ قال بالأول أشهب، وقال بالثاني ابن القاسم اهـ. من تقييد بعض الأفاضل. وأما القبض فهو شرط كمال على

стр. 889

المذهب. قال في أقرب المسالك: ولا يتم إلا بالقبض. وقال ابن جزي في القوانين: وهو الحوز فهو شرط تمام في العقد. وقال الشافعي وأبو حنيفة: شرط صحة. وعلى المذهب فإذا عقد الرهن بالقول لزم وأجبر الراهن على إقباضه للمرتهن في المطالبة به، فإن تراخى المرتهن في المطالبة به أو رضي بتركه في يد الراهن بطل الرهن. ولا يكفي في القبض الإقرار به، ولا بد فيه من معاينة البينة، وإذا قبض الرهن ثم أفلس الراهن أو مات فالمرتهن أحق به من سائر الغرماء. ويصح أن يقبض الرهن المرتهن أو أمين يتفقان عليه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " واستدامة شرط، فإن عاد إليه اختياراً ولو بإعارة أو إجارة أو وديعة بطل، كتراخيه عن قبضه حتى مات الراهن أو أفلس، لا بامتناع الراهن مع إقامته على الطلب " يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: ويشترط دوام القبض، فإذا قبض الرهن ثم رده إلى الراهن بعارية أو وديعة أو كراء أو استخدام العبد أو روكوب الدابة بطل الرهن. ومهما احتيج إلى استعمال الرهن أو إجارته فليتول ذلك المرتهن بإذن الراهن اهـ. بحذف. وفي الرسالة: والرهن جائز، ولا يتم إلا بالحيازة، ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة اهـ. وعبارة الدردير في أقرب المسالك عاطفاً على ما يبطل الرهن، قال: ويمانع كموت الراهن أو فلسه قبل حوزه، ولو وجد المرتهن فيه وبإذنه في وطء أو سكنى أو إجارة ولو لم يفعل إن فات بنحو عتق أو بيع أو أذن المرتهن الراهن في بيع وسلمه أي دفعه المراهن، وبإعارة مطلقة أي غير مقيدة بشرط، وإلا فله أخذه كأن عاد لراهنه اختياراً إلا أن يفوت بعتق أو تدبير أو حبس أو قيام الغرماء اهـ. بتوضيح. قال رحمه الله تعالى: " والمال الباطن مضمون ما لم تقم بينة بالتلف، أو يكن على يد أمين لا الظاهر إلا بالتعدي " قال في الرسالة: وضمان الرهن من المرتهن

стр. 890

فيما يغاب عليه، ولا يضمن ما لا يغاب عليه. وثمرة النخل الرهن للراهن، وكذلك غلة الدور والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن، ولا يكون مال العبد رهناً إلا بشرط وما هلك بيد أمين فهو من الرهن اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن اختلفا في قيمته واتفقا على صفته قوم عليها؛ فإن اختلفا أيضاً حلف المرتهن، فإن نكل حلف الراهن وقوم عليها، فإن جهلاها حلف المرتهن على قيمته وقاصه " يعني فإن اختلف الراهن والمرتهن في قيمة الرهن التالف واتفقا على صفته قوم عليها أي على الصفة التي اتفقا عليها، وإن لم يتفقا على الصفة بأن اختلفا فيها أيضاً حلف المرتهن على ما ادعاه، فإن نكل حلف الراهن كذلك، وقوم على ما وصفه الحالف، وقضى للحالف على الناكل، فإن جهلا وصفه معاً حلف المرتهن على القيمة وقاص الراهن عليها اهـ. بمعناه. وعبارة الدردير في أقرب المسالك عاطفاً على ما اختلفا فيه كما في المختصر. وفي قيمة تالف تواصفاه ثم قوم، فإن اختلفا أي في وصفه فالقول للمرتهن، فإن تجاهلا أي فإن ادعى كل منهما جهل حقيقة صفته فالرهن بما فيه، أي فلا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء، لأن كل واحد منهما لا يدري هل يفضل له عند صاحبه شيء أم لا اهـ. بطرف من المواق. قال رحمه الله تعالى: " فإن اتفقا واختلفا في قدر الحق فالرهن شاهد بقدر قيمته. ويحلف الراهن لنفي الزائد " يعني أنهما إذا اتفقا على صفة الرهن واختلفا في قدر الحق فالرهن شاهد بقدر قيمته، فيحلف الراهن لنفي الزائد. قال ابن جزي في القوانين: المسألة العاشرة إذا اختلفا في مقدار الحق الذي رهن فيه، فالقول قول الراهن عندهما، أي عند الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك: القول قول المرتهن، إلا فيما زاد على الرهن فالقول قول الراهن اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وفي عين الرهن القول قول المرتهن " يعني إذا اختلف

стр. 891

المتراهنان في عين الرهن فالقول قول المرتهن. وسيأتي قول المصنف: ولا تقبل دعوى المديان رهناً عند غريم إلا ببينة على قبضه رهناً. قال رحمه الله تعالى: " وفي كون المقتضي ما به الرهن يحلفان وتحسب منهما " يعني كما قال خليل: وإن اختلفا في مقبوض فقال الراهن عن دين الرهن وزع بعد حلفهما، ومثله في أقرب المسالك، فالمعنى كما في الحطاب فهي مسألة صاحب الدينين على رجل: أحدهما برهن والآخر بلا رهن، قال في المدونة: إذا كان لك على رجل مائتان فرهنك بمائة منها رهناً، ثم قضاك مائة وقال هي التي فيها الرهن، وقلت أنت هي التي لا رهن فيها، وقام الغرماء أو لم يقوموا، فإن المائة يكون نصفها بمائة الرهن ونصفها للمائة الأخرى بعد أن يتحالفا إن ادعيا البيان. وقال أشهب: القول قول المقتضي اهـ. انظر شراح خليل. قال رحمه الله تعالى: " وفي مال العبد القول قول الراهن " يعني إذا اختلفا أي المتراهنان في مال العبد بأن قال المرتهن هو وماله رهن، وقال الراهن هو فقط بغير ماله فالقول قول الراهن. قال في الرسالة: ولا يكون مال العبد رهناً إلا بشرط دخوله في الرهن فيدخل، لقوله في المدونة: ولا يكون مال العبد رهناً إلا أن يشترطه المرتهن، كان ماله معلوماً أو مجهولاً. ومثل مال العبد بيض الطير لا يدخل في الرهن إلا بالشرط اهـ. النفراوي. قال رحمه الله تعالى: " ولا يصح رهن ما لا يجوز بيعه بحال " يعني أنه لا يصح أن يرهن ما لا يجوز بيعه بحال من الأحوال، وأما لو كان يجوز بيعه في بعض الأحوال ولو بغرر فيجوز ارتهانه حينئذ ما لم يكن الغرر شديداً، وفي بعض الأحوال يصح الرهن مع يسير الغرر. قال الدردير في أقرب المسالك: ولو بغرر كآبق وثمرة لم يبد صلاحها، أو كتابة مكاتب وخدمة مدبر، واستوفى منهما، فإن رق فمنه أو غلة نحو دار أو جزء

стр. 892

مشاع اهـ. قال ابن جزي في القوانين: (المسألة الأولى) في المرهون، ويجوز رهن كل شيء يصح تملكه من العروض والحيوان والعقار، ويجوز رهن المشاع خلافاً لأبي حنيفة، ويجوز رهن الدنانير إذا طبع عليها، ويجوز رهن الدَّين خلافاً للشافعي، ويجوز رهن الثمر قبل بدو صلاحه، ويجوز الرهن قبل حلول الحق خلافاً للشافعي، وبعد حلوله اتفاقاً، والرهن محتبس بالحق ما بقي منه درهم ولا ينحل بعضه بأداء بعض الحق اهـ. كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: " ولا تقبل دعوى المديان رهناً عند غريم إلا ببينة على قبضه رهناً " يعني لو ادعى الراهن دفع الرهن عند المرتهن ولا بينة بينهما فإنه لا تقبل دعواه، بل لا تنفع شهادة البينة إلا بمعاينتهم الحوز. قال ابن جزي: ولا يكفي في القبض الإقرار به ولا بد فيه من معاينة البينة اهـ. ومثله في الرسالة. نعم وفي المسألة قولان، ولذا قال خليل: وهل تكفي بينة على الحوز قبله؟ وبه عمل، أو التحويز وفيها دليلهما. قال العلامة الخرشي: لما قدم أن مجرد دعوى الحوز من المرتهن لا تقبل بين هنا أنها لو لم تتجرد عن البينة ما كيفية الشهادة؟ هل يكفي أن تشهد البينة له بالحوز للرهن قبل وجود المانع ويكون أحق به من الغرماء ولو لم تحضر البينة الحيازة ولا عاينتها؟ لأنه قد صار مقبوضاً، وكذلك الصدقة، وهو قول ابن عتاب والباجي وبه العمل، أو لا يكتفى في ذلك إلا بشهادة البينة على التحويز، أي تشهد أنها عاينت الراهن سلم الرهن للمرتهن وهو قول اللخمي اهـ. وعبارة الحطاب أنه قال: أشار بذلك لظاهر كلام المدونة في كتاب الهبة، ونصه: ولا يقضي بالحيازة إلا بمعاينة البينة لحوزه في حبس أو رهن أو هبة أو صدقة، ولو أقر المعطي في صحته أن المعطى قد حاز وقبض وشهدت عليه بإقراره بينة ثم مات لم يقضَ بذلك إن أنكر ورثته حتى تعاين البينة الحوز اهـ. انظر وجه كون كلام المدونة دالاً على القولين في الحطاب كما ذكره خليل.

