تصدير بقلم الأستاذ: محمد أبو الفضل إبراهيم رئيس لجنة احياء التراث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فى سنة عشرين من تاريخ الهجرة، تمّ للقائد العربىّ، والصحابىّ الجليل عمرو ابن العاص، فتح مصر، ومن ذلك الحين دخل هذا الاقليم فى الدولة الإسلامية وتلوّن بالصّبغة العربية، وأخذ يتوافد إليه أعيان الصحابة والتّابعين، وأعلام الفقهاء والمحدّثين؛ حيث وجدوا الظّل الوارف، والمورد العذب السائغ؛ والمقام المحمود؛ ولم يلبث أن دخلت الجمهرة من المصريّين في دين الإسلام أفواجا، وانتشر في كل النواحى، من أقصى الصّعيد إلى بلاد الشمال؛ حتى أصبحت مصر بمعالمها وحضارتها ووفرة مواردها من أهم الأقطار الإسلامية، بل إنها حملت لواء الزعامة في كثير من عصورها التّاريخية، مما دونه المؤرخون كابن عبد الحكم والقضاعيّ والمسيّحىّ وأبى عمر الكندىّ وابن ميسر وغيرهم.
وكانت الدولة الفاطمية من أعظم الدول التى عاشت في مصر أكثر من قرنين من الزمان؛ وكان لها تاريخ حافل، ولخلفائها فى الحضارة الإسلامية أثر بعيد؛ فهم الذين أسّسوا القاهرة المعزّية؛ فكانت قبة الإسلام، وحاضرة الأنام، وغرة جبين الزمان، وأنشئوا الجامع الأزهر؛ فكان منبعا للعلوم الاسلامية ومنارة للمعارف والآداب على مر الزمان، كما أقاموا دور الكتب والخزائن، وجلبوا إليها الكتب والأسفار، وأرصدوا لها الأموال، وأعدوا لطلاب المعرفة القوّام والنّساخ، وهوت إليها أفئدة العلماء من شتى الجهات، ينهلون العلم من أعذب مورد وأصفاه؛ هذا إلى ما كان لهم من أثر فى بناء المساجد والقصور والبساتين فى جنبات القاهرة وعلى ضفاف النيل،
стр. 352
وما تجردت له همّتهم من إعداد الجيوش وانشاء الأساطيل تجوب المياه، فضلا عما كان لهم من عادات فى المواسم والأعياد، تميزت بها دولتهم، وما زالت تتصل بحياتنا الاجتماعية إلى اليوم.
وقد كان تاريخ هذه الدولة موزعا فى كتب التاريخ والأدب والعقائد، ممتزجا بغيره من تاريخ الدول، إلى أن جاء الإمام تقى الدين أحمد بن على المقريزى، فجمع أشتاته وضمّ ما تفرق منه، وأضاف إليه ما اجتمع له من ثمرات مطالعاته، وما تهيأ له من المناصب التى تولاها، ووضع هذا الكتاب الذى أسماه «اتعاظ الحنفا، بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء». أداره على تاريخ من ملك القاهرة من الخلفاء وعلى جملة أخبارهم وسيرهم، وجعله حلقة من سلسلة كتبه التى وضعها فى تاريخ مصر والقاهرة.
والمقريزى شيخ مؤرخى الاسلام غير مدافع، وفارس هذه الحلبة غير معارض؛ فى كل ما ألف وصنّف، وفى جميع ما نقل وروى، مما جعل كتبه المصدر الأصيل فى تاريخ مصر الإسلامية وحضارتها، وخططها وآثارها ومعارفها وفنونها وآدابها وعلمائها وأعيانها.
هذا وقد سبق للمستشرق هوجو بونز أن قام بنشر هذا الكتاب سنة ١٩٠٩ م على نسخة مخطوطة ناقصة محفوظة بمكتبة جوتا بألمانيا، وهى النسخة الوحيدة التى كانت معروفة فى ذلك الحين، وفى سنة ١٩٤٥ م قام الدكتور جمال الشيال بإعادة نشره عن هذه النسخة أيضا، بعد أن رجع إلى الأصول التى أخذ المقريزى عنها كتابه. ومع مضى الأيام وتتابع البحث، وجد من هذا الكتاب نسخة أخرى كاملة محفوظة بمكتبة سراى أحمد الثالث بإستانبول، فجدّ معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية فى تصويرها، ثم قام الدكتور جمال الشيال بإعادة نشر الكتاب عليهما مرة ثانية، بعد أن أضاف إلى الجهد السابق مزيدا من التحرير والتحقيق، وشرح المصطلحات، والتّعريف بالأعلام، ما شاءت له معارفه التاريخية وأمانته العلمية واطلاعه الغزير الوافر (١).
_________
(١) من تصدير الجزء الأول
стр. 353
وقد كان من تمام التوفيق ظهور الجزء الأول من هذا الكتاب، والقاهرة تحتفل بعيدها الألفىّ منذ أنشأها الفاطميون؛ فكان تحية طيبة ومشاركة كريمة من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى الاحتفال بهذه الذكرى.
ثم كان من دواعى الأسف وعميم الحزن؛ أن اختار الله لجواره، المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال؛ ولمّا يشرع بعد فى تحقيق الجزء الثانى؛ فكان لوفاته رحمة الله عليه فجيعة ألم وأسى فى الأوساط العلمية، وعند محبيه وعارفى فضله؛ لما كان عليه من غزير العلم والثقافة الواسعة والمعارف التاريخية المستفيضة؛ إلى ما كان يتجمّل به من الخلق الرضىّ والتواضع الجم والسجايا الكريمة المحمودة ﵀.
وقد رأت لجنة إحياء التراث بالمجلس الإسلامى إسناد تحقيق بقية الكتاب إلى صديقه العلامة الأستاذ الدكتور محمد حلمى محمد أحمد أستاذ التاريخ الإسلامى بكلية دار العلوم؛ فقام بهذا العبء خير قيام، وسلك فى تحقيقه المنهج العلمىّ الأصيل؛ فكان خير خلف لخير سلف.
وهذا هو الجزء الثانى يتلوه الجزء الثالث؛ وهو آخر الكتاب؛ ومعه الفهارس العامة، ومن الله التوفيق والسداد.
стр. 354
قائمة ببيان بعض المراجع المستخدمة فى التحقيق مما لم يرد لها ذكر فى الجزء الاول
أولا: مراجع عربية:
إحسان عباس (بالتعاون مع أحمد أمين وشوقى ضيف): فريدة القصر وجريدة العصر. للعماد الأصفهانى الكاتب قسم شعراء مصر: ج: ١، ٢؛ القاهرة: ١٣٧٠ (١٩٥١)
أحمد بن عبد الوهاب (شهاب الدين النويرى): نهاية الأرب: ج: ٢٨ (¬*)
أحمد بن على المقريزى (تقى الدين): المواعظ والاعتبار فى الخطط والآثار (فى جزءين). القاهرة: ١٢٧٠ هـ.
راشد البراوى حالة مصر الاقتصادية فى عصر الفاطميين.
زكى محمد حسن (بالتعاون مع حسن أحمد محمود): معجم الأنساب والأسرات الحاكمة فى التاريخ الإسلامى للمستشرق زامباور؛ ترجمة فى جزءين؛ القاهرة: ١٩٥١ - ١٩٥٢.
شكرى فيصل فريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهانى.
قسم شعراء الشام: ج: ١؛ دمشق: ١٩٥٥
عبد الرحمن بن إسماعيل (أبو شامة، شهاب الدين المقدسى): كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين. انظر: محمد حلمى محمد أحمد
_________
(¬*) لا يزال هذا الجزء فى دور الإعداد للطبع بالمؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر. ولذلك اكتفى فى الإشارة إليه بالتعليقات باسم المؤلف والكتاب دون إشارة إلى الصفحة.
стр. 355
على ابن محمد (ابن الأثير أبو الحسن): الباهر فى تاريخ أتابكة الموصل.
الفتح بن على بن محمد البندارى تاريخ دولة آل سلجوق (مختصر لكتاب العماد الأصفهانى)، القاهرة: ١٣١٨ (١٩٠٠)
محمد حلمى محمد أحمد ١ - كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين، لأبى شامة. تحقيق: الجزء الأول: القسم الأول؛ ١٩٥٦؛ القسم الثانى ١٩٦٢.
محمد كامل حسين ٢ - نهاية الأرب، للنويرى؛ ج: ٢٨. تحقيق (تحت الطبع) (¬*) فى أدب قصر الفاطمية. القاهرة ١٩٥٠.
محمد بن محمد (العماد الأصفهانى). انظر: إحسان عباس؛ شكرى فيصل؛ الفتح بن على بن محمد البندارى.
ثانيا: مراجع أوربية:
Barker:The Crusades;London ،١٩٢٣.
De Slane:Recueil des Historiens des Croisades،Historiens Orien- taux.
Gibb،H.A.R.: The Damascus Chronicle of the Crusades;London،١٩٣٢.
Lane-Poole(S.): Saladin and the Fall of the Kingdom of Jerusalem;Lon- don،١٨٩٨.
Setton،K.M:A History of the Crusades;Vol.I،Philadelphia،(Univer- sity of Pensylvania Press).
Stevenson;W.B.The Crusaders in the East،Cambridge،١٩٠٧.
_________
(¬*) (انظر هامش الصفحة السابقة).
