← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد كان اشتهر أمرهم بسلمية، وأيسروا، وصار لهم أملاك كثيرة، فبلغ خبرهم السلطان، فبعث فى طلبهم، ففرّ سعيد من سلمية يريد المغرب، وكان على مصر يومئذ عيسى النوشرى (١)، فدخل سعيد على النوشرى ونادمه، فبلغ السلطان خبره، وكان يتقصّى عنه، فبعث إلى النوشرى بالقبض عليه، فقرئ الكتاب وفى المجلس ابن المدبّر (٢)، وكان مؤاخيا لسعيد، فبعث إليه يحذّره، فهرب سعيد، وكبس النوشرى داره فلم يوجد، وسار إلى الاسكندرية، فبعث النوشرى إلى والى الاسكندرية بالقبض على سعيد، - وكان رجلا ديلميا يقال له على بن وهسودان. وكان سعيد خداعا، فلما قبض عليه ابن وهسودان قال: «إنى رجل من آل رسول الله». فرقّ له، وأخذ بعض ما كان معه وخلاّه، فسار حتى نزل سجلماسة - وهو فى زىّ

стр. 72

التجار - فتقرّب إلى واليها وخدمه، وأقام عنده مدة، فبلغ المعتضد (١) خبره، فبعث فى طلبه، فلم يقبض عليه والى سجلماسة؛ فورد عليه كتاب آخر، فقبض عليه وحبسه؛ وكان خبره قد اتصل بأبى عبد الله الداعى - الذى تقدم ذكر خروجه هو وأخوه إلى البربر -، فسار حينئذ بالبربر إلى سجلماسة، وقتل واليها، وأخذ سعيدا، وصار صاحب الأمر، وتسمى بعبيد الله، وتكنى بأبى محمد، وتلقب بالمهدى؛ وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق؛ ولم يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله الداعى، وتملك البربر، وقلع بنى الاغلب (٢) ولاة المغرب. قال: «فعبيد الله - الملقب بالمهدى -: هو [سعيد] (٣) بن الحسين بن أحمد بن عبد الله ابن ميمون القداح بن ديصان الثنوى الأهوازى، وأصلهم من المجوس». قال: أما سعيد هذا الذى استولى على المغرب، وتسمى بعبيد الله، فإنه كان بعد أبيه يتيما فى

стр. 73

حجر عمه - الملقب بأبى الشلعلع -، وكان على ترتيب الدعوة بعد أخيه، فرتب أمرها لسعيد؛ فلما هلك وكبر سعيد، وصار على الدعوة، وترتيب الدعاة والرئاسة، ظهر أمره، وطلبه المعتضد، فهرب إلى المغرب من سلمية. ويقال إنه ترسّم بالتعليم كى يخفى أمره، وكان يقول عن محمد أنه ربيب فى حجره، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر، وذلك لضعف أمره فى مبدئه، ولذلك يقال عن محمد ابن عبيد الله «يتيم المعلم». وزعم آخر أن عبيد الله كان ربيبا فى حجر بعض الأشراف، وكان يطلب الإمامة، فلما مات ادعى عبيد الله أنه ابنه؛ وقيل بل كان عبيد الله من أبناء السوقة صاحب علم». انتهى ما ذكره الشريف. قال: ولم يدّع سعيد هذا - المسمى عبيد الله - نسبا إلى على بن أبى طالب إلا من بعد هربه من سلمية، وآباؤه - من قبله - لم يدّعوا هذا النسب؛ وإنما كانوا يظهرون التشيع والعلم، وأنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنه حىّ لم يمت. وهذا القول باطل، وباطنهم غير ظاهرهم، وليس يعرف هذا القول إلا لهم؛ وهم أهل تعطيل وإباحة، وإنما جعلوا علاقتهم بآل رسول الله ﷺ بابا للخديعة والمكر. ولم يتم لسعيد أمر بالمغرب إلا أن قال: «أنا من آل رسول الله ﷺ » فتم له بذلك الحيلة والخديعة، وشاع بين الناس أنه علوى فاطمى من ولد إسماعيل بن جعفر، فاستعبدهم بهذا القول، وخفى أمر مذهبه عليهم إلا من كشف له من خاصته ودعاته فى تعطيل البارئ، والطعن على جميع الأنبياء، وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحريمهم، ومع ما كانوا يظهرون لم يكن لهم جسارة أن يذكروا لهم نسبا على منبر، ولا فى مجمع بين الناس، سوى ما يشيعون أنهم من آل رسول الله ﷺ بغير نسب ينتسبونه، تمويها على العامة.

стр. 74

ولم يكن أحد من السلاطين المتقدمين كاشفهم فى أمر نسبهم احتقارا منه بهم وببلدهم، ولبعد ما بينهم من المسافة، فجرى أمرهم على ما ذكرنا - منذ ملك سعيد المسمى بعبيد الله المغرب إلى أن جلس نزار بن معدّ يعنى العزيز - بمصر. ثم ملك فنّا خسرو (١) بن الحسن الديلمى بغداد، فقرّب ما بينهما من المسافة، فجمع العلويين ببغداد، وقال لهم: «هذا الذى بمصر يقول إنه علوى منكم». فقالوا: «ليس هو منا». فقال لهم. «ضعوا خطوطكم». فوضعوا خطوطهم أنه ليس بعلوى، ولا من ولد أبى طالب. ثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولا يقول له: «نريد نعرف ممن أنت؟».