стр. 893

ثم قال رحمه الله تعالى: " ويصح رهن المشاع، فإن كان باقيه له لزمه تسليمه، وإن كان لغيره نزل المرتهن معه منزلة الراهن " يعني كما في أقرب المسالك عاطفاً على ما يجوز: أو جزء مشاع وحاز المرتهن الجميع أي جميع المشاع ما رهن، وما لم يرهن بالقضاء ليتم الرهن، وإلا لجالت يد الراهن فيه مع المرتهن فيبطل الرهن. هذا إن كان الباقي للراهن. وأما إن كان الباقي لغير الراهن كفى حوز الجزء المرهون من ذلك المشاع، لأن جولان يد غير الراهن لا يضر في الحوز. وللراهن استئجار جزء شريكه ويتولى قبض أجرته المرتهن له أي للراهن المستأجر لجزء شريكه، وذلك لئلا يبطل حوزه بجولان يد الراهن عليه. وجاز للراهن أن يرهن فضلته أي الجزء الباقي من المشاع في دين آخر برضا المرتهن الأول ويكون الأول حائزاً لمرتهن الثاني فيكون أميناً فيه، ولذا لا ضمان عليه إن ضاع بلا بينة ولا تفريط، وهو مما يغاب عليه ولا يضمن إلا ما يخصه كحالته قبل الرهنية كما يأتي جميع ذلك عند قول المصنف: فإن أراد رهن فائضه عند غير المرتهن وقف على إذنه، ثم إن حل أحد الدَّينين قبل الآخر قسم الرهن لإعطاء من حل دينه منابه إن أمكن قسمه بلا ضرر وإلا بيع الرهن جميعه وقضيا الدَّينين معاً اهـ بزيادة توضيح منه. وإلى ذلك كله أشار خليل بقوله: وصح مشاع وحيز بجميعه إن بقي فيه للراهن، ولا يستأذن شريكه، وله أن يقسم ويبيع ويسلم، وله استئجار جزء غيره ويقبضه المرتهن له ولو أمنا شريكاً فرهن حصته للمرتهن وأمنا الراهن الأول بطل حوزهما اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن رهن على قدر معين ثم أخذ زيادة عليه صار رهناً بالجميع " يعني ومن رهن شيئاً معيناً كالثوب قدر ثمنه عشرة مثلاً وقبل حلول الأجل أخذ من المرتهن شيئاً آخر ديناً أقل من الأول فصار الرهن في جميع الدينين ولا يأخذ رهنه ما بقي عليه درهم. قال خليل: وإذا قضى بعض الدين أو سقط فجميع

стр. 894

الرهن فبما بقي، قال الشارح يعني أن الراهن المتحد إذا قضى بعض الدين للمرتهن المتحد أو سقط عن الراهن بعض الدين بهبة وما أشبه ذلك فإن جميع الرهن يكون رهناً فيما بقي من الدين، وسواء كان الرهن متحداً كدار أو متعدداً كثياب، وليس للراهن أخذ شيء منه لأنه قد تتحول عليه الأسواق. وأما إن تعدد الراهن والمرتهن أو أحدهما فإنه يقضي لمن وفَّى حصته من الدين بأخذ حصته من الرهن اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فلو أراد رهن فائضه " وفي نسخة فاضله " عند غير المرتهن وقف على إذنه " أي على إذن المرتهن الأول. قال الصاوي: قوله برضا المرتهن الأول ويلزم من رضاه علمه، فلا بد من علمه ورضاه وهذا إذا رهن الفضلة لغير المرتهن الأول، أما لو رهنها له فلا بد أن يكون أجل الدين الثاني مساوياً للأول لا أقل ولا أكثر، وإلا منع، إلى أن قال: فتحصل أن الفضلة إما أن ترهن للأول أو لغيره، فإن رهنت للأول فلا بد من تساوي الدينين أجلاً، وإن رهنت لغيره جاز مطلقاً تساوي الأجلان أم لا بشرط علم الحائز لها ورضاه سواء كان هو المرتهن الأول أو أميناً غيره، وإنما اشترط رضا الحائز كان هو المرتهن أو غيره لأجل أن يصير حائزاً للثاني اهـ حذف. قال رحمه الله تعالى: " ويقدم الأول في الاستيفاء " هذه تمام مسألة رهن الجزء المشاع كما هو مفهوم عند قولنا ثم إن حل أحد الدينين قبل الآخر قسم الرهن لإعطاء من حل دينه منابه إن أمكن قسمه بلا ضرر وإلا بيع الرهن جميعه وقضيا الدينين معاً، ولذا قال ويقدم الأول في الاستيفاء. قال الصاوي: وصفة القضاء أن يقضي الدين الأول كله أولاً لتقدم الحق ثم ما بقي للثاني اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ونماؤه لربه، ونفقته عليه ونتاجه رهن معه كفراخ النحل " الضمير في نماؤه عائد إلى الرهن، وكذلك ما عطف عليه، فالمعنى أن ما حدث

стр. 895

من الزيادة في الرهن بعد العقد فهو للراهن، وتقدم نص الرسالة من قولها: وثمرة النخل الرهن للراهن، وكذلك غلة الدور والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن، ولا يكون مال العبد رهناً إلا بشرط كما علمت اهـ. وقوله كفراخ النحل تشبيه في كون فراخ النحل رهناً تابع للنحل. قال الحطاب: المعنى صحيح سواء قرئ بالحاء أو بالخاء. قال في القاموس: الفرخ ولد الطائر وكل صغير من الحيوان أو النبات، والجمع أفراخ وأفرخ وفراخ وفروخ وأفرخة وفرخان، والزرع المتهيئ للاشتقاق، وفرخ الزرع نبت أفراخه اهـ. ثم استثنى ما لا يكون تابعاً للرهن إلا بشرط فقال رحمه الله تعالى: " لا الصوف واللبن ومال العبد إلا أن يشترطه " يعني أن الصوف الكائن على ظهر الغنم أو الإبل لا يكون رهناً مع ما ذكر إلا بشرط كمال العبد، فإن اشترطت دخلت اتفاقاً وإلا ففي ذلك تفصيل في المذهب. وستقف إن شاء الله على نصوص أئمة المذهب تقييداً وإطلاقاً، مجملاً وتفصيلاً، فهاك نص المدونة بحروفها قلت: أرأيت أصواف الغنم وألبانها وسمونها وأولادها أيكون ذلك رهناً قال: أما أولادها فهي رهن مع الأمهات عند مالك، وأما الأصواف والألبان والسمون فلا تكون رهناً معها إلا أن يكون صوفاً كان عليها يوم ارتهنها فأراه رهناً معها إذا كان يومئذ قد تم، ألا ترى لو أن رجلاً ارتهن داراً أن غلتها لا تكون رهناً معها، وإذا ارتهن غلاماً أن خراجه لا يكون رهناً معه، ولو اشتراهما كانت غلتهما له فالرهن لا يشبه البيوع اهـ. وفيها أيضاً عن مالك أنه قال: كراء الدور وإجارة العبيد كل ذلك للراهن، لأنه غلة ولا يكون في الرهن إلا أن يشترطه المرتهن، وكذلك صوف الغنم. قال ابن القاسم: إلا صوف كمل نباته يوم الرهن فإنه يكون رهناً معها اهـ. وفي القوانين لابن جزي المسألة السابعة فيما يتبع الرهن فأما ما لا يتميز منه كسمن الحيوان فهو تابع له إجماعاً وإن كان متناسلاً عنه كالولادة والنتاج فيكون