стр. 356
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بين يدى الكتاب
الحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كلّ نعمة؛ وصلاة البرّ الرحيم وسلامه على محمّد أكرم خلقه، باعث معالم المجد التى حفل بها تاريخ الإسلام والمسلمين؛ ورضى الله عمّن سار على نهجه، واهتدى بهديه، وأسهم بجهده بإضافة لبنة من لبنات المعرفة إلى بناء صرح الثقافة الإسلامية، التى نتّجه إليها الآن بالنّظرة الفاحصة والعزم الدءوب، لإحياء تراثها، وكشف الأستار عن مكنون مفاخرها وذخائرها.
وتحيّة التّقدير والوفاء إلى روح الأستاذ العالم المرحوم الدّكتور جمال الدّين الشّيّال، الذى أكرمه الله بدعوته إلى سكنى رياض جنّته، فآثر أن يلبّى دعوة العزيز الكريم، تاركا من بعده أدلّة هادية على طريق الكفاح العلمىّ، يتمثّل آخر مصابيحها فى الجزء الأول من هذا الكتاب، الذى أقدّم اليوم جزءه الثانى، سائرا على دربه، ضامّا جهدى المقلّ إلى جهوده القيّمة، اعتمادا على ما يسّره الله لنا من وسائل البحث والدّرس.
***
ويشمل هذا الجزء من «اتّعاظ الحنفا» تاريخ دولة الفاطميين على امتداد مائة واثنتين والسّتين، منذ تولّى الحاكم بأمر الله شئون هذه الدّولة فى أواخر شهر رمضان، سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة، إلى نهاية سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وهى السّنة التى توفى المستنصر بالله فى ذى الحجّة آخر شهورها.
وقد شهدت هذه السنوات تداول ثلاثة من الفاطميين عرش الخلافة: الحاكم
стр. 357
بأمر الله، والظّاهر لإعزاز دين الله، والمستنصر بالله؛ وكان لآخر الثلاثة القسم الأكبر من هذه المرحلة، إذ تولى منصبه وعمره سبع سنوات، وشغله بعد ذلك ستّين عاما كاملة. ولم يسبقه أحد من خلفاء المسلمين، من الفاطميين أو من غيرهم، يمثل هذا، إذ كان أطول زمن قضاه خليفة فى خلافته أربعة وأربعون عاما وبضعة أشهر تولّى فيها القائم بأمر الله العبّاسىّ، معاصر المستنصر بالله، زمام القسم الشّرقى من البلاد (١).
ولا تحظى هذه السنوات الطّوال من المقريزى برعاية متكافئة أو متعادلة، إذ نجده يختصّ بعضها بحديث مسهب مطوّل، يمكّن القارئ من تتبّع أحداثها شهرا بعد شهر، بل يستطيع تتبع أحداث الشهر الواحد تتبّعا مفصّلا؛ بينما يعالج بعضا آخر فى إيجاز واختصار، يصل أحيانا إلى درجة لا يتوقّعها من يتطلع إلى إشباع حاجته إلى المعرفة المتعمقة. فمن صور النوع الأوّل الحديث عن أخبار سنة خمس عشرة وأربعمائة، إذ يقع هذا الحديث فى أربعين صفحة من هذا الجزء، ومن أمثلة النّوع الثانى أخبار سنة ستّ عشرة وأربعمائة، التى أعقبت هذه الصفحات الأربعين، إذ أنّها لم تجاوز ثلاثة أسطر؛ وحديث أنباء سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة الذى يقتصر فيه المقريزى على قوله: فيها أقيمت دعوة المستنصر بحرّان.
ولا يقف الأمر عند هذا إذ نجده يهمل سنوات أخرى فلا يذكر منها إلاّ عنوانها (٢)، بل قد يغفل إغفالا تاما الإشارة إليها بعنوان مستقل (٣).
لكنّ هذا كلّه لا ينقص من أهمية هذا الكتاب القيّم مصدرا رئيسيا، يتصدّر ما بين أيدينا من مؤلفات تعرضت لتاريخ الفاطميّين فى إيجاز أو فى تطويل.
_________
(١) توفى القائم بأمر الله سنة سبع وستين وأربعمائة.
(٢) وذلك فى سنتى ٤٣٠، ٤٣٢.
(٣) وذلك فى السنوات: ٣٩٣، ٤١١ - ٤١٤، ٤١٩، ٤٤٥، ٤٧٣ - ٤٧٦، ٤٨٤.
стр. 358
ومعالجة المقريزى للجوانب المتعدّدة للدّراسة التاريخيّة، كما تبين فى هذا الكتاب، معالجة متوازنة، لا فضل لجانب منها على الآخر، ولا تميّز لأحدها أو لبعضها من وجهة نظر المؤلف. فهو يعامل الأحداث السياسية والعسكريّة معاملة متعادلة، ويتحدث عن التطورات الاجتماعية والاقتصادية بمثل ما يتحدّث به عن الأحداث الدينيّة أو الإداريّة، بحياد وموضوعية، دون أن يخصّ أيّا من هذه الجوانب بعناية تبرز بعضها دون البعض الآخر، أو تدلّ على ميل من جانب المؤلف إلى الاهتمام بناحية دون غيرها.
ولعلّ السرّ فى هذا التوازن فى المعالجة أن المقريزى أراد أن يكون كتابه الذى خصّصه لمرحلة بعينها شاملا للموضوعات التاريخيّة المتنوعة ليمدّ الدارس بالمادة الغزيرة التى تتيح له معرفة شاملة متنوعة تمكنه من إشباع اتّجاهه الثقافى من مورد قيّم للمعرفة، متعدّد الاهتمامات.
***
وفى ضوء هذه المادّة العلميّة الغزيرة أود أن أضع بين يدى القارئ بعض الحقائق التاريخية التى يساعد هذا الكتاب على إبرازها، والتى كان بعضها فى حاجة إلى ما يكشفه أو ما يزيده وضوحا وبيانا.
وأول هذه الإشارات يتعلّق بشخصيّة الحاكم بأمر الله وعصره. فقد ذاع بين الدّارسين والمؤرخين اتّهام الحاكم بالتقلّب فى أحواله والشّذوذ فى تصرّفاته، وأن هذا الشّذوذ وذلك التقلّب قد أدّيا إلى أن يحفل عصره بالاضطرابات، مما أفقد النّاس الاطمئنان على أنفسهم وأموالهم. لكنّ المقريزى يتيح لهؤلاء فرصة إعادة النّظر فى هذه الأحكام التى أدانت الحاكم، وجعلت منه مثالا وأنموذجا للشذوذ والاستبداد جميعا.
стр. 359
وفى مقدّمة ما يلزم الباحث بعين فاحصة إلى شخصية هذا الخليفة وفى عصره أن يدخل فى تقديره أنّ الحاكم تولّى الخلافة وسنّه لم تجاوز الحادية عشرة إلا بقليل وأنّه وضع بسبب هذه السّنّ الصغيرة تحت وصاية تنازعته فيها قوى مختلفة من رجال الجيش وأستاذى الخلافة وسيّدات القصر، فكان لهذا تأثيره فى تصرّفاته عند ما استطاع إمساك الزّمام بيده عازما على أن يكون بشخصيّته قوّة فعّالة فى إدارة شئون الدولة، متحرّرة من الضّغوط المتباينة التى كانت لا تزال تحاول أن تتجاذبه فيما بينها لتستميله إلى جانبها وتخضعه لتأثيرها. وخير مثل لمحاولته التحرّر من هذه الضغوط موقفه من أخته سلطانة ست الملك التى كانت تتدخّل من وراء ستار فى شئون الدّولة، مستعينة ببعض رجالاتها وقادتها، مما أسخط الحاكم عليها، وحمله على تهديدها وتخويفها. لكن ستّ الملك، بإصرارها على موقفها من الدولة ومن أخيها، دبّرت مؤامرة محكمة للتخلّص منه بقتله، فنجحت فى هذه المؤامرة وأجلست ابنه الظاهر من بعده على عرش الخلافة. ولم يخفف هذا الإصرار من جانب ستّ الملك على الحاكم الذى كان على علم بتصرفاتها، والذى كان يخشى على أمّه أيضا منها، يدلّ على ذلك حديثه إلى أمّه قبيل اختفائه - ومقتله - ودفعه إليها خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها، تستعين بها على شئونها إذ أنه كان «لا يخاف عليها أضرّ من أخته».
وقد كان للثّورة العنيفة التى تزعّمها أبو ركوة (١) أثرها فى تحديد موقفه من رجاله الذين فشل بعضهم فى التغلّب عليها وفى إخماد نارها؛ وقد كلّفه القضاء على هذه الثورة ألف ألف دينار أنفقها فى الجيش وفى القادة الذين استعان بهم فى مواجهتها.
_________
(١) بدأت هذه الثورة فى برقة، وتدخل الحاكم بنفسه فى مواجهة أخطارها إذ أوحى إلى بعض رجاله بمكاتبة زعيمها وإيهامه بأنهم يؤيدونه وسيدخلون فى طاعته إذا قدم إلى البلاد لأنهم يعانون من عسف الحاكم وبطشه، فاستجاب الثائر لهم وقدم إلى الوجه البحرى ثم إلى الجيزة، ثم إلى الفيوم حيث هزم هزيمة واضحة فلجأ إلى النوبة وهناك تم التغلب عليه.
стр. 360
ولما ذكر له أن قائدة الفضل ابن صالح كانت له جهود واضحة فى إنهائها والقبض على زعيمها، قال: وماذا فعل الفضل؟ لقد قبض عليه ملك النّوبة وأرسله إلينا.
