← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17687

الكناش في فني النحو والصرف

أبو الفداء

Полный текст (778 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فأنا أكرمه، كسرت لمكان الجملة، وإن قدّرت فجزاؤه أني أكرمه أي فجزاؤه الإكرام فتحت لوقوعها خبر المبتدأ وهو موضع المفرد الذي هو الإكرام (١). ذكر العطف على اسم إنّ المكسورة بالرفع (٢) لمّا كانت إنّ المكسورة لم تغيّر معنى الجملة صحّ أن تقدّر كالعدم، فيعطف على محلّ اسمها، لأنّ معنى الابتداء باق فيه لكن بشرط أن تكون مكسورة لفظا أو حكما، لأنّ المفتوحة تغيّر معنى الجملة إلى المفرد، فمثال إن المكسورة لفظا: إنّ زيدا منطلق وعمرو بالرفع عطفا على محلّ اسمها، ومثال إنّ المكسورة حكما الداخلة على ما أصله المبتدأ والخبر، كالداخلة على مفعولي أفعال القلوب فهي مكسورة حكما وإن كانت مفتوحة لفظا نحو: ظننت أنّ زيدا قائم فيجوز العطف على موضع اسمها بالرفع، وإنّما قلنا إنّ: المفتوحة بعد أفعال القلوب في حكم المكسورة، لأنّ هذه الأفعال إذا علّقت رجع ما بعدها إلى أصله من المبتدأ والخبر نحو: علمت لزيد قائم (٣) ومن ذلك بيت الكتاب: (٤) وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق / فعطف على محلّ المكسورة حكما المفتوحة لفظا، أنتم، وهو صيغة المرفوع، وبغاة خبر أنتم، وأمّا خبر أنّ فمحذوف لدلالة خبر المعطوف عليه، لأنّه بلفظه إذ تقديره: فاعلموا أنّا بغاة وأنتم بغاة، وشرط العطف بالرفع أن يمضي الخبر لفظا أو تقديرا، فاللفظ كقولك: إنّ زيدا قائم وعمرو والتقدير كقولك: إنّ زيدا وعمرو قائم، وأنّا وأنتم بغاة، لأنّ التقدير: إنّ زيدا قائم وعمرو قائم، بخلاف قولك: إنّ زيدا وعمرو قائمان، فإنه ممتنع عند البصريين (٥) لأنه لم يجئ عنهم مثله

стр. 492

ولا يستقيم قياسه على محلّ الإجماع أعني: إنّ زيدا وعمرو قائم، لأنّ الأول منصوب بإنّ، والثاني مرفوع بالابتداء بخلاف: إن زيدا وعمرو قائمان لأنّه يلزم أن يكون قائمان معمولا لإنّ وللابتداء معا وهو باطل (١)، لأنّه من حيث هو معمول للابتداء لا يكون معمولا لإنّ، ومن حيث هو معمول لإنّ لا يكون معمولا للابتداء، وإلّا لزم اجتماع عاملين مختلفين على معمول واحد، فيلزم أن يكون معمولا لإنّ، غير معمول لإنّ وهو فاسد، والمبرّد (٢) من البصريين جوّز العطف بالرفع على اسم إنّ قبل مضيّ الخبر - لا لفظا ولا تقديرا - بشرط أن يكون اسم إنّ مبنيّا نحو: إنّي وزيد ذاهبان، لأنّ اسم إن لمّا كان مبنيا لم تعمل فيه إنّ فلم تعمل في الخبر أيضا فيكون الخبر معمولا للابتداء فقط. وقد ثبت بالنصّ عن العرب قولهم: إنك وزيد ذاهبان (٣) وأمّا: إنّ زيدا وعمرو ذاهبان، فالمبرّد وغيره من البصريين متفقون على امتناعه خلافا للكوفيين، فإنهم يجوّزون: إنّ زيدا وعمرو ذاهبان برفع عمرو (٤)، وإذا عطفت على اسم إنّ قبل مضيّ الخبر فالواجب عند البصريين النصب في المعطوف، وأمّا الخبر فالمختار تثنيته مع الواو حينئذ نحو: إنّ زيدا وعمروا قائمان، وإفراده مع أو ومع لا ومع ثمّ ومع الفاء نحو: إنّ زيدا أو عمرا قائم، وإنّ زيدا لا عمرا قائم، وكذلك مثال ثمّ والفاء، ولكنّ المشددة (٥) مثل إنّ المكسورة في جواز العطف والرفع على محلّ اسمها بذلك الشرط، والنصب على اللفظ نحو: كان كذا لكنّ عمرا منطلق وبشر وبشرا، وإنّما جاز ذلك في إنّ المكسورة وفي لكنّ خاصة لكون كلّ منهما لا يغيّر معنى الجملة بخلاف الأربعة الباقية التي هي أنّ المفتوحة وكأنّ وليت ولعلّ، فإنه لا يجوز العطف على

стр. 493

محلّ اسمها كما جاز في إن المكسورة ولكنّ المقدمتي الذكر، لتغيير هذه الأربعة معنى الابتداء، لأنّ هذه الأربعة تضمّنت معاني أفعال مخصوصة من جعلها في تقدير المفرد من تشبيه وتمن وترج (١). ذكر دخول لام الابتداء مع إنّ المكسورة (٢) وتدخل لام الابتداء مع إنّ المكسورة دون أخواتها إمّا على خبرها، نحو: إنّ زيدا لقائم (٣) وإمّا على متعلّق الخبر، بشرط تقديمه على الخبر (٤) نحو: إنّ زيدا لطعامك آكل، وإمّا على اسمها/ إن فصل بينه وبين إنّ فاصل نحو: إنّ في الدار لزيدا، أما لو أخّرت متعلّق الخبر وأدخلتها عليه نحو: إنّ زيدا آكل لطعامك لم يجز، لأنّها لا تتأخّر عن الاسم والخبر جميعا، وإنّما اشترط في دخولها على الاسم الفصل، لامتناع دخولها إذا لم يفصل بينهما، نحو: إنّ لزيدا قائم لكراهتهم اجتماع حرفي ابتداء. واعلم أنّ دخول هذه الّلام مع لكنّ كما شرح في إنّ ضعيف استعمالا (٥) وإن لم يزل معنى الابتداء، وقد جاء مع ضعفه كقوله: (٦) ... ... ولكننّي من حبّها لعميد

стр. 494

ذكر تخفيف إنّ المكسورة (١) وتخفّف المكسورة فيلزمها الّلام نحو: إن زيد لقائم بالرفع ولزمتها الّلام فرقا بينها وبين النافية في مثل: إن زيد قائم بمعنى ما زيد قائم، ويلزمها أيضا هذه الّلام عند عملها، وإن لم تشتبه بالنافية حينئذ طردا للباب نحو: إن زيدا لقائم ويجوز إعمالها وإلغاؤها، فمثال إعمالها قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٢) ومثال إلغائها قوله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣) وإن المكسورة إذا خففّت جاز دخولها على الأفعال العاملة في المبتدأ والخبر (٤) ويبطل عملها حينئذ نحو: إن كان زيد لقائما وكقوله تعالى: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (٥) وقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (٦) خلافا للكوفيين في التعميم فإنهم عمّموا دخولها على الأفعال سواء كانت الأفعال عاملة في المبتدأ والخبر أو غير عاملة وأنشدوا: (٧) بالله ربّك إن قتلت لمسلما ... وجبت عليك عقوبة المتعمّد