стр. 75

فعظم ذلك عليه، فذكر أن قاضيه ابن النعمان (١) ساس الأمر، لأنه كان يلى أمر الدعوة والمكاتبة فى أمرها، فنسب نزارا إلى آبائه، وكتب نسبه، وأمر به أن يقرأ على المنابر، فقرئ على منبر جامع دمشق صدر الكتاب، ثم قال: نزار العزيز بالله بن معد المعز لدين الله، بن إسماعيل المنصور بالله، بن محمد القائم بأمر الله، ابن عبيد الله المهدى، بن الأئمة الممتحنين - أو قال المستضعفين - وقطع. ثم إن رسول فنّا خسرو سار راجعا، فقتل بالسم فى طرابلس، فلم يأتهم من بعده رسول، وهلك فنّا خسرو. وذكر (٢) أبو الحسين (٣) هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابى، وابنه غرس الدولة

стр. 76

محمد - فى تاريخهما - أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الحسين (١) ابن موسى بن محمد بن (١) إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، وابنه أبا القاسم عليا المرتضى (٢)، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم أبيات الشريف الرضى (٣) أبى الحسن محمد بن أبى أحمد الحسين التى أولها: ما مقامى على الهوان وعندى … مقول صارم، وأنف حمىّ وإباء محلّق بى عن الضّيم، … كما راغ طائر وحشىّ أىّ عذر له إلى المجد إن ذلّ … غلام فى غمده المشرفىّ أحمل الضيم (٤) فى بلاد الأعادى، … وبمصر الخليفة العلوىّ

стр. 77

من أبوه أبى، ومولاه مولا … ى، إذا ضامنى البعيد القصىّ لفّ عرقى بعرقه سيدا النا … س جميعا: محمد وعلىّ إنّ جوعى بذلك الربع شبع … وأوامى بذلك الظلّ رىّ مثل من يركب الظلام وقد أس … رى ومن خلفه هلال مضىّ (١) وقال الحاجب للنقيب أبى أحمد: «قل لولدك محمد: أىّ هوان قد أقام فيه عندنا؟ وأىّ ضيم لقى من جهتنا؟ وأىّ ذل أصابه فى مملكتنا؟ وما الذى يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ [ألم نوله النقابة؟] (٢) ألم نوله المظالم؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ ما نظنه كان يكون - لو حصل عنده - إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر». فقال النقيب أبو أحمد: «أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه، ولا رأيناه بخطه، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحله إياه، وعزاه إليه». فقال القادر: «إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح فى أنساب ولاة مصر، ويكتب محمد خطّه فيه». فكتب محضر بذلك، شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم: النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى. وحمل المحضر إلى الرضىّ ليكتب فيه خطّه، حمله أبوه وأخوه، فامتنع، وقال: «لا أكتب، وأخاف دعاة صاحب مصر».

стр. 78

وأنكر الشعر، وكتب بخطه أنه ليس بشعره، ولا يعرفه؛ فأجبره أبوه على أن يسطر خطّه فى المحضر، فلم يفعل، وقال: «أخاف دعاة المصريين وغلبتهم (١)، فإنهم معروفون بذلك». فقال أبوه: «يا عجبا! أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ، ولا تخاف من بينك وبينه مائة ذراع؟» وحلف أن لا يكلمه، وكذلك المرتضى، فعلا ذلك تقية وخوفا من القادر، وتسكينا له. فلما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة، وولاها محمد بن عمر النهرسابسى (٢).

стр. 79

وقال الإمام على بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الجزرى فى كتاب «الكامل فى التاريخ»! ذكر ابتداء الدولة العلوية بافريقية هذه الدولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدتها، فنحتاج نستقصى ذكرها، فنقول: أول من ولى منهم: أبو محمد عبيد الله، فقيل هو محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ ومن ينسبه هذا النسب يجعله: عبد الله بن ميمون القداح - الذى ينسب إليه القداحية -. وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثانى بن محمد بن إسماعيل بن جعفر - يعنى الصادق -، وقد اختلف العلماء فى صحة نسبه (١). فقال: - هو وأصحابه القائلون بإمامته - إن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه. وذهب كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضا، وشهد بصحة هذا القول ما قاله الشريف الرضىّ (٢). ما مقامى على الهوان؟ وعندى … مقول صارم، وأنف حمىّ ألبس الذلّ فى بلاد الأعادى! … وبمصر الخليفة العلوىّ؟ من أبوه أبى، ومولاه مولا … ى إذا ضامنى البعيد القصىّ لفّ عرقى بعرقه سيّدا النا … س جميعا: محمد وعلىّ إنّ ذلّى بذلك الحىّ عزّ، … وأوامى بذلك الرّبع رىّ

стр. 80

قال (أى ابن الأثير): إنما لم يودعها ديوانه خوفا، ولا حجة فيما كتبه فى المحضر المتضمن القدح فى أنسابهم، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنه قد ورد ما يصدّق ما ذكرته، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضى أبا بكر الباقلانى (١)، وأرسله إلى الشريف أبى أحمد الموسوى - والد الشريف الرضى - يقول له: «قد عرفت منزلك منا، وما لا نزال عليه من صدق الموالاة، وما تقدم لك فى الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليقة نرضاها، ويكون ولدك على ما يضادها؛ ولقد بلغنا أنه قال شعرا، وهو كذا وكذا، فيا ليت شعرى على أى مقام ذلّ أقام؟ وهو ناظر فى النقابة والحج - وهما من أشرف الأعمال - ولو كان فى مصر لكان كبعض الرعايا». وأطال القول. فحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك، وأحضر ولده، فقال له فى المعنى، فأنكر الشعر، فقال له: «اكتب خطّك إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أن نسب المصرى مدخول، وأنه مدّع فى نسبه». فقال: «لا أفعل». فقال أبوه: «أتكذبنى فى قولى؟»

стр. 81

فقال: «ما أكذّبك، ولكن أخاف الديلم، وأخاف من المصرى، ومن الدعاة التى له فى البلاد». فقال أبوه: «أتخاف من هو بعيد منك وتراقبه، وتسخط من أنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟». وتردد القول بينهما، ولم يكتب الرضىّ خطّه، فحرد عليه أبوه وغضب، وحلف أن لا يقيم معه فى بلد، فآل الأمر إلى أن حلف الرضىّ أنه ما قال هذا الشعر. واندرجت القصة على هذا. ففى (١) امتناع الرضىّ من الاعتذار، ومن أن يكتب طعنا فى نسبهم دليل قوىّ على صحة نسبهم. وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين عن نسبه فلم يرتابوا فى صحته. وذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح، وغلا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهوديا. وقد كتب فى الأيام القادرية محضر يتضمن القدح فى نسبه ونسب أولاده، وكتب فيه جماعة من العلويين (٢) وغيرهم: أن نسبه إلى أمير المؤمنين على - كرّم الله وجهه - غير صحيح. وزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب فى المحضر إنما كتبوا خوفا وتقية، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله. وزعم الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شدّاد بن تميم بن المعز بن باديس - صاحب تاريخ إفريقية والغرب - أن نسبه معرق فى اليهودية، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، وقد استقصى ذلك فى ابتداء دولتهم وبالغ.