وهكذا كانت مشكلة الحاكم الأولى أنه كان يحاول طوال عهده العمل على أن يكون بشخصه قوة فعالة فى إدارة شئون الدولة، متحررا من الضغوط التى كانت تتجاذبه من داخل القصر وخارجه على السّواء. وفى سبيل هذا كان يكثر من الرّكوب منفردا فى غير موكب، ليلا ونهارا، ويطوف بالأسواق للتعرّف بنفسه على أحوال الناس، وكان هؤلاء يتقدّمون إليه بظلاماتهم وشكاواهم، فيتسلّمها منهم بنفسه ويعمل على إنصافهم.
وقد مكنه هذا من اتخاذ قرارات عدّة تحتسب لصالحه وتعدّ من مفاخره:
١ - فمن ذلك أنّه أصدر - فى أكثر من مناسبة - قرارات بمنع ذبح البقر الولود أو العاملة، حتى يتوفّر بذلك من الإنتاج الحيوانى ما يسدّ حاجة البلاد ومن حيوانات الحقل ما يمكّن الفلاحين من العناية بالمزروعات وتحسين محصولها.
٢ - وأصدر قرارا بإنشاء دار يحتفظ فيها بأموال اليتامى الذين يشرف القضاة وأعوانهم على رعايتهم؛ ونظم طريقة الإشراف، إذ أمر «ألاّ يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى، وأن يكتروا مخزنا تودع فيه هذه الأموال؛ فإذا أرادوا دفع شيء منها حضر أربعة من ثقات القاضى وجاء كلّ أمين فأطلق لمن يلى عليه رزقه بعد مشورة القاضى فى ذلك، ويكتب على الأمين وثيقة بما يقبضه من المال لمن يلى عليه» (١). والسبب المباشر لهذا التنظيم وفاة القاضى محمد بن النعمان تاركا دينا عليه للأيتام وغيرهم قدّر بعشرين ألف دينار، أو بستة وثلاثين ألف
_________
(١) راجع هذا فى أحداث سنة ٣٨٨.
стр. 361
دينار، مما دعا الحاكم - إلى جانب قراره هذا - إلى مصادرة أموال القاضى المتوفّى وأموال أعوانه استيفاء لهذه الحقوق.
٣ - وعند ما تبيّن للحاكم، بعد فترة من الزمن، أن القاضى حسين بن النعمان لم يمتنع عن أكل أموال اليتامى بالباطل أمر بضرب رقبته ثمّ بإحراقه بالنار عقوبة له وردعا لغيره. ويسوق لنا المقريزى قصة هذه الحادثة - كأنّه يخشى أن نبادر إلى اتهام الحاكم بالقسوة والظلم - فيقول: « … وذلك أن متظلّما رفع رقعة إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفّى وترك له عشرين ألف دينار وأنها فى ديوان القاضى، وأن القاضى عرّفه أن ماله قد نجز. فدعا (الحاكم)، وأوقفه على الرقعة، فقال كقوله للرّجل من أنه استوفى ماله من أجرة. فأمر بإحضار ديوان القاضى فأحضر من ساعته، فوجد أن الذى وصل إلى الرّجل أيسر ماله. فعدّد على القاضى حسين، ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلاّ يتعرض إلى ما نهاه عنه من هذا وأمثاله. فقال: العفو والتّوبة. فأمر به فضربت عنقه وأحرق» (١).
٤ - وفى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أمر الحاكم بضرب جماعة من الخبازين وتشهيرهم لتعذر وجود الأخباز بالعشايا، ولأنهم كانوا يغشون الخبز ويبيعونه مبلولا، إذ كان التّعامل فيه بالوزن.
٥ - وعند ما صدر قراره بقتل القضاة مالك بن سعيد الفارقى، فى سنة خمس وأربعمائة، لاتهامه بموالاة ست الملك وتدخله فى شئون الدولة بتحريضها، «وكان الحاكم قد انفلق منها»، استدعى أولاد القاضى وأرضاهم، «ولم يتعرّض لشيء من تركة أبيهم، وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب فى الموكب، وأقره على إقطاعه ومبلغه فى السنة خمسة عشر ألف دينار».
_________
(١) انظر أحداث سنة ٣٩٥.
стр. 362
٦ - وأصدر الحاكم قرارات بإلغاء كثير من المكوس التى كانت قد ابتدعت، من ذلك مكس الرّطب ومكس دار الصابون ومكس بعض التجارات التى كانت تصل بحرا إلى مدينة القلزم، والمكوس التى كانت تجبى لدارى الشرطة بالقاهرة ومصر. ويتحدث المقريزى عن هذا كله فى مناسباته ..
٧ - وفى سنة عشر وأربعمائة ورد على مصر رجل من سجلماسة يريد الحج، فأودع ماله عند رجل فى السّوق. فلمّا عاد من الحج طلب ماله فأبى أن يدفعه إليه؛ فتوصّل إلى أن أطلع الحاكم على أمره، فقال له: «اجلس فى دكان مقابلا لدكانه، فإذا جزت فى ذلك السّوق فاعمل كأنك تعرفنى وكأنى أعرفك. فلمّا مرّ الحاكم وقف على الرّجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف، وانصرف. فجاء الرجل الذى عنده الوديعة إلى الرجل وأكبّ عليه وسأله الصفح عمّا سلف منه، وأحضر إليه جميع ماله. فعرف الحاكم بذلك، فأصبح الذى أنكر الوديعة مقتولا معلّقا برجله».
٨ - أما من الناحية المذهبيّة، فقد اتّهم الحاكم بتنكيله بأهل السنّة بعد أن كان قد خفف عنهم القيود، وأباح لهم دراسة مذاهبهم، ومكّنهم من ذلك فى دار العلم التى أنشأها للدّرس والبحث. وهذا الاتّهام يعوزه شيء من تعرّف الظّروف التى أقدم الحاكم فيها على تقريب المالكية ثم على العدول إلى مذهبه القديم. ذلك أن المعزّ بن باديس صاحب القيروان كتب إليه يستنكر بعض أفعاله، فأراد الحاكم أن يسترضيه ويستميله إليه، فأظهر اهتمامه بدراسة مذهب المالكية، وأحضر العلماء لمناظرتهم فى مذهبهم، وأمر بمحو سبّ الصحابة من المساجد والأسواق، ونهى عن ذكرهم بغير ما يجب لهم من الإعزاز والتقدير. ثم تغيّرت الأحوال فعاد الحاكم إلى مذهبه القديم الذى نشأ أسلافه عليه والذى تمسك خلفاؤه به إلى أن قضى الله بزوال دولة
стр. 363
الفاطميّين. فالحاكم بهذا لم يقدم على ما أقدم عليه إلاّ بدافع سياسىّ، ولم يعدل عنه إلاّ بعد أن تبيّن زوال أسبابه وخطورة الإبقاء على موقفه من تأييد السنّة فى دولة تحول كلّ تنظيماتها العقديّة والمذهبية والعسكرية دون هذا. وما أشبه هذا بما فعله المأمون العبّاسى - مع مراعاة فارق العصر والظروف - حين قرّب منه العلويين ولبس شعارهم وخلع السواد شعار العباسيين، وبايع بولاية عهده لعلىّ الرضا وتزوج ابنته؛ ثم لم يلبث أن عدل عن هذا الاتجاه العلوى بتأثير تحرّك بغداد ضدّه وتغيّر موقف البيت العباسىّ منه.
٩ - وخير ما نختم به هذه الملحوظات عن الحاكم وعصره ما قاله المقريزى:
«وكان الأمر فى مدّة العزيز، فيه انحلال وعفو كبير عن الناس، فظنّوا أن ذلك يجوز فى مدّة الحاكم وجروا على رسمهم؛ فتجرّد لهم منه مطّلع على جميع أمورهم، غير مطّرح لعقوبة، فهلك الجمّ الغفير منهم».
ونحن لا ندّعى بعد هذا أن الحاكم خير كلّه، لكننا ندعو إلى الاقتصاد فى اتهامه والحكم عليه دون تقدير كامل لظروفه وظروف عصره، فبمثل هذا التقدير ننصف الحاكم المفترى عليه، ونبيّن مدى الجهد الذى بذله فى محاولة الإصلاح، ولا نبخسه أجره الذى يستحقه لهذا الجهد الذى استغرقه، خمسا وعشرين سنة كاملة هى مدة خلافته
***
ويتولى الظاهر لإعزاز دين الله خلافة الفاطميين عقب غيبة الحاكم التى ذاع بعدها أنه قتل، وكان الظاهر إذ ذاك قد جاوز السادسة عشرة من عمره، وبقى فى منصبه حتى توفّى سنة سبع وعشرين وأربعمائة، بعد نحو ستّ عشرة سنة من خلافته. وفى مناسبة وفاته يقول المقريزى: «وكانت أيامه كلّها سكونا ولينا،
стр. 364
وهو مشغول بلذاته ونزهه وسماع المغنى». لكن استعراض الأحداث التى جرت فى عصره والتى فصّل المقريزى الحديث عنها، لا يؤيد القسم الأول من حكم المقريزى بأن «أيّامه كانت كلّها سكونا ولينا».
١ - فقد أسلم الظاهر أمره فى السنوات الأولى من خلافته إلى عمّته ست الملك التى نجحت فى قتل الحاكم وإقامة الظاهر مقامه، ولم تلبث أن أخضعته لسلطانها وأدارت الدّولة بوساطة أعوانها، ونكّلت بكل من اعترض طريقها. وكان من أوائل من نكلت بهم أولئك الذين ساعدوها فى التخلّص من أخيها بإحكام التّدبير ثم بإتقان التنفيذ.