стр. 495

فدخلت إن على قتلت وهو ليس من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر وهو شاذّ عند البصريين (١). ذكر تخفيف أنّ المفتوحة (٢) وتخفّف المفتوحة كما تخفّف المكسورة فتعمل على سبيل الوجوب في ضمير شأن مقدّر، وإنّما كان كذلك لأنّ المفتوحة أكثر مشابهة (٣) للفعل من المكسورة وقد عملت المكسورة حسبما تقدّم، ولم تعمل المفتوحة المخففّة في الظاهر فقدّروا عملها في ضمير شأن مقدّر لئلا ينحطّ الأقوى عن الأضعف، وتدخل المخففة المفتوحة على الجمل الاسميّة والفعليّة سواء كان الفعل عاملا في المبتدأ والخبر أو غير ذلك، ويلزمها إذا دخلت على الأفعال، إما حرف نفي أو قد أو سوف إلّا أن يكون الفعل غير متصرف فلا يلزم ذلك كقوله تعالى: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ (٤) وإنّما لزمها ذلك إمّا لتكون كالعوض عمّا ذهب منها، أو للفرق بينها وبين أن المصدرية، فأن المصدرية لا تجامع شيئا من الأمور الثلاثة المذكورة، ويفرّق بينهما أيضا أنّ المصدرية تنصب الفعل المضارع والمخففة/ المذكورة لا تنصبه، وأن المصدرية لا تقع بعد العلم، والمخففة تقع بعده، ومثال المخففّة مع حرف النفي: علمت أن لا يخرج زيد، وكقوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا (٥) وقد استعملت معها ليس مكان لا لشبهها بها في النفي كقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٦) وقد عوّضوا لم عنها قال الله تعالى: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) وأمّا قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ

стр. 496

بِها (١) فلما في «إذا» من معنى الشرط المختصّ بالاستقبال، صارت بمنزلة السين وسوف، ومثالها مع قد علمت (٢) أن قد خرج زيد، ومثالها مع السين قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى (٣) وأمّا إذا دخلت على الاسم فلا يلزمها شيء من هذه الحروف، لأنّها حينئذ لا تشتبه بأن المصدريّة نحو بيت الكتاب: (٤) في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل وشذّ إعمال أن المفتوحة في غير ضمير الشأن المقدر كقول الشاعر: (٥) فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني ... فراقك لم أبخل وأنت صديق فأوقع بعدها صيغة المنصوب. ذكر كأنّ (٦) وهي لإنشاء التشبيه نحو: كأنّ زيدا الأسد، وتخفّف فتلغى على الأفصح (٧) لكونها أضعف من أنّ، نحو قوله: (٨) ونحر مشرق اللّون ... كأن ثدياه حقّان وتدخل على الفعلية أيضا حينئذ كقوله تعالى: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ

стр. 497

بِالْأَمْسِ (١) ومنهم من يعملها كقوله: (٢) كأن وريديه رشاءا خلب ذكر لكنّ (٣) وهي للاستدراك، تتوسّط بين كلامين متغايرين بالنفي والإثبات لرفع وهم نشأ من كلام سابق، والمعتبر فيه إنما هو التغاير المعنوي لا اللفظي، تقول: ما جاء زيد لكنّ عمرا جاء، فالتغاير هنا حاصل لفظا ومعنى، وتقول: سافر زيد لكنّ عمرا حاضر، فالتغاير هاهنا حاصل معنى لا لفظا. وتخفّف فتلغى (٤) أي يبطل عملها مطلقا لعدم الاختصاص الموجب للعمل أعني لدخولها على الجملتين الاسمية والفعلية (٥) وأكثر ما تستعمل مع الواو كقوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى (٦) وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا (٧) بتخفيف لكن ورفع ما بعدها في قراءة ابن عامر (٨) وحمزة والكسائي (٩) وقال

стр. 498

بعضهم: (١) إذا خففت لكن كانت حرف عطف فلم يجز معها ذكر الواو لامتناع دخول حرف العطف على مثله. ذكر ليت (٢) وتستعمل لإنشاء التمني كقوله تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ/ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ (٣) وكقوله تعالى: فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا (٤) وجوّز الفراء ليت زيدا قائما، إجراء لها مجرى أتمنّى، وجوّزه الكسائي أيضا لكن بتقدير كان أي ليت زيدا كان قائما وتمسّكا بقول الشّاعر: (٥) يا ليت أيّام الصّبا رواجعا وأجيب عنه: بأنّ رواجع منصوب على الحال من الضمير المقدّر في الخبر المحذوف أي يا ليت أيام الصبا لنا رواجعا، فرواجع حال من الضمير المستكن في لنا (٦). ذكر لعلّ (٧) وهي لإنشاء ترجّي وقوع أمر والفرق بين التمني والترجي؛ أنّ الترجي لا يكون إلّا في الممكنات، والتمني يكون في الممكنات والمستحيلات، فإن الإنسان لا يترجّى الطيران وقد يتمناه، وزعم أبو زيد أنّ من العرب من يجرّ بلعل (٨)

стр. 499

وأنشد (١): فقلت ادع أخرى وارفع الصّوت مرّة ... لعلّ أبي المغوار منك قريب وهي لغة عقيليّة وأجابوا: بأنّ ذلك شاذّ (٢) وفيها لغات: لعلّ وعلّ ولعنّ وعنّ (٣). ذكر حروف العطف (٤) وهي عشرة: الواو والفاء وثمّ وحتّى وأو وإمّا (٥) وأم ولا، وبل ولكن فأربعة وهي: الواو والفاء وثمّ وحتّى، للجمع بين الثاني والأول في الحكم الذي نسب إلى الأول، تقول: جاءني زيد وعمرو فتجمع الواو بين الرجلين في المجيء، وتقول: زيد يقوم ويقعد، فتجمع بين الفعلين في إسنادهما إلى ضمير زيد، وتقول: زيد قائم وأخوه قاعد، وهل قام بشر وسافر خالد، فتجمع بين مضموني الجملتين في الحصول، وكذلك: ضربت زيدا فعمرا، وذهب عبد الله ثمّ أخوه ورأيت القوم حتّى زيدا، ثم إنها تفترق بعد ذلك. فالواو للجمع المطلق ليس فيها دلالة على أنّ الأول قبل الثاني ولا بالعكس ولا أنهما معا، بل كلّ ذلك جائز (٦)، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا

стр. 500

الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا (١) فالموت بعد الحياة مع أنه قدّمه عليها. والفاء للجمع مع الترتيب أي أن الثاني بعد الأول بغير مهلة، والأخفش يجوز وقوع الفاء زائدة (٢) خلافا لسيبويه (٣) وينشد (٤): لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي فزيدت الفاء على عند، لأنّ التقدير: فاجزعي عند ذلك، وثمّ مثل الفاء إلّا أن بينهما مهلة وتراخيا (٥) وقد تجيء بمعنى الواو نحو: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ (٦) وقيل زائدة (٧). وأما حتى (٨) فللترتيب بمهلة لكنّ الواجب فيها أن يكون المعطوف بها جزءا من المعطوف عليه، إمّا جزؤه الأفضل أو جزؤه الأضعف (٩)، نحو: مات الناس حتى الأنبياء، وقدم الحاجّ حتى المشاة وثلاثة وهي: أو وإمّا وأم لإثبات الحكم إمّا للمعطوف أو للمعطوف عليه، مبهما أي لا على التعيين لكن أو وإما يقعان في الخبر

стр. 501

والأمر والاستفهام فمثالهما في الخبر/ جاءني زيد أو عمرو ومنه قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١). على أحد التأويلين، والتأويل الثاني: مذهب الكوفيين، أنّها بمعنى الواو (٢)، وجاءني إمّا زيد وإمّا عمرو، ومثالهما في الأمر: اضرب رأسه أو ظهره، واضرب إمّا رأسه وإمّا ظهره، ومثالهما في الاستفهام: ألقيت عبد الله أو أخاه! وألقيت إمّا عبد الله وإمّا أخاه، والمشهور في أو وإمّا، أنهما في الخبر للشك وفي الأمر للتخيير والإباحة فمثال الشكّ ما تقدّم من قولك جاءني زيد أو عمرو، ومثال التخيير خذ هذا أو ذلك، ومثال الإباحة: جالس الحسن (٣) أو ابن سيرين (٤) وقد تأتي أو في الخبر لغير الشك، كقولهم: كنت بالبصرة آكل السمك أو التمر أي هذا مرّة وهذا مرّة، ولم يرد به الشك وقد تكون أو بمعنى الواو (٥) كقول الشّاعر (٦): فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل

стр. 502

فأوهنا بمعنى الواو بدليل قوله: لا بدّ منهما (١) وتقع أو في النهي كقوله تعالى وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢) أي لا تطع واحدا منهما، فيكون معناها النهي عنهما معا (٣) والفرق بين أو وإمّا أن كلامك مع «أو» من أوله مبنيّ على صورة اليقين ثمّ يعترضه الشكّ نحو جاءني زيد أو عمرو وكلامك مع إمّا من أوله مبنيّ على الشّكّ لأنّه لا بد من تقدّم إمّا قبل المعطوف عليه تقول: جاءني إمّا زيد وإمّا عمرو (٤) وأمّا أم فتكون متصلة ومنقطعة فالمتصلة تختصّ بالاستفهام فلا تستعمل في غيره ويلزم أن تستعمل مع همزة الاستفهام، والأفصح أن يقع أحد الأمرين بعد الهمزة والآخر بعد أم نحو: أرجل في الدار أم امرأة، ليتضح للمسؤول من أول الأمر المسؤول عن تعيينه، ولا يحسن أن يفصل بين الهمزة وبين المسؤول عن تعيينه نحو: أفي الدار رجل أم امرأة، ومن أجل أنّ أم المتصلة يليها أحد المستويين ويلي المستوى الآخر الهمزة ضعف أو امتنع أن يقال: أرأيت زيدا أم عمرا لكون ما يليهما مختلفا؛ لأنّ ما يلي الهمزة فعل وما يلي أم اسم، وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك ليس يمتنع ولا ضعيف (٥) وإنّ سيبويه نصّ على جوازه وحسّنه (٦) ومنه قول الشاعر (٧). ليت شعري نعمى أتهوين من يه ... واك أم من رضيته بالشّباب فأوقع بعد الهمزة فعلا وهو تهوين وبعد أم اسما وهو من ويجب أن يكون جواب قولك: أرجل في الدار أم امرأة، تعيين لأحدهما لا، لا، ولا، نعم (٨) لأنّ السائل عالم أنّ أحدهما في الدار لكن لا على التعيين بخلاف أو في قولك: أرجل في الدار أو امرأة فإنّ المتكلم متردد هل في الدار أحد أم لا، فجوابه نعم أو لا، ولو

стр. 503

أجبت بالتعيين كان الجواب وزيادة، لأنّ أو، لا/ تقتضي وجود أحدهما وأم تقتضيه. والمنقطعة (١) معناها معنى بل وهمزة الاستفهام، وتستعمل مع الهمزة، وتستعمل في الخبر والاستفهام، أمّا الخبر فكقولك لشبح رأيته: إنّها لإبل قطعا، فإذا حصل الشكّ في أنه شاء قلت: أم شاء قاصدا إلى الإضراب عن الإخبار الأول واستئناف سؤال، فكأنك قلت: بل أهي شاء (٢) وأمّا الاستفهام فكقولك: أعندك زيد أم بكر؟ وكأنك سألت أولا عن حصول زيد ثم أضربت عنه إلى السؤال عن حصول بكر وجوابه لا أو نعم. وثلاثة وهي لا وبل ولكن المخففة (٣)، لإثبات الحكم لأحد الأمرين معينا، فلا: لنفي ما وجب للأول عن الثاني نحو: جاءني زيد لا عمرو، فثبت الأول ونفي الثاني. وبل: للإضراب عن الأول موجبا كان أو منفيا نحو: جاءني زيد بل بكر، إذا وقع الإخبار عن زيد، غلطا، ونحو: ما جاء زيد بل عمرو فيحتمل إثبات المجيء لعمرو مع تحقّق نفيه عن زيد، ويحتمل أن يكون بيانا لمن نسب إليه المجيء المنفي أولا كما في الإثبات. وأما لكن، فإن وقع بعدها مفرد كانت للاستدراك، ولزم تقدّم النفي عليها نحو: ما جاءني زيد لكن بكر (٤) وأجاز الكوفيون العطف بها بعد الإيجاب في المفردات وهو ضعيف (٥) وإن وقع بعدها جملة فيجوز أن تقع بعد النفي والإيجاب كما قيل في بل في عطف المفردات فمالثها في النفي: ما قام زيد لكن عمرو قام، ومثالها في الإيجاب: قام عمرو لكن بكر لم يقم، فهي أدّت لعطف جملة على جملة لمغايرة ما بعدها لما قبلها وقيل: التي تقع في الجمل ليست بعاطفة بل حرف ابتداء (٦) وقد

стр. 504

ظهر على الأفصح أن لكن في المفردات لا تكون إلّا بعد النفي وبل تقع بعد المنفي وبعد الموجب (١). ذكر حروف التنبيه (٢) وهي ثلاثة: ها وأمّا وألا، والقصد منها تنبيه المخاطب بذكرها على ما يأتي بعدها من القول (٣). أمّا أما وألا: فلا تدخلان إلّا على الجملة كقولك: أما زيد قائم، وكقوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤) وتحذف ألف أما في القسم نحو: أم والله لأفعلنّ، لكثرة الاستعمال (٥). وأما ها فتدخل على المفرد والجملة قال الله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ (٦) وها هو قائم، وها زيد قائم، وأمّا قولهم: ها أنذا ونحوه فحرف التنبيه داخل على الاسم المضمر عند سيبويه، لأنّ أنا في ها أنذا، هو الذي يلي حرف التنبيه وأمّا عند الخليل فداخل على المبهم أعني «ذا» والتقدير «أنا هذا» ففصل بالمضمر بين حرف التنبيه وبين المبهم (٧) وتدخل على أسماء الإشارة نحو: هذا وهذه وتدخل على المضمر نحو ما ذكرنا أعني ها هو، وها أنت وها أنا، وقيل: دخولها على أسماء الإشارة هو الأكثر، لأنّ أسماء الإشارة لمّا كانت مبهمة تصلح لكلّ حاضر من حيوان وجماد/ زيد عليها حرف التنبيه تقوية على تعيين ذلك المشار إليه بخلاف ها أنت فإنه لا يكون إلّا للمخاطب، فلا يحتاج إلى التنبيه كما يحتاجه المبهم (٨).

стр. 505

ذكر حروف النّداء (١) وهي: يا وأيا وهيا وأي والهمزة، والمراد بها تنبيه المدعوّ ودعاؤه أي طلب إقباله، فيا أعمّ هذه الحروف استعمالا، لأنّها تستعمل في القريب والبعيد والمتوسط (٢) وأيا وهيا تختصّان بالمنادى البعيد، وأي والهمزة بالمنادى القريب لكنّ الهمزة للمنادى الأقرب، وأمّا وا فتختصّ بالمندوب (٣) حسبما تقدّم ذكره في أوائل الكتاب (٤). ذكر حروف الإيجاب والتّصديق (٥) وهي ستة: نعم وبلى وإي وأجل وجير وإنّ، وإنّما سميّت حروف التصديق والإيجاب لأنّها مصدّقة لما سبقها، فنعم لتصديق ما سبقها من الكلام وتقريره مثبتا كان أو منفيّا، استفهاما كان أو خبرا، تقول لمن قال: قام زيد، أو ما قام زيد أو لم يقم زيد أو ألم يقم زيد: نعم، تصديقا لما قاله هذا بحسب اللغة دون العرف، ألا ترى أنه لو قيل لك: أليس لي عندك كذا مالا، فقلت: نعم لألزمك القاضي به تغليبا للعرف، وأمّا بحسب اللغة فلا يلزم شيء لأنّه تصديق لقول ليس لي عليك شيء. وبلى مختصّة بإيجاب بعد النفي استفهاما كان ذلك أو خبرا تقول في جواب من يقول: لم يقم زيد أو ألم يقم زيد: بلى، أي بلى قد قام زيد، ومنه قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا: بَلى (٦) أي بلى أنت ربّنا، ولو قيل في الجواب: نعم كان كفرا (٧) لأنّ

