← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17687

الكناش في فني النحو والصرف

أبو الفداء

Полный текст (778 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أحدهما منصوبا والآخر مجرورا نحو: ضربيك (١) ففي أعطيتكه ضميران الكاف والهاء، وليس أحدهما مرفوعا، وكاف الخطاب متقدّمة وهي أعرف من الهاء التي للغائب فجاز أعطيتكه وأعطيتك إيّاه، وكذلك جاز ضربيك وضربي إيّاك، أما وجه الاتصال فلإمكانه مع عدم الاستثقال، وأمّا وجه الانفصال فلإيهام/ ثلاث كلمات كواحدة فإن لم يكن أحدهما أعرف أو كان، ولكن لم يقدّم الأعرف وجب الانفصال، وقد جاء ذلك في الغائبين قالوا: أعطاهاه، وأعطاهوها، وهو شاذ (٢) وإنّما لم يجز ذلك إذا كان أحدهما مرفوعا لأنّه إذا أتى الضمير متصلا نحو: ضربتك، تعيّن الاتصال ولم يجز الانفصال. ومنها: المضمر الواقع خبرا لكان، فإنّ فيه لغتين؛ المختار منهما أن يكون منفصلا نحو: زيد عالم وكان عمرو إيّاه، لأنّ خبر كان وأخواتها في الأصل إنما هو خبر مبتدأ، وخبر المبتدأ إذا كان ضميرا لم يقع إلّا منفصلا قال الشّاعر: (٣) ليت هذا الليل شهر ... لا نرى فيه عريبا ليس إيّاي وإيّا ... ك ولا نخشى رقيبا وعريب بالعين المهملة بمعنى أحد، وأمّا على غير الأشهر فيجوز أن يقع متصلا تشبيها له بالمفعول فكما يتصل ضمير المفعول نحو: ضربته، فكذلك يتصل خبر كان فتقول: كنته، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي: (٤)

стр. 247

ذر الخمر يشربها الغواة فإنّني ... رأيت أخاها مجزيا بمكانها فإن لا يكنها أو تكنه فإنّه ... أخوها غذته أمّها بلبانها ولو فصل لقال: فإلّا يكن إيّاها أو تكن إيّاه. ومنها: المضمر الواقع بعد لولا، فإنّ فيه لغتين (١) أيضا، أكثرهما أن يكون مرفوعا منفصلا نحو: لولا أنت ولولا نحن إلى لولاهنّ، قال الله تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٢) وأما وجوب رفعه فلأنّ الضمير كناية عن المظهر، ولم يأت المظهر بعد لولا إلّا مرفوعا، فوجب أن يكون المضمر كذلك ورفعه بالابتداء عند البصريين، وبفعل مضمر عند الكوفيين (٣) وأمّا وجوب مجيئه منفصلا، فلأنّه عند البصريين مبتدأ، فوجب فصله لعدم ما يتصل به، وأمّا عند الكوفيين فيجب فصله لحذف الفعل الرافع له وهو مثل قولك: إن أنت قمت قمت، وأمّا لغة إتصاله فستذكر مع عسى. ذكر المضمر الواقع بعد عسى (٤) اعلم أنّ المضمر الواقع بعد عسى لا يكون إلّا متصلا ولكن فيه لغتان، باعتبار كونه ضميرا مرفوعا، أو غير مرفوع فاللغة الكثيرة منها أن يكون مرفوعا متصلا (٥) نحو: عسيت عسينا للمتكلّم، وعسيت عسيتما عسيتم عسيت عسيتنّ للمخاطب، وعسى عسيا عسوا عست عسين للغائب. كما تقول: رميت رمينا إلى رمين، وأمّا اللغة التي ليست بكثيرة فهو أنّه جاء بعد لولا ضمير مجرور، وبعد عسى ضمير

стр. 248

منصوب متصل بها، نحو: لولاي لولاك لولاه وعساي عساك عساه إلى لولا هنّ وعساهنّ، قال الشّاعر (١): وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النّيق منهوى وقال ابن أبي ربيعة: (٢) أومت بكفّها من الهودج ... لولاك هذا العام لم أحجج وقد اختلف في الضمير المذكور المتصل بلو لا وعسى، فعند سيبويه (٣) أنّ الياء في لولاي والكاف في لولاك في موضع جرّ لبطلان الرفع والنّصب، أما بطلان الرفع فلكون الكاف والياء ليسا من ضمائر/ المرفوع وأمّا النصب فلعدم النّاصب، فيتعيّن الجرّ قال سيبويه: ويكون للولا مع المضمر حال ليس لها مع المظهر كما أنّ للدن حالا مع غدوة ليست لها مع غيرها (٤)، لأنّها تجرّ ما بعدها وتنصب غدوة فقط، فكذلك لولا تجرّ المضمر المتصل فقط، فحالها معه مخالف لحالها مع غيره (٥) وأمّا عسى فعند سيبويه محمولة على لعلّ (٦) فينصب الاسم، كما حملت لعلّ على عسى

стр. 249

في دخول أن في خبرها قال الشاعر: (١) لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة ... ... وقد قيل: إنّ عسى في مثل هذا حرف لا فعل، فتقول: عساك أن تقوم كما تقول: لعلّك أن تقوم، وقال: (٢) يا أبتا علّك أو عساكا فلو أنّ عسى فعل لم يصحّ عطفها على لعلّ، لأنّها حرف وأمّا الأخفش فيرى أنّ الياء والكاف في قولك: لولاي لولاك في موضع رفع (٣) وقد أوقعوا الضمير المجرور موقع الضمير المرفوع، وكذلك الضمير بعد عسى في موضع رفع واحتجوا لسيبويه، أنّ تغيير لولا أقل من تغيير الضمير الذي بعدها، لأنّه اثنا عشر مضمرا، للمتكلّم اثنان ولكلّ من المخاطب والغائب خمسة، فتغيير المضمر على رأي الأخفش يؤدّي إلى اثني عشر تغييرا على سبيل الاستقلال، وتغيير لولا على رأي سيبويه تغيير واحد على سبيل الاستقلال، واحتجّوا للأخفش أن وقوع الضمائر بعضها موضع بعض كثر في

стр. 250

كلامهم، نحو: أنا كأنت، ومررت بك أنت وضربته هو: فأكّد المضمر المنصوب بالضمير المرفوع، فقد وقع المرفوع موقع المنصوب (١). ذكر نون الوقاية (٢) وهي لازمة مع ياء ضمير المتكلّم في الفعل الماضي مطلقا، نحو: ضربني وضرباني وضربوني، وشذّ حذف نون الوقاية من الماضي المتصل به ضمير جماعة الإناث نحو: النساء ضربني، قال الشاعر: (٣) تراه كالثّغام يعلّ مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني أراد فلينني، فحذف نون الوقاية تخفيفا، وكذلك هي لازمة أيضا في الأمر قولك أكرمني، وأمّا قولك: اضربي يا هند، فلا مدخل للنون مع هذه الياء، لأنّ نون الوقاية مشروطة بضمير المفعول لا بضمير الفاعل، لأنّ ضمير الفاعل بمنزلة الجزء من الفعل فأشبهت هذه الياء الياء التي من نفس الفعل نحو: يرمي، وكذلك هي لازمة في المضارع العري (٤) عن نون الإعراب نحو: يضربني، وسمّيت نون الوقاية لأنّها وقت الفعل الكسر الذي هو أخو الخفض (٥) وأمّا الفعل المضارع الذي يلحقه نون الإعراب فأنت مخيّر بين إثباتها وحذفها استغناء بنون الإعراب، فتقول: يضرباني ويضربانني، ويضربوني ويضربونني، وتضربيني وتضربينني، وتجب نون الوقاية في قولك: النساء يضربنني، ولا يجوز يضربني، لأنّ نون الإعراب في يضربوني، خارجة عن الفعل، فأمكن جعلها وقاية، ونون يضربن فاعل متصل كالجزء من الفعل، فلم تجعل وقاية

стр. 251

كذلك (١) وأنت مع لدن مخيّر في إثبات نون الوقاية لحفظ بنائها على السكون، وفي حذفها (٢) / قال الله تعالى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٣) قرئ في السّبعة بالتشديد والتخفيف (٤) وكذا أنت مخيّر بين الإثبات والحذف في: إنّ وأنّ وكأنّ ولكنّ كقولك: إنّي وإنني، وكذلك أخواتها الثلاث ويختار إثباتها في ليت كقولك: ليتني، لشبهها بالفعل (٥) ولا يختار في لعلّ، لأنّ بعض لغاتها لعنّ فحذفت منها كراهة اجتماع النونات، وحملت لعلّ عليها، ويختار إثباتها في: من وعن وقد وقط، لحفظ سكونها (٦) نحو: مني وعني وقدني وقطني وقال الشاعر: (٧) امتلأ الحوض وقال قطني أي حسبي. ذكر الفصل (٨) ويتوسّط بين المبتدإ والخبر قبل دخول العوامل وبعد دخولها صيغة ضمير مرفوع منفصل، نحو: زيد هو المنطلق، وكان زيد هو المنطلق وإنما قال: صيغة