وفى ظل سيطرة ست الملك تولّى أبو الفتوح موسى بن الحسن الوساطة - الوزارة - فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، بعد أن كان يشرف على ديوان الإنشاء، ولم يلبث أن نكب بعد تسعة أشهر إذ صدر أمر ستّ الملك بإخراجه من مجلس الوزارة مسحوبا وبسجنه، ثم قتل بعد ذلك بأمرها.
٢ - وبعد وفاة ست الملك استسلم الظاهر لوزرائه ورجال دولته، فتنافس هؤلاء على مركز الصدارة، وقرر ثلاثة منهم: «أن يكون دخولهم على الخليفة الأخير فى كل خلوة، وأنهم يكفونه أمر الاهتمام بالدولة ليتوفّر على لذاته وينفردوا بالتدبير». فتم لهم ذلك، ولم يعترض الظاهر على تدبيرهم.
٣ - وشهد عصر هذا الخليفة بدء تفلّت البلاد الشامية من قبضة الدولة وتحرّك الثورات المحلية بها، وعجز الإدارة المركزية بالقاهرة عن حسم خطر هذه الثورات إذ كيف تستطيع القاهرة ذلك ورجال الدولة والقصر يتنافسون فى محاولاتهم إخضاع الخليفة لنفوذهم والخليفة فى شغل بملذاته ومواكبه الرسمية التى يتنقل
стр. 365
بها بين القاهرة ومصر للتنزّه والترويح. أين هذا مما كان يفعله الحاكم من الخروج منفردا، ليلا أو نهارا، للتعرّف على أحوال الناس وتلقى ظلاماتهم وشكاياتهم، وعمله على إرضائهم وإنصافهم.
٤ - وفى سنة عشرين وأربعمائة «كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك، وكان الظفر للأتراك، ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامّة لهم، فقتلوا عدة كثيرة منهم، وأخرجوا من بقى منهم عن مصر».
٥ - وفى سنة أربع عشرة وأربعمائة غلت الأسعار وقلت. الأخباز. وحدث مثل هذا مرة أخرى فى السنة التالية إذ اشتدّ الغلاء والقحط، وعدمت الأقوات، فلم يصرف هذا الظّاهر عن الخروج فى موكبه التقليدى إلى الفسطاط للنزهة والترويح «وخلفه المقوّدون والمصطنعة، وبين يديه الرّقّاصون؛ فاستغاث الناس بضجة واحدة: الجوع يا أمير المؤمنين، الجوع!! لم يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدّك». ولما جاء عيد الأضحى «مدّ السّماط بحضرة الظاهر؛ فلمّا جلس أهل الدولة عليه للأكل كبس العبيد القصر وهم يصيحون: الجوع! نحن أحق بسماط مولانا. ونهبوا جميع ما على السماط، وضرب بعضهم بعضا، والصقالبة تضربهم فلا يبالون».
٦ - وفى سنة خمس عشرة وأربعمائة اجتمع الناس بقنطرة المقس للاحتفال بعيد الفصح «فى لهو وتهتّك قبيح، واختلط الرجال بالنساء وهم يعاقرون الخمر، حتى حملت النّساء فى قفاف الحمّالين من شدة السكر، فكان المنكر شديدا». وقد شرب الظاهر الخمر فى سنة ثمانى عشرة وأربعمائة «وترخّص فيه للناس وفى سماع الغناء وشرب الفقّاع. فأقبل الناس على اللهو».
وبعد؛ فأظننا لا نستطيع أن نتّفق مع المقريزى فى قوله عن الظاهر: «وكانت أيامه كلّها سكونا ولينا»، وإن كنا نؤيده فى قوله: «وهو مشغول بملاذّه ونزهه
стр. 366
وسماع المعنى»؛ وفى كلتا الحالتين نستند إلى الأحداث التى سجّلها المقريزى نفسه فى كتابه هذا بتفصيل وتطويل.
***
أمّا الشدة العظمى التى حدثت أيام المستنصر بالله فيكفى فى توضيح بعض ظروفها أن نقتبس قول المقريزى: « … ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مدّ النّيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض، وكان الجند عدّة طوائف مختلفة الأجناس: فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحرى، وتغلب السّودان على أرض الصّعيد، وتغلّب الملثّمة والأتراك بمصر والقاهرة، وتحاربوا فكانت السبع سنين المذكورة يمدّ فيها النيل ويطلع وينزل فى أوقاته، فلا يوجد فى الإقليم من يزرع الأراضى، ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب.
ولم يوجد ما يبذر فى الأراضى للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتى دينار، ثم نفد فلم يقدر عليه».
١ - فكيف يستطيع المستنصر مواجهة هذه المشكلة وهو الذى كان قد بدأ عهده فى الخلافة طفلا صغيرا، فى السابعة من عمره، خاضعا لوصاية الأوصياء المتنافسين فيما بينهم، الحريصين على الاحتفاظ بالنفوذ والسّلطان فى قبضة أيديهم؛ ولم يستطع الخليفة التصرّف فى الدّولة إلاّ بعد أن أفلت الزّمام من أيديهم، وعند ما حدث هذا لم يجد من رجال الدولة القادرين من يعينه على الإصلاح، فاضطرّ إلى تغيير وزرائه أربعين مرة فى تسع سنوات.
٢ - وكيف يستطيع بدر الجمالى، أمير الجيوش، الّذى استغاث المستنصر به واستقدمه من الشام أن يباشر سلطاته إلاّ إذا اطمأنّ إلى قدرته على التصرّف بحرية فى مواجهة مشكلات الجيش والقصر وتدهور الاقتصاد؟ ولقد طمأنه الخليفة ومنحه الحريّة التى كان يطمع فيها، و «فوّضه» فى التصرف بما يرى فيه صالح الدّولة والخلافة. ونجح الجمالى فى مهمته وتوّج نجاحه بأن «استناب ابنه وجعله
стр. 367
ولىّ عهده فى السلطنة» - أى الوزارة - وبدأت السلطة تنتقل فعلا ورسميّا من أيدى الوزراء إلى أيدى الخلفاء، وأصبح هؤلاء ألعوبة فى أيدى أولئك يحجرون عليهم ويتحكمون فى مصائرهم كما يريدون.
٣ - ولا ينتظر فى ظلّ الاضطرابات التى عمّت البلاد فى القسم الأكبر من عصر المستنصر، ثم فى ظل المحاولات التى بدأها الجمالى للإصلاح الداخلى فى مصر أن تستطيع الدولة الاحتفاظ بقبضتها قويّة على الشام أو بنفوذها محسوسا واضحا فى المغرب. إنّ منطق التطوّر فى ظلّ هذه الظروف يقضى انحسار النفوذ الفاطمىّ تدريجيا عن هذه البلاد وتلك الأقاليم. وهذا ما حدث فعلا، إذ تقدّم السّلاجقة من الشّرق، ومدّوا سلطانهم إلى بلاد الشام، واستقرّوا فى معظم أنحائها، ولم يبق فى أيدى الفاطميين إلاّ بعض المدن الساحلية (١).
وآخر النّقاط التى تلفت النّظر بفضل المقريزى الّذى أشار إليها فى مناسباتها نقطة ذات شعبتين.
أولاهما مظهر من مظاهر إقامة شعائر المذهب الفاطمى فى صورة من صوره، هى طريقة إعلان بدء الشهور القمريّة وبخاصة فى مواسم رمضان والعيدين، ذلك أنّ الفاطميين كانوا لا يتقيّدون برؤية الهلال ولا يحكّمونها فى إعلان دخول الشهر الجديد وإنما كانوا يحتكمون معها إلى الحساب ويقولون: الرؤية والحساب كالظاهر والباطن، فالهلال كالظاهر لأنه مشاهد، والحساب كالباطن لأنّه معقول. وقضيّة «الظاهر والباطن» هذه قضية أساسية فى مذاهب الشيعة جميعا، ولها فى الدعوة الإسماعيليّة والفاطميّة أهمية بالغة.
وتطبيقا لهذه القاعدة نجد المقريزى يذكر فى هذا الكتاب:
_________
(١) ثم تقع الأحداث الخطيرة التى يأتى تفصيلها - بعون الله - فى الجزء الثالث من هذا الكتاب، والتى تتمثل فى الصدام العنيف بين الشرق والغرب فى شكل الحروب الصليبية.
стр. 368
١ - أن شهر رجب من سنة ست وتسعين وثلاثمائة استهل بيوم الأربعاء، فصدر أمر الخليفة بتأريخه بيوم الثلاثاء.
٢ - وفى شعبان من سنة إحدى وأربعمائة وقّع قاضى القضاة سجلاّ يعلن فيه خروج «الأمر العالى المعظّم» بأن يكون الصّوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد.
٣ - واستهلّ شعبان فى سنة اثنتين وأربعمائة يوم الاثنين فأمر الخليفة بأن يكون أول الشهر يوم الثلاثاء.
وثانى الشعبتين تبيّن مدى تحكّم بعض رجال الدّولة - فى فترات ضعف الخلفاء - واستبدادهم فى مجال نفوذهم. فقد ذكر المقريزى من أمثلة ذلك:
١ - فى أخبار سنة ست عشرة وأربعمائة، على زمن الخليفة الظاهر، أن شابّا حدثا قد غرق فى النيل فى عشية أحد أيام السبت، فى منطقة دار الصناعة (١) فمنع رجال الشريف أبى طالب العجمى، متولّى الصّناعة، تسليمه لأهله إلا بعد دفع «واجب» الصناعة «من حقّ من غرق فى النّيل»، وطالبوهم عنه بدينارين وقيراطين؛ فدفع إليهم ذلك، وحمل الرجل وغسل ودفن فى يوم الأربعاء.
