لا يصح التماسه لذلك، لأنّ من أسر من بلاد الرّوم تفرقوا فى الممالك بالعراق والدولة الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك، ولا حكم للحضرة على جميع الممالك، ويرتجع منها ما صار فى أيدى أهلها؛ وبلاد الروم بخلاف ذلك، ومن حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل فى دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلاّ بإذن أهلها؛ وبين الحالين فرق كبير. فأجاب بأنه لا يطلق من فى بلاده من أسرى المسلمين. فاشترط عليه النّزول عما صار فى أيدى الروم من الحصون الإسلامية؛ فامتنع من ذلك وقال إذا سلّم إلينا ما صار فى أيدى المسلمين من حصون المسلمين من حصون الروم سلّم ما فى أيديهم من حصون المسلمين. فبدل الجيش بجيش آخر، وخرج مع مقدّمه الأمير السعيد ليث الدولة، فنازل اللاّذقية حتى فتحها، ووقع العنف فيها. وأجيب بأنه لا يصح أن يسلّم إليهم ما صار فى أيدى المسلمين من الحصون لأنهم قد أنبتوا فيها العقارات وأنشئوا فيها البساتين. فقال: يدفع لهم عن أملاكهم وما أنشئوه من البساتين وغيرها، وما أنفقوه فيها، وينتقلون عنها إلى غيرها من بلاد المسلمين. فأجابوا إلى أن يسلموا ما فى أيديهم من الحصون الإسلامية.
وكانت العادة جارية بأنه إذا وصلت هديّة من الرّوم إلى الحضرة تقوّم ويحمل إليهم هدية موضعها بثلثى قيمتها، ليكون للإسلام مزية عليهم بالثلث؛ فاشترط أن يكون قيمة ما يحمل إليهم من الهديّة عوضا عن قيمة هديتهم النّصف؛ فأجابوا إلى ذلك أيضا. فاشترط عليهم أن يردّوا كلّ من تضمّه دار البلاد، التى هى دار الملك ومحلّه؛ فامتنع من ذلك.
فأمدّ الجيش بجيش ثالث وعليه أميران، هما موفق الدولة حفاظ بن فاتك وأبو الجيش عسكر بن الحلى، ومقاد جميع الجيش إلى الأمير مكين الدولة وأمينها ابن ملهم. فأوغلوا فى بلاد الروم ينهبون ويقتلون ويأسرون حتى أعظموا النكاية فيها، والرسل والمكاتبات تتردد، إلى أن استقر القيام بالجزية التى التمسها أمراء البلاط، وجهزت الهدية. وبلغت الجزية المذكورة نيفا وثلاثين ألف دينار.
стр. 597
وحمل ذلك إلى أنطاكية؛ فبلغهم قتل الوزير، فأعيدت إلى القسطنطينية. وزينت بلاد الروم لموته، وكثر ابتهاجهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه عليهم، وشدة شكيمته.
وأما ابن ملهم فإنه لما أوغل فى بلاد الروم وقارب أفامية وجال فى أعمال أنطاكية نهب وسبى، فقدمت من القسطنطينية قطائع يقال إن عدتها ثمانون قطعة، فكانت بينها وبين ابن ملهم حروب آلت إلى أن أسر هو وجماعة من أعيان العرب فى آخر ربيع الآخر.
وفيها استدعى راشد بن عليان بن سنان، أمير الكلبيين، فاعتقل بالقاهرة، وردّت إمارة بنى كليب لنبهان القريطى. وقبض على إقطاع راشد وأخيه مسمار، وهو مقيم بظاهر دمشق، ففرّ إلى غالب بن صالح. فكتب المستنصر إلى ثمال ينكر عليه تسيير هدية إلى ملك الروم، فتحيّر فى أمره واعتذر.
стр. 598
سنة سبع وأربعين وأربعمائة (١):
فيها سيّر المستنصر إلى كنيسة قمامة، فأحتاط بجميع ما فيها. وذلك أن القاضى أبا عبد الله القضاعى كان قد توجه من عند الخليفة برسالة إلى متملّك الروم، فقدم وهو بالقسطنطينية رسول السلطان طغرلبك بن سلجوق يلتمس من الملكة تيودورا (٢) أن تمكن رسوله من الصّلاة فى جامع قسطنطينية، فأذنت له فى ذلك؛ فدخل إليه وصلّى به، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسى. فبعث القضاعى بذلك إلى المستنصر، فأحاط بما فى قمامة وأخذه، وأخرج البطرك منها إلى دار مفردة؛ وأغلق أبواب كنائس مصر والشام، وطالب الرهبان بالجزية لأربع سنين، وزاد على النصارى فى الجزية. وكان هذا ابتداء فساد ما بين الروم والمصريين.
وفيها تجمّع كثير من التركمان بحلب وغيرها، وأفسدوا فى أعمال الشام (٣).
وفيها تزايد الغلاء، وكثر الوباء، وعم الموتان بديار مصر.
وفيها سار مكين الدولة الحسن بن على بن ملهم من القاهرة بالعساكر؛ ونودى فى بلاد الشام بالغزو والجهاد. واستدعى راشد بن عليان بن سنان إلى القاهرة، وقرر معه أن يسير فى قومه الكلبيين مع ابن ملهم، ثم قبض عليه. وعقدت إمارة الكلبيين لنبهان، وقيل لسنان، فنزل ابن ملهم أفامية، ثم سار إلى حصن قسطول فحصره عشرين يوما حتى أخذه
стр. 599
بالأمان، فى ثامن ربيع الأول سنة سبع وأربعين. وعاد إلى أفامية فحصرها ورماها بالمجانيق، فطلبوا الأمان على أن يرحل عنهم؛ فلما رحل أحرقوا القلعة وانهزموا، فلحقهم وقتلهم، وأطفأ النّار من القلعة، وأغار على البلاد؛ فلم يكن بأنطاكية من يذب عنها، وجمع كل طامع فى النهب بحجة ابن ملهم. وتوسط ثمال بن صالح للصلح، فلم يتمّ. وسيّرت الملكة تيودورا أسطولا إلى أنطاكية، فوصل اللاّذقية ثمانون قطعة، وخرج دوقس أنطاكية وبطركها فى جماعة، فظفروا بشينيين (١) للمسلمين معهما الغنائم؛ فسار ابن ملهم نحوهم، وكشف الروم إلى طرف أنطاكية، واستنقذ الأسرى منهم وقتل منهم خلقا كثيرا. فدار الأسطول إلى طرابلس وقاتلوا أهلها، فقتل من الفريقين خلائق. وعاد الأسطول الرومى إلى اللاّذقية، فماتت الملكة تيودورا بعد سبع سنين من ملكها وتسعة أشهر واثنتى عشرة ليلة؛ وملك بعدها ميخائيل.
стр. 600
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (١):
فيها جهّزت الأموال لأبى الحارث البساسيرى، فخرج بها المؤيّد فى الله عبد الله بن موسى، وجملتها ألفا ألف وثلاثمائة ألف دينار، العين ألف ألف وتسعمائة ألف دينار، والعروض أربعمائة ألف دينار.
وكان من خبره أنه كان من جملة المماليك الأتراك فصار إلى بهاء الدّولة بن عضد الدّولة بن بويه (٢)، رجل من أهل فسا (٣)، إحدى مدائن فارس، فلذلك قيل له البساسيرى؛ وتنقل فى الخدم حتى صار مقدّم الأتراك ببغداد فى أيام الخليفة القائم بأمر الله أبى جعفر عبد الله بن أحمد القادر (٤)، وتلقب بالمظفر. وكان القائم لا يقطع أمرا دونه. فطار اسمه وتهيّبته أمراء العرب والعجم، ودعا له على منابر العراق والأهواز، وتجبّر. وأراد فى سنة ستّ وأربعين من الخليفة أن يسلم إليه أبا الغنائم وأبا سعد ابنى المحلبان، صاحبى قريش ابن بدران صاحب الموصل (٥)، فلم يمكّنه من ذلك. فسار إلى الأنبار ونصب عليها المجانيق، وهدم سورها وأخذها قهرا، وأسر أبا الغنائم ابن المحلبان (٦) ومائة رجل من بنى [خفاجة، وكثيرا من أهل الأنبار. ورجع إلى بغداد وأبو الغنائم بين يديه على جمل فى رجليه قيد؛ فصلب كثيرا من الأسرى.
стр. 601
واتّفق فى شهر ربيع الآخر من سنة سبع وصول زورق فيه ثمر للبساسيرى، فخرج إليه ابن سكرة الهاشمى فى جماعة، فأراقوه ونهبوا دوره وأخذوا دوابّه؛ وكان هو إذ ذاك فى نواحى واسط. فلما بلغه ذلك نسبه إلى الوزير رئيس الرؤساء أبى القاسم بن المسلمة (١)، فعظمت الوحشة بينه وبين الوزير. وسار إلى دبيس بن بدران وهو مستوحش، فوافت رسل طغرلبك بن ميكال بن سلجوق إلى الخليفة القائم بإظهار الطاعة، فتقرّر الأمر مع الملك الرحيم خسرو فيروز بن أبى كاليجار المرزبان ابن سلطان الدولة أبى شجاع، على أن يخطب لطغرل بك ببغداد؛ فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان منها.
ثم إنه قدم إلى بغداد وقبض على الملك الرحيم وعلى جماعة، ثم بعث به إلى قلعة السّيروان، وفرّ منه قريش، ثم إنه خلع عليه وردّه إلى أهله (٢)، وأخذ أموال الاجناد البغداديين وأمرهم بالسعى فى طلب الرزق؛ فسار أكثرهم إلى البساسيرى. وبعث طغرلبك إلى الأمير نور الدين دبيس بن بدران أن يحضر إليه البساسيرى، فالتزم له بذلك. وبلغ البساسيرى الخبر، فسار إلى رحبة مالك بن طوق، وكاتب المستنصر يطلب منه الإذن له فى الدّخول إلى حضرته؛ فأشير على المستنصر بألاّ يمكّنه من الحضور، وأن يعده بما يرضيه، وسيّر إليه الخلع. فبعث يسأل فى النّجدة، ويلتزم بأخذ بغداد وإقامة الخطبة بها للمستنصر وإزالة دولة بنى العباس، وأنه يكفى فى ردّ طغرلبك عن قصده البلاد الشامية.
