← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

على معظمها واستنضوا راخى ارتفاعها، فاتّضع الارتفاع، وعظمت النفقات. ووقع اصطراع الأضداد على السّلطان، وواصلوه باقتضاء ما لهم من المقرّرات، ولازموا بابه، ومنعوه من لذّاته. وتجرءوا على الوزراء واستخفّوا بهم، وجعلوهم غرضا لمساءتهم، فكانت الفترات بعد صرف من ينصرف منهم أطول من مدّة نظر أحدهم؛ والمستنصر يوسعهم حلما واحتمالا. فأطغى الرّجال ذلك وجرّأهم عليه، حتى خرجوا من طلب واجباتهم إلى التصارع، فاستنفدوا أمواله وأخلوا منها خزائنه، وأحوجوه إلى بيع ما عنده من العروض، فكان يخرجها لهم لتباع ويشتريها الناس فيعترضونها، ويأخذ من له درهم واحد ما يساوى عشرة ولا يمكن مطالبته. ثمّ عادوا إلى تقويم ما يخرج، فإذا حضر المقوّمون أخافوهم، فيقوّمون ما يساوى ألفا بمائة فما دونها، ولا يتمكّن الخليفة من استيفاء ذلك؛ فتلاشت الأمور واضمحلّ الملك. ثم لمّا علموا أنه لم يبق ما يخرج لهم تقاسموا الأعمال وتشاحنوا على ما زاد من الارتفاع؛ وكانوا يتنقلون فيها بحكم غلبة من يغلب صاحبه عليها. ودام ذلك بينهم سنوات نحوا من ستّ؛ ثم قصر النّيل وغلت الأسعار غلاء بدّد شمل الناس بأسرهم، وفرّق ألفتهم، وشتّت كلمتهم وأوقع العداوة والبغضاء بينهم، فقتل بعضهم بعضا حتى ناء عصب الإقليم وعفت آثاره، كما ستقف عليه فيما يأتى إن شاء الله. وفيها اصطلح معزّ الدولة وابن أخيه محمود بن شبل الدولة، ودخل حلب فى رابع عشرى ربيع الأول. فلما كان يوم الجمعة لسبع بقين من ذى القعدة [توفى] (١) ودفن بالقلعة بعد أن حاصر ابن أخيه، فملك بعده أخوه عطية، [أبو ذؤابة (١)]. وفيها مات بمصر مؤتمن الدولة أبو طاهر مسلم بن على بن ثعلب، فكتب أبو محمد بن سعد، الشاعر الخفاجى، من القسطنطينية إلى أهله بحلب يرثيه من أبيات: أتانى وعرض الرمل بينى وبينه … حديث لأسرار الدموع مذيع ومات المعز بن باديس، وملك بعده ابنه تميم (٢)؛ فطمع أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية.

стр. 632

سنة أربع وخمسين وأربعمائة (١): فى ثالث المحرّم توفى أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم فى وزارته. وكان أبوه قاضى طرابلس فانتقل أبو محمد إلى مصر، وكان فاضلا؛ فردّت الوزارة بعده إلى أخيه أبى على أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد. ثم صرف عن القضاء فى صفر بأبى القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن؛ ثم صرف أبو علىّ عن الوزارة، واستخدم سديد الدولة أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة ذى الكفايتين بن أبى الحسن على بن محمد بن الحسن ابن عيسى العقيلى؛ وكان أولا ناظرا على دواوين الشام، فأقام فى الوزارة إلى شوال؛ وصرف عنها بأبى الفرج البابلى المقدم ذكره وفيها تولّى مكين الدولة بن ملهم طبرية وعكا، وإمرة بنى سليم وبنى فزارة، فسار إليها وتسلمها فى صفر.

стр. 633

ذكر ابتداء الفتنة الّتى آلت إلى إخراب ديار مصر وفى هذه السنة ابتدأت الفتنة التى كانت سببا لخراب الإقليم. وذلك أن المستنصر كان من عادته فى كل سنة أن يركب على النّجب ومعه النّساء والحشم إلى جبّ عميرة (١)، وهو موضع نزهة، ويغيّر هيئته، كأنه خارج يريد الحج على سبيل الهزر والمجانة، ومعه الخمر محمول فى الرّوايا عوضا عن الماء، ويدور به سقاته عليه وعلى من معه كأنه بطريق الحجاز أو كأنّه ماء زمزم. وقد أنشد الشريف أبو الحسين على بن الحسين بن حيدرة العقيلى المستنصر فى ذلك صبيحة يوم عرفة: قم فانحر الرّاح يوم النحر بالماء … ولا تضحّ ضحى إلاّ بصهباء وادرك (٢) حجيج النّدامى قبل نفرهم … إلى منى، فصفّهم مع كل هيفاء وعج على مكة الروحاء (٣) مبتكرا … فطف بها حول ركن العود والنّاء فلما كان فى جمادى الآخرة خرج على عادته؛ واتفق أن بعض الأتراك جرّد سيفا فى سكرة منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه عدّة من العبيد وقتلوه. فغضب لذلك جماعة الأتراك واجتمعوا بأسرهم ودخلوا على المستنصر، وقالوا، إن كان هذا الذى قتل منّا عن رضاك فالسّمع والطاعة، وإن كان قتله عن غير رضا أمير المؤمنين فلا صبر لنا على ذلك. وأنكر المستنصر أن قتله برضاه أو أمره؛ فخرج الأتراك واشتدّوا على العبيد يريدون

стр. 634

محاربتهم، فبرزت العبيد إليهم؛ وكانت بين الفريقين حروب بناحية كوم شريك (١) قتل فيها عدّة، وانهزم العبيد وقويت الأتراك؛ هذا والسيدة أم المستنصر تمدّ العبيد بالأموال والسلاح. فاتفق فى بعض الأيام أنّ بعض الأتراك وقف على شيء مما تبعث به أمّ المستنصر إلى العبيد لتعينهم به على محاربة الأتراك، فأنكر ذلك وأعلم أصحابه، فاجتمعوا وصاروا إلى المستنصر وتجرّءوا عليه بالقول وأغلظوا فى المخاطبة؛ فأنكر أن يكون عنده من ذلك خبر، وصار السيف قائما. فدخل على أمه وأنكر عليها ما تعتمده من تقوية العبيد وإعانتهم على محاربة الأتراك. ثم انتدب أبا الفرج ابن المغربى، الذى كان وزيرا؛ فخرج؛ ولم يزل يسعى بين الأتراك والعبيد حتى أوقع الصلح بين الفريقين (٢). فاجتمع العبيد وساروا إلى ناحية شبرا دمنهور (٣). فكانت هذه الكائنة أول الاختلاف بين طوائف العسكر. وكان السبب فى كثرة السودان بالقصر أن أم المستنصر كانت جارية سوداء قدم بها أبو سعيد التسترى المقدم ذكره، فأخذها منه الظاهر واستولدها المستنصر. فلما أفضت الخلافة إلى ابنها المستنصر، ومات الوزير صفى الدين الجرجرائى فى سنة ست وثلاثين وأربعمائة استطالت أم المستنصر وقويت شوكتها، وتحكمت فى الدولة، واستوزرت مولاها أبا سعيد. وتوقفت أحوال الوزير الفلاحى معه، فاستمال الأتراك وزاد فى

стр. 635

واجباتهم حتى قتلوا أبا سعيد، فحنقت أم المستنصر من قتله على الفلاحى، ولم تزل به حتى كان من أمره ما تقدم ذكره. وأخذت فى شراء العبيد السود وجعلتهم طائفة لها، واستكثرت منهم وخصتهم بالنظر، وبسطت لهم فى الرزق ووسعت عليهم حتى أمطرتهم بالنعم؛ وسار العبد بمصر يحكم حكم الولاة. وشرعت تغض من الأتراك وتظهر كراهتهم وانتقاصهم. وتقدمت إلى الوزير أبى البركات الجرجرائى أن يغرى العبيد بالأتراك ويوقع بينهم، فخاف سوء العاقبة فى ذلك ولم يوافقها عليه؛ فلم تزل به حتى صرف من الوزارة. واستقر وزيرها أبو محمد اليازورى فى الوزارة، فأوعزت إليه بذلك، فساس الأمور سياسة جميلة إلى أن انقضت أيامه. ووزر البابلى، فأمرته بذلك، فشرع فيه. وتغيّرت النيّات، وصارت قلوب كلّ من الطّائفتين تضمر السوء للأخرى، حتى كان من الحرب ما قد ذكر، ولم يزل ذلك حتى خرب الإقليم كله وهلك أهله كما سيأتى. وفيها توفى الشريف أبو الحسن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن الحسين بن على بن محمد بن على بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد ولى قضاء دمشق مرتين. وفى سابع عشر ذى القعدة توفى القاضى الفقيه أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن على بن حكمول بن إبراهيم بن محمد بن مسلم القضاعى؛ وكان يخلف القضاة فى الحكم بمصر. وكان إماما محدّثا، وله كتاب الشهاب، وكتاب الخطط، وكتاب أنباء الأنبياء، وغير ذلك من المصنفات. وفيها توفى الرئيس أبو الحسن على بن رضوان بن على بن جعفر الطبيب. وتوفى المعز بن باديس بالقيروان فى رابع شعبان.