٢ - وفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة، فى خلافة المستنصر بالله، كان لعريف الخبازين (٢) بأحد أسواق مصر (الفسطاط) دكان يبيع فيه الخبز، وبحذائها دكّان خباز «صعلوك»، وكان سعره يومئذ أربعة أرطال بدرهم وثمن؛ فخاف الصعلوك كساد خبزه لأنّه كاد يبرد، «ومن عادة الأخباز فى أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به» فخفض الصعلوك سعر خبزه «فغضب العريف ووكل به عونين من الحسبة أغرماه دراهم».
_________
(١) دار صناعة الأسطول (الترسانة).
(٢) نقيب الخبازين.
стр. 369
ولا يبقى بعد هذا إلاّ أن أشير إلى طريقة التحقيق والتّعليق، فقد اتبعت فى هذا أسلوب محاولة إبراز المتن فى صورته السليمة الواضحة التى أرادها له مؤلفه، جاعلا نصب عينى العمل على توضيح ما يحتاج إلى توضيح، وتصحيح ما يبدو أن المؤلف، أو النّاسخ، سها عنه بمعاونة المراجع المختلفة التى تعالج نفس المرحلة التاريخية التى يشملها هذا الكتاب. أمّا ما ورد فى المتن من أخبار أعلام السياسة والحرب، والعلم والأدب، فقد نال نصيبه - قدر الطاقة - من التعليقات التى تعرّف به وتشير إلى المصادر التى قد يحتاج إليها فى طلب المزيد من التعريف. ومثل هذا حدث فى الألفاظ الاصطلاحية التى يحتاج القارئ إلى فهم مدلولاتها، وللأماكن التى جرت بها الأحداث وتردّد ذكرها فى هذا الكتاب. وقد جرى ذلك كله فى قصد ودون تفريط.
وهنا أودّ أن يتكرّم القارئ فيلحظ فى التعريف بالأماكن خاصة أننى لجأت إلى أسلوب العصر الذى يتناوله الكتاب بالحديث المفصّل حتى تتلاءم التعليقات الموضّحة مع الأحداث فى عصرها الذى ظهرت فيه. ولهذا نجد فى التعريف بمدينة سرت، على سبيل المثال، أنها تقع على عشر «مراحل» من طرابلس وعلى ستّ «مراحل» من أجدابية، وفى التّعريف بمدينة سنجار أنها تبعد عن الموصل ثلاثة «أيام».
وقد أدرك القلقشندى - من كتاب الانشاء وأساتذة إدارة الأعمال - كما أدرك غيره من علماء الجغرافيا المسلمين أهمية تقدير المسافات بين البلدان بهذا الأسلوب فى عصورهم - لشدة حاجة الناس، على اختلاف مشاربهم وثقافاتهم ووظائفهم، إلى هذا النوع من التقدير. والقلقشندى الذى أراد لكتابه أن يكون وثيقة علمية فى أيدى كتاب الإنشاء وموظّفى الدّواوين يلاحظ على كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» أن مؤلّفه أحمد بن فضل الله العدوى العمرى «قد أهمل من مقاصد المصطلح أمورا لا يسوغ تركها، ولا ينجبر بالفدية لدى الفوات نسكها، كالبطائق والملطّفات والمطلقات … فلم يقع الغنى به عمّا سواه». ولهذا فصّل هو الكلام
стр. 370
على هذه الجوانب التى يحتاج إليها فى الرسائل والمكاتبات والتنقلات، فذكر أن «البريد» مسافة معلومة مقدرة باثنى عشر ميلا، أو بأربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف بذراع بالهاشمى. وكان لهذا البريد «مراكز» بين كل اثنين منها مسافة «بريد»، وقد تطول أو تقصر إذا ألجأت الضرورة لذلك لبعد ماء أو للأنس بقرية. كما ذكر أن المسافرين كانوا يضبطون تنقلاتهم ويحتسبونها «بالمراحل»؛ وكان الحجاج منهم فى كل يوم وليلة «مرحلتين» من مراحل البريد (١). وهنا تتضح أهمية اتّباع هذا الأسلوب، فإذا كانت المسافة بين بلدين «ثلاثة أيام» كان معنى هذا أن بينهما ستّ مراحل أو اثنين وسبعين ميلا. وهذا التّصور ييسر تتبع حركات الجيوش وتنقلات الولاة ورسائل الملوك والحكام وغير ذلك.
ومن أجل هذا حرصت على أن أهيّئ للقارئ، بالتمسك بهذا الأسلوب فى التعريف، أن يعيش مع الأحداث فى عصرها، ليتمكّن من تفهم ظروفها وتصوّر تطوراتها.
***
وأخيرا أرجو أن أكون بهذا الجهد قد أسهمت فى تحقيق رغبة الأستاذ المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال فى كشف الأستار عن هذا الكتاب، تلك الرغبة التى هيّأت لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ظروف تحقيقها حين مكّنت سيادته من إخراج الجزء الأول منه، ثم عهدت إلىّ، بعد رحيله، بإتمام مهمته.
فللأستاذ الراحل الكريم الرضوان، وللّجنة الموقّرة موفور الشّكر لثقتها التى وضعتها فىّ؛ وأرجو أن أكون قد حققت ظنّها.
«وما توفيقى إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب».
محمد حلمى محمد أحمد
دار العلوم فى ٢٠ من ذى القعدة ١٣٩٠
١٩ من يناير ١٩٧١
_________
(١) انظر خاتمة كتاب صبح الأعشى: ١٤.
стр. 371
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحاكم بأمر الله أبو على منصور ابن العزيز بالله
أبى المنصور نزار ابن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ
ولد فى القصر بالقاهرة ليلة الخميس (¬*) الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فى الساعة التاسعة، الموافق صبيحتها الثالث عشر من شهر آب (١). والطالع من السرطان سبع وعشرون درجة (٢)، والشمس فى برج الأسد على خمس وعشرين درجة، والقمر بالجوزاء على إحدى عشرة درجة، وزحل بالعقرب على أربع وعشرين درجة، والمشترى بالميزان على ثمان درج، والمريخ بالميزان على ثلاث عشرة درجة، والزهرة بالميزان على تسع عشرة درجة، وعطارد بالأسد على عشر درج، والرأس بالدلو على خمس درج.
وسلّم عليه بالخلافة فى الجيش بعد الظهر من يوم الثلاثاء ثامن عشرى شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة (٣). وسار إلى قصره فى يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة، والعزيز فى قبة على ناقة بين يديه، وعلى الحاكم دراعة (٤) مصمتة (٥) وعمامة فيها الجوهر، وبيده رمح وقد تقلد السيف؛ فوصل إلى القصر ولم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شيء، ودخله قبل صلاة المغرب؛ وأخذ فى جهاز أبيه العزيز ودفنه.
стр. 372
ثم بكر سائر أهل الدّولة إلى القصر يوم الخميس، وقد نصب للحاكم سرير من ذهب عليه مرتبة مذهبة فى الإيوان الكبير. وخرج من قصره راكبا وعليه معمّمة الجوهر؛ فوقف الناس بصحن الإيوان وقبّلوا الأرض ومشوا بين يديه، حتى جلس على السرير، فوقف من مهمّته الوقوف، وجلس من له عادة الجلوس. فسلم عليه الجماعة بالإمامة واللّقب الذى اختير له، وهو الحاكم بأمر الله. وكان سنّه يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام.
وكان جماعة من شيوخ كتامة تخلفوا عن الحضور (١) وتجمعوا نحو المصلّى (٢). فخرج إليهم أبو محمّد بن الحسن بن عمار (٣) فى طائفة من شيوخهم، وما زالوا بهم حتى أحضروهم بعد امتناعهم من الحضور، وشكوا من عيسى بن نسطورس (٤)، وسألوا صرفه، وأن تكون الوساطة لرجل منهم. فندب لذلك أبو محمّد الحسن بن عمار. فقرر أحوالهم فيما يطلق لهم من الرزق بعد خطاب طويل، على أن يطلق لهم ثمانى إطلاقات فى كل سنة، وأن يكون لكل واحد ثمانية دنانير؛ وأن يطلق هذا الفضل (٥) فى يومهم بحضرة أمير المؤمنين. فأحضر المال ودفع إليهم بحضرة الحاكم الفضل، وهو عشرون دينارا لكل واحد منهم. وحلّفهم ابن عمار بعد ما حلف.
стр. 373
وخلع على أبى الحسن يانس الخادم الصقلبى وحمل على فرسين، وقال: يتولى القصور.
وفى أول شوال فرش على سرير الذّهب فى الإيوان مرتبة نسيج فضة، وخرج الحاكم على فرس أدهم بمعمّمة الجوهر وقد تقلّد السيف، وفى ركابه الايمن حسين بن عبد الرحمن الرابض، وفى ركابه الأيسر برجوان، والنّاس قيام؛ فقبلوا له الأرض، ودعوا. فقال ابن عمار للقاضى محمد بن النّعمان: مولانا يأمرك بالخروج إلى المصلّى للصّلاة بالناس وإقامة الدعوة لأمير المؤمنين. فنهض قائما، وقلّده برجوان بسيف محلّى بذهب من سيوف العزيز، ومضى فصلّى وأقام الدعوة، ثم قدم.
ونصب السّرير الذهب فى صفّة الإيوان، ونصب السّماط (١) الفضّة؛ وخرج الحاكم من القصر، وكان قد دخل إليه، وهو على فرس أشقر، فجلس على السماط، وحضر من له رسم، فأكلوا وانصرفوا.