فجهزت إليه خزائن الأموال العظيمة على يد المؤيّد فى الدين أبى نصر هبة الله بن موسى فى سنة ثمان وأربعين، حيث لم يترك فى خزائن أموال القصر شيء البتة.
وخرج خطير الملك محمد بن الوزير من القاهرة فى تجمّل عظيم، ومعه من كلّ ما يريد،
стр. 602
حتى أخذ أحواض الخشب وفيها الطّين المزروع فيه سائر البقول برسم مائدته. ومعه من خزائن الأموال والأسلحة والآلات والأمتعة ما يجلّ وصفه. فسار إلى القدس، ورحل منها إلى اللاّذقيّة يريد فتحها. فلما كان فى شوال منها واقع البساسيرى ودبيس (١) قريش ابن بدران العقيلى صاحب الموصل وقتلمش ابن عم طغرلبك، وكان طغرلبك قد سيّره إلى سنجار (٢) فى ألفين وخمسمائة فارس. فكانت الوقعة المشهورة التى لم يفلت منها إلا مائتا فارس أو دونها. وانهزم قريش وقتلمش، واستولى البساسيرى ودبيس على الموصل وأقاما بها الدعوة للمستنصر، وكتبا إليه بذلك؛ فسيرت إليهما الخلع ولجماعة أمراء العرب.
وعمل الشّعر فى هذه الواقعة. فمن مليح ما قيل لابن حيوس (٣):
عجبت لمدّعى الآفاق ملكا … وغايته ببغداد الرّكود
ومن مستخلف، بالهون يرضى … يذاد عن الحياض ولا يذود
وأعجب منهما شعب بمصر … تقام له بسنجار الحدود
وبلغ ذلك طغرلبك، فسار يريد الموصل حتى بلغ نصيبين، فأوقع بالعرب وألقاهم بين يدى الفيلة، فقتلهم شر قتلة. وبعث إليه دبيس وقريش بالطاعة فقبل منهما. وسار إلى ديار بكر؛ وجهّز أخاه داود إلى الموصل، فتسلمها وعاد إلى بغداد.
стр. 603
سنة تسع وأربعين وأربعمائة (١):
فيها تسلّم مكين الدولة ابن ملهم من ثمال بن صالح مدينة حلب فى آخر ذى القعدة، وانكفّت أيدى التركمان عنها، وأقيمت خطبة المستنصر فيها وقطعت خطبة القائم؛ وذلك بعد حروب عظيمة. وكان دخول ابن ملهم حلب يوم الخميس لثلاث بقين من ذى القعدة، فبقى على ملكها أربع سنين.
وفيها قدم كتاب من بخارى أنّه وقع بها وباء عظيم حتى هلك من ذلك الإقليم ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألف إنسان، وخلت الأسواق، وأغلقت الأبواب. وتعدّى الوباء إلى آذربايجان فالأهواز والبصرة وواسط، وعامة تلك الأعمال، فكانت الحفيرة تحفر ويلقى فيها العشرون والثلاثون من الأموات. وكان سببه قلة القوت والجوع، فنبشت الأموات وأكلهم الناس. وكان الموت إذا وقع فى دار مات جميع من فيها، وكان المريض ينشقّ قلبه عن دم المهجة، فيخرج من فمه قطرة فيموت، أو يخرج من فيه دود فيموت. وكلّ دار كان فيها خمر مات أهلها كلّهم فى ليلة واحدة، ومن كانت امرأته حراما ماتا معا، ومات قيّم مسجد وله خمسون ألف درهم فلم يقبلها أحد، ووضعت فى المسجد تسعة أيام، فدخل أربعة من الشلوح إليها ليلا ليأخذوها فمات الأربعة عليها. وكان يموت الوصىّ قبل الموصى، وكلّ مسلمين كان بينهما تفاخر ولم يصطلحا ماتا. وابتدأ هذا الوباء من تركستان، ودب منها إلى كاشغر والشاش وفرغانة (٢)، وعمّ النساء والصبيان، فمات الصبيان والكهول والفتيان من سائر الناس إلا الملوك والعساكر، فإنه لم يمت منهم ولا من الشيوخ والعجائز إلا القليل!!
стр. 604
سنة خمسين وأربعمائة (١):
فى أول المحرّم قبض المستنصر على وزيره الناصر للدّين، غياث المسلمين، أبى محمد اليازورى، وكان قد جمع له ما لم يجتمع لغيره من تقليد الوزارة وقضاء القضاء وداعى الدّعاة. وكان للقبض عليه أسباب، منها أن طغرلبك لمّا ملك بغداد كان بها لليازورى عيون كثيرة يطالعونه بدفين الأمور وجليلها، فوصلت كتبهم بوصوله، وأنهم سمعوه يذكر إزماعه على التوجه نحو الشام ليملكه. فقلق لذلك ورأى أنّ الحيلة أبلغ من الاستعداد له، فكتب إليه يهنئه بوصوله إلى العراق، ويبذل له من الخدمة ما يوفى على أمله، وأن مصر وأعمالها بحكمه، وأنه وإن كان مستخدما لدولة ويدعو إليها فإنّه يعلم كثرة الاختلاف، فمن تجاوزها فى نسبها، واتفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرّضا بالخليفة الصّحيح النسب، الصّريح الحسب، الهاشمىّ العباسىّ، وأنه لا يمتنع عن الإقرار له بذلك. وأعطاه صفقة يده على مبايعته، وتسليم الدولة له. وأنه قد اتصل به إزماع حضرته على التوجّه إلى الشام، وأنه أشفق من تسليمها إليه فتطؤها عساكره مع كثرتها وتجمّعها فيخربها ويعفى آثارها، ولا يقع بملكها انتفاع، ولا يرجى لها ارتفاع (٢)؛ فإن رأى أعفاها من وطء العساكر لها، ووصول ركابها إليها، على وجه الفرجة والنظر إلى دمشق وحصنها، فلها عالى رأيها.
فلما وقف طغرلبك على كتابه قال هذا كتاب رجل عاقل، ويجب أن يعتمد ما أشار به بالإذن للعسكر فى عودتهم إلى بلادهم؛ فمضى كلّ منهم لوجهه. ثم أمر فضرب فساطيطه فى الجانب الغربى من بغداد؛ فكتب بذلك عيون اليازورى إليه، فقلق، ثم كتب إليه:
«لا تغرنّك الأمانى والخدع بأن أسلّم إليك أعمال الدولة»، وأخون أمانتى لمن غذانى فضله وغمرنى إحسانه، وتتعيّن علىّ طاعته وموالاته. فإن كنت تسلّم إلىّ ما فى يدك لصاحبك من العراق وأعماله سلّمت إليك ما فى يدى لصاحبى، بل الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة
стр. 605
لابن بنت النّبى الذى هو أولى بمكانه من غيره. وإن رغبت فى المهادنة والموادعة انتظمت الحال بين الدولتين، وأمن الناس بينهما. فإن أبيت إلاّ الخلاف، ونزع الهوى بك إلى الظّنون الفاسدة، والأطماع الكاذبة فليس لك عندى إلاّ السيف. فإن شئت فأقم، وإن شئت فسر».
فغاظ ذلك طغرلبك وقال: خدعنى هذا الفلاح وسخر منّى. وكتب إلى إبراهيم بن ينال، أخى طغرلبك لأمه، بردّ العسكر مسرعا، فلم يتأتّ له اجتماعهم. وكان اليازورىّ قد بثّ عيونه وحواشيه فى عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم بكثرة الأمانى والمواعيد، مثل خاتون زوج طغرلبك، والكندرى (١) وزيره، وابراهيم ينال أخيه (٢) وصاحب جيشه؛ فمالوا إليه وقعدوا عن صاحبهم. وحمل خاتون على قتله، فامتنعت من ذلك وواعدته أنها تتحيّز بغلمانها؛ وهم نحو اثنى عشر ألفا، عنه؛ فاعتزلت بهم. وكان ذلك سبب ظفر البساسيرى بعسكر طغرلبك، وظفر كثير منهم، ورجوع طغرلبك من بغداد طالبا لجمع عسكره الذى تفرّق عنه. وهو أنه سار فى هذه السنة ملك البساسيرى وقريش الموصل بعد حصار شديد نحو أربعة أشهر حتى هدم قلعتها. فخرج طغرلبك يريدهما، فسارا عن الموصل، وهو يتبعهما، إلى نصيبين؛ ففارقه إبراهيم ينال وقصد همذان، ولحقه الأتراك الذين كانوا ببغداد. ففتّ ذلك فى عضد طغرلبك وترك ما هو فيه، ورجع ليضم إليه من تفرق عنه، وترك بغداد. فقوى أبو الحارث البساسيرى، وكثف جمعه، وقصد أعمال العراق، ففتح بلدا بلدا، وتملك الأعمال والرّساتيق (٣) طوعا وكرها، والدولة المصرية تمدّه بما يستعين به على ذلك؛ وهو لا ينفذ فى أمر من الأمور إلا بما يقرّره اليازورى.
فكثرت حسّاده على ما يتوالى من سعادته فى كلّ يوم، وما يتجدد له من رئاسة يقتضيها حسن آثاره فى الدولة، وتأثيراته فى جميع الأطراف والممالك بلطف السياسة ومحكم
стр. 606
التدبير الذى يبلغ به غاية آماله، بحيث لا يبلغ غيره بعضها إلاّ بإنفاق الجمل العظيمة، وتفريغ بيوت الأموال؛ ثم لا يكاد يظفر ببلوغ أمل فى جهة من الجهات إلا دوخها وثبتت آثاره فيها الدهر الطويل. وصار أعداؤه يتعجبون مما يتأتى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار. واستطالوا مدّته، فابتغوا له الغوائل، ونصبوا له الحبائل، وركبوا عليه المناصب حتى كان هلاكه بأقلّ الناس وأحقرهم، وأدناهم منزلة، وأضعفهم قدرة، وهم من أطراف الخدّام. فأقاموا رجلين، أحدهما خادم يعرف بمفرج المغربى كان فى حاشيته، والآخر خازن يتولّى خزانة الفرش يعرف بتنا (؟). وحكوا أنه نقل الأموال إلى الشام فى التوابيت وفى شمع سبكه وأعدّه إلى القدس وإلى الخليل، وأنه قد عوّل على الهرب إلى بغداد؛ واستظهروا بكتابه الذى ذكر إلى طغرلبك؛ مع ما فى طبيعة الملك من الحسد والملل، والأنفة من الاستبداد عليهم ومحبّة الانفراد بالمجد.
