← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قال رحمه الله تعالى: "ولَهُ تَنْمِيَةُ مَالِهِ فَإنْ كَانَ فَقِير فَلَهُ أُحجْرَةُ مِثْلِهِ" يعني للوصي تنمية مال اليتيم الذي في حَجره بالتجارة فيها بنفسه. أو يدفعها قراضًا لغيره لمصلحة لليتيم في الربح، لكن ذلك ليس بواجب على الوصِيّ. قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: بل يندي له ذلك. وقول عائشة: "اتجِروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة" حَمَلَه ابن رشد على الندب. وقال الشاعبي بوجوب التنمية على حَسَبِ الطاقة أخْذًا بظاهر الحديث اهـ. قوله: فإن كان فقيرًا فَلَهُ أجْرة مِثْلِه: أي لقوله : طوَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَأكُل بِالمَعروفِ" [النساء: ٦] قال الحافظ السيوطي: بقدر أجْرة عمله، أي ما لم تَزِدْ على كفايته وإلاَّ فَلَهُ كفايته فقط، وهذا مذهب الشافعي. وعند مالك له أجرة مِثْلِه مطلقًا زادت على كفايته أو لا اهـ بطرف من الصاوي عليه. قال ي أقرب المسالك: ويتصرَّف الوَلِي بالصملحة؛ فَلَهُ تَرْكُ شُفعةٍ وقِصاص فيسقطان، ولا يعفو مجانًا، ولا يبيع عقار يَتيم إلاَّ لحاجة بينةٍ أو غبطة، أو لِخَوْفٍ عليه من ظالم، أو لكونه موظفًا أو حصةٍ أو قلَّةِ غلَّتِه، أو بين ذِمَّييَّن، أو جيران سوء، أو في محل خوف، أو لإرادة شركيه بيعًا ولا مال له، أو لخشية انتقال العمارة، أو الخراب ولا ما له، أو له مال والبيع أوْلى فيستبدل له خلافَهُ اهـ. قال ﵀: "وَالسَّفيهِ الْحَكِمُ" بكسر الهاء المكفوفة معطوف على الصغير في قوله: يَحْجُرُ على الصغير أبوه أو وصيّه أو الحاكم. والمعنى يتولى الحَجْر على السفيه الحاكم. قال ابن جزي: فإذا ثبت سَفْهُه حَجَرَ عليه القاضي وإن كان كبيرًا خلافًا لأبي حنيفة اهـ. قال الدردير: والسَّفْ: التبذير بصرف المال في

стр. 912

معصية كخمر وقمار، وفي معاملة بِغُبْن فاحش بلا مصلحة أو في شهواتٍ على خلاف عادة مثله، أو بإتلافه هدرًا اهـ. قال رحمه اللَّ تعالى: "وَيُفَكُّ حَجْرُهُ بإِصْلاحِهِ الْمَالَ كَالْمَجْنُونِ" يعني كما قال ابن جزي: للقاضي ترشيد المحجور إذا ثبت عنده رُشدُه سواء كان بوصِي أو بغير وَصِيّ، وتقدَّم لنا أن المحجور يختبر بحُسْن تصرُّفِه في مالِه، فإذا تحقَّق حُسْنُ تصرُّفه وعدم تبذيره ف يالمال بعد إثبات بلوغه ورُشْدِه فحينئذٍ ينفكُّ حَجْرُه. قال الجزيري: وصورة الفك أن يقول الوصي لعدلين أو أكثر: اشهدوا أني فَكَكْتُ الحَجْرَ عن فلان محجور، وأطلقت له التصرف، وملكت له أمره لما قام عندي من رشده وحِفظه لمَالِه اهـ. وما تقدَّم من صفة الفكَّ عن السفيه ومثله المجنون كما في المصنَّف. قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ يُتَّبَعُ بِمَا اْتَدَانَهُ حَالَ حَجْرِهِ بِغَيْرِه إِذْنٍ" قال التلقين: من استدان من المحجور عليه دَيْنًا بغير إذْن وَليَّه ثم فُك حَجْرُه لم يلزمه ذلك فيمن حُجِرَ عليه لِحَقَّ نفسه كالسَّفيه والصغير، ولزم فيمَن حُجِرَ عليه لِحَق غيره كالعبد يُعْتَق إلاَّ أن يفسخه عند السيد قبل عَتْقِه اهـ نَقَلَهُما الحطاب. وأمَّا تصرفات المحجور قبل الحَجْر ففيه قولان. قال في أقرب المسالك: وتصرُّف الذكر قبل الحجر عليه ماض أي لازم لا يُرَدّ، ولو تصرَّف بغي رعِوَض كعَتْقٍ؛ لأن علّة الرّدّ الحَجْ عليه وهو مفقود، وهذا هو قول مالك وكبراء أصحابه. وقال ابن القاسم: لا يمضي، فلِمَنْ يتولى عليه من حاكطم أو مقدَّم الدرُ أو الإجازة، وله إن رشد، والمعتمد الأول اهـ. انظر حاصله في حاشية الصاوي عليه. قال رحمه الله تعالى: " بِخِلافِ الْعَبْدِ بَعْدَ عَتْقِهِ مَا لَمْ يُسْقِطهُ سَيَّدُهُ وَهوَ يَمْلِكُ مِلْكًا مُزَلْزَلاً وَلِسَيدِهِ انْتِزَاعُهُ" يعني أن العبد إذا عَتَقَهُ سيَّده يتبع في

стр. 913

ذمَّته بما استدانه بغير إذْن إلاَّ أن يسقطه السيَّ قبل العَتْق فيسقط: وقوله: وهو يملك مِلكصا مزلزلاً يعني غير عام. قال شارح الرسالة: وما ذكره من أن ما بيد العبد له إلخ مبني على أه يملك لكن ملكه غير تام. وقيل لا يملك وبنوا على ملكه جواز وطء السيد لجارية عبده وعدم وجوب الزكاة في مال العبد لعدم كمال الملك، وبنوا على عدو الملك أيضًا أه إذا اشترى العبد من يعتق على سيده فإنه يعتق على السيد أهـ. ويؤيد القول بعدم الملك التام قوله: ولسيده انتزاعه، ويدل على أنّ له ملكًا إلا أن ينزع السيد منه قول أبي محمد في الرسالة وغيرها: ومال العبد له إلا أن ينتزعه السيد، فإن أعتقه أو كاتبه ولم يَسْتَثْنِ مالَه فليس له أن ينتزعه، هذا يدلُّ على أن ماله ملك له، وهو نص المدونة وهو المشهور في المذهب اهـ بمعناه. قال رحمه الله تعالى: "وَتَبَرُّعَاتُ الزَّوْجَةِ في ثُلُثِها، ولِلزّوجح رَدُّ الزَّائد، فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ إلا بعد موتها أو إبانتها مَضَى" يعني إذا تبرَّعت المرأة بأكثر من ثُلُث ماتلِها فلزوجها رَدُّ الزائد ما دامت في عصمته، وإن حصلت الفرقة بموت أو طلاق بائن ولم يعلم بذلك مضي ما فعلت من التبرُّع. قال ابن جزي: وأمَّا المرأة فإنَّما يُحْجَ ر عليها إذا كانت ذات زوج أن تتصرَّف بغير عِوَض كالهبة والعَتْق فيما زاد على ثُلثُ مالِها، خلافًا لهما أي للشافعي وأبي حنيفة، وإذا تصرَّفت في أكثر من الثُّلُث فقيل: تبطل الزيادة على خاصة. وقيل: يبطل الجميع. ولها التصرُّف بِعوَض في جميع مالِها وبغير عِوَض في الثلث فما دون إلاَّ أن تكون قد أضمْمتعت زوجها في مالِها فليس لها التصرُّ في شيئ مما أمتعته فيه لا بِعِوَضٍ ولا بغير عِوَض إلاَّ بإذنه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولِلمَرِيضِ نَفَقَتُهُ مِنْ رَأس مَالِهِ، وَيُمْنَعُ مِنَ التَّبرع بِما زَاد عَلَى الثلثِ" يعني للمريض المحجور عليه نفقته من رأس ماله. ومثل النفقة ما يشتري به الدواء وأجْرة الطبيب، وما يحتاج إليه في مرضه كل ذلك من رأس مالِه

стр. 914

وَيُمْنَع تبرُّعه بما زاد على الثُّلُث كالزوجة. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: حاصلة أن المريض مرضًا مخوفًا إذا تبَّرع في مَرَضِه بشيئ من مالِه با، أعْتَقَ أو تَصَدَّق أو وَقَفَ إن ذلك يوقَف لموته كثيرًا كان أوقليلأن وبعد موته يقوم ويخرج كله من ثُلُثِه إن وَسِعه وإلاَّ خرج ما وَسِعَه الثُّلُث فقط، وقُدم الأهمُّ فالأهم كما يأتي في الوصايا، فإن صحَّ ولم يَمُتْ مضى جميع تبرُّعاته، هذا إذا كان مالُه الباقي بعد التبرُّع غير مأمون كالحيوان والعُروض، وأمَّا لو كان الباقي مأمونًا وهو الأرض وما اتصل بها من بناء أو شجر فإن ما بتله من عَتْقٍ أو صَدَقة لم يوقَف وينفذ ما حِمْلُهُ الثُّلُث عاجلاً ووُقِفَ منه ما زاد، فإ، صحَّ نفذ الجميع، وإن مات لم يمض غير ما نفذ اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَالزَّحِفُ فِي الصَّف، وَالرَّاكب اللُّجَّة فِي الْهَوْلِ والْحَاملُ تَبْلُغُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَالْمَرِيضِ. وَحُكْمُ غَيْرِ الْمَخُوفِ كَالْجُنُونِ والْجُذام وَالْبَرَص حُكْمُ الصَّحَّةِ" يعني يلحق بالمريض في استحقاق الحَجْر كل مرض ينشأ الموت فيه غالبًا، بخلاف المرض الخفيف فلا يُحْجَرُ به، وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: وأمَّا المريض فهو نوعان: مريض لا يُخاف عليه الموتُ غالبًا كالأبرص والمجذوم والأرمد وغير ذلك فلا حَجْرَ عليه أصلأن ومريض يخاف عليه في العادة كالحُمّى والسُّل وذات الجنب وشبه ذلك فهذا هو الذي يُحْجَرُ عليه، فيُمْنَعُ ممَّا زاد على قدر الحاجة من الأكل والشرب والكِسْوة والتداوي. وممَّا يخرج من ماله بغير عِوَض كالهِبَة والعَتْق وال يُمْنَع من المفاوضةإلاَّ إن كان فيها محاباة، فإن مات كان ما فعل ممَّا يُمْنَع منه في ثُلْثِه، وإن عاش كان في رأس ماله، وإنما الحَجْرُ عليه لحِحقَّ وَرَثَتِه. ويُلْحَقُ به من يخاف عليه الموت، كالمقاتل في الصف، والمحبوسللقتل، والحامِل إذا بلغت ستة أشهر. واختلف في راكب البحر وقت الهول اهـ إلى جميع ذلك أشار الدردير في أقرب المسالك عاطفًا على

стр. 915

مَنْ يُحْجَرُ عليه فقال: وحُجَّرَ على مريض مرضًا ينشأ الموت عنه عادة وإن لم يغب، كَسُلَّ وقُلَنْج، وحُمّى قويّةٍ، وحامل ست، ومحبوس لِقَتْل أو لِقَطْع خِيفَ الموتُ منه، وحاضرٌ صفّ القتال، لا نحو رَمَد وجَرَب وملّجَّج ببحر، ولو حصل الهولُ في تبرُّع زاد على ثُلُثِه، كنِكاح وخُلْع، لا تداويه ومعاوضّة ماليّة. ووَقَفَ تبرُّعُهُ إلاَّ بمال مأمون وهو العقار، فغ، مات فمن الثُّلُث، وإلاَّ مضى الجميع، ونجز في المأمون الثُّلُث فإن صحَّ فالباقي أي يأخذه الذي وَقَف له اهـ. ولمَّا أنهى الكلام على المحجور عليه لعدم حُسْن تصرفته المالية وكان الدَّين من أسباب الحضجْر أتبعه بِما يتعلَّق بأحكام مَنْ أحاط الدَّيْن بماله، ويُسَمَّى المفلس والمدْيان وهو من جملة المحاجير السبعة فقال رحمة الله تعالى: فَصْلٌ في التفليس أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام المفلس. الفَلَسَ: هو عدم المال والتفليس: هو خَلْعُ الرجل من ماله للغرماء. قال رحمه الله تعالى: "إِذَا ادَّعى الْمِديَانُ الْفَلَسَ وَطَلَبَ غُرَما﴾ هُ حَبْسَهُ حُبِسَ، فإنْ ثَبَت عُسْرُهُ أَنْظَرَهُ الْحَكِمُ، فَإنْ ظَهَرَ لَدَدُهُ أُدِيمَ حَبْسُهُ، فَإِن سألُوا حَجْرَه حُجِر عَلَيهِ وانتزع لهم ماله وقُسِمَ بَيْنهم بَالحِصَاص ويَحِلُّ الْمؤَجَّلَ عَليهِ لاَ لَهُ" يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: فإذا أحاط الدَّيْن بِمال أحد ولم يكن في مالِه وفاء بديونه وقام الغرماء عند القاضي فإنه يجري في ذلك على المِدْيان أحكام التفليس وهي خمسة: الأول أن يسجن استبراء لأمْرِه. الثاني: أن تَحِل عليه الديون المؤجَّلة والمعجَّلةفي المذهب بعد سَجْنِه أو استتارة كما تَحِلُّ على الإنسانإذا مات اتفاقًا. الثالثُ ألاَّ يقبل إقراره بدَيْن وشِبهِهِ، وإن كان إقراره بعد الديون وقبلَ التفليس

