← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ووصلت قافلة الحاج سابع عشر صفر. وسار ميسور الخادم الصقلبى والياعلى طرابلس وخلع على فائق الخادم الصقلبى وجعل على الأسطول. وفى سادس عشر ربيع الأول كان نوروز الفرس (١)، فأهدى الأتراك وقوادهم وجماعة الأولياء إلى الحاكم الخيل والسلاح الكثير، فقبل يسيرا منه وشكر ذلك لهم، وردّ الباقى إليهم. وفى أول ربيع الآخر قدم سلمان بن فلاح وأخوه من الرّملة. وفى سادس عشر كان فصح النصارى، فخلع على فهد بن إبراهيم خلعة حملت إلى داره ومعها بغلتان (٢) بمركبيهما وألف دينار. وخلع على أبى سعادة أيمن الخادم، أخى برجوان، وقلّد غزّة وعسقلان فى سادس جمادى الأولى. وورد الخبر بفتح صور. وذلك أن أهل صور ثاروا على من عندهم من المغاربة وقتلوا منهم جماعة، وقتلوا من بقى؛ وغلب على البلد رجل من البجوية يقال له العلاقة وأرسل إلى الروم (٣)، فسيّروا إليه بمراكب فيها رجال، فخرج إليهم عسكره، وسارت إليها المراكب من مصر فقاتلوا من بها من الروم فانهزموا عنها فى مراكبهم، وبدت أهل البلد فألحّ القتال عليهم حتى ملكت منهم. وامتنع العلاقة ومعه طائفه فى بعض الأبرجة؛ ثم طلبوا الأمان. فانتهبت المدينة وأخذ منها ما لا يعر قدره كثرة فى الرابع عشر من جمادى الآخرة. وحمل

стр. 387

العلاقة مقيّدا، وسيق فى جماعة معهم إلى القاهرة فشهّروا، وقد ألبس العلاقة طرطورا من رصاص له عظم وثقل على رأسه، وكاد أن يغوص على رقبته؛ ثم قتل وصلب وقتلت أصحابه (١). وفى شعبان ورد الخبر من جيش بمواقعة الروم على فامية (٢) وأنطاكية. وذلك أن جيشا نزل على دمشق، ونزل بشارة إلى طبرية أيضا، لأربع خلون من رجب؛ وكتب إلى بشارة بولاية دمشق فأقرّ عليها واليا من قبله؛ وسار بعساكره، هو وجيش، فى رابع عشره إلى فامية وبها الروم. فاشتدّ القتال بينهم وبين الروم، فواقعوهم، فانهزم المسلمون ومل كالروم سوادهم. ثم غابوا وعادوا إلى محاربة الروم، فواقعوهم، فانهزم الروم وقتل منهم نحو خمسة آلاف وقتل مقدّمهم؛ وذلك لتسع بقين من رجب. ورجع المنهزمون إلى جيش ابن الصمصامة وقد خافوه، فسار بهم إلى نحو مرعش (٣)، فأحرقوا، وهدموا ولم يلقهم أحد ونزل على أنطاكية فقاتل أهلها أياما؛ ثم رحل عنها إلى شيزر (٤). وسار بشارة إلى دمشق، فنزلها للنّصف من شوّال على أنه قد ولى البلد؛ فأقبل إليه جيش فنزل ظاهر المزة (٥)، لسبع بقين من ذى القعدة، وقد هجم الشتاء؛ فوافى (٦) الكتاب

стр. 388

من مصر بعزل بشارة عن دمشق وولايته طبرية، واستقرار جيش على ولاية دمشق، فدخلها واستقر بها. وفى شهر رمضان صلى الحاكم بجامع القاهرة بالنّاس بعد ما خطب وعليه رداء، وهو متقلّد سيفا وبيده قضيب، وزرّر عليه جلال القبة لما خطب، وقال خطبة مختصرة سمعها من قرب منه. وهى أوّل جمعة صلاّها؛ ثم صلى جمعة أخرى (١)؛ وصلى (٢) صلاة عيد الفطر فى المصلّى، وخطب على الرسم المعتاد، وحضر السماط. وأحضرت امرأة من الشام فى علبة طولها ذراع واحد من غير زيادة، وافت من خراسان، ومعها أخ لها فى قدّ الرجال، فأنزلت بالقصر وأقيم لها ولمن معها الأنزال، وكانوا عدة، وقطع لها فى وقت واحد مائة ثوب مثقل وحرير. وكانت مليحة الكلام نظيفة، ولبثت بضعة وثلاثين يوما وماتت، فكانت لها جنازة عظيمة. وسارت قافلة الحاج فى ثالث عشر ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة. وصلّى الحاكم يوم عيد النحر بالمصلّى وخطب. ووصل خود من قبل جيش بن الصمصامة فى عشرى ذى القعدة ومعه عدة أسارى ورءوس كثيرة، فطيف بهم في البلد، ثم عفى عن الأسرى وأطلقوا.

стр. 389

سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (١) فى حادى عشر المحرّم ورد سابق الحاج فأخبر أن عدن احترقت كلّها وتلف فيها من المال ما لا يعرف له قيمة لكثرته. وفى ليلة الرابع [من صفر (٢)] مات قاضى القضاة محمد بن النعمان فركب الحاكم وصلى عليه. وله من العمر تسع وأربعون سنة إلا يوما؛ ومولده لثلاث خلون من صفر سنة أربعين وثلاثمائة؛ وكانت مدّة ولايته القضاء بمصر وأعمالها أربع عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام. ودفن بداره ثم نقل إلى القرافة؛ وقيدت دوابه إلى الاصطبل. وترك عليه دينا للأيتام وغيرهم عشرين ألف دينار، وقيل ستّة وثلاثين ألف دينار؛ فبعث برجوان كاتبه أبا العلاء [فهد بن ابراهيم] فختم على جميع ما ترك القاضى، ولم يمكّن ورثته من شيء، وباع ذلك كله. وطالب الأمناء والعدول بأموال اليتامى المتبقّية عليهم فى ديوان القضاء، فزعموا أن القاضى قبضها، وأقام بعضهم بيّنة على ذلك وعجز بعضهم، فأغرم من لم يقم بينة ما ثبت عليه. فاجتمع من البيع والأمناء ثمانية عشر ألف دينار، أخذها الغرماء بحق النصف مما لهم. وأمر الحاكم ألاّ يودع عند عدل ولا أمين شيء من أموال اليتامى، وأن يكتروا مخزنا فى زقاق القناديل (٣) وتودع فيه أموال اليتامى، فإذا أرادوا دفع أموال اليتامى حضر أربعة من ثقات القاضى، وجاء كل أمين فأطلق لمن يلى عليه رزقه بعد مشورة القاضى فى ذلك، فكتب على الأمين وثيقة بما يقبضه من المال لمن يلى عليه. ورجم فى ولايته رجلا زنى فى ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. وكان أكثر أيامه

стр. 390

عليلا بالنقرس والقولنج (١)؛ وكان برجوان، على كلالته يعوده إذا مرض فمن دونه. وكان يكاتب بقاضى القضاة. وعلت منزلته حتّى جاز حد القضاة، وكانت النعمة تليق به؛ وعمّ إحسانه سائر أصحابه وأتباعه. وكان حسن الخلق، ندىّ الوجه، فاخر الزّى يلبس الدرّاعة والعمامة بغير طيلسان (٢)، كثير الاستعمال للطّيب والبخور فى مجلسه؛ وإن أعطى أعطى كثيرا وافرا. ولما مرض رأى كأن الحق تعالى نزل من السماء، فلما بلغ باب داره مات؛ فقال له ابن قديد عابر الرؤيا موت الحق إبطاله، والله هو الحق، ولا يزال الحق حيّا حتى يصير إلى بابك فيموت، فمات هو بعد ذلك بقليل. ومن شعره: أيا مشبه البدر بدر السماء … لسبع وخمس مضت واثنتين ويا كامل الحسن فى نعته … شغلت فؤادى وأنهرت عينى فهل لى من مطمع أرتجيه … وإلا انصرفت بخفّى حنين ويشمت بى شامت فى هواك … (٣) صفر اليديين فإمّا مننت وإمّا قتلت … فأنت القدير على الحالتين ومنه: تأمل لذى الدنيا، تجدها مشوبة … سرورا بحزن فى تقلّب أحوال وقد قسمت أشياؤها بين أهلها … فمال بلا أمن، وأمن بلا مال