стр. 636

سنة خمس وخمسين وأربعمائة (١): فيها ردّت الوزارة والحكم معا إلى أبى على أحمد بن قاضى القضاة عبد الكريم بن عبد الحاكم فى ثالث عشر المحرم، ثم صرف عنهما فى سابع صفر؛ وأعيدت الوزارة لأبى المفضل عبد الله بن يحيى بن المدبّر، والحكم إلى أبى القاسم عبد الحاكم بن وهيب. وفى تاسع عشر جمادى الأولى توفّى الوزير أبو المفضل عبد الله بن المدبّر، وقد تكررت ولايته للوزارة؛ وسمع الحديث، وكان فاضلا أديبا؛ وهو من ولد ابن المدبّر متولّى خراج مصر فى أيّام ابن طولون. واستقر فى الوزارة أبو غالب عبد الطاهر بن الفضل بن الموفق فى الدين المعروف بابن العجمى، ثم صرف وقبض عليه فى السابع والعشرين من شعبان. وأعيد إلى القضاء والوزارة جميعا أبو محمد الحسن بن مجلى بن أسد بن أبى كدينة، واستمر فيهما إلى خامس ذى الحجة، فرتّب مكانه جلال الملك أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم بن سعيد، فاستخلف أخاه أبا الحسن عليّا على القضاء. وفيها ندب أمير الجيوش بدر الجمالى (٢) لولاية دمشق؛ وندب معه على الخراج الشريف أبو الحسن يحيى بن زيد الحسنى الزّيدى وفيها قدم الصّليحى (٣) مكة بعد ما ملك اليمن كلّه سهله وجبله، وبرّه وبحره،

стр. 637

وأقام بها وبمكة دعوة المستنصر، وكسا الكعبة حريرا أبيض، وردّ حلية البيت إليه؛ وكان بنو حسن قد أخذوها ومضوا بها إلى اليمن، فاشتراها منهم، وأعادها فى هذه السنة. واستخلف على مكة محمد بن أبى هاشم، وعاد إلى اليمن (١).

стр. 638

سنة ست وخمسين وأربعمائة (١): فى ثالث عشرى المحرم صرف أحمد بن عبد الحاكم عن القضاء والوزارة. وتقلّد الوزارة أبو المكارم المشرف بن أسعد بن مقبل، وفوّض قضاء القضاء لأبى محمد الحسن بن مجلى بن أبى كدينة؛ ثم صرف، وأعيدت الوزارة لأبى غالب عبد الطاهر بن الفضل، وفوّض القضاء لأبى الحسن على بن عبد الحاكم فى سابع عشرى ربيع الآخر؛ ثم صرف عن القضاء فى خامس جمادى الأولى بأبى القاسم عبد الحاكم بن وهيب. ثم صرف أبو غالب عن الوزارة واستدعى أبو البركات حسين بن عماد الدولة الجرجرائى من صور فحضر إلى مصر ووليها فى مستهلّ رجب، فأقام إلى العشر الأخر من رمضان وصرف عنها؛ وصرف أيضا عن القضاء عبد الحاكم. وجمعا معا، الوزارة والقضاء، لابن أبى كدينة، فباشرهما إلى رابع ذى الحجة، فصرف عن الوزارة وقرّر فيها أبو على الحسن بن أبى سعيد التّسترى؛ وقرر فى القضاء أحمد بن عبد الحاكم. وفيها فارق أمير الجيوش بدر ولاية دمشق فرارا من أهلها لثورتهم به؛ فقرّر المستنصر بدله الأمير حصن الدولة أبا الحسن معلى بن حيدرة بن منزو بن النعمان الكنانى. وفيها قتل قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق (٢)، صاحب قونية (٣) وآق سرا (٤)، فقام بعده ابنه سليمان ابن قطلمش وفتح أنطاكية.

стр. 639

سنة سبع وخمسين وأربعمائة (١): فى النّصف من المحرّم صرف عن الوزارة أبو على بن أبى سعيد؛ وصرف عن القضاء أبو أحمد بن عبد الحاكم. وتولّى الوزارة أبو شجاع محمد بن الأشرف بن أبى غالب محمد ابن علىّ بن خلف، وكان أبوه أحد وزراء بنى بويه ببغداد؛ ثم صرف عنها ثانى يوم، واستقر فى القضاء والوزارة جميعا أبو محمد بن أبى كدينة فى حادى عشريه، فلم يقم غير أربعة أيّام وصرف عنها فى سادس عشريه. وأعيد أبو شجاع محمّد بن الأشرف إلى الوزارة، وتقلّد القضاء جلال الملك أبو أحمد بن عبد الكريم. فأقام ابن الاشرف فى الوزارة إلى نصف ربيع الأول، وصرف، وقرّر فى الوزارة سديد الدولة أبو القاسم هبة الله بن محمد الرعبانى الرحبى، ثم صرف فى آخره. واستوزر ابن أبى كدينة، وأضيف إليه القضاء أيضا فى نصف جمادى الآخرة، فباشرهما إلى نصف رجب، وصرف عن الوزارة بأبى المكارم رئيس الرؤساء الشرف بن أسعد، وعن القضاء بعبد الحاكم بن وهيب. ثم قبض على الوزير أبى المكارم فى العشر الأخير من شوال، وتولى الوزارة بعده الأثير أبو الحسن على بن الأنبارىّ فأقام شهرا، وصرف فى ذى الحجّة عن الوزارة، ولم يعد إليها.

стр. 640

سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (١): فى سادس عشرين منه صرف ابن أبى كدينة عن القضاء واستقرّ عوضه جلال الملك أبو أحمد، ونعت بقاضى القضاة الأعظم. وفى تاسع ربيع الآخر أعيد إلى الوزارة أبو القاسم هبة الله بن محمد الرّعبانى، وصرف عنها فى السادس عشر منه. وفى جمادى الأولى ولّى المستنصر أمير الجيوش بدرا الشام بأسره، فخرج إليها بعد ما أنفق عليه ألف ألف دينار. وفى جمادى الآخرة جمع القضاء والوزارة لأبى أحمد جلال الملك، ثم صرف بعد أيّام عن الوزارة بأبى الحسن طاهر بن وزير، فباشر أيّاما يسيرة؛ وصرف بأبى عبد الله محمد بن حامد التّنّيسى، وأقام يوما واحدا، ثم صرف وقتل. فاستوزر أبو سعد منصور بن زنبور (٢)، فلم يقم فى الوزارة غير أيّام قليلة وهرب؛ فأقيم بعده أبو العلاء عبد الغنى بن نصر بن سعيد الضّيف، فباشر أياما يسيرة وصرف. وكان دخول أمير الجيوش إلى دمشق فى سادس شعبان، وبلغ ما بلغت نفقة المستنصر عليه ألف ألف دينار (٣).

стр. 641

سنة تسع وخمسين وأربعمائة (١): فيها قويت شوكة الأتراك واشتدّ بأسهم وطلبوا الزيادات فى واجباتهم ورواتبهم؛ وساءت أحوال العبيد وكثر ضررهم وهم يتزايدون، حتى صار منهم بالقاهرة ومصر وما فى ظواهرهما من القرى نحو الخمسين ألف عبد، ما بين فارس وراجل. وخلت خزائن أموال المستنصر وضعفت الدولة. فبعثت السيدة أم الخليفة المستنصر إلى قوّاد العبيد تغريهم بالأتراك، وتحثّهم على الإيقاع بهم ومحاربتهم وإخراجهم من مصر؛ فجمع قوّاد العبيد وحشدوا طوائفهم، وصاروا إلى شبرا دمنهور، وساروا إلى الجيزة؛ فخرج إليهم الأتراك يريدون محاربتهم؛ وقد بلغت النفقة فى تعديتهم إلى الجيزة ألف ألف دينار. فالتقى الفريقان، وكانت بينهما حروب انجلت عن كسرة السّودان وهزيمتهم إلى الصّعيد. وكان مقدّم طوائف الأتراك يومئذ ناصر الدّولة أبو على الحسن بن الأمير أبى الهيجاء ابن حمدان؛ فرجع بالأتراك إلى القاهرة وقد قويت نفسه وعظم قدره، واشتدت شوكته، وثقلت وطأته. وتلاحق العبيد بعضهم ببعض واجتمعوا فى بلاد الصّعيد وهم فى عدد يتجاوز الخمسة عشر ألفا ما بين فارس وراجل؛ فساء ذلك الأتراك وأقلقهم، فصار أكابرهم إلى المستنصر وشكوا إليه أمر العبيد. فأمرت أمّ المستنصر جماعة ممّن كان عندها من العبيد أن يقتحموا على الأتراك فهاجموهم على حين غفلة وقتلوا منهم جماعة. ففر ابن حمدان حينئذ إلى ظاهر القاهرة، وتسارع إليه الأتراك وقد استعدّوا لمحاربة العبيد؛ فخرج إليهم عدة من العبيد الذين كانوا بالقاهرة ومصر. فكانت بين الطائفتين حروب شديدة مدّة أيام، فحلف منذ ذلك ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل إمّا له أو عليه. وثبت كل منهما، فكانت الكرّة لابن حمدان على العبيد، فوضع السيف فيهم وتجاوز الحد فى كثرة