стр. 82

وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه فى نسبه، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر، قال: «لما بعث الله محمدا ﷺ عظم ذلك على اليهود والنصارى والروم والفرس وسائر العرب، لأنه سفّه أحلامهم، وعاب أديانهم، فاجتمعوا يدا واحدة عليه، فكفاه الله كيدهم، وأسلم منهم من هداه الله، فلما قبض ﷺ نجم النفاق، وارتدّت العرب، وظنوا أن أصحابه يضعفون بعده، فجاهد أبو بكر ﵁ فى سبيل الله، فقتل مسيلمة وأهل الردّة، ووطّأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقض الإسلام، فاستخلف عمر بن الخطاب ﵁ فأذلّ فارس والروم، وغلب على ممالكهما، فدسّ عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنا منهم أن بقتله ينطفئ نور الإسلام، فولى عثمان ﵁، فزاد فى الفتوح، فلما قتل وولى على ﵁ قام بالأمر أحس قيام، فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا فى وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول فى دينهم، بأمور قد ضبطها المحدثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه. وكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبى زينب - مولى بنى أسيد (١)، وأبو شاكر، ميمون بن ديصان، وغيرهما، فألقوا إلى كل من وثقوا به أن لكل شيء من العبادات باطنا، وأن الله لم يوجب على أوليائه ومن عرف [من] الأئمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك، ولا حرّم عليهم شيئا، وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات، وقالوا: هذه قيود للعامة، وهى ساقطة عن الخاصة، وكانوا يظهرون التشيع لآل النبى ﷺ ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامة.

стр. 83

وتفرق أصحابهم فى البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا له: «إنا نخاف الجند» فقال لهم: «إن أسلحتهم لا تعمل فيكم». فلما ابتدءوا فى ضرب أعناقهم، قال له أصحابه: «ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل فينا؟» فقال: «إذا كان قد بدا لله فما حيلتى؟» وتفرقت هذه الطائفة فى البلاد، وتعلموا الشعبذة (١)، والنارنجيات (٢)، والنجوم، والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم، وعلى العامة بإظهار الزهد. ونشأ لابن ديصان ابن يقال له «أبو عبد الله القداح (٣)» علّمه الحيل، وأطلعه على أسرار هذه النحلة، فحذق وتقدم. وكان بنواحى أصبهان (٤) رجل يعرف بمحمد بن الحسين، ويلقب بدندان (٥)، يتولى

стр. 84

تلك المواضع، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه القداح، وعرّفه من ذلك ما زاد به محله، وأشار إليه أن لا يظهر ما فى نفسه ويكتمه، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة، فاستحسن قوله، وأعطاه مالا ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب، فسيّر دعاته إلى كور الأهواز، والبصرة، والكوفة، والطالقان (١)، وخراسان، وسلمية من أرض حمص. وتوفى القدّاح ودندان، فقام من بعد القدّاح ابنه أحمد، وصحبه انسان يقال له أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج (٢) بن حوشب بن زاذان النجار، من أهل الكوفة، وألقى إليه مذهبه فقبله، وسيّره إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد، ودعا الناس إلى المهدى، وأنه خارج

стр. 85

فى هذا الزمان، فنزل بعدن بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببنى موسى، فأظهر أمره، وقرّب أمر المهدى، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح. واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه، وكثر جمعهم، وعظم بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى من بالكوفة من ولد القداح هدايا عظيمة. وأوفدوا إلى المغرب رجلين: أحدهما الحلوانى، والآخر أبو سفيان (١)، وقالوا لهما: «إن المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثا حتى يجئ صاحب البذر». فسارا، ونزل أحدهما بأرض كتامة، فمالت قلوب أهل تلك النواحى إليهما، وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة وماتا، وكان من إرسال أبى عبد الله الشيعى إلى المغرب ما كان. فلما توفى عبد الله بن ميمون القداح ادّعى ولده أنه من ولد عقيل بن أبى طالب، وهم مع هذا يسترون أمرهم، ويخفون أشخاصهم. وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفى وخلّف ولده محمدا، ثم توفى محمد وخلّف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سلمية، وله بها ودائع من جهة جده عبد الله القداح، ووكلاء وغلمان. وبقى ببغداد من أولاد القداح أبو الشلعلع، وكان الحسين يدّعى أنه الوصىّ وصاحب الأمر، والدعاة باليمن المغرب يكاتبونه، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية،

стр. 86

فوصفوا له امرأة رجل يهودى حداد مات عنها زوجها [وهى فى غاية الحسن] (١) ولها ولد من الحداد يماثلها فى الجمال، فأحبها وحسن موقعها منه، وأحب ولدها، وأدّبه وعلمه، فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمة كبيرة، فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذى كان بسلمية - وهو الحسين - مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودى (٢) الحداد

стр. 87

- وهو عبيد الله -، وعلّمه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وتقدّم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنه الإمام والوصىّ، وزوّجه ابنة عمه أبى الشلعلع، وجعل لنفسه نسبا، وهو: عبيد الله بن الحسين بن على بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب. وبعض الناس يقول: إن عبيد الله هذا من ولد القداح». وقال [أى ابن الأثير]: هذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعرى، ما الذى حمل أبا عبد الله الشيعى وغيره ممن قام فى إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودى؟! وهل يسامح نفسه بهذا الأمر [من] يعتقده دينا يثاب عليه؟! قال: فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له: إنك ستهاجر بعدى هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة» فتوفى الحسين، وقام بعده عبيد الله، وانتشرت دعوته، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه. وشاع خبره عند الناس أيام المكتفى، فطلب، فهرب هو وولده أبو القاسم - الذى ولى بعده وتلقب بالقائم - وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب، وذلك أيام زيادة الله بن الأغلب.». انتهى ما ذكره ابن الأثير. قال المؤلف (١) - رحمة الله عليه -: وأما المحضر فنسخته: «هذا ما شهد به الشهود:

стр. 88

أن معدّ بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ينسب إلى ديصان بن سعيد الذى تنسب إليه الديصانية. وأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والخزى والدمار - ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله -. وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس - عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين - أدعياء خوارج، لا نسب لهم فى ولد على بن أبى طالب ﵁: وأن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل. وأن هذا الناجم فى مصر - هو وسلفه - كفّار، فساق، زنادقة، ملحدون، معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وأحلّوا الخمور، وسبّوا الأنبياء، وادعوا الربوبية». وفى آخره: «وكتب فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة». وقال العلامة أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون (١) فى كتاب: «العبر وديوان المبتدأ والخبر»: ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين فى العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت - صلوات الله عليهم - والطعن فى نسبهم إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، يعتمدون فى ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بنى العباس، تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم، وتفننا فى الشمات بعدوهم، حسب ما تذكر بعض هذه الأحاديث فى أخبارهم؛ ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات، وأدلة الأحوال التى اقتضت

стр. 89

خلاف ذلك من تكذيب دعواهم، والرد عليهم، فإنهم متفقون فى حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعا - بكتامة - للرضى من آل محمد، واشتهر خبره، وعلم تحويمه على عبيد الله المهدى، وابنه أبى القاسم خشيا على أنفسهما، فهربا من المشرق - محل الخلافة -، واجتازا بمصر. وأنهما خرجا من الاسكندرية فى زىّ التجار، ونمى خبرهما إلى عيسى (١) النوشرى - عامل مصر - فسرّح فى طلبهما الخيّالة، حتى إذا أدركا خفى حالهما على تابعهما بما لبسوا من الشارة والزىّ، فأقبلوا إلى المغرب. وأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة - أمراء إفريقية بالقيروان -، وبنى مدرار (٢) - أمراء سجلماسة - بأخذ الآفاق عليهما، وإذكاء العيون فى طلبهما، فعثر اليسع (٣) - صاحب سجلماسة ابن آل مدرار - على خفىّ مكانهما ببلده، واعتقلهما مرضاة للخليفة. هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان. ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقية والمغرب، ثم باليمن، ثم بالاسكندرية، ثم بمصر والشام والحجاز؛ وقاسموا بنى العباس فى ممالك الإسلام شق الأبلمة (٤)، وكادوا (٥) يلجون عليهم مواطنهم، ويديلون من أمرهم.

стр. 90

ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيرى (١) - من موالى الديلم المتغلبين على خلفاء بنى العباس - فى مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم، وخطب لهم على منابرها حولا كاملا. وما زال بنو العباس يغصّون بمكانهم ودولتهم، وملوك بنى اميه - وراء البحر - ينادون بالويل والحرب منهم. وكيف يقع هذا كله لدعىّ فى النسب، يكذب فى انتحال الأمر؟! واعتبر حال القرمطى إذ كان دعيّا فى انتسابه، كيف تلاشت دعوته، وتفرّق اتباعه، وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم، فساءت عاقبتهم، وذاقوا وبال أمرهم، ولو كان أمر العبيدين كذلك لعرف ولو بعد مهلة. (٦ - ب) فمهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس تعلم فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا مقام إبراهيم ومصلاه، وموطن الرسول ومدفنه، وموقف الحجيج، ومهبط الملائكة، ثم انقرض أمرهم وشيعتهم فى ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم (٢)، والحب فيهم، واعتقادهم ينسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق. ولقد خرجوا مرارا - بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها - داعين إلى بدعتهم، هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم، يزعمون استحقاقهم للخلافة، ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الأئمة، ولو ارتابوا فى نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار فى الانتصار لهم، فصاحب البدعة لا يلبس [فى] أمره، ولا يشبه فى بدعته، ولا يكذب نفسه فيما ينتحله.

стр. 91

والعجب فى القاضى أبى بكر الباقلانى - شيخ النظار من المتكلمين - يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة، ويرى هذا الرأى الضعيف، فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد فى الدين، والتعمق فى الرافضية، فليس ذلك بدافع فى صدد بدعتهم، وليس إثبات منتسبهم بالذى يغنى عنهم من الله شيئا فى كفرهم، وقد قال تعالى لنوح ﵇ فى شأن ابنه: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (١) [و] قال ﷺ لفاطمة يعظها: «يا فاطمة: اعملى، فلن أغنى عنك من الله شيئا». ومتى عرف امرؤ قضية، أو استيقن أمرا، وجب عليه أن يصدع به «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (٢). والقوم كانوا فى مجال لظنون الدول بهم، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم، وانتشارهم فى القاصية بدعوتهم، وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى، فلاذت رجالاتهم بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون. كما قيل: فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت … وأين مكانى؟ ما عرفن مكانى حتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام - جد عبيد الله المهدى - بالمكتوم، سمّته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم، فتوصّل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن فى نسبهم، وازدلفوا بهذا الرأى الفائل (٣) إلى المستضعفين من خلفائهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم، المتولون لحروبهم مع الأعداء، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتاميين - شيعة العبيديين وأهل دعوتهم -، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة، منهم:

стр. 92

الشريف الرضى (١). وأخوه المرتضى (٢). وابن البطحاوى. ومن العلماء: أبو حامد الاسفرايينى (٣). والقدورى (٤). والصميرى (٥).

