وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار، فأهدى إليه عبيد الله وواصله، فقرّبه اليسع وأحبه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرّفه أن الرجل الذى يدعو إليه أبو عبد الله الشيعى عنده، فلم يجد بدّا من القبض على عبيد الله وحبسه.
وأخذ زيادة الله فى جمع العساكر، فقدّم إبراهيم بن حنيش (١) من أقاربه على أربعين ألفا، وسلّم إليه الأموال والعدد، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه، فنزل مدينة قسنطينية، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، وقتل فى طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبى عبد الله هذا، وأبو عبد الله متحصن بالجبل، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر، فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا، فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط، فقاتلهم قتالا كثيرا، وأدركهم أبو عبد الله، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح، فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، فسار إبراهيم إلى القيروان، وعظم أمر أبى عبد الله، واستقرت دولته.
وكتب كتابا إلى عبيد الله - وهو بسجن سجلماسة - يبشره، وسيّر الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل عليه السجن فى زى قصّاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرّفه.
ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف، وضايق زيادة الله، فحشد وجمع عساكره، وبعث إليه هارون الطيبى (٢) فى خلق كثير، فقتل هارون فى خلائق لا تحصى.
فاشتد الأمر على زيادة الله، وخرج بنفسه، فوصل إلى الأربس فى سنة خمس وتسعين ومائتين، وسيّر جيشا مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب.
واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه، وأبو عبد الله يأخذ المدائن - شيئا بعد شيء - عنوة وصلحا، فأخذ «مجّانة (٣)»، و «تيفاش (٤)»، و «مسكيانة» و «تبسّة (٥)»، وسار إلى إبراهيم، فقتل من أصحابه، وعاد إلى جبل إيكجان.
стр. 107
فلما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد الله عسكره فبغلت مائة ألف فارس وراجل، وجمع زيادة الله ما لا يحصى، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، فالتقوا مع أبى عبد الله، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمنه، وظهر أصحاب زيادة الله، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم، فانهزم أصحاب زيادة الله، وأوقع فيهم القتل، وغنم أموالهم، وكان ذلك فى آخر جمادى الآخرة، ففرّ زيادة الله إلى ديار مصر، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، ونادى بالأمان، وتسكين الناس، وذكر زيادة الله وذمّه، وصغّر أمر أبى عبد الله، ووعد الناس بقتاله، وطلب منهم الأموال، فقالوا:
«إنما نحن فقهاء وعامة وتجار، وما فى أموالنا ما يبلغ غرضك»، ثم إنهم ثاروا به ورجموه.
فخرج عنهم.
ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، فأمّن الناس، ومنع من النهب، وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبى عبد الله، وسلموا عليه، وهنوه بالفتح، فردّ عليهم ردّا حسنا، وأمّنهم، وقد أعجبوا به وسرّهم، فأخذوا فى ذم زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم:
«ما كان إلا قويا وله منعة ودولة شامخة، وما قصّر فى مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع»:
فامسكوا عن الكلام.
وكان دخول أبى عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ونادى بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع منه كثير، وكان له عدة من الجوارى لهن حظ من الجمال، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن بما يصلحهن.
فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا، وأمر
стр. 108
بضرب السكة (١) وألا يتسم (٢) عليها اسم، وجعل فى الوجه الواحد: «بلغت حجة الله»، وفى الآخر: «تفرّق أعداء الله».
ونقش على السلاح: «عدة فى سبيل الله».
ووسم الخيل على أفخاذها: «الملك لله».
وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون، والقليل من الطعام الغليظ.
ولما استقرت الأمور لأبى عبد الله فى رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد المخطوم، ففرح به، وكان هو الكبير.
стр. 109
ذكر ظهور عبيد الله المهدى من سجلماسة
وذلك أن أبا عبد الله الشيعى لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين سار من رقادة - وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية - فى جيوش عظيمة، فاهتز المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وأتته رسلهم فدخلوا فى طاعته، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله - وهو فى جيشه - يسأله عن نسبه وحاله، وهل أبو عبد الله قصد إليه؟ فحلف له أنه ما رأى أبا عبد الله، «وإنما أنا رجل تاجر»، فأفرده معتقلا بدار وحده، وأفرد ابنه أيضا، فجعل عليهما الحرس، وقرّر ولده، فما حال عن كلام أبيه، وقرّر رجالا كانوا معه وضربهم، فلم يقروا بشئ.
وبلغ ذلك أبا عبد الله، فشقّ عليه، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم يقصده للحرب، وإنما له حاجة مهمة عنده، فرمى الكتب وقتل الرسل، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله، ولم يذكره، فقتل الرسول ثانيا، فأسرع أبو عبد الله فى السير، ونزل عليه، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كلّه، فلما جنّه الليل فرقّ أصحابه من أهله وبنى عمه، وبات أبو عبد الله فى غم عظيم خوفا على عبيد الله.
فلما أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه بهرب اليسع، فدخل هو وأصحابه البلد، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه فى يوم الأحد لسبع خلون من ذى الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وقد انتشر فى الناس سرور عظيم كادت تذهب منه عقولهم؛ فأركبهما أبو عبد الله، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: «هذا مولاكم»، وهو يبكى من شدة الفرح، حتى وصل [إلى] فسطاط ضربه له فنزل فيه، وبعث الخيل فى طلب اليسع، فأدرك وأخذ، فضرب بالسياط وقتل.
стр. 110
وأقام عبيد الله المهدى بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقية، وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحمالا، وصار بها إلى رقادة فى العشر الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين.
وزال ملك بنى الأغلب من إفريقية، وملك بنى مدرار من سجلماسة، وملك بنى رستم (١) من تاهرت (٢).
وملك المهدىّ جميع ذلك، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وابنه خلفه، فسلموا عليه، فردّ عليهم ردا جميلا، وأمرهم بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة.
وأمر يوم الجمعة أن يذكر [اسمه] فى الخطبة، ويلقب بالمهدى أمير المؤمنين فى جميع البلاد، فلما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف - ومعه الدعاة -، وأحضروا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم، وقتل من لم يوافق.
وعرض المهدى جوارى زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده، وفرّق ما بقى على وجوه كتامة، وقسّم عليهم أعمال إفريقية، ودوّن الدواوين، وجبا الأموال، واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها:
стр. 111
ذكر قتل أبى عبد الله الشيعى
وكان سبب قتله أن المهدى لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه، وكفّ يد أبى عبد الله ويد أخيه أبى العباس، فداخل أبا العباس الحسد، وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهى، والأخذ والعطاء، فأقبل يزرى على المهدى فى مجلس أخيه، ويتكلم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يزيده ذلك إلا لجاجا، ولام أخاه وقال له:
«ملكت أمرا، فجئت بمن أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقّك».
وما زال به حتى أثّر فى قلب أبى عبد الله، وقال للمهدى:
«لو كنت تجلس فى قصرك وتتركنى مع كتامة آمرهم وأنهاهم، لأنى عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب لك فى أعين الناس».
وكان قد بلغ المهدى ما يجهر به أبو العباس، فردّ ردا لطيفا، وأسرّ ذلك فى نفسه.
وأخذ أبو العباس يسرّ إلى المقدمين بما فى نفسه، ويقول.
«ما جازاكم على ما فعلتم، بل أخذ هو الأموال من إيكجان، ولم يقسمها فيكم».
وكل ذلك يبلغ المهدى وهو يتغافل، فزاد أبو العباس فى القول، حتى قال:
«إن هذا ليس بالذى كنا نعتقد طاعته وندعو إليه، لأن المهدى يأتى بالآيات الباهرة».
