← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17687

الكناش في فني النحو والصرف

أبو الفداء

Полный текст (778 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بالواو فمضارعه (١) على يفعل بالضم، نحو: قال يقول ودعا يدعو لمناسبة الضمّة للواو وقد شذّ: طاح يطيح وتاه يتيه عند من قال: طوّحت أطوح وتوّهت أتوه، لأنّ قياسه حينئذ أن يأتي على طاح يطوح وتاه يتوه (٢)، وأمّا معتلّ العين أو اللّام بالياء فمضارعه على يفعل بالكسر للمناسبة (٣) نحو: باع يبيع ورمى يرمي، وأمّا فعل المضاعف اللّام، فإن كان متعديّا فمضارعه مضموم العين لا سيما إن لحقه الضمير نحو: شدّة يشدّه ومدّه يمدّه، وجاء الكسر في بعضه نحو: نمّه ينمّه وبتّه يبتّه، وأمّا حبّه فيحبّه بالكسر ليس إلّا (٤)، وإن كان لازما فمضارعه مكسور العين (٥) غالبا نحو حنّ يحنّ وأنّ يئن. ذكر مضارع فعل بكسر العين (٦) ومضارعه يأتي على مثالين: أحدهما: يفعل بفتح العين ومثاله من المتعدّي شرب يشرب، ومن اللّازم فرح يفرح. وثانيهما: يفعل بكسر العين مثل الماضي ومثاله من المتعدّي: حسب يحسب، ومن اللّازم: نعم ينعم وبئس يبئس ويئس ييئس ويبس ييبس إذا/ جفّ، وقد جاء الفتح أيضا في هذه الأفعال المذكورة أعني يحسب وينعم إلى آخرها بفتح عين

стр. 457

يفعل (١)، وجاء وله يله والأكثر يوله (٢) وولغ يلغ، وحكي يولغ ويلغ (٣) وجاء منها بالكسر فقط، ورث يرث ووثق يثق وومق يمق وورم يرم، وأمّا ما جاء على فعل يفعل بكسر عين الماضي وضمّ عين المضارع مثل: فضل يفضل فمركّب (٤) والمراد بالتركيب أن يبادل بين صيغتين لفعل واحد، قد جاء ماضي كل صيغة منهما ومضارعها على الأصل كما جاء فضل يفضل على صيغة قتل يقتل، وجاء أيضا فضل يفضل على صيغة شرب يشرب فأعطي ماضي إحداهما مضارع الأخرى فتركّب من ذلك فضل يفضل بكسر عين الماضي وضمّ عين المضارع على خلاف بابه (٥). ذكر مضارع فعل بضمّ العين (٦) وهو لا يكون (٧) إلّا لازما ومضارعه على مثال واحد على يفعل بضمّ العين مثل ماضيه نحو: كرم يكرم وكأنّه إنّما جاء كذلك كراهة أن يشارك غير المتعدّي المتعدّي (٨). ذكر أبنية الثلاثي المزيد فيه (٩) وهي خمسة وعشرون بناء، خمسة عشر منها للإلحاق وعشرة لغير الإلحاق (١٠) والمراد بالإلحاق جعل مثال على مثال أزيد منه بجعل الزائد مقابل الأصلي، وميزانه اتّحاد المصدرين أو الجمعين كما سيظهر من الأمثلة الآتي ذكرها.

стр. 458

أما الخمسة عشر الموازنة للرباعي على سبيل الإلحاق: فمنها ستة ملحقة بدحرج أي بالرباعي المجرّد وهي: جلبب وحوقل وبيطر وجهور وقلنس وقلسى (١) لأنّهم زادوا في كلّ واحد منها زيادة ليوافق دحرج في وزنه، فجلبب فعلل، زيدت فيه الباء من موضع لام الفعل، وحوقل فوعل زيدت فيه الواو ثانية، وبيطر فيعل، زيدت فيه الياء ثانية أيضا، وجهور فعول زيدت فيه الواو ثالثة، وقلنس فعنل زيدت فيه النون ثالثة، وقلسى من قلسيته بالقلنسوة فقلسيت على فعليت، زيدت فيه الياء رابعة، ودليل إلحاق هذه كلّها بدحرج، أنّها مثله في الماضي والمستقبل والمصدر واسم الفاعل نحو: جلبب يجلبب فهو مجلبب وقس على ذلك البواقي (٢). ومنها سبعة ملحقة بتدحرج (٣) أي بالرباعي المزيد فيه التاء (٤) وهي نحو: تجلبب وتجورب (٥) وتشيطن (٦) وترهوك (٧) وتمسكن وتغافل وتكلّم، فكما أنّ جلبب ملحق بدحرج، كذلك تجلبب ملحق بتدحرج وكذلك القول في تشيطن وترهوك، وأمّا تمسكن على وزن تمفعل، فقد قيل: إن تمسكن وتمدرع شاذّان (٨) والأكثر أن يقال فيهما: تدّرع وتسكّن وكذلك الكلام في تمندل إذا مسح يده بالمنديل، فإن الأولى أن يقال: تندّل (٩)، وتغافل ملحق بتدحرج فتصريفه مثله يقال:

стр. 459

تغافل يتغافل تغافلا كما يقال: تدحرج يتدحرج، تدحرجا وإن كان غافل/ غير ملحق بدحرج، وكذلك تكلّم ملحق بتدحرج (١) ودليل إلحاق هذه كلها بتدحرج أنها مثله في الماضي والمستقبل والمصدر واسم الفاعل. ومنها اثنان ملحقان باحرنجم (٢) أي بالرباعي المزيد فيه النون وهما: اقعنسس واسلنقى (٣)، لتصرّفهما تصرّف احرنجم في الماضي والمستقبل والمصدر، ومعنى احرنجم اجتمع، واقعنسس تأخّر. وأمّا العشرة الغير الملحقة فمنها ثلاثة موازنة للرباعي (٤) لكن على غير سبيل الإلحاق وهي: أخرج وجرّب وقاتل، فزيادة أخرج الهمزة، وزيادة جرّب من جنس الكلمة بتضعيف عين الفعل من موضعها، وزيادة قاتل الألف، فهذه الثلاثة وإن وافقت دحرج في وزنه بما زيد فيها فليست ملحقة به، لأنّ حرف الإلحاق هو الذي ليس له معنى غير الإلحاق، بخلاف الهمزة في أفعل، فإنّها موضوعة لمعان كالتعدية وغيرها، وكذلك تضعيف العين في نحو: جرّب، وأمّا الألف في نحو: قاتل فموضوعة لأن يكون من غيرك إليك ما كان منك إليه (٥)، وهذا كلّه بخلاف حروف الإلحاق (٦)، فإنّ زيادتها لا تفيد معنى غير الإلحاق، وأيضا فإنّ مصادر هذه مخالفة لمصدر دحرج، لا يقال: أخرج إخراجا مثل دحرج دحراجا، لأنّا نقول: إنّ الاعتبار إنّما هو بالفعللة لا بالفعلال، لأنّ الفعللة هي المصدر الملازم لباب دحرج بخلاف

стр. 460

دحراج (١). ومنها سبعة غير موازنة للرباعي (٢) بوجه وهي: انطلق واقتدر واستخرج واشهابّ واشهبّ (٣) واغدودن (٤) واعلوّط بالطاء المهملة (٥) لأنّ استخرج مثلا ليس موازنا لاحرنجم، لأنّا لا نعني بالموازنة صورة حركات وسكنات، وإنما نعني وقوع الفاء والعين واللّام في الفرع موقعها في الأصل الملحق به، واستخرج بالنسبة إلى احرنجم بخلاف ما ذكرناه في الأصليّة والزيادة جميعا، أمّا الأصليّة، فهو أنّ الخاء من استخرج فاء وقد وقعت موقع النون من احرنجم، وهي زائدة في الأصل وليس الأمر كذلك فيما هو ملحق، وأمّا الزيادة فالنون واقعة في الأصل بعد الفاء والعين وليس في استخرج الذي هو الفرع نون في موضعها ولا في غير موضعها، وأيضا فإنّ مصادر هذه الأفعال مخالفة لمصدر احرنجم (٦). ذكر معاني فعل بفتح العين (٧) ومعانيه لا تنضبط كثرة لخفّة بنائه، فيقع على ما كان عملا مرئيا (٨) نحو: ضرب وقتل وعلى غير المرئي نحو: شكر ومدح ونطق الإنسان وهدر الحمام وصهل الفرس وعلى ضدّه نحو: سكت وصمت، وعلى باب المغالبة وهو أن يكون الفعل بين اثنين ويغلب أحدهما فيقع بفتح عين الماضي وضمّ المستقبل نحو: كارمته فكرمته أكرمه، وخاصمني فخصمته أخصمه، وكاثرني فكثرته أكثره (٩) / إلّا باب معتلّ الفاء