وفى ثالثه خلع على ابن عمّار، وقلّد بسيف من سيوف العزيز، وحمل على فرس بسرج ذهب، وكناه الحاكم، ولقّبه بأمين الدولة (٢) وقال له: أنت أمينى على دولتى ورجالى.
وقاد بين الخيل، وعمل خمسين ثوبا ملونة من البزّ الرفيع. ومضى فى موكب عظيم إلى داره.
وكتب سجل من إنشاء أبى منصور بن سورين (٣) وبخطّه، قرأه القاضى محمّد بن النعمان (٤)
стр. 374
بالجامع يتضمّن وراثة الحاكم الملك من أبيه، ويعد الرعيّة فيه بحسن النّظر لهم؛ وأمر فيه بإسقاط مكوس كانت بالساحل (١). ففرح الناس.
وكانت عدّة ممّن قتلهم ابن نسطورس - لما احترق الأسطول - على الخشبة، فأمر بتسليمهم إلى أهليهم، وأطلق لكل واحدة عشرة دنانير من أجل كفنه، فكثر الدعاء من الرعيّة للحاكم. وأمر بقلع الالواح التى على دور الأخباز وسلمت لأربابها ومستحقّيها، فبلغت شيئا كثيرا (٢).
وخلع على القائد أبى عبد الله الحسين بن جوهر القائد، وردّ إليه البريد والإنشاء، فكان يخلفه ابن سورين؛ وحمل بين يديه كثير من الخيل والثياب، وحمل على فرس بمركبين.
واستكتب أمين الدولة ابن عمار أبا عبد الله الموصلى، واستخلفه على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم.
وأقرّ عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص. وخلع على جماعة بولايات عديدة وقرى سجل، قرأه القاضى بالجامع، يتضمن ولاية ابن عمّار الوساطة، وتلقيبه بأمين الدولة، وأمر الناس كلهم أن يترجلوا لابن عمار، فترجّلوا بأسرهم له.
وفى ثانى ذى القعدة تجمّع الكتاميون عند المصلّى، فأنفذ إليهم واستحضرهم، وتقرّر أمرهم على النّفقة فيهم، فأنفق عليهم (٣). وحمل راجلهم على الخيل؛ وكانوا نحو الألف رجل، وأركبت شيوخ كتامة بأسرهم على الخيول بالمراكب الحسنة.
стр. 375
وفى ثانى عشره، خلع على أبى تميم سلمان بن جعفر بن فلاح، وقلّد السيف، وحمل على فرس بمركب ذهب؛ وقيد بين يديه أربعة أفراس مسرجة ملجمة؛ وحمل بين يديه ثياب كثيرة من كل نوع؛ وجرّد معه عسكر ليسير إلى الشام.
وسارت قافلة الحاجّ بكسوة الكعبة والصّلات والنفقة على الرّسم المعتاد فى النصف منه.
وركب الحاكم يوم الأضحى فصلّى بالناس صلاة العيد بالمصلى (١) وخطب، وأصعد معه المنبر القاضى محمد بن النّعمان وبرجوان وابن عمّار وجماعة.
стр. 376
سنة سبع وثمانين وثلاثمائة (١):
فى المحرّم ورد سابق الحاج، فأخبر بتمام الحج والدّعاء للحاكم فى الحرمين.
وفيه نزع سعر القمح وغيره، وعزّ وجوده، واشتدّ الغلاء. ووقع فى البلد خوف شديد من طرف رجل من اللّصوص فى الليل وكبسه دور الناس فتحارسوا فى الليل، وأخذت نساء من الطّرقات، وعظم الأمر فى ذلك.
وفيه ضربت رقبة عيسى بن نسطورس.
ووصل الحاج فى رابع عشر صفر؛ فخلع على سبكتكين، مقدّم القافلة، وحمل على عدد من الخيل.
ووقف سعر الخبز على أربعة أرطال بدرهم.
وسار أبو تميم [سلمان بن (٢)] جعفر بن فلاح بعد أن خلع عليه وقيد بين يديه عدّة خيول، وحمل معه شيء كثير من الثياب، وأنفق فى أهل عسكره؛ فنزل مسجد تبر (٣)، فأقام إلى تاسع عشر ربيع الأول؛ فخرج إليه الحاكم وحلّفه ومن معه، وعاد. فرحل ابن فلاح إلى القصور فأقام بها. وقرئ سجل يوم الجمعة للنصف منه بمدح كتامة ولعن منجوتكين
стр. 377
على سائر منابر مصر وفى القصر. وخلع على جماعة من الحمدانية (١) وجهّزوا إلى ابن فلاح، فساروا معه.
وفى آخره أخرج ابن عمّار إلى سلمان [بن جعفر [بن فلاح بخزانة مال، على ثمانية وستين بغلا، فى صناديق، فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف درهم؛ وستة وأربعين حملا من السلاح؛ وعشر جمازات (٢) عليها دروع؛ وست قباب (٣) بفرشها وأهلّتها ومناطقها وجميع آلاتها، منها قبتان قرقرى مثقل وباقيها ديباج؛ وستّ جمازات تجنب بآلة الدّيباج الملون؛ وثلاثين جمازة بأجلتها (٤)؛ وعشرة أفراس وثلاث بغلات بمراكبها، ومنديل حمله خادم فيه ثياب شرف، بها من ثياب العزيز وسيف من سيوفه.
وفى ثالث ربيع الآخر ركب الحاكم وابن عمّار إلى القصور فودّعا ابن فلاح، وسار فى ثلاثة من كتامة وسبعمائة فارس من الغلمان، وانضم إليه من عرب الرملة (٥) ثمانية آلاف.
وفى النصف منه شق الحاكم المدينة وقد زينت زينة عظيمة، وزيدان يحمل مظلة عن يمينه، وابن عمّار عن يساره، ويرجوان وحده خلفه، فدخل الصناعة.
стр. 378
وأما منجوتكين فإنه لمّا بلغه ما فعله ابن عمار من إكرام كتامة وحطّه من مراتب المصطنعين الذين اصطنعهم العزيز من الأتراك خاف (١). فلم يكن غير قليل حتى بلغه خروج سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام بالكتاميين، فسار إلى الرملة مستعدّ القتال من يجيئه من مصر؛ فالتقيا برفح. وكانت الوقعة بين الطوالع، فانهزم أصحاب منجوتكين؛ وسار ابن فلاح إلى منجوتكين، فلقيه بظاهر عسقلان وقد انضم إليه ابن الجراح فى كثير من العرب؛ فاستأمن إلى ابن فلاح عدة من أصحاب منجوتكين. واقتتلا يوم الجمعة، رابع جمادى الأولى، فقتل كثير من أصحاب منجوتكين وأسر عدّة منهم؛ وانهزم منجوتكين بمن بقى معه، فقطع من عسقلان إلى دمشق فى ثلاثة أيام، وأهلها فى مجاعة من غلاء الأسعار وقلة الطعام وقد راجت الغلال. فاجتمع أهل البلد إلى الجامع وهم كثير، فيهم حمّال السلاح ومن يطلب الفتن. فقال الناس: نرحّل منجوتكين عنّا؛ وقال طلاب الفتن:
لا، ما نقاتل معه، وساروا إلى داره ومعهم قوم من المرج (٢) يقال لهم الهياجنة، أهل شر وفساد، فنهبوها وما حولها من دور أمرائها. وخرج منهزما فى يسير من الجند فراسخ، فنزل على ابن الجرّاح.
وبلغ ذلك ابن فلاح فأرسل بأخيه علىّ بن جعفر بن فلاح فى ألفى رجل؛ فنزل بظاهر دمشق، لستّ بقين منه، وبعث إلى ابن الجرّاح رسولا بأن ينفذ منجوتكين إلى مولانا
стр. 379
فإنّا لا نريد به سوءا، وهو آمن، وبذل له مالا. فسار منجوتكين ودخل القاهرة فى ثانى عشرى رجب، فأنزله ابن عمّار فى دار، وكان يركب فى خدمته، وإذا لقيه وهو راكب ترجّل له. وكان ابن عمّار ينزله أدون المراتب، وغيّر رسومه كلها.
وأما علىّ بن [جعفر بن] فلاح فإنّه لمّا قدم من عند أخيه ولّى البلد لرجل من المغاربة لم يكن عنده ما رآه، بل كان فظّا غليظا، فشاقّ العامّة وواجههم، فثاروا عليه بالسلاح، وركب المغاربة، وكانت بينهم حروب. ثم إن شيوخ البلد خرجوا إليه وأصلحوا الأمر.
وسار علىّ من الرملة فنزل على دمشق فى عسكر عظيم يوم الاثنين لستّ بقين من رجب، وأقام لا يأمر بخير ولا شر.
وأما ابن عمّار فإنه لما نظر فى الأمر كان ينزل على باب الحجرة التى فيها الحاكم، ويدخل القصر راكبا، فيشق قاعة الدواوين، ويدخل من الباب الذى يجلس فيه خدم الخاصة (١)، ثم يعدل منه إلى باب الحجرة، فينزل ويركب منه. وكان النّاس من الشيوخ والرؤساء على سائر طبقاتهم يبكرون إلى داره والباب مغلق فيفتح بعد وقت، فيدخل إليه الوجوه فيجلسون فى قاعة الدّار على حصير وهو فى مجلسه لا يدخل إليه أحد، فإذا مضت لهم ساعة أذن للوجوه فالقاضى، وبعده كتامة والقواد، فيدخل أعيانهم؛ ثم يأذن لسائر الناس فلا يقدر أحد على الوصول إليه، فمنهم من يومى إلى تقبيل الأرض، ومنهم من يقبّل الركاب، ومنهم من يقبل ركبته.