стр. 252

ضمير مرفوع ولم يقل: ضمير، لعدم تحقق كونه ضميرا، وتسمّى هذه الصيغة فصلا عند البصريين وعمادا ضد الكوفيين (١) وهو يفصل بين الصفة والخبر، لأنّ ما بعده يتعيّن للخبر، وتمتنع الصفة لامتناع الفصل بين الصفة والموصوف، فإنّك إذا قلت: زيد القائم، صلح القائم أن يكون صفة للمبتدإ فيتوقّع السامع الخبر، وصلح أن يكون خبرا فيبقى السامع متردّدا، فإذا أدخلت هو وقلت: زيد هو القائم، علم أنّه لم يبق من المبتدأ بقيّة، وتعيّن ما بعد «هو» للخبر، وشرط إثبات هذه الصيغة أن يكون الخبر معرفة (٢) نحو: زيد هو القائم، أو أفعل من كذا نحو: كان زيد هو أفضل من عمرو، وكذلك إذا كان الخبر مشابها للمعرفة لفظا نحو: مثل وغير والاسم المضاف إلى معرفة إضافة لفظيّة، وكذلك إذا كان الخبر فعلا مضارعا (٣) نحو: زيد هو يقوم، قال الله تعالى: وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (٤) ولا بدّ أن تكون هذه الصيغة مطابقة للمبتدإ في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والخطاب والتكلّم والغيبة (٥) تقول: زيد هو القائم، والزيدان هما القائمان، والزيدون هم القائمون، وهند هي القائمة، قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (٦) ولا موضع لهذه الصيغة من الإعراب عند الخليل (٧) مع قوله بأنّه اسم (٨) لأنّه إنّما دخل للفصل كالكاف في أولئك، والتاء في أنت فكما أنّ هذه لا محلّ لها من

стр. 253

الإعراب، لا يكون لصيغة الضمير المذكور محلّ من الإعراب، وبنو تميم يجعلونه مبتدأ (١) فيرفعون ما بعده على أنه خبره، والجملة خبر عن كان أو غيره على حسب ما معه من العوامل، وخصّ بصيغة المرفوع لأنّه في معنى التأكيد، كما تقول في التأكيد ضربتك أنت ونحو ذلك (٢). ذكر ضمير الشّأن (٣) ويتقدّم قبل الجملة ضمير يسمّى ضمير الشّأن (٤) يفسّر بالجملة التي بعده لأنّ كلّ جملة هي شأن وأمر وقصّة وإذا قلت: هو زيد قائم، فكأنّك/ قلت: الواقع والشأن زيد قائم ثمّ أضمرت الشّأن وقلت: هو زيد قائم، واحترز بقوله: يتقدّم قبل الجملة، عن الضمير في نعم رجلا زيد، وربّه رجلا؛ فإنّه متقدّم على المفسّر له لكن تقدّمه على المفرد لا على الجملة، ويكون مرفوعا منفصلا ومستترا، ومنصوبا متصلا بارزا، فالمرفوع المنفصل نحو: هو زيد قائم والمستتر نحو: كان زيد قائم وليس زيد قائم، والمنصوب المتصل: إنه زيد قائم، وإذا وقع مبتدأ انفصل نحو: هو زيد قائم، لأنّ عامل المبتدأ الابتداء، وهو معنى، واستحال اتصال الضمير بالمعنى الذي هو الابتداء لكونه غير لفظ، وكذا إذا وقع بعد ما الحجازية نحو: ما هو زيد قائم، لتعذر اتصاله مرفوعا بغير الفعل، وحذف ضمير الشأن إذا كان منصوبا ضعيف قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً (٥) وجاء حذفه في الشعر (٦) نحو قوله: (٧) إذا هبّت رياحك فاغتنمها ... فإنّ لكلّ خافقة سكون فسكون مبتدأ ولكلّ خافقة خبره، واسم إنّ هو ضمير الشأن محذوف والتقدير فإنّه لكلّ خافقة.

стр. 254

ومنه قول الشّاعر: (١) إنّ من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء فمن مبتدأ، ويدخل خبره، ولا يجوز أن يكون من هو اسم إنّ، لأنّ من شرط، والشّرط له صدر الكلام، واسم إنّ ليس له صدر الكلام، فالمبتدأ والخبر في موضع رفع بأنه خبر إن، واسم إنّ ضمير الشأن، وهو محذوف، وتقديره: إنّه من يدخل، وكذلك يضعف: وجدت زيد قائم بحذف الضمير، لأنّه مراد، لكونه جزء الجملة وليس على حذفه دليل، وأمّا ضمير الشأن مع أنّ المفتوحة إذا خفّفت فإنّ حذفه لازم، لأنّهم لو لم يقدّروا ذلك لكان للمخفّفة المكسورة على المخفّفة المفتوحة مزيّة في العمل، والمفتوحة أقرب إلى الفعل، وقد جوّزوا إعمال المخفّفة المكسورة، قال الله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٢) ولم يجيزوا إعمال المخفّفة المفتوحة قال الشاعر: (٣) ... ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل فلم تنصب هالك، فوجب تقدير عملها في ضمير الشأن (٤) لكونها أشبه بالفعل من المكسورة، ألا ترى أنّ قولك: أنّ على لفظ أنّ الذي مضارعه يئن من الأنين. ولم يأت ضمير الشأن مجرورا كما جاء مرفوعا ومنصوبا، لأنّه كناية عن

стр. 255

الجملة، والجملة لا مدخل لحرف الجرّ عليها. ذكر أسماء الإشارة (١) وهي ثاني أقسام المبنيّات، وأسماء الإشارة ما وضع لمشار إليه وهي بدون الصفة مبهمة لصلاحيّتها لكلّ مشار إليه (٢) وبنيت لمشابهتها الحرف (٣) من حيث احتياجها إلى ما يبيّن ذات المشار إليه، وهي: ذا للمذكّر، وذان لمثنّاه رفعا، وذين نصبا وجرا، وللمفرد المؤنث عدّة ألفاظ مترادفة وهي: تاوتي وته وتهي وذه وذهي، ولمثنّاه تان رفعا وتين نصبا وجرا، وأولاء مقصورا وممدودا (٤) مشترك بين جمع المذكّر والمؤنّث لا يختلف/ فيهما، وذا أصله ذوي متحرك العين على وزن فعل (٥) فحذفت اللام لتأكيد إبهام هذه الأسماء، وقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها فصار ذا، ويلحق أوائل أسماء الإشارة حرف التنبيه نحو: هذا (٦)، ويلحق أواخرها حرف الخطاب بحسب من تخاطبه وألفاظ الإشارة خمسة، وحروف الخطاب خمسة، وإذا ضربت خمسة في خمسة كانت خمسة وعشرين، فإذا خاطبت مفردا مذكّرا مشيرا إلى مفرد مذكّر، قلت: ذاك بفتح الكاف، وإن خاطبت مفردا مؤنّثا مشيرا إلى المفرد المذكّر المذكور قلت: ذاك بكسر الكاف، وإن أشرت إلى المفرد المذكور وخاطبت مثنّى مذكّرا أو مؤنّثا، قلت: ذاكما، وإن خاطبت جمع المذكّرين قلت ذاكم، وإن خاطبت جمع المؤنّث، قلت: ذاكنّ، قال الله تعالى: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (٧) الإشارة إلى يوسف والخطاب مع النّسوة، وذلك هو ذاك زيدت فيه اللام، ومثال المفرد المؤنّث مشارا إليه مع المخاطبين المذكورين؛ تاك، تاك، تاكما، تاكم،

стр. 256

تاكنّ، ومثال المثنّى المذكّر مشارا إليه معهم: ذانك، ذانك، ذانكما، ذانكم، ذانكنّ، وفي النصب والجر: ذينك ذينك ذينكما ذينكم ذينكنّ، ومثال المثنّى المؤنّث: تانك، تانك، تانكما، تانكم، تانكنّ، وفي حالة النصب والجرّ، تقول: رأيت تينك، تينك، تينكما تينكم تينكنّ، ومررت بتينك إلى تينكنّ ومثال مجموع المذكّر والمؤنّث، مشارا إليهما مع المخاطبين المذكورين، أولاك أولاك أولاكما أولاكم أولاكنّ وقد نقل النيليّ جواز فتح كاف الخطاب في ذلك كلّه وهو غريب قال: إنّ ذلك نقله الثقات من غير إلحاق علامة تثنية ولا جمع ولا غير ذلك بل يفرد ويذكّر على كل حال (١) واعلم أنّهم لم يقولوا: ذاه ذاهما ذاهم لأنّ الهاء للغائب، والغائب لا يصحّ تنبيهه على الحاضر، بل الحاضر ينبّه على الغائب. واعلم أنّ قولك في التثنية ذان ليس بتثنية ذابل هو صيغة تفيد التثنية كأنتما (٢) فكما أنّ أنتما ليس بتثنية أنت فكذلك ذان ليس بتثنية ذا لأنّه لو كان تثنية ذا، لقيل: ذوان، لأنّ التثنية من شأنها أن تردّ ما كان محذوفا من المفرد نحو: أبوان وأخوان ودميان ورحيان، ولأنّ تثنية المعرفة توجب تنكيرها غالبا، وذان معرفة، ومنهم من يجعل مثنّى أسماء الإشارة على كلّ حال بألف (٣) وعليه قوله تعالى: قالُوا: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ (٤) واعلم أنّ قولنا: يلحق بأوائلها حرف التنبيه ليس على إطلاقه،