стр. 506

نعم مقررة لما قبلها نفيا كان أو إيجابا إلّا أن تحمل على العرف كما قلنا. وإي بكسر الهمزة، حرف للتحقيق وهي للإثبات بعد الاستفهام، ويلزمها القسم قال الله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١) فيلزم أن يقع قبلها الاستفهام، وبعدها القسم. والثلاثة الباقية وهي أجل وجير وإنّ، تصديق للمخبر كقولك في جواب من يقول: أقام زيد: أجل أو جير أو إنّ، واستشهادهم في إنّ على أنّها بمعنى نعم بقول الشّاعر (٢): ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت: إنّه ضعيف؛ لاحتماله إنّ الأمر كذلك، وإنّما يظهر ذلك في قول ابن الزبير (٣) لمّا قال: - لمن قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك -: إنّ وصاحبها (٤). ذكر حروف الزيادة (٥) وهي: الباء ومن وإن وأن وما ولا واللّام، وإنّما سمّيت هذه الحروف حروف الزيادة لأنّها قد تقع زائدة (٦)، والغرض من حروف الزيادة التأكيد والفصاحة أو غيرهما قال ابن السرّاج: (٧) إنّه لا زائد في كلام العرب لأنّ كلّ ما يحكم بزيادته

стр. 507

فإنّه يفيد التوكيد، فهو داخل في قسم المؤكّد (١) فالباء ومن واللّام تقدّم ذكرها في حروف الجرّ (٢) وإن المكسورة الخفيفة تزاد بعد ما النافية لتأكيد النفي (٣) ويبطل عمل ما حينئذ، كقول الشّاعر: (٤) فما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا وكقول النّابغة:/ (٥) ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي وكقول امرئ القيس: (٦) حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال وتزاد أيضا بعد ما المصدريّة قليلا (٧) نحو: انتظرني ما إن جلس القاضي، أي مدة جلوسه، وكذلك تزاد بعد لمّا قليلا (٨) نحو: لمّا إن قمت قمت. وأن المفتوحة المخففة تزاد بين لو والقسم نحو: والله أن لو قمت قمت، وبعد لمّا في الكثير (٩) كقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً (١٠) وقلّت زيادتها بعد الكاف

стр. 508

كقوله (١): ... ... كأن ظبية تعطو إلى ناظر السّلم (٢) فيمن رواه بجرّ ظبية كأنه قال، كظبية، فجرّ ظبية بالكاف، وأن زائدة، و «ما» تزاد مع متى (٣) وإذا وأين وأيّ ومع إن، إذا وقعت شروطا نحو: متّى ما تكرمني، وإذا ما أكرمتني أكرمتك، وأينما تكن أكن، ونحو قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٤) وأمّا زيادة ما بعد إن الشرطية، فكقوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ (٥) وإذا زيدت ما بعد إن الشرطية فيلزم (٦) فعلها نون التأكيد غالبا، ويكون مضارعا كقوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً (٧)، وتكون لغير التأكيد كقول الأعشى (٨): إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا ... إنّا كذلك ما نحفى وننتعل

стр. 509

وإذا قصدت بإذ وحيث المجازاة فلا بدّ معهما حينئذ من ما كقوله (١): إذ ما دخلت على الرسول فقل له ... ... فدخول الفاء في الخبر دليل المجازاة، وحيثما تكن أكن (٢)، وتزاد ما أيضا بعد بعض حروف الجرّ كقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٣) وفَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (٤) ومِنْ خَطاياهُمْ (٥) وقلّت زيادتها بين المضاف والمضاف إليه نحو: غضبت من غير ما جرم أي من غير جرم (٦)، وأمّا قولهم: جئت لأمر ما، فقد قيل: زائدة وقيل: صفة كما تقدّم في الموصولات (٧) و «لا» تزاد مع الواو لتأكيد نفي سابق كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٨) وكذلك تزاد بعد أن المصدرية كقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ (٩) وكقوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (١٠) وتزاد «لا» قبل أقسم قليلا كقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١١) أي أقسم بيوم القيامة، وقال بعضهم: هي نافية في التقدير وأقسم بعدها للإثبات (١٢)

стр. 510

وشذّت زيادة «لا» بين المضاف إليه كقوله: (١) في بئر لا حور سرى وما شعر أي في بئر حور، والحور جمع حائر، من حار إذا هلك أي في بئر هلاك. ذكر حرفي التفسير وهما (٢) أي وأن أمّا أي: فيكون حرف نداء كقولك: أي زيد أقبل، ويكون تفسيرا لمعنى قول صريح كتفسيرك لقوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ (٣) أي من قومه، ويكون تفسيرا لغير قول صريح كما تفسر/ قولك: استكتمته سرّي أي سألته كتمانه، ويكون تفسيرا لمعنى قول غير صريح كقولك: أشرت إليه أي افعل كذا، فسّرت الإشارة بذلك. وأمّا «أن»: فلا يفسّر بها إلّا ما كان في معنى القول لا نفس القول على الأصحّ (٤) كقوله تعالى: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (٥) وكتبت إليه أن قم، فلو قلت: قلت له: أن قم، لم يجز لأنّه لا يفسّر بها نفس القول بل معناه. ذكر الحرفين المصدريين (٦) وهما: ما وأن، وسمّيا مصدريين لأنّهما مع الفعل الذي بعدهما بتأويل المصدر نحو: أعجبني ما صنعت أي صنيعك، وأعجبني أن خرجت وأن تخرج أي خروجك،

стр. 511

ومنه قوله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (١) وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٢) وأَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٣) مصدريّة عند البصريين في موضع نصب على المفعول من أجله أي، لأن جاءه الأعمى، وعند الكوفيين أنها بمعنى إذ، أي إذ جاءه الأعمى (٤)، وألحق ابن الحاجب بهما حرفا ثالثا وهو أنّ المشددة المفتوحة (٥) وهي بتأويل الاسميّة بمصدر خبرها أو بما في معناه أو بالكون نحو: أعجبني أنّ زيدا قائم وأنّه أخوك وأنه في البحر أي قيامه، وأخوّته؛ وكونه فيه. ذكر حروف التحضيض (٦) وهي: هلّا ولولا ولوما وألا، واعلم أنّ هذه الحروف إذا دخلت على الفعل الماضي دلّت على اللّوم والتوبيخ على ترك الفعل نحو: هلّا قرأت، وإذا دخلت على الفعل المضارع دلّت على الحثّ والطّلب نحو قوله تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) وتلزم هذه الحروف الفعل لفظا أو تقديرا، لأنّ معناها لا يصحّ إلّا فيه لأنّ الحثّ على الشيء توكيد للأمر بفعله، فمثال وقوع الفعل بعدها لفظا: هلّا ضربت زيدا، ومثاله تقديرا: هلّا زيدا ضربته، أي هلّا ضربت زيدا ضربته ومنه قول جرير: (٨)

стр. 512

تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا فنصب الكميّ بفعل مقدّر أي هلّا تعدون الكميّ، والضوطرى: الضخم لا غناء عنده، ومعنى البيت: أنكم تفتخرون بعقر النّيب - وهو جمع ناب وهي المسنّة من الإبل (١) - وليس لكم في الشجاعة نصيب، ومن ذلك قوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ (٢) وقوله: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها (٣) والتقدير: فلولا ترجعونها إن كنتم غير مدينين، ولحروف التحضيض صدر الكلام لكونها دالة على نوع من أنواع الكلام، فوجب أن يكون لها صدر الكلام لما مرّ في باب إنّ وغيرها. ذكر حرف التوقّع (٤) وهو قد، وقيل له حرف التوقّع لاقترانه بالأفعال المتوقعة في الحال، ومنه قول المقيم: قد قامت الصّلاة، لقوم يتوقّعون قيامها، وإذا دخل على الماضي قرّبه من الحال نحو: كنت أتمنى الحجّ، وقد حججت في زمن قريب من زمن إخباره وإذا/ دخل على المضارع كان للتقليل كقولهم: إنّ الكذوب قد يصدق (٥)، فهو في هذا النوع من الأفعال بمنزلة ربّ في الأسماء، وقد يحذف الفعل بعده إذا فهم كقوله: (٦) أزف التّرحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد

стр. 513

أي وكأن قد زالت، ويجوز الفصل بين قد وبين الفعل بالقسم، كقولك: قد والله أحسنت، ونحو: قد لعمري بتّ ساهرا، وقد تأتي للتحقيق نحو: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ (١). ذكر حرفي الاستفهام (٢) وهما الهمزة وهل، ويدخلان على الجملتين الاسميّة والفعليّة كقولك: أزيد قائم، وأقام زيد، وهل عمرو خارج، وهل خرج عمرو، ولهما صدر الكلام لكونهما لنوع من أنواع الكلام وذلك يقتضي تقديمهما ليحصل العلم في أول الأمر بأنّ الكلام للاستفهام. والهمزة أكثر تصرفا في الاستعمال من هل، لأنّ الخبر إذا كان في الجملة الفعليّة فعلا، جاز استعمال الهمزة دون هل فيجوز: أزيد قام ولم يجز: هل زيد قام إلّا على شذوذ، لأنّ أصل هل أن تكون بمعنى قد (٣) كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ (٤) فكما لا يقال: قد زيد خرج لا يقال: هل زيد خرج، فإن قيل: لو كان كذلك لامتنع: هل زيد خارج، كما امتنع: قد زيد خارج، قلنا: إنّما جاز هل زيد خارج حملا على أختها وهي: أزيد خارج وإنّما لم تحمل عليها في: أزيد خرج، لأنّ اعتبار هل في هذه الجملة أعني خرج أولى من حملها على أختها لكونها بمعنى قد، وقد وجد ما تقتضيه (٥) وتقع الهمزة لكونها أعمّ تصرفا للإنكار أيضا كقولك: أتضرب زيدا وهو أخوك؟ ويقع بعدها المفعول كقولك: أزيدا ضربت؟ وتقع للتقرير كقوله تعالى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٦) أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (٧) وتقع مع أم نحو: أزيد عندك أم عمرو، وتدخل الهمزة على حروف العطف كقوله تعالى: أَوَ

стр. 514

كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (١) وكقوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ (٢) وقوله تعالى: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ (٣) ولا تقع هل هذه المواقع إمّا لكون الهمزة أخصر وأكثر استعمالا، وإمّا لكون هل في الأصل بمعنى قد (٤). ذكر حروف الشّرط (٥) وهي: إن ولو وأمّا، وما يقع شرطا من غيرها فأسماء تضمّنت معنى الشّرط وقد تقدّم ذكرها في قسم الاسم، ولحروف الشّرط صدر الكلام لأنّها لإنشاء نوع من أنواع الكلام، وتدخل إن ولو على جملتين فتجعلان الأولى شرطا والثانية جزاء كقولك: إنّ تضربني أضربك، ولو جئتني لأكرمتك، لكن إن للاستقبال (٦) بمعنى أنها تجعل الفعل الذي دخلت عليه بمعنى الاستقبال، سواء كان الفعل ماضيا نحو: إن ضربت ضربت، أو مضارعا نحو: إن تضرب أضرب، ولو للمضي سواء دخلت على الماضي نحو: لو ضربت ضربت، أو المضارع نحو: لو تضرب أضرب ويلزمان الفعل لفظا أو تقديرا، فالفعل لفظا نحو: إن ضربت ضربت، ولو ضربت ضربت، وتقديرا نحو قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (٧) وقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ/ رَحْمَةِ رَبِّي (٨) أي وإن استجارك أحد، ولو تملكون، وقال السّيّد (٩) في حروف الشّرط: وينبغي أن يعلم أن مفسّر المحذوف مضارع مجزوم إن كان المفسّر مضارعا مجزوما نحو: إن زيد يقم، ليطابق المذكور. وأمّا الأسماء المتضمنة معنى

стр. 515

الشرط نحو: من، فلا تحذف أفعالها لكونها فرع إن الشرطيّة فلا يتصرّف فيها كما تصرّف في إن إلّا في الضرورة كقول الشّاعر: (١) فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن ... ومن لا نجره يمس منّا مفزّعا وتقديره: فمن نؤمنه نحن، ومن أجل أنّ لو وأن يلزمان الفعل، قيل: لو أنك انطلقت (٢) بأن المفتوحة المشددّة لأنّها في تأويل المفرد، لكونها هي وما عملت فيه فاعلا للفعل المقدّر بعد لو، والتقدير: لو تحقّق أو ثبت انطلاقك انطلقت، وإنّما كان الفعل المقدّر تحقّق أو ثبت، لما في أنّ من الدلالة على التحقيق والثبوت ولأجل دلالة أنّ على ذلك، استغني عن فعل مفسّر للفعل المقدّر المذكور ولكن التزم أن يكون خبر أنّ في هذه الصورة فعلا إن أمكن (٣) ليكون كالعوض عن لفظ الفعل المفسّر لتحصل لأنّ المفتوحة المشددة التقوية بصورة الفعل فلذلك جاز: لو أنك انطلقت لانطلقت ولم يجز: لو أنك منطلق انطلقت، لفوات التقوية بصورة الفعل، لأنّه أوقع منطلق مع إمكان انطلق (٤)، ومنه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (٦) ويلزم أن يكون الفعل الواقع في خبر أنّ هذه ماضيا ليطابق معنى لو في الماضي، أمّا إذا تعذّر أن يكون خبر أنّ فعلا بأن يكون جامدا، جاز أن يقع غير فعل حينئذ نحو: لو أنك زيد لأكرمتك، لتعذّر الإتيان بالفعل ومنه قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ

стр. 516

شَجَرَةٍ أَقْلامٌ (١) إذ لا فعل بمعنى أقلام فيوقع خبرا، وقد أوردوا قوله تعالى: لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ (٢) لأنّه أوقع بادون خبرا مع إمكان بدوا، وأجيب عن ذلك: بأنّ لو هذه ليست لو الشرطية وإنّما هي للتمني بمعنى يودّون لو أنّهم بادون (٣). فصل والفعل الواقع بعد إن الشرطية معناه الاستقبال وقد يراد به الماضي مع المستقبل جميعا (٤) كقوله تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ (٥) فيدخل في مثل ذلك الماضي والمستقبل إذ المراد: من آمن، وَمَنْ يُؤْمِنْ (٦)، لأنّ سياق الكلام يقتضي ذلك، وكذلك: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (٧) سواء كانوا جنبا أو يجنبون في المستقبل، فإنّ الحكم لا يختصّ بأحدهما (٨). فصل (٩) وإذا اجتمع القسم والشّرط وتقدّم القسم على الشّرط نحو: والله إن أتيتني لأكرمتك كان الجواب للقسم دون الشّرط، ووجب أن يكون فعل الشّرط ماضيا كما في المثال المذكور أعني: أتيتني، فلو أجبت الشرط دون القسم وقلت: والله إن أتيتني/ أكرمك، كان رديئا، وإنّما أجيب القسم دون الشرط لأنّ الشرط جاء معترضا بين القسم وجوابه، والمعترض في حكم العدم، فألغي جوابه لذلك وإنّما لزم أن يكون فعل الشرط ماضيا لفظا كما ذكرنا أو معنى نحو: والله إن لم تكرمني لأكرمنّك،

стр. 517

لأنّ حرف الشرط لمّا بطل عمله في الجواب الذي هو لأكرمنّك لكونه جوابا للقسم، طلب أن يكون فعل الشرط ماضيا حتّى لا يظهر لحرف الشرط فيه عمل لئلا يكون العامل في الجزاء القسم، والعامل في الشرط حرف الشرط فيختلف العامل في الشرط والجزاء وهو غير جائز، فلذلك التزم أن يكون فعل الشرط ماضيا، لأنّ الماضي لا يظهر فيه عمل لحرف الشرط ولا لغيره. وإن توسّط القسم وتقدّم عليه إمّا شرط أو غير شرط، والشرط مؤخّر عن القسم، جاز اعتبار القسم وإلغاؤه لإمكان ذلك، فمثال تقدّم الشرط والقسم معترض قولك: إن تكرمني فوالله لأكرمنّك، فيجوز اعتبار القسم لإمكان الوفاء بجواب الشرط وجواب القسم، لأنّ الشرط إنّما يجاب في مثل ذلك بالفاء ولا يمتنع دخولها على القسم، فأمكن جواب الأمرين على ما تقتضيه أبوابهما (١)، ويجوز إلغاء القسم بأن يجعل معترضا فيتعيّن الجواب للشرط كقولك: إن تكرمني والله أكرمك، ومثال تقدّم غير الشرط على القسم والشرط مؤخّر عن القسم قولك: أنا والله إن تكرمني أكرمك، فيجوز أن تعتبر القسم وتقول: أنا والله إن أكرمتني لأكرمنّك فتجعل الشرط معترضا، فيتعيّن الجواب للقسم، ويكون القسم وجوابه والشرط خبر المبتدأ، ويجوز أن تجعل القسم معترضا وتقول: أنا والله إن تكرمني أكرمك، فيتعيّن الجواب للشرط ويكون الشرط وجوابه والقسم خبرا للمبتدأ، وإذا كان القسم مقدّرا قبل الشرط ولم يكن ملفوظا به فهو كالملفوظ به في كون الجواب للقسم لفظا كقوله تعالى: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ (٢) وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (٣) فإنّ تقديره: والله إن قوتلتم، وإن أطعتموهم، فإنه لولا تقدير القسم قبل الشرط لوجب دخول الفاء على: إنكم لمشركون (٤).