стр. 896

تابعاً له خلافاً للشافعي، بخلاف غير ذلك كصوف الغنم ولبنها أو ثمار الأشجار وسائر الغلات فلا تتبعها في الرهن خلافاً لأبي حنيفة اهـ. قال خليل: واندرج صوف تم وجنين. قال المواق وانظر الصوف التام فإنه يدخل كما تقدم والفرق بينهما القياس على البيع. بعض القرويين فلو كانت الثمرة يوم الرهن يابسة دخلت فيه كالصوف التام اهـ. قال الخرشي يعني أنه إذا رهن غنماً وعليها صوف فإن كان حين الرهن تاماً اندرج لأنه سلعة مستقلة، وأما غير التام فلا يندرج اتفاقاً، وكذلك يندرج في الرهن الجنين الموجود حين الرهن وأحرى ما وجد بعده، وهذا كله مع عدم الاشتراط، أما معه فيندرج ما لا يندرج، ولا يندرج ما يندرج اهـ. بحذف. وعبارة الدردير في أقرب المسالك: واندرج في الرهن صوف تم على الغنم المرهونة يوم رهنها تبعاً لها لا إن لم يتم. قال الصاوي عليه: قوله لا إن لم يتم أي فلا يندرج في عقد الرهينة، وللراهن أخذه بعد تمامه، وذلك أن غير التام بمنزلة الغلة وهي لا تندرج اهـ. وهذا كالخلاصة على ما تقدم فتأمل. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يتبغض بتبغض القضاء بل ما بقي فهو محبوس به " قد تقدم البيان على مثل هذه الجملة عند قوله: ومن رهن على قدر معين ثم أخذ زيادة عليه صار رهناً للجميع، فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز اشتراط الانتفاع به في البيع لا في القرض " الضمير في به راجع إلى الصوف وما عطف عليه، فالمعنى يجوز للمرتهن أن يشترط الانتفاع بالصوف وغيره من الغلات والمنفعة كما تقدم ذكر بيان ذلك في أول هذا الكتاب عند قوله: واشتراط غلته مبطل، فراجعه إن شئت، وقد بسطنا بيانه بما يغني عن إعادته هنا إلا أن هناك صدر باسم الغلة وهي المنفعة، وهنا بجواز اشتراط الانتفاع بها، فافهم ذلك وتأمل. قال رحمه الله تعالى: " فإن وكله ببيعه صح ولم يكن له عزله " يعني

стр. 897

إذا وكل الراهن المرتهن في بيع الرهن وهي وكالة صحيحة، وليس للراهن عزل وكيله الذي هو المرتهن لتعلق الحق في هذه الوكالة. قال العلامة العدوي في حاشيته على الخرشي: ثم إن المرتهن إذا وكل على البيع فليس للراهن عزله كالأمين اهـ. ونقل المواق عن ابن رشد أنه قال: لو طاع الراهن المرتهن بعد البيع وقبل حلول الأجل بالبيع دون مؤامرة سلطان، جاز اتفاقاً لأنه معروف منه، ولو شرط المرتهن على الراهن في عقد البيع أنه موكل على بيعه دون مؤامرة سلطان فقيل إن ذلك جائز لازم، وقاله القاضي اسماعيل وابن القصار وعبد الوهاب وأشهب، وكره ذلك في المدونة اهـ. انظر الحطاب. قال رحمه الله تعالى: " فإن باعه ربه وقف على إجازة المرتهن، فإن ادعى أنه أذن ليتعجل حلف ويعجل " ويعني كما قال خليل عاطفاً على مبطلات الرهن: أو في بيع وسلم وإلا حلف وبقي الثمن إن لم يأت برهن كالأول اهـ. قال شارحه من المدونة قال مالك: إذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن لم يجز بيعه، فإن أجازه المرتهن جاز البيع وعجل للمرتهن حقه شاء الراهن أو أبى، وإن باعه بإذن المرتهن فقال المرتهن لم آذن في البيع ليأخذ الراهن الثمن حلف على ذلك، فإن آتى الراهن برهن وثيقة يشبه المبيع وأخذ الثمن وإلا بقي الثمن رهناً إلى محل الأجل ولم يعجل المرتهن حقه اهـ. نقله المواق. وأما عبارة الخرشي أنه قال والمعنى أن المرتهن إذا أذن للراهن في بيع الرهن وسلمه له أي وباعه فإنه يبطل ولا يقبل قول المرتهن إني لم آذن له إلا لإحيائه بثمنه وإن لم يسلمه إليه أي وباعه وهو باق تحت يد المرتهن، وقال المرتهن إنما أذنت له في بيعه لإحيائه بثمنه لا ليأخذ ثمنه حلف على ذلك ويبقى الثمن رهناً إلى الأجل إن لم يأت الراهن برهن كالأول في قيمته يوم رهن لا يوم البيع؛ لاحتمال حوالة الأسواق بزيادة أو نقص، وهو مماثل الأول في كونه يغاب عليه أو لا يغاب عليه اهـ. ومثله في حاشية الصاوي على الدردير.

стр. 898

ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي عتقه موسراً ينفذ ويتعجل، وفي عسره يوقف، فإن أفاد مالاً أنفذ وإلا بيع في الدين كاستيلاده الأمة " يعني كما في المختصر: ومضى عتق الموسر وكتابته وعجل والمعسر يبقى، فإذا تعذر بيع بعضه بيع كله والباقي للراهن اهـ. قال المواق نقلاً عن المدونة: قال مالك من رهن عبد ثم أعتقه قال ابن القاسم أو كاتبه جاز ذلك إن كان ملياً وعجل الدين، أما إن كان معسراً وعتقه قبل محل الأجل فإن العبد يبقى كما هو رهناً، فإن أفاد السيد قبل الأجل مالاً أخذ منه الدين وأنفذ العتق، وإن لم يفد السيد شيئاً بيع في الدين عنده - أي عند مالك - إن لم يكن في ثمنه فضل، وإن كان فيه فضل بيع منه ما يفي بالدين وعتق الباقي، فإن تعذر بيع البعض بيع كله والباقي للراهن اهـ. وفيها أيضاً فيمن رهن جارية فأعتقها أو دبرها أو كاتبها فقال مالك: إن أعتقها وله مال أخذ المال منه فدفع إلى المرتهن وعتقت الجارية والتدبير جائز، وتكون رهناً بمالها لأن الرجل يرهن مدبره عند مالك إن أحب، وأما الكتابة فهي عندي بمنزلة العتق إن كان للسيد مال أخذ منه ومضت الكتابة. قال سحنون: فالتدبير بمنزلة العتق سواء ويعجل له حقه، كذلك قال مالك، ذكره ابن وهب عن مالك وكذلك الكتابة إن كان له مال إلا أن يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاء للدين فتكون الكتابة جائزة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ووطء المرتهن بغير إذن زنى " يعني إن وطئ المرتهن جارية بلا إذن من الراهن حد لأنه زان. قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وحد مرتهن وطئ بلا إذن، وإلا فلا، وقومت عليه بلا ولد حملت أو لا اهـ. ومثله في المختصر. قال في المدونة: وإن وطئها يعني الأمة الرهن المرتهن فولدت منه حد ولم يلحق به الولد، وكان مع الأمة رهناً وعليه للراهن ما نقصها الوطء بكراً أو ثيباً إذا أكرهها لا إن طاوعته وهي بكر، فإن كانت ثيباً فلا شيء عليه، والمرتهن وغيره في ذلك سواء.