стр. 391

وأقامت البلد بعد موته تسع عشرة ليلة بغير قاض. وفى ثالث عشر منه استدعى برجوان أبا عبد الله الحسين بن على، ابن النعمان، إلى حضرة الحاكم بأمر الله، وأضعف له أرزاق عمّه وصلاته وإقطاعاته، وقال له: قد أرحت عليك، فلا توجد لى سبيلا إليك بتعرّضك لدرهم من أموال المسلمين فقد أغنيتك عنها. ثم خلع عليه ثيابا بيضا ورداء محشّى مذهبا وعمامة مذهبة، وقلّده صيفا وحمله على بغلة، وقاد بين يديه بغلتين بسروجهما ولجمهما، وحمل معه ثيابا كثيرة صحاحا؛ وردّ إليه القضاء بمصر وأعمالها؛ ولم يظنّ ذلك أحد لضعف حاله - وكان الناس يتخيلون ولاية عبد العزيز بن محمد بن النعمان بعد أبيه لأنه كان يخلف أباه - فنزل إلى الجامع العتيق، وقرئ سجلّه على منبره. فنظر بين الناس، وأوقف شهادة جماعة من الشهود، وندب أربعة لكشف أحوال الشهود؛ وألزم ولاة أمور الأيتام برفع حسابهم. وطالب عبد العزيز بن النعمان بما على أبيه من أموال الأيتام. وجعل موضعا بزقاق القناديل يكون مودعا لأموال الأيتام؛ وجعل خمسة من الشهود يضبطون ما يرد إليه وما يخرج منه بحجج يكتب فيها خطوطهم؛ فاستحسن ذلك من فعله. وهو أول من اتخذ مودعا للأيتام من القضاة. واستخلف بمصر أبا عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر، وبالقاهرة أبا الحسن مالك ابن سعيد الفارقى؛ وعلى العرض والنظر بين المتحاكمين، إذا غاب، الحسن بن طاهر وأبا العبّاس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن العوام. واستكتب أبا طاهر زيد بن أحمد بن السندى وأبا القاسم علىّ بن عبد الرزاق؛ وجعل إلى أخيه أبى النعمان المنذر بن على النظر فى العيار (١) ودار الضرب (٢). واستخلف على الإسكندرية وأعمالها.

стр. 392

وقوى أمره، وتشدّد فى الأحكام، وقبل شهادة من أوقف شهادته وعزل آخرين؛ واتخذ حاجبا. وتولّى أمر الدعوة وقراءة ما يقرأ فى القصر من مجالس الدعوة وكتبها؛ وعلت منزلته. وفى خامس عشرى صفر وصل حاج البيت. وصلّى الحاكم فى رمضان بالناس جمعتين؛ وخطب وصلى صلاة عيد الفطر، وخطب، وأصعد القاضى معه فى جماعة، وجلس على السماط. وسارت قافلة الحاج أول ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة. وصلى الحاكم صلاة عيد النحر وخطب على الرسم؛ وأجرى الناس فى أضاحيهم على عوائدهم. وعمل عيد الغدير على العادة؛ وطاف الناس بالقصر على رسمهم.

стр. 393

سنة تسعين وثلاثمائة (١) فى أول يوم من المحرّم ظهر الحاكم ودخل الناس فهنئوه بالعام. كان سعر الخبز ستّة عشر رطلا بدرهم. وسقط إصطبل فهد بن إبراهيم فمات له نحو ستين بغلة. وفى حادى عشر صفر وصلت قافلة الحاج من غير أن يدخلوا إلى المدينة النبوية. وفى سادس عشر من ربيع الآخر (٢) أنهد الحاكم إلى برجوان عشيّة يستدعيه للركوب معه إلى المقس (٣)، فجاء بعد بطاء وقد ضاق الوقت إلى القصر، ودخل بالموكب ورؤساء الدولة والكتاب إلى الباب الذى يخرج منه الحاكم إلى المقس؛ فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم وهو يصيح: قتل مولاى؛ وكان عقيق عينا لبرجوان فى القصر وقد جعله على خزاناته الخاصّة. فاضطرب الناس وبادروا إلى باب القصر الكبير فوقفوا عنده؛ وأشرف عليهم الحاكم. وقام زيدان، صاحب المظلة، فصاح بهم: من كان فى الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور؛ فانصرف الجميع. وكان قتل برجوان فى بستان يعرف بدويرة التين والعناب كان الحاكم فيه مع زيدان فجاء برجوان ووقف مع زيدان. فسار الحاكم حتى خرج من باب الدويرة، فعاجل زيدان وضرب برجوان بسكين كانت فى خفّه،

стр. 394

وابتدره قوم، وقد اعدوا له السكاكين والخناجر، فقتل مكانه، وحزّت رأسه وطرح عليه حائط (١). وسبب ذلك أن برجوان لما بلغ النهاية قصر فى الخدمة، واستقلّ بلذّاته وأقبل على سماع الغناء؛ وكان كثير الطرب شديد الشغف به، فكان يجمع المغنّين من الرجال والنّساء بداره فيكون معهم كأحدهم، ولا يخرج من داره حتى يمضى صدر من النهار ويتكامل الناس على بابه، فيركب إلى القصر، ولا يمضى إلا ما يختار من غير مشاورة؛ فلما استبد بالأمر تجرّد الحاكم للنظر. وكان برجوان من استبداده يكثر من الدّالّة على الحاكم، فحقد عليه أمورا، منها أنه قال بعد قتله إنه كان سيّئ الأدب جدا، والله إنّي لأذكر وقد استدعيته يوما ونحن ركبان فصار إلىّ ورجله على عنق دابّته وبطن خفّه قبالة وجهى، فشاغلته بالحديث ولم أره فكرة فى ذلك. وغير ذلك مما يطول شرحه. وأنهد الحاكم بعد قتل برجوان فأحضر كاتبه فهد بن ابراهيم فى الليل وأمّنه، وقال: أنت كاتبى وصاحبك عبدى، وهو كان الواسطة بينى وبينك؛ وجرت منه أشياء أنكرتها عليه فجازيته عليها بما استوجبه؛ فكن أنت على رسمك فى كتابتك آمنا على نفسك ومالك. فكانت مدة نظر برجوان سنتين وثمانية أشهر غير يوم واحد. وبرجوان بفتح الباء الموحّدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون.

стр. 395

وبكر الناس إلى القصر فوقفوا بالباب، ونزل القائد أبو عبد الله الحسين بن جوهر القائد وحده إلى القصر وأذن للناس، فدخلوا إلى الحضرة، وخرج الحاكم على فرس أشقر، فوقف فى صحن القصر قائما، وزيدان عن يمينه وأبو القاسم الفارقى عن يساره، والناس قيام بين يديه؛ فقال لهم بنفسه من غير واسطة: إن برجوان عبدى، استخدمته فنصح فأحسنت إليه؛ ثم أساء فى أشياء عملها فقتلته؛ والآن فأنتم شيوخ دولتى - وأشار إلى كتامة - وأنتم عندى الآن أفضل مما كنتم فيه مما تقدم. والتفت إلى الأتراك وقال لهم: أنتم تربية العزيز بالله و [فى] مقام الأولاد، وما لكل أحد عندى إلاّ ما يؤثره ويحبّه، فكونوا على رسومكم، وامضوا إلى منازلكم، وخذوا على أيدى سفهائكم. فدعوا جميعا وقبّلوا الأرض، وانصرفوا. وأمر بكتابة سجلّ أنشأه أبو منصور بن سورين كاتب الإنشاء، قرئ بسائر الجوامع فى مصر والقاهرة والجيزة والجزيرة (١)، نصّه بعد البسملة: «من عبد الله ووليّه، المنصور أبى على، الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، إلى سائر من شهد الصلاة الجامعة فى مساجد القاهرة المعزّيّة ومصر والجزيرة: سلام عليكم معاشر المسلمين المصلّين فى يومنا هذا فى الجوامع، وسائر الناس كافة أجمعين، فإن أمير المؤمنين بحمد إليكم الله الذى لا إله إلاّ هو، ويسأله أن يصلّى على جدّه محمد خاتم النبيين وسيّد المرسلين وعلى أهل بيته الطاهرين. أما بعد؛ فالحمد لله الذى قال، وقوله الحق المبين: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا، فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ * * لا يُسْئَلُ عَمّا﴾