стр. 916

قُبِلَ فيمن لا يُتَّهضم عليه ولا يُقْبَل فيمن يُتَّهَم بالميل إليه من قريب أو صديق، فإذا كان إقراره بعد التفليس لم يقبل أصلاً ولكن يجب في ذِمَّتِه متى استفاد مالأن واختلف في إقراره بمال معيَّن كالوديعة والقِراض، فقيل يُقْبَل، وقيل لا يُقْبَل، وقيل يُقْبَل إن كان على أصل القِراض والوديعة بينَّة. الرابع أن يُحْجَرَ عليه فلا ينفذ تصرُّفه في مالَه، فإن تصرَّف فيه بعد الديون وقيل التفليس نفذ ما كان من تصرُّفه بعِوَض كالبيع، ولم ينفذ ما كان بغير عِوَض كالهِبَة والعَتْق. واختلف في جواز رَهْنِه وقضائه بعض غرمائه دون بعض، وأمّا بعد التفليس فلا ينفذ شيئ من أفعاله سواء كان بعِوَضٍ أو بغير عِوَض. الخامس قُسمَ مالُه على الغرماء بعد أن يُتْرَكُ له منه كِسْوَتُه وما يأكله أيامًا هو وأهله. وفي الواضحة: الشهر ونحوه. واختلف هل تُتْرَكُ كِسْوَة زوجته؟ وهل تُباع علهي كُتُبُ العِلْم؟ ثم يُجْمَع كل ما وجد له من أصول وعروض وغير ذلك، وتُباع الاصول والعُروض ويُقْسَم المجموع على الغرماء فإن وفى بدَيْنِه سُرَّحَ من السجن، وبرِئ من الديون، وإن كان مالُه لا يقوم بالديون قُسِمَ قسمة المحاصة. والعمل في المحاصة أن ينظر نسبة مالِه من جميع الديون ويعطي كل واحد من الغرماء بتلك النسبة من دَيْنِه، مثال ذلك: إذا كان مالُه عشرةدنانير والديون عشرين دينارًا فيعطي كل واحد منهم نِصْف دَيْنِهن وكذلك لو كان مالُه عشرة والديون ثلاثين أعطى كل واحد منهم ثُلثُ دَيْنِه، ويحلف المفلس أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن يؤدّي منه بقية دَيْنِه، وحينئذٍ يُسَرَّحُ من السجن اهـ باختصار. قال رحمه الله تعالى: "وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ سِلْعَتِهِ أَخَذَهَا فَإنْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِها خُيَّرَ بيْنَ ردَّهْ وَأَخْذِهَا، أو الحِصَاص بَبَاقيهِ" يعني كما في الرسالة ونصُّها: ومَنُ وَجَدَ سِلْعَته في التفليس فإمَّا حاصَصَ وإلاَّ أخذ سِلْعَتَه إن كانت تُعرف بِعَيْنها، وهو في الموت أسوة الغرماء اهـ. قال خليل: وللغريم أخْذُ ماله المحاز عنه في الفَلَس لا الموت ولو مسكوكًا أو إبقاء، ولزمه إن لم يجده إن لم يَفِدْه غرماؤه ولو بمالِهم وأمكن، لا بضع

стр. 917

وعصمة وقصاص، ولم ينقل إلاَّ إن طحنت الحنطة أو خلط بغير مِثْلٍ أو سَمْن زبده، أو فصل ثوبه، أو ذبح كبشه، أو تتمَّر رُطْبُه. والاصل في ذلك ما في الموطَّأ والمدوَّنة عن مالك عن ابن شهادب بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء، وإذا وجد المشتري قد باع بعضه وفرَّقه فصاحب المتاع أحقُّ به من الغرماء لا يمنعه ما فرق المتاع منه أن يأخذ من وجد بعينه، وإن قضى من ثمن المتاع شيئًا فأحبَّ أن يَرُدَّهُ ويقبض ما وجد من متاعه، ويكون فيما لم يجده أسوة الغرمناء فذلك له". قال خليل: وله رَدُّ بعض ثمن قُبِضَ وأخْذُها وأخْذُ بعضه وحاصَّ بالفائت اهـ. نَقَلَه النفراوي: وفي القوانين مسألة من باع سِلْعة ثم أفلس المشتري أو مات قبل أداء الثمن فَلَهُ ثلاث أحوال: الأولى: يكون البائع أحقَّ بسِلْعَتِهِ في فَلَسِ المشتري وموته وذلك إذا كانت السلعة باقية بيد البائع، وكذلك الصناع إذا افلس ربُّ المتاع أو مات والمتاع بِيَد الصناع، وكذلك الأرض أحقُّ بالزرع في الكِراء. الثانية: يكون البائع أحقَّ بالسَّلْعة في فَلَسِ المشتري دون موته، وهو إذا كانت السلْعة باقية بِيَدِ المشتري. وقال الشافعي: هو أحقُّ بها في الموت والفَلَس، وعكس أبو حنيفة. الثالثة: يكون البائع فيها سواء مع سائر الغرماء في الموت والفلس. وهذا إذا كانت السَّلْعة قد فاتت أو ذهبت اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: "وَتُتْرِكُ لَهُ ثِيَابُهُ المُعْتَادَةُ وَقُوتُهُ الأَيَّامَ وَيُبَاعُ عَلَيهِ مَا سِوى ذَلِكَ مِنْ رَبْع وَغَيْرِهِ" يعني كما في المختصر. قال: وتُركَ له قُوتُهُ والنَّفقة الواجبة عليه لظنَّ يُسْرَته، وكِسْوَتُهُم كل دَسْتًات معتادًا. قال شارحه: والمعنى أن الحاكم يبيع على المفلس مالَه ويُقْسِمُه بين غرمائه على مرَّ ويَتْرُك له منه قُوتَ نفسه وقُتَ مَنْ تلزمه نفقته شرعًا من زوجاته وولده رقيقه وأمهات أولاده ومدبريه إلى ظن

стр. 918

يُسْرَتِه؛ لأنهم على ذلك عاملوه، بخلاف مستغرق الذَّمة بالمظالم والتبعات إذا فَلَّسَ فإنه يَتْرُك له إلاّّ ما يسدُّ به جوعته؛ لأن أهل الأموال لم يُعَاَملوا على ذلك اهـ. الخرشي بحذف. قال رحمه الله تعالى: "وَالتَّلَفُ قَبْلَ الْبَيْع مِنْهُ وَبَعْدَهُ مِن الْغُرَمَاءِ" يعني إذا تلف مال المفلس بعد تفليسه ومَنعه من التصرُّف فيه وضقضبْلَ بَيْعِ الحاكم عليه للغراماء فالخسارة فيه من المفلس. أمَّا لو كان التَّلَفُ بعد البيع وقبل القسْم فمصيبته على الغرماء. قال ابن القاسم: في تَلَفِ مال موقوف للغائب ما يحتاج لبيعه فهو من المَدِين؛ لأنه على مِلْكِه يُباع، وما لا يحتاج إلى بَيْعِه فَمِنَ الغراماء. وعبارة الخرشي عند قول خليل: فإن تُلِفَ نصيب غائب، إلى أن قال: كعَيْنِ وَقْفٍ للغراماء لا عَرْض، يعني أن الحاكم إذا وَقَفَ مال المفلس أو مال الميت كلّه ليقضي منه ديونه فَتُلِفَ ذلك المال فالمشهور أنه إن كان عينًا ذهبًا أو فضّة فضمانه من الغرماء الحاضرين لتفريطهم في قسمة العين، إذ لا كلفة في قسْمِها؛ لأنها مهيّأة للقسْم. وأمَّا العَرْض إذا تَلَفَ فضمانه من المفلس أو من الميت لا من الغرماء. قال قبل ذلك: يعني أن الحاكم إذا قَسَمَ مال المفلس أو الميت بين غرمائه ثم إنه عَزَلَ نصيب شخص غائب فتُلِفَ بعد ذلك فإن مصيبته من الغائب اتفاقًا، والقاضي أو نائبه أمين فيه اهـ بتقديمز انظر حاشية العدوي في تعليل الشارح بتفريطهم في قسمة العين فراجِعْه إن شئت. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلْيسّ لَهُم مُلازَمَتُهُ عَلَى الْبَاقي وَلاَ إجَارَتُهُ" يعني إذا أخذ الغراماء ما بِيَدِ الغريم من المال ولم يَفِ بما عليه من الديون لا يلزمه أن يؤاجر نفسه ولا أن يكتسب ليؤدّي ما بقي عليه. قال الدردير في أقرب المسالك: ولا يلزم بتكسُّب وتسلّف، واستشفاع وعفو للدَّيَة، وانتزاع مال رقيقه، وما وهَبَه لولد اهـ. ومثله في المختصر قال مالك في المدوَّنة: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الحرَّ إذا فلسَ لا يؤاجَر. قال ابن القاسم: ولا يستعمل لقوله تعالى: "وَإِن كَانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظرَة إلى مَيسَرَةٍ" [البقرة: ٢٨٠] قال الصاوي في حاشية على الدردير: قوله: ولا يلزم المفلس بتكسُّب، أي ولو عامله الغرماء على

стр. 919

التكسُّب وشرطوا عليه ذلك إذا فلَّس فلا يعمل بذلك الشرط، وسواء كان صانعًا أو تاجرًا، خلافًا لما في الحطاب نَقْلاً عن اللخمي مَنْ جَبَرَهُ على التكسّب إذا كان صانعًا وشرط عليه التكسُّب ف يعَقْدِ الدَّيْن اهـ. والأول أصحّ. قال الخرشي: وتقييد اللخمي ضعيف. وفي حاشية العدوي عليه: والحاصل أنه لا يلزم بالتكسُّب ليدفعه لغرمائه في ديونهم، وأمَّا كونه يكتسب وينفق على نفسه فهذا يلزمه، ولا يُتْرَك له قُوته حيث كان كَسْبُه يكفيه، إلاَّ أنك خبير بأن اللخمي لم يقيد، بل قال لأن الغرماء عاملوه، أي داخلون معه على ذلك اهـ. ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بأحكام تفليس المَدِين انتقل يتكلم على أحكام الصُّلْح وما يتعلَّق به فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الصلح وأحكامه أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الصُّلْح بين المتداعين في شيئ أو في حق. والصُّلْح لغة: قَطْعُ المنازعة، وعُرْفًا: انتقال من حق أو دعوى بعوضَ لِرَفْع نزاع أو خوف وقوعه. قال ابن رشد في المقدمات: روي أن كعب بن مالك تقاضي من سمعهما النبي ﷺ وهو في بيته، فخرج حتى كشف سِجْفَ حُجْرَتِه، فنادى كعب بن مالك فقال يا كعب، فقال لبيَّك يا رسول اللَّه، فأشار بيده أن ضّعْ عنه الشطر، فقال كعب: قد فعلت، فقال رسول الله ﷺ "قم فاقضِه" اهـ نَقَلَه الحطاب. ثم اعلَم أن الصُّلْح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تارة يكون بَيْعًا، وتارة يكون إجارة وأخرى يكون هِبة، وذلك أن المصالح به إن كان ذاتًا فبيع، وإن كان منفعة فإجارة، وإن كان ببعض المدعى به فهبة. أمَّا حُكْمُه فالجواز مرجَّحًا إلى جانب الندب وقيل إنه مندوب.

стр. 920

قال رحمه الله تعالى: "الصُّلْحُ جَائِزٌ عَلَى الإِقْرارِ والإِنْكَارِ إلاَّ مَا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلالاً" يعني كما في الرسالة، ونصُّها: والصُّلْح جائز إلاَّ ما جرَّ إلى حرام. ويجوز على الإقرار والإنكار. قال شارحها: هذا بعض حديث، ولفظه قال ﷺ "الصُّلْح جائز بين المسلمين إلاَّ صلحًا حرَّم حَلالاً أو أحَلَّ حرامًا، والمسلمون شروطهم إلاَّ شَرْطًا حرَّم حَلالاً أو أحَلَّ حرامًا" اهـ حديث حسن رواه الترمذي وإن كان عينًا جاز الصُّلْح عنه بعَرْض ورواه ابن حبان وصحّحه. قال النفراوي مثال الصُّلْح الذي جرَّ إلى حرام، الصُّلْح عن الدَّين الشرعي بخمر أو خنزير، وكالصُّلْح عن الذهب المؤجَّل بالورق ولو على الحلول. ومثال الذي حرَّم حَلالاً الصُّلْح عن ثوب بسِلْعة بشرط أن لا ينتفع بها، أو بثمر قبل بُدُوَّ صلاحه على شرط الجذّ. ويجوز على الإقرار ويكون تارة بَيْعًا إن وقع على أخذ غير المقِرَّ به، كأن يكون له عليه عَرْض أو حيوان ويُصَالح عنه بدراهم، وتارة يكون إجارة وذلك كأن يكون له عليه ذات معينة كثَوْبٍ أو عبد فيصالحه عن ذلك بمنافع دار مدّة من الزمان، وتارة يكون هبة وذلك كما إذا كان له عليه مائة] [١٤] [١٥] فثصالحه عنها بخمسين، وهذا في الحقيقة إبراء. قال خليل مشيرًا إلى تلك الأحوال بقوله: الصُلْح على غير المدَّعى به بَيْعٌ أو إجارة، وعلى بعضه هبة. ويجوز عن الدَّين بِما يُباع به، فإن كان عَرْضًا جاز الصُّلْح عنه ولو بعين حالة وعن الذهب الورق وعكسه حيث حلاَّ وعُجَّ المُصَالَح به. ويجوز الصُّلْح أيضًا على الإنكار وعلى مقتضى السكوت. قال خليل: وعلى الافتداء من يمين أو السكوت أو الإنكار. والمعنى أنه إذا توجهت يمين على شخص فإنه يجوز له أن يُفْتَدَى منها بالمال ولو عَلِمَ براءة نفسهعلى ظاهر المدوَّنة، وهو المعتمد خِلافًا لِمَن أثمه من أربعة أوجه. وجواز الصُّلْح عن هذه المذكورات إنَّما هو بالنظر إلى العقد وأمَّا باعتبار الباطن بحيث يحِلُّ تناول ما وقع به الصُّلْح فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام وإلاّّ فحلال اهـ. النفراوي.