стр. 257

فإنّه يلحق البعض دون البعض، إذ لا يقال: هذا لك بالاتفاق، وجعلوا ذا للقريب ليكون الاسم المجرّد من الزيادة للقريب المجرّد من زيادة المسافة، وذاك للمتوسّط بزيادة حرف الخطاب لتشعر الزيادة في اللفظ بالزيادة في المسافة، وذلك بزيادة اللام للبعيد لتشعر زيادة الحرفين على البعد في المسافة، وهو رأي بعض النحويين (١) وإذا قصدوا البعيد في المثنّى شدّدوا النون من ذانك وتانك (٢) وفي الواحدة المؤنّثة استعملوا تلك، وفي المجموع زادوا اللّام وقصروا فقالوا: أولالك (٣) فهؤلاء للجماعة القريبة، وأولئك للمتوسّطة، وأولالك للبعيدة (٤) واعلم أنّهم قد وضعوا أسماء يشيرون بها إلى الأمكنة. خاصة وهي: ثمّ وهنا، فثمّ يشيرون به إلى ما بعد من الأمكنة، وهنا وهاهنا إلى المكان القريب، وهناك إلى المتوسط، وهنالك إلى البعيد، وفي هنا ثلاث لغات، إحداها: ضمّ الهاء مع تخفيف النون، والثانية: فتحها مع تشديد النون، والثالثة: كسرها مع تشديد النون أيضا لكنّ الفتح أكثر (٥). ذكر الموصولات (٦) وهي ثالث أقسام المبنيّات، والموصول مبهم بدون صلته، كما أنّ اسم الإشارة مبهم بدون صفته، فإن قيل الموصولات وأسماء الإشارة معارف فكيف يجتمع الإبهام والتعريف، فالجواب: أنّ إبهامها إنّما هو بحسب الوضع لا بحسب الاستعمال، فإنّها معارف بحسبه كما في الضمائر من مثل: أنا وأنت وهو، وإنّما يبنى الموصول لمشابهته الحرف من حيث احتياجه إلى الغير في إيضاحه وهو الصّلة (٧) وحدّ الموصول: اسم لا يتم جزءا من الكلام من مسند ومسند إليه، ومضاف إليه وتابع،

стр. 258

إلّا مع صلة وعائد، فقولنا: اسم كالجنس/ وقولنا: لا يتم جزءا إلّا بصلة، يخرج ما يتمّ جزءا بدون الصلة نحو: زيد ورجل وقولنا: وعائد، يخرج مثل: إذ وإذا، لأنّه وإن لم يتمّ جزءا من الكلام إلّا بصلة فإنّه بلا عائد، فمثال الموصول مسندا قولك: زيد الذي قام أبوه، ومثاله مسندا إليه: الذي قام أبوه زيد، ومثاله مضافا إليه: غلام الذي قام أبوه عمرو، ومثاله تابعا: مررت بزيد الذي أبوه قائم، ويجب أن تكون صلة الموصول جملة خبريّة ولا موضع لها من الإعراب (١) لكونها كالجزء من الموصول، وإنّما وجب أن تكون جملة، لأنّ «الذي» وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل التي هي نكرات في الأصل، ووجب أن تكون خبريّة لأنّ الموصول يخبر به وعنه، ولو كانت الجملة الإنشائيّة جزءا منه لما صحّ منه ذلك، ولأنّ الصلة يجب أن تكون موضّحة للموصول، وما عدا الخبريّة كالأمر والنهي وغيرهما. من الجمل الإنشائيّة غير موضّح (٢)، ويشترط في الصلة أيضا، أن تكون معلومة للمخاطب، لأنّها لو كانت مجهولة لم تكن موضّحة، ويشترط أن يكون فيها عائد (٣) وهو ضمير في الصلة يعود إلى الموصول، لأنّ الصلة جملة مستقلّة فافتقرت إلى العائد، ليحصل به ربط الصلة بالموصول، والضمير العائد المذكور يجوز حذفه (٤) إذا كان مفعولا، نحو قوله تعالى: (فيها ما تشتهي الأنفس) (٥) أي ما تشتهيه، لحصول العلم به مع كونه فضلة، ولم يجز ذلك في الضمير المرفوع والمجرور لكون المرفوع فاعلا وامتناع حذف الفاعل، واستلزام حذف المجرور، كثرة الحذف أعني الجار والمجرور (٦) (٧).

стр. 259

ذكر تعدّد الموصولات (١) منها: الذي للمفرد المذكّر، والألى والذين لجمع المذكّرين، واللّذان للمثنّى المذكر بالألف إذا كان في موضع رفع واللذين بالياء إذا كان في موضع نصب أو جرّ وهذه العبارة أولى من أن يقال: رفعه بالألف، ونصبه وجرّه بالياء، لأنّ هذه الصيغ ليست معربة حقيقة لأنّها من المبنيّات، ولعدم تحقّق التثنية فيها، فإنّ اللذان واللذّين اسم وضع للمثنّى، وكذلك اللتان واللتين، كما قيل في أسماء الإشارة ولذلك حذفت الياء في تثنية الذي والتي كما حذفت ألف «ذا» ولو كان مثنّى حقيقة لما حذف ذلك، وكذلك الذين ليس جمعا للذي، لأنّه على اللغة الفصيحة بصيغة واحدة في الرفع والنصب والجر، ولو كان جمعا محقّقا لوجب أن يقال: الذون رفعا، ولكن هو اسم وضع للجميع، وأمّا جمع المؤنّث، ففيه لغات، وهي اللاتي واللواتي واللّات واللّوات واللّائي بهمزة وياء بعدها، واللّاء بهمزة وحدها واللّاي بياء مكسورة، وساكنة أيضا بغير همز (٢) ومن الموصولات ذو الطائيّة بمعنى الذي، كقوله: (٣) ... ... وبئري ذو حفرت وذو طويت

стр. 260

/ وذو هذه، بالواو في الأحوال كلها. ومنها: ما ومن وهما مفردان بكل حال وإنما تقع التثنية والجمع والتذكير والتأنيث في صلاتهما لا فيهما. ومنها: أيّ للمذكّر بمعنى الذي وأيّة للمؤنّث بمعنى التي، وذا بعد ما للاستفهام خاصة كقولك (١): ماذا، وهي بمعنى الذي، عند البصريين. ومنها: الألف واللام مع اسمي الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة بمعنى الذي والتي وسيأتي الكلام على هذه الموصولات. ذكر الإخبار بالذي وبابها (٢) ويخبر بها عن كلّ اسم في جملة معلوم من وجه غير معلوم من وجه آخر، ما لم يمنع مانع من الإخبار بها كما سنذكر، سواء كان ذلك الاسم في الجملة الاسميّة أو الفعليّة، أعني إذا كان الإخبار بالذي خاصة، فإنها تعمّ الجملتين، وأما الألف واللّام فلا يخبر بهما إلّا في الجملة الفعليّة خاصة، لأنّ صلة الألف واللّام لا تكون إلا اسم فاعل أو مفعول أو صفة مشبّهة لكراهتهم أن يدخلوا صيغة الألف واللّام على الجملة، لكون صيغتهما مثل صيغة لام التعريف، فسبكوا من الجملة الفعليّة اسم فاعل أو مفعول ليصحّ دخول اللّام عليهما (٣) كقولك: الضارب زيد، والمضروب عمرو، بمعنى الذي ضرب والذي ضرب، ولا يبنى ذلك إلّا من الفعليّة، فلذلك خصّت اللام بالفعليّة وعمّ «الذي» الجملتين الاسميّة والفعليّة (٤) وطريق الإخبار أن يصدّر «الذي» ويؤخّر الاسم خبرا، ويجعل مكانه ضمير عائد على «الذي» مطابق للظاهر المخبر عنه إعرابا وتذكيرا وتأنيثا وتثنية وجمعا، ويكون مستترا وبارزا متصلا ومنفصلا، فإذا أخبرت عن التاء في: ضربت زيدا بالذي قلت: الذي ضرب زيدا أنا (٥)، فإنّك صدّرت «الذي» وجعلت موضع الضمير البارز الذي هو تاء، ضربت