وتسلّم النّظر والإسطبلات عامرة؛ فأخرج لرجال كتامة وأحداثهم ألفا وخمسمائة فرس،
стр. 380
ولم يبق من شيوخهم إلاّ من قاد إليه الفرسين والثلاثة بمراكبها. وحمل لسلمان [بن جعفر] ابن فلاح ما يتجاوز ألف رأس، وجلّ رحل العزيز وأمتعته. وباع من الخيل والبغال والنّجب والحمر ما يتجاوز الألوف؛ حتى بيعت الناقة بستة دنانير، والحمار الذى قيمته أربعون دينارا بأربعة دنانير. وقطع أكثر الرسوم التى كانت لأولياء الدولة من الأتراك والعبيد، وقطع أكثر ما كان فى المطابخ. وقطع أرزاق جماعة أرباب الراتب، وفرّق كثيرا من الجوارى طلبا للتّوفير.
واصطنع أحداث (١) المغاربة، فكثر عبث أشرارهم وامتدت أيديهم إلى أخذ الحرم فى الطرقات، وعرّوا جماعة من الناس، فكثرت الشكاية منهم ولم يبد كبير نكير؛ فأفرط الأمر حتى تعرضوا إلى الأتراك يريدون أخذ ثيابهم، فثار لذلك شرّ قتل فيه واحد من المغاربة وغلام تركىّ؛ فسار أولياء الكتامى ليأخذوا (٢) التركى قاتله ويأتوا به إلى قبر المقتول فيعتقوه هناك؛ فلما أخذوه قتلوه على قبر الكتامى. فاجتمعت أكابر الطائفتين وتحزّبوا، فوقعت الحرب بينهما وقتل جماعة، وانطلقت ألسن كل منهما فى الآخرين بالقبيح. وأقاموا على مصافهم (٣) يومين آخرهما تاسع شعبان، فركب ابن عمّار فى عاشره بآلة الحرب وقد حفّت به المغاربة؛ وتبادر إليه الاتراك؛ فاقتتل الفريقان وقتل منهما جماعة وجرح كثير.
وجئ لابن عمّار بعدّة رءوس طرحت بين يديه، فأنكر ذلك وظهر له الخطأ فى ركوبه، فعاد إلى داره.
وجاء برجوان ليصلح الأمر، فثار الغلمان وركبوا دار ابن عمّار للفتك به، فأركب
стр. 381
برجوان إلى القصر وانبسطت أيدى المغاربة وأحداث الغلمان والنهابة، فانتهبوا دار ابن عمار واسطبلاته، ودار رشا غلامه، وأخذوا ما لا يحصى كثرة (١).
وانعزل لثلاث بقين منه، وتحوّل من القاهرة إلى داره بمصر. فكانت أيام نظره أحد عشر شهرا غير خمسة أيام. فأقام بمصر سبعة وعشرين يوما، ثم عاد إلى القاهرة بأمر الحاكم فأقام بها لا يركب ولا يجتمع به سوى خدمه؛ وأطلقت له رسومه وجراياته وجرايات حشمه على رتبه فى أيام نظره.
وتقدم [الحاكم] إلى برجوان أن ينظر فى التّدبير على ما كان ابن عمار، فنظر فى ذلك لثلاث بقين من رمضان، وسار إلى القصر وجمع الغلمان الأتراك ونهاهم عن التعرض لأحد من الكتاميين والمغاربة. وقبض على عريف الباطلية (٢)، فإنهم كانوا قد نهبوا شيئا كثيرا لابن عمّار، وألزمه بإحضار ما نهب أصحابه. وأجرى الرّسوم والرواتب التى قطعها ابن عمّار، وأجرى لابن عمّار ما كان يجرى له فى أيام العزيز، ولآله وحرمه؛ ومبلغ ذلك من اللحم والتوابل والفاكهة خمسمائة دينار فى كل شهر، يزيد على ذلك تارة وينقص أخرى على قدر الأسعار، مع ما كان له من الفاكهة، وهو فى كل يوم سلة بدينار، وعشرة أرطال شمع كل يوم، وحمل ثلج عن يومين؛ فأجرى له ذلك مدة حياته.
стр. 382
وجعل برجوان أبا العلا، فهد بن إبراهيم [النّصرانى]؛ كاتبه، يوقّع عنه، فنظر فى قصص الرافعين وظلاماتهم، وطالعه بما يحتاج إليه، فرتّب الغلمان فى القصر وأكّد عليهم فى ملازمة الخدمة، وتفقّد أحوالهم. وأزاح علل أولياء الدولة، وتفقّد أمور الناس وأزال ضروراتهم، ومنع من التّرجّل له. وكان الناس يلقونه فى داره، فإذا تكاملوا ركب وهم بين يديه إلى القصر. ولقّب كاتبه فهد بن إبراهيم بالرئيس، فكان يخاطب بذلك ويكاتب به، ويركب أكثر الناس إلى داره حتى يخرج برجوان إلى القصر فيجلس فيه فى آخر دهاليزه، ويجلس فهد فى الدّهليز الأول يوقّع وينظر ويطالع برجوان بما يحتاج له، فيخرج الأمر بما يكون. فلم يزل الأمر على ذلك حتى انتهت مدّتهما.
وكان الحاكم يركب كلّ يوم إلى الميدان (١)، فيجلس على سريره بالطّارمة (٢) فتعرض عليه الخيل، والقرّاء بين يديه، وربما أنشده الشعراء؛ ثم ينصرف إلى القصر فيجلس برجوان وكاتبه لأخذ رقاع المتظلمين وأرباب الحاجات، فلا يزالان (٣) حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يدخلان (٤). فإذا فرغ الحاكم من غدائه ورفعت المائدة تقدّم أبو العلا فجلس بين يديه وبرجوان قائم على رأسه، حتى يقرأ جميع تلك الرقاع ويوقع عليها الحاكم فى أعلاها بما يراه، ثم يخرج بها فتفرّق كلها ويمضى بها إلى الديوان، فتنفّذ من غير مراجعة.
وكان الحاكم إذا جلس فى الطّارمة وأنشده الشعراء تناول برجوان قصائدهم فجعلها فى كمه؛
стр. 383
فإذا عرض رقاع الناس وفرغ من التّوقيع قرأ القصائد وقد حضر من له تمييز ومعرفة بالشعر.
وكان الحاكم له من الحذق بذلك ما ليس لغيره، فإذا أنشده الشاعر أو أنشد له أبو الحسن لا ينشد ويمرّ بالبيت النادر أو المعنى الحسن إلاّ نبّه برجوان عليه واستعاده مرارا، ثم يوقع لكل واحد منهم بقدر استحقاقه ومبلغه من صناعته، فتخرج صلاتهم بحسب ذلك.
وفى يوم الثلاثاء تاسع شعبان أهدت ست الملوك (١) إلى أخيها الحاكم بأمر الله ثلاثين فرسا مسرجة، أحدها مرصع وآخر بلور، وبقيتها ذهب؛ وعشرين بغلة مسرجة ملجمة؛ وخمسين خادما منها عشرة صقالبة، ومائة تخت (٢) ثياب، وتاجا مرصعا، وشاشية (٣) مرصعة وأسفاطا كثيرة من طيب، وبستانا من الفضة مزروعا من أنواع الشجر.
وفى رمضان سومح أهل القلزم بما عليهم من مكوس المراكب.
وصلى الحاكم بالناس صلاة عيد الفطر بالمصلى وخطب، وأصعد معه المنبر الحسين بن جوهر والقاضى والأستاذ برجوان وجماعة.
وسارت قافلة الحاج من بركة الجب (٤) بالكسوة للكعبة، والزّيت والدقيق والقمح والشمع والطّيب لمكة والمدينة، فى تاسع ذى القعدة. وفيه خرج جيش بن الصمصامة إلى الشام مكان سلمان بن جعفر بن فلاح، فرحل ابن فلاح عن دمشق فى يوم الثلاثاء سابع عشر ذى الحجة بعسكره وسار إلى الرّملة.
стр. 384
وفيها صلّى الحاكم بالمصلّى صلاة العيد يوم النّحر بالناس وخطب على رسمه.
وورد الخبر من مدينة قوص بأنّ شدّة نزلت بهم من برق ورعد ومطر وحجارة نزلت من السماء، منها ما لم يسمع بمثله، وأنهم زلزلوا زلزلة شديدة قصفت النخل والجميز، واقتلعت خمسمائة نخلة من أصولها. وانبثق بقوص وأعمالها زرقة خضراء على ظهر الأرض، وغرقت عدة مراكب مشحونة بغلال تساوى أموالا كثيرة.
وفيها كتب الحاكم بأمر الله مع الشريف الداعى علىّ بن عبد الله سجلّين لأبى مناد باديس ابن يوسف بن زيرى (١)، أحدهما بولايته المغرب وتلقيبه نصير دولة الحاكم، والثانى بوفاة العزيز بالله وخلافة الحاكم وأخذه العهد على بنى مناد. فأنزل وأكرم وأخذ العهد على جميع قبائل صنهاجة وعمومهم بالبيعة للحاكم فى جمادى الآخرة، ثم عاد، فقدم إلى القاهرة يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة بعد أن وصله نصير الدولة بمال جليل وثياب وخيول.
стр. 385
ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (١).