فأثّر ذلك فى قلوب كثير من الناس، حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدىّ بذلك وقال:
«إن كنت المهدى فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك».
فقتله المهدى.
وخافه أبو عبد الله، وعلم أن المهدى قد تغيّر عليه، فاتفق مع أخيه بجماعة من كتامة على المهدى، ودخلوا عليه مرارا، فلم يجسروا على قتله، ونقل ذلك إلى المهدى من رجل
стр. 112
كان يوافقهم على ما هم فيه، ثم يأتى المهدىّ فيخبره، فأخذ المهدى فى تفريق القوم فى البلاد، وكان كبيرهم أبو زاكى تمام بن معارك الإيكجانى، فسيّره واليا على طرابلس، وكتب إلى عاملها سرا بقتله عند وصوله، فلما وصل أبو زاكى قتله العامل، وأرسل برأسه إلى المهدى، فأمر حينئذ بقتل جماعة، وأعد رجالا لأبى عبد الله وأخيه أبى العباس، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبى عبد الله، فقال: «لا تفعلوا» فقالوا له: «إن الذى أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك»، فقتل هو وأخوه فى اليوم الذى قتل فيه أبو زاكى، وذلك يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة، وصلى عليه المهدى، وقال:
«رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك».
وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرّد أصحابها السيوف، فركب المهدى وأمّن الناس فسكنوا، ثم تتبعهم حتى قتلهم.
وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير، فخرج المهدى وسكّن الفتنة، وكفّ الدعاة عن طلب التشيع من العامة.
وكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون، أحد رجالات العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال.
ولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدى عهد إلى ولده أبى القاسم بالخلافة، ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا، وقالوا: «هذا هو المهدى»، ثم زعموا أنه يوحى إليه، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت، فبعث إليهم المهدى ابنه أبا القاسم، فقاتلهم حتى هزمهم، واتبعهم إلى البحر، وقتل منهم خلقا كثيرا، وقتل الطفل الذى أقاموه.
ثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدى، فأنفذ إليها، وقتل من أهلها.
وخالف عليه أهل تاهرت، فغزاها، وقتل أهل الخلاف، وتتبع بنى الأغلب، فقتل منهم جماعة برقادة.
فلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهّز المهدىّ العساكر من إفريقية مع ولده أبى القاسم إلى مصر، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها فى ذى الحجة، وساروا إلى الاسكندرية والفيوم
стр. 113
فضيق على أهلهما، وبعث المقتدر بالله مؤنسا الخادم (١) فى جيش كثيف، فحاربهم وأجلاهم عن مصر إلى المغرب.
وكان سبب تحرك أبى القاسم بن المهدى إلى حرب أهل مصر أنه وجّه إلى بغداد قصيدة يفخر فيها بنسبه، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولى (٢) بقصيدة على وزنها ورويها، فمنها:
فلو كانت الدنيا مثالا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذّنب
فحرّك همته هذا البيت، وقال:
«والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه».
وكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بها، وأوصى ابنه المنصور بما كان فى عزمه، فشغلته الفتن، وكان الظافر بها المعز.
فلما كان فى سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدى جيشا مع قائد من قواده يقال له حباسة فى البحر، فغلب على الاسكندرية، ثم سار منها يريد مصر، فأرسل المقتدر بالله مؤنسا فى عسكر إلى مصر، وأمدّه بالسلاح والأموال، فالتقى بحباسة فى جمادى الأولى، فكانت بينهما حروب كثيرة، قتل فيها من الفريقين جمع عظيم، وانهزم حباسة فى سلخ جمادى الآخرة، ويقال إنه قتل فى هذه الواقعة سبعة آلاف [و] لما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدى.
وفيها، خالف عليه عروبة بن سيف (٣) الكتامى بالقيروان، واجتمع عليه خلق كثير من كتامة والبرابر، فأخرج إليهم المهدى مولاه غالبا، فاقتتلوا، فقتل غالب فى عالم لا يحصى، وجئ بعدة رءوس إلى المهدى فى قفّة، فقال:
стр. 114
«ما أعجب أمور الدنيا، قد جمعت هذه القفّة رءوس هؤلاء، وقد كان يضيق بهم فضاء المغرب».
ثم إن المهدى خرج بنفسه يرتاد موضعا على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة، وكان يجد فى الكتب خروج أبى يزيد النكّارى على دولته، فلم يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهديّة، وهى جزيرة متصلة بالبر كهيئة كفّ متصلة بزند، فبناها، وجعلها دار ملكه، وجعل لها سورا محكما، وأبوابا عظيمة، زنة كل مصراع مائة قنطار.
وكان ابتداء بنائها فى يوم السبت لخمس خلون من ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة، فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب، فرمى بسهم فانتهى إلى موضع المصلى، فقال: «إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار» - يعنى أبا يزيد الخارجى فإنه كان يركب حمارا -.
وكان يأمر الصناع بما يعملون، وأمر أن تنقر دار صناعة (١) فى الجبل تسع مائة شينى (٢)،
стр. 115
وعليها باب مغلق، ونقر فى أرضها أهراء (١) للطعام، ومصانع (٢) للماء، وبنى فيها القصور والدور، فلما فرغ منها قال: «اليوم آمنت على الفاطميات» - يعنى بناته -، وارتحل عنها.
ولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال: «هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار»، فكان كذلك، لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة [وعاد] ولم يظفر.
فلما كان فى سنة ست وثلاثمائة جهّز المهدىّ جيشا كثيفا مع ابنه أبى القاسم إلى مصر، وهى المرة الثانية، فوصل الاسكندرية فى ربيع الآخر، ودخلها القاسم، ثم سار منها، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد، وكتب إلى أهل مكة (٣) يدعوهم إلى طاعته، فلم يقبلوا منه، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم فى شعبان، فوصل إلى مصر، وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات.
ووصل من إفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم من أبيه، فأرست بالاسكندرية، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكتامى، وكانا شجاعين. فأمر المقتدر أن تسير مراكب طرسوس، فسار إليهم خمس وعشرون مركبا، فيها النفط والعدد، فالتقت المراكب على رشيد، فظفرت مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية، وأهلك أكثر أهلها، وأسر منهم كثير، فيهم سليمان ويعقوب، فمات سليمان بمصر فى الحبس، وحمل يعقوب إلى بغداد، فهرب منها، وعاد إلى إفريقية.
وغلب مؤنس عساكر القائم، ووقع فيهم الغلاء والوباء، فمات كثير منهم، ورجع من بقى إلى
стр. 116
إفريقية، وفيهم القائم، وتلقّب مؤنس الخادم من حينئذ بالمظفّر، لغلبته عساكر المغرب غير مرة.
فلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سيّر المهدى ابنه أبا القاسم من المهدية إلى المغرب فى جيش كثير، فى صفر، بسبب خارجى خرج عليه، وقتل خلقا، فوصل إلى ما وراء تاهرت.
وعاد فخطّ برمحه فى الأرض صفة مدينة سماها «المحمديّة»، وكانت خطّة لبنى كملان، فأخرجهم منها إلى فحص القيروان، كالمتوقّع منهم أمرا، فلذلك أحب أن يكونوا قريبا منه، وهم كانوا أصحاب أبى يزيد الخارجى.
«(١) وكان المهدى يشبّه فى خلفاء بنى العباس بالسفاح، فإن السّفاح خرج من الحميمة (٢) بالشام، يطلب الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلّال (٣) يؤسس له الأمر، ويبث دعوته؛ وعبيد الله خرج من سلمية فى الشام، وقد أذكيت (٤) العيون عليه، وأبو عبد الله الشيعى ساع فى تمهيد دولته، وكلاهما تمّ له الأمر، وقتل من قام بدعوته (١)».