стр. 261

ضميرا، فلزم أن يستتر في ضرب الذي هو الفعل الماضي، وأخّرت الضمير البارز المتصل الذي هو تاء ضربت فلزم انفصاله فالذي مبتدأ، وأنا خبره وما بينهما صلة الذي، وإذا أخبرت عن زيد في ضربت زيدا، قلت: الذي ضربته زيدا، فجعلت موضع المخبر عنه ضميرا للذي وهو الهاء في ضربته وأخّرت زيدا، فالذي مبتدأ، وزيد خبره، وما بينهما صلة الذي، وإذا أخبرت عن زيد في قولك: زيد قائم قلت: الذي هو قائم زيد، والأمر فيه كما ذكرنا، والذي في هذه الصور مبتدأ واجب التقديم، والاسم المخبر عنه بالذي خبر واجب التأخير ومع ذلك لم يذكرا في مواضع وجوب تقديم المبتدإ ووجوب تأخير الخبر، وإذا أخبرت بالألف واللّام عن التاء في ضربت زيدا، قلت: الضارب زيدا أنا (١)، فالألف واللّام مبتدأ بمعنى الذي وأنا خبره، وما بينهما صلة الألف واللّام، والعائد مستكنّ في الضارب لأنّ اسم الفاعل قد جرى على من هو له، وإذا أخبرت عن الكاف في ضربتك، قلت: الضاربه أنا أنت فاللّام مبتدأ، وأنت خبره وما بينهما صلة اللام، والعائد الهاء في الضاربه وأنا فاعل، ووجب إبراز الضمير؛ لأنّ الألف واللام لمخاطب الذي هو أنت، والفعل لضمير/ المتكلّم فقد جرى اسم الفاعل على غير من هو له، فوجب إبراز الضمير كما ذكر في بابه (٢). واعلم أنّ المراد بقولهم: أخبر بالذي، إنّما هو إخبار عن الذي بذلك الاسم لا إخبار بالذي حقيقة، فتكون الباء في أخبر بالذي، إمّا بمعنى الاستعانة أي استعن على هذا الإخبار المخصوص بالذي، وإمّا بمعنى عن فيكون تقدير أخبر بالذي، أخبر عن الذي، وكما أوّلنا الباء بأنّها بمعنى عن كذلك تؤوّل عن بأنّها بمعنى الباء فيصير أخبر عن الذي تريد (٣) وإنّما لزم تأويل هذا اللفظ لأنّ الذي في هذا الباب مبتدأ مخبر

стр. 262

عنه لا به، والاسم المخبر عنه بالذي خبر مخبر به لا عنه. واعلم أنّ قولهم: إنّ الألف واللام لا توصل إلّا بالجملة الفعليّة ليس على إطلاقه بل لا بدّ من قيد آخر، وهو أن يقال: الجملة الفعليّة التي لها تصرّف، ليمكن سبك اسم الفاعل والمفعول منها، فإنّ الأفعال الجامدة لا يمكن ذلك منها لأنها لا تتصرف (١) وهي ستة: ليس، وعسى، ونعم وبئس وفعل التعجب وحبّذا، وإذا تعذّر في الإخبار بالذي أحد الأمور الثلاثة، وهي: إمّا تصدير الذي، أو إقامة الضمير العائد مقام الاسم المخبر عنه، أو تأخير المخبر عنه خبرا، تعذّر الإخبار بالذي، فلا يصحّ الإخبار عن ضمير الشأن لأنّ له صدر الكلام فلا يؤخّر (٢) ولا عن الوصف بدون الموصوف، لأنّه يلزم وقوع الصفة مضمرة، والمضمر لا يجوز أن يوصف به، فلو أخبرت عن الكريم في قولك: رأيت زيدا الكريم، وقلت: الذي رأيت زيدا إيّاه الكريم لم يجز، وكذلك لا يخبر عن الموصوف بدون صفته، لأنّه يلزم أن يقع المضمر موصوفا وذلك غير جائز، فلو أخبرت عن زيد، في قولك: رأيت زيدا الكريم وقلت: الذي رأيت إياه الكريم زيد لم يجز ذلك (٣) وكذلك الحال والتمييز لامتناع وقوع الضمير حالا أو تمييزا؛ لأنّ الضمير معرفة ويمتنع أن يكون شيء منهما معرفة، وكذلك المصدر العامل (٤) في نحو: أعجبني ضربي زيدا، لامتناع جعل الضمير عاملا مكان المصدر، لأنّ الضمير لا يعمل، وإن قدرت المصدر عاملا وقلت: الذي أعجبني هو زيدا ضربي، لم يجز أيضا، لأن المصدر لا يعمل مؤخرا، وإنّما قيّد المصدر بالعامل، لجواز الإخبار عن المصدر الغير العامل نحو: أن يقال في رأيت ضربك: الذي رأيته ضربك، وكذلك لا يخبر عن الضمير المستحق لغير الموصول، ولا عن الاسم المشتمل عليه، أمّا الضمير المستحق لغير الموصول فنحو الهاء في: زيد ضربته (٥) وأمّا الاسم المشتمل على الضمير المستحق لغير الذي

стр. 263

فنحو: زيد ضربت أخاه (١)، فلا يجوز أن تخبر عن الهاء في ضربته ولا عن أخاه، فإنك إن أعدت الهاء على زيد الذي هو المبتدأ بقي الموصول بلا عائد، وإن أعدتها على الذي بقي المبتدأ الذي هو زيد، بلا عائد (٢)،/ وكذلك لا يصحّ الإخبار عن المجرور بربّ ومذ ومنذ، وكاف التشبيه، وواو القسم وتائه، وحتّى، والمضاف بدون المضاف إليه لامتناع إضمار هذه الأشياء. ذكر أنواع ما (٣) وذكرت أقسامها هاهنا للاختصار، لئلّا يفرد لها باب آخر، وهي تستعمل غالبا فيما لا يعقل، وقد جاءت لمن يعقل (٤) في قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وهي مشتركة بين ستة معان، فإنّها تأتي: موصولة، واستفهاميّة، وشرطيّة، وموصوفة، وصفة، وتامّة، وهي في جميع أقسامها مبنيّة، فمثال الموصولة قوله تعالى: قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ (٦) أي الذي عند الله وهي معرفة (٧) لكن لا توصف بها المعرفة، كما توصف بالذي، لأنّ ما الموصولة تتضمّن الصفة والموصوف جميعا، فإذا قلت: أعجبني ما صنعته فمعناه: أعجبني الشيء الذي صنعته، لأنّ الشيء موصوف والذي صنعته صفته، ومثال الاستفهاميّة قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (٨) وهي هنا نكرة (٩) ومثال الشرطيّة قوله تعالى:

стр. 264

وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (١) وهي نكرة أيضا، ومثال الموصوفة قول الشّاعر: (٢) ربّما تكره النفوس من الأم ... ر له (٣) فرجة كحلّ العقال وهي نكرة أيضا، لدخول ربّ عليها، وإنّما كانت موصوفة، لأنّ المجرور بربّ لا بدّ من وصفه، وهي هنا موصوفة بالجملة، وهي نكرة أيضا، والتقدير، ربّ شيء تكرهه النفوس أي مكروه، وأمّا الموصوفة بالمفرد فنحو قوله تعالى: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٤) أي هذا شيء لديّ عتيد، فعتيد صفة لما (٥)، ومثال الصفة قوله ﷺ «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما» (٦) أي، أحبب حبيبك حبّا قليلا، وأبغض بغيضك بغضا قليلا، وقيل: (٧) «ما» هنا حرف يفيد التقليل، وقيل: زائدة للتأكيد وهو الأصحّ، وهي أيضا نكرة، ومثال التامّة، وهي أن تكون بمعنى شيء (٨) قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ

стр. 265

فَنِعِمَّا هِيَ (١) أي فنعم شيئا إبداؤها فحذف المضاف وهو إبداء، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو الضمير المجرور الراجع إلى الصّدقات فصار مرفوعا، ومعنى كونها تامة أنّها غير محتاجة إلى صلة ولا صفة، وهي هنا منصوبة على التمييز، ومفسّرة (٢) لفاعل نعم، أي نعم الشيء شيئا هي الصدقات (٣). ذكر أنواع من (٤) والاعتذار عن ذكر باقي أقسامها مع الموصولات، وكذلك غيرها هو ما تقدّم في ذكر أنواع ما، وأنواع من كأنواع ما، إلّا في التمام والصفة، فإنّ من لا تكون (٥) تامّة، ولا يوصف بها، فالموصولة نحو: جاءني من أبوه طيّب، وهي خاصة معرفة، ونكرة في باقي أقسامها، والاستفهاميّة: (٦) نحو: من عندك/ والموصوفة بالمفرد (٧) نحو قوله: (٨) وكفى بنا فخرا على من غيرنا ... حبّ النبيّ محمّد إيّانا وبالجملة نحو قوله: (٩)