فى المحرم كان غطان النصارى (٢)؛ فضربت الخيام والمضارب والأشرعة فى عدة مواضع من شاطئ النيل؛ ونصبت أسرّة للرئيس فهد بن ابراهيم وأوقدت له الشموع والمشاعل؛ وحضر المغنون والملهون (٣)، وجلس مع أهله يشرب إلى أن جاء وقت الغطاس فغطس وانصرف.
وورد سابق الحاج لثمان خلون منه.
وخلع على أبى الحارث فحل بن إسماعيل بن تميم بن فحل الكتامى، وقيد بين يديه، وحمل إليه، وقلّد صور (٤)
وخلع على أبى سعيد، وقلّد الحسبة. وخلع على أبى الحسن يانس الخادم الصقلبى، وقلّد بسيف ودفع إليه رمح وحمل على فرس بمركب ذهب ثقيل، وحمل إليه خمسة آلاف دينار وعدّة من الخيل والثياب ومائة غلام، وسار لولاية برقة.
وخلع على خود الصقلبى وقلّد بسيف، وحمل، وقيد بين يديه فرس، وحمل إليه ثياب، وقلّد الشرطة السفلى. وخلع على قيد الخادم الأسود بشرطة القاهرة (٥).
стр. 386
ووصلت قافلة الحاج سابع عشر صفر. وسار ميسور الخادم الصقلبى والياعلى طرابلس وخلع على فائق الخادم الصقلبى وجعل على الأسطول.
وفى سادس عشر ربيع الأول كان نوروز الفرس (١)، فأهدى الأتراك وقوادهم وجماعة الأولياء إلى الحاكم الخيل والسلاح الكثير، فقبل يسيرا منه وشكر ذلك لهم، وردّ الباقى إليهم.
وفى أول ربيع الآخر قدم سلمان بن فلاح وأخوه من الرّملة.
وفى سادس عشر كان فصح النصارى، فخلع على فهد بن إبراهيم خلعة حملت إلى داره ومعها بغلتان (٢) بمركبيهما وألف دينار. وخلع على أبى سعادة أيمن الخادم، أخى برجوان، وقلّد غزّة وعسقلان فى سادس جمادى الأولى.
وورد الخبر بفتح صور. وذلك أن أهل صور ثاروا على من عندهم من المغاربة وقتلوا منهم جماعة، وقتلوا من بقى؛ وغلب على البلد رجل من البجوية يقال له العلاقة وأرسل إلى الروم (٣)، فسيّروا إليه بمراكب فيها رجال، فخرج إليهم عسكره، وسارت إليها المراكب من مصر فقاتلوا من بها من الروم فانهزموا عنها فى مراكبهم، وبدت أهل البلد فألحّ القتال عليهم حتى ملكت منهم. وامتنع العلاقة ومعه طائفه فى بعض الأبرجة؛ ثم طلبوا الأمان.
فانتهبت المدينة وأخذ منها ما لا يعر قدره كثرة فى الرابع عشر من جمادى الآخرة. وحمل
стр. 387
العلاقة مقيّدا، وسيق فى جماعة معهم إلى القاهرة فشهّروا، وقد ألبس العلاقة طرطورا من رصاص له عظم وثقل على رأسه، وكاد أن يغوص على رقبته؛ ثم قتل وصلب وقتلت أصحابه (١).
وفى شعبان ورد الخبر من جيش بمواقعة الروم على فامية (٢) وأنطاكية. وذلك أن جيشا نزل على دمشق، ونزل بشارة إلى طبرية أيضا، لأربع خلون من رجب؛ وكتب إلى بشارة بولاية دمشق فأقرّ عليها واليا من قبله؛ وسار بعساكره، هو وجيش، فى رابع عشره إلى فامية وبها الروم. فاشتدّ القتال بينهم وبين الروم، فواقعوهم، فانهزم المسلمون ومل كالروم سوادهم.
ثم غابوا وعادوا إلى محاربة الروم، فواقعوهم، فانهزم الروم وقتل منهم نحو خمسة آلاف وقتل مقدّمهم؛ وذلك لتسع بقين من رجب. ورجع المنهزمون إلى جيش ابن الصمصامة وقد خافوه، فسار بهم إلى نحو مرعش (٣)، فأحرقوا، وهدموا ولم يلقهم أحد ونزل على أنطاكية فقاتل أهلها أياما؛ ثم رحل عنها إلى شيزر (٤).
وسار بشارة إلى دمشق، فنزلها للنّصف من شوّال على أنه قد ولى البلد؛ فأقبل إليه جيش فنزل ظاهر المزة (٥)، لسبع بقين من ذى القعدة، وقد هجم الشتاء؛ فوافى (٦) الكتاب
стр. 388
من مصر بعزل بشارة عن دمشق وولايته طبرية، واستقرار جيش على ولاية دمشق، فدخلها واستقر بها.
وفى شهر رمضان صلى الحاكم بجامع القاهرة بالنّاس بعد ما خطب وعليه رداء، وهو متقلّد سيفا وبيده قضيب، وزرّر عليه جلال القبة لما خطب، وقال خطبة مختصرة سمعها من قرب منه. وهى أوّل جمعة صلاّها؛ ثم صلى جمعة أخرى (١)؛ وصلى (٢) صلاة عيد الفطر فى المصلّى، وخطب على الرسم المعتاد، وحضر السماط.
وأحضرت امرأة من الشام فى علبة طولها ذراع واحد من غير زيادة، وافت من خراسان، ومعها أخ لها فى قدّ الرجال، فأنزلت بالقصر وأقيم لها ولمن معها الأنزال، وكانوا عدة، وقطع لها فى وقت واحد مائة ثوب مثقل وحرير. وكانت مليحة الكلام نظيفة، ولبثت بضعة وثلاثين يوما وماتت، فكانت لها جنازة عظيمة.
وسارت قافلة الحاج فى ثالث عشر ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة. وصلّى الحاكم يوم عيد النحر بالمصلّى وخطب.
ووصل خود من قبل جيش بن الصمصامة فى عشرى ذى القعدة ومعه عدة أسارى ورءوس كثيرة، فطيف بهم في البلد، ثم عفى عن الأسرى وأطلقوا.
стр. 389
سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (١)
فى حادى عشر المحرّم ورد سابق الحاج فأخبر أن عدن احترقت كلّها وتلف فيها من المال ما لا يعرف له قيمة لكثرته.
وفى ليلة الرابع [من صفر (٢)] مات قاضى القضاة محمد بن النعمان فركب الحاكم وصلى عليه. وله من العمر تسع وأربعون سنة إلا يوما؛ ومولده لثلاث خلون من صفر سنة أربعين وثلاثمائة؛ وكانت مدّة ولايته القضاء بمصر وأعمالها أربع عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام.
ودفن بداره ثم نقل إلى القرافة؛ وقيدت دوابه إلى الاصطبل. وترك عليه دينا للأيتام وغيرهم عشرين ألف دينار، وقيل ستّة وثلاثين ألف دينار؛ فبعث برجوان كاتبه أبا العلاء [فهد بن ابراهيم] فختم على جميع ما ترك القاضى، ولم يمكّن ورثته من شيء، وباع ذلك كله. وطالب الأمناء والعدول بأموال اليتامى المتبقّية عليهم فى ديوان القضاء، فزعموا أن القاضى قبضها، وأقام بعضهم بيّنة على ذلك وعجز بعضهم، فأغرم من لم يقم بينة ما ثبت عليه. فاجتمع من البيع والأمناء ثمانية عشر ألف دينار، أخذها الغرماء بحق النصف مما لهم. وأمر الحاكم ألاّ يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى، وأن يكتروا مخزنا فى زقاق القناديل (٣) وتودع فيه أموال اليتامى، فإذا أرادوا دفع أموال اليتامى حضر أربعة من ثقات القاضى، وجاء كل أمين فأطلق لمن يلى عليه رزقه بعد مشورة القاضى فى ذلك، فكتب على الأمين وثيقة بما يقبضه من المال لمن يلى عليه.
ورجم فى ولايته رجلا زنى فى ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. وكان أكثر أيامه
стр. 390
عليلا بالنقرس والقولنج (١)؛ وكان برجوان، على كلالته يعوده إذا مرض فمن دونه.
وكان يكاتب بقاضى القضاة. وعلت منزلته حتّى جاز حد القضاة، وكانت النعمة تليق به؛ وعمّ إحسانه سائر أصحابه وأتباعه. وكان حسن الخلق، ندىّ الوجه، فاخر الزّى يلبس الدرّاعة والعمامة بغير طيلسان (٢)، كثير الاستعمال للطّيب والبخور فى مجلسه؛ وإن أعطى أعطى كثيرا وافرا.
ولما مرض رأى كأن الحق تعالى نزل من السماء، فلما بلغ باب داره مات؛ فقال له ابن قديد عابر الرؤيا موت الحق إبطاله، والله هو الحق، ولا يزال الحق حيّا حتى يصير إلى بابك فيموت، فمات هو بعد ذلك بقليل.
ومن شعره:
أيا مشبه البدر بدر السماء … لسبع وخمس مضت واثنتين
ويا كامل الحسن فى نعته … شغلت فؤادى وأنهرت عينى
فهل لى من مطمع أرتجيه … وإلا انصرفت بخفّى حنين
ويشمت بى شامت فى هواك … (٣) صفر اليديين
فإمّا مننت وإمّا قتلت … فأنت القدير على الحالتين
ومنه:
تأمل لذى الدنيا، تجدها مشوبة … سرورا بحزن فى تقلّب أحوال
وقد قسمت أشياؤها بين أهلها … فمال بلا أمن، وأمن بلا مال