стр. 93

وابن الاكفانى (١). والأبيوردى (٢). وأبو عبد الله بن النعمان (٣) - فقيه الشيعة -. وغيرهم من أعلام الأئمة ببغداد، فى يوم مشهود وذلك سنة اثنتين وأربعمائة فى أيام القادر؛ وكانت شهادتهم فى ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وغالبها شيعة بنى العباس، الطاعنون فى هذا النسب، فنقله الأخباريون - كما سمعوه -، ورووه - حسبما وعوه -، والحق من ورائه. وفى كتاب المعتضد - فى شأن عبيد الله - إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد، وأوضح دليل على صحة نسبهم، فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع، وتلتمس فيه ضوال الحكم، وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار، وما نفق فيها نفق عند الكافة، فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والأفن والشقشقة، وسلكت النهج الأمم، ولم تجر عن قصد السبيل، نفق بأسواقها الإبريز الخالص، واللجين المصفى، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود، وماجت

стр. 94

بسماسرة البغى والباطل، نفق البهرج (١) والزائف، والناقد البصير قسطاس نظره، وميزان بحثه وملتمسه» (٢). قال (أى ابن خلدون): «وكان الإسماعيلية من الشيعة يذهبون إلى أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده، وأن الإمام بعده ابنه محمد المكتوم، وبعده ابنه جعفر المصدق، وبعده ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلو فى دعاويهم فى هؤلاء الأئمة. وكان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهور أمره والظفر بدولته. وكان باليمن من هذا المذهب كثير بعدن فى قوم يعرفون ببنى موسى؛ وكذلك كان بإفريقية من لدن جعفر الصادق بمرماجنة، وفى كتامة، وفى نفزة (٣) وسماتة، تلقوا ذلك من الحلوانى (٤) وابن بكار (٥) - داعيتى جعفر الصادق -، وقدم على جعفر بن محمد - والد عبيد الله -

стр. 95

من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة، يعرف بعلى بن الفضل، فأخبره بأخبار اليمن، فبعث معه أبا القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب الكوفى - من رجالات الشيعة -، وقال له: «ليس لليمن إلا أنت»، فخرجا من القادسية سنة ثمان وستين ومائتين، ودخلا اليمن، على حين انخلع محمد بن يعفر (١) من الملك، وأظهر التوبة، فدعوا للرضى من آل محمد، وظهرت الدعوة سنة سبعين، وتسمى أبو القاسم بالمنصور، وابتنى حصنا بجبل لاعة (٢)، وزحف بالجيوش، وفتح مدائن اليمن، وملك صنعاء، وأخرج بنى يعفر، وفرّق الدعاة فى اليمن والبحرين، واليمامة، والسند، والهند، ومصر والمغرب. وكان أبو عبد الله المحتسب داعى المغرب، وأصله من الكوفة، واسمه الحسين بن أحمد ابن محمد بن زكريا، من رام هرمز (٣) وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة، وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد. ويعرف أبو عبد الله بالمعلم، كان يعلّم الناس مذهب الإمامية الباطنية، واتصل بالإمام محمد بن جعفر، ورأى أهليته، فأرسله إلى ابن حوشب - صاحب اليمن -، وأمره بامتثال أمره، والاقتداء بسيرته، ثم يذهب بعدها إلى المغرب، ويقصد بلد كتامة، فلما بلغ إلى ابن حوشب لزمه، وشهد مجالسه، وأفاد علمه، ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة حتى أتى الموسم، ولقى به رجالات كتامة واختلط بهم، ووجد لديهم بذرا من ذلك المذهب - كما قدمنا -، فاشتملوا عليه، وسألوه الرحلة فارتحل معهم إلى بلدهم، ونزل بها، وجاهر

стр. 96

بمذهبه، وأعلن إمامة أهل البيت، ودعا للرضى من آل محمد - على عادة الشيعة -، وأطاعته قبائل كتامة بعد فتن وحروب، ثم اجتمعوا على تلك الدعوة. ثم هلك الإمام محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أن عهد لابنه عبيد الله المهدى، وشاع خبر دعاته باليمن وإفريقية، وطلبه المكتفى، وكان يسكن عسكر مكرم، فانتقل إلى الشام، ثم طلب ففر بنفسه وبابنه أبى القاسم - وكان غلاما حدثا -، وبلغ مصر، وأراد قصد اليمن، فبلغه أن على بن المفضل أحدث فيها الأحداث من بعد ابن حوشب، وأساء السيرة، فكره دخول اليمن، واتصل به شأن أبى عبد الله، وما فتح الله عليه بالمغرب، فاعتزم على اللحاق به؛ وسرّح عيسى النوشرى - عامل مصر - فى طلبه، وكانوا خرجوا من الإسكندرية فى زىّ التجار، فلما أدركت الرفقة خفى حالهم، بما اشتبه من الزى، فأفلتوا إلى المغرب». انتهى كلام ابن خلدون ﵀ قال المؤلف - رحمة الله عليه -: وأنت إذا سلمت من العصبية والهوى، وتأملت ما قد مرّ ذكره من أقوال الطاعنين فى أنساب القوم علمت ما فيها من التعسف والحمل مع ظهور التلفيق فى الأخبار، وتبيّن لك منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله، ويشهد الحسّ السليم بكذبه، فإنه قد ثبت أن الله تعالى لا يمد الكذاب المفتعل بما يكون سببا لانحراف الناس إليه، وطاعتهم له على كذبه. قال تعالى عن نبيه محمد ﷺ ؛ «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» (١). وقال تعالى فى الدلالة على صدقه: «أَ فَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ» (٢). وقد علم أن الكذب على الله تعالى، والافتراء عليه فى دعوى استحقاق الخلافة النبوية على الأمة، والإمامة لهم شرعا بكونه من ذرية رسول الله ﷺ وآل بيته، من