стр. 921

قال رحمه الله تعالى: "فَمَنْ عَمِمَ أَنَّنهُ لاَ حَقَّ لَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ما أَخَذَهُ" يعني إذا تحقَّ شخص أنه ليس له حقٌّ على غيره لا يَحِلٌّ له أن يأخذ من ماله شيئًا على وجه الباطل. فالصُّلْح لا يَحِلُّ حرامًا، ومثله حكم الحاكم فإنه لا يَحِلُّ حرامًا وإن قلَّ. قال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه" اهـ. رواه ابن حبان والحاكم. الحديث دليل على تحريم مال المسلم إلاَّ بطيبٍ من نفسه وإن قلَّ، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْن مَعَاوَضَةٍ وَغَيْرِ مَعَاوَضةٍ، وَالمُعَاوَضَةُ كَاْبَيْع فِيمَما يَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ. الثاني تَعْجِيلُ الْبَعْضِ وَإسْقَاطُ الْبَاقي" يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: والصُّلْح على نوعَيْن: الأول إسقاط إبراء وهو جائز مطلقًا. الثاني صُلْحٌ على عِوَض فهذا يجوز إلاَّ إِن أدّى إلى حرام، وحُكْمُه حُكْمُ البيع سواء كان في عين أو دين فيقدر المدَّعى به والمقبوض عن الصُّلْح كالعِوَضَيْن فيما يجوز بينهما ويمتنع، فيمتنع فيه الجهالة والغَرَر والرَّبا والوضع على التعجيل وما أشبه ذلك. ويجوز الصُّلْح على الذهب والفضّة وعلى الفضّة بالذهب بشرط حلول الجميع وتعجيل القبض. ويجوز الصُّلْح على الإقرار اتفاقًا، وعلى الإنكار خلافًا للشافعي وهو أن يصالح مَنْ وَجَبَتْ عليه اليمين على أن يُفْتَدَى منها. ويَحِلُّ لِمَنْ بذل له شيئ في الصُّلْح أن يأخذه إن عَلِمَ أنه مطالب بالحقَّ، فإن عَلِمَ أنه مطالب بالباطل لم يُزْ له أخْذُه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "فَمَنْ وَضَعَ بَعْضَ حَقَّهِ فَلاَ رُجُوع لَله" يعني أ، من أسقط بعض حقَّ وأخذ بعضه بغير إجبار عليه فلا رجوع له إلى ما أسقطه اختياراً لأنه متبرَّ بالبعض. [١٥] [١٦] قال رحمه الله تعالى: وَمَنْ لَهُ بَيَّنَةٌ فَتَرَكَ القِيَامَ بِهَا سَقَطَتْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ

стр. 922

نَقْضُ الصُّلْجِ بِخِلاَفِ كَوْنِهَا غَائِبةً، أَوْ لاَ يَعْلَمُها: يعني ومَنُ كانت له بيَّنة في حقَّ ولم يَقمْ بها وصالح صاحبه لم يكن لن نَقْضُ الصُّلْح إلاَّ إذا كان بينته غائبة فَلَهُ الرجوع عن الصُّلْح. قال خليل: فلو أقرَّ بعده، أو شهدن بيَّنة لم يَعْلَمْها، أو أشهد وأعلن أنه يقوم بها، أو وجد وثيقته بعده فَلَه نَقْضُه، كَمَنْ لم يعلن، أو يقرُّ سرًّ فقط على الأحسن فيهما لا إن عَلِمَ ببيَّنته ولم يشهد، أو ادَّعى ضياع الصَّك، فقيل له حقُّكَ ثابت فأتِ به فصَلَح ثم وَجَدَه اهـ قال الشارح: يعني أن مَنِ ادّضعى على رجلين بدَيْن فأنْكَرَه ثم صالَحَه عليه وهو عالم ببينته ولم يشهد بأنه يقوم بها فإنه لا قيام له بها، ولا ينقضي صُلْحُه سواء كانت بيَّنته حاضرة أو غائبة غيبة قريبة أو بعيدة، ولو لم يصرَّح بإسقاطها، فلو أشهد وكل هذا ممَّا لا قيام له ولا ينقضي الصُّلْح. انظر حُكْمَ مَنْ ضاعت عنه صك في الخرشي وغيره من الشراح اهـ. قال ابن جزي في القوانين: فرعان الأول: مَنِ ادَّعى على رجل حقًّا فأنكره فصالحه ثم ثبت الحقُّ بعد الصُّلْح باعتراف أو ببيَّنة فَلَهُ الرجوع عن الصُّلْح، إلا إن كان عالِمًا بالبيَّنة وهي حاضرة ولم يَقُمْ بها فالصُّلْح له لازم، الفرع الثاني: إذا كان أحد المتصالحين قد أشهد قبل الصُّلْح إشهاد تقية أن صُلْحَه إنَّما هو لِما يتوقعه من إنكار صاحبه أو غير ذلك، فإن الصُّلْح لا يلزمه إذا ثبت أصل حقَّه اهـ. وقال النفراوي في الفواكه: خاتمة: إذا وقع الصُّلْح مستوفيًا لشروطه كان لازمًا، ولا يجوز تعقُّبه ولو ظهر المصالح عنه ويملكه المدَّعى عليه إلاَّ أن يكون متهمًا بسرقته ويوجد عنده فإنه يأخذه مالِكُه وينقضي الصُّلْح، كما ينقضي إذا أقرَّ الظالم ببطلان دعواه بعد وقوع الصُّلْح فإن للمظلوم نَقْضَه بلا خِلاف، أو شهدن بَيَّنة للمظلوم لم يكن يَعْلَم بها أو أشهدوا على أنه يقوم بها، أو وجد وثيقة بعده فَلَهُ نَقْضُه، كَمَنْ لم يعلن، أو يقرُّ سرًّا فقط على الأحسن كخما تقدَّم نصُّ خليل آنفًا. والشيئ المصالح به يَحِلُّ لِمَنْ أخذه إن كان محقًّا في دعواه، ولا يَحِلُّ له إن كان ظالمًا اهـ.

стр. 923

ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بالصُّلْح انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بأحكام الحَمَالة فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في بيان ما يتعلَّق بأحكام الحَمَالة والكَفَالة والزَّعَامة والضمان وهذه الأشياء الأربعة كلها بمعنى شيئ واحد، أي بمنزلة شيئ واحد. قال تعالى في قصة يوسف ﵇: "وَمِمَن جَآءَ ربِهِ حِملُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعيمُ" [يوسف: ٧٢] أي كفيل وضامن. قال ابن جزي: يقال للضامن حميل وكفيل وزعيم. وهي لغةً: [١٦] [١٧] الحفظ، وعُرْفًا: الْتزام مكلَّف غير سفيه دَيْناً على ذِمّة غيره، أو التزام طلبه مَنْ عليه لِمَنْ له بما يدلُّ عليه، أي من الصيغة اهـ. ولِما تقدَّم. قال رحمه اللَّه تعالى: "الْحَمَالَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالزَّعَامَةُ بِمَعْنَى" أي بمنزلة معنّى واحد، قال رحمه الله تعالى: فَيَجُوزُ بِكُلَّ دَيْنٍ ثَابِتْ أَوْ آيِلٍ إِلَى الثُّبُوتِ" يعني يجوز الضمان في كل دَيْن ثابت على الذَّمَّة أو ما سكيون ثابتًا كجُعْل. قال في أقرب المسلاك: وشَرْطُ الدَّيْن لزومه ولو في المآل كجُمعْل فإنه يؤُول للزوم، كما لو قال شخص لآخر: إن أتيت لي بعبدي الآبِق مثلاً فَلَكَ دينار، فيصحُّ ضمان القائل، فغ، أتى المخاطب بالعبد لزم الضامنَ الدينارُ إن لم يدفعه ربُّ العبد للعامل، وكذا دَايِنْ فلانًا وأنا أضمنه. أو إنِن ثبت لك عليه دَيْنٌ فأنا ضامِن اهـ. قال رحمه اللَّ تعالى: "لاَ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُوه مِنَ الْكَفِيل" يعني لا تصحٌّ الحَمَالة فيما لا يمكن استيفاؤه من الحميل كالقصاص، وجميع ما لا يقبل النيابة من الحدود. قال ابن القاسم: لا كفالة في الحدود ولا في التعرزيز. وعن ابن وهب: لا تُقْبَلأ حَمَالة في دم ولا في زناً، ولا سرقة، ولا في شرب خمر، ولا في شيئ من حدود اللَّ، وتُقْبَل فيما سوى ذلك اهـ. المدوَّنة. قال ابن جزي في المسائل: المسألة الأولى في المضمون وهو

стр. 924

كل حقَّ تصحُّ النيابة فيه وذلك في الأموال وما يؤول إليها، فلا يصحُّ الضمان فيالحدود ولا في القصاص؛ لأنها لا تصحُّ النيابة فيها، وإنَّما الحُكْمُ فيها بالسجن حتى يثبت الحقُّ ويستوفى. وأجاز قوم الضمان فيها بالوجهاهـ. باختصار. قال الخرشي: يعني أنه يُشْتَرَط في صِحّة الضمان أن يكون المضمون فيه يمكن أن يُستوفى من الضامن، احترز بذلك من مثل الحدود والتعازير والقتل والجراح وما أشبه ذلك فإنه لا يصحُّ الضمان فيه إذ لا يجوز أن يستوفى ذلك من الضامن. ويجوز الضمان وإن جهل قدر المضمون حالاً ومآلاً أو جهل مَنْ له الدَّيْن. قال ابن عرفة: جهل قدر المحتمل به غير مانع اتفاقًا اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَكْفُولِ عَنْهُ" يعني كماف ي الدردير عاطفًا على جائزات: وجاز ضمان بغير إذن المضمون، أي ف لا يُشْتَرَطُ إذْنه، هذا هو نصُّ المدوَّنة وغيرها، وما ذهب إليه المتَّيطي عن بعض العلماء ضعي. قال خليل: وبغير إذْنه كأدائه رِفْقًا لا عَنتًا فيُرَدُّ، كشرائه. قال شارحه: يصحُّ الضمان بغير إذْن المضمون عنه. واستدلَّ على صِحَّة الضمان بغير إذْن المضمون عنه قوله كأدائه رِفْقًا لا عَنتًا فيُرَدُّ أي كأداء الشخص الدَّيْن، كان ضامنًا أو غيره رِفقًا بِمَنْ عليه وبِمَنْ له، ويلزم ربُّ الدَّيْن قبوله ولا كلام له ولا لِمَنْ عليه إذا دُعِيَ أحدهما إلى القضاء، فإن امتنعَا فالظاهر لا يلزمهما قاله بعضهم، لا إن أدّاة عَنتًا: أي ليَتْعَبَ مَنْ عليه لِقَصْدِ سِجْنِهِ لعداوة بينهما فيُرَدُّ الأداء من أصله اهـ الخرشي. قال رحمه الله تعالى: "وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُطالَبُ الْكَفيلُ إلاَّ أَنْ يَتَعَذَّر الاسْتيفَاءُ مِنَ الأَصيل وَيَبْرأُ بِبَرَاءَة الأصيل لا بِالْعَكْسِ" يعني كما في الرسالة، ونصُّها: ولا يغرَم الحميل إلاَّ في عُدِم الغريم أو غيبته. وفي أقرب المسالك: ولا يُطالَبُ إن تيسَّر الأخذ من مالِ المَدِين ولو غائبًا إلاّض أن يَشترط أخْذَ أيهما شاء أو تقديمه أو ضمن

стр. 925

في الحالات السّتَّ، وهي: الحياة، والموت، والحضور، والغيبة، واليُسْر، والعُسْر، فَلَهُ مطالبته ولو تيسَّر الأخْذُ من مال الغريم، هذا هو المعتمد اهـ. بطرف من الصاوي وعليه. قوله إلاَّ أن يتعذَّر، قال شارح الرسالة يعني أن ممَّا يفرّق بين الحَمَالة والحَوَالة أن الحَوَالة يغرَم على كل حال، والحَمَالة إنَّما يغرَم في عُدِم الغريم أي كان حميلاً بالمال أو بغيبته إن كغان حميلاً بالوجه أو بالمال وقد تعذّر الاستيفاء منه، أو كان حميلاً في جميع الأحوال اهـ قاله زروق. وقوله: ويبرأ إلخ قال الخرشي: والمعنى أن الأصل إذا برِئ من الدَّيْن بوجْهٍ من هِبَة ونحوها، أو كون المَدِين مات مليئًا، والطالب وارثه بَرِئَ الحَميل لأنه إذا غرَّم الضامن شيئًا رجع به في تركة الميت المَدِين والتَّرْك في يد الطالب فصارت مقاصة، وإن مات المَدين معدمًا ضَمِنَ الكفيل. وقوله لا بالعكس يعني أنه إذا بَرِئ الضامن لا يَبْرَأ الأصل وكذا إن وَهَبَ ربُّ الدَّيْن الدَّيْن للضامن فعلى مَنْ عليه الدَّيْن دَفْعُه للضامن اهـ. قال في المدوَّنة وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "الحميل غارم" وقال أيضًا: "الزعيم غارم" والزعيم هو الحميل، فإذا قال أنا ضامن لك، أو حميل لك، أو قبيل لك، أو زعيم لك، أو هو لك عندي، أو هو لك عليَّ، أو هو إليَّ، أو هو لك قبلي فهذا كلُّه ضامن لازم. والضمان حمالة والحمالة لازمة كالذَّيْن وإن كان في هذه الوجوه كلها يريد الحق فهو لازم، وإن كان يريد الرجل فهو لازم، فَخُذْ هذا على هذا اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَيَجُوزُ بِالْوَجْهِ، وَيَبْرَأُ بِتَسْلِيمِهِ مُتَمَكَّنًا منْه وَيَلْزَمُهُ الْمَالُ إلاَّ أن يَمُوتَ الْمَكْفُولُ أَوْ يَشْتَرطَ الْبَرِاءَةَ" يعني كماف ي أقرب المسالك: وضمانُ الوجه التزام الإتيان بالغريم عند الأجَل، وبرِئ بتسليمه له، وإن عَدِيمًا، أو بسجن، أو بغير البلدان إن كا به حاكم، أي يقضي بالحقَّق وبتسليمه نفسه إن أمَرَه به، وحلَّ الحقُّ وإلاَّ أُغْرِمَ بعد تلوُّم خفَّ إن قربت غَيبتُه كاليومَيْن، ولا ينفعه إحضارُه بعد الحُكْم، لا إن أثبت عدمه في غيْبته، أو موتَه. وللزوج ردُّه أي ضمان الوجه اهـ.