стр. 461

بالواو، ومعتلّ العين واللّام بالياء (١) فإنّ مضارعها لا يجيء مضموما بل على يفعل بكسر العين (٢) نحو: وامقه فومقه يمقه، وبايعه فباعه يبيعه، وراماه فرماه يرميه (٣)، وعن الكسائي فيما عينه أو لامه حرف حلق على يفعل بفتح العين نحو: شاعرته فشعرته أشعره وما ذكره غيره أولى (٤)، لثبوت الضمّ في مثله نقلا، قال أبو زيد: شاعرته أشعره وفاخرته أفخره بالضمّ فيهما على الأصل (٥). ذكر معاني فعل بكسر العين (٦) وهو يكثر في (٧) الأعراض من الأفراح والأحزان والعلل والألوان كفرح وحزن ومرض وسقم وأدم وشهب وسود (٨). ذكر معاني فعل بضمّ العين (٩) وهو للمعاني التي تكون في الأشياء أي الغرائز كحسن وقبح وصغر وكبر وضعف ونظف وملح وصلب وصعب. ذكر معاني تفعلل (١٠) يجيء مطاوع فعلل كجوربه فتجورب ومعنى المطاوعة قبول المفعول به فعل الفاعل، فإذا قلت: كسرته فانكسر أي قبل الكسر، وقد يكون تفعلل بناء مقتضيا غير

стр. 462

مطاوع لشيء نحو: ترهوك وهو ملحق بتدحرج يقال: ترهوك النّاس في كذا إذا تحرّكوا فيه. ذكر معاني تفعّل (١) يجيء مطاوع فعّل نحو: كسّرته فتكسّر، وقطّعته فتقطّع، ويجيء بمعنى التشبيه بالشيء كقول رؤبة: (٢) كقيس عيلان ومن تقيّسا أي تشبّه بقيس، ومنه تهوّد وتنصّر، ويجيء بمعنى تكلّف الشيء نحو: تشجّع وتصبّر إذا تكلّف ذلك، ويجيء بمعنى استفعل نحو: تكبّر وتعظّم بمعنى استكبر واستعظم ويجيء بمعنى أخذ الشيء بعد الشيء في مهلة، نحو: تجرّع الماء وتحسّاه (٣) ومنه: التجسّس والتفهّم والتبصّر والتسمّع (٤) والتعرّف والتعهّد، ويجيء بمعنى اتّخاذ الشيء نحو: توسّدت التراب وتديّرت المكان أي اتخذته دارا، وتبنّى فلان فلانا أي اتّخذه ابنا (٥)، ويجيء بمعنى التجنّب للشيء نحو: تهجّد أي اجتنب الهجود وهو نوم الليل (٦) ويجيء وليس فيه شيء من هذه المعاني نحو: تبسّم وتكلّم (٧). ذكر معاني تفاعل (٨) يجيء لما يكون من اثنين فصاعدا غالبا نحو: تضاربا وتضاربوا فإن كان فاعل من المتعدّي إلى مفعول واحد كضارب لم يتعدّ تفاعل بل يكون لازما نحو: تضارب

стр. 463

زيد وعمرو، وإن تعدّى إلى مفعولين نحو: نازعته (١) الحديث تعدّى إلى واحد نحو: تنازع زيد وعمرو الحديث وتجاذبا الرّداء، ويجيء تفاعل أيضا ليري الفاعل من نفسه حالا ليس هو فيها ولا يريد أن يكون هو فيها (٢) وذلك نحو: تعاميت وتغافلت وتناسيت وتمارضت، كقول الشّاعر: (٣) إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثمّ كسرت الطرف من غير عور والتخازر أن يضيّق جفنه ويكسره، ويجيء بمعنى فعلت ولا يراد به الفعل من اثنين نحو: توانيت في الأمر وتلافيته وتداركته، ويجيء بمعنى تفعّلت نحو: تعاهدت إذا فعلت الشيء مرّة بعد أخرى، ويجيء مطاوع فاعلت نحو: باعدته/ فتباعد، ويجيء متعديا بمعنى أفعله كقوله تعالى تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً (٤) أي تسقط عليك النخلة رطبا. ذكر معاني أفعل (٥) صيغة (٦) أفعل تأتي على وجوه (٧):

стр. 464

١ - أن تكون لتعدية الفعل في الأكثر نحو: أجلسته. ٢ - أن تكون لتعريض الشيء للشيء وأن يجعل بسبب منه نحو: أقتلته أي عرّضته للقتل، وأبعت الغلام وغيره عرّضته للبيع، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (١) أي جعل له قبرا. ٣ - أفعل الشيء إذا صار ذا كذا أي ذا أمر من الأمور التي دلّ عليها الفعل نحو: أغدّ البعير إذا صار ذا غدّة، والغدّة في الإبل كالطاعون في الإنسان. وأقشع السحاب إذا صار ذا انكشاف. ٤ - أفعل إذا حان وبلغ نحو: أحصد الزرع إذا بلغ الحصاد. ٥ - أن تكون أفعلته بمعنى وجدته (٢) كذلك تقول: أحمدت الرجل أي وجدته محمودا أو موصوفا بالحمد، وتقول: أبخلته أي وجدته بخيلا. ٦ - أن تكون بمعنى السلب والإزالة نحو: شكا فأشكاه أي زال شكواه، وأعجمت الكتاب إذا نقطته لأنك تزيل عجمته، لأنّه قبل النقط ذو عجمة لا تعرف الباء من التاء. ٧ - أن تكون بمعنى الدخول في الشيء مثل: أظلم إذا دخل في الظلام، وأصبح إذا دخل في الصباح، وأحرم إذا دخل في الأشهر الحرم، وأحرم إذا لم يأت ما يوجب عليه عقوبة، لأنّه دخل في حرمة لا تهتك، وأحرم إذا دخل في الصلاة والحج (٣). ٨ - أن يقال: ألبن الرجل وأتمر وألحم وأشحم إذا كثر عنده ذلك. ٩ - أن تجيء لمعنى في نفسه ولم يرد به شيء من هذه المعاني، نحو: أشفق وألحّ. ١٠ - أن تجيء بمعنى فعل نحو: قاله البيع، وأقاله، وشغله وأشغله، وأشغل

стр. 465

لغة رديئة (١) وبكرت بكورا وأبكرت إبكارا بمعنى (٢). ذكر معاني فعّل (٣) وفعّل يؤاخي أفعل في التعدية نحو: فرّحته، ويجيء فعّلته ويراد به النسبة نحو: فسّقته وزنّيته وفجّرته، ويجيء ويراد به قلت له ذلك نحو: جدّعته وعقّرته أي قلت له: جدعا له وعقرا (٤)، ويجيء بمعنى التنحية نحو: قرّعته إذا أزلت قرعه وهو بثر أبيض، وقذّيت عينه إذا أزلت قذاها، وجلّدت البعير إذا أزلت جلده، كما يقولون: سلخت الشاة ولا يكاد يقولون سلخت البعير، وقرّدته، أزلت قراده (٥) ويجيء بمعنى فعل نحو: بكرت وبكّرت، وميّزت الشيء بمعنى عزلت بعضه عن بعض ومزته، وتقول: أعاضني وعاضني وعوضني بمعنى (٦)، وقصرت الصلاة وقصّرتها، ويجيء بمعنى التكثير غالبا نحو: علّقت الأبواب وقطّعت الثوب وجوّل في الأرض. ويجيء بمعنى صار الشيء بصفة كذا نحو: عجّزت المرأة وثيّبت، ويجيء ولا يراد به شيء مما ذكر نحو: كلّم وسلّم ووقّر وبجّل وجرّب (٧). ذكر معاني فاعل (٨) يجيء لما يكون بين اثنين غالبا بأن يفعل [كلّ منهما مع الآخر ذلك] (٩) - الفعل نحو: قاتل وضارب، فإذا قلت: ضارب زيد عمرا، نسبت الفعل إلى أحدهما فرفعت (١٠)، وجعلته واقعا على الآخر فنصبته، والفاعل هنا مفعول أيضا في المعنى