стр. 642

قتلهم، وتتبّعهم فى كل مكان حتى لم يدع فى القاهرة ومصر منهم إلاّ قليلا، وهم مقيمون بالصّعيد والاسكندرية. فرأى ابن حمدان أن يبدأ محاربة من فى الاسكندرية منهم، فسار إليها ونازلها مدّة، وحصر العبيد بها، وألحّ فى مقاتلتهم حتى طلبوا منه الأمان، فأقام على ولايتها (١) رجلا من ثقاته. وانقضت هذه السّنة كلّها فى قتال العبيد والأتراك. وفى يوم عيد الفطر أفرج عن حميد بن محمود بن الجراح وحازم بن على بن الجراح، الطّائيّين، من خزانة البنود بعد ما أقاما محبوسين مدة طويلة. وفيها قطعت دعوة المستنصر من اليمن بقتل الصّليحى (٢) وأعيدت دعوة بنى العباس. وأما الوزراء فإن ابن أبى كدينة صرف فى ثامن المحرم، وولى أبو القاسم عبد الحاكم المليحى، فأقام إلى سابع جمادى الآخرة، وصرف؛ وأعيد ابن أبى كدينة، فأقام أياما وصرف؛ وأعيد المليحى فلم يقم سوى ليالى يسيرة وصرف؛ وأعيد ابن أبى كدينة فأقام إلى ثامن عشرى ذى القعدة، وصرف بجلال الملك بن عبد الحاكم. وفيها قتل فتوح الشامى أحد قواد العبيد؛ وكان المنفق حين قتل خمسمائة ألف دينار.

стр. 643

سنة ستين وأربعمائة (١): فى المحرّم خرج الأتراك مبرّزين إلى الرّملة حين قتل شهاب الدولة، وقد بلغت نفقه المستنصر فيهم ألف ألف دينار. وفيه اشتد البلاء على المستنصر بقوّة الأتراك عليه وطمعهم فيه، فانخرق ناموسه، وتناقصت حرمته، وقلت مهابته؛ وتعنّتوا به فى زيادة واجباتهم. وكانت مقرراتهم فى كلّ شهر ثمانية وعشرين ألف دينار، فبلغت فى هذه السنة إلى أربعمائة ألف دينار فى كل شهر، فطالبوا المستنصر بالأموال. وركب ناصر الدولة الحسين بن حمدان ومعه جماعة من قواد الأتراك، وحصروا المستنصر وأخذوا جميع الأموال، ثم اقتسموا الأعمال؛ وركبوا إلى دار الوزير ابن أبى كدينة يريدون الأموال، فقال: وأىّ مال بقى؟ الريف فى يد فلان والصعيد فى يد فلان والشام فى يد فلان. فقالوا: لا بدّ أن تنفذ إلى مولانا وتطلب منه وتعلمه بحضورنا. فكتب الوزير إلى المستنصر رقعة يذكر فيها حضورهم بألقابهم وما يطلبون؛ فخرجت الرقعة بخط المستنصر فيها مكتوب: أصبحت لا أرجو ولا أتّقى … إلا إلهى، وله الفضل جدّى نبيّى، وإمامى أبى … وقولى التوحيد والعدل المال مال الله، والعبد عبد الله، والإعطاء خير من المنع. ﴿وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢)». واعتذر بأنه لم يبق عنده شيء. فاضطرّوه إلى إخراج ذخائره وذخائر

стр. 644

آبائه وبيعها، فأخذ يخرج ذلك شيئا بعد شيء، وهم يأخذونها لأنفسهم بأيديهم ويثمّنونها بأقلّ القم وأبخس الأثمان. وسار ابن حمدان بجماعة الأتراك إلى الصعيد يريد محاربة العبيد، وكان قد كثر شرهم وتزايد ضررهم، وعم الكافّة أذاهم وإفسادهم؛ فاجتمعوا لحربه واستعدوا للغاية. فسار إليهم فى شهر رمضان وقد بلغت النفقة عليه وعلى من معه ألف ألف دينار؛ وكانت بينهما حروب عظيمة ووقائع عديدة انجلت عن كسرة الأتراك وهزيمتهم إلى الجيزة. فتلاقى بعضهم ببعض وصاروا يدا واحدة على المستنصر، وألّبوا عليه، واتهموه بأنه بعث إلى العبيد بالأموال فى السّرّ ليقوّيهم على محاربة الأتراك، وجهروا له بالسّوء من القول. فقال لهم إنه لم يبعث إليهم بشئ ولا أمدّهم بمعونة. وأخذ الأتراك فى لم شعثهم والتأهّب لمحاربة العبيد، حتى تهيأ أمرهم بعد أن أنفق المستنصر فيهم عوضا عمّا نهب السّودان لهم وضاع من أموالهم ألف ألف دينار. وساروا إلى قتالهم مرّة ثانية، فالتقوا بهم وصابروهم القتال ووالوا عليهم الكرّات حتى انهزم العبيد منهم، وقتل كثير من أعدادهم، بحيث لم ينج منهم إلاّ القليل، وزالت حينئذ دولتهم. وعظم أمر ناصر الدولة واستبدّ بالأمور، فصرف ابن أبى كدينة من الوزارة وأعاد المليجى فلم يبق غير خمسة وصرف: وأعيد ابن أبى كدينة، وجمع له بين الوزارة والقضاء معا فى ربيع الأوّل، فأقام فيهما إلى جمادى الأولى؛ وصرف عن القضاء بجلال الملك، فأقيم فى منصب القضاء إلى سلخ رمضان، فصرف عن القضاء بالمليجى. فأقام المليجى قاضيا إلى يوم عيد النّحر، وصرف، وتولى ابن أبى كدينة.

стр. 645

وفيها كانت بدمشق حروب بين أمير الجيوش بدر وبين عسكريته (١)، فكانت الحروب طول السنة فى بلاد الشّام وديار مصر قائمة لا تهدأ. وسار الأمير قطب الدولة باز طغان إلى ولاية دمشق، ومعه أبو الطاهر حيدرة بن مختصّ الدولة أبى الحسين، ناظرا فى أعمالها (٢). وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة، حتى طلع الماء من الآبار وهلك عالم عظيم تحت الرّدم. وزال البحر بفلسطين من الزّلازل وبعد عن السّاحل مسيرة يوم، ثم رجع فوق عالم كبير خرجوا يلتقطون من أرضه. وخربت الرّملة خرابا لم تعمر بعده. وفيها أنفق فى غير استحقاق لمدّة خمسة عشر شهرا، أوّلها عاشر صفر سنة ستين، مبلغ ثلاثين ألف ألف دينار.

стр. 646

سنة احدى وستين وأربعمائة (١): فيها قوى تغلّب المارقين على المستنصر واستباحوا ما وجدوا فى بيوت أمواله، واشتدّت مطالباتهم بالواجبات المقرّرة لهم، وسألوا الزيادات فى الرسوم. واقتسم مقدّموهم دور المكوس والجبايات، وتغلّب كلّ من بقى منهم على ناحية؛ ولم يبق للدّولة ارتفاع يعوّل عليه، ولا مال فى القياصر يرجع إليه. وأخرج من الذّخائر ما لا شوهد فيما بعده من الدّول مثله نفاسة وغرابة، وجلالة وكثرة، وحسنا وملاحة، وجودة وسناء قيمة وعلوّ ثمن؛ ونقل منه التجار إلى الأمصار شيئا كثيرا، سوى ما أحرق بالنار بعد ما امتلأت قياسر (٢) مصر وأسواقها من الأمتعة المخرجة من القصر المبيعة على الناس، التى أنفق منها فى أعطيات الأتراك، وغيرهم لسنة ستّين وأربعمائة. فأهلت سنة إحدى وستين هذه وقد اشتد الخوف بمصر، وكثر التّشليح فى الطّرقات نهارا والخطف والقتل. وصار الجند فرقتين، فرقة مع الخليفة المستنصر وفرقة عليه. وذلك أن الوحشة ابتدأت بين الأتراك وبين ناصر الدولة ابن حمدان، لقوة بأسه وتفرّده بالأمور دونهم، واستبداده بالدولة عليهم، فنافسوه وحسدوه، وصاروا إلى الوزير خطير الملك (٣) وقالوا له: كلّ ما خرج من الخليفة من مال أخذه ناصر الدّولة وتفرّق أكثره فى حاشيته، ولا ينالنا منه إلا الشئ القليل. فقال لهم إنما وصل ناصر الدولة إلى هذا وغيره مما هو فيه بكم، ولولا أنتم لما كان له من الأمر شيء، ولو أنكم فارقتموه لا نحلّ أمره. واتفقوا على أن يكونوا جميعا عليه، ويحاربوا حتى يظفروا به ويخرجوه من مصر. ودخلوا إلى الخليفة المستنصر وسألوه أن يبعث إلى ناصر الدّولة بالخروج من البلاد، وتهديده إن لم يخرج؛ فبعث إليه يأمره بالخروج عن بلاده؛ فسارع إلى الخروج عن