стр. 926

ثم اعلم أن الضمان على ثلاث أقسام: ضمان مال، وضمان وجه، وضمان طلب، فضمان المال التزام دَيْن لا يسقطه عمَّن هو عليه، وضمان الوجه عبارة عن إحضار الغريم وقت الحاجة إليه، وإنَّما يَبْرَأ فيه الضامن بتسليم المضمون. قال خليل: ورَرِئ بتسليمه وإن بسجن، أو بتسليمه نفسه إن أمَرَه به إن حلَّ الحقُّ كما تقدَّم آنفًا. وضمان الطلب عبارة عن التفتيش على الغريم الذي عليه الذّديْ، ثم يخبر صاحب الدّيْن به ولا يلزمه إحضاره ولا غُرْمَ عليه إلاّ إن قصّر أو فرَّط. قال خليل وغُرْمٌ إن فرَّط أو هرب وعُوقِب اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَعَنِ الْمَيَّتِ وَبِالُمَجْهُولِ وَيَلْزَمُ مَا ثَبَت، وَفِي قَوْلِهِ عَامِلْ فُلانًا وأَنَا كَفيلُه يّلزَمُهُ الْمُشْبِهُ" يعني يجوز الضمان عن الميت. قال ابن جزي في القوانين: ويجوز الضمان عن الحي والميت ومَنَعَ أبو حنيفة الضمان عن الميت إذا لم يترك وفاء بدَيْنِه، وعن الغائب ويجوز عن الموسِر والمعدَم، ويجوز الضمان بإذن المضمون وبغير إذنه اهـ. قوله وبالمجهول، تقدَّم الكلام فيه أنه يجوز الضمان بإذن المضمون وبغير إذنه اهـ. قوله وبالمجهول، تقدَّم الكلام فيه أنه يجوز الضمان وإن جهل قدر المضمون حالاً ومآلاً أو جهل مَنْ له الدَّيْن فراجِعْه إن شئت عند قول المصنَّف لا فيما لاي مكن استيفاؤه من الكفيل. وقوله عامِل فلانًا وأنا كفيله إلخ يعني أن من قاللغيره عامِل فلانًا وأنا كفيله ففعل يلزم الآمر ما أشبه من المال. قال مالك في المدوَّنة: مَنْ قال لرجل: بايع فلانًا أو دايِنْه فمَا بايعته به من شيئ أو داينته به فأنا ضامن لزمه ذلك إذا ثبت مبلغه. وقال غيره: إنَّما يلزمه من ذلك ما كان يشبه أن يداين مثله المحمول عنه ويبايع به. قال ابن يونس: وليس ذلك بخلاف اهـ نَقَلَه الموّاق. قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإِن مَاتَ قَبْلَ الْحُلُولِ وُقِفَ مِنْ تَرِكَتِهِ قَدْرُ الدَّيْنِ فَإذَا حَلَّ واسْتَوْفَى الحقَّ أخِذَهُ الْوَرَثَةُ وَإِلا أَخَذَهُ الْغَرِيمُ" يعني إن مات

стр. 927

الكفيل قبل حلول الأجَل وُقِفَ من تَرِكَتِهِ قدْر الدَّيْن الذي تكفل، فإ، حَلَّ الأجَلُ استوفى الحق منه ورجع به ورثة الكفيل أي على المَدج/ين، وإن مات المضدِين ولم يترك وفاءّ سقط حقُّ ورثة الكفيل. قال الحطاب: ولو مات الحميل قبل موت فلان وَجَبَ أن يُقَفَ من ماله بقَدْرِ الدَّيْن، فإن مات المحمول عنه عديمًا أخذ المحمول له ذلك المال الموقوف اهـ انظره وفيه توقَّفَ أبو إسحاق في هذه المسألة. قال العلاّمة الدردير: وعُجل الدَّين بموت الضامن قبل الأجل من تَرِكَتِه إن كان له تَرِكَة، ورجع وارثه على الغريم بعد الأجَل أو بعد موت الغريم على تَرِكَتِه إِن تَرَكَه، أي إن تَرَك ما يؤخذ منه الدَّيْ، وإلاَّ سَقَطَ. قال الصاوي: قوله أي الضامن، مفهومه لو مات المَدِين، فإن الحقَّ يُعَجَّل أيضًا من تَرِكَتِه، فإن لم يترك شيئاً فلا طَلَبَ على الضامن حتى يَحِلَّ الأجَلُ، إذا لا يلزم من حلول الدَّيْن على المَدِين حلوله على الكفيل لبقاء ذِمَّتِه كذا ف يالأصل. قوله وإلاَّ سقط أي بأن مات الغريم وهو معسِر سقط ما عليه وضاع على ورثة الضامن حقُّهم اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَإِذَا حُطَّ عَنْهُ شَيئٌ رَجَعَ بِمَا أَدَّاهُ، وَلَوُ صَالَحَ رَجَعَ بِلاَقَل" يعني إذا حطَّ عن الكفيل شيئ من الدَّيْن الذي تكفَّل ودفع لربَّه عند الأجَل باقية فإنه يجرع على المَدِين بما دفع فقط ولو صالح ربُّ الدَّيْن بشيئ من المقوَّمات أ, المثليات فإنه يرجع عليه بالأقل من ذلك ولا يرجع عليه بَما حطَّ عنه من ذلك: قال الدردير في أقرب المسالك: ورجع بما أدَّى ولو مقوَّمًا إن ثبت الدفع، وإليه أشار خليل بقوله: ورجع بِما أدَّى ولو مقوَّمًا إن ثبت الدفع، وجاز صُلْحُه عنه بِما جاز للغريم على الأصح ورجع بالأقلَّ منه أو قيمته اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَصِحُّ مِنَ الْجَمَاعَةِ بَعْضُهُمْ عَن بَعْضٍ، وَمَنْ أدَّى بَرِئَ البَاقُونَ، ورَجَعَ عَلَى كُلَّ بِمَا يَنُبُه" وعبارة الدردير في أقرب المسالك أنه قال: وإن تعدَّد حملاً ولم يشترط حَمَاله بعضهم عن بعض أتبعَ كل بحصَّته فقط إلاَّ أن يقول

стр. 928

أيُكُم شئت آخُذ بحقّي فَلَه أخْذُ جميع الحقّ ممَّن شاء منمهم، ورجع الدافعُ على كل بِما يخصُّهُ إن كانوا غرماء وإلاَّ ... فَعَلى الغريم، كتَرَتبهم، فإن اشترط ذلك أُخذ كُلٌّ به ورجع بغير ما أدَّى عن نفسه بكُلَّ ما على المَلْقِي ثم يساواه ولو كان الحقٌ على غيرهم، كثلاثة حُمَّلاتَت بثلاث مائة لَقِيَ ربُّ الحقَّ أحدهم أخذ منه الجميعَ، فغ، لَقِيَ أحدهما أخذه بمائة ثم بخمسين اهـ انظر بلغة السالك وشراح خليل. تتمة: نَقَلَ الصاوي في حاشية على الدردير مسألة المدونة المشهورة التي أفردها بعضهم بالتأليف، وهي أن ستة أشخاص اشتروا سِلْعة بستمائة درهم من شخص على كل واحد منهم مائة بالأصالة والباقي بالحَمَالة. وقد جمع بعضهم كيفية الترادع فيها على وَجْهٍ يسهل تناوله على المبتدئ فقال: إذا لَقِيَ ربُّ الدَّيْن الأول أخذ منه ستمائة مائة أصالة ومائةين حَمَالة عن أصحابه الأربعة، عن كل واحد خمسون. فإذا لَقِيَ الأول والثاني والثالث غَرِمَ للأول خمسين أصالة وخمسة وسبعين حمالة عن أصحابه الثلاثة، عن كل واحد خمسة وعشرون، وغَرِمَ أيضًا للثاني خمسين أصالة وسبعة وثلاثين ونِصْفًا حَمَالة عن أصحابه الثلاثة عن كل واحد اثنا عشر ونِصف. وغرم أيضًا للثالث سبعة وثلاثين ونِصْفًا أصالة، واثنى عشر ونِصْفًا حَمَالة عن صاحبَيْه عن كل واحد ستة ورُبُع. فإذا لَقِيَ الأول والثاني والثالث والرابع والخامس غَرِمَ للأول اثنى عشر ونِصْفًا أصالة، وستة ورُبْعًا حضمَالة عن صاحبه، وغَرمَ للثاين أيضًا خمسة وعشرية أصالة، وتسعة وثلاثمائة أثمان حَمَالة عن صاحبه، وغَرِمَ أيضاً للثالث واحدًا وثلاثين وربعًا أصالة، وسبعة وستة أثمان ونِصْفَ ثُمْن حَمَالة عن

стр. 929

صاحبه، وغَرِمَ للرابع أيضًا واحدًا وثلاثين ورُبْعًا أصَالة، وثلاثة وسبعة أثمان، ورُبْع ثُمْن حَمَالة عن صاحبه. فإذا لَقِيَ الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس غَرِمَ للأول ستة ورُبْعًا اصالة، وغَرِمَ للثاني خمسة عشر وخمسة أثمان أصَالة، وغَرِمَ للثالث ثلاثة وعشرين وثلاثمائة أثمان ونِصْفَ ثُمْن أصَالة، وغَرِمَ للرابع سبعة وعشرين ورُبعًا وثلاثة أربع ثُمْن أصَالة، وغَرِمَ للخامس سبعة وعشرين ورُبْعًا وثلاثة أرباع ثُمْن أصَالة ف قد وصل لكلَّ ذي حق حقه. والسلام، وقد ضَبَطَه العلامة الشبرخيتي على هذا الوجه في جدول مخصوص فراجِعْه إن شئت اهـ. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بأحكام الحَمَالة انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بالحَوَالة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الحَوَالة أي في بيان ما يختصُّ بأحكام الحَوَالة. وهي مأخوذة من التحوُّل. يقال حَّل الشيئ من مكانه: نَقَلَه منه إلى مكان آخر. وحوَّل وَجْهَه: لَفَتَهُ. هذا معناها اللغوي. قال العلاّمة الشيخ عبد الرحمن الجزيري في الفِقْه: والمعنى اللغوي عام يشمل نَقْلَ العين، كنَقْل الزجاجة من مكان إلى مكان آخر، كما يشمل نَقْلَ الدَّيْن من ذِمة إلى ذمة. وأمَّا معناها ف يالشرع فهو نَقْلُ الدَّيْن من ذِمة إلى ذِمة أخرى بدّيْنٍ مماثل له فتَبْرَأ بذلك النقل الذمة الأولى، فإذا كان لِزَيْدٍ مائة جنيه على عمرو يَحِلُّ موعد دَفْعِها بعد ثلاثة أشهر مثلأن ولعمرو مثل هذه المائة على خالد يحِحلُّ موعدها في ذلك الوقت، فأحال عمرو زيدًا على خالد بالشرائط الآتية فإن ذِمة عمرو تَبْرَأ من دَيْنِ زيد وتشغل ذِمّة خالد به بدل عمرو اهـ. أمَّا حُكْمُ الحَوَالة فالجواز وقيل الندب. قال رحمه الله تعالى: "الْحَوَالَةُ تَحْوِيلُ الْحَقَّ إِلَى ذِمَّة تَبْرَأُ بِهَا الأُولَى" قد

стр. 930

تقدمَّ آنفًا معنى الحَوَالة في الشَّرْع، فلا حاجة إلى إعادتها هنا كما لا يَخفى. وأمَّا شروط صِحَّتها فقد قال رحمه الله تعالى: "بِشَرْطِ رِضَاهُمَا لاض رِضَا المُحَالِ عَلَيْهِ إلاَّا أَنْ يَكُونَ لاَ حَقَّ عَلَيْهِ" يعني من شروط صِحّة الحَوَالة رضا المُحيل والمُحال عليه، إذ هو محل للتصرُّف باعتبار الدَّيْن الذي عنده على المشهور، ما لم يكن بينه وبين المُحال عداوة فإنه لا تصحُّ الحَوَالة عليه حينئذ على المشهور من المذهب، وهو قول مالك اهـ. قوله إلاَّ أن يكون لا حقَّ عليه يعني إلاَّ أن يكون ليس على المُحال عليه دَيْن. قال في الرسالة: وإنما الحَوَالةُ على أصل دَيْن وإلاَّ فهي حَمَالة اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ رُجُوعَ لِلْمُحَالِ لِتَعَذُّرِ الاسْتِيفَاءِ إلاَّ أَنْ يَغُرَّهُ لاً إِنْ عَلِمَ فَقْرَهُ فَرَضِي" قال في الموطأ قال يحيي: سمعتُ مالكِاً يقول: الأمر عندنا في الرجل يحيل الرجل على الرجل بدَيْن له عَلَيْه أنه إن أفلس الذي احتيل عليه أو مات فلم يضدَّع وفاءً فليس للمحتال على الذي أحاله شيئ وأنه لا يرجع على صاحبه الأول. قال مالك: وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا اهـ. وفي الرسالة: ومَنْ أحِيلَ بِدَيْن فَرَشِيَ فلا رجوعَ له على الأول وإن أفلس، هذا إلاَّ أن يَغُرَّه منه أي إلاَّ أن يكون المُحيل عالمِاً بإفلاس المُحال عليه فَلَهُ الرجوع عليه اهـ. النفراوي. قال خليل: ويتحوَّل حقُّ المُحال على المُحال عليه وإن أفْلَسَ أو جَحَدَ إلاّض أن يعلم المُحيل بإفلاسه فقط وحَلَفَ على نَفْيِهِ إن ظنَّ به العِلْم لأن الأصل عدم الغَرَر وعدم العِلْم اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَيُشْتَرِطُ حُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ لاَ عَلَيْهِ: يعني من شروط صحة الحَوَالة حلول الدَّيْن المُحال به لا المُحال عليه. قال ابن جزي في القوانين: والحَوَالة