стр. 97

أعظم الجنايات، وأكبر الكبائر، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر من تعاطى ذلك واجترأ عليه، ثم يمده فى ظهوره بمعونته، ويؤيده بنصره حتى يملك أكثر مدائن الإسلام، ويورثها بنيه من بعده، وهو تعالى يراه يستظهر بهذه النعم الجليلة على كذبه، ويفتن بمخرقته العباد، ويحدث بباطله الفتن العظيمة والحروب المبيدة فى البلاد، ثم يخليه - تعالى - وما تولى من ذلك بباطله من غير أن يشعره شعار الكذابين، ويحلّ به ما من عادته تعالى أن يحلّ بالمفسدين، فيدمره وقومه أجمعين. كما لا يليق بحكمته تعالى أن يخذل من دعا إلى دينه، وحمل الكافة على عبادته، ولا يؤيده على إعلاء كلمته، بل يسلمه فى أيدى أعداء دينه المجاهرين بكفرهم وطغيانهم، حتى يزيدهم ذلك كفرا إلى كفرهم، وضلالا إلى ضلالهم، فإنّ فعله هذا بالصادق فى دعائه إليه تعالى كتأييده الكاذب فيها سواء، بل الحكمة الإلهية والعادة الربانية، وسنة الله التى قد خلت فى عباده، اقتضت أنه تعالى إذا رأى الكذاب يستظهر بالمحافظة على التنمس بالباطل، ويتوصل إلى إقامة دولته بالكذب، ويحيلها بالزور فى ادعائه نسبا إلى رسول الله ﷺ غير صحيح، وصرفه الناس عن طاعة بنى العباس - الثابتة أنسابهم، المرضية سيرتهم، العادلة بزعمهم أحكامهم ومذاهبهم - أن يحول بينه وبين همه بذلك، ويسلبه الأسباب التى يتمكن بها من الاحتراز، ويعرضه لما يوقعه فى المهالك، ويسلك به سبيل أهل البغى والفساد. فلما لم يفعل ذلك بعبيد الله المهدى، بل كتب تعالى له النصر على من ناوأه، والتأييد بمعونته على من خالفه وعاداه، حتى مكّن له فى الأرض، وجعله وبنيه من بعده أئمة، وأورثهم أكثر البسيطة، وملّكهم من حدّ منتهى العمارة فى مغرب الشمس إلى آخر ملك مصر، والشام، والحجاز، وعمان، والبحرين، واليمن، وملّكهم بغداد وديار بكر مدة، ونشر دعوتهم إلى خراسان، ونصرهم على عدوهم أىّ نصر، تبيّن أن دعواهم الانتساب إلى رسول الله ﷺ صحيحة، وهذا دليل يجب التسليم له. وقد روى موسى بن عقبة أن هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن رسول الله ﷺ كان مما قاله له: «أتراه كاذبا أو صادقا؟» قال أبو سفيان: «بل هو

стр. 98

كاذب»، قال هرقل: «لا تقولوا ذلك. فإن الكذب لا يظهر به أحد، «وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ» (١). وقد نقل عن أئمة أهل البيت ﵈ الإشارة إلى أمر عبيد الله المهدى، فمن ذلك: أن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سئل عن ظهور القائم متى يكون؟ فقال: «إن ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى الأرض، رأسه بالمغرب، وأسفله بالمشرق». وكذلك كان بداية أمر المهدى عبيد الله، فإنه ابتدأ من المغرب، وانتهى أمره على يد بنيه إلى المشرق، فإنه ظهر بسجلماسة - فى ذى الحجة سنة تسعين ومائتين -، وهى أقصى مسكون المغرب، ودعا للمستنصر ببغداد فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. وكان علىّ بن محمد بن على بن موسى الكاظم يقول: «فى سنة أربع وخمسين ومائتين ستكشف عنكم الشدة، ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة اثنتين وأربعين؛ يشير بذلك إلى أن البداية من تاريخ وقته، فيكون المراد سنة ست وتسعين ومائتين، وفى ذى الحجة منها كان ظهور الإمام المهدى بالله - رحمة الله عليه (٢) -.

стр. 99

ذكر ما كان من ابتداء الدولة الفاطمية إلى أن بنيت القاهرة «وذلك أن أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشعيى، سار إلى أبى القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن ذاذان الكوفى باليمن، وصحبه وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر، فلما ورد على ابن حوشب موت الحلوانى ورفيقه بالمغرب، قال لأبى عبد الله الشيعى: «إن أرض كتامة (١) من المغرب قد حرثها الحلوانى وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك». فخرج أبو عبد الله إلى مكة، وقد أعطاه ابن حوشب مالا، فلما قدم مكة سأل عن حجاج كتامة، فأرشد إليهم، واجتمع بهم، ولم يعرّفهم قصده، وذلك أنه جلس قريبا منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل آل البيت، فاستحسن ذلك، وحدّثهم فى معناه، فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم فى زيارته، فأذن لهم، وسألوه أين مقصده؟ فقال: مصر، ففرحوا بصحبته، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبة، وخدموه. وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية؛ فقالوا: «ما له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام».

стр. 100

قال: أتحملون السلاح؟ قالوا: «هو شغلنا» ولم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر، فلما أراد وداعهم قالوا له: «أىّ شيء تطلب بمصر؟» قال: «أطلب التعليم بها» قالوا: «إذا كنت تقصد هذا، فبلادنا أنفع لك، ونحن أعرف بحقك» ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم. فلما قاربوا بلادهم لقيهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره، فرغبوا فى نزوله عندهم، وأقرعوا فيمن يضيفه منهم. ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين، فسأله قوم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: «أين يكون فجّ الأخيار؟» فعجبوا من ذلك، ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: «عند بنى سليمان». فقال: - إليه نقصد، ثم نأتى كلّ قوم منكم فى ديارهم، ونزورهم فى بيوتهم» فأرضى بذلك الجميع.

стр. 101

وسار إلى جبل يقال له «إيكجان (١)»، وفيه «فجّ الأخيار»، فقال: «هذا فجّ الأخيار، وما سمى إلا بكم، ولقد جاء فى الآثار: للمهدى هجرة تنبو عن الأوطان، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم اسمهم مشتق من الكتمان، وبخروجكم فى هذا الفج سمى فجّ الأخيار». فتسامعت القبائل، وأتاه البرابر من كل مكان، فعظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر فى ذلك اسم المهدى، فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله، فمنعه الكتاميون من المناظرة، وكان اسمه عندهم «أبا عبد الله المشرقى» وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب - أمير إفريقية -، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة (٢) ليسأله عن أمره، فصغّره عنده، وذكر أنه يلبس الخشن، ويأمر بالخير والعبادة، فسكت عنه. ثم إن أبا عبد الله قال للكتاميين. أنا صاحب البذر الذى ذكر لكم أبو سفيان والحلوانى. فازدادت محبتهم له، وتعظيمهم لأمره، فلما ظهر لأهل المغرب علمه وفضله، قال أحد الأولياء لأصحابه: «لولا واحدة كان الحلوانى يقولها ما تخالجنى الشك فى أن هذا الرجل هو الذى كان الحلوانى يبشّر به».