стр. 647

القاهرة ونزل بالجيزة. فامتدّت الأيدى عند خروجه إلى دوره ودور حواشيه وأصحابه، وانتهبتها وأفسدتها. فلما كان فى الليلة التى خرج قبلها دخل فى خفاء واجتمع بالقائد تاج الملوك شادى وترامى عليه وقبّل رجله، وقال له: اصطنعنى وانصرنى على الوزير الخطير وعلى إلدكز (١)، بأن تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين، فاذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما؛ فوافقه على ذلك وأجابه إليه؛ ورجع ناصر الدّولة إلى مخيّمه بالجيزة. فلما طلع النهار شرع تاج الملوك فى عمل ما تقرّر بينه وبين ناصر الدولة، فأحسّ إلدكز بالمكيدة فسارع إلى اللّحوق بالقصر، واستجار بالمستنصر. وأقبل الوزير فى موكبه وليس له شعور بما بيّت فى الليل، فصادفه تاج الملوك على غرّة منه، فأوقع به وقتله؛ وسيّر فى الحال إلى ناصر الدولة، فحضر. وحسّن إلدكز للمستنصر أن يركب لمحاربة ناصر الدّولة، فلبس سلاحه وألبس من معه وركب، ونزل، فصار معه من الجند والعامّة ما لا يحصى عددهم كثرة. ووقف ناصر الدولة بمن معه؛ ونشبت الحرب بينهما، فكانت الكسرة على ناصر الدولة، فانهزم وقد قتل كثير من أصحابه؛ فمرّ على وجهه لا يلوى على شيء فى يسير من أصحابه، حتى انتهى إلى بنى سنبس بالبحيرة فنزل عليهم، وأقام فيهم واستجارهم، وتزوّج منهم. واشتد الغلاء بمصر، وقلّت الأقوات فى الأعمال، وعظم الفساد والضّرر، وكثر الجوع حتى أكل النّاس الجيف والميتات، ووقفوا فى الطرقات يخطفون من يمر من الناس فيسلبونه ما عليه، مع ما نزل بالنّاس من الحروب والفتن التى هلك فيها من الخلق ما لا يحصيهم

стр. 648

إلاّ خالقهم. وخاف الناس من النّهب، فعاد التجار إلى ما ابتاعوه من المخرج من القصر يحرقونه بالنار ليخلص لهم ما فيه من الذّهب والفضة. فحرقوا من الثياب المنسوجة بالذهب والأمتعة من الستور والكلل والفرش، والمظالّ والبنود والعمّاريات (١)، والمنجوقات (٢) والأجلّة (٣) ومن السّروج الذهب والفضة والآلات المجراة بالميناء والمرصّعة بالجوهر، شيء لا يمكن وصفه، مما عمل فى دول الإسلام وغيرها. وفى سادس صفر وهب لسعد الدّولة، المعروف بسلام عليك، ما فى خزانة البنود من الآلات والأمتعة وغيرها، فوجد فيها ألفا وتسعمائة درقة لمطيّة (٤)، سوى ما كان فيها من آلات الحرب والقضب الفضة والذهب والبنود، فسقطت شرارة فيما هنالك فاحترق جميعه؛ وكانت لذلك غلبة وخوف شدائد. فممّا احترق فيها عشرات ألوف من السيوف إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، بحيث إنّ السلطان بعد ذلك بمدة احتاج إلى سلاح، فأخرج من خزانة واحدة مما بقى وسلم من الحريق خمسة عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها. وأخرج من القصر صندوق كيل منه سبعة أمداد (٥) زمرّد، ذكر الجوهرىّ أن قيمتها على الأقل ثلاثمائة ألف دينار. وكان فى المجلس فخر العرب ابن حمدان (٦) وابن سنان وأبو محمد الحسن بن على بن أسد بن أبى كدينة، وغيرهم من المخالفين؛ فقال بعضهم لمن أحضر من الجوهريين: كم قيمة هذا؟ فقالوا إنما تعرف قيمة الشئ إذا كان مثله موجودا، ومثل هذا لا قيمة له. فاغتاظ؛ وقال ابن أبى كدينة: فخر العرب كثير المئونة وعليه خرج؛ والتفت إلى كتّاب الجيش، فقالوا: يحسب عليه بخمسمائة دينار؛ فكتب بذلك وقبضه.

стр. 649

وأخرج عقد جوهر قيمته على الأقل ثمانون ألف دينار فكتب بألفى دينار؛ وتشاغل الحاضرون بنظر ما سواه فانقطع سلكه وتناثر حبّه، فأخذ واحد حبّة فجعلها فى جيبه، وأخذ ابن أبى كدينة حبّة، وأخذ فخر العرب شيئا، وتفرّق الباقون سائره، فذهب كأن لم يكن. وأخرج ما أنفذه الصّليحى من نفيس الدّر وكيل، فجاء سبع ويبات. وأخرج ألفان ومائتا خاتم ما بين ذهب وفضّة بفصوص من بين سائر أنواع الجواهر، مما كان للخلفاء، شوهد منها ثلاثة خواتيم من ذهب أحدها فصّه زمرّد واثنان ياقوت غشيم صاف ورمانى، كان شراء النصوص اثنى عشر ألف دينار. وأخرج من خزائن القصر ما يزيد على خمسين ألف قطعة من الثياب الخسروانية (١) أكثرها مذهب. وقال ابن عبد العزيز أخرج من الخزائن على يدىّ أكثر من مائة ألف قطعة ولما اشتدّ على المستنصر أمر الأتراك وطالبوه بجراياتهم بعث إلى العميد ابن أبى سعد فى إحضار جوهر كان عنده، فأحضر خريطة فيها نحو من ويبة، فأحضر أرباب الخبرة من الجوهريين ليقوّموه، فذكروا أنّه لا قيمة له ولا يشترى مثله (٢) إلا الملوك؛ فقوّمت بعشرين ألف دينار - وكان مشتراه على حدّه سبعمائة ألف دينار - ففرّق فى الأتراك وقبض كلّ منهم جزءا بقيمة الوقت. وقسمت خزائن السيوف وآلات السلاح بين عشرة، وهم ناصر الدولة ابن حمدان، وأخواه فخر الدولة على، ويلدكوش، وأمير الأمراء الحسين بن سبكتكين، وسلام عليك، وشاور بن حسين، وتاج الملوك شادى، والأعز ابن سنان، ورضى الدولة بن رضىّ الدولة، وأمير العرب ابن كيغلغ. فكان من جملتها ذو الفقار (٣)، وصمصمامة عمرو بن معدى كرب، وسيف عبد الله بن وهب الرّاسبى، وسيف

стр. 650

كافور الإخشيذى، وسيف المعز لدين الله، ودرع المعز وكانت تساوى ألف دينار بيعت منها كواكب بمائة دينار، وسيف الحسين بن علىّ، ﵇، وكان وزنه ثلاثمائة وستين مثقالا، وسيف الأشتر النخعى، ودرقة حمزة بن عبد المطلب، وسيف جعفر بن محمد الصادق. ودخل فى بعض الأيام من باب الدّيلم (١)، أحد أبواب القصر، تاج الملوك شادى، وفخر العرب على بن ناصر الدولة ابن حمدان، ورضىّ الدولة بن رضىّ الدولة، وأمير الأمراء أبجتكين بن سبكتكين، وأمير العرب ابن كيغلغ، والأعزّ بن سنان، وعدّة من الأمراء البغداديّين، وصاروا فى الإيوان ومعهم أحد الفراشين وفعلة، فانتهوا إلى حائط مجيّر، فأمروا الفعلة بكشف الجير، فظهر باب فهدم، فإذا خزانة ذكر أنّها من أيام العزيز بالله؛ فوجدوا فيها من السلاح ما زادت قيمته على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك وتفرّقوه. وصارت حواشيهم وركابيّاتهم (٢) يكسرون الرّماح ويتلفون أعوادها ليأخذوا المهار الفضة. وبيع من الرّماح الخطّية السّمر الجياد شيء كثير مما كسره الغلمان للمغازليين وصنّاع موادن الغزل حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة، ولم يعترضهم أحد من أهل الدولة. وأخذ ما فى خزائن البنود ومن المحكم والمينا المجرى بالذّهب والمجرود والبغدادى والمذهّب والخلنج (٣) والصينى ما لا يحصى. وأخذ أيضا ما فى خزائن الفرش من البسط والسّتور

стр. 651

والنفائس من الحرير وغيره، ما لا يعرف له قيمة لكثرته. وأخرج فى يوم من خزائن من القصر عدّة صناديق؛ فوجد فى أحدها أمثال كيزان الفقاع (١) من صافى البللّور المنقوش والمجرود شيء كثير، وإذا جميعها مملوءة من ذلك وغيره. وبيعت فى تركة عماد الدولة بن الفضل من المحترق، بعد قتله، مما كان قد صار إليه من مخرج القصر مرتبة خسروانية حمراء بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار، ومرتبة قلمونية (٢) بالفين وأربعمائة دينار، وثلاثون سندسيّة كلّ واحدة بثلاثين دينارا، وقدح بللّور بمائتين وعشرين دينارا، وخردادى بللور بثلاثمائة وستين دينارا، وكوز بللور بمائتين وعشرة دنانير وكلّة بثمانمائة دينار، وعدة صحون ميناء بيع كل منها بمائة دينار فما دونها. وخرج من القصر خردادى وباطية من بللور فى غاية النّقاء وحسن الصّنعة، مكتوب عليهما اسم العزيز تسع الباطية سبعة أرطال ماء ويسع الخردادى تسعة أرطال، دفع فيهما ابن عمّار بطرابلس ثمانمائة دينار فامتنع صاحبهما. وقال المعتمد أبو سعد النّهاوندى أحد الأمناء، وحده دون غيره من أمناء القصر؛ ممّا أخرج بيع ثمانى عشرة ألف فقعة بللور ومحكم، منها يساوى الألف دينار وإلى عشرة دنانير؛ ونيّف وعشرون ألف قطعة خسروانية، إلى غير ذلك من الفرش والتّعاليق ما بين مذهبة وغير مذهبة. وبيع فى مدّة خمسة عشر شهرا، أوّلها عاشر صفر سنة ستّين وأربعمائة، سوى ما نهب وسرق، ممّا خرج من القصر ما تحصّل من ثمنه ثلاثون ألف ألف دينار، على أنّه بيع بأقلّ القيم وأنزر الأثمان؛ وقبض الجند والأتراك جميعها من غير أن يستحقّ أحد منهم درهما واحدا منها.