وانتقل كثير من الناس إلى المحمدية، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام، ويخزنه ويحتفظ به، ففعل ذلك، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد، ولقيه المنصور بن القائم بن المهدى، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها.
فلما كان يوم الاثنين الرابع عشر، وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفى أبو محمد عبيد الله المهدى بالمهدية، وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، فإنه كان يخاف الناس إذا علموا بموت المهدى.
стр. 117
وكان عمر المهدى لما توفى ثلاثا وستين سنة - لم تكمل -.
وكانت ولايته - منذ دخل رقادة ودعى له بالإمامة إلى أن توفى - أربعا وعشرين سنة، وعشرة أشهر، وعشرين يوما.
وقيل: كانت ولادته بسلمية من أرض الشام فى سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومائتين؛ وقيل: ولد بالكوفة.
ودعا له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين.
وتوفى ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
ونقش خاتمة: «بنصر الإله الممجد، ينتصر الإمام أبو محمد».
وقال فيه سعدون الورجيلى:
كفّى عن التثبيط إنّي زائر … من أهل بيت الوحى خير مزور
هذا أمير المؤمنين تضعضعت … لقدومه أركان كلّ أمير
هذا الإمام الفاطمىّ ومن به … أمنت مغاربها من المحذور
والشرق ليس لشامه وعراقه … من مهرب من جيشه المنصور
حتى يفوز من الخلافة بالغ … ويفاز منه بعدله المنشور
стр. 118
القائم بأمر الله أبو القاسم محمد (وقيل عبد الرحمن) بن المهدى عبيد الله
ولد بسلمية فى المحرم سنة ثمانين - وقيل سبع وسبعين - ومائتين، ورحل مع أبيه إلى المغرب، وعهد إليه من بعده.
فلما مات أبوه، وفرغ من جميع ما يريده، وتمكّن، أظهر موت أبيه، وتبع سنّة أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكّن منهم.
وخرج عليه ابن طالوت فى ناحية طرابلس، فبعث إليه وقتله، وجهّز جيشا كثيرا إلى المغرب، فهزم خارجيّا هناك.
وسيّر جيشا فى البحر إلى بلد الروم، فسبى وغنم فى بلد جنوه.
وسيّر جيشا بالغ فى النفقة عليهم إلى مصر، فدخلوا الاسكندرية، فبعث الأخشيد فهزمهم.
стр. 119
ذكر أبى يزيد مخلد بن كيداد الخارجى وحروبه
وذلك أنه لما كان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج أبو يزيد بن كيداد النّكّارى الخارجى بإفريقية، واشتدت شوكته، وكثرت أتباعه، وهزم الجيوش.
وكان ابتداء أمره أنه من زناتة من مدينة توزر، وكان أبوه يختلف إلى بلاد السودان للتجارة، فولد له بها أبو يزيد من جارية صفراء هوّاريّة، فأتى به إلى توزر، فنشأ بها، وتعلّم القرآن، وخالط جماعة من النّكاريّة، فمالت نفسه إلى مذهبهم، ثم سافر إلى تاهرت، فأقام بها يعلّم الصبيان إلى أن خرج أبو عبد الله الشيعى إلى سجلماسة فى طلب عبيد الله المهدى، فانتقل إلى تقيوس (١)، واشترى ضيعة، وأقام يعلّم الناس فيها.
وكان مذهبه تكفير أهل الملة، واستباحة الأموال والدماء، والخروج على السلطان، فابتدأ يحتسب على الناس فى أفعالهم، وصار له جماعة يعظمونه، وذلك فى أيام المهدى سنة ست عشرة وثلاثمائة.
وتزايدت شوكته، وكثرت أتباعه فى أيام القائم، وحاصر باغاية، (٢) وهزم الجيوش الكثيرة، ثم حاصر قسطيلية (٣) سنة ثلاث وثلاثين، وفتح تبسّة ومجانة، وهدم سورها، ودخل مدينة مرمجنة (٤)، فلقيه رجل من أهلها، وأهدى له حمارا أشهب مليح الصورة،
стр. 120
فركبه من ذلك اليوم، وصار يعرف براكب الحمار، وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة، وكان قبيح الصورة.
ثم إنه هزم كتامة، وافتتح سبتية (١)، وصلب عاملها، وفتح مدينة الأربس (٢)، وأحرقها ونهبها، والتجأ الناس إلى الجامع فقتلهم فيه، وبلغ ذلك أهل المهدية فاستعظموه، وقالوا للقائم: «الأربس باب إفريقية، ولما أخذت زالت دولة بنى الأغلب»، فقال: «لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى، وهى أقصى غايته».
وأخرج القائم الجيوش لضبط البلاد، وجمع العساكر، وبعث جيشا مع فتاه ميسور، وجيشا مع فتاه بشرى، فسار أبو يزيد وواقع بشرى على باجة، فانهزم أبو يزيد، وصار فى أربعمائة، فمال إلى خيام بشرى وانتهبها، فانهزم بشرى إلى تونس وقتل كثير من عسكره، وملك أبو يزيد باجة، وحرقها، ونهبها، وقتل الأطفال، وأخذ النساء، وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه، وعمل الأخبية (٣) والبنود (٤) وآلات الحرب.
وجمع بشرى جيشا وأنفذه إلى أبى يزيد، فسير إليهم أبو يزيد جيشا، والتقوا، وانهزم أصحاب أبى يزيد.
وكانت فتنة بتونس، وهرب عاملها، وكاتبوا أبا يزيد فأمّنهم، وولى عليهم رجلا منهم، فخافه الناس، وانتقلوا إلى القيروان، وأتاه كثير منهم، ثم لقيه بشرى، فانهزم عسكر أبى يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وأسر خمسمائة، وبعث بهم إلى المهدية فى السلاسل، فقتلهم العامة.
فغضب لذلك أبو يزيد، وجمع الجموع.
стр. 121
وسار إلى قتال الكتاميين فتلاقى مع طلائعهم، فانهزمت الطلائع، وتبعهم البربر إلى رقادة، فنزل أبو يزيد بالقرب من القيروان فى مائة ألف مقاتل، وقاتل أهل رقادة، فقتل من أهل القيروان خلقا كثيرا، ودخل القيروان عسكره فى أواخر صفر، فانتهبوا البلد وقتلوا، وأخذ عامل القيروان (١) فحمل إلى أبى يزيد فقتله.
وخرج شيوخ القيروان إلى أبى يزيد - وهو برقادة - فطلبوا الأمان فماطلهم، وأصحابه يقتلون وينهبون، فعادوا إلى الشكوى وقالوا:
«خربت المدينة».
فقال: «وما تكون؟ خربت مكة والبيت المقدس؟!»
ثم قدم ميسور فى عساكر عظيمة، فالتقى (٢) بأبى يزيد، واشتد القتال بينهما، وقتل ميسور، وحمل رأسه إلى أبى يزيد، فانهزم عامة عسكره.
وسيّر أبو يزيد الكتب إلى عامة (٣) البلاد يخبر بهذا الظفر، فخاف القائم ومن معه بالمدينة، وانتقل الناس من أرباضها، فاحتموا بالسور، فمنعهم القائم، ووعدهم الظفر، فعادوا إلى زويلة واستعدوا، وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام فى خيم ميسور، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية، فيغنمون ويعودون؛ وفتح سوسة (٤) بالسيف، وقتل الرجال، وسبى النساء، وأحرق البلد، وشقّ أصحابه فروج النساء، وبقروا البطون، حتى لم يبق موضع فى إفريقية معمور، ولا سقف مرفوع، ومضى جميع من بقى إلى القيروان حفاة عراة، فمات أكثرهم جوعا وعطشا.