стр. 102

قالوا: «وما هى؟ قال: «كان إذا وصفه قال: فى فيه إصبع» فبلغ ذلك أبا عبد الله فتبسم وقال: «هذا لا يكون» فلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع هذا القول، واشترط عليهم الكتمان، وضع إصبعه على فيه وقال: «هذا هو الإصبع الذى كان يقوله الحلوانى، أمركم بالصمت والكتمان، فأما أن يكون فى فم رجل إصبع فلا» فقالوا «كذلك والله هو» وتفرقت البرابر وكتامة بسببه، وأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال شديد، واتصل الخبر بالحسن بن هارون - من أكابر كتامة - فأخذ أبا عبد الله إليه، ودافع عنه، ومضى به إلى مدينة تاصروت، فأتته القبائل من كل مكان، وعظم شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هارون، وسلّم إليه أبو عبد الله أعنّة الخيل، وظهر من الاستتار، وشهد الحروب، فكان الظفر له، وغنم الأموال، وخندق على مدينة تاصروت، وقد زحفت إليه قبائل المغرب، فاقتتلوا عدة مرار، كان له فيها الظفر، وصار إليه أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة، وزحف إلى مدينة ميلة، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وأخذ الأرباض، ثم ملك البلد بأمان، فبعث إليه إبراهيم بن الأغلب ابنه الأحوال فى اثنى عشر ألفا، وأتبعه بمثلهم، فالتقى مع أبى عبد الله، فانهزم أبو عبد الله، وقتل كثير من أصحابه، وتبعه الأحول، فحال بينهما الثلج، ولحق أبو عبد الله بجبل إيكجان، وملك الأحول مدينة تاصروت، وأحرقها وأحرق مدينة ميلة، فبنى أبو عبد الله دار هجرة بإيكجان، وقصده أصحابه، وعاد الأحول إلى إفريقية،

стр. 103

فمات إبراهيم بن الأغلب، وقتل ابنه أبو العباس، وولى زيادة الله بن الأغلب، واشتغل باللهو واللعب، فاشتد سرور أبى عبد الله. ثم إن أبا مضر زيادة الله قتل الأحوال، فانتشرت حينئذ جنود أبى عبد الله فى البلاد، وصار يقول: «المهدى يخرج فى هذه الأيام، ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إلىّ، وأطاعنى». وأخذ يغرى الناس بزيادة الله ويعيبه، وكان أكثر من عند زيادة الله من الوزراء شيعة، فلم يكن يسوءهم ظفر أبى عبد الله، خصوصا وقد كان يذكر لهم من كرامات المهدى، وأنه يحيى الموتى، ويرد الشمس [من مغربها]، ويملك الأرض بأسرها، وهو مع ذلك يبعث إلى الوزراء، ويعدهم، (١) وبعث أبو عبد الله برجال (١).

стр. 104

ذكر خروج عبيد الله المهدى الى المغرب وكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سيّر إلى عبيد الله رجالا من كتامة يخبرونه (١) بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه، فوافوه بسلمية من أرض حمص، قد كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس، فطلبه المكتفى، ففرّ من سلمية ومعه ابنه أبو القاسم نزار - الذى قام بالأمر من بعده، وخرج معهما خاصته (٢) ومواليه. فلما انتهى إلى مصر أقام مستترا بزى التجار، فأتت الكتب إلى عيسى النوشرى - أمير مصر - من المعتضد بالله العباسى بصفة عبيد الله وحليته، وأنه يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكلّ من يشبهه؛ فلما قرئت الكتب كان فى المجلس ابن المدير الكاتب، فبلّغ ذلك عبيد الله، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة، فأوسع فى النفقة على من صحبه، وفرّق النوشرى الأعوان فى طلب عبيد الله، وخرج بنفسه، فلما رآه لم يشك فيه، وقبض عليه، ووكل به وقد نزل فى بستان، ثم استدعاه ليأكل معه، فأعلمه أنه صائم، فرقّ له، وقال: «أعلمنى حقيقة أمرك حتى أطلقك». فخوّفه الله تعالى وأنكر حاله، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلّى سبيله، وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: «لا حاجة إلى ذلك»، ودعا له. وقيل إنه أعطاه مالا فى الباطن حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشرى عليه باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليردّه. وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيّع كلبا كان يصيد به،

стр. 105

وهو يبكى عليه، فعرّفه عبيده أنهم تركوه فى البستان الذى كانوا فيه، فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده، فلما رآه النوشرى سأل عن خبره، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده، فقال النوشرى لأصحابه: «قبحكم الله، أردتم أن تحملونى على هذا الرجل حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريبا لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه، ولا كان يرجع فى طلب كلب (١)»، وتركه، ولم يعرض له. فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له: «الطاحونة»، فأخذوا بعض متاعه، منه كتب وملاحم كانت لآبائه، فعظم أمرها عليه (٢)، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم فى المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان. ثم إن عبيد الله انتهى - هو وولده - إلى مدينة طرابلس، ففارق التجار، وكان فى صحبته أبو العباس أخو أبى عبد الله، فقدّمه عبيد الله إلى القيروان، فسار إليها، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب، فقبض على أبى العباس وقرّره، فأنكر، وقال: «أنا رجل تاجر صحبت رجلا فى القفل»، فحبس. وبلغ الخبر إلى عبيد الله، فسار إلى قسنطينة. ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر (٣) طرابلس بأخذ عبيد الله، فلم يدركه، ووافى عبيد الله قسطنطينة، فلم يقصد أبا عبد الله، لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ، وسار إلى سجلماسة، فوافت الرسل فى طلبه، وقد سار فلم يوجد، ووصل إلى سجلماسة فأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات.