стр. 266

ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لي موتا لم يطع فإنّ من هنا بمعنى شخص أو إنسان موصوف بما ذكر، والشرطيّة نحو: من يكرمني أكرمه، ومن تستعمل غالبا فيمن يعقل، وقد تستعمل في غير من يعقل، نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ (١). ذكر أنواع أيّ وأيّة (٢) وهي كأنواع ما إلّا في التمام، فإنّ أيّا وأيّة لا يقعان تامّين، فالاستفهاميّة نحو: أيّهم وأيّتهم عندك؟ والشرطيّة: أيّهم تكرمه أكرمه، والموصوفة: يا أيّها الرجل ويا أيّتها المرأة، والموصولة لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٣) أي الذي هو أشدّ والصفة نحو: مررت برجل أيّ رجل. واعلم أنّ أيّا وأيّة خاصة تعربان في الأقسام المذكورة إلّا في قسمين منها: أحدهما: إذا حذف صدر صلتها نحو: أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٤) أي أيّهم هو أشدّ (٥)، وبنيت لمشابهة الحرف في افتقارها إلى ذلك المحذوف (٦) وثانيهما: إذا كانت موصوفة نحو قولك: يا أيّها الرجل ويا أيتها المرأة، وبنيا لقطعهما عن الإضافة وجعلهما مفردين (٧) والمنادى المفرد المعرفة مبنيّ أبدا كما تقدّم في بابه (٨) وأمّا

стр. 267

وجوب إعرابهما في باقي الأقسام المذكورة فلانتفاء موجب البناء. ذكر ماذا (١) وهي تستعمل على وجهين: أحدهما: أن يكون معناها ما الذي نحو ماذا صنعت؟ ما للاستفهام وهي مبتدأ، وذا بمعنى الذي، وصنعت صلته، والعائد محذوف أي: ما الذي صنعته؟ والموصول مع صلته خبر المبتدأ، وجوابه مرفوع ليطابق السؤال فتقول: خير بالرفع، ويجوز نصبه بتقدير الفعل المذكور فتقول: خيرا بالنّصب، أي صنعت خيرا، ولكنّ الرفع أولى. وثانيهما: أن تكون ماذا بمنزلة كلمة واحدة مركّبة من كلمتين بمعنى أيّ شيء فيصير المعنى، أيّ شيء صنعت، ويحكم على موضعه بحسب ما يقتضيه العامل وهو هنا في محلّ النصب، بأن يكون مفعولا لصنعت، فيكون الجواب منصوبا، فتقول: خيرا بالنصب لتطابق السؤال (٢) وقد يجوز فيه الرفع على تقدير؛ أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وإنّما قدّم ماذا لتضمّنه معنى الإنشاء (٣) وقد أجمع القرّاء على نصب خيرا في قوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قالُوا: خَيْراً (٤) تنبيها على أنّهم قصدوا خلاف ما قصد من كان قبلهم من الكفّار إذ قيل لهم: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٥) فهذا لا يستقيم فيه إلّا الرفع على معنى: هي أساطير الأولين، عدولا منهم عن الجواب، إذ لا يستقيم أن يكون المعنى أنزل ربّنا أساطير الأولين (٦). ذكر أسماء الأفعال (٧) وهي ما كان بمعنى الأمر، أو الماضي، وهي رابع المبنيّات ومسميّاتها ألفاظ؛

стр. 268

فرويد اسم ومسمّاه/ لفظ أمهل، وأمهل لفظ ومدلوله طلب المهلة، وكذلك جميع أسماء الأفعال نحو: هيهات، فإنّها اسم للفظ بعد، وبعد موضوع للمعنى الذين هو البعد، وكذلك (١) صه اسم ل: اسكت، واسكت موضوع للمعنى الذي هو طلب السكوت (٢) لأنّ رويد مثلا لو كان اسما لطلب المهلة، لكان رويد وأمهل مترادفين ولم يكن اسما له (٣)، وكذلك القول في جميع هذا الباب، وفائدة أسماء الأفعال؛ الاختصار والمبالغة لأنّها للمذكّر والمؤنّث والمثنّى والمجموع، بلفظ واحد، فتقول: صه يا زيدان ويا زيدون، فلا تلحقها علامة تثنية ولا جمع، بخلاف اسكتا واسكتوا، وأمّا المبالغة فإنّ معنى: هيهات زيد، بعد جدا، فهيهات معدولة عن قولك: بعد بعد مكرّرا، وكذلك القول في مه وغيرها من هذا الباب وإنّما بنيت هذه الأسماء لأنها نائبة عن الجملة، والجمل محكيّة لا تعرب، أو لشبهها بما هي بمعناه وهو فعل الأمر والماضي (٤) ولا بدّ لها من موضع من الإعراب لوجود التركيب، واختيار ابن الحاجب أنّ موضعها رفع بالابتداء وفاعلها المستتر فيها أغنى عن الخبر كما أغنى في: أقائم الزيدان عن الخبر (٥) واختيار تقي الدين النيلي، أنّ موضعها نصب على المصدر كأنه قيل في رويد زيدا: أرود إروادا زيدا (٦).

стр. 269

فصل وأسماء الأفعال تنقسم إلى مرتجل، ومشتقّ، ومنقول ، فالمرتجل نحو: صه ومه وهيهات، والمشتقّ نحو: نزال ومناع، والمنقول نحو: عليك زيدا، ودونك عمرا، أي خذه، وعندك بكرا أي إلزمه، فإنّ ذلك منقول عن الجار والمجرور والظرف وما أضيف إليه، فإنّ عليك مثلا كان جارا ومجرورا ثم صار اسم فعل هنا، وكذا دونك وعندك، كلّ واحد منهما كان ظرفا مضافا إلى كاف المخاطب ثمّ استعمل اسم فعل حسبما ذكر (١) وينقسم قسمة أخرى؛ إلى لازم نحو: صه وهيهات وإلى متعدّ بنفسه نحو: رويد زيدا، وإلى متعدّ بحرف الجرّ نحو قول المؤذن: حيّ على الصّلاة أي أقبلوا على الصلاة (٢). فصل (٣) ومذهب سيبويه، أنّ كلّ فعل ثلاثي لك أن تبني منه فعال بمعنى افعل (٤) كقولك: ضراب اسم اضرب، وقعاد اسم اقعد، وقوام اسم قم، ونزال اسم انزل، وعند غيره يؤخذ سماعا كما في الرباعي بالاتفاق (٥) إذ لم يأت منه إلّا قرقار (٦) وعرعار (٧) قال الشّاعر: (٨)

стр. 270

قالت له ريح الصّبا قرقار أي قالت الريح للسّحاب: قرقر يا رعد، فهو اسم لقولك أرعد، وأمّا عرعار، فحكاية صوت الصبي إذا خرج فلم يجد من يلعب معه فينادي: عرعار فيخرجون إليه، فكأنه اسم لقولك اخرجوا للّعب، قال الشاعر: (١) ... ... يدعو وليدهم بها عرعار وقيل: لو كان كذلك لكان من باب الأصوات، بل هو اسم للعب معيّن للصبيان (٢). فصل (٣) ومن أسماء الأفعال، ها بمعنى خذ ، وتلحقها الكاف فيقال هاك، فيتصرف مع الكاف في أحواله: هاك وهاك وهاكما إلى هاكنّ. واعلم أنّ هلمّ/ من أسماء الأفعال (٤) وهي عند الخليل مركّبة من لمّ من قولهم: لمّ الله شعثه إذا جمعه، ومن ها التنبيه فأصلها ها لمّ (٥) ثمّ حذفت الألف لكثرة الاستعمال، وقال الكوفيون: هي مركبّة من هل بمعنى أسرع وأمّ بمعنى اقصد

стр. 271

ثم حذفت الهمزة وجعلا اسما واحدا للفعل (١) بمنزلة باقي أسماء الأفعال نحو: رويد، ونزال، وهي عند الحجازيين على لفظ واحد في التثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وبنو تميم يقولون: هلمّا هلمّوا هلممن، ويلحقونها نون التأكيد أيضا نحو: هلمّنّ وهلمنّ يا هذه وهلمانّ وهلمنّ يا هؤلاء، وهلممنانّ يا نساء (٢) واعلم أنّ هلمّ على وجهين: (٣) متعديّة وغير متعديّة، فالمتعديّة بمعنى أحضر وقرّب نحو قوله تعالى: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ (٤) فإنّه من القسم المتعدي أي: أحضروا شهداءكم، وغير المتعدي بمعنى: تعال وأقبل نحو قوله تعالى: هَلُمَّ إِلَيْنا (٥) فإنّه من القبيل الذي لا يتعدّى أي: تقرّب إلينا (٦). فصل (٧) ومن المبنيّات ما يوافق فعال في الصيغة فذكروه هنا وإن لم يكن من أسماء الأفعال لئلا يطول بإفراد باب له وهو على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: ما هو اسم للمصدر المعرفة نحو: فجار علما للفجور، وهو مبنيّ لمشابهته فعال - الذي هو اسم الفعل - من حيث الزنة والعدل؛ لأنّ فجار معدولة عن الفجور لفظا ومعنى (٨). الضرب الثاني: ما هو في معنى الصفة في النّداء، مثل: يا فساق ويا خباث وهو أيضا مبنيّ للزنة والعدل، لأنّ فساق مثلا معدول عن فاسقة وهو معرفة أيضا، لجواز وصفه بالمعرفة كقولك: يا فساق الخبيثة.