стр. 122
وفى أواخر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة حفر القائم الخنادق حول أرباض المهدية، وكتب إلى زيرى (١) بن مناد سيد صنهاجة، وإلى سادات كتامة والقبائل يحثهم على الاجتماع بالمهدية، فتأهبوا للمسير إليه.
ورحل أبو يزيد نحو المهديّة، فنزل على خمسة عشر ميلا منها، وبثّ سراياه فانتهبوا ما وجدوا، وقتلوا من أصابوا.
فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة خرجت كتامة وأصحاب القائم إلى أبى يزيد، فالتقوا على ستة أميال من المهدية، واقتتلوا مع أصحاب أبى يزيد، وأدركهم أبو يزيد وقد انهزم أصحابه وقتل كثير منهم، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال، وأبو يزيد فى أثرهم إلى باب الفتح.
واقتحم قوم من البربر باب الفتح، وأشرف أبو يزيد على المهدية، ثم رجع إلى منزله، وعاد إلى المهدية، ووقف على الخندق المحدث، وقاتل عليه حتى وصل إلى باب المهدية عند المصلى الذى للعيد - وبينه وبين المهدية رمية سهم -، وتفرّق أصحابه فى زويلة ينهبون ويقتلون، وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد فى ذلك الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، وهزموهم وقتلوا منهم.
ووصل زيرى بن مناد فعظم القتال (٢)، وتحيّر أبو يزيد، وقد مالوا عليه ليقتلوه، فتخلّص إلى منزله بعد المغرب، ورحل إلى ترنوطة (٣)، وحفر على عسكره خندقا، واجتمع
стр. 123
إليه خلق عظيم من إفريقية والبربر ونفوسة، (١) والزاب، وأقاصى المغرب، فحصر المهدية حصارا شديدا، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها.
ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة من وجوه عسكر القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل قرب الباب، فعرفه بعض العبيد فقبض على لجامه وصاح:
«هذا أبو يزيد فاقتلوه».
فأتاه بعض أصحابه وقطع يد العبد وخلص أبو يزيد؛ وكتب إلى عامل القيروان بإرسال مقاتلة أهلها إليه، ففعل ذلك، وزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال شديد، وانهزم أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان.
ثم زحف الزحفة الرابعة فى العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، وانصرف إلى منزله، وكثر خروج الناس إليه من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك القائم الأهراء التى عملها أبوه المهدى، وفرّق ما فيها على رجاله، وعظم البلاء على الرعية، حتى أكلوا الدواب والميتة، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار، ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج، ويشقّون بطونهم طلبا للذهب.
ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة، فخاف أبو يزيد، وكان البربر يأتون إلى أبى يزيد من كل ناحية فينهبون ويرجعون إلى منازلهم، حتى أفنوا ما كان فى إفريقية، فلما لم يبق مع أبى يزيد سوى أهل أوراس وبنى كملان أخرج عسكره، فكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذى القعدة، ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج إليهم أحد.
ثم زحفت عساكر القائم إليه، فخرج من خندقه، واشتد بينهم القتال، ثم عادوا إلى
стр. 124
القتال، فانهزم عسكر القائم، وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم.
فلما كان آخر ذى القعدة اجتمع لأبى يزيد جمع عظيم، وتقدم إلى المهدية، فقاتل عليها، وكاد أن يؤخذ، ثم خلص.
ودخلت سنة أربع وثلاثين.
وهو مقيم على المهدية.
وفى المحرم منها ظهر بإفريقية رجل يدعو إلى نفسه، فأجابه كثير من الناس، وادعى أنه رجل عباسى ورد من بغداد، ومعه أعلام سود، فظفر به أصحاب أبى يزيد وساقوه إليه فقتله.
وفرّ بعض أصحاب أبى يزيد إلى المهدية، وخرجوا مع أصحاب القائم، فقاتلوا أبا يزيد فظفروا، وتفرّق عند ذلك أصحاب أبى يزيد، ولم يبق معه غير هوّارة وبنى كملان وكان اعتماده عليهم.
ورحل بقية أصحابه إلى القيروان، ولم يشاوروا (١) أبا يزيد، فرحل مسرعا فى طائفة، وترك جميع أثقاله، وذلك فى سادس صفر، فنزل مصلى القيروان، فخرج أهل المهدية إلى أثقاله، فغنموا طعاما كثيرا وخياما، فحسنت حالهم، ورخصت الأسعار، وبعث القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبى يزيد.
ثم إن أبا يزيد بعث عسكرا إلى (٢) تونس فدخلوها بالسيف فى العشرين من صفر، فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفال، وقتلوا الرجال، وهدموا المساجد، والتجأ كثير من الناس إلى البحر فغرقوا. فسيّر القائم عسكرا لقتال أصحاب أبى يزيد فى تونس، فانهزم عسكر القائم، وتبعهم أصحاب أبى يزيد، فكرّ عليهم عسكر القائم وصبروا، فانهزم أصحاب أبى يزيد، وقتل منهم خلق كثير.
стр. 125
ودخلوا إلى تونس خامس ربيع الأول، فأخرجوا من فيها من أصحاب أبى يزيد، فبعث أبو يزيد ابنه (١) فقتل أهل البلد، وأحرق ما بقى فيه، وتوجه إلى باجة (٢)، فقتل من بها من أصحاب القائم، ودخلها بالسيف وأحرقها؛ وكان فى هذه المدة من القتل والسبى والتخريب ما لا يوصف.
وهمّ جماعة من أصحاب أبى يزيد بقتله، وكاتبوا القائم بذلك، فظفر بهم أبو يزيد فقتلهم، وكثر النهب والسبى فى القيروان.
وكان القائم قد بعث يجمع العساكر من المسيلة وغيرها، فاجتمع له خلق كثير، فطرقهم أيوب بن أبى يزيد على حين غفلة فقتل منهم، وغنم أثقالهم، وسيّر جريدة إلى تونس، فأوقعوا بعسكر القائم، وتكررت الحرب بينهم، فانهزم أصحاب أبى يزيد، وقتلوا قتلا ذريعا، وأخذت أثقالهم، وانهزم أيوب إلى القيروان فى ربيع الأول، فعظم على أبى يزيد، وجمع على ابنه أيوب فسار (؟)، وتوالت بينه وبين أصحاب القائم الحروب إلى أن هزمت أصحاب القائم من عسكر أبى يزيد، ثم تجمعت عسكر القائم، وواقعت أصحاب أبى يزيد على قسنطينة، فانهزمت أصحاب أبى يزيد.
فجدّ حينئذ أبو يزيد فى أمره، وجمع العساكر، وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة، وبها جيش القائم، فحصرها حصرا شديدا، وعمل عليها الدبابات (٣)
стр. 126
والمنجنيقات (١)، وقتل من أهلها خلق كثير.
فلما كان فى شهر رمضان مات القائم، وقام من بعده ابنه المنصور، فكتم موت أبيه خوفا من أبى يزيد، وعمل المراكب وشحنها بالرجال، وسيّرها إلى سوسة، وسار بنفسه إليها، ثم عاد، وقدمت المراكب فواقعت أبا يزيد حتى انهزم هو وأصحابه، وأحرقوا خيامه، فدخل أبو يزيد إلى القيروان: وفرّ البربر على وجوههم، فمات أكثرهم جوعا وعطشا.