وكان من أسباب الخذلان أن المستنصر التمس من صفى الملك، ولد اليازورى، عمل دعوة يدعوه إليها، فدافعه عن ذلك استعظاما لحضوره عنده؛ فأقام مدّة حتى بعثه والده الوزير على تكلّف عملها له؛ فتهمّم لذلك؛ واصطنع ما يجب إعداده، وتقرّر الحال على يوم يحضر فيه. فلما كان قبل ذلك بيوم حضر صفىّ الملك عند الوزير وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه، فصار معه إلى الدار واستصحب خواصه، فرأى ما يقصر عنه الوصف. وفرش مجلسين بديباج بياض كله، وفيه جامات كبار وحمر منقوش، كل مجلس بثلاث مراتب وبساط ملء المجلس؛ وسراديق وحجلين للصدر والباب كله جديد كما حمل من الأعدال؛ فقدّر ذلك بخمسة آلاف دينار. فأقبل كلّ من حضر يبالغ فى صفته ويدعو، وشخص منهم ساكت. فلحظ الوزير وأمسك حتى فرغ من تطواف المجالس وعرض كلّ ما أعدّه، وعدل إلى بيت الطهارة وقد أعدّ فى دهليزه من الفرش والآلات والطّيب، وداخله من الفواكه والمشمومات كل مستحسن. ودعا الوزير الرجل الذى سكت عند مبالغة من حضر فى الوصف، وقال: يا عمدة الملك، ما لى لم أسمعك تؤمّن على ما قال الجماعة؟ فقال له بعد ما سأله الإعفاء عنه وتركه من القول، فأبى إلاّ أن يقول:
سيدنا فيما أعدّه من هذا الجمال بين أحد رأيين، إمّا أن يأمر بإزالته ونصب غيره مما قد
стр. 607
استعمل، وإمّا يحمله إلى الخليفة إذا انقضى جلوسه عليه. فقال: وما هو هذا؟ أليس هو ممّا أنعم به وصار إلىّ من فضله؛ وما قدره حتى تمتدّ عينه إليه أو تتطلّع له نفسه! وأما إزالته ونصب غيره فما كنت أكسر فى نفس هذا الصبى شهوة، فإنى متى أمرت بإزالته حزن لذلك. وافترقا. فلما كان الغد جاء المستنصر وأقام يومه ذلك فى الدّار، وأحضر إليه الطعام ممّا حوله من الطّرف؛ ثم عاد آخر النهار. وحضر عند الوزير أصدقاؤه، فانفرد بذلك الرجل، وقال: يا عمدة الدولة، والله ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس؛ منذ دخل الخليفة إلى الدّار إلى أن خرج لم يطرف طرفة عن تأمّل الفرش، فإذا وجّهت طرفى نحوه أطرق وتشاغل. فقال له: يا سيدنا أمّا إذ فات الأمر الأول فلا يفوت الثانى.
فقال: والله لا فعلت ولا غممت صفىّ الملك.
واتفق أنه خرج يوما وعليه ثوب بديع، فلمّا عاد قال لصديقه: يا عمدة الدولة، لحظتك اليوم تنظر الثوب الذى كان علىّ فعجبت من ذلك، فلما مثلت بحضرة مولانا أقبل يتأمل الثوب ولم يزل يزحف من الدّست (٢) حتى مدّ يده إلى الثوب وتلمّسه، فزال عجبى منك إذ كان الخليفة يتأمله؛ والملوك إذا أنعموا على أحد استحال التظاهر بإحسانهم حسدا ومللا.
وكان راتب مائدته فى كل يوم كموائد الملوك فى الأعياد والولائم. وكان لا يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرق ولا مصدر؛ وكان سعر المعرق ستة بدينار والمصدر أربعة بدينار، والمسمّن ثلاثة بدينار، والفائق اثنان بدينار؛ وكان يعمل لدارد ومن فيها المسمّن، وأما مائدته فلا يقدّم عليها إلاّ الفائق.
стр. 608
فلما كان فى سنة سبع وأربعين وقصر النيل نزع السعر وغلا حتى بلغ التليّس ثمانية دنانير وصار الخبز طرفة. وكان المستنصر يحضر دار اليازورى كلّ يوم ثلاثاء على عادته، فتقدّم إليه المائدة، فإذا هى على ما يعهد لم يخلّ منها بشئ حتى الدجاج الفائق؛ فقال لصاحب مطبخه: ويلك، يكون راتب مائدة الوزير الدجاج الفائق ومائدتى دون ذلك! فقال: يا مولانا ما ذنبى إذا قصر بك أصحاب دواوينك ولم يطلقوا لمائدتك ما التمسه منهم، والوزير فلا تتجاسر وكلاؤه أن يقصروا فى شيء مما جرت العادة به فى راتب مائدته وغيرها، مع تقدّمه إليهم فى كل يوم بالزيادة فيها وفى راتب داره.
فلما تظافر عداه عليه لم يشعر إلاّ فى ساعة القبض، فكتب إلى أبى الفرج البابلى - وكان قد قدّمه وأحسن إليه ورفعه على جميع أصحاب الدواوين، واستخلصه دونهم، كما يأتى إن شاء الله عند ذكر وفاته - بعد البسملة: «عرفنا يا أبا الفرج - أطال الله بقاءك وأدام عزّك - تغيّر الرأى فينا، وسوء النية والطّويّة؛ فإن يكن هذا الأمر صائرا إليك فاحفظ الصّحبة، وارع واجب الحرمة؛ وإن يكن صائرا إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا فى الأرض. على أنّا نشير عليك: إن دعيت إليه فلا نأبى عنه فإنه أصلح لك وأعود علينا.
والسّلام».
ودعا البابلى للأمر، ووزر، لأنه لم يكن فى الدولة من يتقدمه لما وطّأه اليازورى وأمّله من تقديمه وتمييزه. وكان اعتزاله يغطى على عيوبه، فلما ولى الوزارة بان للناس من رقاعته وحدّته وكثرة شرّه ما افتضح به؛ وتجرّد لمقابلة إحسان اليازورى بكل قبيح وذكره بما لا يستحق من الغضّ. وكانت الرقعة التى كتبها إليه من أعظم ذنوبه عنده فكان يقول؛ يخاطبنى وهو على شفير القبر بنون العظمة! ولا يذكره إلا بالسفاهة واللغو، فسقط قدره من أعين الكافة وحذره كل أحد. ثم لم يقنعه كون اليازرى فى
стр. 609
الاعتقال بمصر حتى نفاه إلى تنّيس (١)، فى صفر، ومعه نساؤه وأولاده وحاشيته، فاعتقلوا بها.
ثم شرع البابلىّ فى التدبير على قتله. قال الشريف فخر الدولة ومجدها، نقيب نقباء الطالبيين: قال لى مولانا - يعنى المستنصر - يا فخر الدولة؛ ما رأيت أوقع من البابلى؛ وذلك أنّ اليازورى لم ينته إلى ما صار إليه من عظيم المنزلة إلاّ بعد أن تقدّم له من المآثر والآثار فى الدّولة وما فتح على يديه ما هو معلوم مشهور، وكان يرتقى بذلك درجة بعد درجة إلى أن انتهى إلى ما انتهى إليه؛ والبابلىّ فمن أوّل يوم استخدمناه استدعى المنزلة التى لم يصر ذلك إليها إلاّ بعد عدّة سنين، فأجبته إليها، وقلت ترى تساعده الأقدار بأن يكون مثل ما كان ذلك الرجل. ومنها أنه كان إذا حضر بين يدى يكثر التثريب على اليازورى ويذكره بالقبيح ظنّا منه تطلّعنا إلى عوده إلى الأمر، وليثبت فى نفوسنا سوء الرأى فيه. ولم نعلم أن غرضه قتله إلى أن كان اليوم الذى سقت عليه الأتراك ووطئوا درّاعته، فإنه لما دخل إلىّ قال: يا أمير المؤمنين، إنه لا ينفذ لك أمر ولا يتم لى نظر وهذا الكليب فى قيد الحياة. فقلت: ومن هو ذلك الكليب؟ فقال: على ابن عبد الرحمن اليازورى. فقلت: أيها الوزير، اعلم أنّى لم أصرف الوزير عن خدمتنا ولنا فى إعادته رغبة، فطب نفسا ودع ذكره، فأنت آمن مما تخافه من جهته. فقال:
والله إن هذا لعجب من حسن مقامك يا أمير المؤمنين عنه مع قبيح فعله، وما همّ به من قتلك، حتى إن السقية أقامت تدور فى قصرك أسبوعا كاملا. فقلت: أيها الوزير، أقامت السقية تدور علىّ فى قصرى أسبوعا كاملا؟ فقال: نعم. فأطرقت متعجبا، وبقيت،
стр. 610
متفكّرا فى ذلك، أصرف الظنّ بين تصديقه وتكذيبه، ثم أقول، لو لم يطّلع على ذلك لم يذكره. فأمسكت، فظنّ بإمساكى أننى راض بما يفعله معه؛ وخرج فاستدعى طاهرا كاتب السرّ وسيّره لقتله. ونمى الخبر إلى مولاتنا الوالدة، فأنكرت ذلك ودخلت إلىّ، فقالت: أنت يا مولانا أمرت البابلى بقتل اليازورى! فقلت: لا. فقالت: قد سيّر طاهر ابن غلام لقتله. فاستدعيت سعيد السّعداء وأنفذته إليه، وقلت له: قل له لم يأمرك بقتله، فأنفذ من يعيد طاهرا ويمنعه من النفوذ. فألفاه صاحب الرسالة فى الحمام، فاعتذر إليه، فقال: لا بدّ من الدخول؛ ودخل وأدّى الرسالة إليه؛ فقال: أخرج وأسيّر من يعيده. وطوّل فى الحمام ثم خرج، فإلى أن كتب الكتاب وسير به النّجّاب سبقه ذلك إلى تنّيس، فلم يصل حتى نفذ الحكم فيه.