стр. 931

على نوعَيْن: إحالة قَطْع وإحالة إذْن، فأمَّا إحالة القطع فلا تجوز في المذهب إلاَّ بثلاثة شروط: الشرط الأول أن يكون الدَّيْن المُحال به قد حَلَّ سواء كان المُحال فيه قد حلّ أو لم يَحِلَّ، ولا يجوز بما لم يَحِلَّ سواء كان المُحال فيه قد حَلّ أم لا لأنه بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْن. الشرط الثاين أن يكون الدَّيْن المُحال به مساوياً للمُحال فيه في الصفة والمقدار، فلا يجوز أن يكون أحدهما أقل أو أكثر أو أدنى أو أعلى؛ لأنه يخرج عن الإحالة إلى البيع فيدخله الدَّيْن بالدَّيْن. الشرط الثالث أن لا يكون الدَّيْنان أحدهما طعامًا من سَلَم لأنه من بَيْع الطعام قبل قَبْضِه، فإذا وقعت الإحالة بَرِئَتْ بها ذِمة المُحيل من الدَّيْن الذي كان عليه للمُحال، وانتقل إلى طَلَب المُحال عليه، ولا رجوعَ للمُحال على المُحيل إن أفْلَسَ المُحال عليه أو أنكر إلاَّ أن يكون المُحيل قد غَرَّ المُحال لكونه يضعْلَمُ فَلَسَ المُحال أو بطلان حقَّه قبله ولم يَعْلَم المُحال بذلك اهـ كما تقدَّم. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَكوْنُهُمَا مِنْ جِنْسٍ" يعني أن من شروطه صِحّة الحَوَالة أن يكون الدَّيْنان من جنس واحد لا إن كانا من جنسَيْن كالطعامَيْن من بَيْع فلا تجوز الحَوَالة في ذلك لِمَا يلزم من بَيْع الطعام قبل قضبْضِه كما تقدَّم، فإن كان أحدهما من بَيْعٍ والآخر من قَرْضٍ جاز إذاَ حَلَّ المُحال به عند الأصحاب إلاَّ ابن القاسم فاشترط حلولهما معًا. وقال ابن رشد: يُمْنَعُ مطلَقًا لوجود العِلّة. وأجيب بأن قضاء القَرْض بطعام البيع جائز كما تقدَّم اهـ. الدردير انظر أمثلة ذلك في الشرط السادس ممَّ شَرَطَهُ المالِكية من شروط الحَوَالة في فِقْهِ المذاهب الأربعة للعلاّمة الشيخ عبد الرحمن الجزيري، وفيه غنية راجعْ هناك إن شئت. قال رحمه الله تعالى: وَلاَ يُحَالُ عَلَى غَائِبٍ لاَ يُعْلَمُ حَالُهُ وَلاَ عَلَى مَيتٍ وَاللَّه أَعْلَمُ" يعني لا تجوز الحوالة على غائب الذي لا يمكن الاطلاع على حاله، وكذلك لا تجوز على ميت بعد موته ليأخذ من تركته. هذه المسألة أخرها المصنف تنبيهًا للخلاف

стр. 932

الواقع فيها، ولذا أعقبها بقوله والله أعلم؛ لأن فيها قولين مرجحين بعد أن ذكر المشهور فيها بقوله: لا رضا المحال عليه. قال الدردير وصحتها رضا الأولين فقط دون المُحال عليه، وإنما يشترط حضوره، وإقراره على الأرجح. وعبارة العدوي في حاشيته على الخشرشي أنه قال: لا يُشْتَرَطُ حضوره ولا إقراره الدَّيْن كما هو ظاهر المصنف وهو أحد قولين مرجحين اهـ. هذه العبارة تدل على صحة الحوالة على الغائب وهي المشهورة بخلاف ما ختم به المصنف مسألة الحوالة بقوله ولا يحال على غائب إلخ إشعارًا بالخلاف الواقع في هذه المسألة. قال الصاوي في حاشية على الدردير: والحاصل أن الفقهاء من الأندلسيين اختلفوا هل يُشْتَرطُ في صحة الحوالة حضوره وإقراره أو لا يُشترط ذلك؟ رُجَّح كل من القولين، وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح اهـ. ثم ذكر مبنى الخلاف من القولين كلاهما: وفي الحطاب قال ابن سلمون: ولا يُشْتَرَطُ ذلك؟ رُجَّح كل من القولين، وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح اهـ. ذم ذكر مبنى الخلاف من القولين كلاهما: وفي الحطاب قال ابن سلمون: ولا يُشْتَرَطُ رِضا المُحال عليه عند جميع العلماء، وكذلك لا يُشْتَرَطُ عِلْمُه وحضورُه على المشهور، وفي الاستغناء: لا تجوز الحوالة على الغائب، وإن وقع ذلك فُسِخ حتى يحضر، وإن كانت له بيَّنة لأنه قد تكون للغائب براءة من ذلك. وفي المشتمل لا تجوز الحوالة إلا على حاضر مقر اهـ. وعلى قول ابن القاسم اقتصر الوقار في مختصره، ونصُّه: ولا يجدوز أن يُحال أحد بحق قد حل على غائب لأنه لا يدري ما حاله في ماله، ولا يجوز أن يُحَال به على ميّّت بعد موته، وهو بخلاف الحي الحاضر لأن ذمة الميت قد فاتت وذمة الحي موجودة، وعليه أيضًا اقتصر صاحب الإرشاد (يعني في هذا الكتاب) وصاحب الكافي وكذلك أيضًا المتّيطي وابن فتوح، وقبله ابن عرفة اهـ كلام ابن سلمون والله أعلم بالصواب. ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بالحَوَالة وما فيها من بيان تحويل الحق من ذِمة إلى ذِمة أخرى انتقل يتكلم على ما يتعلق بالعارية والوديعة وما يحتويان من المسائل الهامة. قال رحمه اللَّه تعالى:

стр. 933

كتاب العارية والوديعة أي في بيان ما يتعلَّق بأحكامها وقد جعل رحمه الله تعالى لكل واحدة منهما فَصْلاً مستقلاً يختص بما يخصها من الأحكام كما ستقف عليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: "الْعَارِيَةُ" أي بالمعنى اللغوي، أي هي الشيئ المُعَار كالإناء، ومعناها عُرْفًا فكما قال المصنف هي "تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ" قال في أقرب المسلاك الإارة تمليك منفعة مؤقتة بلا عوض، وهي مندوبة. ورُكْنُها مُعيرٌ وهو مالك المنفعة بلا حَجْرٍ وإن بإعارة أو إاجارة، ومستعيرٌ وهو مَنْ تأهل للتبرع عليه، لا مسلم أو مِصْحَف لكافر. ومستعار وهو ذو منفعة مباحة مع بقاء عينه لا جارية لاستمتاع بها، والعينُ والطعامُ قَرْضٌ وما يدلُّ عليها اهـ وعبارة أبي محمد في الرسالة أه قال: والعارية مُؤداةٌ. قال شارحها: واعلم أن الكلام على العارية من وجوه: الأول في حُكْمِها. وهو الندب هذا حُكْمُها الأصلي لأنها إحسان، وتتأكَّد في الأقارب والجيران والأصحاب، وقد يعرض لها الوجوب لِمَن معه شيئ مستغنّى عنه وطلبه مَنْ يُخْشَى عليه الهلاك بتَرْكِه ككسَاء في شدّة بَرْدٍ، والحُرْمَة إذا كانت تعين على معصية، والكراهة إذا كانت تعين على فِعْل مكروه، والإباحة إذا أعهان بها عنيًّا، دل على الإذْن فيها الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، أمَّا الكتاب فقوله تعالى: "وافعلوا الخير" [الحج: ٧٧] وأمّا السنّة فَلِمَا في الصحيحَيْن من أنّ رسول الَّه ﷺ استعار فَرَسًا من أبي طلحة، واستعار من صفوان بن أمية دِرْعه يوم حنين، فقال له أغَصْبٌ يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة. وفي أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 934

يقول: "العارِية مؤدَّاةٌ، والمِنْحَة مردودةٌ، والدَّيْن مَقْضِي، والزعيم غارمٌ" قال الترمذي حسن صحيح. والمِنْحَة: الشاة أو نحوها تُعار لأخْذ لَبَنِها. وأمَّا الإجماع فقد حكاه شيوخ المذهب. الثاني من الوجوه من أركانها الأربعة المعير، وشَرْطُه أن يكون من أهل التبرُّع وملاكِاً للمنفعة التي يريد الإعانة بها، ولو بإجارة أو استعارة لأنّ للمُعِير ان يُعِيرَ إن لم يَحْجُرْ عليه المُعِيرُ له ولو بلِسَان الحال، كأن يُفْهَمُ منه أنه لا يَسْمَحُ بإعارتها لغير اهذا المستعير. والمستعير، وشَرطْطه أن يكون ممَّن يجوز شَرْعًا انتفاعه بالعَارِية، فلا تصحُّ إعارة المصحَف للكافر، أو الغلام المسلم لِخدْمَة الكافر. والشيئ المُعار، وشرطه أن يكون يمكن الانتفاع به من بقاء ذاته كالكتاب والثوب والبيت، بخلاف الطعام والنقد فلا يُعاران؛ لأنهما يستهلكان عند الانتفاع بهما، وإنما يقرضان، وأن تكون منفعته مباحة لمستعير فلا تعار الأمة أو الزوجة للاستمتاع بهما، ولا الأمَة لخدمة بالَغ غير محرَمٍ أو لِمَن تُعْتَقُ عليه لأنّ الخدمة فرع الملك، ومِلْكُها لا يستقرُّ لِمَن تُعْتَقُ عليه. وإن أعِيرت الأمَة أو العبد لِمَن يُعتقان علهي لم تصحَّ العارية، ويملكان خدمتهما تلك المدّة، ولا يملكها السيد ولا المستعير. وما به العارية وهي الصيغة من قول أو فعل تُفْهَمُ منه العارية. ثم إن قُيدت بزمن فلا إشكال في لزومها لأنها معروف وهو يلزم بالقول، وإن لم تُقَيَّدْ بزمن فاللازم ما تُعار لِمِثْلِه. قال خليل: ولزمت المقيَّدةُ بعمل أو أجلٍ لانقضائه وإلا فالمعتادة اهـ النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "وَضَمَانُهَا كالرَّهْنِ" يعني أنّ ضمان العارية كضمان الرهن. يضمن ما يُغاب عليه ولا يضمن ما لا يُغاب عليه نحو عَبْدٍ أو دابة، إلاَّ أن يتعدَّى فَيَضْمَن. قال في الرسالة: والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يُغاب عليه كما تقدَّم فراجِعْه إن شئت. قال بعضه: العارية مندوبة، وهي تميلك منفعة عين مباحة بلا عِوَض، إلاَّ البُضْع، وأمَة شابة لغير امرأة ومحرَمخ، وعَبْدًا مسلِمًا لكافر فلا تصح إعارتهم مَنْ يصحُّ

стр. 935

تبرُّعُه مع بقاء عين العارية إذا كان المستعير ممَّنْ يصحُّ أن يتبرَّع عليه وضمن المستعير ما يثغاب عليه إلاَّ ا، يقيم بيَّنة على التَّلَفِ أو الضياع لا غيره ولو بِشَرْط، وإن حمَّل الدابة ما تُعْطَبُ به وعُطِبَتْ أُلزِم بدَفْع قيمتها لربَّها، وصَدقَ المستعير في رَدَّ ما لم يضمن إن لم يقبضه ببينة مقصودة للتوثق اهـ. قاله الشيخ محمد بن أحمد الشنقيطفي في الآيات المحكمات. قال رحمه الله تعالى: "فَإِنْ أَعَارَ إِلَى أَجَلٍ فَلاَ رُجُوعَ قَبْلَهُ وَإِنْ أَطْلَقَ فَحَتَّى يَنْتَفِع بِها انْتِفَاعَ مِثْلِها: يعني كما تقدم إن قيَّده بزمن فلا إشكال، وإن لم يقيّد بأن أطلق فالعبرة حينئذ بالعادة في مثلها. قال ابن جزي في القوانين الثالث أي من أحكام العارية اللزوم، فإن كانت إلى أجَل معلوم أو قَدْرٍ معلوم كعارةي الدابة موضع كذا لم يُجزظْ لِرَبَّها أخْذُها قبل ذلك ذلك، وإلا لزمه إبقاؤها قَدْر ما ينتفع بها الانتفاع المعتادز قال أشهب: له أن يأخذها متى شاء اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَلِمْمُسْتَعِيرِ أَن يُعيرَ وَإذّا عيَّن مَنْفَعَة لَمْ يَكُنْ لهُ مُجَاوَزَاتُها" يعني للمستعير أن يعِيرَ لغيره، إلاَّ إذا اشترط له المُعِير عَدَم الإعارة للغير فيمتنع. قال ابن جزي: الانتفاع حسبما يؤذَن له. قال خليل: وفَعَلَ المأذونَ، ومثلَه، ودونه، لا أضرَّ. قال في المدوَّنة: مَنِ استعار دابة ليحمَّل عليها حِنْطة [٢٥] [٢٦] فحمَّل عليها حجارة فكلُّ ما حَمَّل ممَّا هو أضرَّ بها ممَّا استعارها له فعُطِبَتْ به فهو ضامن، وإن كان مثله في الضَّرَر لم يَضْمَنْ، كحِمْلِه عدسًا في مكان حِنطة، أو كتّانًا أو قطنًا في مكان برّ، وكذلك من اكتراها لحِمْل أو ركوب فأكراها من غيره في مثل ما اكتراها له فُعطِبتْ لم يَضْمَنْ، وإن اكتراها لحِمْل حنطة فرَكِبَها فَعُطِبَتُ فإن كان ذلك أضرَّ وأثقل ضمن وإلاَّ لم يضمن اهـ. وتقدَّم لنا مثل هذه المسألة في كتاب الإجارة عند قراءة: وحمل الأضرّ، وارتكابُ غير المماثل، وسلوكُ الأشقّ أو الأبعد اختيارًا يوجب ضمانها، فراجِعْه إن شئت.