стр. 899

قال ابن يونس: والصواب أن عليه ما نقصها وإن طاوعته بكراً كانت أو ثيباً، وهو أشد من الإكراه لأنها لا تعد مع الإكراه زانية وفي الطوع هي زانية، فقد أدخل على سيدها عيباً فوجب عليه غرم قيمته، ونحو هذا في كتاب المكاتب إن على الأجنبي ما نقصها بكل حال وقال إن طاوعته فلا شيء عليه مما نقصها بكراً كانت أو ثيباً، وهو في كتاب المكاتب من المدونة اهـ. نقله الحطاب، ومثله في المواق. قال رحمه الله تعالى: " وبإذنه يبطل ويقاصه بقيمتها وتصير أم ولد " يعني فإن وطئها المرتهن بإذن سيدها فإنه لا حد عليه للشبهة لقوله ﵊: «ادرؤوا الشبهات» وإنما عليه الأدب. وحيث أذن الراهن للمرتهن أو لغيره في وطئها فإنها تقوَّم على واطئها سواء حملت أم لا فيغرم قيمتها يوم الوطء، ولا يغرم لولدها شيئاً لا قيمة ولا ثمناً لانعقاده على الحرية ولحوقه بالواطئ اهـ. قاله الخرشي. ولما أنهى الكلام على ما تعلق بأحكام الرهن انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام الوكالة كما هو مذكور أول الكتاب. فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الوكالة أي في بيان ما يتعلق بالوكالة وأحكامها: الوكالة - بفتح الواو وكسرها - لغة: الحفظ والكفالة والضمان والتفويض. يقال: وكَّلت أمري لفلان: فوضته إليه. وعُرفاً: نيابة في حقٍّ غير مشروطة بموته ولا إمارة بما يدل عرفاً. وأركانها أربعة: موكِّل، ووكيل، وموكَّل فيه، وصيغة. قاله بعض الأفاضل في تقييداته: وحكم الوكالة الجواز، ولذا قال رحمه الله تعالى: " وتجوز الوكالة في مل ما يقبل النيابة من غير اعتبار برضا الموكل عليه وحضوره " يعني الوكالة جائزة في كل ما يقبل النيابة من الحقوق المالية وغيرها كالعقد والفسخ. والدليل على جوازها فعل النبي ﷺ ، وثبت أنه وكل حكيم بن حزام بشراء أضحية،

стр. 900

ووكل أبا رافع في تزويج ميمونة، ووكل عمرو بن أمية الصمري في تزوُّج أم حبيبة. قال الجزيري: فإن إجماع المسلمين عليها من غير أن يخالف فيها أحد من أئمتهم دليل على جوازها من غير نزاع اهـ. قال الدردير: الوكالة نيابة في حق غير مشروطة بموته ولا إمارة، كعقد، وفسخ، وأداء، واقتضاء، وعقوبة، وحوالة، وإبراء، وإن جهله الثلاث، وحج، أي وإن كان الحج مجهولاً من الثلاثة: الموكل والوكيل ومن عليه الحق، كأن يوكل إنساناً في إبراء ذمة من عليه حق من مال أو غيره، والإبراء هية وهي تجوز بالمجهول. ومما يقبل النيابة الوكالة في الحج، بأن يوكل من يحج عنه غير الفريضة. قال الصاوي: فتصح النيابة فيه وإن كان مكروهاً لقول خليل في باب الحج ومنع استنابة صحيح في فرض وإلا كُره. ومما يقبل النيابة والوكالة تفريق الزكاة على مستحقها، ومثلها صدقة التطوع والهبة والوقف، وقبض الديون، واقتضاؤها، وإقباضها، ورد العواري والودائع والأمانات والمغصوبات وغير ذلك مما يقبل النيابة، فالوكالة في الجميع صحيحة لأن المقصود في هذه الأشياء إيصال الحقوق لأهلها إما بنفسه أو بغيره فيتحصل المقصود بذلك، بخلاف ما لا يقبل النيابة فلا تصح منه الوكالة فيه قطعاً، وذلك كالدخول في الإسلام، والصلاة، والصيام، ولو نفلاً، والأيمان في الحقوق، والعقائد، ووطء الزوجة لأن مصلحة وطء الزوجة الإعفاف وتحصيل ولد ينسب إليه، وذلك لا يحصل بفعل غيره. ومما يلزم أكل ما يقيم به صلبه ويتقوى به بدنه ليتقوى على العبادة وغيرها، فإن ذلك يعين على القيام بالواجب وهو فرض من فروض العين، فواجب على الشخص أن يتولى جميع ذلك بنفسه بالمباشرة، فلا يكفيه فيها فعل غيره، لأنها - أي هذه الأشياء - لا تقبل النيابة اهـ. بتوضيح. قال ابن جزي في القوانين: وتجوز الوكالة في كل ما تصح النيابة فيه من الأمور المالية وغيرها والعبادات والقربات إلا العبادة المتعلقة بالأموال كالزكاة. واختلف في صحتها في الحج اهـ.

стр. 901

قال رحمه الله تعالى: " وله عزله إلا وكيل الخصومة بعد شروعه " يعني للموكل عزل وكيله متى شاء إلا إذا كان وكيل الخصومة بعد الشروع فيها فليس له عزله حينئذ. قال خليل: وليس له حينئذ عزله ولا له عزل نفسه اهـ. ومثله في المواق. قال ابن جزي: وإذا ابتدأ الوكيل الخصام في مجلس أو مجلسين لم يكن لموكله أن يعزله إلا بإذن خصمه. قال ابن رشد في المقدمات: المرتان كالثلاث على المشهور في المذهب. قال الدردير في أقرب المسالك: ولا يجوز أكثر من واحد في خصومة إلا برضا الخصم كأن قاعده ثلاثاً، أي ثلاثة مجالس ولو في يوم واحد فليس له عزل وكيله الأول لوكالة غيره، ولا يعزل الوكيل نفسه بعد ذلك لأن شأن الثلاثة مجالس انعقاد المقالات بينهما وظهور الحق وانعزال الوكيل حينئذ وتوكيل غيره يوجبه تجديد المنازعة وتطويلها إلا لعذر يقتضي ذلك من مرض أو سفر أو يمين، كأن يحلف الوكيل أن لا يخاصمه لكونه ألد الخصام فله حينئذ عزل نفسه، وللموكل أن يوكل غيره. وسيأتي عن المصنف أن الوكيل ينعزل بموت موكله أو بعزله إن علم الوكيل بذلك اهـ بتوضيح. قال رحمه الله تعالى: " ولا يملك الإقرار والصلح والمبارأة إلا بإذنه " يعني أن وكيل الخصومة لا يصح له الإقرار، والصلح، والمبارأة إلا بإذن الموكل، فإن فعل لم يلزمه شيء من ذلك. قال الجزيري في الفقه نقلاً عن كتب المذهب: ولا يملك وكيل الخصومة الخاصة الإقرار عن موكله إلا إذا نص عليه في عقد التوكيل، فإن أقر بشيء لم يلزم الموكل، ويكون الوكيل في هذه الحالة كشاهد. أما الوكيل وكالة مفوضة فإنه يملك الإقرار عن موكله. ويشترط لنفاذ الإقرار على الموكل في الحالتين شروط بحيث لا يتعدى وكيل الخصومة الخاصة المنصوص فيها علىأن له الإقرار، ولا من الوكيل المفوض إلا إذا تحققت هذه الشروط: الأول أن يقر بشيء من معقول يناسب الدعوة، فلا يقر بشيء زائد عن المناسب. الثاني أن يقر بما هو من نوع الخصومة كأن يوكله في دين فيقر بأنه قبض بعضه أو أبرأه عن بعضه، أما إذا وكله بدين له عند خصمه فأقر له بأنه أتلف له وديعة

стр. 902

عنده ونحو ذلك فإن الإقرار لا ينفذ. الثالث ألا يقر لشخص بينه وبينه ما يوجب التهمة كصديقه أو قريبه أو نحو ذلك. وإذا قال الموكل لوكيله: أقر عني بألف. يكون ذلك إقراراً من الموكل فلا يحتاج لإنشاء الوكيل إقراراً بها، وليس للموكل الرجوع بعد ذلك ولا عزل الوكيل عن الإقرار، ويكون شاهداً عليه بها. اهـ. بحروفه. قال رحمه الله تعالى: " والإطلاق بالبيع يقتضي الحلول وثمن المثل " يعني إذا أطلق الموكل للوكيل بالبيع، فإن ذلك يقتضي حلول البيع وثمن المثل، ولا يجوز له أن يبيع بدين ولا بأقل من ثمن المثل. قال ابن جزي في القوانين: فإذا وكله على البيع وعين له ثمناً فم يجز له أن يبيع بأقل منه، وإن وكله على البيع مطلقاً لم يجز له أن يبيع بعرض ولا نسيئة ولا بما دون ثمن المثل خلافاً لأبي حنيفة، وإن أذن له أن يبيع بما يرى وكيفما يرى جاز له ذلك كله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وبشراء أمة أو ثوب ونحوه المناسب " يعني إذا وكله في شراء الأمة أو الثوب أو غيرهما من السلع لزم الوكيل أن يشتري ما يناسب الموكل، فإن خالف في ذلك خير الموكل في رده وإمضائه فإن رده لزمت الوكيل السلعة. قال في أقرب المسالك: وفعل المصلحة فيتعين نقد البلد، ولائق، وثمن المثل وإلا خير كصرف ذهب بفضة إلا أن يكون الشأن، ومخالفة مشتري عين أو سوق أو رمان، أو باع بأقل ما سمى، أو اشترى بأكثر إلا كدينارين في أربعين. ولزمه ما اشترى إن رده موكله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهو أمين يقبل قوله في الرد والتلف " يعني كما في أقرب المسالك، وصدق في دعوى التلف والدفع أي يصدق الوكيل بيمينه في دعوى التلف لما وكل عليه لأنه أمين، وكذا في دعوى الدفع لثمن أو مثمن أو دفع ذات ما وكل عليه لموكله. قال الصاوي في حاشيته عليه: يعني أن الوكيل غير المفوض إذا وكل على قبض حق فقال قبضته وتلف مني فإنه يبرأ لموكله من ذلك لأنه أمين، وأما الغريم الذي عليه الدين فإنه لا يبرأ من الدين إلا إذا أقام بينة تشهد له أنه دفع الدين إلى الوكيل المذكور،