стр. 272

الضرب الثالث: ما وضع علما للأعيان المؤنّثة نحو: قطام وغلاب وإنّما قال: علما ليخرج باب فساق، وإنّما قال: للأعيان ليخرج باب فجار، لأنّه وإن كان علما لكنه علم للمعنى الذي هو المصدر لا للأعيان ولم يقع هذا الضرب الثالث إلّا مؤنّثا، وهي مبنيّ أيضا في لغة أهل الحجاز (١) وعلّة بنائه ما قيل في: فجار من العدل والزنة، وغلاب معدول عن غالبة، وقطام عن قاطمة لفظا ومعنى (٢). واعلم أنّ قولنا في غلاب وقطام ونحوهما: إنّه معدول عن غالبة وقاطمة، إنّما هو عدل تقديريّ لا تحقيقي (٣) وإنّما وجب المصير إليه للعلم بأنهم لا يبنون إلّا لمانع من الإعراب، ولا مانع سوى ما قدّر من العدل ومشابهة فعال المبنيّ في الزنة، وفي هذا الضرب الثالث خاصة خلاف أعني علم الأعيان فإنّه مبنيّ في لغة الحجاز معرب في لغة بني تميم إعراب ما لا ينصرف، إلّا ما كان في آخره راء نحو: حضار اسم كوكب يطلع قدّام سهيل ويشتبه به (٤) فإنّ بني تميم يوافقون الحجازيين في بنائه إلّا القليل منهم فإنّهم يعممون الإعراب في جميع هذا الضرب الثالث وقد جرى القليلون على القياس في ذلك، إذ لا فرق بين ما آخره راء وغيرها (٥). ذكر الأصوات (٦) وهي خامس المبنيّات، وهي: كلّ لفظ حكي به صوت نحو: غاق، حكاية صوت الغراب، وطق، حكاية صوت الحجر، أو صوّت به للبهائم ليحصل منها ما يقصده المصوّت من إناخة وغيرها كنخ وجوت (٧) وبني هذا النّوع/ لعدم التركيب لأنّ وضعه على أن ينطق به مفردا (٨) وقد جاء إعرابه مركّبا قليلا.

стр. 273

قال ذو الرمة: (١) تداعين باسم الشّيب في متثلّم ... جوانبه من بصرة وسلام والشّيب بالكسر، حكاية أصوات مشافر الإبل عند الشّرب (٢) وصف إبلا تشرب في حوض متثلّم جوانبه، وأصوات مشافرها شيب شيب، والأصل: أن تحكى الأصوات على ما هي عليه، ولا يعتبر تركيبها كما لا يعتبر تركيب قد وضرب ونحوه في الإعراب. ذكر المركّبات (٣) وهي سادس المبنيّات، والمركّب المبنيّ: كلّ اسم مركّب من كلمتين ليس بينهما نسبة، اعلم أنّ المراد بالمركّب هنا ما سبب بنائه التركيب، وإنّما قال: المركّب من كلمتين، ليشمل المركّب من الاسم والفعل والحرف نحو: سيبويه، وقوله: ليس بينهما نسبة، أي ليس أحدهما محكوما عليه بالآخر، ولا عاملا فيه، وما كان من تركيب هذا شأنه فهو موجب للبناء فيخرج مثل: غلام زيد، وتأبّط شرّا، ونحوهما لوجود النسبة فيهما، وتأبّط شرّا وإن كان مبنيّا، فليس بناؤه للتركيب بل لكونه محكيّا على أصله، والمركّب المبنيّ على ضربين، أحدهما: أن يكون الأول والثاني مبنيين معا، وثانيهما: أن يكون الأول مبنيا والثاني معربا كما سنذكر. أما الضرب الأول: وهو الذي بني فيه الأول والثاني معا. فمنه: أحد عشر إلى تسعة عشر خلا الجزء الأول من اثني عشر فإنّه خاصة معرب كما سيأتي، وبني الأول من الأعداد المذكورة لشبهه بصدر الكلمة، لأنّ خمسة من خمسة عشر مثل جع من جعفر، وبني الثاني من أحد عشر واثني عشر إلى تسعة

стр. 274

عشر لتضمّنه معنى الحرف (١) أعني الواو، لأنّ أصل أحد عشر، أحد وعشر، وكذا القول في اثني عشر في بناء الثاني خاصة إلى تسعة عشر، وبنيا على حركة، لأنّ لهما أصلا في التمكين قبل التركيب، وكانت فتحة طلبا للخفّة. ومنه: اسم الفاعل المصوغ من الأعداد المذكورة وهو حادي عشر وثاني عشر إلى تاسع عشر، واطّرد البناء فيه ولم يعرب الجزء الأول من ثاني عشر كما أعرب من اثني عشر لاستوائه مع إخوته في علّة البناء لأنّ اسم الفاعل المذكور جرى في البناء مجرى أصله؛ فحادي عشر وثاني عشر، مبنيّان كبناء أحد عشر وعلى ذلك حتى يكون تاسع مبنيّا كبناء تسعة عشر، وأما اثنا عشر فبني الثاني خاصة لتضمّنه معنى الحرف، وأعرب الأوّل، لأنّهم لمّا حذفوا النون من اثنين لكونها تدلّ على الانفصال، أشبه المضاف وصار الاسم الثاني كالمضاف إليه، فأجروا الاسم الأول مجرى الكلمة المستقلّة المضافة فأعربوه بالألف في الرفع وبالياء في النصب والجر فقالوا: جاءني اثنا عشر ورأيت اثني عشر ومررت باثني عشر، بإعراب الأول وبناء الثاني على الفتح (٢)، ومن هذا الضّرب قولهم (٣)، «وقعوا في حيص بيص» وتقديره في حيص وبيص أي في فتنة تموج بأهلها متأخّرين ومتقدّمين/ وعلّة بنائه ما تقدّم أعني، لتضمّن الثاني معنى الحرف ولكون الأول كصدر الكلمة، ومثله: هو جاري بيت بيت (٤) والتقدير: هو جاري بيتا إلى بيت أي متلاصقان، والعامل فيه جاري؛ لأنّه بمعنى مجاوري، ومن ذلك: سقطوا بين بين أي بين كذا وبين كذا (٥). وأمّا الضّرب الثاني: وهو أن يكون الأول مبنيّا والثاني معربّا ف: كحضرموت وبعلبكّ، بني الأوّل لكونه كصدر الكلمة، وبقي الثاني على ما يستحقّه من الإعراب فيقال: هذا بعلبكّ

стр. 275

ورأيت بعلبكّ ومررت ببعلبكّ، فلا ينصرف للعلّتين وهذا هو الفصيح، ومن العرب من يعرب الأوّل بالرفع والنّصب والجرّ كالمضاف، ويعرب الثاني إعراب المضاف إليه الغير المنصرف، ومن هؤلاء من يعرب الثاني إعراب المضاف إليه المنصرف فيقول: هذا بعلبكّ بجرّ الثاني في الأحوال الثلاث (١) وأمّا نحو: (٢): «ذهبوا أيدي سبا» فقد عدّه المحققون (٣) من باب المبنيّات وهو مشكل؛ فإنّ معناه ذهبوا مثل أيدي سبا في تشتّتهم، فحذف المضاف الذي هو مثل، وأعرب المضاف إليه بإعرابه ثم حقّقت الهمزة من سبأ، وسكّنت الياء من أيدي على التخفيف وذلك لا يوجب بناء (٤). ذكر الكنايات المبنيّات (٥) وهي سابع المبنيّات، والكناية من كنيت إذا سترت ومنه كنية الشّخص؛ سمّيت بذلك لكونها تستر اسمه (٦) وتكون الكناية معربة نحو: فلان، ويسمّى الضمير مكنيّا أيضا، وليس ذلك بمراد هاهنا، وإنّما المراد الكنايات المبنيّة، وهي: كلّ لفظ مجمل يعبّر به عن مفصّل، ويكون إجماله إمّا لنسيانه أو لقصد إبهامه على السّامعين، بحيث لا يعلم معناه إلّا من يعرف ذلك التفصيل نحو: عندي كذا كذا درهما، فكذا كذا درهما، مجمل وله تفصيل من نحو: عشرين أو خمسين أو غير ذلك، وقد عبّر عنه بهذا اللفظ المجمل، أعني كذا كذا درهما، إمّا للنسيان أو للإبهام على السّامعين (٧) وألفاظ الكنايات كم وكذا للعدد، وكيت وذيت للحديث وقد قيل: (٨) إنّ كم الاستفهامية ليست من الكنايات، لأنّها وضعت للاستفهام عن العدد فلا تكون بهذا