стр. 396

﴿يَفْعَلُ، وَ هُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (١) يحمده أمير المؤمنين على ما أعطاه من خلافته، وجعل إليه فيها دون بريته من الضّبط والقبض، والإبرام والنقض. معاشر الناس، إن برجوان كان فيما مضى عبدا ناصحا، أرضى أمير المؤمنين حينا، فاستخدمه كما يشاء فيما يشاء، وفعل به ما شاء كما سبق فى العلوم وجاز عليه فى المختوم. قال الله : «وَ لَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ» * (٢) ولقد كان أمير المؤمنين ملّكه، فلما أساء ألبسه النقم، لقول الله تعالى: «فَلَمّا آسَفُونا﴾ ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ» * (٣). وقوله : «إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى»، * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ (٤) * فحظره أمير المؤمنين عما صبا إليه، ونزعه ما كان فيه؛ وتمت مشيئة الله ، ونفذ قضاؤه وتقديره فيه. «كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً» (٥) * فأقبلوا معاشر التّجار والرعيّة على معايشكم واشتغلوا بأشغالكم، فهو أعود لشأنكم؛ ولا تطغوا فى أمر أنفسكم، فلأمير المؤمنين الرأى فيه وفيكم. فمن كانت له منكم مطالبة أو حاجة فليمض إلى أمير المؤمنين بها، فإنه مباشر ذلك لكم بنفسه، وبابه مفتوح بينكم وبينه. والله «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (٦) * وأنتم رعايا أمير المؤمنين المفتّحة لها أبواب عدله وإحسانه وفضله. والله يريده فيما يريده ويعتمده من الخير لمن أطاعه من الأنام، والحماية لحمى الإسلام؛ «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ» (٧) * والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب يوم الجمعة لثلاث بقين من

стр. 397

شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة. وصلى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الأخبار وسلم تسليما». وكتبت سجلات على نسخة واحدة، وأنفذت إلى سائر النواحى والأعمال. ولثلاث خلون من جمادى الأولى خلع على القائد الحسين بن جوهر ثوب ديباج أحمر، ومنديل أزرق مذهب، وتقلد سيفا عليه ذهب، وحمل على فرس بسرج ولجام ذهب، وبين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، وخمسون ثوبا من كل فن. وردّ إليه الحاكم التّوقيعات والنظر فى أمور الناس وتدبير المملكة وإنصاف المظلوم. وخلع على فهد بن إبراهيم، وحمل على بغلة وبين يديه بغلة أخرى وعشرون ثوبا. فانصرف القائد، وخلفه فهد وسائر الناس بين يديه، إلى داره. وتقدّم إلى فهد بالتوقيعات فى رقاع الرافعين على رسمه، وأن يعاضد القائد حسينا فى النظر ويعاونه ويخلفه إذا غاب. فكان القائد يبكر إلى القصر ومعه الرئيس فهد، فينظران فى أمور الناس وينهيان الأمور إلى الحاكم، والقائد متقدم وفهد يتبعه، فإذا دخلا إلى حضرة الحاكم جلس القائد وقام فهد خلفه فيعرضان الكتب والرقاع عليه. وأمر القائد ألاّ يلقاه أحد من الناس على طريق ولا يركب إليه إلى داره أحد لقضاء حقّ ولا سؤال فى مصلحة، ومن كان له حاجة يلقاه فى القصر (١). ونهى الناس أن يخاطبوه فى الرقاع التى تكتب إليه بسيدنا ومولانا، ولا يخاطبونه ويكاتبونه إلا بالقائد فقط، ولا يخاطب فهد ويكاتب إلا بالرئيس فقط. وحمل فهد إلى الحاكم هدية، منها ثلاثون بغلة بألوان من الأجلّة، وعشرون فرسا منها عشرة مسرجة ملجمة وعشرة بجلال ملونة، وعشرون ألف دينار، وسفط فيه حلة دبيقية (٢) مذهبة لم ير مثلها، ودرج فيه جوهر، وأسفاط كثيرة فيها البزّ الرفيع، وخزانة مدهونة.

стр. 398

وأمر أبو جعفر محمد بن حسين بن مهذب، صاحب بيت المال، بإحضار تركة برجوان فوجد فيها مائة منديل شرب ملونة معمّمة كلّها على مائة شاشية (١)، وألف سروال دبيقى بألف تكّة حرير أرمنى، ومن الثياب المخيطة والصّحاح والحلى والمصاغ والطيب والفرش ما لا يحصى كثرة، ومن العين ثلاثة وثلاثون ألف دينار، ومائة وخمسون فرسا لركابه، وخمسون بغلة، وثلاثمائة رأس من بغال النقل ودواب الغلمان، ومائة وخمسون سرجا منها عشرون من ذهب، ومن الكتب شيء كثير. لما ركب القائد حسين رأى جماعة من قواد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه فوقف وقال: كلنا عبيد مولانا صلوات الله عليه ومماليكه، وليس والله أبرح من موضعى أو تنصرفوا عنى، ولا يلقانى أحد إلاّ فى القصر. فانصرفوا، وأقام خدما من الصقالبة بنوب على الطريق يمنعون الناس من المصير إلى داره ومن لقائه إلا فى القصر؛ وجلس فى موضع رسم له بالجلوس فيه. وتقدم حسين بن جوهر إلى أبى الفتوح مسعود الصقلبى صاحب الستر بأن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم ولا يمنع أحدا، وأن يعرف رسم كل من يحضر ومن يجلس للتوقيع إذا وقع له. فدخل الناس ليأخذ رقاعهم وقصصهم، ووقع فيها، والحاكم فى مكانه جالس يدخل إليه أرباب الحوائج ويشاور فى الأمور المهمة. ووصل إلى الحاكم جماعة ممن كان يدخل فى الليل إلى العزيز، وأمروا بملازمة القصر وقت جلوسه ودوام الجلوس بالعشايا؛ فدخل أوّل ليلة، وهى ليلة الأربعاء سابع جمادى الأولى، القائد حسين والقائد فضل بن صالح والحسين بن الحسن البازيار. فجلس حسين بن جوهر من اليمين، وإلى جانبه فضل بن صالح ودونه ابن البازيار، وبعده أبو الحسن على بن

стр. 399

إبراهيم المرسى، ويليه القاضى عبد العزيز بن محمد بن النّعمان؛ وجلس من اليسار رجاء ومسعود ابنا أبى الحسين، ودونهما أبو الفتح منصور بن معشر الطبيب، وأبو الحسين بن المغربى الكاتب وأخوه. ووقف عنده [عدّة] (١) من الأقارب وجماعة من القواد، منهم منجوتكين وغيره، ثم دخل بعد ذلك جماعة منهم ابن طاهر الوزان. فجرى الرسم على ذلك إلى اثنى عشر جمادى الآخرة. ثم صار السلام يخرج فينصرفون إلاّ ابن البازيار وابن معشر الطبيب وعبد الأعلى بن هاشم من القرابة، فإنهم يجلسون فربّما أطالوا الجلوس وربما خدموا. وركب الحاكم عدّة مرار إلى ناحية سردوس (٢) وإلى بركة الجب وإلى عين شمس وحلوان للصيد وغيره. وفى سابع عشرى جمادى الآخرة قرئ سجل على سائر منابر المساجد الجامعة بأن يلقب القائد حسين بن جوهر بقائد القواد. وخلع على جابر بن منصور الجودرى جبّة مثقلة ومنديل بذهب، وحمل بين يديه ثياب كثيرة وقلّد بسيف، وندب ناظرا فى السواحل (٣) والحسبة بمصر. وأما الشام فإن جيش بن الصمصامة لما استقر بدمشق، وقد خرب البلد وضعف وقلّ ناسه وطمعت رعيته، فكان فيهم جهّال يأخذون الخفارة ويطمعون فى أموال أهل السّلامة، فصارت لهم أموال وخيول ومشى بين أيديهم الرجال، وقويت نفوسهم، وصاروا يوالون خروجهم مع جيش فى وقائع الروم؛ فوعدهم جيش بالأرزاق فاطمأنوا إليه. ثم إنه رتب جماعة وقبض على المذكورين وقيدهم، وأمر بهم فحبسوا، وأفاض عليهم العذاب حتى سلبهم