ومنع أهل القيروان أبا يزيد من دخول البلد، وحصروا عامله بها، فالتحق به، وأخذ أبو يزيد امرأته - أم أيوب -، وتبعه أصحابه بعيالاتهم على سببية، - وهى على يومين من القيروان - فنزلوها.
[و] سار المنصور إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال، وبعث فنادى فى الناس بالأمان، ورحل إلى القيروان لست بقين من شوال، فخرج إليه الناس فأمّنهم، ووجد بالقيروان حرما وأولادا لأبى يزيد، فحملهم [إلى المهدية] وأجرى عليهم الأرزاق.
وجمع أبو زيد العساكر، وبعث سريّة يتخبرون له، فأرسل إليهم المنصور سرية، فالتقوا واقتتلوا، وهزموا أصحاب المنصور، وبلغ الناس، ذلك فتسرعوا إلى أبى يزيد وكثر جمعه، وزحف إلى القيروان، فواقعه المنصور حتى ظفر، وباشر بنفسه القتال، وجعل يحمل يمينا وشمالا، والمظلة (٢) على رأسه كالعلم، ومعه نحو خمسمائة فارس، وأبو يزيد فى قدر
стр. 127
ثلاثين ألفا، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق، وبقى المنصور فى نحو عشرين فارسا وقصده أبو يزيد، فلما رآه شهر سيفه، وثبت مكانه، وحمل بنفسه على أبى يزيد، حتى كاد يقتله، فولى أبو يزيد هاربا، وقتل المنصور من أدرك منهم، وتلاحقت به العساكر، فقتل من أصحاب أبى يزيد خلقا كثيرا.
وكان يوما من الأيام المشهودة التى لم يكن فيما مضى من الأيام مثله، وعاين الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت مهابته فى قلوبهم.
ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذى القعدة، ثم عاد إليها غير مرّة، فلم يخرج إليه أحد، [و] نادى المنصور:
«من أتى برأس أبى يزيد فله عشرة آلاف دينار».
وأذن للناس فى قتال أبى زيد، فجرى قتال شديد انهزم فيه أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق، ثم عادوا فهزموا أصحاب أبى يزيد، وافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض، وكثرت القتلى من الفريقين، وعادت الحرب بينهما غير مرة، وأبو يزيد يبعث السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة.
ثم إنه بعث إلى المنصور يسأل حرمه وعياله الذين خلّفهم بالقيروان وأخذهم المنصور، ليدخل فى طاعته، على أن يؤمنه وأصحابه، وحلف على ذلك بأغلظ الأيمان، فسيّر إليه المنصور عياله مكرمين، بعد أن وصلهم وكساهم، فلما وصلوا إليه نكث، وقال:
«انما وجّههم خوفا منى».
[و] انقضت سنة أربع وثلاثين وهم على حالهم.
ففى خامس المحرم سنة خمس وثلاثين زحف أبو يزيد، وركب المنصور، وكان بينهما قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور، وحمل عليها، وجعل يضرب فيهم، فانهزموا بعد أن قتل خلق كثير.
فلما انتصف المحرم عبّى المنصور عسكره، فجعل على ميمنته أهل إفريقية، وعلى ميسرته كتامة، وركب فى القلب ومعه عبيده وخاصته، فوقع بين الفريقين قتال شديد،
стр. 128
وحمل أبو يزيد على ميمنة المنصور فهزمها، ثم حمل على القلب فوقع إليه المنصور، وقال:
«هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى».
وحمل فيمن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، وأخذت السيوف أصحابه، فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وفرّ أبو يزيد على وجهه، وقد قتل من أصحابه ما لا يحصى كثرة، حتى أن الذى أخذه أطفال أهل القيروان خاصة من رءوس القتلى عشرة آلاف رأس.
وأقام المنصور يتجهز، ثم رحل أواخر ربيع الأول، فأدرك أبا يزيد، ففرّ منه فتبعه، وصار كلما قصد أبو يزيد موضعا يتحصن فيه يسبقه المنصور إليه، واستأمن بعض أصحابه فأمّنه المنصور، واستمر الهرب بأبى يزيد حتى وصل إلى جبل البربر - وأهله على مذهبه -، وسلك الرمال، فاجتمع معه خلق كثير، وواقع عسكر المنصور، فهزم الميمنة، وحمل عليه المنصور بنفسه فانهزم، وتبعه المنصور إلى جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فمنعت الأدلاء المنصور من سلوك تلك الأرض، وقالوا إنه لم يسلكها جيش قط.
واشتدّ الأمر على عسكر المنصور، فبلغ عليق كلّ دابة دينارا ونصفا، وبلغت قربة الماء دينارا، هذا وما وراء ذلك رمال وقفار وبلاد السودان التى ليس فيها عمارة، وقيل للمنصور:
«إن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل بالسيف».
فلما سمع المنصور ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة، فاتصل به الأمير زيرى بن مناد الصنهاجى، بعساكر صنهاجة، فأكرمه المنصور، وأتته الأخبار بموضع أبى يزيد من الرمال.
ونزل بالمنصور مرض شديد أشفى منه، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثانى رجب، فإذا أبو يزيد قد سبقه إليها لما سمع بمرض المنصور وهو يحاصرها، فلما علم بالمنصور هرب منه يريد بلاد السودان، فخذعه بنو كملان - هم وهوارة - ومنعوه من ذلك، وأصعدوه إلى جبال كتامة وغيرهم فتحصن بها، واجتمع إليه أهلها، وصاروا ينزلون ويتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، فلم ينزل أبو يزيد، فلما أخذ المنصور فى العود، نزل أبو يزيد إلى ساقة العسكر، فرجع المنصور، ووقعت الحرب، فانهزم أبو يزيد، وأسلم أصحابه وأولاده، وأدركه فارسان فعقرا فرسه، فسقط عنه، فأركبه بعض أصحابه،
стр. 129
وأدركه الأمير زيرى فطعنه وألقاه، وكثر عليه القتال حتى خلّصه أصحابه، وخلصوا به، وتبعهم المنصور فقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف.
وسار المنصور فى أثره أول رمضان، فاقتتلوا أشد قتال، ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته، ثم انهزم أبو يزيد، وطلع أصحابه على رءوس الجبال يرمون بالصخر، واشتد الأمر حتى تؤاخذوا بالأيدى، وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء، وافترقوا على السواء.
والتجأ أبو يزيد إلى قلعة [كتامة وهى] (١) منيعة فاحتمى بها، وأقبلت هوّاره وأكثر من مع أبى يزيد يطلبون الأمان، فأمّنهم المنصور، وسار فحصر القلعة، وفرّق جنده حولها، فناشبه أبو يزيد القتال، وزحف إليها المنصور غير مرّة حتى ملك بعض أصحابه مكانا من القلعة، وألقوا فيها النيران، فانهزم أصحاب أبى يزيد، وقتلوا قتلا ذريعا، وامتنع أبو يزيد وأولاده فى قصر بالقلعة ومعه أعيان أصحابه، فاجتمع أصحاب المنصور، وأحرقوا شعارى الجبل حتى لا يهرب أبو يزيد فصار الليل كالنهار.
فلما كان آخر الليل خرج أصحاب أبى يزيد وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا على الناس حملة منكرة، فأفرجوا له، ونجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، فأخذوا وأخبروا بخروج أبى يزيد، فأمر المنصور بطلبه، وقال:
«ما أظنه إلا قريبا منا».