стр. 466

كما أنّ المفعول فاعل أيضا في المعنى، ولهذا جاز عند البصريين في الضرورة خاصة: خاصم زيد عمرو برفعهما، وحكى ابن الأنباري (١) أنّ بعض النحاة يجيز نصبهما كما يجيز رفعهما (٢)، ويجيء فاعل بمعنى فعل نحو: سافر (٣)، ويجيء بمعنى أفعلت نحو: عافاه الله أي أعفاه، وطارقت النّعل أي أطرقها، ويجيء بمعنى فعّل نحو: صاعر خدّه أي صعّر، وضاعف أي ضعّف، ويجيء بمعنى تفاعل نحو: سارع وتسارع وجاوز وتجاوز بمعنى (٤). ذكر معاني انفعل (٥) لا يكون إلّا مطاوع فعل، نحو: كسرته فانكسر إلّا ما شذّ من مجيئه مطاوعا لأفعل نحو: أقحمته فانقحم، وأغلقته فانغلق، وأزعجته فانزعج، ولا يكون إلّا حيث علاج وتأثير، لأنّه قبول المفعول فعل الفاعل، ولهذا كان قولهم: انعدم، خطأ، لأنّه لا معالجة فيه إنّما هو فقد وذهاب فليس هو مثل انقطع الذي هو قبول القطع، فأما قولهم: هذا القول لا ينقال وقد انقال، فهو لأنّ القائل يعمل في تحريك لسانه وإدارته ويقال: طردته فذهب ولا يقال: انطرد استغناء بذهب عنه (٦). ذكر معاني افتعل (٧) وهو يجيء بمعنى انفعل (٨) غالبا في كونه مطاوع فعل كقوله: غممته فاغتمّ

стр. 467

وانغمّ (١) ويجيء افتعل أيضا بمعنى تفاعل نحو: اختصموا والتقوا واجتوروا كما تقول: تخاصموا وتلاقوا وتجاوروا وكذا اختصما (٢) واصّطلحا، مثل: تخاصما وتصالحا، ويجيء بمعنى اتخاذ الشيء نحو: اذّبح إذا اتّخذ لنفسه ذبيحة، والأصل اذتبح، وكذلك اشتوى واختبز إذا اتخذهما (٣) ويجيء بمعنى فعل نحو: قرأ واقترأ وخطف واختطف، ويجيء لزيادة المعنى نحو: كسب واكتسب وعمل واعتمل، فمعنى كسب أنه أصاب الشيء، ومعنى اكتسب أنه أصابه بتصرّف وطلب وكذلك اعتمل، ويجيء وليس فيه شيء من ذلك نحو: اشتمل وارتجل (٤). ذكر معاني استفعل (٥) أصل استفعل أن يكون لطلب الفعل (٦) فإذا قلت: استعلمت منه الخبر فالمعنى طلبت منه أن يعلمني، واستحقّ إذا طلب حقا، واستعملته طلبت منه العمل، واستعجل طلب العجلة، ويجيء بمعنى التحوّل من حال إلى حال نحو: استحجر الطين أي تحوّل حجرا واستنسر البغاث أي صار نسرا، وفي المثل، «إنّ البغاث بأرضنا يستنسر» (٧)، ويجيء بمعنى وجود الشيء على صفة نحو: استسمنته بمعنى وجدته، كذلك واستعظمته أي وجدته كذلك، واستسمنت ذا ورم أي اعتقدت فيه السمن، ويجيء بمعنى فعل نحو: استعلى أي علا، ويجي بمعنى أفعل نحو: استنقذه

стр. 468

أي أنقذه، ويجيء بمعنى الحينونة والبلوغ نحو: استرقع/ الثوب (١) واستحفر النهر، ويجيء ولا يراد به شيء مما ذكر نحو: استرجع عند المصيبة (٢). ذكر معاني افعوعل (٣) وهو بناء مبالغة وتوكيد نحو: اخشوشن واعشوشبت الأرض واحلولى الشيء مبالغات في خشن وأعشبت وحلا (٤) واعروى: إذا ركب الفرس أو الحمار عريّا. ذكر أبنية الفعل الرباعي (٥) للمجرّد منه بناء واحد على فعلل، ويكون متعديّا وغير متعدّ، فالمتعدّي نحو: دحرجت الحجر، وغير المتعدي نحو: دربخ الرجل، إذا ذلّ، ودربخت الحمامة للذكر إذا خضعت له. وللمزيد فيه ثلاثة: افعنلل وافعلّل وتفعلل (٦) نحو: احرنجم احرنجاما، واقشعررت اقشعرارا، وتدحرج تدحرجا، وجميع المزيد المذكور لازم (٧)، واعلم أنّ مضارع غير الثلاثي المجرّد سواء كان ثلاثيا مزيدا فيه أو رباعيا مجرّدا أو رباعيّا مزيدا فيه فإنه يكسر ما قبل آخره إذا لم يكن أول الماضي تاء نحو: ينطلق ويدحرج ويحرنجم، وأما إذا كان أول ماضيه تاء زائدة نحو: تضارب وتدحرج وتكلّم فمضارعه حينئذ لم يكسر ما قبل آخره ولكن يبقى مفتوحا نحو: يتضارب ويتدحرج ويتكلّم.

стр. 469

القسم الثالث في الحرف (١) وهو ما دلّ على معنى في غيره، والهاء في غيره راجعة إلى ما دلّ، وقد تقدّم الكلام على الحرف في أول الكتاب (٢) والحرف يأتي لمعنى في الاسم خاصة؛ كحرف التعريف، وحرف الجرّ، وحرف النداء، ويأتي لمعنى في الفعل خاصة كقد والسين وسوف والجوازم والنواصب، ويأتي للربط ويندرج فيه ما يربط بين اسمين أو بين فعلين مجرّدين عن الضمير تقديرا كحرف العطف، أو بين اسم وفعل، كحرف الجرّ أو بين جملتين كحرف الشّرط، وإذن، وواو الحال، وحرف الجواب، ويأتي لقلب معنى الجملة، وهو إمّا مغيّر للإعراب نحو: ليت ولعلّ وكأنّ، وإمّا غير مغيّر كحرف الاستفهام، وحرف النفي، ويأتي للتوكيد؛ إمّا مغيّر للإعراب نحو: إنّ وأنّ، أو غير مغيّر له نحو: لام الابتداء، ويأتي للزيادة إمّا في الجملة نحو: بحسبك زيد، وما زيد بقائم، وإمّا في غير الجملة كقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (٣) والحرف ينقسم: (٤) إلى بسيط: ويراد به ما هو حرف واحد كالباء واللّام وكاف التشبيه ونحوها، وإلى مركّب: إمّا ثنائي كمن وعن وإمّا ثلاثي كعلى أو رباعي كحتّى أو خماسي نحو: لكنّ (٥) ولا يتجاوز أصول الأسماء في العدّة.

стр. 470

ذكر حروف الجرّ (١) حرف الجرّ ما وضع للإفضاء بفعل أو شبهه أو معناه إلى ما يليه، قوله: ما وضع للإفضاء أي للإيصال، وقوله: إلى ما يليه، أي إلى ما يلي حرف الجرّ من الأسماء وقوله: بفعل احتراز من الاسم، والحرف، فإنّ الأصل/ في الاسم أن لا يعمل، وما عمل منه (٢) إنّما كان لشبهه بالفعل، وكذلك الحرف قوله: وشبهه (٣) أو معناه أي شبه الفعل من الأسماء أو معنى الفعل من الأسماء كاسم الفاعل والمفعول وغير ذلك، أمّا الفعل فنحو: مررت بزيد، وأمّا شبه الفعل فنحو: أنا مارّ بزيد، ومروري بزيد حسن فالباء هي التي أوصلت الفعل وشبهه إلى ما يليها من الاسم، وأمّا معنى الفعل فنحو: زيد في الدار لإكرامك، فاللّام متعلّقة بما في الدّار من معنى الاستقرار، وكذلك هذا أبوك في الدّار، فإنّ العامل ما في هذا من معنى الإشارة وإذا قلت: خرجت من البصرة فمن أوصلت معنى الخروج إلى البصرة على سبيل الابتداء، وكذلك قدمت إلى بغداد فإلى أوصلت معنى القدوم إلى بغداد، على سبيل الانتهاء. وسمّيت حروف الجرّ إمّا لأنّها تجرّ معاني الأفعال إلى الأسماء (٤) وإما لأنّها أضيفت إلى عملها كقولهم: حروف الجزم وحروف النصب (٥). وحروف الجرّ ثمانية عشر حرفا وهي: من وإلى وحتّى وفي والباء واللام وربّ وواو ربّ وواو القسم وتاؤه وعن وعلى والكاف ومنذ ومذ وحاشا وعدا وخلا. واعلم أنّ عشرة من هذه الحروف وهي: من وإلى وحتّى وفي والباء واللّام وربّ وواو ربّ وواو القسم وتاؤه لا تكون إلّا حروفا، وخمسة تكون حروفا وأسماء وهي: عن وعلى والكاف ومنذ ومذ، والثلاثة البواقي تكون حروفا وأفعالا وهي:

стр. 471

حاشا وعدا وخلا. أما من (١) فتكون للتبعيض وللبيان وللابتداء فالتي للتبعيض هي التي يحسن مكانها بعض نحو: أخذت من الدّراهم، والتي للتبيين، هي التي يحسن مكانها الذي نحو قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ (٢) أي الرجس الذي هو وثن (٣) والتي للابتداء تعرف بأن يحسن في مقابلتها إلى، إمّا لفظا أو تقديرا نحو: سرت من البصرة إلى الكوفة، وزيد أفضل من عمرو، فإنّ معناه أنّ ابتداء فضله كان متراقيا في الزيادة من عمرو (٤) وأما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فابتداء الاستعاذة كان من الشيطان مع قطع النّظر عن الانتهاء، لأنّه لا يتعلّق به غرض، وكذلك أخاف من عقاب الله فإنّ ابتداء الخوف من العقاب لا يقبل الانتهاء، والبصريون يخصّصونها بأنّها للابتداء في غير الزّمان (٥)، والكوفيون يعمّمونها في الزمان وغيره، ويستدلّون بقوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ (٦) فقد دخلت على الزمان وتأولها البصريون بمعنى من تأسيس أول يوم (٧) وتقع من زائدة وتعرف بأنّك لو حذفتها لكان المعنى الأصلي على حاله ولا يفوت بحذفها سوى التأكيد، كقولك: ما جاءني من أحد (٨) وهي مختصّة عند البصريين بغير الموجب، وجوّز الكوفيون والأخفش زيادتها في الموجب أيضا (٩) واستشهدوا/ بقولهم «قد كان من مطر» وتأويله قد كان شيء من مطر، فيكون

стр. 472

للتبعيض واستدلّوا أيضا بقوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (١) وقد قال: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (٢) والجواب: أنّ من هاهنا أيضا للتبعيض، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو خطاب لقوم نوح (٣). وأمّا إلى وحتّى (٤) فلانتهاء الغاية، إلّا أنّ حتّى تفيد معنى، «مع» أي يدخل ما بعدها فيما قبلها (٥) بخلاف إلى، فإذا قلت: قدم الحاجّ حتّى المشاة فكأنك قلت: مع المشاة، وأكلت السمكة حتى رأسها ونمت البارحة حتّى الصباح أي أكلت الرأس مع السمكة ونمت الصباح مع البارحة، هذا هو المختار، وقيل: الضابط في دخول ما بعد حتّى فيما قبلها، أن يكون ما بعدها داخلا في مسمّى ما قبلها فيدخل الرأس في الأكل لدخوله في مسمّى السمكة ولا يدخل الصباح في النوم، لأنّه غير داخل في مسمّى البارحة وإلى لا يدخل ما بعدها فيما قبلها في الأصحّ (٦) وقيل: يدخل، وقيل: إن كان من جنس ما قبله دخل وإلا لم يدخل (٧)، وعلى الأصحّ فإنّما دخلت المرافق والكعبان في قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٨) ببيان ذلك من النبيّ ﷺ بالفعل، ولولا ذلك لم يحكم بدخوله (٩). وتجئ إلى بمعنى مع قليلا (١٠) كقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ (١١) وأمّا قوله تعالى: كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى

стр. 473

اللَّهَ (١) فهي للغاية أي من ينصرني إلى أن يتمّ أمر الله (٢) وحتّى لا تدخل إلّا على اسم ظاهر (٣) فلا يقال حتّاه كما يقال: إليه، خلافا للمبرّد (٤). وأمّا في (٥) فمعناها الظرفيّة كقولك: جلست في المسجد وتكون كعلى قليلا كقوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (٦) أي على (٧). وأمّا الباء (٨) فتكون للإلصاق كقولك: به داء أي التصق الدّاء به، وكقولك: أقسمت بالله أي ألصقت قسمي بالله، وللاستعانة كقولك: كتبت بالقلم، وللمصاحبة كقولك: اشتريت الفرس بسرجه ولجامه، وللتعدية كخرجت به (٩)، ومنه قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٠) أي أهبط القرآن جبريل، وللمقابلة نحو: بعت هذا بهذا، وبمعنى في كقولك: ظننت به خيرا، وتكون زائدة في غير الموجب في خبر المبتدأ نفيا واستفهاما قياسا نحو: ما زيد بقائم، وهل زيد بقائم، وفي الموجب سماعا نحو: ألقى بيده، وبحسبك زيد (١١). وأمّا الّلام (١٢) فتستعمل لمعان: ١ - للاختصاص نحو: الجلّ (١٣) للفرس، والمال لزيد. ٢ - للتعليل نحو: ضربته للتأديب.

стр. 474

٣ - للزيادة كقوله تعالى: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ (١) أي ردفكم (٢). ٤ - أن تكون بمعنى «عن» إذا استعملت مع القول كقوله تعالى: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ (٣) وليس معنى الآية أنّ الكافرين/ خاطبوا المؤمنين لأنّه لو كان كذلك لوجب أن يقول: سبقتمونا إليه، فعلم أنّ معناه قال الذين كفروا عن الذين آمنوا (٤). ٥ - أن تكون بمعنى واو القسم في التعجّب في اسم الله تعالى كقول الشّاعر: (٥) لله يبقى على الأيّام ذو حيد ... بمشمخرّ به الظّيّان والآس وأمّا ربّ فللتقليل (٦) كما أنّ كم للتكثير، ولربّ أحكام: أحدها: أنّ لها صدر الكلام لكونها لإنشاء التقليل. والثاني: اختصاصها بنكرة موصوفة بمفرد أو جملة نحو: ربّ رجل كريم اجتمعت به، وربّ رجل أبوه عالم، وربّ رجل مررت به، واختصّت بالنكرة لعدم الاحتياج إلى المعرفة، ووجب أن تكون النكرة موصوفة على الأصحّ (٧) ليتحقّق

стр. 475

التقليل الذي هو مدلول ربّ، لأنّه إذا وصف الشيء صار أخصّ مما لم يوصف (١). والثالث: أن يكون فعلها أي جوابها وعاملها فعلا ماضيا محذوفا غالبا؛ لأنّ وضعها لتقليل تحقّق، ولأنّ الصفة قد أغنت عنه وسدّت مسدّه، وإنّما قيّد الحذف بالغالب (٢)، لأنّه قد يظهر نحو: ربّ رجل كريم اجتمعت به، فكريم صفة لمجرور ربّ، واجتمعت به هو فعلها الماضي، وهو جوابها، وعاملها الذي يتعلّق به ربّ، ولا يتعلّق إلّا بما بعدها لما ذكرنا من أنّ لها صدر الكلام فلا يكون العامل إلّا بعدها، وجوّز بعضهم (٣) كون فعلها مضارعا نحو: ربّ رجل وجيه يقول ذلك، وقد تدخل ربّ على مضمر يميّز ذلك المضمر بنكرة منصوبة نحو: ربّه رجلا، وهذا الضمير مبهم كالضمير المستتر في: نعم رجلا زيد، وهذا الضمير مفرد مذكّر عند البصريين نحو: ربّه رجلا، وربّه رجلين، وربّه رجالا، وربّه امرأة وربّه امرأتين، وربّه نساء، لكونه راجعا إلى مقدّر ذهني لا لشيء مقدّم ذكره لتجب مطابقته، خلافا للكوفيين فإنهم قالوا: بمطابقة هذا الضمير للتمييز في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فيقولون: ربّهما وربّهم وربّها وربّهنّ (٤). وتلحق ربّ ما الكافة فتدخل على الجملة سواء كانت فعلية أو اسمية إذا قصدوا تقليل النسبة المفهومة من الجمل نحو: ربّما قام زيد، وربّما زيد قائم، ولا يقال: ربّما يقوم زيد، لأنّ ربّ للزمان الماضي (٥)، وأمّا قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٦) فهو بمنزلة المضيّ لصدق الوعد به (٧). وأما واو ربّ فهي الواو التي يبتدأ بها في أول الكلام بمعنى ربّ ولهذا تدخل