стр. 400

جميع أموالهم، وتتبّع من استتر منهم فضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب البلد فلم يبق منهم أحد. فلمّا خلا له البلد من حمّال السلاح طمع فى أهل القرى، فعم كثيرا من الناس البلاء منه، وشمل أهل المدينة والقرى ضرره، حتى غلق أكثر الأسواق، وضج الناس إلى الله بالدعاء وهو يعدهم بحريق البلد وبذل السيف فيهم، فهرب كثير من الناس عن البلد. ووصل الخبر بقدوم عسكر الروم، فأخذ جيش فى جمع العرب؛ ونزل ملك الروم على شيزر وفيها عسكر من قبل الحاكم، فقاتلهم حتى ملكهم بأمان. ونزلت العرب الذين جمعهم جيش فيما بين حرستا (١) والقابول (٢)؛ وانتقل الروم من شيزر إلى حمص فأخذوها وسبوا أهلها وأحرقوا؛ وذلك فى ذى الحجة سنة تسع وثمانين، وهى دخلة الروم الثالثة إلى حمص، فأقاموا بها وقد اشتد البرد وغلت عليهم الأسعار حتى بيعت العليقة عندهم بدينار فرحلوا، وقد مات أكثر دوابّهم، إلى طرابلس، فنزلوا عليها وهم فى ضيق؛ ثم رحلوا عنها إلى ميّافارقين (٣) وآمد (٤)، وهادنوهم. ثم ساروا إلى أرمينية. وزاد جور جيش وأسرف فى الظّلم، وكان به طرف جذام فاشتد به، وسقط شعر بدنه، ورشح جسمه واسودّ حتى انمحت سحنة وجهه وزاد وأرواح سائر بدنه؛ فكان يصيح:

стр. 401

ويحكم! اقتلونى، أريحونى!! إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر. فكان مقامه بدمشق ستة عشر شهرا وستة عشر يوما (١). ووصل ابنه أبو عبد الله بتركته إلى القاهرة فخلع عليه الحاكم وحمله. ورفع زيدان إلى الحاكم درجا بخطّ جيش وفيه وصيّة وثبت بما خلّف مفصّلا مشروحا، وأنّ ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله لا يستحق أحد من أولاده منه درهما؛ وكان ذلك يبلغ نحو مائتى ألف دينار، ما بين عين ورحل ومتاع. وقد قال فيه جيش: لو زيدان يتسلم ذلك فإنّه على بغال تحت القصر بظاهر القاهرة. فأخذ الحاكم الدّرج وأوصله لابنى جيش، وخلع عليهما، وقال لهما بحضرة أولياء الدولة ووجوهها: قد وقفت على وصية أبيكما، ﵀، من عين ومتاع فيما وصّى به، فخذوه هنيئا مباركا لكما فيه. فانصرفا بجميع التركة. وأقطعت سيدة الملك على عبرة (٢) سنة تسع وثمانين الخراجية إقطاعا مبلغه مائة ألف دينار، منها ضياع فى الصعيد وأسفل الأرض ثمانية وستون ألفا وأربعمائة وخمسون دينارا؛ منها بوتيج (٣) ستة آلاف وسبعمائة وخمسون دينارا، وصهرشت (٤) سبعة عشر ألف دينار، ودمنهور خمسة آلاف دينار؛ وباقى ذلك؛ وهو أحد وثلاثون ألف دينار وخمسمائة وخمسون دينارا، من دور وبساتين ورسوم.

стр. 402

وأما المغرب فإن الأستاذ برجوان لما ولى تدبير الدّولة ثقل عليه أبو الحسن يانس الصقلبى العزيزى (١)، فإنه كان ينافسه فى الرئاسة، فتحيّل حتى أخرجه إلى برقة كما تقدم، فتوالت كتب تموصلت بن بكار (٢) يسأله أن يأتيه أحد ليسلمه مدينة أطرابلس، وتقدم إلى الحضرة. فقصد برجوان إبعاد يانس، فكتب إليه حتى سار إليها وقدم إليها للنصف من جمادى الأولى سنة سبعين، فسلّمه تموصلت البلد ومضى إلى القاهرة وقد تأخر أكثر عسكره مع يانس، فاختلفوا مع أصحابه حتى اقتتلوا وخرجوا أقبح خروج إلى إفريقية، وشكوا ما نزل بهم إلى نصير الدولة أبى مناد باديس (٣). فبعث القائد جعفر بن حبيب على عسكر، فقاتل يانس، فقتل فى رابع ذى القعدة. وبادر فتوح بن على بن عقيان من أصحاب يانس إلى أطرابلس، فدخلها، وانضم إليه بقية أصحابه وقاتل بها جعفر بن حبيب سنة إحدى وتسعين، واستمدّ الحاكم، فأمدّه بيحيى بن على بن الأندلسى على عسكر، فاختلف عليه أصحابه وعاد أقبح عود إلى القاهرة. فأراد الحاكم قتله، فأظهر كتاب زيدان صاحب المظلة بخطّه أن يدفع إليه المال من برقة، وأنه قبض ذلك من مال الحضرة، فلم يجد ببرقة مالا ينفقه على العساكر؛ فقبل هذا العذر وقتل زيدان على ما فعل. وكان مع يحيى بن على عند خروجه من المغرب جماعة من بنى قرّة، فكسروا عسكره ورجعوا إلى موضعهم؛ فبعث الحاكم يستدعيهم إلى القاهرة، فخافوا وامتنعوا؛ فأعرض عنهم مدة ثم كتب إليهم أمانا، فبعثوا رهائن منهم؛ فأمرهم بالوصول إلى الإسكندرية ليقفوا على ما يأمرهم به، فحذر أكثرهم، وقدمت طائفة إلى الإسكندرية فقتلوا وحملت

стр. 403

رءوسهم إلى القاهرة، وقتل من كان بها من رهائنهم؛ فنفرت عنه بنو قرّة، وكان منهم ما يأتى ذكره من قيامهم مع أبى ركوة. وفى ثالث رجب خلع على أبى القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، ونزل إلى الجامع العتيق وبين يديه ثياب صحاح، وحمل على بغلتين مسرجتين ملجمتين؛ وقرئ له سجل بالنظر فى المظالم وسماع البينة فيها. وحمل رحل برجوان إلى القصر على ثمانين حمارا. وقرئ سجلّ بالقصر نصه بعد البسملة: «معاشر من يسمع هذا النداء من الناس أجمعين: إن الله - وله الكبرياء والعظمة - أوجب اختصاص الأئمة بما لا يشركها فيه أحد من الأمة. فمن أقدم بعد قراءة هذا المنشور على مخاطبة أو مكاتبة لغير الحضرة المقدسة بسيدنا أو مولانا فقد أحلّ أمير المؤمنين دمه. فليبلّغ الشاهد الغائب إن شاء الله». وأفطر فى رمضان مع الحاكم جماعة رتّبوا عن يمينه ويساره؛ وصلى فيه جمعتين بالناس، وركب لفتح الخليج. ووصل تموصلت بن بكار الأسود، عبد ابن زيرى (١)، وكان قد ولاّه طرابلس المغرب، فجار على أهلها وأخذ منها مالا كثيرا وفرّ خوفا من مولاه؛ فسار من طرابلس المغرب، ومعه نيّف وستون ولدا ما بين ذكر وأنثى، فى عسكر كبير، بعد أن مرّ ببرقة، ودفع ليانس العزيزى متولّيها ثلاثين ألف دينار لخاصّة نفقته، وأنفق فى عسكره ورجاله مالا كثيرا، وسلّم إليه مخازن فيها العسل والسّمن والقمح والشعير والزيت وغيره. فجلس له الحاكم وأجلسه، فكان من كلامه للحاكم: قد وصلت إلى حضرة مولانا بالأهل والمال

стр. 404

والولد ومعى ما يكفينى ويكفى عقب عقبى؛ ولكنّ الرجال الذين معى رجال مولانا، وهو يحسن إليهم على ما يراه. وأهدى إلى الحاكم مائة ألف دينار ومائة ألف درهم، ونيفا وخمسين حملا من البزّ والطرف، وثمانين فرسا منها أربعون بسرجها ولجمها؛ وأربعين بغلا؛ وخمسين بختيّا (١) بأكوارها (٢)؛ ومائتى جمل. فخلع عليه وعلى من حضر من أولاده، وسار إلى دار قد أعدّت له فيها خمس وثلاثون حجرة، فى كل حجرة آلاتها وفرشها؛ فبلغت النفقة على هذه الدار خمسة آلاف دينار. وفى يوم عيد الفطر صلّى الحاكم بالناس بالمصلّى، وخطب على رسمه، وأصعد ابن النعمان وعدة من القواد معه المنبر، فجلس على الدرج. ولخمس خلون من شوال أذن لابن عمار فى الركوب إلى القصر، فركب ونزل حيث ينزل سائر الناس، وواصل الركوب إلى الرابع عشر منه، فأحضر عشية إلى القصر، فجلس إلى بعد العشاء الآخرة ثم أذن له فى الانصراف؛ فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك قد أوقفوا لقتله، فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه هنالك، ثم نقل إلى تربته بالقرافة؛ فكانت مدة حياته بعد عزله ثلاث سنين وشهرا واجدا وثمانية عشر يوما. وسارت قافلة الحاج لاثنتى عشرة خلت من ذى القعدة. وعزل خود عن الشرطة السفلى، وجمعت الشرطتان لمسعود الصقلبى، فنزل بالخلع والطبول والبنود إلى الجامع العتيق حتى قرئ سجلّه على المنبر.