стр. 903

ولا تنفعه شهادة الوكيل، لأنها شهادة على فعل نفسه، وإذا غرم الغريم فإنه يرجع على الوكيل إلا أن يتحقق تلفه من غير تفريط منه. وقولنا غير المفوض، أما لو كان مفوضاً ومثله الوصي إذا أقر كل منهما بأنه قبض الحق لموكله أو ليتيمه وتلف منه فإنه يبرأ من ذلك، وكذلك الغريم ولا يحتاج إلى إقامة بينة، لأن المفوض والوصي جعل لكل منهما الإقرار اهـ. قال ابن جزي: فإذا قال الوكيل قد دفعت إليك وأنكر ذلك الموكل فالقول قول الوكيل مع يمينه، وإن طال الزمان فلا يمين عليه. وإذا قبض الوكيل شيئاً فادعى تلفه بعد قبضه لم يبرأ الدافع إليه إلا ببينة على الدفع، وإذا اختلفا هل وكله أم لا فقال وكلتني، وقال الآخر ما وكلتك، فالقول قول الموكل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فأما قبضه من غريم أو قضاؤه فلا يقبل إلا ببينة أو تصديقه وللغريم تحليفه أنه لم يقبض ولم يعلم قبض وكيله " يعني فأما إذا وكل وكيله في قبض الدين على غريم أو دفعه لمن له حق عليه فلا تقبل دعوى الوكيل أنه قبضه، ولا دعواه في الدفع إلا بأحد الأمرين إما البينة تشهد على أنه قبض الدين وتلف، وإما التصديق بدفع ما وكله موكله من قضاء الدين الذي على الموكل، وإن لم يشهد عليه بينة بالقبض أو لم تشهد له بالدفع ولم يصدق في كلا الأمرين لزم عليه الغرم، وللغريم تحليفه أنه لم يقبض ولم يعلم الموكل قبضه. قال الدردير: وضمن إن أقبض ولم يشهد أو أنكر القبض فشهد عليه به فشهدت له بينة بتلفه كالمديان. وعبارة الخرشي أنه قال: يعني أن الوكيل إذا قبض الدين الذي على موكله ولم يشهد على القابض وأنكر القابض فإن الوكيل يضمن ذلك لتفريطه بعدم الإشهاد. ومثل الدين في ذلك البيع كما لو وكل على بيع شيء ولم يشهد على المشتري أنه قبض أو رهن أو وديعة وما أشبه ذلك اهـ. ونقل المواق عن التلقين أنه قال: إذا وكله بأن يقضي عنه ديناً، أو يودع له مالاً ولم يكن له أن يدفع ذلك إلا ببينة فإن دفعه بغير بينة ضمن. ومن المدونة قال ابن القاسم: إن باع الوكيل ولم يشهد على المتاع فجحده فإنه ضامن، كقول مالك في

стр. 904

الرسول يقول دفعت البضاعة وينكر المبعوث إليه أن الرسول ضامن، إلا أن تقوم له بينة أنه دفعها إليه اهـ. انظر جميع ذلك في المدونة في حكم الوكيل والرسول بالقبض إلخ. قال رحمه الله تعالى: " وينعزل بموت موكله وعزله وبيع ما أمره ببيعه واستهلاكه وعتقه " يعني أنه ينعزل الوكيل بموت من وكله، كذلك عزل من وكله عن وكالته أو ولايته كوكيل الوكيل بموت الموكل الأصلي، ومثل الموت بيع ما أمره ببيعه، أو استهلاك عين الشيء الذي وكله عليه أو عتق رقيق. قال الدردير: والعزل الوكيل مفوضاً أو لا بموت موكله أو بعزله إن علم الوكيل بالموت أو العفو، وليس له التصرف بعد العلم بما ذكر وإلا كان ضامناً، وما تصرف فيه قبل العلم فهو ماض على المذهب، وكذا ينعزل غير المفوض بتمام ما وكل فيه والله أعلم اهـ. وعبارة الخرشي: أن الوكيل إذا علم بموت موكله فإنه ينعزل بمجرد علمه بذلك ولو مفوضاً، لأن ماله انتقل لغيره ولا يتصرف أحد في مال الغير إلا بإذنه، وإن لم يعلم الوكيل بموت موكله فهل ينعزل بمجرد الموت أو حتى يبلغه الموت؟ تأويلان، الثاني هو الراجح عند الأشياخ. والله أعلم اهـ. بتوضيح من حاشية العدوي. قال رحمه الله تعالى: " ولكل من الوكلاء الاستقلال إلا أن يشترط الاجتماع " يعني كما قال خليل: ولأحد الموكلين الاستبداد إلا لشرط، وإن بعت وباع فالأول إلا بقبض ومثله في أقرب المسالك، ونصه: ولأحد الوكيلين الاستبداد إلا لشرط إن رتبا، فإن باع كل فالأول. وإن بعت وباع فكالوليين، وإن جهل الزمن اشتركا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وللمفوض التوكيل والتصرف على وجه المصلحة وإذا اشترى في الذمة بإذنه ثم تلف الثمن فعلى ربه خلفه ولو مراراً " يعني للوكيل المفوض توكيل غيره وله التصرف بالمال على وجه المصلحة، وله أن يشتري سلعة في ذمته بإذن موكله، ثم إن تلف الثمن بيد الوكيل فعلى الموكل خلف الثمن التالف ولو

стр. 905

كان ذلك مراراً، لأنه أمين، هذا ما لم يدفع له الثمن قبل الشراء فإن دفع له الثمن قبل شرائه وضاع فلا يلزم الموكل شيء، لأنه وكله على الشراء بمال معين فذهب وذمة الموكل لم تشتغل بشيء من ذلك. قال خليل: ولزم الموكل غرم الثمن إلا أن يصل لربه إن لم يدفعه له. قال شارحه: يعني أنه إذا وكله على شراء سلعة ولم يدفع ثمناً فاشتراها له بما أمره ثم أخذ الوكيل الثمن من الموكل ليدفعه للبائع فضاع فإن ثمنها يلزم الموكل ولو ضاع مراراً إلى أن يصل إلى ربه، لأن الوكيل إنما اشترى السلعة على ذمة الموكل فالثمن في ذمته إلى أن يصل إلى ربه إلا أن يكون الموكل دفع لوكيله ثمن السلعة قبل أن يشتريها فإنه إذا ضاع من الوكيل لا يلزم الموكل أن يغرم الثمن ثانية، لأنه مال بعينه لا يلزمه غيره إلا إن شاء الموكل أن يدفع إليه الثمن ثانية ويأخذ السلعة فله ذلك سواء كان تلف الثمن قبل قبض السلعة أو بعده، وتلزم السلعة الوكيل بالثمن الذي اشتراها به إن لم يأخذها الموكل، وهذا كله إذا لم يكن بحضرة ربه أي رب الثمن الذي ضاع بيد الوكيل وإلا لزم الموكل غرمه، فقوله إن لم يدفعه له أي قبل الشراء، فإن دفعه له قبله لم يلزمه غرمه حيث لم يأمره بأن يشتري له في الذمة ثم يقبضه وفعل كذلك فإنه حينئذ يلزمه غرمه إلى أن يصل إلى ربه اهـ. الخرشي بتوضيح من حاشية العدوي والمواق. قال رحمه الله تعالى: " ولو دفع من ماله وقبض العوض فتلفه منه والله أعلم " يعني أنه لو أن الوكيل سواء مفوضاً أو غيره اشترى شيئاً ودفع الثمن من ماله وقبض المبيع وبعد ذلك تلف من يده فتلفه منه لا يلزم الموكل من ثمنه شيء، لأن الوكيل التزم شراءه لنفسه بماله اهـ. بمعناه. والله أعلم. ولما أنهى الكلام على الوكالة وما يتعلق بها انتقل يتكلم على الحَجْر وما عطف عليه فقال رحمه الله تعالى. انتهى الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث وأوله (كتاب الحجر والصلح والحمالة والحوالة)