стр. 476

على النكرة الموصوفة وتحتاج إلى جواب مذكور أو محذوف ماض، كما قيل في ربّ وهذا مذهب الكوفيين والمبرّد (١) فإنّ الجرّ عندهم بالواو لا بربّ، والمذهب الآخر مذهب سيبويه (٢) وغالب البصريين أنّ واو ربّ إنّما تجرّ بربّ مضمرة بعدها لأنّ ربّ تضمر بعد ثلاثة أحرف/ الواو والفاء وبل، أمّا الواو فكقوله: (٣) وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس فجرّ بلدة بربّ مضمرة قالوا: (٤) لأنّ الواو حرف عطف في الأصل، وهو لا يعمل، وأمّا الفاء فكقوله: (٥) فإن أهلك فذي حنق لظاه ... عليّ يكاد يلتهب التهابا أي فربّ ذي حنق، ومثله قوله: (٦) فحور قد لهوت بهنّ عين أي فربّ حور، وأمّا بل فكقوله: (٧) بل بلد ملء الفجاج قتمه

стр. 477

وأمّا واو القسم وتاؤه (١) فيتوقّفان على معرفة القسم، وهو مصدر أقسمت، والقسم في العرف اليمين، والأفعال الموضوعة للقسم: أقسمت وحلفت وآليت وقد أجري مجراها: علم الله، ويعلم الله، وهو خبر في اللفظ، إنشاء في المعنى، بمنزلة قولك: بعت واشتريت وطلّقت ونحوها، ولا يتمّ القسم إلّا بجملتين أولى وثانية، الأولى نحو: حلفت بالله، والثانية نحو: لقد قام زيد، أو لتقومنّ، ولكلّ واحدة منهما أحكام تخصّها: منها أنّ الأولى لا تكون إلّا إنشائيّة بخلاف الثانية فإنّها تكون خبريّة وطلبيّة، والأولى لا تكون إلّا مؤكّدة للثانية، والثانية مؤكّدة بالأولى، والأولى هي القسم بالحقيقة لأنّها تشتمل على الاسم الذي يلصق به القسم ليعظم به ويفخّم وهو المقسم به كاسم الله في حلفت بالله، والثانية هي المقسم عليها، وإذا كانت الثانية خبريّة فهو القسم لغير الاستعطاف نحو: حلفت بالله لقد قام زيد، وإذا كانت طلبيّة فهو القسم للاستعطاف نحو: حلفت بالله لتقومنّ، ولكثرة القسم في كلامهم أكثروا التصرّف فيه على وجوه من التخفيف: منها أنّهم حذفوا الفعل وحرف القسم كما سنذكر، وحذفوا الخبر من الجملة الأولى وهو قسمي في قولك: لعمري ولعمر أبيك، ولعمر الله ويمين الله وايمن الله وايم الله وأمانة الله وعمر بفتح العين وضمّها بمعنى، ولكنّ المستعمل في القسم المفتوح العين، ومعنى لعمر الله، الحلف ببقاء الله ودوامه، وإذا قلت: لعمرك الله فكأنّك قلت: بتعميرك الله أي بإقرارك له بالبقاء، وأمّا ايمن الله فاسم مفرد عند البصريين موضوع للقسم مأخوذ من اليمين والبركة كأنهم أقسموا بيمين الله، وهمزته همزة وصل مفتوحة (٢) وتدخل عليه لام الابتداء كما تدخل في قولك: لعمرك وذهب الكوفيون: إلى (٣) أن أيمن جمع يمين وهمزته همزة قطع وإنما سقطت في الوصل

стр. 478

لكثرة الاستعمال، وتحذف نونه فيبقى: ايم الله، ويجوز في: ايم الله بحذف النون، فتح الهمزة وكسرها، وأمانة الله كذلك (١) مرفوعة بالابتداء والخبر محذوف، ومن ذلك: عليّ عهد الله، فعهد الله مرفوع بالابتداء وعليّ الخبر (٢) ولمّا كانت أفعال القسم غير متعدية بنفسها، عدّيت بالحروف التي هي واو القسم وتاؤه والباء. أمّا الواو: (٣) فلا تكون إلّا عند حذف الجملة الأولى المقسم بها فلا يقال: حلفت والله، لأنّ الواو عوض عن الباء والفعل/ لأنّ الواو للجمع والباء للإلصاق وما ألصق بالشيء فقد جامعه، ولا تستعمل أيضا في قسم الاستعطاف، فلا يقال: والله أخبرني كما يقال: بالله أخبرني، ولا تدخل على المضمر فلا يقال: وك لأفعلنّ كما يقال: بك لأفعلنّ وبه لأقومنّ، وإنّما اختصّت الواو بالظاهر، لأنّها بدل عن الباء، والمضمر بدل عن المظهر، فلم يجوّزوا دخولها على المضمر، لئلا يجمعوا بين البدلين (٤). وقد يحذف حرف القسم وحذفه على ضربين: بعوض وبغير عوض، أمّا حذفه بعوض فنحو: ها الله لأفعلنّ أي والله لأفعلنّ، وها الله لا أفعلنّ أي والله لا أفعلنّ، فهنا قد عوّض من حرف القسم حرف التنبيه، وكذلك يعوّض منه ألف الاستفهام نحو: آلله لأفعلنّ بالمدّ، وجرّ اسم الله كما هو مع حرف التنبيه (٥)، وأمّا حذفه بغير عوض فنحو: الله لأفعلنّ بنصب اسم الله تعالى بفعل القسم المقدّر قال امرؤ القيس: (٦) فقالت يمين الله مالك حيلة

стр. 479

بنصب يمين، ويجوز عند سيبويه (١) الله لأفعلنّ، بالجرّ على إرادة الحرف المحذوف، وردّه المبرّد بأنّ حرف الجرّ لا يعمل مضمرا (٢)، وإنّما يجوز الجرّ في اسم الله تعالى خاصّة لكثرة القسم به، والنصب فيه وفي غيره. وأمّا التاء: فمثل الواو في وجوب حذف الفعل معها، وهي مختصّة ببعض الظاهر وهو اسم الله تعالى: (٣) تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ (٤) والتاء بدل من الواو كما أبدلت في تجاه وتراث فهي فرع الواو التي هي فرع الباء فلذلك ضاق مجالها، واختصّت باسمه تعالى (٥). وأمّا الباء: فهي أعمّ من الواو والتاء لأنّها تستعمل مع الفعل، وحذفه، ومع السؤال وغيره ومع الظّاهر والمضمر ومع اسم الله وغيره (٦) فمثالها مع الظّاهر ومع الفعل: حلفت بالله، ومثالها مع حذفه: بالله قم، ومثالها مع المضمر: حلفت بك وبه، وأمثلة الباقي ظاهرة، وإنّما اختصّت الباء بهذه الأمور، لأنّها حرف جرّ وحروف الجرّ تضيف معنى الفعل وشبهه إلى ما بعدها، فلذلك أضافت معنى أقسمت إلى المقسم به، وظهر الفعل معها ودخلت على المضمر. ذكر أحكام جواب القسم (٧) قد علمت أنّ القسم نوعان: قسم لغير السؤال والاستعطاف، وقسم للسؤال والاستعطاف، أما قسم غير السؤال والاستعطاف فيجاب أي يتلقّى بإنّ أو باللّام أو بكليهما، أو بحرف النفي، نحو: والله إنّ زيدا قائم، وو الله لزيد قائم، ونحو قوله