стр. 936

ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بالعارية على اختصار انتقل يتكلم على الوديعة فقال رحمه اللهَّ تعالى: فَصْلٌ في الوديعة أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام الوديعة، وهي لغة: الأمانة. واصطلاحًا: هي مالٌ وُكَّلَ على حِفْظِه. وحُكْمُها كالعارية على ما تقدَّم بيانه في ذلك، أي على الوجه الذي تقدَّم بيانه في العارية. والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها" [النساء: ٥٨] وقوله تعالى: "فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي أؤتمن أمنتهُ" [البقرة: ٣٨٢] وخبر: "أدّ الأمانة إلى مَنِ ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنُ خانك" وأداء الأمانة من علاماتالإيمان، ومن عمل المؤمنين. وأمَّا الخيانة فهي من علامات النفاق وعمل الفساق، وأجمعت الأمّة علىحُسْن الإيداع. قال رحمه اللَّه تعالى: "الْمُودِعُ أَمِينٌ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَالرَّدَّ، فَإِنْ قَبَضَها بِبَيَّنَةْ لَمْ يُقْبَلْ رَدُّهَا بِغَيْرِها: يعني كما ف يالرسالة: والمودع إن قال رَدَدْتُ الوديعة إليك صُدَّق، إلاَّ أن يكون قَبَضَها بإشهاد، وإن قال ذهبت فهو مُصَدَّق، أي لأنه أمين والأمين مصدَّق في التّلَفَ والرَّدَّ؛ لأن الأصل في الأمانة عدم الضمان لِما ثبت أن النبي ﷺ قال: "لا ضمان على مؤتَمَن" رواه الدارقطني، هذا إذا لم يكن متمًا، وإلاَّ فيَصْدُق بيمينه، فإن نَكَلَ ضَمِنَه. قوله فإن قَبَضَها ببيَّنة إلخ أي إذا أخذها ببينة مقصودة فلا يَصْدُق في دعوى الرَّدَّة إلاَّ ببيَّنة تشهد على الرَّدَّ للقاعدة المشهورة، وهي أن كلَّ مَنْ دُفِعَ إليه شيئ من قِراض أو وديعة على يد بيَّنة بقَصْدِ التوثق لا يَصْدُقُ في دعوى ردَّه إلاَّ ببيَّنة. والمراد بالبيَّنة المقصودة للتوثُّق هي التي يقول مُشهدها اشهدوا أني إنَّما أشهدت خوف دعوى الردَّ أو الجَحْد. وأمَّا إشهادها خوف الموت أو خوف

стр. 937

دعوى التَّلَفِ وما أشبهه ممَّا يعلم أنه لم يقصد به التوثق فإنه يَصْدُقُ في دعواه الرد اهـ النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "وَلَهُ إِيدَاعُهَا عِنْدَ زَوْجَتِهِ وَخادِمِهِ، وَيَضمَنُ لِغَيْرهِمَا" قال في الفواكه: لا يجوز لِمَنْ عنده الوديعة إيداعها عند غيره؛ لأن ربَّ الوديعة لم يَرْضَ إلا بأمانته عنده أي المودَع، إلاَّ أن يكون ذلك الغير ممَّن اعتاد الإيداع عنده كزوجته أو أمَتِه، أو إلاَّ أن يحصل عذر يقتضي الإيداع عند الغير. ويجب عليه الإشهاد على العُذْر؛ لأنه لا يكفي أن يقول: أودعتها لعُذْر، كما لا يكفي أن يقول للشهود: اشهدوا أني إنَّما أودتها لعُذْر، بل يجب عليه أن يشهدهم على عين العُذْر اهـ. قال ابن جزي في أسباب ضمان الوديعة: وهي ستة: الأول أن يودع عند غيره لغير عُذْر، فإن فعل ذلك ثم استردَّها فضاعت ضَمِنَ، وإن فَعَلَه لُعذْر كالخوف على منزله أو لسفره لم يَضْمَن الثاني نَقْلَ الوديعة، فإن نَقَلَها من بلد إلى بلد ضَمِنَ بخلاف نَقْلِها من منزل إلى منزل اهـ. انظر بقية الأسباب في الكتاب المذكور. قال رحمه اللَّه تعالى: "كَالسَّفَرِ بِهَا إلاَّ أَنْ يَتَعَذَّرَ رَدُّهَا وَلاَ يَجِدُ ثِقَةً" يعني أنه إن سافر بها بغير عُذْر فضاعت ضَمِنَها، وإن كَان سفره بهد لعُذْر لم يَضْمَن. قال الدردير: ويضمن بانتفاعه بها أوس فره، أي إذا سافر فأخذ الوديعة معه فضاعت أو تلفت فغنه يضمن إن وجد أمينًا يرتكها عنده؛ لأنه حينئذٍ صار مُفرَّطًا بأخْذِها معه، فإن لم يجد أمينًا يتركها عنده بأن لم يجد أمينًا أصلاً أو وجده ولم يَرْضَ بأخْذِها عنده فلا ضمان عليه إذا سافر بها فتُلِفَتْ؛ لأنه أمْرٌ تعيَّن عليه. هذا إن أمكن حَمْلُها معه بأن كانت الوديعة خفيفة، وإلاَّ وَجَبَ إيداعها عند من يحفظها ولو بالأجْرة حِفظًا للأمانة التي أبَتِ السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها لثقلها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولاً.

стр. 938

وإذا تعذَّر تَرْكُها عند الغير إلاَّ مع الأجْر فهل تلزم ربّ الوديعة أو المودع؟ قال ابن جزي في القوانين: إذا طلب المودع أجْرة على حفظ الوديعة لم يكن له، إلاَّ أن تكون مما يشغل منزله فَلَهُ كِراؤه، وإن احتاجت إلى إلاق أو إقفال ذلك على ربَّها اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "فَإِنِ اسْتَوْدَعَهَا فِيه فَعَرَضَتْ لَهُ إِقَامَةق فَلَهُ إرْسَالُها مَعَ ثِقَةٍ وَلاَ ضَمَانَ كَنَقْلِهَا إِلَى حِرْزٍ" يعني فإن استودعها في حال العُذْ والسفر ولم يجد ثقة يتركها عنده ولم يقدر على ردَّها لصاحبها وسافر بها وعرضت له إقامة فس فره فَلَهُ إرسالها لربِّها مع ثقة ولا ضمان إن تُلِفَتْ بِلا تفريط، لا على المودِع ولا على المُرْسَل بها، كما لا ضمان عليه بِنَقْلِها إلى حِرْز مِثْلِها. وهذه المسألة مستثناه من قولهم: ويَضْمَنُ بإرسالها لربَّها بلا إذْنٍ منه فضاعت. قال الصاوي: يُسْتَيْنَى من كلامه من أدوعِعَتْ معه وديعة يوصِلها لبلد فعرضت له إقامة طويلة في الطريق كالسّنة فَلَهُ أن يبعثها مع غيره ولا ضمان عليه إذا تُلِفَتْ؛ لأن بَعْثَهَا في هذه الحالة واجِبّ، [٢٧] [٢٨] ويضمنها إن حَبِسَها، وأمَّا إن كانت الإقامة التي عرضت له قصيرة كالأيام فالواجب إبقاؤها معه، فإن بَعَثَها ضَمِنَها إن تُلِفَتْ، فإن كانت الإقامة متوسطة كالشهرَيْن خير في إرسالها وإبقائها ولا ضمان عليه في كل حال. هذا ما ارتضاه ابن رشد كما في الحطاب. وكذا في البناتي اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُعْدِم التَّصَرُّفُ فيهَا وَيُكْرَهُ لِلْمَلِيَّ" يعني أنه لا يجوز للمُعْدِم أن يتصرَّف ف يالوديعة بغير إذن، أي يحرُم عليه ذلك. قال بعضهم: وإنما حَرُمَتْ على المُعْدِم وجازت مع الكراهة للمليئ لأن المليئ مظنَّة الوفاء بخلاف المُعْدِم. ومحل الكراهة في المليئ إذالم يكن سيئ القضاء ولا ظلامًا وإلاَّ حرُم. قال الدردير: وحرُم سَلَفُ مقوَّم ومُعدِم. وكُرِهَ النقد ولو مليئًا، والمثلى كالتجارة والربح له وبرئ إن رد المثلى لمحله، وصدق في رده إن حلف إلا بإذن أو يقول: إن احتجت فخذ فيردها

стр. 939

لربها كالمقوم، وضمن المأخوذ فقط اهـ. قال الخرشي يعني أ، المودع إذا تسلف الوديعة ثم ادعى رد ما تسلفه إلى محله، ثم ضاعت بعد ذلك، وحافه صاحبها فإن المودع يبرأ منها ويَصْدُقُ فيما ادَّعاه بيمينه حيث كان تسلّفُه مكروهًا، وهو تسلف المثلى والنقد للملئ، وسواء أخذ الوديعة من ربها ببينة أم لا. وأما التسلف المحرم وهو المقوم فإنه إذا تسلفه المليئ أو غيره وأذهب عينه ثم رُدَّ مثله إلى موضعه فإنه لا يبرأ؛ لاختلاف الأغراض فيه؛ لان القيمة لزمته بمجرَّد هلاكه، ولابدَّ من الشهادة على الرَّد لربَّه، ولا تكفي الشهادة على رده لمحل الوديعة. هذا في رصد صنف ما تسلفه، أما إن ادعى رد غير صنفه لم يبرأ. قال ابن عرفة: ولو أودعه دنانير فتسلفها وردها دراهم لم يبرأ اتفاقًا. انظر تت اهـ. قال ابن جزي في حُكْم تسلف الوديعة: فإن كانت عينًا كُرِهَ، وأجاز أشهب إن كان له وفاء بها، وإن كانت عروضًا لم يجز، وإن كانت مما يُكال أو يوزن كالطعام فاختلف هل يلحق بالنقد أو بالعروض على قولين. وإذا طولب المودع بالوديعة فادعى التلف فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إذا ادعى الرد، إلا أن يكون قبضها ببينة فلا يُقْبَلأ قوله في الردّ إلاَّ ببينة كما تقدَّم. ورُوِيَ عن ابن القاسم ا، القول قوله وإن قَبَضَها ببينة وفاقًا للشافعي وأبي حنيفة اهـ. بتوضيح. وإلىجميع ذلك أشار رحمه الله تعالى بقول: "ويقبل قوله في رد المثل وتلفه لا رد القيمة" المدوَّنة، قال ابن القاسم: سمعت مالكِاً يقول في الذي يستودع الدنانير والدراهم فيتسلف منها بعضها أو كلها بغير أمر صاحبها، ثم يرد في موضع الوديعة مثلها، أنه يسقط الضمان عنه، فكذلك الحنطة. قلت: وكذلك كل شيئ يُكال أو يوزن، [٢٨] [٢٩] قال: نعم كل شيئ أتلفه الرجل للرجل فإنما عليه مثله، فهذا إذا رد مثلها في الوديعة سقط عنه الضمان. وإذاكان شيئ إذا أتلفه ضمن قيمته، فإن هذا إذا تسلفه من الوديعة بغير أمر صاحبها فهو لقيمته ضامن ولا يبرئه من تلك القيمة إلا أن يردها على صاحبها ولا يبرئه منها أن يخرج القيمة فيردها في الوديعة اهـ. تقدم بقية الكلام لهذا المقام في الجملة التي قبلها فراجعه في ذلك إن شئت.

стр. 940

قال رحمه الله تعالى: "وتلزم المكيلة في خلطها بمثلها والتلف منهما" يعني تلزم على المودع المكيلة في خلط الوديعة بمثلها وفي المدوَّنة: وإن أودته حنطة فخلطها بحنطة فإن كان مِثْلَها وفعل ذلك بها على الإحراز والدفع فهلك الجميع لم يَضْمَن، وإن كانت مختلفة ضَمِنَ، وكذلك إن خلط حنطتك بشعير ثم ضاع الجميع فهو ضامن لأنه قد أفاتها بالخلط قبل هلاكها اهـ نَقَلَه الحطا. انظر المواق. وعبارة الخرشي أنه قال: إذا خلط المودع بالفتح قمحًا أو نحوه بمثله أو دراهم أو شبهها بمثلها للإحراز وتلف بعض ذلك، فإ، التالف بينهما على قدر نصيب كل واحد منهما، فإذا كان الذاهب واحدًا من ثلاثة لأحدهما واحد وللآخر اثنان فعلى صاحب الواحد ثُلُثه وعلى صاحب الاثنين ثُلُثاه على المعتمد، إلاَّ أن يتميَّز التالِف ويعرف أنه لشخص معيَّن منكما فمصيبته من ربَّه اهـ بحذف. قال رحمه الله تعالى: "فإن سقطت فانكسرت لم يضمن بخلاف سقوط شيئ من يده عليها. والله أعلم" يعني أ، سقوط الوديعة وانكسارها بلا تفريط لا ضمان فيه، بخلاف سقوط شيئ عليها ففيه ضمان، لأنه فيه نوع من التفريط. والله أعلم. قال الدردير في اقرب المسالك: فتضمن بسقوط شيئ، أي من يد المودع عليها ولو خطأ منه، لا إن انكسرت في نقل مثلها المحتاج إليه. قال الصاوي عليه: والحاصل أن الصور أربع، ولا ضمان في صورة المصنف وهي ما إذا احتيج للنقل ونقلها نقل مثلها فانكسرت، والضمان فيما عداها، وهو ما إذا لم تحتج لنقل ونقلها فانكسرت، كان نقل مثلها أم لأن أو احتاجت للنقل ونقلها غير نقل أمثالها فانكسرت اهـ. أما سقوط شيئ على غيره، قال الصاوي أيضًا: كمن أذن له في تقليب شيئ فسقط من يده فكسر غيره فلا يضمن الساقط؛ لأنه مأذون له فيه، ويضمن الأسفل بجنايته عليه خطأ، والعمل والخطأ في أموال الناس سواء اهـ باختصار. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّ بأحكام الوديعة انتقل يتكلم على الشفعة والقسمة وما يتعلَّق بأحكامهما فقال رحمه الله تعالى:

стр. 941

كتاب الشفعة والقسمة أي في بيان ما يتعلق بحكم كل منهما على حدته في جميع الأحكام. والشفعةلغة: الضم. وعُرْفًا: استحقاق شريك أخذ ما عاوض به شريكه من عقار بثمنه أو قيمة بصيغة. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَهِيَ وَاجِبَةٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْعَقَار وَالرَّبَاع دُونَ الْمَنْقُولاتِ عَلَى قَدرِ حِصَصِهِمْ يعني كما في الدردير: فللشريك أو وكيله الأخذ جبرًا ولو ذميًا أو محبسًا ليحبس، والولي لمحجوره، والسلطان لبيت المال اهـ. قال في الرسالة: وإنما الشفعةفي المشاع، ولا شفعة فيما قد قُسِم، ولا لِجَارن ولا في طريقن ولا عرصة دار قد قسمت بيوتها، ولا في فحل نخل أو بئر إذا قسمت النخل أو الأرض. ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر اهـ. وفي ذلك قال رحمه الله تعالى: "وقارعة الدار والبئر وفحل النخل توابع، وفي الثمار المعلق روايتان كالحمام وبيت الرحى، لا بجوار ومسيل ماء، واستطراق ونحو ذلك" يعني الشفعة لا تكون في قارعة الدار أي ساحتها التي بين بيوتها، أو على جهة من جهاتها وهو المعروف بالحوض، ولا في بئر إذا قسمت الأرض، ومثلها فحل النخل؛ لأنها توابع. وفي الوقانين لابن جزي: واختلف في المذهب في الشفعة في الأشجار والثمار، فروي عن مالك روايتان: (قلت والأصح ثبوت الشفعة فيهما) وبالمنع قال الشافعي وأبو حنيفة. واختلف أيضًاغ فيما لا يقسم من العقار كالحمام وشبهه، وفي الدين والكراء. ولا شفعة في الحيوان والعروض عند الجمهور. اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ويستقل أهل الخير من الورثة بالشركة، فإذا باع أحدهم فلأهل حيزه، فإن باعوا فللحيز الآخر، فإن باعوا فللعصبة، فإن باع بعضهم للجميع دون الشركاء الأجانب" يعني أنه أشار بمراتب الشركاء

стр. 942

الورثة الذين استحقوا الأخذ بالشفعة على قدر مراتبهم. قال خليل: وقدم مشاركه في السهم، وإن كانت لأب أخذت سدسًا. قال الشارح: المشهور كما في المدونة أن الشريك الأخص وهو المشارك في السهم يقدم على الشريك الأعم، ويختص بالشفعة. فإذا مات إنسان وترك ورثة كزوجتين، وجدتين، وأختين لغير أم، أو عاصبًا وزوجتين، وما أشبه ذلك، فإن باعت إحدى الزوجتين أو إحدى الجدتين نصيبها من العقار فإ، الزوجة أو الجدة تختص بالشفعة دون غيرها، لأنها هي المشاركة في السهم، [٣٠] [٣١] وكذلك إذا باعت إحدى الأختين، فإن الأخت تختص بالشفعة دون غيرها، لأنها هي المشاركة في السهم، وإن كان المشارك في السهم أختًا لأب أو بنت ابْن أخذت كلّ منهما السُّدْس، فيقدَّمان على غير المشارك حيث باعت الشقيقة أو البنت. قال فيها: ومَنْ مات وترك أختًا شقيقة، وأختَيْن لأبٍ، فأخذت الشقيقة النَصْف، والأختان للأبِ السُّدس تكملة الثُّلُثَيْن، فباعت إحدى الأختَيْن للأب فإن الشُّفْعة بين الأخت التي للأبد وبين الشقيقة، إذ هما أهل سهم واحد، ولا دخول لبقية الوَرَثَة معهما. وعن أشهب: أن التي للأب أَوْلى به قال اللخمي: وهذا أحسن، ولو كانت التي للأب واحدة فباعت الشقيقة فإن التي للأب تختصُ بنصيبها، وإنَّما بالغ على الأخت للأب دون الأخت الشقيقة والأختَيْن للأبِ إذا باعت إحداهما مع أنه يتوهَّم هنا أيضًا عدم دخول الشقيقة على التي للأب؛ لأن الشقيقة هي الأصل فلا يتوهَّم فيها عدم دخول الشقيقة على التي للأب؛ لأن الشقيقة هي الأصل فلا يتوهَّم فيها عدم الدخول كما في الأخت للأبِ؛ لأنها مكملة فهي أضعف، فلذلك اعتنى بشأن ما ذَكَرَه وتَرَكَ هذا اهـ. الخرشي. وفي الموّاق: قال ابن شاس: إن كان في الشركاء مَنْ له شِرْكٌ أخصُّ من غيره من الأشراك فهو أحقُّ بالشُّفْعة وأَوْلَى من غير ممَّن له شِرْكٌ أعمّ، وذلك كأهل المورث الواحد يتشافعون بينهم دون الشركاء الأجانب، ثم أهل السهم الواحد أَوْلَى من بقية أهل الميراث. وبالجملة فكلُّ صاحب شِرْكٍ أخصُّ فهو أحقُّ بالشُّفْعة إلاَّ أن يسلم فيشفع صاحب الَّرْكِ الذي يَليه، أعني الذي هنو أعمُّ منه، فإن سلَّم

стр. 943

الآخر شَفَعَ مَنْ هو أبعد منه. وانظر لو باع الشفيع شُفعته من المبتاع أو وَهَبَها له على مذهب المذوَّنة أنه لا فرقَ بين ذلك وبين التسليم في كل الأوجه. الشُّفْعة ثابتة للأبعد اهـ. قال الحطاب: تنبيه: أمَّا العصبة فكلُّهم سواء ولو كان بعضهم شقيقًا لبعض. قال في أوَّل الشُّفْعة أي من المدوَّنة: ومَنْ هلك وترك ثلاثة بنين اثنان منهم شقيقان والآخر لأب وترك بينهم دارًا فباع أحد الشقيقَيْن حِصَّته قبل القسمة فالشُّفْعة بين الشقيق الأخ للأب سواء؛ إذ بالنبوّة ورثوا، ولا ينظر إلى الأقعد بالبائع، ولو وُلِدَ وَوَدّ لأحدهم ثم مات فباع بعضه ولده حصته فبقية ولده أحقُّ بالشُّفْعة من أعمامهم: لأنهم أهل مورث ثانٍ، فإذا سلَّموا فالشُّفْعة لأعمامهم، وإن باع أحد الأعمام فالشُّفعة لبقية الأعمام مع بني أخيهم لدخولهم مدخل أبيهم. وإن ترك ابنتَيْن وعصبة فباعت إحدى الابنتَيْن فأختها أحقُّ بالشُّفْعة من العصبة؛ لأنهما أهل سهم، فإذا سلمت فالعصبة أحقُّ مِمَّنْ شركهم بمِلْك. ولو باع أحد العصبة فالشُّفْعة لبقية العصبة والبنات كذلك الأخوات مع البنات حُكْمُ العصبة؛ لأن العصبة ليس لهم فَرْضٌ مسمّى اهـ راجع المدوَّنة إن شئت. قال رحمه الله تعالى: "فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بمِثْل الْمثْلي، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً فإلَى مِثلِ أجَلِهِ إِنْ كَانَ مَليًّا أَوُ مُخَالِعًا بِهِ وَعوِضِ دّم عَمْدٍ وأَرْش حَيَاتِهِ، وَفِي الخَطْأ بِالدَّيَة" يعني كما قال ابن القاسم في المدونة: مَن نَكَح أو خَالَعَ أَو صَاَلَحَ من دمٍ عَمْد على شِقْص فيه الشُّفْعة بقيمته يوم العقد؛ إذ لا ثَمَنَ معلوم لِعَوضِه يريد، ولا يجوز الاستشفاع إلا بعد المعرفة بقيمته. قال ابن القاسم: وإن أخذ الشَّقْص عن دم خطأ ففيه الشُّفْعة بالدَّية، فإن كانت العاقلة أهل إبل أخذه بقيمة الإبل، وإن كانت أهل ذهب أخذه بذهب ينجم ذلك على الشفيع كالتنجيم على العاقلة اهـ. نَقَلَه الموّاق. وعبارة ابن جزي في القواني أنه قال: فإذا وجبت الشُّفْعة لشريك وقام بها فإنه

стр. 944

يأخذ الحظ المشفوع فيه بالثمن الذي صار به للمشفوع عليه، فإِن كان حالاً على المشفوع عليه حلَّ على الشفيع، وإن كان مؤجَّلاً على المشفوع عليه أجَّل على الشفيع، وإن لم يأخذه المشفوع عليه بثمن معلوم كدَفْعِه في مَهْرٍ أو صُلْح أخذه الشفيع بقيمته اهـ. انظر شراح خليل. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَلاَ شُفْعَةَ فِي مَوْرُوثٍ" يعني لا شفعة في شيئ موروث بعد القِسْم، فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة فيه، وتقدَّم قول صاحب الرسالة: وإنَّما الشفعة في المشاع ولا شُفْعة فيما قد قُسِم. قال مالك في الموطأ: والشُّفْعة ثابتة في مال الميت كما هي في مال الحيّ، فإن خَشِيَ أهل الميت أن ينكسر مال الميت قَسَموه ثم باعوه فليس عليهم فيه شُفْعة اهـ. قال خليل عاطفًا على ما لا شُفْعة فيه: وإرثٌ وهِبَةٌ بلا ثواب، أي لا شُفْعة في شِقْص موروث وال بِهبَة بِلا ثواب. قال ابن عرفة: نَقَلَ غير واحد الاتفاق على نَفْيِ الشُّفْعّة في الميراث اهـ. نَقَلَه الموّاق، انظر الخرشي. ثم قال رحمه الله تعالى: "وَالظَّاهِرُ إِلْحَاقُ المَوْهُوبِ وَالْمُتَصَدَّق بِه" قال مالك: مَنْ وهب شِقْصًا في دار أو أرض مشتركة فأثاب الموهوب له بهذا نَقْدًا أو عَرْضًا فإن الشركاء يأخذونها بالشُّفْعة إن شاؤوا ويدفعون إلى الموهوب له قيمة مثوبته دنانير أو دراهم. قال مالك: مَنْ وَهَبَ هِبَة في دار أو أرض مشتركة فلم يثبت منها ولم يطلبها فأراد شريكه أن يأخذها بقيمتها فليس ذلك له ما لم يُثَبْ عليها، فإن أثيب فهو للشفيع بقيمة الثواب اهـ. قاله في الموطَّأ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَإِذَا تَرَكَ الشُّرَكَاءُ شُفْعَتَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِي أَخْذُ مَا يَخُصُّهُ بَلْ يَأْخُذُ الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكُ، كَتَعَددِ المشفوع وَاتَّحَاد الشَّفيع" يعني كما قال مالك في الموطَّا في نَفَرٍ شركاء في دار واحدة فباع أحدهم حِصَّته وشركاؤه غُيَّب كلُّهم إلاَّ رجلاً فعرض على الحاضر أن يأخذ بالشفعة أو يترك فقال: أنا آخذ بحِصَّتي وأترك حِصَصَ شركائي

стр. 945

حتى يُقدِموا، فإن أخذوا فذلك، وإن تركوا أخذت جميع الشفعة قال مالك: ليس له إلاَّ أن يأخذ ذلك كلَّه أو يترك، فإن جاء شركاؤه أخذوا منه أن يتركون إن شاؤوا، فإذا عرض هذا عليه فلم يقبله فلا أرى له شُفْعة اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَإِذَا قَدِمَ غَائِبٌ فَلَهُ الأَخذُ" قال مالك: لا تقطع شُفْعة الغائب غيبتُه وإن طالت غيبته، وليس في ذلك عندنا حدُّ تقطع إليه الشُّفْعة اهـ. وسيأتي قول المصنَّف: والغائب على شُفْعته حتى يُعلَم تَركْه وإن طال. قال في الرسالة: والغائب على شُفْعَتِه وإن طالت غيبته. قال شارحها: أو عَلِمَ ببيع شريكه زمن غيبته، ومثل ذلك لو لم يعلم ببيع حِصَّة شريكه حتى غاب فإنه يستمر على شفعته ولو طالت غيبته، فإذا رجع بعد غيبته كان حُكْمُه حُكْمَ الحاضر العالم بالبيع فتسقط شُفْعَته بعد سنة وما قاربها من يوم قدومه. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: فالحاضر يُحْسَبُ له سنة بعد العِلْم، والغائب يُحْسَبُ له سنة بعد القدوم والعِلْم. والظاهر كان على مسافة بعيدة أو قريبة على ظاهر كلام ابن القاسم، وقيَّدها أشهب بالبعيدة، وأمَّ القريبة التي لا كلفة عليه فيها فكالحاضر وهو الجاري على قولهم: والقريب كالحاضر، وأمَّا لو كان حضرًا بالبلد يوم البيع وعَلِمَ ببَيْع شريكه وغاب بعد علمه وقَبْلَ أخْذِهِ بالشُّفْعة فإنه بمنزلة الحاضر الذي لم يَغِبْ تسقط شفعته بمضيَّ السنة وما قاربها، إلاَّ أن يحلف أنه لم يَغِبْ إلاَّ لِظَنَّه الرجوع قبل انقضاء السنة فإنه يستمر على شُفْعَته ولو طالت غيبته. قال خليل: كأن عَلِمَ فغاب إلاَّ أن يظنَّ الأوْبَة قبلها فعِيقَ وحَلَفَ إن بعد. فتلخَّص أن غيبة الشفيع على ثلاثة أقسام: قبل البيع، وبعده من غير عِلْ، فهو على شُفْعَته فيهما مطلقًا بعد البيع والعِلْم يكون كالحاضر، إلاَّ أن يدَّعي أنه سافر ليرجع سريعًا فعِيقَ اهـ النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "وَفِي تَعَدُّدِ الصَّفَقَاتِ يَأْخُذُ بِأيَّهَا شَاءَ ويَبْطُلُ مَا بَعْدَهَا وَيُنَزَّلُ الْوَارِثُ مَنْزلَةَ مَوْرُوثِهِ" يعني أن الشفيع يأخذ بأي صفقة شاء إذا تعددت ويبطل