стр. 518

وأمّا أمّا الشرطية (١) فحرف شرط ولذلك لزمتها الفاء، وتستعمل لتفصيل أمور في نفس المتكلّم، إلّا أنهم لم يلتزموا ذكر المتعدد بل قد يذكر الجميع نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (٢) وقد يذكر واحد ويترك غيره نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ (٣) ولم يذكر بعدها أمّا أخرى، لكونه معلوما من الأوّل (٤) ومن ذلك قول القائل: أمّا أنا فقد فعلت كذا، ويسكت، وكان الواجب في «أما» أن يليها الفعل لكونها حرف شرط لكن التزموا حذف الفعل معها وجعلوا الواقع بعدها عوضا من الفعل المحذوف نحو: أمّا زيد فمنطلق، فزيد قد وقع قبل الفاء وبعد أمّا، ليكون عوضا من الفعل المحذوف، لأنّ الاسم الواقع، بعد أمّا هو المقصود دون الفعل وأصله أن يكون/ بعد الفاء، لأنّ معناه، مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فوقعت أمّا موقع مهما، وزيد موضع الفعل المحذوف، أعني «يكن» فصار أما زيد فمنطلق، وحينئذ، إمّا أن يكون الاسم الذي بعد أمّا مرفوعا أو منصوبا، فإن كان مرفوعا فهو مبتدأ خبره ما بعد الفاء نحو: أمّا زيد فمنطلق، وإن كان منصوبا نحو: أمّا زيدا فأنا مكرم، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (٥) فالأصحّ أنّ العامل فيه ما بعد الفاء لاقتضاء ما بعد الفاء إياه، ولأنّه قدّم على عامله ليكون عوضا عن الفعل المحذوف، لأنّ التقدير: إن أردت بيان من تعلّق به إكرامي فأنا مكرم زيدا، وإن أردت بيان من تعلّق به النهي عن القهر مني، والنهي عن النهر مني؛ فلا تقهر اليتيم ولا تنهر السائل (٦)، وكذا إذا كان المنصوب الذي بعد أما ظرفا نحو: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، فيوم الجمعة معمول لمنطلق، لأنّ التقدير إن أردت بيان زمان وقع فيه انطلاق زيد فزيد منطلق يوم

стр. 519

الجمعة، وقد ظهر - ممّا قلنا - أنّ أصل المنصوب أن يكون بعد الفاء وقدّم على عامله ليكون عوضا عن الفعل المحذوف (١). وبعضهم منع أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها كما هو مذهب البصريين (٢) وذهبوا إلى أنّ العامل في الاسم الذي بعد أمّا إنّما هو الفعل المحذوف المقدّر بعد أمّا، فإذا قلت: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، كأنك قلت: مهما تذكر يوم الجمعة فزيد منطلق، ومهما تذكر اليتيم فلا تقهر، ومهما تذكر السائل فلا تنهر. وقال قوم: (٣) إن جاز تقديم الاسم المنصوب بعد أمّا على جواب أمّا نحو: أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق، فهو معمول بما في حيّز الفاء، لأنّ يوم الجمعة يجوز أن يكون ظرفا لمنطلق ومتقدّما عليه، وإن لم يجز تقديمه نحو: أمّا زيدا فإني مكرم، فالعامل فيه الفعل المحذوف المقدّر أعني: مهما تذكر زيدا فإني مكرمه، لامتناع أن يعمل ما بعد إن فيما قبلها (٤). ذكر حرف الرّدع (٥) وهو كلّا، لأنّه وضع للرّدع والتنبيه على الحقّ، وإنّما يستعمل إذا سمع محال أو تقوّل على إنسان، كما إذا قيل: فلان يشتمك فتقول: كلّا، أي: ارتدع عن هذا، وقد جاء كلّا بمعنى حقّا نحو قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أي حقّا، وإذا وقفت على التي بمعنى الردع كان مستقيما (٧)، وكلّا التي بمعنى حقّا، اسم عند بعضهم، لكنّه بني لموافقته كلّا التي بمعنى الرّدع في اللفظ (٨).

стр. 520

ذكر تاء التّأنيث الساكنة (١) اعلم أنّ تاء التّأنيث الساكنة حرف يلحق الأفعال الماضية خاصّة للإيذان من أول الأمر بأنّ الفاعل مؤنّث نحو: قامت هند، ولا تدخل المضارع لأنّ التاء في قولك: تقوم هند، أغنت عن ذلك، والفرق بين تاء التأنيث الداخلة على الأسماء التي تقدّم ذكرها في باب المذكّر والمؤنث/ نحو: طلحة وبين هذه التاء، أنّ اللاحقة للأسماء تكون متحركة في الوصل نحو قولك: طلحة الطلحات وامرأة قائمة أمامك، وهذه التاء التي تلحق الأفعال لا تكون إلّا ساكنة وصلا ووقفا إلّا إذا لقيها ساكن فإنها تحرّك لالتقاء الساكنين فهي ساكنة بالذّات ومتحرّكة بالعرض نحو قولك: رمت المرأة ورمتا وقامتا، فإن لحقت نحو: غزا ورمى حذفت آخرهما لالتقاء الساكنين، تاء التأنيث وحرف العلّة، فقلت: غزت ورمت بحذف الألف ولا تردّ، ولو تحركت التاء في نحو: رمت المرأة ورمتا فلا يقال: رماتا (٢) كما سنذكر في التقاء الساكنين، وأمّا إلحاق الفعل علامة التثنية والجمعين (٣) نحو: قاما الزيدان وقاموا الزيدون وقمن النساء، فضعيف استعمالا قويّ قياسا على التاء مع جواز جعل ما جعل فاعلا (٤) مبتدأ خبره ما قدّم عليه، والعلامة ضمير عائد إليه معنى، وهي لغة أكلوني البراغيث (٥) وفي أكلوني البراغيث شذوذان آخران؛ أحدهما: جعل الواو علامة لما لا يعقل، والثاني: جعل القرص أكلا (٦) وعلى تقدير إلحاقها فإنها ليست بضمائر لئلا يلزم الإضمار قبل الذكر، بل علامات ألحقت بالفعل لتدلّ على أحوال الفاعل كتاء التأنيث، وإنّما قوي إلحاق علامة التأنيث وضعف إلحاق علامة التثنية والجمع، للزوم التأنيث الحقيقي للاسم، وعدم لزوم التثنية والجمع لعروضهما، واعلم أنّ التاء في:

стр. 521

ثمّت وربّت ولات، ليست تاء التأنيث المذكورة بل دخلت هذه التاء لتأنيث اللفظة للمبالغة في معناها كما دخلت في: علّامة ونسّابة للمبالغة لا لتدلّ على أنّ الفاعل مؤنّث. ذكر التنوين (١) التنوين نون ساكنة تتبع حركة الآخر لا لتأكيد الفعل واحترز بقوله: لا لتأكيد الفعل، عن نون التوكيد نحو: اضربنّ والتنوين ستة أنواع: أحدها: تنوين التنكير (٢)، وهو يدلّ على أنّ الاسم نكرة نحو: صه وصه وسيبويه وسيبويه آخر. والثاني: تنوين التمكين (٣)، وهو يلحق الاسم ليدلّ على أنّ له مكانة في الاسميّة نحو: زيد ورجل، ولا بدّ من زيادة شرح لتنوين التمكين وتنوين التنكير فنقول: إنّ الأسماء المعربة تنقسم إلى خفيف في غاية الخفّة، وهو ما لم يخرج عن أصله إلى مشابهة الفعل بوجه نحو: رجل وفرس، وإلى ثقيل وهو ما لا ينصرف، وإلى متوسط وهو ما فيه علة واحدة فرعيّة نحو: زيد وعمرو فتنوين التمكين هو الداخل على الاسم النكرة الخفيف في الغاية نحو: رجل، وعلى المعرفة المنصرفة نحو: زيد، وعلى الاسم الذي ينكّر فيفصل مما لا ينصرف، ويلحق بزيد، نحو: مررت بعثمان وعثمان آخر وبأحمد وأحمد آخر، وأمّا تنوين التنكير: فهو الذي يلحق الاسم المبنيّ للفرق بين معرفته ونكرته/. نحو ما تقدّم من صه وصه وسيبويه وسيبويه آخر، فإنّه معرفة إذا لم ينوّن، ونكرة إذا نوّن، وإذا قلت: صه بغير تنوين أمرته بالسكوت المعهود، وإذا نونت أمرته بسكوت ما. والثالث: (٤) تنوين العوض وهو الذي يلحق الاسم عوضا إمّا عن الياء أو عن إعلاله نحو: جوار حسبما تقدم في أوائل الكتاب (٥)، وإمّا عن المضاف إليه نحو:

стр. 522

يومئذ أي يوم إذ كان كذا، فلمّا حذف المضاف إليه وهو: كان كذا، عوض عنه التنوين، وكذلك: مررت بكل قائما، أي بكلّهم، وهو جواب قول القائل: هل لك عهد بالقوم؟ فيقال: مررت بكلّ قائما. والرابع: تنوين المقابلة، ولا يكون إلّا في جمع المؤنّث، فإنّه لمقابلة نون جمع المذكّر السالم ولو حمل على غير ذلك لم يتّجه، فإنك لو جعلت تنوين مسلمات للصرف تعذّر، لوجوده في عرفات مع المانع من الصّرف وكذلك لو جعلته للتمكين (١) أو للتنكير لم يتّجه، فتعيّن أن يكون للمقابلة. والخامس والسادس: تنوين الترنّم والتنوين الغالي، ويلحقان أواخر الأبيات والأنصاف المصرّعة لتحسين الإنشاد، وهو إن لحق القافية المطلقة سمّي تنوين الترنم (٢) وتنوين الإطلاق كقوله: (٣) يا أبتا علّك أو عساكن ومنه: (٤) أقلّي اللّوم عاذل والعتابن ... وقولي إن أصبت لقد أصابن فناب التنوين مناب حرف الإطلاق في (٥) نحو: ألف العتابا، ويقع في الأسماء والأفعال ولا يختصّ بأحدهما، وإن لحق القافية المقيّدة سمّي التنوين الغالي (٦) نحو

стр. 523

قول رؤبة: (١) وقاتم الأعماق خاوي المخترقن وقد جمع بعضهم أقسام التنوين نظما وهو: (٢) عوّض بتنوين وقابل به ... نكّر به الاسم ومكّنّه وإن ترنّمت فعمّم به ... ومثله الغالي فعينّه ويحذف التنوين من العلم الموصوف بابن مضاف إلى علم آخر نحو: جاءني زيد بن عمرو، لشدّة اتصال الموصوف بالصفة (٣) ويعلم منه أنه لو كان صفة لغير العلم نحو: جاءني رجل ابن ظالم، أو كان ابن مضافا إلى غير العلم نحو: زيد ابن أخي لم يحذف التنوين، وكذلك لم يحذف التنوين إذا لم يكن صفة نحو: أن يكون أحدهما مبتدأ والآخر خبرا وشبه ذلك كقولك: زيد ابن عمرو. واعلم أنّه حيث يسقط التنوين من الموصوف بابن تسقط الألف من الخطّ أعني همزة ابن، وحيث يثبت التنوين في اللفظ تثبت الهمزة في الخطّ فتسقط من زيد بن عمرو وتثبت في زيد ابن أخي وشبهه، واعلم أنّ حكم ابنة كحكم ابن في جميع ما ذكرنا (٤). ذكر نون التأكيد (٥) وهي نوعان: خفيفة ساكنة، ومشدّدة مفتوحة مع غير الألف لأنّها تكسر مع الألف في المثنّى والمجموع المؤنّث نحو: اضربانّ واضربنانّ/ واعلم أنّ الثقيلة أبلغ

стр. 524

في التأكيد من الخفيفة (١) ولا يؤكّد بالمخفّفة والمشدّدة إلّا الفعل المستقبل الذي فيه معنى الطّلب كالأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والقسم والتحضيض (٢)، وإنّما دخلت النون في هذه المواضع، لأنّها مواضع طلب فتدخل النون تأكيدا لذلك الطلب وحثّا على إيقاعه، ولذلك لم يؤكّد الماضي والحال، لأنّ الماضي وقع، والحال حاصل فلا طلب فيهما لحصولهما، ولا يؤكد النفي إلّا قليلا (٣) نحو: زيد ما يقومنّ، لخلوّه عن معنى الطلب وإنّما جاز فيه ذلك على قلّته تشبيها له بالنهي، ومنه (٤): يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيّه معمّما وهذا مشبّه بالنهي، لأنّ يعلم مجزوم مثل النهي، وألف يعلما ألف نون التأكيد، كان يعلمن فوقف عليها بالألف، وأمّا قول جذيمة الأبرش (٥): ربّما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات فهي على التشبيه بالنفي، لأنّ ربّ للتقليل، والتقليل يقارب النفي، وقال

стр. 525

يونس: (١) إنّهم يقولون: ربّما تقولنّ ذاك، وهو مثل: ربّما أوفيت في علم ... ترفعن ... ولزمت نون التأكيد في جواب القسم المثبت نحو: والله ليخرجنّ زيد، لأنّ القسم وضع للتأكيد، ولمّا لزم ذلك في القسم المثبت تعيّن للنفي في قولك: والله يخرج زيد ونحوه أي لا يخرج، لأنّه قد علم أنه لو كان مثبتا لم يكن بدّ له من النون (٢) ولا يحذف في جواب القسم المنفي من حروف النفي إلّا «لا» خاصة فلو حذفت ما وقلت: والله زيد منطلقا تعني ما زيد منطلقا لم يجز، وكثر دخول نون التأكيد مع فعل الشرط عند تأكيد إن الشرطية بما كقوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً (٣) ويجوز تركها كقول الشّاعر: (٤) فإمّا تريني ولي لمّة ... فإنّ الحوادث أودى بها فزاد «ما» مع حرف الشرط ولم يؤكد فعله بالنون فقال: تريني، فإنه لو أكده انكسر وزن البيت. ذكر حركات ما قبل نون التأكيد بحسب الضمائر والضمائر تنقسم إلى بارزة وغير بارزة: ذكر أحكام نون التأكيد مع الضمائر البارزة (٥) والمذكور هنا منها إنّما هو ضمير جمع المذكّر وضمير المؤنّث المخاطبة، وأمّا