стр. 405

وفى ثالث ذى الحجة أمر الناس بتعليق القناديل على سائر الحوانيت وأبواب الدّور كلّها، وفى جميع المحال والسكك الشارعة وغير الشارعة، ففعلوا. وصلى الحاكم صلاة عيد النحر بالمصلى، وخطب، ونحر فى القصر على رسمه، وجلس على السّماط. وكان الناس بين عبد العزيز بن النعمان وبين قاضى القضاة الحسين بن النعمان فى شرور وبلاء؛ وذلك أن عبد العزيز قبل شهادة جماعة اختارهم؛ فكان من حاكم خصمه إلى الحسين اختار خصمه بالمرافعة إلى عبد العزيز وبالعكس. وكان عبد العزيز إذا جلس للنظر فى المظالم حضر شهوده عنده وسمع شهادتهم وأشهدهم فيما يقول ويمضى؛ ولا يحضر أحد منهم عند الحسين ولا يقرب داره، ويقيد الشهود القدماء يشهدون عنده، غير أنهم لا يحضرون مجلس عبد العزيز مواصلين لذلك ولا يركبون معه. وفيها عقد ليانس الصقلبى على ولاية أطرابلس الغرب بعد موت المنصور بن بلكين، فوصل إليها فى ألف وخمسمائة فارس وملكها. فبعث باديس بن جعفر بن حبيب على عسكر فلقيه على زنزوير، واقتتلا يومين، فانهزم عسكر يانس وقتل.

стр. 406

سنة احدى وتسعين وثلاثمائة (١) فى المحرم واصل الحاكم الرّكوب فى اللّيل فى كلّ ليلة؛ وكان يركب إلى موضع موضع وإلى شارع شارع وإلى زقاق زقاق. وأمر الناس بالوقيد (٢)، فتزايدوا فيه بالشوارع والأزقة، وزيّنت الأسواق والقياسر (٣) بأنواع الزينة، وباعوا واشتروا، وأوقدوا الشموع الكبيرة طول الليل؛ وأنفقوا الأموال الكثيرة فى المآكل والمشارب والغناء واللهو. ومنع الرّجال المشاة بين يدى الحاكم أن يقرب أحد من الناس الحاكم، فزجرهم، وقال لا تمنعوا أحدا، فأحدق الناس به وأكثروا من الدّعاء له. وزينت الصناعة (٤)، وخرج سائر الناس بالليل للتفرج وغلب النساء الرجال على الخروج فى الليل، وتزايد الزحام فى الشوارع والطرقات؛ وتجاهروا بكثير من المسكرات، وأفرط الأمر من ليلة التاسع عشر إلى ليلة الرابع والعشرين فلما خرج الناس عن الحدّ أمر الحاكم ألا تخرج امرأة من العشاء، فإن ظهرت نكّل بها، ومنع الناس من الجلوس فى الحوانيت. وهبت فى أول يوم من طوبة سموم لم يعهد مثله. وورد سابق الحاجّ، ثم قدمت قافلة الحاج فى سادس عشر صفر.

стр. 407

وفى خامس ربيع الأول أعتق الحاكم زيدان، صاحب المظلة (١)، وأمر أن يكتب على مكاتباته من زيدان مولى أمير المؤمنين. وخلع على القاضى حسين بن النعمان وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما، وحمل إليه عدة ثياب لحضوره العتاقة. وكثر وقود المصابيح فى الشوارع والطرقات، وأمر الناس بالاستكثار منها وبكنس الطرقات وحفر الموارد وتنظيفها. وخلع على فتح، غلام ابن فلاح، وندب إلى الخروج على الأسطول. وقبض على رجل شامى قال: لا أعرف على بن أبى طالب، وأقول إن النبى ﷺ مرسل، غير أنى لا أعرف علىّ بن أبى طالب. فحبس وروجع؛ فأصرّ على أنه لا يعرف عليا؛ فرفق به القائد حسين فلم يعترف بمعرفة علىّ ﵁، فخرج الأمر بقتله، فضرب عنقه وصلب. وفى سادس عشر جمادى الآخرة وصل رسول ملك الرّوم (٢)، فحشدت له العساكر من سائر الأعمال، ووقفوا صفّين والحاكم واقف ليراهم. وسار الرسول بين العساكر إلى باب الفتوح، ونزل، ومشى إلى القصر يقبل الأرض فى طول المسافة حتى وصل إلى حضرة

стр. 408

الحاكم بالقصر، وقد فرش إيوان القصر وعلّق فيه تعاليق غريبة، يقال إنه أمر بتفتيش خزائن الفرش إلى أن وجد فيها أحدا وعشرين عدلا ذكرت السيّدة رشيدة بنت المعز أنها كانت فى قطار الفرش المحمولة من القيروان إلى مصر مع المعزّ فى جملة أعدال، وأن كتّاب خزائن الفرش وجدوا على بعضها مكتوبا الحادى والثلاثون والثلاثمائة من عمل العبيد، ديباج خزّ ومذهب؛ ففرش منه جميع الإيوان وستر جميع حيطانه بالتعاليق، فكان جميع أرضه وحيطانه رفيعا دليلا على عظمته وسعته. وعلّقت بصدر الإيوان العسجدة، وهى درقة مطعّمة بفاخر الجوهر النفيس من كل أصنافه، فأضاء لها ما حوله، ووقعت عليها الشمس فلم تطق الأبصار تأملها كلالا. فدخل الرسول وقبل الأرض، ودفع الكتب وعرض الهدية. وأنفذ الحاكم لأبى الحسن على بن إبراهيم النرسى ألف دينار وأربعة وعشرين قطعة ثياب مختارة، وسومح بمبلغ ثلاثة آلاف دينار كانت عليه. وجرى الرسم فى الفطر طول شهر رمضان على مائدة الحاكم كما تقدّم. ولما كثر النزاع بين عبد العزيز بن النعمان والقاضى حسين بن النعمان كتب الحاكم بخطّه ورقة إلى الحسين، نصّها بعد البسملة: «يا حسين أحسن الله عليك. اتّصل بنا ما جرى من شناعات العوامّ ومن لا خير فيه، وإرجافهم، وأنكرنا أن يجرى مثله فيمن يحلّ محلك من خدمتنا، إذ أنت قاضينا وداعينا وثقتنا. ونحن نتقدم بما يزيل ذلك، ولم نجعل لأحد غيرك نظرا فى شيء من القضايا والحكم، ولا فى شيء مما استخدمناك فيه، ولا مكاتبة أحد من خلفائك بالحضرة وغيرها وسائر النواحى، ولا أن نكاتب أحدا منهم غيرك؛ ومن تسمى غيرك بالقضاء فذلك على المجاز فى اللفظ لا على الحقيقة. وقد منعنا غيرك أن يسجل فى شيء فيتقدم إلى جميع الشهود والعدول بألاّ يشهدوا فى سجلّ لأحد سواك. وإن تشاجر خصمان فدعا أحدهما إليك ودعا الآخر إلى غيرك كان الدّاعى

стр. 409

إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا مكرها فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ القضايا والأحكام مستعينا بالله ، ثمّ بنا؛ ولك من جميل رأينا فيك ما يسعدك فى الدنيا والآخرة. وقد أذنّا لك أن يكاتب جميع من يكاتب القاضى بقاضى القضاة كما جعلناك، وتكاتب من تكاتبه بذلك وتكتب به فى سجلاتك. فاعلم ذلك، وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل ولا يتجاوز. وفّقك الله لرضاه ورضانا، وأيّدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء الله تعالى. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما». فقرأه القاضى على سائر الشهود، وأمر أن يكتب فى سجلاّته قاضى القضاة، وكوتب بذلك وكتب عليه. وجرى الرسم فى ركوب الحاكم لفتح الخليج (١) وفى يوم العيد إلى المصلّى على العادات. وسارت قافلة الحاج للنصف من ذى القعدة بالكسوة والشمع والصّلات، وزينت البلد مرّة فى شوال ثلاثة أيام ومرّة فى ذى القعدة يوما. وجرى الرسم فى صلاة عيد النّحر على ما تقدم، ثم انصرف فنحر ودخل تربة القصر وحضر السماط. وفيها توفى أبو الفضل جعفر بن الفرات (٢)، فى ثالث ربيع الأول، عن اثنتين وثمانين سنة