ولما وصل طاهر إلى تنّيس أوصل كتاب البابلى إلى جمال الدولة يذكر فيه:
إنا قد سيّرنا طاهرا فيما أنت تقف عليه من جهته، فتثبّت منه، وتحضر معه لإنجازه وتحذر من تأخيره من اليوم إلى الغد. فقال: وما الذى وصلت فيه؟ فأخرج تذكرة بخط البابلى فيها: إذا وصلت يا طاهر - أعزّك الله - إلى تنّيس وقد سغبت ولهثت من العطش، فلا تبلّ ريقك بقطرة دون أن يحضر على بن حسن بن عبد الرحمن اليازورى إلى دار الخدمة، وتمضى حكم السيف فيه؛ فقد كتبنا إلى الأمير جمال الدولة بمعونتك على ما يستدعيه ذلك؛ فقدّمه ولا تؤخره إن شاء أحد. فقال له: أنت خليفة صاحب الستر ومرسل من جهة السلطان، والأمر الذى وصلت فيه ممتثل، فأمض الحكم فيه. وأنفذ من يحضر اليازورى من معتقله، والصقالبة والسعدية خدام الستر وقوف، والسياف قائم.
فقال له طاهر: يا حسن، يقول لك مولانا أين أموالى؟ فلم يجبه ولم يرفع طرفه إليه.
فقال له: إياك أخاطب (١) يا حسن بن على بن عبد الرحمن، يقول لك أمير المؤمنين أين
стр. 611
أموالى؟ فلم تجبه. فرفع طرفه ونظر إليه وإلى الجماعة وفيهم حيدرة السياف، وقال لطاهر: يا كلب تجيء وهذا معك، وأشار بيده إلى السياف، وتسألنى بعد ذلك؛ ولكن قل له يا مولانا قبض علىّ وأنا آمن على نفسى، فإن يكن عندى مال، فقد وجدته فى دارى، وكنت داعيك وثقتك المؤيد فى الدين، فى القمطرة الفلانية ما يشهد بذكر مالك أين هو. فأشار طاهر إلى أولئك، فأخذوه، وضربت عنقه فى ليلة الثانى والعشرين من صفر؛ وحملت رأسه مع طاهر إلى القاهرة، وطرحت جثته على مزبلة ثلاثة أيام. ثم ورد الأمر بتكفينه، فكفّن بعد أن غسل، وحنّط بحنوط كثير، وحمل ليلا ودفن وقد وضع رأسه مع جثته.
وكان له من المآثر المرضية، والخلال الحميدة، والأفعال الجميلة؛ والخلائق الرضيّة ما يتجمل الملوك بذكره. منها أنه كانت له مائدة يحضرها كل قاض فقيه وأديب جليل القدر، فإذا قدمت فكأنها الرّياض من حسنها وسعة نفسه. وكان الملازمون لمائدته نحو العشرين نسمة، فيكون عليها كأحدهم. وقال عميد الدولة: أقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازما له فى المبيت والصباح، فكنت أراعيه فى حالاته كلّها ليلا ونهارا، فلا أرى يتغير علىّ منها شيء ولا يتبين لى منه غضب من رضا؛ فأقبلت أدقّق التأمل له فى حالتى غضبه ورضا، شهورا حتى تبيّن لى، فكان إذا رضى تورّدت وجنتاه بحمرة، وإذا غضب اصفرت محاجر عينيه، فعرّفت أبى بذلك؛ فقال: يا بنى هذا غاية فى سكون النفس وصحة الطباع واعتدال المزاج.
وكانت طبائعه الأربعة على السواء، فإذا أخلّ عمل طبيعة منها عهده أخذ بإصلاحها حتى يعود إلى ما يعهده من استقامتها. وكان لا يعطل شرب الدواء يوما واحدا فيشرب السكنجبين والورد أسبوعا ثم يريح نفسه ثلاثة أيام؛ ثم يشرب النقوع المغلى فى
стр. 612
الشتاء والمنجم منه فى الصيف أسبوعا لكل منهما؛ ويشرب ماء البذور أسبوعا؛ ويشرب ماء الجين ثمانية أيام؛ ويشرب ماء البقل أسبوعا ثم يشرب الراوند المنقوع كذلك؛ ويريح نفسه بين كل دواءين ثلاثة أيام، لا يخلّ بذلك فى صيف ولا فى شتاء.
وكان ندىّ الوجه كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفا إلا لضرورة؛ ولم يسمع منه قطّ فى سؤال لفظة «لا». بل كان إذا سئل فما يرى إجابة سؤاله إليه يقول نعم، بانخفاض من طرفه وخفوت من صوته، فإذا سئل فما يرى الإجابة إليه يطرف ولا يرفع طرفه؛ وعرف هذا منه فلا يراجع فيه إلاّ بعد مدة. وكان كلّ من يحضر مائدته يستدعى منه الحضور بين يديه لئلا يستمروا عنده؛ وكان فيهم من يشرب المسكر، فإذا حضروا عرفوا مجالسهم وما قرّره لهم، فكان من لا يشرب النبيذ يجلس عن يمينه، ومن يستعمله يجلس عن يساره؛ وبين يدى كل منهم الفواكه الرطبة واليابسة والحلاوة، وستارة الغناء مضروبة؛ فيجلسون وهو مشغول يوقّع، وهم يتحدثون همسا وإشارة وإيماء، إلى أن ينقضى إربه من التواقيع فيستند وينشّطهم بالحديث ويقول: قد تجدّد اليوم كذا وكذا، فما عندكم فيه. فيقول كلّ أحد ما يراه وهو يسمع لهم، حتى يستكمل الجماعة الذين عن يمينه ثم يعطف على شماله فيقول: من هناك قولوا، فيقولون وهو يسمع ولا يردّ على أحد شيئا فلا يصوّب المصوّب ولا يخطّئ المخطئ، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يمحض له الصواب، ويصبح يرمى فلا يخطئ. فكانت أفعاله هكذا طول مدّته، لا يستبدّ قطّ برأيه ولا يأنف من المشورة، بل يقول: المستبدّ برأيه واقف على مداحض الزلل، وفى الاستشارة كلّ عقول الرّجال. وبهذا تمّ له ما كان يدبره حتى ترك فيما رامه من الطرز الآثار الباقى ذكرها.
وجاء ارتفاع الدولة فى أيامه ألفى ألف دينار، يقف منها ويسكن، وينصرف للرجال وللقصور وللعمائر وغيرها، ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة، يحملها كل سنة
стр. 613
إلى بيت المال. فحظى بذلك عند سلطانه، وتمكّن منه، وارتفع قدره حتى سأل أن يكتب على سكة نقش عليها: ضربت فى دولة آل الهدى من آل طه وياسين، مستنصر بالله جلّ اسمه، وعبده الناصر للدين سنة كذا، وطبعت عليها الدنانير مدة شهر ثم أمر المستنصر بمنعها، ونهى أن تسطّر فى السّير.
وكانت أيام نظره حوامل لتوالى الفتوحات وعمارة الأعمال. وكان شريف الأخلاق، عالى الهمة كريم الطباع، وطئ الأكناف، مستحكم الحلم، واسع الصّدر، ندىّ الوجه، يستقلّ الكثير، ويستصغر كل كبير. وكان إذا أعطى أهنأ، وإذا أنعم على إنسان أسبغ، وإذا اصطنع أحدا رفعه إلى ما تقصر الآمال والأمانى عنه؛ مع عظيم الصّدقة، وجزيل البرّ الذى عمّ به أهل البيوتات مما جعله لهم من المشاهرات على مقاديرهم. وكذلك الأشراف والفقراء وأهل الستر بالقرافة، فكان يجرى عليهم البرّ والكساء على يد بعض اليهود، ويعرف بابن عصفورة، وكيل السيدة أم المستنصر، فكانوا يظنون أنه من إنعامها؛ فلما زالت أيامه انقطع عنهم ما كان يصل إليهم من البرّ، فخاطبوا ابن عصفورة وقالوا:
قد جفينا من مولانا ومولاتنا، فلو أدركتهما بنا فقال لهم: ما ترون ما كان يجيئكم حتى يتولّى الله ناصر الدين أخى (١). فقالوا: نحن التمسنا من مولانا المستنصر ومولاتنا السّيدة الوالدة ولم نلتمس من ناصر الدّين. فقال: ما كان يجيئكم ذاك إلاّ من الوزير. فعجبوا من ذاك وأكثروا من الترحّم عليه.
ومما يذكر عنه أنه كتب: العالى بالله إدريس بن المعتلى بالله يحيى بن الناصر لدين الله على بن حمّود (٢) من خالقه إلى مصر مكاتبة يقول فيها: «من أمير
стр. 614
المؤمنين العالى بالله إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله». فعيب عليه بمصر قلة تصوّره ومعرفته بأنه لا يجوز أن يكون أمير المؤمنين فى زمان واحد اثنان. ثم ألجأت الضرورة إلى مكاتبته بنحو ممّا كتب، وكان اليازورى إذ ذاك وزيرا، فقال أنا أخلّص هذه القضية وأعلّقها بمعنى دقيق لا يبين للمكاتب، وكان صاحب حيل؛ يكتب إليه: «من أمير المؤمنين المستنصر بالله معدّ إلى العالى بالله أمير المؤمنين خالقه»؛ وهذا من طريف التخلصات التى تميز بها.