стр. 480

تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (١) فتلقّي القسم بهما، وو الله ما زيد قائما، وو الله لا رجل أفضل منك، وإن كان المقسم عليه جملة فعليّة وفعلها ماض مثبت جاز تلقّيه باللّام وقد معا نحو: والله لقد قام زيد، وأجاز بعضهم تلقيه بقد وحدها (٢) كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٣) جواب: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (٤) وما بعده، قال التبريزي (٥) والتقدير لقد (٦)، وجاز تلقّيه باللّام وحدها كقول امرئ القيس (٧): حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال فتلقّاه/ بقوله لناموا، وإن كان فعل الجملة المقسم عليها مضارعا مثبتا فيتلقّى باللّام ونون التأكيد، كقوله تعالى: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٨) وقد تحذف نون التأكيد في ضرورة الشّعر كقوله: (٩) لئن تك قد ضاقت عليّ بيوتكم ... ليعلم ربّي أنّ بيتي أوسع أي ليعلمنّ ربّي، وإن كان الفعل منفيا فيلزم الماضي «ما»، نحو: والله ما قام زيد، وقد يكون ماضيا لفظا ومستقبلا معنى فتدخل عليه، «لا» نحو: والله لا قمت،

стр. 481

وكقول الشّاعر: (١) حسب المحبّيين في الدّنيا عذابهم ... والله لا عذّبتهم بعدها سقر أي لا تعذّبهم، ويلزم المضارع أعني المنفي ما أو لا مع نون التأكيد وبدونها نحو: والله لا أفعلنّه أبدا، وو الله ما أفعل، ويجوز حذف حرف النفي من المضارع المنفي المذكور لدلالة الحال عليه كقول الشاعر: (٢) تنفكّ تسمع ما حييت بهالك حتّى تكونه أي لا تنفكّ، وكقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (٣) أي لا تزال، وكقول امرئ القيس: (٤) فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي لا أبرح، وكقول الآخر: (٥) لله يبقى على الأيّام ذو حيد أي لا يبقى. وأمّا قسم السؤال والاستعطاف، فلا يحتاج جوابه إلى ما ذكر من إنّ أو اللام أو حرف النفي، لقيام الطلب أو ما في معناه مقام ذلك كقولك: بالله أخبرني هل قام زيد، وكقولك في النهي: بالله لا تقم ونحو ذلك.

стр. 482

ذكر حذف جواب القسم (١) ويحذف جواب القسم إذا تقدّم على القسم ما يدلّ عليه نحو: زيد عالم والله، وكذلك يحذف إذا اعترض القسم أي توسّط نحو: زيد والله قائم، فجواب القسم في كله محذوف لدلالة الجملة المتقدمة والمعترضة على الجواب لأنّه مثلها بعينها (٢). وأمّا عن: (٣) فللمجاوزة نحو: رميت عن القوس، لأنّها يقذف عنها بالسّهم ويتجاوز عنها، وأطعمه عن جوع وكساه عن عري لأنّه يجعل الجوع والعري متجاوزين عنه، ويدخل عليها حرف الجرّ فتكون اسما بمعنى الجانب نحو: جلست من عن يمينه، أي من جانبها (٤). وأما على (٥): فمعناها الاستعلاء تقول: جلست على الحصير، وعليه دين، وفلان أمير علينا، قال تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ (٦) (٧) وتقول في سعة الكلام: مررت عليه إذا جزته، وتكون اسما كقولك: قمت من على الحائط، وكقول الشاعر: (٨) غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها ... ...

стр. 483

أي من فوقه يصف قطاة غدت من فوق فرخها طالبة للورد. وأما الكاف (١): فللتشبيه نحو: زيد كالأسد، وزائدة (٢) كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٣) ويدخل عليها حرف الجرّ فتكون اسما بمعنى مثل (٤) كقوله: (٥) يضحكن عن كالبرد المنهمّ وأمّا منذ ومذ: (٦) فيكونان اسمين وقد تقدّما في الظروف، ويكونان حرفي جر، ويفرّق بينهما، أمّا من جهة اللفظ، فإنّهما إذا كانا اسمين رفع ما بعدهما وإن كانا حرفين جرّ ما بعدهما وأمّا من جهة المعنى، فإنّهما إذا كانا حرفين/ تعلّقا بما قبلهما وكان الكلام بهما جملة واحدة، وإذا كانا اسمين ورفع ما بعدهما كقولك: ما رأيته مذ يومان، كان الكلام جملتين الجملة الأولى فعليّة والثانية اسميّة يصحّ أن يصدق في إحداهما ويكذب في الأخرى (٧) فيصدق في قوله: ما رأيته ويكذب في قوله: مذ يومان، وهذا المعنى مستحيل فيهما إذا كانا حرفين، وفرق آخر: أنّهما إذا كانا حرفين فالمعنى كائن فيما دخلا عليه لا فيهما، فإذا قلت: زيد عندنا مذ شهر، وخفضت كان الشّهر هو الذي حصل فيه الاستقرار هناك وكانت مذ حينئذ بمعنى في، وإن رفعت الشهر تعيّنت مذ للاسميّة وكان المعنى أنّ الوقت الذي حصل فيه الاستقرار شهر، وذهب قوم من النحاة إلى أنهما لا يكونان إلّا اسمين فإذا رفعت ما بعدهما كان التقدير

стр. 484

ما تقدّم، وإذا خفضت كانا في تقدير اثنين مضافين وإن كانا مبنيين (١) كقوله تعالى: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٢) وهما لابتداء الغاية في الزمان الماضي، كما أنّ من الابتداء الغاية في المكان نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة، ويدخلان على الزمن الحاضر فيكونان بمعنى في نحو: ما رأيته مذ يومنا أو مذ شهرنا، أي في يومنا أو شهرنا (٣)، والبصريون يخصّون من بغير الزمان فلا يجيزون: ما رأيته من يوم الجمعة، والكوفيون يجيزونه (٤). وأمّا حاشا وعدا وخلا (٥): ففيها معنى الاستثناء، وإذا جررت بها تكون حروفا (٦)، وإذا نصبت بها تكون أفعالا قد أضمر فاعلوها، فإن دخلت «ما» عليها كقولك: قام القوم ما عدا عمرا، تعيّنت للفعليّة وتعيّن النصب، واعلم أنّ «كي» عند الزمخشري (٧) وغيره من البصريين حرف جرّ بمنزلة اللام إذا قال: جئتك لأمر، فتقول: كيمه كما تقول: لمه، لأنّ كي دخلت على ما الاستفهاميّة وهي اسم فلا بدّ من أن تكون كي حرفا من حروف الجرّ لدخولها على الاسم، لأنّها لو كانت هي الناصبة للفعل لم تدخل على الاسم، لأنّ عوامل الأفعال لا تدخل على الأسماء. ذكر حذف حرف الجرّ (٨) ويحذف حرف الجرّ فيتعدّى الفعل بنفسه كقوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (٩) أي من قومه وكقول الشاعر: (١٠)

стр. 485

أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ... أي من ذنب، ودخلت الدار أي في الدار، وكقول الشّاعر: (١) أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب أي أمرتك بالخير، وكقولك: كلت زيدا، ووزنت زيدا، أي كلت لزيد الطعام، ووزنت لزيد الدراهم، فحذفوا حرف الجرّ، وحذفوا أيضا الطعام والدراهم، لأنّ معناه: كلت الطعام ووزنت الدراهم لزيد (٢) وإذا حذفت حروف الجرّ وجب النصب لأنه مفعول، فلا وجه إلا النصب، ويحذف حرف الجرّ مع أنّ المفتوحة المشددة وأن المفتوحة المخففة كثيرا مستمرا والمراد بالمفتوحة/ المخففة الناصبة للفعل لا المخففة من الثقيلة، ولا المفسرة نحو: عجبت أنك قائم وجئت أنّك أكرمتني أي من أنك ولأنّك (٣) وكقوله تعالى: يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٤) أي وبأن تقولوا، ومثل ذلك كثير في الكتاب العزيز وغيره، وجميع ذلك إمّا منصوب أو في موضع النصب. فإن قيل: إذا كان الفعل لا يتعدّى إلّا بحرف الجرّ فكيف تعدّى بعد حذفه فنصب المفعول؟ فالجواب: أنّ الفعل إذا تعدّى بحرف الجرّ وكثر استعماله وصار ذلك معلوما حذف اختصارا حين علم أنّ أصل الكلام كذلك كما حذفوا أشياء كثيرة من الكلام لحصول العلم بها تخفيفا، كحذف المبتدأ والخبر ونحوهما، وهذا هو المسمّى بالمنصوب بنزع الخافض وقد يزاد حرف الجرّ مع الفعل المتعدّي تأكيدا

стр. 486

للمعنى وتقوية لعمل العامل نحو: نصحت زيدا ونصحت له وشكرته وشكرت له (١)، وقد يزاد حملا على تداخل المعنيين كقوله: (٢) نضرب بالسيف ونرجو بالفرج فعدّى نرجو بالباء لمّا كان الرجاء بمعنى الطّمع أي ونطمع بالفرج، والقياس أن لا يضمر حرف الجرّ، لأنّه والمجرور كشيء واحد، وقد جاء ذلك في مواضع لا يقاس عليها منها: إضمار ربّ وإضمار باء القسم قليلا في قولك: الله لأفعلنّ بجرّ اسم الله تعالى، وجرّ هذا عند المحققين لا يجوز إلّا مع همزة الاستفهام أو هاء التنبيه كقولك: الله لأفعلنّ وها الله لأفعلنّ، ليكون عوضا عن حرف القسم (٣)، وأضمر حرف الجرّ شاذا، فمنه إضماره في قول رؤبة: (٤) «خير عافاك الله» بجرّ خير، إذ قيل له: كيف أصبحت، وأجاز سيبويه في قول زهير: (٥) بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا خفض سابق على إضمار الباء في مدرك، أي لست بمدرك ولا سابق (٦).