стр. 410

وثلاثة أشهر وخمسة أيام؛ فصلى عليه القاضى حسين بن النعمان، ودفن فى داره. وكان من الفضل والعلم والدين بمنزلة؛ وحدّث وأسمع وأملى مجالس، وكتب على الصحيحين مستخرجا. وكان كثير البرّ والصلات والصدقة، شديد الغيرة حتى إنه ليحجب أولاده الأكابر عن حرمه وأهله وعن أمهاتهم. فإنه بلغه عن بعض أولاده أنه واقع أختا له وأحبلها. وكان يتنسّك منذ تجاوز أربعين سنة. ثم حمل من مصر ودفن بالمدينة النبوية. وفيها قتل الحاكم مؤدّبه أبا القاسم سعيد بن سعيد الفارقى يوم السبت لثمان بقين من جمادى الأولى وهو يسايره، بأن أشار إلى الأتراك بعينيه بعد أن بيّت معهم قتله، فأخذته السيوف؛ وكان قد داخل الحاكم فى أمور الدولة وقرأ عليه الرقاع واستأذنه فى الأمور كهيئة الوزراء.

стр. 411

سنة احدى وتسعين وثلاثمائة (١) فى المحرم قتل الحاكم ابن أبى نجدة؛ وكان بقّالا فترقّت أحواله حتى ولى الحسبة ودخل فيما لا يليق به، وأساء فى معاملة الناس، فاعتقل، ثم قطعت يده ولسانه وشهّر على جمل وضربت عنقه. وفى شعبان سارت هديّة إلى المغرب فيها ثلاثمائة فرس بجلال وعشرة بمراكب، وخمسة وأربعون بغلا تحمل السلاح والكسوة، وعشرون بغلا تحمل صناديق فيها ذهب وفضة. وفى شهر رمضان خلع على تموصلت بن بكار وقلّد بسيف، وحمل على عشرة أفراس بمراكبها، وقلّد إمارة الشام. وجرى الرسم فى سماط رمضان وصلاتى العيدين وخروج قافلة الحاج على ما تقدم. وفيها توفى أبو تميم سلمان [بن جعفر] بن فلاح فى ثامن جمادى الآخرة. وقتل عدة أناس

стр. 412

سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة (١) فى نصف صفر قدم الحاجّ. وفى ربيع الأول قرئ سجل برفع المنكرات وإبطالها وبمنع ذلك، فختم على عدة مواضع فيها المسكرات لتراق. وابتدئ فى عمارة جامع راشدة (٢)، وكان مكانه كنيسة فبنى جامعا، وأقيمت فيه الجمعة، وفى ثامن جمادى الآخرة ضربت رقبة فهد بن إبراهيم، وله منذ نظر فى الرئاسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما. فحمل أخوه أبو غالب إلى سقيفة القصر من مال أخيه فهد جرايات فيها خمسمائة ألف دينار. فلما خرج الحاكم سأل عنها فعرّف خبرها، فأعرض عنها؛ وبقيت هناك مدة ثم أمر بها فردّت إلى أولاد فهد، وقال إنا لم نقتله على مال؛ فحملت إليهم، ثم رفع أصحاب الأخبار عن أبى غالب كلمة تكلّم بها، فقتل وأحرق بالنّار. وخلع على أبى الحسن على بن عمر بن العداس مكانه، وخلع على ابنه محمد بن على، وعلى الحسين بن طاهر الوزان، وحملوا فى رابع عشره. وسار الأمير ياروخ متقلدا طبرية وأعمالها. وقبضت أموال من قبض عليه من النصارى الكتاب.

стр. 413

وأمر بإتمام بناء الجامع الذى ابتدأ بعمارته العزيز على يد وزيره يعقوب بن كلّس خارج باب الفتوح من القاهرة، فقدرت النفقة عليه أربعين ألف دينار، فابتدى بعمله (١). وفى خامس عشر من شهر رجب ضرب عنق أبى طاهر محمود بن النحوى الناظر فى أعمال الشام لكثرة تجبّره وعسفه بالناس. وفى غرة شعبان جمع فى الجامع الجديد بظاهر باب الفتوح. وقطع الحاكم الركوب فى الليل. وردّ إلى أولاد فهد بن ابراهيم سروجهم المحلاّة وأمروا بالركوب بها. وأطلق من اعتقل من الكتاب النصارى. وصلى الحاكم فى رمضان بالناس أجمعين بعد ما خطب؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على الرسم. وأكثر من الحركة فى شهرى رمضان وشوال إلى دمنهور (٢) والأهرام وغيرهما. وسافر الحاجّ للنصف من ذى القعدة. وأما الشام فإنه لما مات جيش بن الصّمصامة فى شهر ربيع الآخر سنة تسعين ولى دمشق شيخ من المغاربة يقال له فحل بن تميم (٣)، فلبث شهورا ومات؛ فقدم عند الحاكم على [ابن جعفر (٤)] بن فلاح فنزل على دمشق ليومين بقيا من شوّال، وأقام بها غير منبسط اليد

стр. 414

فى ماله. فلمّا كان فى شهر رمضان، سنة اثنتين وتسعين، قدم من جهة الحاكم داع يقال له ختكين (١) الملقّب بالضّيف إلى دمشق، فبرز ابن فلاح وأقام بظاهر دمشق. فأراد الضيف أن ينقص الجند من أرزاقهم، فشغبوا وساروا يريدون ابن عبدون النصرانى، وكان على تدبير المال وعطاء الأرزاق، فمنعهم الضّيف وأغلظ فى القول لهم، وكان قليل المداراة، فرجعوا إليه وقتلوه، وانتهبوا دور الكتّاب والكنائس. وتحالف المغاربة والمشارقة من العسكر على أن يكونوا يدا واحدة فى طلب الأرزاق، وأنهم يمتنعون (٢) ممّن يطالبهم بما فعلوه؛ وحلف لهم على [بن جعفر] (٣) بن فلاح أنه معهم على ما اجتمعوا عليه. فبلغ ذلك الحاكم فقال: هذا قد عمى. فبعث يعزله عن دمشق، فسار عنها فى يسير من أصحابه؛ وذلك فى شوّال منها. وتأخر العسكر بدمشق، فقدم إليها تموصلت بن بكار من قبل الحاكم، فلم يزل عليها إلى أن ولى مفلح اللّحيانى (٤) دمشق فى ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين. وكان خادما وفى وجهه شعر، فسار إليها. وفيها قتل أبو على الحسن بن عسلوج (٥) فى المحرّم وأحرق. وقتل على بن عمر بن العدّاس (٦) فى شعبان وأحرق.

стр. 415

وقتل الأستاذ أبو الفضل زيدان، صاحب المظلّة لعشر بقين من ذى الحجة؛ ضرب عنقه. وفيها استأذن عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن المنصور أن يخرج إلى بعض ضياعه، فأذن له الحاكم؛ فخرج بجماعة من ندمائه؛ فبعث الحاكم عينا يأتيه بخبرهم، فصاروا إلى متنزّههم فأكلوا وشربوا، وجرى من حديثهم أن قال أحد أولاد المغازلى المنجم لابن هاشم: لا بدّ لك من الخلافة، فأنت إمام العصر. فلمّا عادوا ودخل ابن هاشم على الحاكم وجلس أخرج الحاكم من تحت فراشه سيفا مجرّدا وضربه به، فحمل إلى داره وكتب يعتذر عن ذنبه إن كان قيل عنه، ويحلف ويذكر أن ضربته سالمة، ويسأل الإذن فى طبيب يعالجه؛ فأجيب إلى ذلك. فلمّا أفاق استأذن فى الدخول إلى الحمام، فأذن له؛ فبعث الحاكم إلى الحمّام من ذبحه فيه وأتاه برأسه. وبعث إلى من حضر المجلس فقتلوا وأحرقوا بالنار، وفيهم أولاد المغازلى وابن خريطة وأولاد أبى الفضل بن الفرات وفتيان من كتامة. وتتابع القتل فى الناس من الجند والرعية بضروب مختلفة (١).