стр. 106

وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار، فأهدى إليه عبيد الله وواصله، فقرّبه اليسع وأحبه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرّفه أن الرجل الذى يدعو إليه أبو عبد الله الشيعى عنده، فلم يجد بدّا من القبض على عبيد الله وحبسه. وأخذ زيادة الله فى جمع العساكر، فقدّم إبراهيم بن حنيش (١) من أقاربه على أربعين ألفا، وسلّم إليه الأموال والعدد، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه، فنزل مدينة قسنطينية، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، وقتل فى طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبى عبد الله هذا، وأبو عبد الله متحصن بالجبل، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر، فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا، فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط، فقاتلهم قتالا كثيرا، وأدركهم أبو عبد الله، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح، فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، فسار إبراهيم إلى القيروان، وعظم أمر أبى عبد الله، واستقرت دولته. وكتب كتابا إلى عبيد الله - وهو بسجن سجلماسة - يبشره، وسيّر الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل عليه السجن فى زى قصّاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرّفه. ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف، وضايق زيادة الله، فحشد وجمع عساكره، وبعث إليه هارون الطيبى (٢) فى خلق كثير، فقتل هارون فى خلائق لا تحصى. فاشتد الأمر على زيادة الله، وخرج بنفسه، فوصل إلى الأربس فى سنة خمس وتسعين ومائتين، وسيّر جيشا مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب. واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه، وأبو عبد الله يأخذ المدائن - شيئا بعد شيء - عنوة وصلحا، فأخذ «مجّانة (٣)»، و «تيفاش (٤)»، و «مسكيانة» و «تبسّة (٥)»، وسار إلى إبراهيم، فقتل من أصحابه، وعاد إلى جبل إيكجان.

стр. 107

فلما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد الله عسكره فبغلت مائة ألف فارس وراجل، وجمع زيادة الله ما لا يحصى، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، فالتقوا مع أبى عبد الله، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمنه، وظهر أصحاب زيادة الله، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم، فانهزم أصحاب زيادة الله، وأوقع فيهم القتل، وغنم أموالهم، وكان ذلك فى آخر جمادى الآخرة، ففرّ زيادة الله إلى ديار مصر، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، ونادى بالأمان، وتسكين الناس، وذكر زيادة الله وذمّه، وصغّر أمر أبى عبد الله، ووعد الناس بقتاله، وطلب منهم الأموال، فقالوا: «إنما نحن فقهاء وعامة وتجار، وما فى أموالنا ما يبلغ غرضك»، ثم إنهم ثاروا به ورجموه. فخرج عنهم. ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، فأمّن الناس، ومنع من النهب، وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبى عبد الله، وسلموا عليه، وهنوه بالفتح، فردّ عليهم ردّا حسنا، وأمّنهم، وقد أعجبوا به وسرّهم، فأخذوا فى ذم زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم: «ما كان إلا قويا وله منعة ودولة شامخة، وما قصّر فى مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع»: فامسكوا عن الكلام. وكان دخول أبى عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ونادى بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع منه كثير، وكان له عدة من الجوارى لهن حظ من الجمال، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن بما يصلحهن. فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا، وأمر

стр. 108

بضرب السكة (١) وألا يتسم (٢) عليها اسم، وجعل فى الوجه الواحد: «بلغت حجة الله»، وفى الآخر: «تفرّق أعداء الله». ونقش على السلاح: «عدة فى سبيل الله». ووسم الخيل على أفخاذها: «الملك لله». وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون، والقليل من الطعام الغليظ. ولما استقرت الأمور لأبى عبد الله فى رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد المخطوم، ففرح به، وكان هو الكبير.

стр. 109

ذكر ظهور عبيد الله المهدى من سجلماسة وذلك أن أبا عبد الله الشيعى لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين سار من رقادة - وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية - فى جيوش عظيمة، فاهتز المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وأتته رسلهم فدخلوا فى طاعته، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله - وهو فى جيشه - يسأله عن نسبه وحاله، وهل أبو عبد الله قصد إليه؟ فحلف له أنه ما رأى أبا عبد الله، «وإنما أنا رجل تاجر»، فأفرده معتقلا بدار وحده، وأفرد ابنه أيضا، فجعل عليهما الحرس، وقرّر ولده، فما حال عن كلام أبيه، وقرّر رجالا كانوا معه وضربهم، فلم يقروا بشئ. وبلغ ذلك أبا عبد الله، فشقّ عليه، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم يقصده للحرب، وإنما له حاجة مهمة عنده، فرمى الكتب وقتل الرسل، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله، ولم يذكره، فقتل الرسول ثانيا، فأسرع أبو عبد الله فى السير، ونزل عليه، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كلّه، فلما جنّه الليل فرقّ أصحابه من أهله وبنى عمه، وبات أبو عبد الله فى غم عظيم خوفا على عبيد الله. فلما أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه بهرب اليسع، فدخل هو وأصحابه البلد، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه فى يوم الأحد لسبع خلون من ذى الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وقد انتشر فى الناس سرور عظيم كادت تذهب منه عقولهم؛ فأركبهما أبو عبد الله، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: «هذا مولاكم»، وهو يبكى من شدة الفرح، حتى وصل [إلى] فسطاط ضربه له فنزل فيه، وبعث الخيل فى طلب اليسع، فأدرك وأخذ، فضرب بالسياط وقتل.

стр. 110

وأقام عبيد الله المهدى بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقية، وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحمالا، وصار بها إلى رقادة فى العشر الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. وزال ملك بنى الأغلب من إفريقية، وملك بنى مدرار من سجلماسة، وملك بنى رستم (١) من تاهرت (٢). وملك المهدىّ جميع ذلك، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وابنه خلفه، فسلموا عليه، فردّ عليهم ردا جميلا، وأمرهم بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة. وأمر يوم الجمعة أن يذكر [اسمه] فى الخطبة، ويلقب بالمهدى أمير المؤمنين فى جميع البلاد، فلما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف - ومعه الدعاة -، وأحضروا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم، وقتل من لم يوافق. وعرض المهدى جوارى زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده، وفرّق ما بقى على وجوه كتامة، وقسّم عليهم أعمال إفريقية، ودوّن الدواوين، وجبا الأموال، واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها:
следующие страницы →