فبينما هم كذلك إذ جاء الخبر أن ثلاثة من أصحاب أبى يزيد حملوه من المعركة لقبح عرجه، فذهب لينزل من الوعر فسقط فى مكان صعب، فأخذ وحمل إلى المنصور يوم الأحد لخمس بقين من المحرم، وبه جراحات، فلما رآه سجد شكرا لله. وقدم به والناس يكبرون حوله، فأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة؛ فمات من جراح كانت به، فأمر [المنصور] بادخاله فى قفص عمل له، وجعل معه قردين يلعبان عليه، وأمر بسلخ جلده، وحشاه تبنا، وكتب إلى سائر البلاد بالبشارة.
стр. 130
وخرج عليه - بعد أبى يزيد - عدة خوارج، فظفر بهم المنصور.
ثم عاد المنصور إلى المهدية فى شهر رمضان سنة ست وثلاثين.
وكانت وفاة القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدى لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
وقام بالأمر من بعده ابنه أبو الطاهر إسماعيل المنصور بنصر الله، وكتم موته خوفا أن يعلم أبو يزيد، فإنه كان على سوسة قريبا منه، فأبقى الأمور على حالها، ولم يتسمّ بالخليفة، ولا غيّر السكّة ولا الخطبة ولا البنود، وبقى كذلك حتى فرغ من أمر أبى يزيد، فلما فرغ منه أظهر موت أبيه، وتسمّى بالخلافة، وعمل آلات الحرب.
ويقال إن القائم لم يرق سريرا، ولا ركب دابة صيد منذ أفضى إليه الأمر حتى مات، وإنه صلّى مرّة على جنازة، وصلّى مرة العيد بالناس.
وكانت مدة خلافته ثنتى عشرة سنة، وسبعة أشهر، واثنى عشر يوما.
وعمره ثمانيا وخمسين سنة، وقيل أربعا وخمسين سنة، وتسعة أشهر، وستة أيام.
وأولاده:
أبو الطاهر إسماعيل.
وأبو عبد الله جعفر - ومات فى أيام (١) المعز -
وحمزة، وعدنان، وأبو كنانة - قبضوا بالمغرب - ويوسف - مات ببرقة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة -
وعبد الجبار - توفى بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة -
وأربع بنات.
وترك سبع سرارى.
стр. 131
وكانت قضاته:
إسحاق بن أبى المنهال، ثم مات، فولى أحمد بن يحيى - وقتله أبو يزيد لما فتح إفريقية فى صفر سنة ثلاث وثلاثين -، ثم أحمد بن الوليد.
ونقش خاتمه: «بنصر الدائم، ينتصر الإمام أبو القاسم».
وقال فيه أيوب بن إبراهيم:
يا ابن الإمام المرتضى، وابن الو … صىّ المصطفى، وابن النبىّ المرسل
الله أعطاك الخلافة واهبا … ورآك للإسلام أمنع معقل
نلت الخلافة، وهى أعظم رتبة … نيلت، وليست من علاك بأفضل
فمنعت حوزتها، وحطت حريمها … بالمشرفيّة والوشيج الذّبّل
وقال خليل بن إسحاق لما بعثه لقتال أبى يزيد:
وما ودّعت خير الخلق طرّا … ولا فارقته عن طيب نفس
ولكنّى طلبت به رضاه … وعفو الله يوم حلول رمس
فعاش مملّكا ما لاح نجم … على الثّقلين من جنّ وإنس
стр. 132
المنصور بنصر الله أبو الطاهر اسماعيل ابن محمد القائم بن عبيد [الله] المهدى
ولد بالمهدية فى أول ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل ولد بالقيروان (١) فى سنة اثنتين وثلاثمائة، وقيل بل فى سنة إحدى وثلاثمائة.
وبويع له فى شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
وتوفى يوم الأحد الثالث وعشرين من شوال، وقيل يوم الجمعة مع الظهر سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسترت وفاته إلى يوم الأحد سابع ذى الحجة منها.
وكان له من العمر إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر.
وكانت ولايته الخلافة - بعد أبيه - ثمانى سنين، وقيل: سبع سنين وعشرة أيام، وقيل: كان عمره تسعا وثلاثين سنة.
وكان فصيحا بليغا خطيبا حاد الذهن، حاضر الجواب، بعيد الغور، جيد الحدس، يخترع الخطبة لوقته؛ وأحواله التى تقدم ذكرها مع أبى يزيد وغيره تدل على شجاعته وعقله.
قال أبو جعفر أحمد بن محمد المروروذى (٢):
«كنت مع المنصور فى اليوم الذى أظهره الله بمخلد بن كيداد أبى يزيد، وهزمه، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقبلت يده، ودعوت له بالنصر والظفر، فأمرنى بالركوب - وقد جمع عليه سلاحه وآلة حربه، وتقلد سيف جده ذا الفقار، وأخذ بيده رمحين - فحدثته ساعة، فجال به الفرس، وردّ أحدهما إلى يده اليسرى، فسقط إحدى الرمحين من يده إلى الأرض،
стр. 133
فتفاءلت له بالظفر، ونزلت مسرعا، فرفعت الرمح من الأرض، ومسحته بكمى، فرفعته إليه، وقبلت يده، وقلت:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
فأخذ المنصور الرمح من يدى وقال:
«هلاّ قلت ما هو خير من هذا وأصدق؟».
قال، قلت: «وما هو؟».
قال: قال الله : «وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ؛ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ اِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ (١)».
قال: فقلت: «يا مولانا: أنت ابن رسول الله ﷺ ، وإمام الأمة، عليكم نزل القرآن، ومن بيتكم درجت الحكم، فقلت أنت بما عندك من نور النبوة، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته بكلام العرب وأهل الشعر».
وكان الأمر كما قال، فما هو إلا أن أشرف على عسكر أبى يزيد حتى ضرب الله فى وجوههم، فقتلوا، وأحرق عسكرهم وخيامهم بالنار، وولى أبو يزيد فى بقية أصحابه خائبين إلى داخل المغرب.
ولما صارت الخلافة إلى المنصور فى الشهر الذى توفى أبوه فيه، لم يغيّر السكة ولا البنود، وأقام على ذلك إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فأظهر موت أبيه بعد أن ظفر بأبى يزيد.
وكان سبب موته: أنه خرج إلى سفاقس (٢) وتونس، ثم إلى قابس (٣)، وبعث يدعو
стр. 134
أهل جربة (١) إلى الطاعة فأجابوه، وأخذ منهم رجالا وعاد، وكانت سفرته شهرا.
وعهد إلى ابنه معدّ وجعله ولى عهده.
فلما كان شهر رمضان سنة إحدى وأربعين خرج متنزها إلى مدينة جلولاء (٢) - وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يحمل الجمل منه غير أربع أترجّات لعظمه - فحمل منه إلى قصره، وكانت له حظيّة (٣) يحبها، فلما رأت الأترج استحسنته، وأحبت أن تراه فى أغصانه، فأجابها إلى ذلك، ورحل بها فى خاصته، وأقام بها أياما ثم عاد إلى المنصورية، فأصابه فى الطريق ريح شديد، وبرد ومطر أقام أياما، وكثر الثلج، فمات جماعة ممن معه.
واعتلّ المنصور علّة شديدة، ووصل المنصورية، فأراد عبور الحمام فنهاه طبيبه إسحاق ابن سليمان الإسرائيلى عن ذلك، فلم يقبل، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر، فاشتد ذلك على المنصور وقال لبعض خواصه:
«أما فى القيروان طبيب غير إسحاق؟»
فأحضر إليه شاب من الأطباء يقال له: «أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبى خالد بن الجزار»، فجمع له أشياء مخدّرة (٤)، وكلّفه شمّها، فنام، وخرج وهو مسرور بما فعله، فجاء إسحاق ليدخل على المنصور، فقيل له إنه نائم، فقال: «إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات»، فدخلوا عليه فإذا هو ميّت، فدفن فى قصره.