стр. 416

سنة أربع وتسعين وثلاثمائة (١) فى محرّم خلع على مظفّر الخادم الصقلبى، وحمل على ثلاث بغلات بمراكبها، ومعه ثياب كثيرة؛ وندب لحمل المظلة. وخلع على متولّى الأسود وحمل لواؤه ببرقة. وقبض على أبى داود بن المطيع. وخلع علىّ [صاحب] (٢) ديوان النفقات وضرب عنقه بسبب أنه سرق مائتى ألف دينار ذهب. وقدم مفلح اللّحيانى إلى دمشق فى المحرّم، فسار عنها تموصلت يريد مصر، ونزل بداريّا (٣) فمات بها فى ثانى صفر. فلما ورد خبر موته إلى الحاكم خلع على ولديه وحملهما. وقدم الحاجّ فى رابع عشريه. وفى ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل باللّيل فى سائر الشوارع والأزقّة بمصر. وخلع على أبى يعقوب بن نسطاس المتطبّب وحمله على بغلتين ومعه ثياب كثيرة؛ ومنحت له دار بالقاهرة وفرشت، وألزم بالخدمة. وكان قد هلك منصور بن معشر الطبيب. وهدمت كنيستان بجانب جامع راشدة. وفى جمادى الآخرة حمل إلى الشريف أبى الحسن على النرسى رسمه يجارى به العادة فى كل سنة، وهو من الثياب عشرون قطعة بنحو خمسمائة دينار. وفى رجب قرئ سجّلان؛ أحدهما فيه إنكار الحاكم على من يخاطبه فى المكاتبة بمولى الخلق أجمعين؛ والآخر بمسير الحاج أول ذى القعدة (٤).

стр. 417

وقبض على ثلاثة عشر رجلا ضربوا وشهّروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيام بسبب أنهم صلّوا صلاة الضحى وفى شعبان خرج الكتاميون إلى باب الفتوح، فترجّلوا وكشفوا رءوسهم، واستغاثوا بعفو أمير المؤمنين فأوصل إلى الحاكم جماعة منهم، فوعدهم، وكتب لهم سجلّ قرئ بالقصر والجوامع بالرضا عنهم وإعادتهم إلى رسومهم فى التكرمة. وأمر بهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية. وصلى الحاكم بالناس فى رمضان صلاة الجمعة مرتين وخطب (١). وفى سادس عشره صرف الحسين بن النعمان عن القضاء. وكان قد ضرب فى الجامع فندب الحاكم جماعة من شيوخ الأضياف يركبون معه إلى كل مجلس فيه جماعة من الخاصة وأمر أصحاب سيوف الحلى بالمشى بين يديه فى كل يوم. فكان إذا حضر إلى الجامع العتيق وقام يصلى وقف جماعة الأضياف صفّا خلفه يسترونه، ولا يصلّى أحد منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه؛ فإذا جلس فى مجلسه كانوا قياما عن يمينه وشماله. وهو أول قاض فعل ذلك معه، وأول قاض كتب فى سجلاته قاضى القضاة؛ وعلت منزلته عند الحاكم وتخصص به. وكان له عند الحاكم جماعة يمدحونه ويبالغون فى الثناء عليه، منهم ريحان اللحيانى وزيدان ومصلح اللحيانى؛ فانبسطت يده وعظم شأنه؛ ولا عن بين رجل وامرأته؛ وتشدّد على الناس؛ فكان إذا أبطأ شاهد (٢) يوم جلوسه فى الجامع عن الحضور إلى داره والركوب معه رسم عليه وأغرمه مالا ليأخذه. وألزم كتّابه بملازمة داره دائما. وكانت

стр. 418

إليه الدعوة أيضا. وكان قاضى القضاة وداعى الدعاة، وقد أفضل على جماعة من أهل العلم والأدب والبيوتات. فكانت مدّة نظره فى القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. ومولده لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين. وهو أول قاض أحرق بعد قتله، فإن الحاكم أحرقه بعد ما قتله فى سادس محرم الآتى ذكره. وفى سادس عشر رمضان قلّد أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان القضاء إلى ما بيده من النظر فى المظالم، وخلع عليه، وقلّد سيفا محلّى بذهب، وحمل على بغلة وبين يديه سفط ثياب. فنزل فى موكب عظيم إلى الجامع العتيق، فجلس تحت المنبر ورقى أبو على أحمد بن عبد السّميع وقرأ سجلّه. وانصرف إلى داره فنزلها وحكم، واستخلف على الحكم أبا الحسن مالك بن سعيد الفارقى مضافا إلى ما كان مستخلفا عليه من الحكم فى القاهرة. واستكتب أبا يوسف منال لحضرته والتوقيعات عنه؛ ثم كتب له سجل بأخذ الفطرة والنجوى (١) وحضور المجلس بالقصر وأخذ الدعوة على الناس، وقراءة ما يقرأ على من دخل الدعوة. فحضر يوم الخميس الثانى عشر منه، وقرأ ما جرى الرسم بقراءته فى القصر، وأخذ النجوى والفطرة، وأوقف سائر الشهود الذين قبلهم حسين فى أيامه؛ وصرف عدّة من المستخلفين بالأعمال؛ واستكتب أبا طالب ابن السندى فوقّع بين يديه؛ واستكتب أبا القاسم علىّ ابن عمر الوراق؛ وكتب السجلات وكتب القضايا والأحكام. ولزم حسين داره وقد استبدّ خوفه؛ وحملت كتب ديوان الحكم من داره إلى دار عبد العزيز.

стр. 419

وفيه قرئ سجل بالإنكار على الكتّاب ومن يجرى مجراهم فى أخذ شيء من البراطيل (١) ونحوها. وركب الحاكم لصلاة العيد بالمصلّى، فصلّى وخطب وحضر السماط بالقصر على رسمه فى ذلك. وبرزت قافلة الحاج فى ثامن ذى القعدة بالكسوة والصّلات على العادة. وصلّى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر، ونحر فى الملعب (٢). وفيها قتل سهل بن يوسف، أخو يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير، بسبب قوة طمعه وكثرة شرهه. وعند ما قدّم للقتل سأل أن يدفع السّاعة ثلاثمائة ألف دينار عينا يفدى بها نفسه، فلم يجب. وقتل أيضا القائد أبو عبد الله الحسين بن الحسن البازيار، من أجل أنه كان إذا دخل من باب البحر (٣) تكون رجله على عنق دابّته ويكون الحاكم فى المنظرة التى على بابه، فتصير رجله إلى وجه الحاكم؛ وكان ابن البازيار قد اعتراه وجع النّقرس، فعدّ ذلك الحاكم عليه دينا قتله به فى شوال لسوء التوفيق. وفيها قدم من برقة عدّة من بنى قرّة إلى الإسكندرية، فقتلوا عن آخرهم. وذلك أن يانس لما قتل وصل عسكره إلى طرابلس، فنازلهم القائد جعفر بن حبيب فزحف إليه فلفول

стр. 420

ابن خزرون ففرّ منه؛ وخرج فتوح بن على ومن معه من أصحاب يانس إلى فلفول وملّكوه عليهم؛ فقام بدعوة الحاكم، وعقد الحاكم ليحيى بن على بن حمدون الأندلسىّ على أطرابلس وكتب لبنى قرّة أن يسيروا معه، فمضوا من برقة معه وخذلوه؛ فعاد إلى القاهرة ورجع بنو قرّة إلى برقة وأظهروا الخلاف، فأمّنهم الحاكم حتى قدموا وحدهم إلى إسكندرية فقتلوا. واستقرت أطرابلس بيد فلفول وتداولها بنوه (١).