стр. 906

أسهَل المدارِك «شَرْح إرْشَادِ السَّالِك فِي فِقْه إِمَام الْأَئِمَّة مَالِك» لجامعه الْفَقِير لرحمة ربه أبي بكر بن حسن الكشناوي [الْجُزْء الثالث] دَار الْفِكر

стр. 907

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الحَجْرِ والصُّلْح والحَمَالة والحَوالة يعي أن هذا الكتاب مشتمل على بيان ما يتعلَّق بأحكام الأشياء الأربعة وهي الحَجْرُ والصُّلْح والحَمَالة والحَوَالة، وفي كل منها أحكام ومسائلُ مستقلّة تتعلق بها، وستقف على جميع ذلك إن شاء الله تعالى فبدأ بما يتعلَّق بالحَجْرِ اهتمامًا بشأنه لأنه ضروري فقال رحمه الله تعالى: "يَحْجُرُ عَلَى الصَّغيرِ أَبُوهُ أَو وَصِيُّهُ أوِ الْحَاكِمُ" الحَجْرُ لغة المَنْع، وشَرْعًا صفة حُكمية توجِب مَنْعَ موصوفها من نفوذ تصرُّفه فيما زاد على قوته، كما توجب مَنْعَه من نفوذ تصرُّفه في تبرُّعه بزائد على ثُلُث مالِه. ثم إن الولِيَّ الذي له حَقُّ الحَجْرِ والولاية هو الأبُ في وَلَدِهِ الصغير سواء كان ذكرًا أو أنثى. ثم بعد الأبِ وصيُّه يقوم بولاية المحجور، ثم لِمَنُ أوْصَى به الوصِيّ؛ لأن وَصِيَّ الوَصِيَّ كالوَصِيّ، فإن لم يكن الأب كأن مات أو غاب غيبة بعيدة ولم يُوصٍ كانت الولاية في شؤون الصغير للحاكم الشرعي أو من يقوم مقامه في مصلحة الصغير، وإن لم يوجد حاكم شرعي فالولاية واجبة لجماعة المسلمين. قال رحمه الله تعالى: "حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ يُؤْنَسَ رُشْدُهُ بِإِصْلاَحِهِ الْمَالَ والأُنثَى مَدْخُولاً بها" يعني أن غاية الحَجْرِ في الصغير إلى بلوغه رشيدًا أو يؤنس رشده بإصلاح المال. قال الدردير في أقرب المسالك: والصبي لبلوغه رشيدًا في ذي الأب، وفَكُّ الوصِيَّ والمقدَّم، وزيد في الأنثى دخول زوْج بها وشهادة العدول بحِفْظِها. والحاصل أن الصبي إذا رشد بِحِفْظ مالهِ لا يحتاج إلى فَكَّ الحَجْرِ عنه من أبيه، بخلاف المقدَّم

стр. 908

والوَصِي فيحتاج بأن يقول للعدول: اشهدوا أني فَكَكْتُ الحَجْرَ عن فلان وأطْلَقت له التصرُّف لِما قام عندي من رُشدِهِ وحُسْنِ تصرُّفه، فتصرُّفه بعد الفَّ لازم لا يُرَدُّ ولا يحتاج لإذْن الحاكم في الفَكّ، وزِيد على البلوغ والرُشْد وفَكَّ الوصي والمقدَّم في الأنثى دخول زوج بها بالفعل وشهادة العدول بحِفْظِها مالَها، وإنَّما احتيج للإشهاد لأن شأن النساء الإسراف، فمدار الرُّشد عندنا على صَوْن المال فقط دون صَوْن الدّيْن اهـ. انظر حاشية الصاوي عليه. قال رحمه الله تعالى: "ولا تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ" المراد بالعدالة هنا حُسْن التصرُّف كما في حاشية الصاوي، وبعبارة أخرى: لا تُشْتَرَط العدالة في دعوى البلوغ وعدمها لأنها لا اعتبار بها هنا؛ لأنها تارة تُقْبَل وأخرى تُرَدّ. قال العلاّمة الجزيري في فِقْهِ المذاهب: وإذا ادَّعى الصغير البلوغ أو عدمه فإن له حالتَيْن: الحالة الأولى أن يشكَّ في صِدْقِه، وفي هذه الحالة ثلاث صُوَر: الصورة الأولى أن يدَّعي البلوغ ليأخذ مالاً أو ليثُثبت عليه مالاً للغير، فالأول كأن يدَّعي البلوغ ليأخذ سَهْمَه في الجهاد، والثاني كأن يدَّعي عليه شخص بأنه أتلف له مالاً اوؤئمن عليه وأنه بالغ فأقرَّ بذلك وخالفه الولي. وفي هذه الصورة لا تسمع دعواه مع الشكّ فيها. الصورة الثانية أن يدَّعي البلوغ ليثبت طلاقه من امرأته، أو يدَّعي عدم البلوغ ليفرَّ من إثبات طلاقها، وفي هذه الصورة تُقْبَل دعواه إثباتًا ونَفْيًا. الصورة الثالثة أن يدَّعي البلوغ ليفرّ من عقاب جناية ارتكبها، وفي هذه الصورة تُقْبَل دعواه مع الشكَّك في صِدْقِه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات. أمَّا إذا ادَّعى البلوغ ليثبت على نفسه مع الشك في صِدْقِه، لأن الحدود تدرأ بالشبهات. أمَّا إذا ادَّعى البلوغ ليثبت على نفسه جناية فإنه لا يَصْدُق مع الشكّ لهذه العلة. الحالة الثانية ألاَّ يُشَكّ في صِدْقه، وفي هذه الحالة تُقْبَل دعواه في الأموال أيضًا إثباتًا ونفيًا. فإذا ادَّعى أنه بلغ ليأخذ سهمه في الجهاد أو ليأخذ مالاً مشروطًا ببلوغه أو نحو ذلك فإن دعواه تُقْبَلأ حيث لم يشك في صِدْقه،

стр. 909

وكذلك تُقْبَل في الأمور الدينية المتوقفة على البلوغ كالإمامة وتكملة عدد جماعة الجمعة. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَاْبُلُوغُ بالإِنْباتِ أَوْ بُلُوغ ثَمَانِي عَشرَةَ سَنة. وقال ابْنُ وهْبٍ: خَمْسً عَشَرَةَ وَيُزَادُ في الأُنْثني الْحَيْضُ والْحَمْلُ" يعني أن علامة البلوغ تكون بالأشياء المعلومة، منها خروج المني من الذَّكَر يقظة أو منامًا، ومنها ظهور الحَمْل والحيض في الأنثى. ومنها بلوغ ثماني عشرة سنة على المشهور، وقيل خمس عشرة وهو قول ابن وهب، لحديث ابن عمر، وهو مشهور مذهب الشافعي. ومنها إنبات شعر العانة الخشن غير الزغب؛ فإنه ليس بلعامة البلوغ، ومتى نَبَتَ شعر العانة الخشن كان ذلك علامة على التكليف بالنسبة لحقوق الله تعالى من صلاة وصوم ونحوهما، وحقوق عباد اللَّه على التحقيق. ومنها نَتَنُ الإبط. ومنها فرق أرنبة الأنف. وأمَّا إنبات شعر اللحية والشارب فإنهما ليسا بعلامة، فقد يبلغ الإنسان قبل أن ينبت له شيئ من ذلك بزمن طويل. ومنها غِلْظُ الصوت قال المأزري: البلوغ هو قوّة تحدث في الصبي يخرج بها عن حالة الطفولية إلى حالة الرجولية، وتلك القوة لا يكاد يعْرفها أحد، فجعل الشارع لها علامات يُسْتَدَلُّ بها على حصولها اهـ. قال الشيخ يوسف بن عمر في كتاب الصيام في شرح الرسالة: ولا قائل باعتبار التنهيد خلاف ما في حاشية الصاوي على الجلاَلَيْن من قوله: ومن علامات البلوغ الحيض وكِبَرُ الثَّدي للإناث، ونبات العانة ونَتَنُ الإبط وفرق الأرنبة وغِلْظُ الحنجرة، فإذا وُجِدَتْ تلك العلامات حُكِمَ ببلوغه عند مالك، وأمَّا عند الشافعي فلا يُحْكَمُ بالبلوغ إلاَّ بالاحتلام أو الحيض أو بلوغ خمس عشرة سنة وما عدا ذلك علامة على البلوغ ولا يُحْكَمُ عليه به اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَيُخْتَبَر بِحُسْنِ تَصَرُّفِهِ" يعني أن المحجور يختبر بحُسْن تصرُّفه في ماله، فإذا حَسُن تصرُّفه وعُدِم تبذيره في المال فحينئذٍ ينفكُّ عنه ويدفع له ماله