стр. 652

ودخلوا إلى خزانة الرّفوف، وكانت خزانة عظيمة بالقصر من جملة خزائن الفرش، فيها رفوف كبيرة بعضها فوق بعض، ولكل منها سلّم منفرد، فأخرجوا منها ألفى عدل شققا طميما بهدبها من سائر أنواع الخسروانىّ وغيره لم تستعمل، وكلّها مذهّب معمول بسائر الأشكال والصور. وجد فى عدل منها أجلّة للفيلة من خسروانى أحمر مذهب كأحسن ما يكون، وموضع نزول أفخاذ الفيّال ورجليه سارج بغير ذهب. وأخرج من بعض الخزائن ثلاثة آلاف قطعة من خسروانيّ أحمر مطرّز بأبيض لم تفصّل، برسم كسوة البيوت، كل بيت منها كامل بجميع آلاته ومسانده ومخادّه ومراتبه وبسطه وعتبه ومقاطعه وستوره، وجميع ما يحتاج إليه فيه. وأخرج من الحصر السّامانية المطرزة بالذهب والفضة وغير المطرزة مما هى مجومة ومطيّرة وطفيلة، ومصورة بسائر الصور، ما لا يحصى كثرة. وأخرج من صوانى الذهب المجراة بالميناء وغير المجراة، المنقوشة بسائر أنواع النقوش، المملوء جميعها جواهر من سائر أنواعه شيء كثير جدا؛ ونيّف وعشرون ألف قطعة طميم من سائر الأمتعة. والتمس بعض الأتراك من المستنصر مقرمة (١) سندس أخضر مذهبة اقتراحا عليه لعدمها وقلة وجود مثلها، فأخرج منها عدل كان العدد المكتوب عليه مائة وثمانية وثمانين من جملة أعداد أعدال فيها من المتاع. وأخرج فى يوم صناديق سروج محلاة بفضة، وجد فيها صندوق مكتوب عليه: الثامن والتسعون والثلاثمائة، وعدّة ما فيها زيادة على أربعة آلاف سرج. ووجد غلف خيزران مبطّنة بالحرير محلاة بالذهب خالية من الأوانى، كانت تسعة عشر ألف غلاف، كان فى كل غلاف قطعة من بللّور أو مجروداء محكم أو ما شاكل ذلك.

стр. 653

ووجد مائة كأن بازهر (١) على أكثرها اسم هارون الرشيد، ووجد ستور حريريّة منسوجة بالذهب، تقارب الألف، مختلفة الألوان والأطوال، فيها صور الدّول وملوكها والمشاهير فيها، مكتوب على صورة كلّ واحد منهم اسمه ومدّة أيامه وشرح حاله. ووجد فى خزانة عدّة صناديق كثيرة مملوءة سكاكين مذهبة ومفضضة بنسب مختلفة من سائر الجواهر. ووجد عدة صناديق كبيرة مملوءة من أنواع الدّوى المربعة والمدوّرة والصّغار والكبار المعمولة من الذهب والفضة والصّندل والعود والأبنوس والعاج وسائر أنواع الخشب المحلاّة بالجوهر والفضة والذهب، وسائر أنواع الحلى الغريبة، والصّنعة المعجزة الدقيقة، بجميع آلاتها؛ فيها ما يساوى الألف دينار وما فوقها سوى ما عليها من الجواهر، وصناديق مملوءة مشارب ذهبا وفضّة محرقة بالسواد، صغارا وكبارا، بأحسن ما يكون من الصناعة. وصناديق مملوءة أقلاما مبريّة من سائر أنواع القصب، فيها ما هو من براية أبى على محمد ابن مقلة (٢)، وابن البوّاب (٣) ومن يجرى مجراهما، وعدة مصاحف بخطّيهما وخط نظرائهما فيها ما هو مكتوب بالذهب المكحل باللاّزورد. وعدّة أزيار صينى كبار مملوءة كافورا قنصوريا؛ وعدة كبيرة من جماجم العنبر الشجرى؛ وكثير من قوارير المسك؛ ومن شجر العود مقطّعة شيء كثير. ووجدت عدة خزائن مملوءة من سائر أنواع الصّينى، منها أجاجين (٤) كبار، محمولة

стр. 654

كلّ إجّانة منها على ثلاثة أرجل على صور الوحوش والسّباع والناس والبهائم، قيمة كل قطعة منها ألف دينار، معمولة لغسل الثياب. ووجدت له خزائن مملوءة من سائر أنواع الصوانى المدهونة، سعة كلّ واحدة منها من العشرة أشبار إلى ما دونها، شيء فى جوف شيء، حتى تكون أصغرها سعة الدرهم. ومن سائر أنواع الأطباق الخلنج الذى بهذه الصفة. ومن الموائد الخلنج الكبار والصغار ألوف؛ ومن موائد الكرم الجفان الجور الواسعة بمقابض الفضة التى لا يقدر الجمل القوىّ على حمل جفنتين منها لعظمتها منها ما يساوى المائة دينار وما فوقها. ووجد من الدّكك والمحاريب والأسرة العود والصّندل والأبنوس والعاج وغير شيء كثير. وعدة أقفاص مملوءة من بيض صينى معمول على هيئة البيض فى خامته وبياضه يعمل فيها ما فى البيض اليشم سبت يوم الفصاد؛ وكيزان من صينى صغار وكبار على خلقة كيزان الفقّاع يشرب فيها الفقاع. ووجد كثير من الأعدال مملوءة عقالا من اليمن مما أهداه الصّليحى. وأخرجت حصير من ذهب زنتها ثمانية عشر رطلا ذكر أنها الحصير التى جليت عليها بوران بنت الحسن على المأمون. وأخرج ثمان وعشرون صينية ميناء مجرى بالذّهب، لها كعوب تعلو بها عن الأرض مما بعثه ملك الرّوم للعزيز بالله، قوّمت كل صينية بثلاثة آلاف دينار، فأخذها كلّها ناصر الدولة ابن حمدان. ووجد عدّة صناديق مملوءة مرايا حديد صينى وغيره من الزجاج الميناء ما لا يحصى كثرة، وجميعها محلاة بالذهب المشبك والفضة، ومنها ما هو مكلّل بالجوهر فى غلف الكهمخت (١) وغيره من أنواع الحرير والخيزران كلها

стр. 655

مضبّبة بالذهب والفضّة، ومقابض المرايا ما بين عقيق وجزع وصندل وعود وأبنوس وغيره. وأخرج عدة أعدال من الخيام والمضارب والمنارات والخركاوات (١) وغير ذلك من أنواع الخيام المعمولة من الدّبيقى والمخمل وسائر أنواع الحرير المثقل وغير المثقل، ممّا هو منقوش ومصوّر بسائر الصّور العجيبة الصّنعة، وسائر أعمدتها مكسوة بالفضة المذهبة، ولها الصّفريّات (٢) الفضة والحبال القطنية والحريرية. فكان منها ما تحمل الخيمة منها على عشرين بعيرا وأكثر. وأخرجت المدوّرة الكبيرة؛ وكانت تقوم على خرط عمود طوله خمسة وستّون ذراعا بالكبير؛ ودور مكلّلته عشرون ذراعا، وسعة قطرها ستة أذرع وثلثا ذراع، ودور المدوّرة خمسمائة ذراع، وعدة قطع خرقها أربع وستون قطعة، كل قطعة منها تحزم فى عدل، وتحمل على مائة جمل، وفى صفرتها ثلاثة قناطير فضة يحملها من داخلها قضبان حديد تسع راوية ماء من روايا الجمال، وفى زخرفتها صور سائر الحيوانات، ولها بادهنج طوله ثلاثون ذراعا. كان عملها لليازورىّ فى وزارته، فأقام يعمل فيها مائة وخمسون صانعا نحو تسع سنين، وصرف عليها ثلاثون ألف دينار؛ أراد بها محاكاة القاتول الذى عمله العزيز بالله (٣) فجاء أعظم منه وأحسن. وبعث إلى متملّك الروم فى طلب عودين للفسطاط طول كل منهما سبعون ذراعا، فأنفذهما إليه؛ وقد بلغت النفقة عليهما حتى وصلا ألف دينار؛ فعمل أحدهما فى الفسطاط بعد أن قطع منه خمسة أذرع، وأخذ الآخر ناصر الدولة ابن حمدان لما خرج إلى الإسكندرية.