стр. 276

الاعتبار من الكنايات وإلّا لزم أن يكون أين ومتى، كنايتين عن مكان وزمان مبهمين، لأنّ كم كما يفيد الاستفهام والعدد فكذلك أين يفيد الاستفهام والمكان (١)، وقال السخاوي (٢) في شرح المفصل ما معناه: إنّ كم الاستفهامية من الكنايات أيضا، قال: لأنّها في الاستفهام سؤال عن عدد مبهم فلا شيء من العدد إلّا ويصلح أن يكون جوابا، وبنيت الاستفهامية لتضمنها همزة الاستفهام، والخبريّة لكونها مثل الاستفهاميّة في الصيغة (٣) وبني «كذا» لكونه منقولا عن مبنيّ لأنّ أصله «ذا» ودخلت عليه كاف التشبيه فبقي على ما كان عليه (٤) وأما كيت وكيت وذيت وذيت، فكنايتان عن الحديث، وبنيا لكونهما واقعين موقع المبنيّ وهو الجملة (٥) أعني الحديث الذي كني عنه بهما/. ومميّزكم الاستفهامية (٦) مفرد منصوب نحو: كم رجلا ضربت، لأنّ كم للعدد فجعل مميّزها كمميّز الأعداد المتوسطة أعني من أحد عشر إلى تسعة وتسعين ولم يجعل كمميّز طرفي العدد أعني العشرة وما دونها والمائة وما فوقها، لئلا يلزم الترجيح بلا مرجّح، ويدخل «من» في مميّزها فيخفض نحو: كم من رجل ضربت، ومميّزكم الخبريّة مجرور مفرد، ومجموع كقولك: كم درهم وهبت، وكم دراهم وهبت، أما كونه مجرورا، فلأنّها للتكثير، والعدد الصريح الكثير، مميّزه مجرور كمائة وألف، وأما كونه مفردا، فلأنّ مميّز العدد الكثير كذلك، وأمّا كونه جاء مجموعا فلأنّ العدد الكثير، فيه ما ينبيء عن كميّته صريحا كالمائة والألف، ولما كان

стр. 277

هذا ليس مثله في التصريح جعل كأنّه نائب عن معنى التصريح (١) وتدخل «من» في مميّز الخبريّة كثيرا نحو قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها (٢) ولكم الاستفهامية والخبريّة صدر الكلام (٣) لكون الاستفهاميّة لإنشاء الاستفهام، والخبريّة لإنشاء التكثير، والكوفيون لا يوجبون لهما صدر اللام ويستشهدون بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ (٤) ويزعمون أنّ كم فاعل يهد (٥) والبصريون يتأولونه ويقفون على يهد لهم ويبتدئون بقوله: كم أهلكنا (٦) لكن إن كان قبلهما مضاف أو حرف جرّ وجب تقديمه وكانا في موضع خفض كقولك: غلام كم رجلا ضربت، وبكم رجلا مررت، لأنّ المضاف وحرف الجرّ لا يتأخّر عن معموله، فلذلك اغتفر تقديمه على ماله صدر الكلام، ليتنزّل المضاف وحرف الجرّ منزلة الجزء من الكلمة، ويكون إعراب المضاف نحو الغلام في: غلام كم رجلا، كإعراب كم، ولذلك نصبت غلام كم رجلا ضربت، والاستفهاميّة والخبريّة كلاهما يقع مرفوعا ومنصوبا ومجرورا (٧) أما جرّهما فبالمضاف أو حرف الجرّ حسبما تقدّم، وأمّا النصب فبما بعدهما من الفعل، إن كان متسلّطا عليهما، أي غير مشتغل بضميرهما أو متعلّق ضميرهما على حسب ما يقتضيه، أعني؛ إن اقتضى مفعولا به كان مفعولا به نحو: كم رجلا أو رجل ضربت، بنصب رجل مع الاستفهاميّة، وجرّه مع الخبريّة، وإن اقتضى مفعولا مطلقا كان مفعولا مطلقا نحو: كم ضربة وضربة ضربت، وإن اقتضى

стр. 278

ظرفا كان ظرفا نحو: كم يوما وكم يوم صمت، وأمّا الرفع فعلى أن يكونا مبتدأين أو خبرين، وذلك إذا لم يكن بعدهما فعل متسلّط عليهما ولا قبلهما اسم مضاف ولا حرف جرّ فيكونان حينئذ مجرّدين من العوامل اللفظيّة، فيتعيّن أن يكونا في موضع رفع على الابتداء أو على الخبر، ولا يكونان فاعلين لاقتضائهما صدر الكلام، والفاعل ليس له صدر الكلام، وأمّا تعينهما للابتداء دون الخبر أو للخبر دون الابتداء، فإذا وقعا غير ظرف تعيّنا للابتداء كقولك: كم رجلا إخوتك، وكم رجلا قام، وإن وقعا ظرفا تعيّنا للخبر، كقولك: كم يوما سفرك/ لأنك لو جعلت كم مبتدأ وهي للزمان تعذّر أن يكون خبرها السّفر كما يتعذّر ذلك في: متى سفرك، فيجب أن يقدّر السّفر ونحوه مبتدأ، ويكون ما تقدّم ظرفا في موضع رفع على الخبر (١). واعلم أنّ إعراب أسماء الاستفهام والشّرط نحو: من وما، استفهاميتين وشرطيّتين مثل إعراب كم فإن كان بعدهما فعل متسلّط عليهما كان محلّهما النصب نحو: من ضربت، ومن تضرب أضرب وإن كان قبلهما حرف جرّ أو اسم مضاف فمحلّهما الجرّ نحو: بمن مررت وبمن مررت أمرر، وغلام من ضربت، وغلام من تضرب أضربه، فإن لم يكن بعدهما فعل، شأنه ما ذكرناه، ولا قبلهما مضاف ولا حرف جرّ فهما في محلّ الرفع بالابتداء، نحو: من ضربته، ومن تضربه، أضربه وفي مميّزكم في مثل قول الفرزدق يهجو جريرا. (٢) كم عمّة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليّ عشاري

стр. 279

ثلاثة أوجه: نصب عمة، وجرّها، ورفعها، فالنصب بأن تكون كم للاستفهام والجرّ بأن تكون خبريّة، وكم مبتدأ في الصورتين، والرفع بأن تكون عمة مبتدأ نكرة موصوفة بقوله: لك، وقد حلبت، خبرها (١) وكم في هذا الوجه في محلّ النصب على أنّها مصدر أو ظرف، والتقدير كم حلبة أو حلبة عمة لك وخالة قد حلبت، أو كم وقت أو وقتا عمة لك وخالة قد حلبت، فالمميّز أعني حلبة أو وقت محذوف، ومحلّهما إمّا الجرّ على أنّ كم خبريّة، أو النصب على أنها استفهامية، وبعد ذلك عمة وهي نكرة موصوفة مرفوعة بالابتداء، وقد حلبت الخبر. ويحذف المميّز (٢) للعلم به نحو: كم مالك؟ في الاستفهاميّة أي: كم درهما مالك؟ وكم هنا، في محل الرفع على الابتداء، ونحو: كم ضربت في الخبريّة، أي كم ضربة أو مرة ضربت (٣) وكم في محل النصب على المصدر أو الظّرف. ذكر الظروف المبنيّة (٤) وهي ثامن المبنيّات، والظرف يكون معربا كما تقدّم في المنصوبات (٥) ومبنيا وهو المراد هاهنا، والبناء في الظروف إمّا بقطعها عن الإضافة كما سنمثل، وإمّا بالإضافة إلى غير المتمكّن كيومئذ، وشرط بناء ما قطع عن الإضافة أن يكون المضاف إليه مرادا، فإن قطع ولم يكن المضاف إليه مرادا أعرب. نحو قوله: (٦)

стр. 280

فساغ لي الشّراب وكنت قبلا ... أكاد أغصّ بالماء الفرات فأعرب قبلا، ونصبه على الظّرف، لأنّ المضاف إليه غير مقدّر فيه، وبنيت الظروف المقطوعة لافتقارها إلى المنويّ كافتقار الحرف إلى الغير، وبنيت على الضم، لأنّ ذلك لا يوهم إعرابا، لأنّ الضمّ لا يدخلها مضافة، ومثال الظروف المقطوعة المبنيّة على الضمّ، فوق وتحت وقبل وبعد وما أشبهها من الظروف المبهمة نحو: أمام ووراء وخلف وأسفل وأول في قولك: ابدأ بهذا أوّل وتسمّى هذه الظروف الغايات، لأنّها لمّا قطعت عن الإضافة جرت مجرى بعض الكلمة وصارت حدودا وغايات ينتهى إليها (١) وأجري مجراها/ غير وحسب في قولك: لا غير وليس غير، فلما قطع عن الإضافة غير وحسب بنيا على الضّمّ، وإن لم يكونا ظرفين لكون المضاف إليه منويا فيهما، فإن أضيفا أعربا. ومن الظروف المبنيّة «حيث» وبنيت لافتقارها إلى جملة تبيّن معناها كافتقار الموصول إلى الصلة، وبنيت على الضمّ تشبيها بقبل وبعد (٢)، وقد جاء فيها الفتح والكسر (٣) وتستعار للزمان (٤) كقوله: (٥) للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه أي مدّة حياته، ولا تضاف إلّا إلى الجملة، وشذّ إضافتها إلى المفرد، نحو قول الشاعر: (٦)