стр. 910

بالبيَّنة وهو معنى قوله تعالى: " وابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ إلى قوله: فَإذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ [النساء: ٦] الآية قال ابن رشد: حدُّ الرشد حُسْنُ النظر في المال ووَضْعُ الأمور في مواضعها اهـ. قال رحنه اللَّه تعالى: "وَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيَّ في دَفْع الْمالِ إلَيْهِ إِلاَّ بِبينَّةٍ، كَدَعْواهُ دَفْعَ نَفَقَتِهِ إِلَى حَاضِنَتِهِ" قال في الرسالة: وكذلك على وَلَيَّ الأيتام البيَّنة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم، وإ، كانوا في حضانته صَدَقَ في النفقة فيما يشبه، ونحو في المدوَّنة. وقال فيها: ويَصْدُق في الأنفاق عليهم إن كانوا في حَجْرِه ما لم يأتِ بسرف. قال عياض قال مالك وابن القاسم وأشهب: بعد يمينه، قال: هذا لا يختلف فيه. قال أبو عمر: ولو أراد الوصيُّ أن يحاسب بما لا بدَّ منه ولا يُشَكُّ فيه ويسقط مازاد فلا يمين عليه. قال عياض: لابدَّ من يمينه لاحتمال استغناء اليتيم عن مثل تلك النفقة التي لا شكَّ فيها أيَّامًا متفرَّقة أو متوالية لمرض أو صِلة من أحد. ومفهوم ما هنا أنه إذا ادَّعى ما لا يشبه لا يُقْبَل، ونحوه عن الموازية اهـ نَقَلَه الشيخ زروق في شرحه على الرسالة فالواجب على وَلِيَّ الأيتام البيَّنة عند الدفع للآية المذكورة. قال رحمه الله تعالى: "وَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَالِهِ وَمَأْلُوفِهِ" يعني على الوَصِيَّ أن يُوَسَّعَ لمحجوره الحال والمال في نفقته وكِسْوَتِه على حَسَبِ المالوف في طبيعة بمراعاة المعروف والمصلحة في شأنه بدون إسراف ولا تقتير في ذلك، لأن خَيْرَ الأمور أوسطها كما وَرَدَ. قال الدردير في أقرب المسلاك: وللوصِيَّ اقتضاء الدَّيْن وتأخيرُ لنظره والنفقة عليه باملعروف كخضتْنِه وعُرسه وعيدِه ودَفْعِ نفقة له قَلّت، وإخراج فِطْرَتِه وزكاتِه، ودَفْع مالهِ قِراضًا وإيضاعًا، ولا يعمل به ولا يشتري من التركة، وتعقب بالنظر إلاَّ ما قلَّ وانتهت فيه الرغبات، والقول له في النفقة وقدرها إن أشبه بيمين لا في تاريخ الموت ولا في الدفع بعد الرُّشد إلاَّ لبيَّنة اهـ.

стр. 911

قال رحمه الله تعالى: "ولَهُ تَنْمِيَةُ مَالِهِ فَإنْ كَانَ فَقِير فَلَهُ أُحجْرَةُ مِثْلِهِ" يعني للوصي تنمية مال اليتيم الذي في حَجره بالتجارة فيها بنفسه. أو يدفعها قراضًا لغيره لمصلحة لليتيم في الربح، لكن ذلك ليس بواجب على الوصِيّ. قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: بل يندي له ذلك. وقول عائشة: "اتجِروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة" حَمَلَه ابن رشد على الندب. وقال الشاعبي بوجوب التنمية على حَسَبِ الطاقة أخْذًا بظاهر الحديث اهـ. قوله: فإن كان فقيرًا فَلَهُ أجْرة مِثْلِه: أي لقوله : طوَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَأكُل بِالمَعروفِ" [النساء: ٦] قال الحافظ السيوطي: بقدر أجْرة عمله، أي ما لم تَزِدْ على كفايته وإلاَّ فَلَهُ كفايته فقط، وهذا مذهب الشافعي. وعند مالك له أجرة مِثْلِه مطلقًا زادت على كفايته أو لا اهـ بطرف من الصاوي عليه. قال ي أقرب المسالك: ويتصرَّف الوَلِي بالصملحة؛ فَلَهُ تَرْكُ شُفعةٍ وقِصاص فيسقطان، ولا يعفو مجانًا، ولا يبيع عقار يَتيم إلاَّ لحاجة بينةٍ أو غبطة، أو لِخَوْفٍ عليه من ظالم، أو لكونه موظفًا أو حصةٍ أو قلَّةِ غلَّتِه، أو بين ذِمَّييَّن، أو جيران سوء، أو في محل خوف، أو لإرادة شركيه بيعًا ولا مال له، أو لخشية انتقال العمارة، أو الخراب ولا ما له، أو له مال والبيع أوْلى فيستبدل له خلافَهُ اهـ. قال ﵀: "وَالسَّفيهِ الْحَكِمُ" بكسر الهاء المكفوفة معطوف على الصغير في قوله: يَحْجُرُ على الصغير أبوه أو وصيّه أو الحاكم. والمعنى يتولى الحَجْر على السفيه الحاكم. قال ابن جزي: فإذا ثبت سَفْهُه حَجَرَ عليه القاضي وإن كان كبيرًا خلافًا لأبي حنيفة اهـ. قال الدردير: والسَّفْ: التبذير بصرف المال في

стр. 912

معصية كخمر وقمار، وفي معاملة بِغُبْن فاحش بلا مصلحة أو في شهواتٍ على خلاف عادة مثله، أو بإتلافه هدرًا اهـ. قال رحمه اللَّ تعالى: "وَيُفَكُّ حَجْرُهُ بإِصْلاحِهِ الْمَالَ كَالْمَجْنُونِ" يعني كما قال ابن جزي: للقاضي ترشيد المحجور إذا ثبت عنده رُشدُه سواء كان بوصِي أو بغير وَصِيّ، وتقدَّم لنا أن المحجور يختبر بحُسْن تصرُّفِه في مالِه، فإذا تحقَّق حُسْنُ تصرُّفه وعدم تبذيره ف يالمال بعد إثبات بلوغه ورُشْدِه فحينئذٍ ينفكُّ حَجْرُه. قال الجزيري: وصورة الفك أن يقول الوصي لعدلين أو أكثر: اشهدوا أني فَكَكْتُ الحَجْرَ عن فلان محجور، وأطلقت له التصرف، وملكت له أمره لما قام عندي من رشده وحِفظه لمَالِه اهـ. وما تقدَّم من صفة الفكَّ عن السفيه ومثله المجنون كما في المصنَّف. قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ يُتَّبَعُ بِمَا اْتَدَانَهُ حَالَ حَجْرِهِ بِغَيْرِه إِذْنٍ" قال التلقين: من استدان من المحجور عليه دَيْنًا بغير إذْن وَليَّه ثم فُك حَجْرُه لم يلزمه ذلك فيمن حُجِرَ عليه لِحَقَّ نفسه كالسَّفيه والصغير، ولزم فيمَن حُجِرَ عليه لِحَق غيره كالعبد يُعْتَق إلاَّ أن يفسخه عند السيد قبل عَتْقِه اهـ نَقَلَهُما الحطاب. وأمَّا تصرفات المحجور قبل الحَجْر ففيه قولان. قال في أقرب المسالك: وتصرُّف الذكر قبل الحجر عليه ماض أي لازم لا يُرَدّ، ولو تصرَّف بغي رعِوَض كعَتْقٍ؛ لأن علّة الرّدّ الحَجْ عليه وهو مفقود، وهذا هو قول مالك وكبراء أصحابه. وقال ابن القاسم: لا يمضي، فلِمَنْ يتولى عليه من حاكطم أو مقدَّم الدرُ أو الإجازة، وله إن رشد، والمعتمد الأول اهـ. انظر حاصله في حاشية الصاوي عليه. قال رحمه الله تعالى: " بِخِلافِ الْعَبْدِ بَعْدَ عَتْقِهِ مَا لَمْ يُسْقِطهُ سَيَّدُهُ وَهوَ يَمْلِكُ مِلْكًا مُزَلْزَلاً وَلِسَيدِهِ انْتِزَاعُهُ" يعني أن العبد إذا عَتَقَهُ سيَّده يتبع في