стр. 487

ذكر الحروف المشبّهة بالفعل (١) وهي: إنّ وأنّ وكأنّ وليت ولعلّ ولكنّ، تدخل على الجملة الاسميّة فتنصب المبتدأ ويسمّى اسمها وترفع الخبر ويسمّى خبرها، ووجه شبهها بالفعل المتعدي أنّها تقتضي اسمين كما يقتضيهما الفعل المتعدّي، فتنصب أحدهما وترفع الآخر كما صنع في مقتضى الفعل المتعدّي، وقدّم المنصوب على المرفوع للفرق بين الفعل وما أشبهه (٢) وكلّها لها صدر الكلام غير أنّ المفتوحة، وإنّما كان لها صدر الكلام لأنّ كلا منها يدلّ على قسم من أقسام الكلام من تمن أو ترجّ أو استدراك أو غير ذلك فوجب التقديم، وأمّا أنّ المفتوحة فإنّها مع ما في حيّزها في تأويل المفرد، وإنّما التزموا أن لا تكون أوّل الكلام (٣) لئلا تبقى عرضة لدخول إنّ المكسورة عليها، فإنه لا يجوز أن تقول: إنّ أنّ زيدا منطلق عند سيبويه (٤) وذكر أنّ/ العرب اجتنبت ذلك كراهة لاجتماع اللفظين المشتبهين، وأجازه الكوفيون (٥) وتلحق هذه الحروف ما (٦) فتلغيها عن العمل على الأفصح، وتدخل حينئذ على الجملة الفعليّة أيضا، كقولك: إنّما زيد قائم، وإنما قام زيد (٧)، ولا يتحتم الإلغاء مع ما بل يجوز الإعمال أيضا (٨)

стр. 488

كما في قول النّابغة: (١) قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد بالوجهين، برفع الحمام ونصبه (٢) ذكر إنّ وأنّ (٣) إنّ المكسورة لا تغيّر معنى الجملة بمعنى أنّها لا تخرجها عن حكم الاستقلال ولذلك يحسن السكوت على الجملة التي دخلت عليها، كما كان يحسن السكوت عليها قبل دخولها فإذا قلت: إنّ زيدا قائم، أفدت به ما أفدت بقولك: زيد قائم مع زيادة التأكيد والمبالغة، وأنّ المفتوحة تغيّر معنى الجملة وتجعلها في تأويل المفرد، الذي هو مصدر خبرها نحو: أعجبني أنّك قائم أي قيامك، وأعجبني أنّ زيدا أخوك أي أخوّة زيد، فهي مع الجملة التي بعدها في تأويل المفرد، فإن تعذّر قدّرت بالكون نحو: أعجبني أنّ هذا زيد، أي كونه زيدا، ومن أجل كون المكسورة لا تغيّر معنى الجملة، وجب الكسر لفظا أو حكما في كلّ موضع تبقى فيه الجملة بحالها، ومن أجل كون المفتوحة تغيّر معنى الجملة وتجعلها في حكم المفرد، وجب الفتح لفظا أو حكما في كلّ موضع تكون مع ما بعدها في محلّ المفرد. (٤)

стр. 489

ذكر المواضع التي تكسر فيها إنّ (١) وهي تكسر إذا وقعت ابتداء لكونه موضع الجملة نحو: إنّ زيدا قائم، وتكسر أيضا بعد القول نحو: قلت إنّ زيدا قائم، لأنّ مقول القول جملة (٢)، وتكسر أيضا إذا وقعت جواب القسم، نحو: والله إنّ زيدا قائم لأنّ جواب القسم لا يكون إلّا جملة (٣) وتكسر أيضا بعد الموصول نحو: جاءني الذي إن أباه عالم، لأنّ صلة الموصول لا تكون (٤) إلّا جملة، قال الله تعالى: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (٥) أي الذي إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، وتكسر أيضا إذا وقعت بعد واو الحال نحو: جاءني زيد وإنه ضاحك، وبعد حتّى التي للابتداء خاصة نحو: قام القوم حتّى إن زيدا قائم، وبعد «ألا» و «أما» (٦) من حروف التنبيه نحو قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ (٧) وكذلك تكسر إذا وقع في خبرها الّلام نحو: علمت إنك لقائم، قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (٨) وبعد حروف التصديق نحو: نعم إنّ زيدا قائم. ذكر مواضع فتحها (٩) وهي تفتح إذا كانت مع ما بعدها فاعلة نحو: بلغني أنّ زيدا عالم أي بلغني علم زيد، لوجوب كون الفاعل مفردا، وتفتح أيضا إذا وقعت مفعولة نحو: كرهت أنّ زيدا جاهل أي كرهت جهل زيد، وتفتح أيضا إذا كانت مع ما بعدها/ مبتدأ نحو: عندي أنك عالم، لأنّ المبتدأ من خواصّه أن يكون مفردا، وتفتح أيضا إذا وقعت بعد «لولا»

стр. 490

نحو: لولا أنّك منطلق انطلقت لأنّ ما بعد لولا مبتدأ خبره محذوف، لأنّ المفرد بعد لولا ملتزم في الاستعمال، وتفتح أيضا إذا وقعت بعد «لو» نحو: لو أنّك قائم لوقوعها موقع المفرد لكونه فاعلا لفعل محذوف أي لو وقع قيامك كان كذا، وتفتح أيضا إذا وقعت بعد حرف الجرّ نحو: عجبت من أنّك منطلق أي من انطلاقك لأنّ المجرور لا يكون إلّا مفردا، وتفتح أيضا إذا وقعت بعد حيث أيضا على المختار، وإن كانت الجملة بعدها ملتزمة اعتبارا بالأصل لأنّها ظرف، والأصل إضافتها إلى المفرد فاعتبر الأصل فيها (١) واعلم أنه إذا تعذّر تأويل الجملة التي بعد أنّ بالمفرد قدّرت بالكون، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (٢) أي لو ثبت كون ما في الأرض (٣). ذكر المواضع التي يجوز فيها كسر إن وفتحها (٤) وهو أنّ كلّ موضع وقعت فيه واحتمل أن تقدّر موضعا للجملة، وأن تقدّر موضعا للمفرد، جاز الكسر والفتح باعتبار التقديرين مثل قوله: (٥) وكنت أرى زيدا كما قيل سيّدا ... إذا أنّه عبد القفا واللهازم فإن قدّرت أنّها وقعت موقع إذا هو عبد القفا، كسرت لمكان الجملة، وإن قدّرت إذا العبوديّة والخبر محذوف فتحت لوقوعها موقع المفرد، لأنّ المعنى فإذا العبودية حاصلة، وكذلك إذا قلت: من يكرمني فإنّي أكرمه إن قدّرت أنّها وقعت موقع