стр. 526

ضمير التثنية مطلقا وضمير جمع المؤنث فسنذكر حكمهما في فصل مفرد لهما، وحكم الضميرين البارزين المذكورين أعني ضمير جمع المذكّر وضمير المؤنث المخاطبة مع نوني التأكيد الخفيفة والشديدة كالكلمة المنفصلة كما سيظهر من الأمثلة ويجب في الضميرين المذكورين أن يضمّ ما قبل نون التأكيد مع ضمير جمع المذكّر، ويكسر مع ضمير المخاطبة نحو: هل تضربنّ يا قوم بضمّ الباء، وهل تضربنّ يا هند بكسر الباء وأصلهما تضربون وتضربين (١) فحذفت نون الإعراب/ منهما لزوال الإعراب بدخول نون التأكيد ثم حذفت الواو التي هي ضمير الجمع والياء التي هي ضمير المخاطبة لالتقاء الساكنين أعني الواو والياء، ونون التأكيد كما تحذف كلّ من الواو والياء المذكورتين إذا لقيهما ساكن من كلمة أخرى منفصلة نحو: يا رجال اضربوا القوم، ويا هند اضربي القوم، بحذف الواو والياء لسكونهما وسكون لام التعريف. وأمّا حكم الفعل المعتلّ اللّام مع الضميرين البارزين المذكورين فالذي لامه واو أو ياء حكمه كما ذكر، فتقول مع ضمير جمع المذكّر: هل تغزنّ وهل ترمنّ يا قوم بضمّ ما قبل النون، والأصل تغزون وترمون فحذفت نون الإعراب (٢) ثمّ واو ضمير الجمع لما تقدّم شرحه، كما تحذفها لساكن في كلمة أخرى نحو: يا رجال اغزوا القوم وارموا القوم، وتقول مع ضمير المخاطبة: هل تغزنّ وهل ترمنّ بكسر ما قبل النون والأصل تغزين وترمين فحذفت نون الإعراب ثمّ ياء ضمير المخاطبة لما ذكر، كما تحذفها لساكن في كلمة أخرى نحو: يا هند اغزي القوم وارمي القوم. وأمّا الذي لامه ألف فلا تحذف ولكن تحرّك بالضّمّة مع ضمير جمع المذكّر، وبالكسرة مع ضمير المخاطبة فتقول مع ضمير جمع المذكّر: يا قوم اخشونّ الله كما تقول: يا قوم اخشوا الرجال، قال الله تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٣) فحرّك الواو بالضّمّ، وتقول مع ضمير المخاطبة: يا هند اخشينّ الله كما تقول: اخشي القوم، قال الله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً (٤) فحرّك الياء بالكسر، لأنّ نون

стр. 527

الإعراب لمّا حذفت التقى ساكنان حرف العلّة ونون التأكيد فضمّت الواو وكسرت الياء كما يفعل بهما إذا اتصلا بساكن من كلمة أخرى، وإنّما حرّك ما أصله الألف ولم يحذف كما حذفت الواو والياء في: يا قوم اغزنّ ويا هند اغزنّ لوجود الضمّة والكسرة في اغزنّ واغزنّ الدالّتين على الواو والياء والمحذوفتين بخلاف ما أصله الألف، لانفتاح ما قبله فلو حذف (١) لم يبق على حذفه دليل. ذكر أحكام نون التأكيد مع الضمائر المستترة (٢) وهي ضمير المفرد المذكّر مخاطبا كان أو غائبا وضمير المؤنث الغائبة، وحكم نوني التأكيد مع هذه الضمائر المستترة كحكمها مع الكلمة المتصلة، والمراد بالكلمة المتصلة الفعل المتصل به ضمير المثنّى نحو: قاما وغزوا، ويجب في الضمائر المذكورة أن يفتح ما قبل نون التأكيد طلبا للخفّة نحو: زيد ليقومنّ وأنت لتقومنّ، وهند لتقومنّ، والفعل المعتلّ اللّام كذلك تقول: هل ترينّ يا رجل فتقلب الألف وتحرّكها لسكون نون التأكيد كما تحركها إذا لقيها ضمير التثنية نحو: ألم تريا وتقول: اغزونّ يا رجل، فتحرك الواو بالفتح كما تحركها لاتصال ضمير التثنية نحو: اغزوا وكذلك حكم الياء، تقول للمفرد المذكر: ارمينّ يا رجل فتحرك الياء بالفتح كما تقول: ارميا، وإنّما حرّكت الواو والياء هنا ولم يحذفا كما حذفا مع الضمائر البارزة، لأنّ الواو/ والياء هنا لو حذفا وقع اللّبس، ولو لم يحذفا مع الضمائر البارزة لوقع اللّبس أيضا، ألا ترى أنّك لو قلت في جمع المذكّر: اغزونّ وحرّكت الواو بالفتح لالتبس بالمفرد المخاطب، ولو حرّكتها بالكسر لحصل الاستثقال، أو بالضمّ اجتمع الواو وضمها مع ضمّ ما قبلها وذلك مستثقل أيضا. ذكر نون التأكيد مع المثنّى مطلقا، ومع جمع المؤنّث (٣) وهو أن تثبت الألف في المثنّى وتأتي بالنون المشدّدة نحو: اضربانّ لئلا تشتبه بالواحد، وتقول في جمع المؤنّث: اضربنان بزيادة ألف بعد نون الجمع وقبل نوني

стр. 528

التوكيد لئلا تجتمع ثلاث نونات (١) ويجب كسر نون التأكيد المشددة مع المثنّى، وجمع المؤنث السالم لوقوعها بعد الألف، ولا تدخل نون التوكيد الخفيفة المثنّى وجمع المؤنّث، لأنّه يستلزم إما تحريك النون، وإمّا حذفها لالتقاء الساكنين على غير حده وهما يتعذّران خلافا ليونس (٢) فإنّه أجازه، وجوّز التقاء الساكنين على غير حده (٣)، كما سيأتي بيانه في باب التقاء الساكنين في قسم المشترك إن شاء الله تعالى، فلو أتيت بنون التأكيد المخفّفة لم يكن الساكن الثاني مدغما، فلم يكن على حدّه فلم يجز. ونون التأكيد المخفّفة تحذف لأحد أمرين: وهما التقاء الساكنين والوقف. أمّا حذفها لالتقاء الساكنين فنحو قول الشاعر: (٤) لا تهين الفقير علّك أن تر ... كع يوما والدّهر قد رفعه أي لا تهينن، والذي يدلّ على أنّه كذلك أنه لو لاه لقيل: لا تهن، لأنه يكون مجزوما وحينئذ كان ينكسر وزن البيت، وربّما حذفت نون التأكيد الخفيفة المذكورة في الشعر وإن لم يكن بعدها ساكن على توهم الساكن نحو قوله: (٥) اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسّيف قونس الفرس

стр. 529

أي اضربن فحذف نون التأكيد الخفيفة، وبقيت فتحة الباء دالّة عليها، ولولا ذاك لكانت الباء ساكنة لفعل الأمر. وأمّا حذفها للوقف (١) فتحذف إذا لم يكن ما قبلها مفتوحا كما يحذف التنوين، وإذا حذفت وجب ردّ ما كان قد حذف لأجلها، فيرجع الفعل معربا على حسبه، فتقول في هل تخرجنّ يا قوم: هل تخرجون بردّ الواو والنون، وهذه النون نون الإعراب لأنّ نون التأكيد حذفت للوقف، وكذلك إذا وقفت على هل تخرجنّ يا امرأة قلت: هل تخرجين كما قيل في هل تخرجون (٢) وأمّا نون التأكيد التي يكون ما قبلها مفتوحا، فتقلب ألفا عند الوقف تشبيها لها بالتنوين كقولك في اضربن يا رجل: اضربا، لتكون علامة التأكيد باقية بوجه مع كون الفتحة مناسبة للألف ومنه قوله تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (٣) / وكذا قوله تعالى: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً (٤) فإذا وقفت وجب أن تقف بالألف فتقول: لنسعفا وليكونا، وإذا لقيت ساكنا بعدها حذفتها كقولك في اضربن الرجل: اضرب الرجل وتبقى الفتحة التي كانت قبل نون التأكيد لتدلّ عليها، ولم يحرّكوها كما حرّكوا تنوين الأسماء فرقا بين ما يدخل الاسم وبين ما يدخل الفعل، ليكون لما يدخل الأسماء على ما يدخل الأفعال مزية (٥) وقد وضعنا جدولا لجميع أمثلة نون التأكيد وهذه صورته:

стр. 530

_________ نون التوكيد ... مفرد مذكر بفتح ما قبل النون ... مثنى مشترك بكسر النون ... مفرد مؤنث بكسر ما قبل النون ... جمع المذكر بضم ما قبل النون (١) ... جمع المؤنث بكسر النون
следующие страницы →