وحكى عظيم الدّولة متولّى السّر، قال: كنت فى جملة الموكلين على النّاصر (١) ثم على البابلىّ بعده، فكنت أرى من رئاسة الوزير الأول - يعنى اليازورى - على شبيبته ورجاحته وسكون حاشيته، ومن طيش البابلىّ وخفّته ونقصه ما أعجب منه؛ وهو أنّى لما كنت موكلا باليازورى كنت أراه ملازما لعتبة باب المجلس فى القاعة لا يتغيّر مكانه منها. وكان البابلىّ يراسله بما يمضى ويوصينا إذا مضينا إليه بالإزعاج عند فتح الباب وإكثار قلقلته لنزعجه ونروعه بذلك؛ فو الله ما كان يكترث ولا ينزعج. وإذا دخل متولّى السّتر يكون جلوسه منه فى الاعتقال كجلوسه منه فى حال نظره، ويخاطب بما يرضى فيجيب بسكون وهدوء وكأنه فى الدّست جالس. فدخل إليه فى أكثر من ثلاثين صقلبيا وبلّغه ما أوصاه البابلىّ، فأجابه، ثم نهض وقال: يا سيّدى صرفتنى من السّتر بغير ذنب ثم أعدتنى إليه بغير مسألة، فما كان سبب ذلك؟ فرفع طرفه إليه كأنّه يخاطبه من دست الوزارة وقال له: كان صرفك فى الأوّل برأيى واختيارى ثم أعدتك لما عرفت من ميل مولانا إلى استخدامك. فخرج متولّى الستر وهو يعجب من سكون حاله وقلّة احتفاله فى الجواب، مع حاجته إليه فى مثل ذلك الوقت الذى يقدر فيه على الإحسان إليه وعلى الإساءة؛ وكان يظنّ أنه يعتذر إليه، فلم يكن منه غير ما تقدم ذكره.
стр. 615
وكان أكثر وقته صائما وهو يتلو القرآن ولا يسأل عن طعام ولا شراب. وكان فى حال وزارته كثير الصمت مواصل الإطراق، ساكن النفس هادئ الطّباع، فكان يظنّ أن ذلك من تيه وصلف وإعجاب وقلة احتفال بالناس؛ فلما صار فى الاعتقال بعد القبض عليه كان حاله على ما كان ممّا ذكر. ومن عجيب ما وقع أن خطير الملك محمد بن الوزير اليازورى كان ينوب عن أبيه فى قضاء القضاة، فلما سار إلى الشّام بالعساكر الكثيرة معه كان فى حال من البذخ والتجمّل فى حال لا يمكن شرحها؛ فلما نكب أبوه آل حاله إلى أن يرى فى مسجد بمدينة فوّة (١) يخيط للناس بالأجرة، وقد نزل به من الفقر والبلاء شدائد وهو يبالغ فى مطالبة (٢) شخص بأجرة ما خاطه له، والرّجل يماطله. فلمّا ألح فى المطالبة قال له: يا سيّدنا اجعل هذا القدر اليسير من جملة ما ذهب منك فى السّفرة الشامية.
فقال: دع ذكر ما مضى. فسأله رجل عن ذلك فلم يجبه، فسأل عبده، فقال الذى ذهب منه فى تلك السّفرة على نفقات سماطه مقدار ستة عشر ألف دينار. فسبحان من لا يزول ملكه.
وفيها ولى الوزارة بعد اليازورى أبو الفرج عبد الله بن محمّد البابلىّ، وكان أوّلا من جملة أصحاب الدّواوين فقبض عليه الوزير أبو البركات ابن الجرجرائىّ، وصادره على عشرة آلاف دينار أخذ خطّه بها؛ فباع موجوده بستة آلاف دينار وبقى عليه أربعة آلاف دينار، فانطرح على اليازورى وسأله الشّفاعة له، وكان يومئذ ينظر لأمّ الخليفة؛ فسأل الخليفة له فى ذلك، فوقّع بمسامحته منها بألفى دينار، فلمّا صرف الوزير أبو البركات وتولّى اليازورى الوزارة وقّع بمسامحة البابلىّ بالألفين الباقية، واستخدمه فى التوقيع، وردّ إليه ديوان تنّيس ودمياط، وديوان الخاصّ وغيره من الدّواوين، حتى كان فى يده ستة
стр. 616
دواوين. وكان رسم لأصحاب الدّواوين أن يحضروا كلّ يوم بين يدى الوزير، فرفع منزلة البابلى عن ذلك وميّزه عن أصحاب الدواوين، فكان لا يحضر عنده إلاّ فى كل ثلاثاء من الجمعة؛ فإذا حضر حجب كل أحد من الرؤساء، فلا يدخل إلى الوزير أحد ما دام عنده. فمهما قرّره مع الوزير لا ينتقض. وإذا عرض له فى باقى الجمعة أمر كتب رقعة إلى الوزير فيجيبه فى تضاعيف سطوره، فعل الأكفاء بالأكفاء. وبلغ جاريه على ما بيده من الدّواوين والتوقيع فى كل سنة عشرة آلاف دينار. وكتب مرّة إلى الوزير اليازورى رقعة يذكر فيها أنه ليس له دار يسكنها، وأن بجوار داره حمّاما سلطانيا من جملة المقبوض عن تركة أمير الأمراء رفق، بذل فيها خمسمائة دينار؛ وسأل التوقيع بمبايعته منه على أن يقتطع ثمنه من جاريه، مائة دينار فى الشهر؛ فوقّع له بذلك، ثم تقدّم إلى متولّى بيت المال بأن يكتب له منه رصدا بخمسمائة دينار، ووهبها له. فكتب رقعة ثانية أنّه لما شرع فى بناء الدار احتاج إلى ما يكمل به عمارتها، وأنّ فى المقبوض من أمير الأمراء أيضا من الأخشاب والرّخام ما يسأل الإنعام عليه منه بما يعمرها به؛ فوقّع بتسليم جميع ذلك إليه. فعمر الدار، وخدمه فيها جميع من فى الدولة؛ فجاءت تضاهى القصور.
واتفق أنه مرض فى بعض السنين مرضة أشفى فيها على التّلف، فكتب إلى الوزير اليازورى رقعة يذكر فيها ما انتهت حاله إليه، وأنّه على آخر رمق؛ وأنّ عليه من الدّين ثلاثة آلاف دينار، ويخاف إن حدث به حادث الموت أن يعنت الغرماء ولديه؛ ويسأل تمام الاصطناع بالمنع منهما، وأن يقرّر حالهما فى القيام للعرفاء بما تصل قدرتهما إليه وينجّم الباقى عليهما. فلما وقف الوزير عليها استرجع وتغمّم له، وقال: ما ظنّنا إلاّ أنا قد أغنينا أبا الفرج، وأنّ حاله لم تصل إلى هذا الحدّ! ثم رفع رأسه إلى أبى العلاء عبد الغنى بن الضّيف، وكان يحمل دواة الوزير، ولقّبه بالصادق المأمون، وقال:
стр. 617
أسرع إلى أبى العبّاس الشاشى، وكان يتولّى ديوانه؛ فلما حضر قال: ما فى حاصلك من إقطاعنا؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار وكسر، فأحضرها، وقال لأبى العلاء: خذ هذه الثلاثة آلاف دينار وامض بها إلى البابلى وخصّه بسلامنا، وقل له: قد سوّأتنا بما ذكرته من مرضك وما انتهت إليه حالك، والله تعالى يهب عافيتك ولا يغمّنا بك.
فأما ما سألت من مراعاتك فى ولديك والمنع منهما، فلو لم تسأل فى ذلك حفظناك فيهما وراعيناهما لك. وأمّا ما ذكرته من دينك فقد أنفذنا إليك ما تقضيه به. فلما أخذ المال وخرج من القبّة قال ارجع يا عبد الغنى، فعاد إليه فأخذ درجا (١) ووقّع إلى ديوان الخاص بثلاثة آلاف دينار، وكان له فيه إقطاع، وقال امض إلى الجهبذ (٢) بهذا التوقيع فإن كان فى حاصله هذا القدر، وإلاّ قل له يقترض من بيت المال إلى أن يستخرج شيئا فيحمله إليه به عوضا عنها؛ واحمل الجميع إلى البابلىّ. فلم يحتمل أبو العلاء الصّبر عن الكلام وقال: يا سيدنا، ما يقنعك تحمل إليه ثلاثة آلاف دينار حتى تضيف إليها مثلها فتصير ستة! فقال: يا وحش إذا قضى دينه بهذه الثلاثة الآلاف ما يحتاج أن يستدين بعدها، فينفق من هذه الأخرى ولا يستدين. فقال له: والله يا سيدنا إنك لأكرم نفسا من البرامكة، لأنّ أولئك كانوا يجودون من سعة وأنت تجود من ضيق، ولا نسبة بين ما تنظر فيه وما كانوا ينظرون فيه. وخرج فأوصلها إليه. فلما قبض على اليازورى كان أعدى العالم له، وكفر نعمته وإحسانه، وتجرّد له حتى قتله.
وحكى فخر الدولة قال: استدعانى مولانا المستنصر وقال لى يا فخر الدولة، هل
стр. 618
يكون فى اختيار الإنسان إلى من تطمح إليه الأبصار أو تتطلع إليه النفوس أوفى من شخص البابلى، مع شيبته وظاهر سمته وهيبته؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. فقال: والله لقد ظننت أنّ الدولة تتضاعف قدرتها بنظره، وينضاف إليها مثلها بحسن تدبيره وأنّ من وراء هذا الشخص ما وفى عليه؛ فاذا ثيابه لاتسع رقاعته وغمّته، والحيّة قد نشفت قرعته.