стр. 491

فأنا أكرمه، كسرت لمكان الجملة، وإن قدّرت فجزاؤه أني أكرمه أي فجزاؤه الإكرام فتحت لوقوعها خبر المبتدأ وهو موضع المفرد الذي هو الإكرام (١). ذكر العطف على اسم إنّ المكسورة بالرفع (٢) لمّا كانت إنّ المكسورة لم تغيّر معنى الجملة صحّ أن تقدّر كالعدم، فيعطف على محلّ اسمها، لأنّ معنى الابتداء باق فيه لكن بشرط أن تكون مكسورة لفظا أو حكما، لأنّ المفتوحة تغيّر معنى الجملة إلى المفرد، فمثال إن المكسورة لفظا: إنّ زيدا منطلق وعمرو بالرفع عطفا على محلّ اسمها، ومثال إنّ المكسورة حكما الداخلة على ما أصله المبتدأ والخبر، كالداخلة على مفعولي أفعال القلوب فهي مكسورة حكما وإن كانت مفتوحة لفظا نحو: ظننت أنّ زيدا قائم فيجوز العطف على موضع اسمها بالرفع، وإنّما قلنا إنّ: المفتوحة بعد أفعال القلوب في حكم المكسورة، لأنّ هذه الأفعال إذا علّقت رجع ما بعدها إلى أصله من المبتدأ والخبر نحو: علمت لزيد قائم (٣) ومن ذلك بيت الكتاب: (٤) وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق / فعطف على محلّ المكسورة حكما المفتوحة لفظا، أنتم، وهو صيغة المرفوع، وبغاة خبر أنتم، وأمّا خبر أنّ فمحذوف لدلالة خبر المعطوف عليه، لأنّه بلفظه إذ تقديره: فاعلموا أنّا بغاة وأنتم بغاة، وشرط العطف بالرفع أن يمضي الخبر لفظا أو تقديرا، فاللفظ كقولك: إنّ زيدا قائم وعمرو والتقدير كقولك: إنّ زيدا وعمرو قائم، وأنّا وأنتم بغاة، لأنّ التقدير: إنّ زيدا قائم وعمرو قائم، بخلاف قولك: إنّ زيدا وعمرو قائمان، فإنه ممتنع عند البصريين (٥) لأنه لم يجئ عنهم مثله

стр. 492

ولا يستقيم قياسه على محلّ الإجماع أعني: إنّ زيدا وعمرو قائم، لأنّ الأول منصوب بإنّ، والثاني مرفوع بالابتداء بخلاف: إن زيدا وعمرو قائمان لأنّه يلزم أن يكون قائمان معمولا لإنّ وللابتداء معا وهو باطل (١)، لأنّه من حيث هو معمول للابتداء لا يكون معمولا لإنّ، ومن حيث هو معمول لإنّ لا يكون معمولا للابتداء، وإلّا لزم اجتماع عاملين مختلفين على معمول واحد، فيلزم أن يكون معمولا لإنّ، غير معمول لإنّ وهو فاسد، والمبرّد (٢) من البصريين جوّز العطف بالرفع على اسم إنّ قبل مضيّ الخبر - لا لفظا ولا تقديرا - بشرط أن يكون اسم إنّ مبنيّا نحو: إنّي وزيد ذاهبان، لأنّ اسم إن لمّا كان مبنيا لم تعمل فيه إنّ فلم تعمل في الخبر أيضا فيكون الخبر معمولا للابتداء فقط. وقد ثبت بالنصّ عن العرب قولهم: إنك وزيد ذاهبان (٣) وأمّا: إنّ زيدا وعمرو ذاهبان، فالمبرّد وغيره من البصريين متفقون على امتناعه خلافا للكوفيين، فإنهم يجوّزون: إنّ زيدا وعمرو ذاهبان برفع عمرو (٤)، وإذا عطفت على اسم إنّ قبل مضيّ الخبر فالواجب عند البصريين النصب في المعطوف، وأمّا الخبر فالمختار تثنيته مع الواو حينئذ نحو: إنّ زيدا وعمروا قائمان، وإفراده مع أو ومع لا ومع ثمّ ومع الفاء نحو: إنّ زيدا أو عمرا قائم، وإنّ زيدا لا عمرا قائم، وكذلك مثال ثمّ والفاء، ولكنّ المشددة (٥) مثل إنّ المكسورة في جواز العطف والرفع على محلّ اسمها بذلك الشرط، والنصب على اللفظ نحو: كان كذا لكنّ عمرا منطلق وبشر وبشرا، وإنّما جاز ذلك في إنّ المكسورة وفي لكنّ خاصة لكون كلّ منهما لا يغيّر معنى الجملة بخلاف الأربعة الباقية التي هي أنّ المفتوحة وكأنّ وليت ولعلّ، فإنه لا يجوز العطف على

стр. 493

محلّ اسمها كما جاز في إن المكسورة ولكنّ المقدمتي الذكر، لتغيير هذه الأربعة معنى الابتداء، لأنّ هذه الأربعة تضمّنت معاني أفعال مخصوصة من جعلها في تقدير المفرد من تشبيه وتمن وترج (١). ذكر دخول لام الابتداء مع إنّ المكسورة (٢) وتدخل لام الابتداء مع إنّ المكسورة دون أخواتها إمّا على خبرها، نحو: إنّ زيدا لقائم (٣) وإمّا على متعلّق الخبر، بشرط تقديمه على الخبر (٤) نحو: إنّ زيدا لطعامك آكل، وإمّا على اسمها/ إن فصل بينه وبين إنّ فاصل نحو: إنّ في الدار لزيدا، أما لو أخّرت متعلّق الخبر وأدخلتها عليه نحو: إنّ زيدا آكل لطعامك لم يجز، لأنّها لا تتأخّر عن الاسم والخبر جميعا، وإنّما اشترط في دخولها على الاسم الفصل، لامتناع دخولها إذا لم يفصل بينهما، نحو: إنّ لزيدا قائم لكراهتهم اجتماع حرفي ابتداء. واعلم أنّ دخول هذه الّلام مع لكنّ كما شرح في إنّ ضعيف استعمالا (٥) وإن لم يزل معنى الابتداء، وقد جاء مع ضعفه كقوله: (٦) ... ... ولكننّي من حبّها لعميد

стр. 494

ذكر تخفيف إنّ المكسورة (١) وتخفّف المكسورة فيلزمها الّلام نحو: إن زيد لقائم بالرفع ولزمتها الّلام فرقا بينها وبين النافية في مثل: إن زيد قائم بمعنى ما زيد قائم، ويلزمها أيضا هذه الّلام عند عملها، وإن لم تشتبه بالنافية حينئذ طردا للباب نحو: إن زيدا لقائم ويجوز إعمالها وإلغاؤها، فمثال إعمالها قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٢) ومثال إلغائها قوله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣) وإن المكسورة إذا خففّت جاز دخولها على الأفعال العاملة في المبتدأ والخبر (٤) ويبطل عملها حينئذ نحو: إن كان زيد لقائما وكقوله تعالى: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (٥) وقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (٦) خلافا للكوفيين في التعميم فإنهم عمّموا دخولها على الأفعال سواء كانت الأفعال عاملة في المبتدأ والخبر أو غير عاملة وأنشدوا: (٧) بالله ربّك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمّد

стр. 495

فدخلت إن على قتلت وهو ليس من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر وهو شاذّ عند البصريين (١). ذكر تخفيف أنّ المفتوحة (٢) وتخفّف المفتوحة كما تخفّف المكسورة فتعمل على سبيل الوجوب في ضمير شأن مقدّر، وإنّما كان كذلك لأنّ المفتوحة أكثر مشابهة (٣) للفعل من المكسورة وقد عملت المكسورة حسبما تقدّم، ولم تعمل المفتوحة المخففّة في الظاهر فقدّروا عملها في ضمير شأن مقدّر لئلا ينحطّ الأقوى عن الأضعف، وتدخل المخففة المفتوحة على الجمل الاسميّة والفعليّة سواء كان الفعل عاملا في المبتدأ والخبر أو غير ذلك، ويلزمها إذا دخلت على الأفعال، إما حرف نفي أو قد أو سوف إلّا أن يكون الفعل غير متصرف فلا يلزم ذلك كقوله تعالى: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ (٤) وإنّما لزمها ذلك إمّا لتكون كالعوض عمّا ذهب منها، أو للفرق بينها وبين أن المصدرية، فأن المصدرية لا تجامع شيئا من الأمور الثلاثة المذكورة، ويفرّق بينهما أيضا أنّ المصدرية تنصب الفعل المضارع والمخففة/ المذكورة لا تنصبه، وأن المصدرية لا تقع بعد العلم، والمخففة تقع بعده، ومثال المخففّة مع حرف النفي: علمت أن لا يخرج زيد، وكقوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا (٥) وقد استعملت معها ليس مكان لا لشبهها بها في النفي كقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٦) وقد عوّضوا لم عنها قال الله تعالى: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) وأمّا قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ
следующие страницы →