стр. 656

وقد قطعت هذه الخيام الكبار خرقا وقوّمت على المذكورين من المارقين بأقل القيم، فتمزقت وأخرج مسطّح من قلمون، عمل بتنّيس للعزيز وسمّى دار البطيخ، يقوم على ستّة أعمدة، وفيه أربع قباب بين كل قبّتين رواق يقوم كل منها على أربعة أعمدة، وطول كلّ عمود ثمانية عشر ذراعا. ومسطّح عمله الظاهر فى تنّيس، كله ذهب طميم بستر صفارى بللّور وستة أعمدة من فضة أنفق عليها أربعة عشر ألف دينار. إلى غير ذلك من القصور والخيام المخمل وغيره من سائر أنواع الحرير، وعدّة من الحمامات المعمولة من البللّور والطالقانى ومن الأدم المذهبة المنقوشة بحياضها ودككها، ومساطبها وقدورها، وزجاجها وسائر عددها وأخرجت المدوّرة الكبيرة التى عملت بحلب فى سنى بضع وأربعين وأربعمائة، فبلغت النّفقة عليها ثلاثين ألف دينار، وكان طول عمودها أربعين ذراعا، ودور فلكه أربعة وعشرين شبرا، وزنة صفريته قنطارين من فضة سوى أنابيب الحديد، ويحملها سبعون جملا، ولا ينصبها إلاّ نحو المائتى رجل، وهو شبه القاتول العزيزى. وأخرج من المظال وقصبها الفضة والذهب شيء له قدر جليل. وأخرج من الصناديق، والقمطرات والأدراج والموازين وغلف الأمشاط والمرايا والمداخن من الكيمخت والأبنوس والعاج وسائر الخشب والبقّم (١) المحلّى جميعها بالذهب والفضة المغشّاة بأغشية الأدم والحرير ما لا يحدّ كثرة. ومن صناديق الطعام وخزائنه والمجامع ما لا يدركه الإحصاء لكثرته. وأخرج من خزائن الفضّة ما ينيف على ألف ألف درهم، كلها آلات مصوغة مجراة بالذهب، فيها ما يبلغ زنة القطعة منها خمسة آلاف درهم مما هو غريب الصنعة، فبيع جميعه عشرون

стр. 657

درهما بدينار، وكانت قيمته خمسة دراهم بدينار. وأخرج غير ذلك عشاريّات موكبية وأعمدة الخيام وقصب المظال، ومنجوقات وأعلام وقناديل وصناديق وبوقات وزواريق وقمطرات، وسروج ولجم ومناطق العمّاريات وغير ذلك ما يجاوز ألف ألف فضة، بيعت كما بيع غيرها. وأخرج من الشطرنج والنرد المعمولة من أنواع الجواهر والأحجار ومن الذهب والفضة والعاج والأبنوس برقاع الحرير المذهب وغيره ما لا يحدّ كثرة ونفاسة؛ ومن دسوت الفصاد (١) مثل ذلك؛ ومن خرق المنجوقات والمطارد والمظالّ والأعلام ما لا يمكن وصفه لكثرته مما هو مخمل وحرير ساذج ومذهب؛ فقطع جميع ذلك وبيع. وأخرج مرة من خزائن السروج خمسة آلاف سرج كان أبو سعيد إبراهيم بن سهل التّسترى (٢) قد عملها، فيها ما يساوى السّرج الواحد منها سبعة آلاف دينار إلى ألف دينار، شبك جميعها وفرق فى الأتراك، كان منها أربعة آلاف سرج برسم ركاب الخليفة. وأخرج من خزانة السيدة أم المستنصر أربعة آلاف مثلها ودونها، صنع بها مثل ذلك. وأخذ منها آلات فضية وزنها ثلاثمائة ألف وأربعون ألف درهم، تساوى ستة دراهم بدينار. وأخرج من القصر أقفاص مملوءة آلات مصوغة مجراة بالذهب معدومة المثل صنعة وحسنا، عدتها أربعمائة قفص كبار، شبكت كلها فى إيوان القصر وفرقت. ومعظم ذلك كان فى وزارة جلال الملك بن عبد الحاكم فى هذه السنة. كان من جملة ما فى الأقفاص ستة عشر ألف قطعة برسم العوارى خاصة. وأخرج فى بعض أسابيع المولد ألفان وخمسمائة إناء من فضة

стр. 658

برسم الخيم. وأخرج مرة عند ورود بعض رسل ملوك الرّوم فيما أخرج عدة كثيرة من صوانى الذهب والفضة المجراة بالميناء الغريبة الصنعة، ملئت كلّها جوهرا فاخرا، وأربعة آلاف نرجسية فضة محرقة بالذهب عمل فيها النرجس، وألفا بنفسجية كذلك. وأخرج من خزائن الطّريف ستة وثلاثون ألف قطعة ما بين بللور وغيره. وكان مبلغ ما قوّم من نصب سكاكين، بأقل القيم، ستة وثلاثين ألف دينار. وأخرج من تماثيل العنبر اثنان وعشرون ألف قطعة، أقلّ تمثال منها وزنه اثنا عشر منّا (١) وأكبره يتجاوز ذلك بكثير؛ ومن تماثيل الكافور ما لا يحدّ كثرة، منها ثمانمائة بطيخة كافور، إلى غير ذلك من تماثيل الفاكهة. وأخرج من خزائن الفرش أربعة آلاف رزمة خسروانية مذهبة، فى كل رزمة فرش مجلس ببسطه وتعاليقه وسائر آلاته. وأخرج من خزائن الكسوات من التخوت والأسفاط والصناديق المملوءة بفاخر الملابس المستعملة بتنّيس ودمياط وبرقة وصقلّية وسائر أقطار الأرض ما لا يحدّ كثرة ولا يعرف له قيمة. وفى هذه السنة بعث ناصر الدولة ابن حمدان عماد الدولة، المعروف بالمخنوق، هو والوزير أبا محمّد بن أبى كدينة إلى المستنصر يطالبه معهما بما بقى لغلمانه، فذكر أنه لم يبق عنده شيء إلا ملابسه، وقال فابعث من يقوّم ذلك ويقبضه؛ فأخرج إليهما ثمانمائة بذلة من ثيابه بجميع آلاتها كاملة، قوّمت وحملت إليه فى حادى عشر صفر. وفيها وهب المستنصر لفخر العرب وتاج الملوك الكلّوتة (٢) المرصعة بالجوهر، وكانت من غريب ما فى القصر ونفيسه، وكانت قيمتها مائة وثلاثين ألف دينار، وقوّمت عليهما بثمانين ألف دينار، وقسمت بينهما بالسويّة، فجاء وزن ما فيها من الجوهر سبعة عشر رطلا

стр. 659

بالمصرى. فصار إلى فخر العرب من جملة ما وقع فى سهمه منها قطعة بلخش زنتها ثلاثة وعشرون مثقالا، فأنفذها مع باقى ما حصل له منها إلى الفخرية، وكانت بثغر الإسكندرية، فحملت بعد ذلك إلى تنّيس مع غيره من رجالاتهم، فصار جميعه عند أمير الجيوش بالشّام. وصار إلى تاج الملوك منها حبّات درّ، زنة كلّ حبة ثلاثة مثاقيل وعدّتها مائة حبة؛ فلما انهزم من مصر أخذها بعض غلمانه مع غيرها من نفيس الجوهر وهرب إلى الصعيد، فقتل وأخذ منه. وأخرج من خزائن الطّيب مما أخرج خمسة صوارى عود هندى، طول كل واحد منها ما بين تسعة أذرع إلى عشرة أذرع؛ وكافور قنصورى زنة كل حصاة منه من خمسة مثاقيل إلى ما دونها؛ وقطع عنبر تزن القطعة ثلاثة آلاف مثقال، فوهب ذلك لناصر الدولة، فحاز منه مالا حدّ له ولا قيمة. وحمل إليه من القصر متارد صينى، يقوم كل مترد منها على ثلاثة أرجل على صورة السّباع وغيرها، يسع كلّ منها مائتى رطل وما فوقها؛ وعدة قطع يشب وبازهر، منها جام سعته ثلاثة أشبار ونصف وعمقه شبر، مليح الصّورة. وأخرج من القصر منديل نسيج من زغب ريش بدائر يسمى السّمندل، طوله تسعة أشبار، لا يحترق بالنّار، فاشتراه بعض المسافرين التجار بثمن يسير طلب فلم يقدر عليه. وصار إلى ناصر الدولة قطرميز (١) بللّور فيه صور ناتئة عن ضبّته يسع سبعة عشر رطلا، ودكوجة بللور تسع عشرين رطلا؛ وقصرية يصب كبيرة جدا؛ وعدة كاسات يصب؛ وطابع ندّ (٢) فيه ألف مثقال عمله فخر الدولة أبو الحسن على بن ركن الدولة ابن بويه الديلمى (٣) وكتب عليه فخر الدّولة شمس الدولة، وكتب عليه أبياتا، منها:

стр. 660

ومن يكن شمس أهل الأرض قاطبة … فندّه طابع من ألف مثقال فاقتسمه ناصر الدولة وفخر العرب وتاج الملوك أمير الأمراء. وصار لناصر الدّولة أيضا طائر من ذهب مرصّع بنفيس الجوهر وعيناه من ياقوت أحمر وريشه من الميناء المجرى بالذهب كهيئة ريش الطاوس. وديك من ذهب له عرف كأكبر أعراف الديكة من الياقوت الأحمر، مرصّع كلّه بسائر الدّر والجوهر، وعيناه من ياقوت أحمر، كان يحيّر ناظره كيفية تركيبه لالتئام الصنعة فيه وملاحتها. وغزال مرصّع بنفيس الدّرّ والجوهر، بطنه أبيض منظور من درّ رائع يخاله الناظر حيوانا. ومجمع سكارج (١) مخروط من بللور فظ، وفيه سكارج من بللور يخرج منه ويعود إليه فتحته أربعة أشبار فى مثلها، محكم الصنعة فى غلاف من خيزران مذهب، فسمح به لفخر العرب. وأخرج بطيخة من كافور فى شباك من ذهب مرصّع، وزن كافورها سبعون منّا سوى الذّهب، اقتسمها فخر العرب وتاج الملوك، فخصّ فخر العرب منها ثلاثة آلاف مثقال من ذهب؛ وقطعة عنبر تسمى الخروف زنتها سوى ما يمسكها من الذهب ثمانون منّا؛ وعدة قطارميز بللور فيها صور مجسمة بارزة، يسع كل منها عشرين رطلا. وطلب الأتراك من المستنصر نفقة، فماطلهم بها، فهجموا على التّربة التى للقصر (٢) وأخذوا ما فيها من قناديل الذهب ومن الآلات كالمداخن والمجامر وحلى المحاريب، فجاء منه خمسون ألف دينار. وصار إلى فخر العرب مقطع حرير أزرق رقيق بديع الصّنعة منسوج بالذّهب وسائر أنواع الحرير تنبيتا، عمله المعزّ، فيه صورة أقاليم الأرض بمدنها وجبالها وبحارها وأنهارها وسعة حصونها، وفيه صورة مكة والمدينة، وفى آخره: ممّا أمر بعمله المعزّ لدين الله

стр. 661

شوقا إلى حرم الله، وإشهارا لمعالم رسول الله، فى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، والنفقة عليه اثنان وعشرون ألف دينار. وصار إلى فخر العرب ما لا يحصى كثرة؛ من ذلك مائدة يصب كبيرة قوائمها منها؛ وبيضة كبيرة بلخشن زنتها سبعة وعشرون مثقالا أشدّ صفاء من الياقوت الأحمر؛ وبيت أرمنى منسوج بالذهب عمل للمتوكّل على الله العباسى لا مثل له ولا قيمة؛ وقطرميز بللور يسع مروقتين نبيذا مليح التقدير، قوم عليه ممّا خرج من القصر ثمانمائة دينار فدفع إليه بعد ذلك فيه ألف دينار فأبى، وبساط خسروانى دفع إليه بالإسكندرية ألف دينار فامتنع من بيعه؛ ومائدة جزع يقعد عليها جماعة، قوائمها مخروطة منها ما لا قدر لها ولا قيمة. سوى ما قبضة شاور بن حسين لناصر الدّولة ولفخر العرب من آلات الذهب والفضة، وآنية الجوهر وعقوده، وفاخر الثياب والفرش والآلات والسلاح، مما قوّم بمئين ألوفا وكانت قيمته ألوف ألوف دينارا. وصار إلى ناصر الجيوش ما قيمته ألف ألف دينار من جملته نخلة من ذهب مكلّلة بجوهر بديع ودرّ رائع، فى إجّانة من ذهب، تجمع الطّلع والبلح وسائر ألوان البسر والرّطب، بشكله ولونه، وصفته وهيئته من ألوان الجواهر، لا قيمة لها. وكوز على مثال كوز الزير من بللور يسع عشرة أرطال ماء مرصّع بنفيس الجوهر لا قيمة له، وصورة مكلّلة بحبّ لؤلؤ نفيس، فيها ما وزن الحبّة منه مثقال، ومنه ما يزن مثقالين مرصّعة بياقوت. وأخرج فيه العشارى المعروف بالمقدّم، ونجارته وكسوة رحله التى عملها الوزير علىّ بن أحمد الجرجرائى فى سنة ست وثلاثين وأربعمائة، كان فيها مائة ألف وسبعة وستون ألفا وسبعمائة درهم فضة نقرة، غير ما أطلق للصناع من أجرة صياغة وثمن ذهب لطلائه، وهو ألفان وتسعمائة دينار؛ وكان سعر الفضة فى ذلك الوقت كل مائة درهم بستّة دنانير وربع، بسعر ستّة عشر درهما بدينار. وأخرج حلى العشارى الفضى الذى عمله أبو سعيد إبراهيم بن سهل التّسترى (١) لمّا ولى الوساطة فى سنة ست وثلاثين وأربعمائة لوالدة

стр. 662

المستنصر، وكان الحلى مائة ألف وثلاثين ألف درهم فضة، وإلى ذلك أجر الصباغة ولطلاء بعضه ألفان وأربعمائة، غير ما استعمل كسوة برسمه مال جليل. فأخرج عدة العشاريات التى برسم القوة البحريّة، وعدتها ستة وثلاثون عشاريا، وكان قد انصرف عليها فى حلاها من مناطق ورءوس منجوقات وأهلّة وصفريّات وكساها أربعمائة ألف دينار. وأخرج ما على سرير الملك الكبير من الذّهب الإبريزى الخالص فكان مائة ألف مثقال وعشرة آلاف مثقال. وأخرج السّتر الذى أنشأه أبو محمد اليازورى فجاء فيه من الذهب ثلاثون ألف مثقال، وكان مرصّعا بألف وخمسمائة وستين قطعة جوهر من سائر الألوان. وأخرجت الشمسة الكبيرة وكان فيها ثلاثون ألف مثقال ذهبا وعشرون ألف درهم فضّة وثلاثة آلاف وستمائة قطعة جوهر، وأخرجت الشمسة التى لم تتمّ فوجد فيها من الذّهب سبعة عشر ألف مثقال. وأخرج من خزانة عدة مناكين فضة، منها ما زنته مائة وتسعة أرطال إلى ما دونها. وأخرج بستان أرضه فضّة محرقة مذهبة، وطينه ندّ معجون، وأشجاره فضّة مصنوعة، وأثماره عنبر وندّ، زنته ثلاثمائة وستة أرطال بالمصرى. وبطيخة كافور مشبكة بذهب وزنها عشرة آلاف مثقال؛ ومنقلتا كافور مشبكتان بذهب زنتهما ستّة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر وزنهما عشرة آلاف مثقال؛ ومنقلتا عنبر مدوّرتان وزنهما ستة آلاف مثقال. وأثواب مصمتة، منها أربعة يفصّل كل ثوب منها اثنين، وثلاثون قميصا تامّا، ومدهن ياقوت أحمر زنته سبعة وثلاثون درهما ونصف، أخذ من موجود اليازورى وكان قد صار إليه من السيدة عبدة بنت المعز لدين الله. وأخرج لؤلؤ زنة كلّ حبّة منه مثقالان؛ ومن الياقوت الأزرق ما زنة كلّ قطعة منه سبعون درهما؛ ومن الزّمرد ما وزن كلّ قطعة منه ثمانون درهما؛ ونصاب مرآة طويل ثخين من زمرد لا قيمة له. وأخرج من خزائن الكتب ثمانية عشر ألف كتاب فى العلوم القديمة، وألفان وأربعمائة ختمة فى ربعات بخطوط منسوبة محلاّة بذهب وفضة. وأخذ جميع ذلك الأتراك ببعض قيمته. وأخرج فى المحرّم منها فى يوم واحد خمسة وعشرون جملا موقرة كتبا صارت إلى دار الوزير أبى الفرج محمّد بن جعفر بن المعزّ، واقتسمها هو والخطير ابن الموفّق فى الدارين