стр. 913

ذمَّته بما استدانه بغير إذْن إلاَّ أن يسقطه السيَّ قبل العَتْق فيسقط: وقوله: وهو يملك مِلكصا مزلزلاً يعني غير عام. قال شارح الرسالة: وما ذكره من أن ما بيد العبد له إلخ مبني على أه يملك لكن ملكه غير تام. وقيل لا يملك وبنوا على ملكه جواز وطء السيد لجارية عبده وعدم وجوب الزكاة في مال العبد لعدم كمال الملك، وبنوا على عدو الملك أيضًا أه إذا اشترى العبد من يعتق على سيده فإنه يعتق على السيد أهـ. ويؤيد القول بعدم الملك التام قوله: ولسيده انتزاعه، ويدل على أنّ له ملكًا إلا أن ينزع السيد منه قول أبي محمد في الرسالة وغيرها: ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد، فإن أعتقه أو كاتبه ولم يَسْتَثْنِ مالَه فليس له أن ينتزعه، هذا يدلُّ على أن ماله ملك له، وهو نص المدونة وهو المشهور في المذهب اهـ بمعناه. قال رحمه الله تعالى: "وَتَبَرُّعَاتُ الزَّوْجَةِ في ثُلُثِها، ولِلزّوجح رَدُّ الزَّائد، فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ إلا بعد موتها أو إبانتها مَضَى" يعني إذا تبرَّعت المرأة بأكثر من ثُلُث ماتلِها فلزوجها رَدُّ الزائد ما دامت في عصمته، وإن حصلت الفرقة بموت أو طلاق بائن ولم يعلم بذلك مضي ما فعلت من التبرُّع. قال ابن جزي: وأمَّا المرأة فإنَّما يُحْجَ ر عليها إذا كانت ذات زوج أن تتصرَّف بغير عِوَض كالهبة والعَتْق فيما زاد على ثُلثُ مالِها، خلافًا لهما أي للشافعي وأبي حنيفة، وإذا تصرَّفت في أكثر من الثُّلُث فقيل: تبطل الزيادة على خاصة. وقيل: يبطل الجميع. ولها التصرُّف بِعوَض في جميع مالِها وبغير عِوَض في الثلث فما دون إلاَّ أن تكون قد أضمْمتعت زوجها في مالِها فليس لها التصرُّ في شيئ مما أمتعته فيه لا بِعِوَضٍ ولا بغير عِوَض إلاَّ بإذنه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولِلمَرِيضِ نَفَقَتُهُ مِنْ رَأس مَالِهِ، وَيُمْنَعُ مِنَ التَّبرع بِما زَاد عَلَى الثلثِ" يعني للمريض المحجور عليه نفقته من رأس ماله. ومثل النفقة ما يشتري به الدواء وأجْرة الطبيب، وما يحتاج إليه في مرضه كل ذلك من رأس مالِه

стр. 914

وَيُمْنَع تبرُّعه بما زاد على الثُّلُث كالزوجة. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: حاصلة أن المريض مرضًا مخوفًا إذا تبَّرع في مَرَضِه بشيئ من مالِه با، أعْتَقَ أو تَصَدَّق أو وَقَفَ إن ذلك يوقَف لموته كثيرًا كان أوقليلأن وبعد موته يقوم ويخرج كله من ثُلُثِه إن وَسِعه وإلاَّ خرج ما وَسِعَه الثُّلُث فقط، وقُدم الأهمُّ فالأهم كما يأتي في الوصايا، فإن صحَّ ولم يَمُتْ مضى جميع تبرُّعاته، هذا إذا كان مالُه الباقي بعد التبرُّع غير مأمون كالحيوان والعُروض، وأمَّا لو كان الباقي مأمونًا وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر فإن ما بتله من عَتْقٍ أو صَدَقة لم يوقَف وينفذ ما حِمْلُهُ الثُّلُث عاجلاً ووُقِفَ منه ما زاد، فإ، صحَّ نفذ الجميع، وإن مات لم يمض غير ما نفذ اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَالزَّحِفُ فِي الصَّف، وَالرَّاكب اللُّجَّة فِي الْهَوْلِ والْحَاملُ تَبْلُغُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَالْمَرِيضِ. وَحُكْمُ غَيْرِ الْمَخُوفِ كَالْجُنُونِ والْجُذام وَالْبَرَص حُكْمُ الصَّحَّةِ" يعني يلحق بالمريض في استحقاق الحَجْر كل مرض ينشأ الموت فيه غالبًا، بخلاف المرض الخفيف فلا يُحْجَرُ به، وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: وأمَّا المريض فهو نوعان: مريض لا يُخاف عليه الموتُ غالبًا كالأبرص والمجذوم والأرمد وغير ذلك فلا حَجْرَ عليه أصلأن ومريض يخاف عليه في العادة كالحُمّى والسُّل وذات الجنب وشبه ذلك فهذا هو الذي يُحْجَرُ عليه، فيُمْنَعُ ممَّا زاد على قدر الحاجة من الأكل والشرب والكِسْوة والتداوي. وممَّا يخرج من ماله بغير عِوَض كالهِبَة والعَتْق وال يُمْنَع من المفاوضةإلاَّ إن كان فيها محاباة، فإن مات كان ما فعل ممَّا يُمْنَع منه في ثُلْثِه، وإن عاش كان في رأس ماله، وإنما الحَجْرُ عليه لحِحقَّ وَرَثَتِه. ويُلْحَقُ به من يخاف عليه الموت، كالمقاتل في الصف، والمحبوسللقتل، والحامِل إذا بلغت ستة أشهر. واختلف في راكب البحر وقت الهول اهـ إلى جميع ذلك أشار الدردير في أقرب المسالك عاطفًا على

стр. 915

مَنْ يُحْجَرُ عليه فقال: وحُجَّرَ على مريض مرضًا ينشأ الموت عنه عادة وإن لم يغب، كَسُلَّ وقُلَنْج، وحُمّى قويّةٍ، وحامل ست، ومحبوس لِقَتْل أو لِقَطْع خِيفَ الموتُ منه، وحاضرٌ صفّ القتال، لا نحو رَمَد وجَرَب وملّجَّج ببحر، ولو حصل الهولُ في تبرُّع زاد على ثُلُثِه، كنِكاح وخُلْع، لا تداويه ومعاوضّة ماليّة. ووَقَفَ تبرُّعُهُ إلاَّ بمال مأمون وهو العقار، فغ، مات فمن الثُّلُث، وإلاَّ مضى الجميع، ونجز في المأمون الثُّلُث فإن صحَّ فالباقي أي يأخذه الذي وَقَف له اهـ. ولمَّا أنهى الكلام على المحجور عليه لعدم حُسْن تصرفته المالية وكان الدَّين من أسباب الحضجْر أتبعه بِما يتعلَّق بأحكام مَنْ أحاط الدَّيْن بماله، ويُسَمَّى المفلس والمدْيان وهو من جملة المحاجير السبعة فقال رحمة الله تعالى: فَصْلٌ في التفليس أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام المفلس. الفَلَسَ: هو عدم المال والتفليس: هو خَلْعُ الرجل من ماله للغرماء. قال رحمه الله تعالى: "إِذَا ادَّعى الْمِديَانُ الْفَلَسَ وَطَلَبَ غُرَما﴾ هُ حَبْسَهُ حُبِسَ، فإنْ ثَبَت عُسْرُهُ أَنْظَرَهُ الْحَكِمُ، فَإنْ ظَهَرَ لَدَدُهُ أُدِيمَ حَبْسُهُ، فَإِن سألُوا حَجْرَه حُجِر عَلَيهِ وانتزع لهم ماله وقُسِمَ بَيْنهم بَالحِصَاص ويَحِلُّ الْمؤَجَّلَ عَليهِ لاَ لَهُ" يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: فإذا أحاط الدَّيْن بِمال أحد ولم يكن في مالِه وفاء بديونه وقام الغرماء عند القاضي فإنه يجري في ذلك على المِدْيان أحكام التفليس وهي خمسة: الأول أن يسجن استبراء لأمْرِه. الثاني: أن تَحِل عليه الديون المؤجَّلة والمعجَّلةفي المذهب بعد سَجْنِه أو استتارة كما تَحِلُّ على الإنسانإذا مات اتفاقًا. الثالثُ ألاَّ يقبل إقراره بدَيْن وشِبهِهِ، وإن كان إقراره بعد الديون وقبلَ التفليس
следующие страницы →