стр. 946

ما بعد مأخوذه بشرطين: عدم حضوره للبيع وعدم علمه به، فإن حضر ذلك أو علم لا يأخذ إلا الأخيرة كما في الخرشي، قال الصاوي في حاشيته على الدردير: حاصله أن محل كون الشفيع يأخذ بأي بيع شاء إذا تعددت البياعات إذا لم يَعْلَم بتعددِها، أو عَلِمَ وهو غائب. وأمَّا إذا عَلِمَ بها وكان حاضرًا فإنَّما يأخذ بالأخير؛ لأن سكوته مع عِلْمِه بتعدُّد البيع دليل على رضاه بشركة ما عدا الأخير، لكن يفوز المشتري بالغَلّة كالكِراء اهـ. بتوضيح. ومثله في الدردير. قال خليل: ويأخذ بأي بَيْعٍ شاء وعُهْدَتُه عليه، ونَقَضَ ما بعده وله غَلَّته. قال شارحه: يعني أن [٣/ ٣٣/] البيع إذا تكرر في الشقص فإن الشفيع يأخذ بأي بَيْع شاء وعُهْدَتُه وهي ضمان الشقص من العيب والاستحقاق على مَنْ أخذ بِبيْعِهِ من المشترين، ويدفع الثمن لِمَنْ بيَده الشقص، فغ، اتفق الثمان فلا إشكال، وإن اختلفا فإن كان الأول أكثر كما إذا كان عشرين مثلاً والأخيرة عشرة فإن أخذ بالأول دَفَعَ للأخير عشرة ويدفع العشرة الأخرى للأول، وإن كان بالعكس دفع له عشرة ويجرع على بائعه اهـ الخرشي بحذف. قوله: وينزل الوارث منزلة موروثه، يعني إذا مات الموروث نزل وارثه منزلته في الأخْذِ بالشُّفْعة أن التَّرْك، أو دَفْعِها للشفيع أو غير ذلك من الحقوق، إلاَّ ما استُثْنِيَ من ذلك في بعض الأحوال فلا يكون الوارث بمنزلة الموروث فتأمَّل. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَرْجِعُ فِي الاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ" يعني كما في الرسالة، ونصُّها: وعُهْدَةُ الشفيع على المشتري. والمعنى أن الشَّقْص إذا استحقَّ من يَدِ الشفيع، أو ظهر به عيب يوجب الرَّدَ، فإنه يرجع بثمنه على المشتري كما يردُّه بالعيب عليه، كمشتري سِلْعة لم يعْلَم صِحّة مِلكِ بائعها فتستحقُّ منه، فإنه يرجع بثمنها على بائعها ويردُّها عليه بالعيب الذي لم يَعْلَم به حين الشراء، فالمراد بالعُهْدَة رجوع الشفيع على المشتري بالثمن عند الردّّ بالعيب ودَرْكِ الاستحقاق، أي لُحُوقِهِ؛ لأن الدَّرْك هو اللحوق، اهـ. النفراوي باختصار.

стр. 947

قال رحمه الله تعالى: "وَتَسْقُطُ بإِسْقَاطِهَا بَعْدَ استِحْقَاقِهَا لاَ قَبْلَهُ وَبِشِرَائِهِ واسْتئْجاره لا بِشَهَادَتِهِ فِي الْعَقْدِ وعالإِقَالَةِ وَبَيْع الشَّقْصِ المُسْتَشْفَع بِهِ بَعْدَ ثُبُتِهَا" هذا شروع فميا تسقط به الشفعة، وذكر بعض ما لا تسقط به الذي يُظَنُّ به الإسقاط، من ذلك أن الشُّفْعة تسقط بإسقاطها، وبشراء الشقْص المشفوع فيه واستئجاره، وبتنازعهما في سَبْقِ المِلْك، كادَّعاء كلَّ استحقاق الشُّفْعة ولم يكن لأحدهما بيَنة، وحلفًا معًا أو نَكلا إلاَّ أَن أن يحْلِفَ أحدهما مع نكول الآخر فالقول للحالف وله الشُّفْعة، ومن ذلك طلب المقاسمة ولو لم يَقْسِمْ بالفعل، وإذا طلب الشفيع المقاسمة من المشتري سقطت شُفْعَتُه، وأحرى إذا قسم بالفعل. قال خليل: وسقطت إن قَاسَمَ أو اشترى أو ساوَمَ أو ساقى أو استأجر أو باع حصَّته أو سكت بهدم أو بناء، أو شهرَيْن إن حضر العقد وإلاَّ سنة لا أقل، ولو حضر وكتب شهادة على الأرجح اهـ. بتوضيح من الدردير. تنبيه: وقول خليل: إن حضر العقد وإلاَّ سنة قال الموّاق: انظر هذه العبارة ما ما يتقرر من المدوَّنة. قال مالك: الشفيع على شُفْعَتِه حتى يترك أو يأتي من طول الزمان ما يُعْلَم أنه تارك لشُفْعَتِه، وإذا عَلِم بالشراء فلم يطلب شُفْعضتَه سنة فلا يقطع ذلك شُفْعَتَه، وإن كان قد كتب شهادته في الشراء، ولم يَرَ مالك التسعة الأشهر ولا السنة بكثير إن تباعد هكذا يحْلِفُ ما كان وقوفه تَرْكًا لشُفْعَتِه. قال ابن المواز عن مالك: يَخْلِف في خمسة أشهر فأكثر، ولا يَحِلُّ في شهرَيْن. وأمَّا إذا حضر الشراء وكَتَبَ شهادته ثم قام بعد عشرة أيام فأشدّ ما عليه أن يَحْلِفَ ما كان ذلك منه تَرْكًا لشُفْعَتِه ويأخذها. قال مالك: إذا جاوز السنة بما يعد تاركًا فلا شُفْعَة له انتهى نصُّ ابن يونس، نَقَلَه الموّاق، انظر بقية المسقطات للشُّفْعة وغير المسقطات في شراح خليل وغيرها. قال رحمه الله تعالى: "وَالصَّحِيحُ أنَّ الْحَاضِرَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِلى سَنَةٍ والمُشْتَرِي مُرَافَعَتُهُ لِيَأْخُذ أَوْ يَتْرُكَ" يعني أن الحاضر الساكت على شُفْعَتِهِ على الصحيح من

стр. 948

الأقوال إلى تمام السنة بعد العِلْم. قال الصاوي: قال في الأصل والمعوَّل عليه وهو مذهب المدوَّنة أنها أي الشُّفْعة لا ستقط إلاَّ بمضيَّ سنة وما قاربها كشَهْرٍ بعدها مطلقًا ولو كتب شهادته في الوثيقة اهـ. قال في الرسالة: ولا شُفْعَة للحاضر بعد السنة اهـ. قال مالك في الموطأ: ومَن اشترى أرضًا فيها شُفْعَة لناس حضور فليرفعهم إلى السلطان فإمّا أن يستحقّوا وإمَّا أن يسلم له السلطان، فإن تَرَكَهُم فلَمْ يَرْفَعْ أمْرَهُم إلى السلطان وقد عَلِموا باشترائه فتركوا ذلك حتى طال زمانه ثم جاؤوا يطلبون شُفْعَتَهم فلا أرى ذلك لهم اهز قال الزرقاني في شرحه على الموطأ: والطول بسنة وما قاربها كما في المدوَّنة. وفي أنه الشهر والشهران أو ثلاثة أشهر أو أربعة خِلاف واللَّه أعْلَم اهـ. قد عَلِمْتَ ممَّ تقدَّم أن الرفع إلى السلطان إنَّما يكون قبل تمام السنة، وأمَّا بعدها فليس له قيام بذلك إلاَّ ما قَرُبَ منها كشَهْر كما هو المنصوص. قال رحمه الله تعالى: "وَالْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ حتَّى يُعْلَمَ تَرْكُهُ وَإِنْ طَال" يعني أن الغائب على شُفْعَتِه حتى يَعْلَمَ أنه ترك الأخذ وإن طالت غيبته كما تقدَّم الكلام فيه عند قوله: وإذا قَدِم غائب فَلَهُ الأخْذُ فراجِعْه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: "وَلَه أَخْذُ الْغَرسِ والْبِنَاءِ بِقيمَتِهِ قَائمًا" يعني أن الغائب إذا رجع من سفره فوجد شريكه قد باع الشَّقْص المشترك فيه وغرس فيه المشتري غَرْسًا أو بنى عليه بناء وثبتت شُفْعَتُه فإنه يأخذ ذلك الغَرْس أو البنا بقيمته قائمًا. قال الخرشي: يعني أن المشتري إذا هدم الشَّقْص وبناه ثم قام الشفيع فإنه يأخذه بالشُّفْعة بقيمة البناء قائمًا يوم الأخذ بالشفعة؛ لأن المبتاع هو الذي أحدث البناء وهو غير متعدَّ به، والأخذ بالشُّفْعة كالشتراء، ويدفع أيضًا للمشتري ما يخصُ العَرْصَة من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، وبوضع عن الشفيع ما يقابل النُّقض من الثمن يوم الشراء، بأن يقال: ما قيمة العَرْصَة بال بناء؟ وما قيمة النقض مهدومًا؟ ويفضُّ الثمن عليهما، فما قابل العَرْصَة من ذلك فإنه يدفعه

стр. 949

للمشتري، وما قابل النقض من ذلك فإنه يحطُّ عنه، فإ، لم يفعل ذلك فلا شُفْعة له اهـ باختصار. وأصله في المدوَّنة. ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بالشُّفْعة وأحكامها انتقل يتكلم على القسمة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في القسمة أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام القسمة. وهي لغة: تمييز الأنصباء، وعُرْفًا: تعيين نصيب كل شريك في مشاع ولو باختصاص تصرّف. قال ابن عرفة: هي اختصاص كل شريك بمشترك فيه عن شريكه زمنًا معيَّنًا من متَّحِد أو متعدَّد، ويجوز في نفس منفعته لا في غَلَّته. فتلخَّص أن القسمة إمَّا قرعة، أو مهايأة، أو مراضاة، وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: "الْقِسْمَةُ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: مُهَايأةٌ وَهِيَ اخْتِصَاصُ كُلَّ بِمَنْفَعَةٍ مَعَ بَقَاءِ الرقَاب مُشْتَرِكَةً" يعني أن القسمة على ثلاثة أقسام: الأول المهايأة، قال النفراوي: والمهايأة بالمثناة التحتية أو النون أو الباء الموحدة كالإجارة؛ لأنها إنما تكون في المنافع كعَبْدٍ يخدم أحدهما زيدًا والآخر عَمْرًا على طريق ابن الحاجب. وأمَّا ابن عرفة فشَرَط في صِحَّتها تعيين الزمن، فلا يجوز عند أن يتفقا على أن كل واحد يستخدم عَبْدًا أو يسكن دارًا من غير تحديد بمدّة اهـ. وعبارة الدردير في اقرب المسالك أنه قال: وهي اختصاص كل شريك على شريكه بمنفعة متَّحد أو متعدَّد في زمن، كخدمة عَبْدٍ وركوب دابة ولو كشَهْر، وسُكنى دار، وزرع أرض ولو سنين، ولزمت كالإجارة، لا غَلّة وإن يومًا اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "الثَّانِي بَيْعٌ وَهِيَ رِضَا كُلٍّ بموضِع مُقَابِلٍ لِمَا يَأْخُذُهُ الآخَرُ" يعني الثاني من أقسام القسمة المراضاة، قال الدردير عاطفًا على مهايأة: ومراضاة

стр. 950

فكالبيع اتحد الجنس أو اختلف، فتجوز صوف على ظهر إن جُزَّ بقرب أي دخلوا على جَزَّه بقرب كنِصْفِ شَهْر، وجاز أخْذُ أحدهما عَرْضًا وأخر دَيْنصا وأخْذُه قطنية كفول والآخر قمحًا أي جاز ذلك كما يجوز خياره كالبيع وأخَذَ كلُّ واحد مزدوجَيْن كخُفًّ ونعل للرضى والتسامح اهـ. بتوضيح قال الحطاب: هذا هو القسم الثاني من أقسام القسمة وهي قسمة المراضاة، وبعضهم يسمَّميها قسمة بَيْع. قال ابن عرفة: وهي أخْذُ بعضهم بعض ما بينهم على أخْذِ كل واحد منهم ما يعدله بتراض مِلْكًا للجميع. وهو على قسمَيْن بعد تقويم وتعديل. قال في معين الحكام وغيره واللفظ للمعين: فهذه لا يقضي بها مَنْ أباها، ويُجْمَعُ فيها بين حظَّين في القِسْم، وبين الأجناس والأصناف والمَكِيل والموزون، خَشْيشَ ما يدَّخر من الطعام ممَّا لا يجوز فيه التفاضل، ويُقام فيها بالغُبْن إذا ظهر. والأظهر أنها بَيْعٌ من البيوع. وقسمة المراضاة بلا تعديل ولا تقويم حُكْمُها حُكْمُ التي بعد التعديل والتقويم إلاَّ في القيام بالغُبْن، وهي بَيع من البيوع بَلا خِلاف اهـ. ونحوه ابن جزي انظر الموّاق. قال رحمه الله تعالى: "الثَّلِثُ قِسْمَةُ تَعْدِيل" أي وتقويم، وتسمّى أيضًا قسمة قُرعة لِمَا فيها من القُرعة بين أهل السهام في الشيئ المرغوب فيه إذا انفرد. قال رحمه اللَّه تعالى: "فَيَضُمُّ مَا تُقارَبَتْ مَنَافِعُهُ وَالرَّغَبَاتُ فِيهِ إِلاَّ أَنْ لاَ يُمْكِن قِسْمَةُ كلَّ مَوْضِع عَلَى حِيَالٍ يُعدَّلُ بِالْقِيمَةِ عَلَى اَقَل السَّهَام وَيُسْهَمُ عَلَيْهِ" هذا شروع في صفة قسمة القُرعة. قال في الرسالة: وقسم القرعة لاَ يكون إلا في صنف واحد. قال شارحها: لأنها ليست بَيْعًا على المشهور بل تمييز حق، فلا تكون إلاَّ فيما تماثل أو تجانس ولا يُجْمَعُ فيها حظُّ اثنَيْن وتُرَدُّ بالغُبْن، ولذلك لا بدَّ فيها من التعديل والتقويم، ويُجْبَر عليها مَنْ أباها. واختَلَفَ أهل المذهب في دخولها المِثْليات، وهي المَكِيلت والموزونات والمعدودات المتفقة الصفة على قولَيْن، الذي أفتى به الشبيبي وعليه ابن رشد عدم جواز القُرعة فيها، وإنَّما تُقْسَمُ كَيْلاً أو وَزْنًا (قُلْتُ وعليه مصنَّفًا) والذي أفتى به ابن عرفة
следующие страницы →