وأرادوا قتل ابن الجزار الذى صنع له المنوّم، فقام معه إسحاق، وقال:
стр. 135
«لا ذنب له، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرّفتموه، وذلك أننى فى معالجته أقصد تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات».
وكان نقش خاتمه: «بنصر الباطن الظاهر، ينتصر الإمام أبو الطاهر».
وكان يشبّه بأبى جعفر المنصور - من خلفاء بنى العباس - لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت (١) عليه الحروب، وكاد يسلّ من الخلافة، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف.
وأولاده:
أبو تميم المعز لدين الله:
وحيدرة - مات بمصر فى جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله -.
وهاشم - مات بمصر فى ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله -.
وطاهر - مات فى المحرم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بالمغرب -.
وأبو عبد الله الحسين - مات بالمغرب -.
وخمس بنات:
هبة، وأروى، وأسماء - متن بمصر أيام المعز لدين الله.
وأمّ سلمة - ماتت بمصر أيام العزيز بالله -.
ومنصورة - ماتت بالمغرب -.
وكان له أمهات أولاد ثلاث.
وقضاته:
أحمد بن محمد بن أبى الوليد.
стр. 136
ثم محمد بن أبى المنصور.
ثم عبد الله بن قاسم (١).
ثم على بن أبى سفيان.
ثم أبو محمد زرارة.
ثم أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمى.
وحاجبه: جعفر بن على.
стр. 137
المعز لدين الله أبو تميم معد ابن المنصور أبى الطاهر بن القائم أبى القاسم محمد ابن عبيد الله المهدى
قال: ولى الأمر بعد أبيه سلخ شوال - وقيل يوم الجمعة سابع عشر - سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
وأقام فى تدبير الأمور إلى سابع ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأذن للناس فدخلوا عليه وقد جلس لهم، فسلّموا عليه بالخلافة، وكان عمره أربعا وعشرين سنة.
ومولده بالمحمدية على أربع ساعات وأربع أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادى عشر من رمضان سنة تسع (١) عشرة وثلاثمائة.
ومدة أيامه ثلاث وعشرون سنة، وخمسة أشهر، وسبعة عشر يوما.
فلما كان فى سنة اثنتين وأربعين جالت عساكره فى جبل أوراس، وكان ملجأ كلّ منافق على الملوك، يسكنه بنو كملان ومليلة وبعض هوّارة، ولم يدخلوا فى طاعة من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وتقدّم إلى نوابه بالإحسان إلى البربر، فلم يبق منهم إلا من أتاه وشمله إحسان المعز، فعظم أمره.
وفى سنة سبع وأربعين عظم أمر أبى الحسين جوهر عند المعز، وعلا محله، وصار فى رتبة الوزارة، فسيّره فى صفر منها على جيش كثيف، فيهم الأمير زيرى بن مناد (٢) الصنهاجى
стр. 138
وغيره، فسار إلى تاهرت، وحارب قوما، وافتتح مدنا، ونهب وأحرق، وسار إلى فاس (١) فنازلها مدة، وسار إلى سجلماسة، وقد قام بها رجل (٢) وتلقب بالشاكر لله، وخوطب بأمير المؤمنين، ففرّ من جوهر فتبعه حتى أخذه أسيرا.
ومضى [جوهر] إلى البحر المحيط، فأمر أن يصاد من سمكه، وبعثه فى قلال الماء إلى المعز، وسلك ما هنالك من البلاد فافتتحها، ثم عاد فقاتل أهل فاس حتى افتتحها عنوة، وقبض على صاحبها، وجعله مع صاحب سجلماسة فى قفصين، وحملهما إلى المعز بالمهدية، وعاد فى أخريات السنة.
وفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كان إعذار (٣) المعز لدين الله الأمراء بنيه: عبد الله، وتزار، وعقيل؛ فحين عزم على طهورهم كاتب عمّاله وولاته من لدن برقة إلى أقصى سجلماسة، وما بين ذلك، وما حوته مملكته إلى جزيرة صقلية وما والاها، فى حضر وبدو، وبحر وبر، وسهل وجبل، بطهور من وجد من أولاد سائر الخلق، حرّهم وعبدهم، وأبيضهم وأسودهم، ودنيئهم وشريفهم، ومليهم وذميهم، الذين حوتهم مملكته، لمدة شهر، وتوعّد على ترك ذلك، وأمرهم بالقيام بجميع نفقاتهم وكسوتهم، وما يصلح أحوالهم من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغيره بمقدار رتبهم وأحوالهم، فكان من جملة المنفق فى ذلك مما حمل إلى جزيرة صقلية وحدها من المال - سوى الخلع والثياب - خمسون حملا من الدنانير، كلّ حمل عشرة آلاف دينار، ومثل ذلك إلى كل عامل من عمال مملكته ليفرقه على أهل عمله.
وابتدئ بالختان فى مستهل ربيع الأول منها، فكان المعز يطهر فى اليوم من أيام الشهر
стр. 139
بحضرته اثنا (١) عشر ألف صبى وفوقها ودونها، وختن من أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبى، وكان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق فى هذا الإعذار مائة وسبعين قنطارا (٢) بالبغدادى.
واستدعى المعز - وهو بالمنصورية - فى يوم شات باردة الريح عدّة شيوخ من شيوخ كتامة، وأمر بادخالهم إليه من غير الباب الذى جرى الرسم به، فإذا هو فى مجلس مربع كبير مفروش باللبود على مطارح، وحوله كساء، وعليه جبة، وحواليه أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب، وبين يديه مرفع ودواة، وكتب حواليه، فقال:
«يا إخواننا: أصبحت اليوم فى مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء - وإنها الآن بحيث تسمع كلامى -: أترى إخواننا يظنون أنا فى مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلّب فى المثقل (٣) والديباج (٤) والحرير والفنّك (٥) والسّمّور والمسك والخمر والغناء كما يفعل أرباب الدنيا؟!
ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالى إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم، وأنى لا أفضلكم فى أحوالكم إلا فيما لا بد لى منه من دنياكم، وبما خصّنى الله به من إمامتكم، وأنى مشغول بكتب ترد على من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطى، وأنى لا أشتغل بشئ من ملاذ الدنيا إلا بما صان أرواحكم، وعمّر بلادكم، وأذلّ أعداءكم، وقمع أضدادكم.
стр. 140
فافعلوا يا شيوخ فى خلوتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التجبر والتكبر، فينزع الله النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلىّ كتحننى عليكم، ليتصل فى الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل.
وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التى تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثير منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحائزكم (١)؛ فحسب الرجل الواحد الواحدة، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم.
واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرّب الله علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم. انهضوا رحمكم الله ونصركم».
وفى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمر [المعز] بحفر الآبار فى طريق مصر، وأن يبنى له فى كل منزلة قصر، ففعل ذلك.
وفى يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من السنة وردت النجب من مصر بموت كافور الإخشيدي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى (٢).
واستدعى [المعز] يوما أبا جعفر بن حسين بن مهذب - صاحب بيت المال - وهو بالمغرب، فوجده فى وسط القصر جالسا على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبددة فى صحن القصر، فقال له:
«هذه صناديق مال، وقد شذّ عنّى ترتيبها، فانظرها ورتبها».