وذلك أن اليازورىّ أقام فى خدمتنا عشر سنين عددنا عليه ثمانية عشر ذنبا، وأقام البابلىّ اثنين وسبعين يوما نقمنا عليه تسعة عشر ذنبا، مع ظاهر كذبه وقلّة احتشامه عندى؛ وذلك أنه ذكر لى من حال السقية ما كثر تعجّبى منه وأنا بين تصديق الحكاية وتكذيبها، واحتشمت أن أردّ عليه فيتحقق تكذيبى له. وكان من إقدامه على قتل اليازورى ما كان، وساء لنا ذلك إذ لم نكن نريد قتله. فلما كان بعد ذلك بأيام يسيرة أمرته بشئ فعارضنى وضرب الأمثال بما يصدّنى عن ذلك الأمر؛ فقلت له أيّها الوزير، اعلم أنّ اليازورى لم تطل مدّته معنا وتثبت قدمه إلا أنّا كنا إذا أمرناه بشئ انتهى إليه ولم يتجاوزه. فقال لى مجيبا: يا مولانا وكأن اليازورىّ كان ينقط نقطة إلاّ ما أمثّله له وأوقفه عليه! يريد أنه كان يدبّر اليازورى ويعلمه ويفهمه؛ فلم يتأمل ما عليه فيه، ولا ذكر ما كان قاله من حال السقية؛ وأذكرنى قوله هذا حال السقية، فقلت له وقد اغتظت منه: يخرس الله الوزير، فإذا كانت السقية برأيه! فلما سمع ذلك منى دهش وقال: أعوذ بالله يا مولانا ولكننى كنت أبصّره صواب الرأى، وأشير عليه بما فيه حميد العاقبة. فعند ذلك تحققت من كذبه على الرجل ما كنت شاكا فيه. ووجه كذبه فيما حكاه من ذلك أنّ الرئيس الجليل القدر إذا أراد أن يهمّ بمثل هذا الأمر فى سائسه أو من يجرى مجراه لم يكد يعلم ولده بما يريده منه، فكيف إذا عزم على فعل ذلك مع مثلى، هل يسوغ أن يطلع أحدا عليه؟ ومع هذا فما الّذى يدعوه أن يخرج بذلك إلى غيره، وربّما نمّ عليه وتقرّب إلىّ باطلاعى عليه؛ وإلاّ تولى بنفسه مع إكثارى كان من زيارته وسكونى إليه، وأنى لم أتّهمه بذلك قطّ فآخذ حذرى منه، وكان بهذا الحكم يتمكن من بلوغ غرضه منّى بحيث
стр. 619
لا يعلم به أحد. فتحقق لى كذبه فيما حكاه؛ وهذا أقوى الأسباب فى صرفه، لأنّ من ليس له عقل يميّز به ما يخرج من فمه، لا سيما فى مثل هذا الأمر الخطر الكبير، لم يجز أن يوثق به فى تدبير مزبلة، والخوف من جنايته على الدّولة برقاعته ونقص عقله أكثر من الطّمع فى الانتفاع بنظره.
وكان صرف البابلى من الوزارة فى شهر ربيع الأول وله فى الوزارة اثنان وسبعون يوما؛ فلما صرف قبض عليه واعتقل. وكان النّهار لا يكاد يرتفع ويتأخر ما يحمل إليه من الطّعام إلاّ ويستغيث ويقول: ما يتمّ حبس وجوع. وكان يبدو منه فى محبسه من القول ما يعرب به عن مستحكم الرّقاعة والجهل، فكان الموكلون به يتعجبون من فرق ما بينه وبين اليازورىّ، فإنّ ذاك كان ساكن الطباع كثير الصّمت شريف النفس مع حداثة سنّه، وهذا شيخ يظهر منه من الخفّة والطّيش والجهل مع الشيخوخة ما يضحك منه.
فيها تولّى الوزارة بعد البابلى أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين بن المغربى (١). وفيها تولّى قضاء القضاة عوضا عن اليازورى أبو على أحمد بن عبد الحكم بن سعيد، إلى ذى القعدة، وصرف بأبى القاسم عبد الحاكم بن وهب بن عبد الرحمن المليجى.
وتولى المؤيد فى الدين أبو نصر هبة الله بن موسى داعى الدعاة.
стр. 620
فيها قصد الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيرى الموصل ومعه قريش بن بدران بن المقلّد بن المسيّب العقيلى أمير الغوب فملكها (١). وخرج إليه السلطان ركن الدين أبو طالب طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق، ففارقها؛ واتجه طغرلبك إلى نصيبين فخالف عليه أخوه لأمه إبراهيم بن ينال وسار إلى همذان، فرجع فى إثره؛ وتلاحقت الأتراك، فاستدعى الخليفة القائم دبيس بن مزيد، فوصل إليه وقد أرجف بمسير البساسيرى إلى بغداد فعظم الخوف منه، فرجع دبيس إلى بلاده (٢). فلما كان يوم الأحد الثامن من ذى القعدة من هذه السنة وصل البساسيرى إلى بغداد ومعه قريش بن بدران، وخطب فى جامع المنصور للمستنصر بالله الفاطمى وقطع الخطبة لبنى العباس، وعقد الجسر وعبر عسكره. فلما كانت الجمعة الثانية خطب بجامع الرّصافة للمستنصر. وكانت بينه وبين أهل بغداد حروب آلت إلى هزيمة رئيس الرّؤساء وزير القائم والعسكر، وقتل جماعة من الأعيان. ووقع النّهب فى البلد، ودخل أصحاب البساسيرى إلى البلد، ووصلوا إلى باب النّوبىّ الشريف (٣)؛ فركب القائم بسواده وعلى كتفه البردة، وبيده السّيف وعلى رأسه اللواء، وحوله جماعة بنى العبّاس والخدم بالسيوف المسلّلة، فرأى الأمر شديدا، فعاد وأبعد المنظرة،
стр. 621
ونادى رئيس الرؤساء: يا علم الدّين قريش، أمير المؤمنين يستدنيك. فدنا منه؛ فقال رئيس الرؤساء له: قد آتاك الله منزلة لم ينلها أمثالك؛ وطلب منه الأمان للخليفة القائم، فأمنه. ونزل إليه الخليفة والوزير رئيس الرؤساء، وصارا معه. فبعث إليه البساسيرى:
تخالف ما استقرّ بيننا! فقال قريش: لا. وكانا قد تعاهدا على المشاركة فى جميع ما يحصل لهما؛ فاستقرّ الأمر على أن البساسيرى يتسلّم الوزير رئيس الرؤساء وأن قريش ابن بدران يتسلّم الخليفة القائم فيكون عنده. فبعث حينئذ قريش بالوزير إلى البساسيرى؛ فلما مثل بين يديه قال له: العفو عند القدرة. فقال البساسيرى: أنت صاحب الطيلسان ما عفوت عن دارى وحرمى وأطفالى، فكيف أعفو وأنا صاحب سيف (١).
ثم إن قريش بن بدران سار فى خدمة الخليفة، وهو راكب بالصّفة التى تقدّم ذكرها إلى معسكره، فأنزله فى خيمة وهيّأ له ما يقوم به، ووقع النّهب فى دار الخلافة مدّة أيّام، وأخذ منها ما لا يحصى كثرة، وبعث منها إلى مصر منديل القائم الذى عمّمه بيده، قد جعل فى قالب رخام لكيلا ينحلّ، مع ردائه، والشباك الذى كان يتوكأ عليه؛ فعمل فى دار الوزارة بالقاهرة. وأما العمامة والرّداء فبعثهما السّلطان صلاح الدّين يوسف، لمّا استولى على القصر، إلى الخليفة المستضيء ببغداد مع الكتاب الّذى كتبه على نفسه القائم وأشهد على نفسه العدول فيه أنّه لا حق لبنى العباس فى الخلافة مع وجود فاطمة الزهراء. وحمل أيضا إلى القاهرة الذخائر والكتب والقضيب والبردة. وسلّم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس بن المجلى (٢)، وكان رجلا متديّنا، فحمله فى هودج إلى مدينة عانة وأنزله بها؛ وفرّ أصحاب الخليفة القائم إلى طغرلبك فصاروا فى جملته
стр. 622
فلما كان يوم عيد النّحر ركب البساسيرى إلى المصلّى وعلى رأسه ألوية المستنصر، وقد استمال الناس بكثرة الإحسان وإجراء الأرزاق، وكسر منبر المسجد الجامع ببغداد وقال: هذا منبر نحس أعلن عليه بغض آل محمد ﵈؛ وأنشأ منبرا آخر وخطب عليه باسم المستنصر. ثم أخرج الوزير رئيس الرؤساء أبا القاسم على بن المسلمة وهو مقيّد وعليه جبة صوف وطرطور أحمر من لبد وفى عنقه مخنقة، فشهّره ثم أعاده إلى المعسكر وقد نصبت له خشبة، فألبس جلد ثور طرىّ، وجعل فى فكيه كلاّبين من حديد وعلّقه بهما؛ فبقى يضطرب إلى آخر النهار حتى مات، وعمره نحو من ثلاث وخمسين سنة (١)، وكان حسن التّلاوة للقرآن جيّد المعرفة بالأدب.
ولما ورد الخبر بذلك إلى المستنصر سرّ سرورا كثيرا، وزيّنت القاهرة ومصر وجاءت نسب الطّبّالة، فغنّت بالطبل فى القصر بين يدى المستنصر:
يا بنى العباس ردّوا … ملك الأمر معدّ (٢)
ملككم ملك معار (٣) … والعوارى تستردّ
فقال لها المستنصر: تمنّى، فلك حكمك؛ فسألت الأرض المجاورة للمقس، فأقطعها إيّاها، فعرفت بها وقيل لها إلى اليوم أرض الطبالة (٤). وأمر المستنصر فى أن يحمل إلى مهارش
стр. 623
عشرة آلاف دينار ليسيّر إليه الخليفة القائم على حال جميلة؛ وعزم على أنه إذا وصل تلقّاه أحسن لقاء وبالغ فى إكرامه. ويقال إنه بنى القصر الغربى لينزله فيه، ويحمل إليه ما ينسيه به ما كان فيه من إقامة الرّواتب السنية، وأن يقرّر له فى كل يوم مائة دينار؛ وأنه إذا ركب المستنصر فى أوقات ركوبه قدّمه بين يديه يحجبه. فإذا أقام على ذلك مدة، وبات وانتشر فى الأقطار خبر ذلك خلع عليه وعقد له ألوية الولاية للعراق، وكتب عهده بتقليده إياه، وسيّره إليه، وأعاده إلى مملكته وخلافته من قبله. فمنعه حادث القدر قبل إدراك ذلك. وكان من جملة أسباب فوات هذا أن البساسيرى لما بعث الكتب إلى المستنصر يعرّفه بإقامة الخطبة له ببغداد كان الوزير حينئذ أبو الفرج محمد بن المغربى، وهو ممّن فرّ من البساسيرى وصار إلى القاهرة، فحذّر المستنصر من البساسيرى وخوّفه عاقبته؛ فتركت أجوبته مدّة، ثم عادت الأجوبة بخلاف ما أمّله البساسيرى؛ ثم قدم طغرلبك فانتصر عليه.