стр. 281

... أما ترى حيث سهيل طالعا بنصب حيث لأنّ الموجب لبنائها قد زال (١) وجرّ سهيل بإضافتها إليه ونصب طالعا حالا من حيث. ومنها: إذا الشرطية (٢) وإنّما بنيت لتضمّنها معنى حرف الشرط (٣) ولا يجازى بها في غير الشعر، ولا يقع بعدها إلّا الجملة الفعليّة غالبا (٤)، إمّا ظاهرة نحو: إذا جاء زيد فأكرمه، أو مقدّرة نحو قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (٥) أي إذا انشقّت السّماء انشقّت، وقد تتجرّد عن معنى الشّرط وتبقى للزّمان فقط (٦) كقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (٧) إذ التقدير أقسم بالليل حاصلا في وقت غشيانه. ومنها: إذا التي للمفاجأة نحو: خرجت فإذا السبع، أي فاجأت زمان وجود السبع (٨)، وقد تقع جوابا للشرط كالفاء لما بين التعقيب والمفاجأة من المناسبة كقول تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٩) أي فهم يقنطون، وهي ظرف معمول لما دلّ عليه من معنى فاجأت، ويلزم المبتدأ بعدها غالبا، لأنّه لا بدّ من إضافتها إلى جملة، فإنّك إذا قلت: خرجت فإذا زيد، فزيد مبتدأ وخبره محذوف أي فإذا زيد مفاجئ، فحذف لدلالة المعنى عليه.

стр. 282

ومنها: إذ (١)، وهي للزمان الماضي (٢) وعلّة بنائها ما قيل في إذا الشرطيّة ولا يختصّ بجملة معيّنة كما اختصّت إذا بالجملة الفعليّة بل يقع بعد «إذ» الجملتان؛ الفعليّة والاسميّة نحو: جئتك إذ قام زيد، وإذ زيد قائم، وإذ زيد يقوم، ولم يستفصحوا: إذ زيد قام (٣) لأنّ إذ لما مضى من الزّمان وقام فعل ماض، فكان الأولى ألّا يفصل بينهما، لأنّها تطلب الفعل، إذا وجدته في الخبر كما تطلبه الهمزة في قولك: أزيدا لقيته بخلاف إذ زيد يقوم، لأنّ يقوم مضارع للاسم، لأنّه مثل: زيد قائم، فيحتمل فيه ذلك بخلاف قام لكونه غير مضارع للاسم، وقد تكون «إذ» للمفاجأة (٤) كإذا وعليه قوله: (٥) ... ... فبينما العسر إذ دارت مياسير ومنها: أين وأنّى (٦) وهما للمكان سواء كانا للاستفهام أو للشّرط نحو: أين زيد، وأين تكن أكن، وأنّى تقعد أقعد، وبنيا لتضمّنهما حرف الاستفهام أو حرف الشّرط، وقد استعملت أنّى للزمان والحال كمتى وكيف (٧). ومنها: متى وهي ظرف زمان (٨) في الاستفهام والشّرط، نحو: متى القتال ومتى تأتني أكرمك، والفرق/ بينها وبين إذا، أنّ متى للزّمان المبهم، وإذا للمعيّن.

стр. 283

ومنها: أيّان، وهي ظرف زمان كمتى في الاستفهام كقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١). ومنها: كيف، لزمان الحال (٢) تقول: كيف زيد أي على أيّ حال هو، ولا يجازى بها في الأفصح (٣) وإن دخلت ما عليها فتقول: كيف ما تكون أكون، وقد جازى بها الكوفيون مع ما، واختاره الزّجاجي (٤) في الجمل (٥) فتقول: كيفما تكن أكن. ومن الظروف المبنيّة مذ ومنذ (٦) وهما بمعنيين: أحدهما: بمعنى أوّل المدّة فيليهما المفرد المعرفة، وهو الزمان الذي يصلح أن يكون جوابا لمتى ليدلّ على أول المدّة الذي هو المطلوب، كقولك: متى كان ابتداء رؤية زيد، فتقول في الجواب: منذ أو مذ يوم الجمعة، لأنّ جواب متى بتعيين الوقت، فلذلك وليهما المفرد المعرفة أعني قولك: مذ يوم الجمعة وشبهه. والثاني: أن يكونا بمعنى جميع المدّة، فيليهما المقصود بالعدد لبيان جميع المدّة التي هي المقصودة، وهي الزمان الذي يصلح أن يكون جوابا لكم، نحو: ما رأيته مذ أو منذ يومان، وبنيا لشبههما بمن لأنّهما لابتداء الغاية في الزمان كما أنّ من الابتداء لغاية في المكان (٧) وقد يقع بعدهما أن أو الفعل أو المصدر نحو: ما رأيته مذ أن سافر، أو مذ أنّه سافر، أو مذ سافر أو مذ سفره، فيجب تقدير زمان مضاف إلى كلّ واحد ممّا ذكر، فيكون تقدير ذلك، ما رأيته مذ زمان أن سافر ومذ زمان سافر ومذ زمان سفره، ووجب ذلك لأنّ منذ ومذ لابتداء غاية الزّمان، فإذا

стр. 284

وليهما غيره وجب تقديره ليتوفّر عليهما ما يقتضيانه من الزّمان، ومذ ومنذ في هذه الصور المذكورة مبتدأ وما بعدهما خبرهما (١) وهما معرفتان، لأنّهما في تأويل الإضافة لأنّهما بمعنى أوّل المدّة أو بمعنى جميع المدّة خلافا للزّجاج، فإنّهما عنده خبران، والمبتدأ ما بعدهما أي يوم الجمعة أول المدة، ويومان جميع تلك المدّة (٢). ومنها: لدى (٣) وهي من الظروف المبنيّة، وفيها ثماني لغات (٤) أربع مع ثبوت النون، وأربع مع حذفها، فالأربع التي مع ثبوت النون، لدن بفتح اللام والدال، ولدن بفتح اللام وضم الدال، ولدن بفتح اللام وسكون الدال، ولدن بضم اللام وسكون الدال، والأربع التي مع حذف النون لد بفتح اللام وسكون الدّال، ولد بضم اللّام وسكون الدال، ولد بفتح اللّام وضمّ الدّال، ولدى بفتح اللّام وفتح الدّال، وإنّما بنيت لأنّ وضع لد ولد وضع الحرف، وأجريت بقية اللغات مجراها (٥) ومعناها أخصّ من معنى عند، لأنّك تقول: عندي كذا، لما كان في حوزك سواء حضرك أو لم يحضرك، ولدى لما حضرك ولم يتجاوزك. وحكمها أن يجرّ بها على الإضافة، فتجرّ ما تضاف إليه، نحو: المال لدى زيد، لكن نصب العرب بلدن غدوة خاصة (٦) كأنّهم شبّهوا نونها بالتنوين فنصبوا بها غدوة كما نصبوا زيتا في قولهم: رطل زيتا (٧) قال الشاعر: (٨) لدن غدوة حتّى أروح وصحبتي ... عصاة على التّاهين شمّ المناخر بنصب غدوة.

стр. 285

ومنها:/ قطّ، وهي للماضي المنفي (١) تقول: ما فعلته قطّ، ولا تقول: ما أفعله قطّ، وهي من القطّ الذي هو القطع، لأنّ الماضي منقطع من المستقبل، وبنيت لأنّ من لغاتها قط بتخفيف الطّاء وهو وضع الحروف (٢) وأجريت أختها المشدّدة الطاء مجراها. ومنها: عوض، وهي ظرف للزمان المستقبل المنفي، تقول: لا أفعله عوض أي أبدا إلّا أنّ أبدا يستعمل في النفي والإثبات، وعوض تختصّ بالنفي، وبنيت لقطعها عن الإضافة إذ المعنى عوض العائضين كدهر الدّاهرين (٣). ومنها: أمس، وبنيت لتضمّنها معنى لام التعريف لأنّها بمعنى الأمس، وبنو تميم يمنعونها الصّرف (٤). والظروف المضافة إلى الجملة يجوز بناؤها على الفتح (٥) ويجوز إعرابها كقوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٦) بفتح يوم ورفعه في السّبعة (٧) وكذلك الظرف المضاف إلى إذ، نحو قوله تعالى: لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ (٨) بفتح ميم يوم وجرّه في السبعة (٩) وكذلك يجوز بناء غير ومثل على الفتح إذا أضيفا إلى ما أو إلى أن المخفّفة أو المشدّدة (١٠)، كقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١١)
следующие страницы →