قال: «فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يدىّ جماعة من خدام بيت المال والفراشين»، وأنفذت إليه أعلمه، فأمر برفعها فى الخرائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها، وتختم بخاتمه، وقال: «قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك» ففعل.
стр. 141
وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فأنفقها أجمع على العساكر التى سيّرها إلى مصر - فى سنتى ثمان وتسع وخمسين - مع القائد جوهر.
وكان رحيله فى رابع عشر ربيع الأول منها، ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح والخيل والعدد ما لا يوصف، فقدم جوهر إلى مصر، ووصلت البشارة بفتحها فى نصف رمضان سنة ثمان وخمسين، فسرّ المعز سرورا كثيرا وأنشده ابن هانئ قصيدة أولها:
يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ … فقل لبنى العباس: قد قضى الأمر
ولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبى عبد الله الحسن بن أحمد القرمطى - المعروف بالأعصم (١) - أنشده ابن هانئ قصيدة منها:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار، … فاحكم فأنت الواحد القهّار
وأنشد أيضا أخرى أولها:
وعلى (٢) أمير المؤمنين مظلّة … زاحمت تحت لوائها جبريلا
وفى سنتى ستين وإحدى وستين قال: ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف دينار.
ولما أنفذ جوهر إلى مصر، وبرز يريد المسير إلى مصر، بعث [المعز] خفيفا الصّقلبى - صاحب السّتر (٣) - إلى شيوخ كتامة، يقول:
стр. 142
«يا إخواننا: قد رأينا أن ننفذ رجالا من.؟؟؟ بلدان كتامة، يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا فى بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنا بها على ما نحن بسبيله».
فقال بعض شيوخهم لخفيف - وقد بلّغهم ذلك -:
«قل لمولانا: والله لا فعلنا هذا أبدا. كيف تؤدى كتامة الجزية، ويصير عليها فى الديوان ضريبة؟؟ وقد أعزّها الله قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم فى المشرق والمغرب؟».
فعاد خفيف بذلك إلى المعز، فأمر باحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه، فقال:
«ما هذا الجواب الذى صدر عنكم؟».
فقالوا: «نعم هو جواب جماعتنا، ما كنا يا مولانا بالذى يؤدى جزية تبقى علينا».
فقام [المعز] فى ركابه، وقال: «بارك الله فيكم، فهكذا أريد أن تكونوا، وإنما أردت أن أجربكم، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر، هل تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم؟ والآن سررتمونى بارك الله فيكم».
وكتب إلى جوهر - وهو بمصر - من الغرب:
«وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من بنى حمدان وصلت إليك كتبهم، يبذلون الطاعة، ويعدون بالمسارعة فى المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن تبتدئ أحدا من بنى حمدان بمكاتبة - ترهيبا له ولا ترغيبا -، ومن كتب إليك منهم فأجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه إليك؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا تمكّن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء، عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين، وليس لهم فيه نصيب؛ ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم فى الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم»
стр. 143
ولما عزم [المعز] على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب، فوقع اختياره على أبى أحمد جعفر بن على الأمير، فاستدعاه، وأسرّ إليه أنه يريد استخلافه بالمغرب، فقال:
«تترك معى أحد أولادك أو إخوتك جالسا فى القصر وأنا أدبّر، ولا تسألنى عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه (١) بازاء ما أنفقه؛ وإذا أردت أمرا فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه، لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسى».
فغضب المعز وقال:
«يا جعفر: عزلتنى عن ملكى، وأردت أن تجعل لى شريكا فى أمرى» واستبددت بالأموال والأعمال دونى، قم فقد أخطأت حظّك، وما أصبت رشدك».
فخرج.
واستدعى المعزّ يوسف بن زيرى الصنهاجى، وقال له:
«تأهب لخلافة المغرب»
فأكبر ذلك وقال:
«يا مولانا: أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله ﷺ ما صفا لكم المغرب، [فكيف] يصفو لى وأنا صنهاجى بربرى؟ قتلتنى يا مولاى بلا سيف ولا رمح».
ولم يزل به حتى أجاب وقال:
«يا مولانا: بشريطة أن تولى القضاء والخراج لمن تراه وتختاره، والخبر لمن تثق به، وتجعلنى أنا قائما بين أيديهم، فمن استعصى عليهم أمرونى به حتى أعمل فيه ما يجب، ويكون الأمر لهم وأنا خادم بين ذلك».
فحسن هذا من المعز [وشكره، فلما انصرف] (٢) قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن المهدى عبيد الله:
«يا مولانا: وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفى بما ذكره؟»
فقال [المعز]: «يا عمنا: كم بين قول يوسف وقول جعفر؟ واعلم يا عم أن الأمر الذى طلبه
стр. 144
جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، فإذا تطاولت المدة سينفرد بالأمر، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوى العقل، وهو نهاية ما يفعله من يترك دياره».
ووجّهت أمّ الأمراء من المغرب بصبيّة ربّتها لتباع فى مصر، فطلب الوكيل فيها ألف دينار، فجاءت امرأة شابة على حمار، فلم تزل حتى اشترتها منه بستمائة دينار، وقيل له يا مغربى: «هذه بنت الاخشيد اشترت الجارية تتمتع بها، وهى ست كافور».
فلما عاد أخبر المعز بذلك، فأمر بإحضار الشيوخ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر الجارية، ثم قال:
«يا إخواننا: انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشترى لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم».
فقالوا: «السمع والطاعة».
فقال: «خذوا فى حوائجكم، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله».
ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكّين (١) بن زيرى بألفى جمل من إبل زناتة، وحمل ما له بالقصور من الذخائر، وسبك الدنانير على شكل الطواحين، جعل على كل جمل قطعتين، فى وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى، فاستعظم ذلك الجند والرعيّة، وصاروا يقفون فى الطرق لرؤية بيت المال المحمول.
وخرج المعز من المغرب يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وخرج من المنصورية ومعه بلكّين - واسمه يوسف - إلى سردانية (٢) من بلاد إفريقية، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذى الحجة، وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة، وفوّض
стр. 145
إليه أمور البلاد، ما خلا جزيرة صقلية - فإنه ترك أمرها لحسن بن على بن أبى الحسين (١) -، وطرابلس وأعمالها.
وقال له:
«إن نسيت، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من إخوتك وبنى عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك؛ وافعل مع أهل الحاضرة خيرا».
وفارقه.
وكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والمعز، وكان المظفر يدلّ على المعز لأنه علّمه الخطّ وهو صغير، فاتفق أنه حرد يوما، فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها، فأخذ المعزّ نفسه بحفظ اللغات، فابتدأ بالبربرية فأحكمها، ثم بالرومية، ثم بالسودانية، ثم استدعى الصقلبية فمرّت به تلك الكلمة فيها، فإذا هى شتمة، فبقيت فى نفسه حتى قتلهما.
وبلغه - وهو بالمغرب - أمر الحرب من بنى حسن وبنى جعفر بن أبى طالب [بالحجاز]، وأنه قتل من بنى الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بنى جعفر، فأنفذ مالا ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا، وتحملوا الحمالات عنهما.
وكان فاضل القتلى لبنى حسن عند بنى جعفر سبعين قتيلا، فأدّى القوم ذلك إليهم، وعقدوا بينهم فى المسجد الحرام صلحا، وتحملوا دياتهم من مال المعز، وذلك فى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فصار ذلك جميلا عند بنى حسن للمعز، فلما دخل جوهر [مصر] بادر حسن بن جعفر الحسنى فملك مكة ودعا للمعز، وكتب إلى جوهر بذلك، فبعث بالخبر إلى المعز، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد الحرم وأعماله.