وفيها بنيت القبة التى بصحن جامع دمشق، شرقىّ الجامع على باب مشهد على، وكتب عليها اسم المستنصر.
وفيها ولّى المستنصر ناصر الدّولة الحسن بن عبد الله بن حمدان دمشق فى شهر رجب (١)
стр. 624
سنة احدى وخمسين وأربعمائة (١):
فيها سار الأمير أبو الحارث البساسيرى من بغداد فملك البصرة وواسط، وأقام بهما الدعوة للمستنصر، وخطب له فى عامّة تلك الأعمال. وبلغ طغرلبك ما كان من أخذ بغداد وقطع الخطبة العباسية منها، فكاتب ألب أرسلان بن داود أخيه، فقدم عليه فى إخوته بعسكر كبير، واجتمعوا على محاربة إبراهيم بن ينال، فكانت الغلبة لطغرل بك، فأخذه أسيرا وقتله فى تاسع جمادى الآخرة. وتوجّه يريد بغداد، وبعث إلى البساسيرى وإلى قريش بن بدران يأمرهما بردّ الخليفة القائم إلى بغداد، وإقامة الخطبة له على عادته، وردّه إلى تخت خلافته، ويعدهما أنهما إن فعلا ذلك رجع عن العراق ولم يدخل بغداد، وأنه يقنع بأن يخطب له فيها وتضرب السّكّة باسمه. فامتنع البساسيرى من ذلك وأبى إلاّ الإقامة على ما هو عليه. فسار طغرلبك يريد بغداد فأحدر البساسيرى أولاده وحرمه من بغداد إلى واسط ونوى العود. وعند ما قارب طغرلبك بغداد بعث إلى قريش يشكر ما كان من صنيعه مع الخليفة القائم، وجهز إلى بكر بن فورك لإحضار الخليفة؛ فوافى حلة بدر بن مهلهل وقد وصل الخليفة وابن مهارش فى تلك الساعة، فركب هو وابن فورك وأركبا الخليفة وخدماه؛ وأتته هدايا بدر.
وبعث طغرلبك بوزيره عميد الملك أبى نصر منصور الكندرى (٢) والأمراء والحجّاب
стр. 625
بالخيام الكثيرة والسرادقات العظيمة، والخيول العدة بالمراكب الذهب، إلى الخليفة القائم، فرحل وهم فى خدمته، وقد خرج طغرلبك إلى لقائه؛ فعند ما شاهده وقع إلى الأرض يقبّلها، ثم قام وهنأه بالسلامة، وأظهر السّرور الزائد والابتهاج الكبير؛ واعتذر عن تأخّره بما كان من عصيان إبراهيم ينال. فقلده الخليفة بسيف كان قد تأخر عنه، وسار معه طغرلبك إلى بغداد وجلس على باب النّوبىّ الشريف مكان حاجب الباب حتى وصل الخليفة، فعند ما شاهده مثل قائما وأخذ بلجام بغلته حتى انتهى إلى باب الحجرة الشريفة؛ وذلك فى يوم الاثنين لخمس بقين من ذى الحجة.
ثم عاد طغرلبك إلى معسكره وسيّر العساكر لمحاربة البساسيرى وخرج فى إثره؛ فوافت العساكر البساسيرى ودبيس بن مزيد، فكانت بينهم حروب آلت إلى انهزام دبيس ووقوع ضربة فى وجه البساسيرى سقط منها عن فرسه، فأخذ، وقتل، وحملت رأسه إلى طغرلبك فبعث بها إلى الخليفة القائم، فطيف بها على قناة فى بغداد للنّصف من ذى الحجة (١)، وعلّقت على باب النوبى. وأحيط بأموال البساسيرى ونسائه وأمواله، وجميع حواشيه وأسبابه؛ وقتل فى هذه الوقائع من الخلائق ما لا يحصى لهم عدد؛ وفرّ دبيس إلى البطيحة (٢).
وقطعت الخطبة من بلاد العراق للمستنصر بعد أن خطب له ببغداد أربعين جمعة؛ وعادت للقائم كما كانت. وهذه الحادثة كانت آخر سعادة الدّولة الفاطمية، فإنّ الشام خرج من أيديهم بعدها بقليل لاستيلاء الترك عليه، ولم يبق بيدهم غير ملك مصر خاصة
стр. 626
ويقال إنّ الخليفة القائم بأمر الله كتب لمّا نكب كتابا يشكو فيه ما يلقاه من البساسيرى ونسخته بعد البسملة: «إلى الله العظيم من عبده المسكين. اللهم إنك عالم بالسّرائر، مطّلع على مكنونات الضمائر؛ اللهم إنك غنى بعلمك واطّلاعك على أمور خلقك عن إعلامى لك؛ وهذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك، وسخر بأناتك، حتى تعدّى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوا وعدوا. اللهم قلّ الناصر، واغترّ الظالم، وأنت المطّلع العالم، والمنصف الحاكم، بك نستعين عليه، وإليك نهرب من بين يديه، وقد تعزّر بالمخلوقين، ونحن نستعين بالله رب العالمين. اللهم إنا حاكمناه إليك، وتوكلنا فى إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا إلى حكمك، ووثقنا فى كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين، وأظهر قدرتك فيه قدر ما نرتجيه، فقد أخذته العزة بالإثم. اللهم فاستلبه عزته، وملكنا بقدرتك ناصيته، يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين وسلم تسليما».
وبعث به إلى باب الكعبة، وعلّق بباب الكعبة ودعا بما فيه؛ فقتل البساسيرى فى ذلك اليوم.
стр. 627
سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة (١):
فيها سارت العساكر من مصر إلى دمشق، وكتب لناصر الدّولة أبى على الحسين بن حمدان أن يكون قائد الجيش؛ فسار من دمشق بعسكر كبير فى سادس ربيع الأول يريد محاربة أهل حلب. وكانت مدينة حلب قد أقيمت فيها الدعوة الفاطمية، وأسقطت بها دعوة بنى العباس إلى أيام الظّاهر بن الحاكم، فتغلّب عليها صالح بن مرداس، أحد أمراء الكلابيّين، وكثف أمره بها حتى استولى على دمشق أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى، أحد الغلمان الأتراك، فساس الأمور، وأطاعه كلّ مارق؛ وراسل الملوك. فنابذه صالح بن مرداس وجمع له العرب، وفيهم عدّة الدولة حسّان بن جرّاح، وسار لمحاربته، فكانت بينهما وقائع انهزم فيها حسّان إلى بلاد الروم، وتفرّق الجمع. ثم مات صالح وقام من بعده ابنه شبل الدّولة نصر بن صالح فى حلب، فقام بمنابذة أمير الجيوش كما كان أبوه، وسار لقتاله، فقتل، وملك أمير الجيوش حلب فأقام بها رضىّ الدولة منجوتكين، أحد غلمانه، فأقام بها سنين. ومات أمير الجيوش فغلب على حلب ثمال بن صالح بن مرداس وملكها؛ ولم يقم أحد بعد أمير الجيوش مقامه.
فلما كانت وزارة الجرجرائىّ غمض طرفه عن ثمال، ورأى أن موادعته أخفّ من إنفاق الأموال فى محاربته، فكتب بولايته وقرّر عليه الحمل فى كل سنة. وتمادى ذلك إلى أيام وزارة اليازورىّ فلم يرض بهذا، ورأى أنّ الحيلة أبلغ فيما يؤثره، لأنه إن رام صرفه لم يطق ذلك، وإن نابذه ألزم كلفا كثيرة. فاستعمل السياسة والتّدبير الخفىّ، وندب لذلك رجلا من أهل صور له بها رئاسة ووجاهة، يقال له عين الدّولة علىّ بن عياض، قاضى صور، فساس الأمر وأحكم التّدبير فيما قرّره مع كاتب ثمال بن صالح وما وعده به، حتى
стр. 628
نزل من قلعة حلب وسلّمها إلى مكين الدولة الحسن بن على بن ملهم والى الخليفة المستنصر. وسار من حلب يريد مصر للقاء الحضرة؛ فلما بلغ رفح اتصل به خبر القبض على اليازورىّ، فقال والله إنى أموت بحسرة ونظرة إلى من استلبنى من ذلك الملك، وأخرجنى بلا رغبة ولا رهبة إلاّ بحسن السّياسة، وإن رام ذلك منى فليس يتعذر عليه.
ورجع ثمال إلى حلب، فاتفق فى غيبته قيام أهل حلب وتسليم البلد إلى عز الدولة محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، فى مستهلّ جمادى الآخرة من هذه السّنة، فحضر ابن ملهم بالقلعة إلى أن سار إليه ناصر الدولة بن حمدان، فكانت بينهما حروب كبيرة على قنسرين (١) آلت إلى أن انكسر ناصر الدّولة كسرة عنيفة، فأصابته ضربة شلّت منها يده؛ ورجع منهزما فى مستهل شعبان. فقال عبد العزيز العكيك الحلبى وقد مدح ناصر الدولة فلم يجزه.
ولئن غلطت بأن مدحتك، طالبا … جدواك، مع علمى بأنّك باخل
فالدّولة الزهراء قد غلطت، بأن … نعتتك ناصرها، وأنت الخاذل
إن تمّ أمرك مع يد لك أصبحت … شلاّء فالأمثال عندى باطل (٢)
وأما ابن ملهم فإنه بعث إلى أسد الدولة أبى ذؤابة عطيّة بن صالح فسلمه حلب، ودخلها فى عاشر شعبان هذا، وأقام بها يومه ثم خرج عجزا عنها؛ فوصل محمود فى ثانى عشره وملكها.
стр. 629
وفى تاسع رمضان صرف أبو الفرج ابن المغربى عن الوزارة، وأعيد إليها أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلىّ. وصرف عن قضاء القضاة عبد الحاكم بن وهب فى جمادى الآخرة، واستقرّ عوضه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن أبى ذكرى، فى حادى عشرى رجب.
وفيها قدمت هدية المعزّ بن باديس، فقوّمت بأربعين ألف دينار. منها درقة مرصعة بالجوهر كانت للمهدى.