стр. 421

سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (١): فى سابع محرم قرئ سجل فى الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشدّ الزّنّار ولبس الغيار (٢)، وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين. وفيه فحش كثير وقدح فى حقّ الشيخين ﵄. وقرئ سجل فى الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية المحبّبة كانت لمعاوية بن أبى سفيان، والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة ﵂، والمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل (٣). وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل، والمنع من أكل الدلنيس (٤)، والمنع من ذبح البقر التى لا عاقبة لا عاقبة لها إلا فى أيام الأضاحى، وما سواها من الأيام لا يذبح منها إلاّ ما لا يصلح للحرث. وفيه النكير على النّخّاسين والتشديد عليهم فى المنع من بيع العبيد والإماء لأهل الذمة. وقرئ سجّل آخر بأن يؤذّن لصلاة الظهر فى أول الساعة السابعة، ويؤذّن لصلاة العصر فى أول الساعة التاسعة. وإصلاح المكاييل والموازين والنهى عن البخس فيهما، والمنع من بيع الفقّاع (٥) وعمله البتّة لما يؤثر عن علىّ ﵁ من كراهة شرب الفقّاع. وضرب فى الطرقات بالأجراس ونودى ألا يدخل الحمام أحد إلاّ بمئزر؛ وألا تكشف امرأة وجهها فى طريق ولا خلف جنازة، ولا تتبرّج. ولا يباع شيء من السمك بغير قشر،

стр. 422

ولا يصطاده أحد من الصيادين. وتتبّعت الحمّامات وقبض على جماعة وجدوا بغير مئزر فضربوا وشهّروا. وفيه برزت العساكر لقتال بنى قرّة وسارت. وكتب فى صفر على سائر المساجد، وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنه فى جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصّحراء بسبّ السّلف ولعنهم، ونقش ذلك ولوّن بالأصباغ والذهب؛ وعمل كذلك على أبواب القياسر وأبواب الدور، وأكره على عمل ذلك. وأقبل الناس من النواحى والضّياع فدخلوا فى الدعوة، وجعل لهم يوم وللنساء يوم؛ فكثر الازدحام ومات فى الزحمة عدّة (١). ولما دخل الحاجّ نالهم من العامة سبّ وبطش؛ فإنهم طلبوا منهم سبّ السلف ولعنهم، فامتنعوا. ونودى فى القاهرة: لا يخرج أحد بعد المغرب [إلى] الطريق ولا يظهر بها لبيع ولا شراء فامتثل الناس لذلك. وفى ربيع الأول تتبّعت الدّور ومن يعرف بعمل المسكرات، وكسر من أوعيتها شيء كثير. وفيه أمر الحاكم بشونة تحت الجبل ملئت بالسّنط والبوص والخلفاء؛ فتخوّف الناس كافة، من يتعلّق بخدمة الدولة من الأولياء والقواد والكتاب، وسائر الرعية من العوامّ. وقويت الشّفاعات وكثر الاضطراب، فاجتمع سائر الكتاب والمتصرّفين من المسلمين والنصارى، وخرجوا بأجمعهم فى خامسه إلى الرياحين (٢) بالقاهرة؛ وما زالوا يقبلون الأرض

стр. 423

حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون، ويضجّون ويسألون العفو عنهم، ومعهم رقعة قد كتبت عن الجميع. ثم دخلوا باب القصر وهم يسألون أن يعفى عنهم ولا يسأل فيهم قول ساع يسعى فيهم. وسلّموا رقعتهم لقائد القوّاد، فأوصلها إلى الحاكم، فعفا عنهم وأمرهم على لسان قائد القواد بالانصراف والبكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم؛ فانصرفوا بعد العصر. وقرئ من الغد سجلّ كتب نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بالأمان والعفو عنهم. وفى ليلة التاسع منه ولد للحاكم ولد، فجلس فى صبيحتها للهناء، وأمر بإحراق الشونة فأحرقت. وكان سابع المولود (١)، فأخرج على يد خادم إلى قائد القواد، فتسلّمه حتى أعد المزين شعره؛ وذبح عنه الشريف أبو الحسن النرسى العقيقة بيده، وحمل عثمان الحاجب الدّم والعقيقة، فأمر له بألف دينار وفرس ملجم وعدّة ثياب من أجل حمل الدم والعقيقة؛ ودفع إلى المزيّن مائتا دينار وفرس. وسمّى المولود بالحارث وكنّى بأبى الأشبال. وخرج قائد القواد إلى سائر الأتراك والديلم والعرفاء وقال: مولانا يقرأ عليكم السلام ويقول قد سمّيت مولاكم الأمير الحارث وكنّيته أبا الأشبال. فقبّل الجميع الأرض وأكثروا الدعاء، وانصرفوا. وزيّنت البلد أربعة أيام. وفيه رسم الحاكم لجماعة من الأحداث أن يتقافزوا من موضع عال فى القصر، ورسم لكل منهم بصلة؛ فحضر جماعة وتقافزوا، فمات منهم نحو ثلاثين إنسانا من أجل سقوطهم خارجا عن الماء على صخر هناك؛ ووضع لمن قفز ماله. وفى ربيع الآخر اشتد خوف كافة الناس من الحاكم، فكتب ما شاء الله من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصة وزمامهم ومن معهم من الحمدانية، والبكجورية، والغلمان العرفاء،

стр. 424

والمماليك، وصبيان الدار، وأصحاب الإقطاعات، والمرتزقة، والغلمان الحاكمية القدم. وكتب أمان لجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمّعوا وساروا إلى تربة العزيز وضجّوا بالبكاء وكشفوا رءوسهم. وكتبت عدة سجلات بأمانات للديلم والخيل والغلمان الشرابية، والغلمان المرتاحية، والغلمان البشارية، والغلمان المفرقة العجم وغيرهم، والنقباء، والروم المرتزقة (١). وكتبت عدة أخرى بأمان الزّويلين، والمنادين، والبطالين، والبرقيّين، والعطوفية، والجوانية، والجودرية، والمظفرية، والصنهاجيين، وعبيد الشراء بالحسينية، والميمونية، والفرجية. وكتب أمان لمؤذنى أبواب القصر، وأمانات لسائر البيازرة والفهّادين والحجالين، وأمانات أخرى لعدة أقوام، كل ذلك بعد سؤالهم وتقرّبهم. وفيه أمر بقتل الكلاب، فقتل منها ما لا يحصى حتى لم يبق منها بالأزقة والشوارع شيء، وطرحت بالصحراء وبشاطئ النيل؛ وأمر بكنس الأزقّة والشوارع وأبواب الدور فى كل مكان، ففعل ذلك. وفى جمادى الآخرة فتحت دار الحكمة (٢) بالقاهرة، وجلس الفقهاء فيها، وحملت الكتب اليها، ودخلها الناس للنّسخ من كتبها وللقراءة. وانتصب فيها الفقهاء والقرّاء والنّحاة وغيرهم من أرباب العلوم، وفرشت، وأقيم فيها خدام لخدمتها، وأجريت الأرزاق على من بها من فقيه وغيره؛ وجعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر والأوراق والأقلام.

стр. 425

وفيه اشتد الطلب على الركابية (١) المستخدمين فى الرّكاب بعد أن قتل منهم فى يومين أكثر من خمسين نفسا فتغيّبوا؛ وامتنع أحد من الناس أن يمشى بين يديه غلام أو شاكرى (٢)، فكانت القواد ومن جرى رسمه أن يكونوا بين يديه يسيرون وحدهم، وإذا نزل أحدهم للسّلام أمسك خادمه الدابة؛ ثم عفى عنهم وكتب لهم أمان. وكتب لعدّة من الناس عدّة أمانات. وفيه منع كلّ أحد ممّن يركب أن يدخل من باب القاهرة راكبا؛ ومنع المكاريّون أن يدخلوا بحميرهم؛ ومنع الناس من الجلوس على باب الزهومة (٣) من التجار وغيرهم؛ ومنع كلّ أحد أن يمشى ملاصق القصر من باب الزّهومة إلى باب الزّمرد. ثم أذن للمكاريين فى الدخول وكتب لهم أمان. وتخوّف الناس، فخرج أهل الأسواق على طبقاتهم، كل طائفة تسأل كتابة أمان، فكتب ما ينيف عن المائة أمان لأهل الأسواق خاصة، قرئت كلّها فى القصر ودفعت لأربابها، وكلّها على نسخة واحدة. وهى بعد البسملة: «هذا كتاب من عبد الله ووليّه المنصور أبى علىّ الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، لأهل مشهد عبد الله إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحقّ المبين، وأمان سيّدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا علىّ خير الوصيّين، وذرية النبوّة المهديين آبائنا، صلى الله على الرسول ووصيّه وعليهم أجمعين. وأمان أمير المؤمنين على النّفس والأهل والدم والمال. لا خوف عليكم، ولا تهديد بسوء إليكم، إلاّ فى حدّ يقام بواجبه، وحقّ يوجد لمستوجبه. فليوثق
следующие страницы →