وفيها قدم كتاب على بن محمد الصّليحى بما هو عليه من القوّة وإقامة الدعوة؛ واستأذن فى المسير إلى تهامة وأخذها؛ فأجيب بذلك؛ فسار إليها وأخذها.
وفيها نزل محمود بن شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس على حلب، ومعه منيع بن سيف الدولة، سبعة أيّام ثم رحل، وعاد إليها وأخذها يوم الاثنين ثانى جمادى الآخرة، وحصر القلعة إلى سادس رجب ورحل؛ فملكها أصحاب المستنصر. وفيها التقى ناصر الدولة بن حمدان مع محمود بن شبل الدّولة على الفنيدق (١)، فانكسر ابن حمدان؛ ودخل عطية حلب (٢) وخرج منها؛ وتسلمها محمود يوم السبت ثانى شعبان؛ ثم وصل عمّه معز الدولة فحاصر حلب مدة.
وفى هذه السنة سقط تنوّر قبة صخرة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل، فتطير الناس وقالوا ليكوننّ فى الإسلام حادث عظيم.
стр. 630
سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة (١):
فى ثالث محرم صرف البابلى عن الوزارة؛ واستقرّ عبد الله بن يحيى بن المدبّر.
وفى صفر توفّى قاضى القضاة ابن أبى ذكرى فاستقر فى الحكم بعده أبو على أحمد بن قاضى القضاة عبد الحاكم بن سعيد فى رابع عشره، وصرف فى خامس صفر (٢). واستقرّ عوضه أبو القاسم عبد الحاكم بن وهيب المليجى، ثم صرف فى حادى عشر رمضان. واستقرّ عوضه أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعد بن مالك بن سعيد الفارقى، واستخلف ابنه عميد الملك أبا الحسن. وصرف ابن المدبّر عن الوزارة واستقرّ بعده أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم، أخو قاضى القضاة.
وكان السبب فى سرعة العزل وكثرة الولايات أنّه لما قتل اليازورى كثر السّعاة فى الوزارة، فما هو إلاّ أن يستخدم الوزير فيجعل نصب الأعين، وتركب عليه المناصب، ويكثر الطّعن عليه حتى يعزل ولم تطل مدته ولا اتّسع وقته؛ فيلى بعده من يتّفق له مثل ذلك، لمخالطة النّاس الخليفة ومداخلتهم الرّقاع والمكاتبات الكثيرة إليه؛ وكان لا ينكر على أحد مكاتبته. فأحبّ النّاس مخالطة الخليفة وجعلوه سوقا لهم؛ فتقدّم كل سفساف، وحظى أوغاد عدّة، وكثروا، حتى كانت رقاعهم أوقع من رقاع الصّدور والرؤساء والجلّة؛ وتنقّلوا فى المكاتبة إلى كلّ فن، حتّى إنّه كان يصل إلى المستنصر فى كل يوم ثمانمائة رقعة؛ فتشابهت عليه الأمور وتناقضت الأحوال. ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم، فإن الوزير منذ يخلع عليه ويستقرّ إلى أن ينصرف لا يفيق من التحرر، فمن ابتغى به يؤذيه عند الخليفة، وسعت عليه الرجال، فما يصير فيه فضل عن الدفاع عن نفسه. فخربت الأعمال وقلّ ارتفاعها، وتقلّب الرجال
стр. 631
على معظمها واستنضوا راخى ارتفاعها، فاتّضع الارتفاع، وعظمت النفقات. ووقع اصطراع الأضداد على السّلطان، وواصلوه باقتضاء ما لهم من المقرّرات، ولازموا بابه، ومنعوه من لذّاته. وتجرءوا على الوزراء واستخفّوا بهم، وجعلوهم غرضا لمساءتهم، فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدّة نظر أحدهم؛ والمستنصر يوسعهم حلما واحتمالا. فأطغى الرّجال ذلك وجرّأهم عليه، حتى خرجوا من طلب واجباتهم إلى التصارع، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه، وأحوجوه إلى بيع ما عنده من العروض، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس فيعترضونها، ويأخذ من له درهم واحد ما يساوى عشرة ولا يمكن مطالبته.
ثمّ عادوا إلى تقويم ما يخرج، فإذا حضر المقوّمون أخافوهم، فيقوّمون ما يساوى ألفا بمائة فما دونها، ولا يتمكّن الخليفة من استيفاء ذلك؛ فتلاشت الأمور واضمحلّ الملك. ثم لمّا علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال وتشاحنوا على ما زاد من الارتفاع؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب صاحبه عليها. ودام ذلك بينهم سنوات نحوا من ستّ؛ ثم قصر النّيل وغلت الأسعار غلاء بدّد شمل الناس بأسرهم، وفرّق ألفتهم، وشتّت كلمتهم وأوقع العداوة والبغضاء بينهم، فقتل بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره، كما ستقف عليه فيما يأتى إن شاء الله.
وفيها اصطلح معزّ الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة، ودخل حلب فى رابع عشرى ربيع الأول. فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذى القعدة [توفى] (١) ودفن بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه، فملك بعده أخوه عطية، [أبو ذؤابة (١)].
وفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن على بن ثعلب، فكتب أبو محمد بن سعد، الشاعر الخفاجى، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من أبيات:
أتانى وعرض الرمل بينى وبينه … حديث لأسرار الدموع مذيع
ومات المعز بن باديس، وملك بعده ابنه تميم (٢)؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية.
стр. 632
سنة أربع وخمسين وأربعمائة (١):
فى ثالث المحرّم توفى أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم فى وزارته. وكان أبوه قاضى طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر، وكان فاضلا؛ فردّت الوزارة بعده إلى أخيه أبى على أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد. ثم صرف عن القضاء فى صفر بأبى القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن؛ ثم صرف أبو علىّ عن الوزارة، واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذى الكفايتين بن أبى الحسن على بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلى؛ وكان أولا ناظرا على دواوين الشام، فأقام فى الوزارة إلى شوال؛ وصرف عنها بأبى الفرج البابلى المقدم ذكره
وفيها تولّى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا، وإمرة بنى سليم وبنى فزارة، فسار إليها وتسلمها فى صفر.
стр. 633
ذكر ابتداء الفتنة الّتى آلت إلى إخراب ديار مصر
وفى هذه السنة ابتدأت الفتنة التى كانت سببا لخراب الإقليم. وذلك أن المستنصر كان من عادته فى كل سنة أن يركب على النّجب ومعه النّساء والحشم إلى جبّ عميرة (١)، وهو موضع نزهة، ويغيّر هيئته، كأنه خارج يريد الحج على سبيل الهزر والمجانة، ومعه الخمر محمول فى الرّوايا عوضا عن الماء، ويدور به سقاته عليه وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنّه ماء زمزم. وقد أنشد الشريف أبو الحسين على بن الحسين بن حيدرة العقيلى المستنصر فى ذلك صبيحة يوم عرفة:
قم فانحر الرّاح يوم النحر بالماء … ولا تضحّ ضحى إلاّ بصهباء
وادرك (٢) حجيج النّدامى قبل نفرهم … إلى منى، فصفّهم مع كل هيفاء
وعج على مكة الروحاء (٣) مبتكرا … فطف بها حول ركن العود والنّاء
فلما كان فى جمادى الآخرة خرج على عادته؛ واتفق أن بعض الأتراك جرّد سيفا فى سكرة منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه عدّة من العبيد وقتلوه. فغضب لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر، وقالوا، إن كان هذا الذى قتل منّا عن رضاك فالسّمع والطاعة، وإن كان قتله عن غير رضا أمير المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك.
وأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو أمره؛ فخرج الأتراك واشتدّوا على العبيد يريدون
стр. 634
محاربتهم، فبرزت العبيد إليهم؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك (١) قتل فيها عدّة، وانهزم العبيد وقويت الأتراك؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمدّ العبيد بالأموال والسلاح.
فاتفق فى بعض الأيام أنّ بعض الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أمّ المستنصر إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه، فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرّءوا عليه بالقول وأغلظوا فى المخاطبة؛ فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر، وصار السيف قائما. فدخل على أمه وأنكر عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محاربة الأتراك. ثم انتدب أبا الفرج ابن المغربى، الذى كان وزيرا؛ فخرج؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين (٢). فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية شبرا دمنهور (٣). فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر.
وكان السبب فى كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم بها أبو سعيد التسترى المقدم ذكره، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر. فلما أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر، ومات الوزير صفى الدين الجرجرائى فى سنة ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها، وتحكمت فى الدولة، واستوزرت مولاها أبا سعيد. وتوقفت أحوال الوزير الفلاحى معه، فاستمال الأتراك وزاد فى
стр. 635
واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد، فحنقت أم المستنصر من قتله على الفلاحى، ولم تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره.
وأخذت فى شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها، واستكثرت منهم وخصتهم بالنظر، وبسطت لهم فى الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم؛ وسار العبد بمصر يحكم حكم الولاة. وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم.
وتقدمت إلى الوزير أبى البركات الجرجرائى أن يغرى العبيد بالأتراك ويوقع بينهم، فخاف سوء العاقبة فى ذلك ولم يوافقها عليه؛ فلم تزل به حتى صرف من الوزارة. واستقر وزيرها أبو محمد اليازورى فى الوزارة، فأوعزت إليه بذلك، فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه. ووزر البابلى، فأمرته بذلك، فشرع فيه. وتغيّرت النيّات، وصارت قلوب كلّ من الطّائفتين تضمر السوء للأخرى، حتى كان من الحرب ما قد ذكر، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله وهلك أهله كما سيأتى.
وفيها توفى الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن على بن محمد بن على بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد ولى قضاء دمشق مرتين. وفى سابع عشر ذى القعدة توفى القاضى الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن على بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعى؛ وكان يخلف القضاة فى الحكم بمصر.
وكان إماما محدّثا، وله كتاب الشهاب، وكتاب الخطط، وكتاب أنباء الأنبياء، وغير ذلك من المصنفات. وفيها توفى الرئيس أبو الحسن على بن رضوان بن على بن جعفر الطبيب. وتوفى المعز بن باديس بالقيروان فى رابع شعبان.