стр. 663

بخدمات وجبت لهما عمّا يستحقّانه وغلمانهما من ديوان الحلبيين؛ وأن حصة الوزير أبى الفرج قوّمت عليه بخمسة آلاف دينار، وكانت تساوى أكثر من مائة ألف دينار، نهبت بأجمعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة من مصر فى صفر، مع غيرها ممّا نهب من دور من سار معه من الوزير أبى الفرج وابن أبى كدينة وغيرهما. وأخرج ما فى خزائن دار العلم بالقاهرة. وصار إلى عماد الدولة أبى الفضل بن المحترف بالإسكندرية كثير من الكتب، ثم انتقل منها كثير، بعد مقتله، إلى المغرب وأخذته لواتة، فيما صار إليها بالابتياع أو الغصب من الكتب الجليلة المقدار ما لا يعدّ ولا يوصف، فجعل عبيدهم وإماؤهم جلودها نعالا فى أرجلهم، وأحرق ورقها تأوّلا منهم أنها خرجت من القصر وأنّ فيها كلام المشارقة الّذى يخالف مذهبهم، فصار رمادها تلالا عرفت فى نواحى أبيار بتلال الكتب، وغرق منها وتلف، ووصل إلى الأمصار ما يتجاوز الوصف. وأخرج من بعض الخزائن التى بالقصر بيضة كبيرة كأكبر ما يكون من بيض النعام محلاّة بذهب، فأخذها المستنصر دون ما أخرج من تلك الخزانة ممّا له خطر وقدر؛ فقال بعض الحاضرين هذه بيضة نعامة، فتغافل بعض من حضر من الأتراك عنها، وأخذوا النّفائس من الذّخائر وانصرفوا. فسئل المستنصر من بعض الخدم عن هذه البيضة، فقال: هى بيضة حيّة أهداها بعض الملوك إلى جدّى القائم بأمر الله، وكان يحتفظ بها، وهذه الرّقعة بخط القائم بأمر الله باسم مهديها والسنة التى أهديت فيها. وأخرج من القصر فى ثلاثة أيام من المحرّم ما قيمته من العين اثنان وعشرون ألف دينار وستمائة وستة وسبعون دينارا وثمن دينار، منها قيمة متاع ثلاثة عشر ألفا وثمانمائة وثلاثون دينارا وثلث وثمن، وقيمة جوهر ثمانية آلاف وثمانمائة وخمسة وأربعون دينارا وثلثان؛ هذا على أنّ ما يساوى ألف دينار يقوّم بمائة دينار وما دونها. فإذا كان هذا فى ثلاثة أيام فكيف يكون فى مدّة سنتين ليلا ونهارا!

стр. 664

وتسلّم جلال الدّولة بن بويه (١) من العين، له ولمن يجرى مجراه وعدّتهم عشرة نفر، من عطيّة واحدة مبلغ أربعة وأربعين ألف دينار ومائة وثلاثين دينارا. ووصل إلى بغداد على يد التّجّار ممّا خرج من القصر، على ما وقفت فى تاريخ بعض البغداديين، أحد عشر ألف درع وعشرون ألف سيف محلّى، وثمانون ألف قطعة بللّور وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج. وبيع طشت وإبريق من بللور باثنى عشر ألف دينار؛ وبيع نحو السبعين ألف قطعة من الثياب، وعشر حبات زنتها عشرة مثاقيل بأربعمائة دينار. قال ابن ميسر: رأيت مجلّدة تجئ نحو العشرين كراسة، فيها ذكر ما خرج من القصر من التحف والأثاث والثياب والذّهب وغير ذلك. وفيها صرف الوزير محمّد بن جعفر ابن المغربى عن الوزارة فى رمضان، وتقرر جلال الملك أبو أحمد، أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقى. وفيها قتل أمير الجيوش بدر بساحل الشام الشّريف أبا طاهر حيدرة، ناظر دمشق (٢)، لإحن كانت فى نفسه منه، وكان يعدّ من الأجواد. وفيها تغلب الأمير حصن الدولة معلّى بن حيدرة الكتامى على دمشق واقتحمها قهرا (٣) بالسيف فى شوال، فأساء السيرة فى الناس. وفيها عظم الغلاء بمصر واشتدّ جوع الناس لقلّة الأقوات فى الأعمال وكثرة الفساد، وأكل الناس الجيفة والميتات، ووقفوا فى الطرقات فقتلوا من ظفروا به؛ وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت راوية الماء دينارا، وبيعت دار ثمنها تسعمائة

стр. 665

دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليّس دقيق (١). وعم مع الغلاء وباء شديد؛ وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد، فانقطعت الطرقات برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر. وبيع رغيف من الخبز زنته رطل فى زقاق القناديل (٢) كما تباع التحف والطّرف فى النّداء: خراج! خراج! فبلغ أربعة عشر درهما؛ وبيع إردب قمح بثمانين دينارا. ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير. وأبيعت حارة بمصر بطبق خبز، حسابا عن كلّ دار رغيف، فعرفت تلك الحارة بعد ذلك بحارة طبق، وما زالت تعرف بذلك حتى دثرت فيما دثر من خطط مصر. وأكل الناس نحاتة النّخل؛ ثم تزايد الحال حتى أكل النّاس بعضهم بعضا. وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السّقوف قريبة ممّن يسعى فى الطّرقات، فأعدوا سلبا وخطاطيف؛ فإذا مرّ بهم أحد شالوه فى أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب وشرّحوا لحمه وأكلوه. قال الشريف أبو عبد الله محمد الجوانى فى كتاب النقط: حدثنى بعض نسائنا الصّالحات قالت، كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر، فتقول: أنا ممّن خطفنى أكلة النّاس فى الشدة، فأخذنى إنسان، وكنت ذات جسم وسمن، فأدخلنى بيتا فيه سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتيل، فأضجعنى على وجهى وربط فى يدىّ ورجلىّ سلبا إلى أوتاد حديد، عريانة، ثم شرّح من أفخاذى وأنا أستغيث ولا أحد يجيبنى، ثم أضرم الفحم وأسوى من لحمى وأكل أكلا كثيرا؛ ثم سكر حتى وقع على جنبيه لا يعرف أين هو؛ فأخذت فى الحركة إلى أن تخلّى أحد الأوتاد، وأعان الله على الخلاص، وخلصت، وحللت الرباط، وأخذت خروقا من داره

стр. 666

ولففت بها أفخاذى، وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى الناس، فحملت إلى بيتى، وعرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى الوالى فكبس عليه وضرب عنقه؛ وأقامت الدماء فى أفخاذى سنة إلى أن ختم الجرح، وبقى هكذا حفرا. وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخّ أو حصير؛ وتعطّلت دواوينه وذهب وقاره، وخرج نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن: الجوع الجوع، وهنّ يردن السير إلى العراق، فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من القاهرة، ومتن جوعا. جاء الوزير يوما على بغلة فأكلها العامة، فأمر بهم فشنقوا، فاجتمع الناس على المشنّقين وأكلوهم. وعدم المستنصر القوت جملة حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كلّ يوم بقعب من فتيت من جملة ما كان لها من البرّ والصّدقات فى سنى هذا الغلاء، حتى أنفقت مالها كلّه، وكان يجل عن الإحصاء، فى سبيل البرّ؛ فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به إليه، وهو مرة واحدة فى اليوم، لا يجد غيره. وبعث بأولاده إلى الأطراف لعدم القوت، فسيّر الأمير عبد الله إلى عكّا فنزل عند أمير الجيوش، وأرسل الأمير أبا على معه؛ وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ إلى عسقلان، وسيّره أولا إلى دمياط؛ ولم يترك عنده سوى ابنه أبى القاسم أحمد. وبعث المستنصر يوما إلى أبى الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهرى الواعظ، فدخل القاهرة من باب البرقيّة (١)، فلم يلق أحدا إلى القصر؛ فجاء من باب البحر (٢)، فوجد عليه شيخا، فقال استأذن علىّ؛ فقال: ادخل فهو وحده؛ فدخل، فلم ير أحدا فى الدهاليز ولا القلعة، فأنشد:

стр. 667

يا منزلا، لم تبل أطلاله … حاشا لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك، لكنّنى … بكيت عيشى فيك إذ ولّى والعيش أولى ما بكاه الفتى … لا بدّ للمحزون أن يسلى فإذا هو خلف باب المجلس، فبكى وبكيت طويلا، وحادثته ساعة؛ ثم ناوله الخليفة قرطاسا فيه سبعون دينارا. ومن عجيب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوت عرضت عقدا لها قيمته ألف دينار على جماعة ليعطوها به دقيقا وهم يعتذرون إليها ويدفعونها، إلى أن رقّ لها رجل وباعها به تليّس دقيق، فحملته من مصر واكترت معها من يحفظه من النّهّابة، وسارت تريد منزلها بالقاهرة، فسلّمه الحملة إليها عند بابى زويلة، فلم تمش به غير قليل حتى تكاثر النّاس عليها، وانتهبوه منها فانتهبت هى أيضا منه مع النّهابة، فصار إليها ملء يديها دقيقا لم ينبها منه غيره، فعجنته وشوته، ثم مضت إلى باب القصر ووقفت على موضع مرتفع، ورفعت القرصة فى يدها حتى يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها: يأهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر الذى أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقوّمت علىّ هذه القرصة بألف دينار. ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرخ إلى أن أحضر المستنصر، فلما وقف بين يديه قال: يا مولانا هذه سبعون قمحة وقفت علىّ بسبعين دينارا كلّ حبة قمح بدينار، فى أيامك، وهو، أنى اشتريت إردبّا بسبعين دينارا فنهب منى ولم يبق لى منه سوى ما وقع بيدى وانتهايى منه مع من نهب، فعددت ما فى يدى فجاء سبعين حبّة من قمح، وإذا كل حبّة بدينار. فقال المستنصر: الآن فرج الله على الناس فإنّ أيامى حكم لها أنه يباع فيها القمحة بدينار. ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مدّ النيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الاجناد بعضهم مع بعض. وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس، فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحرى، وتغلب العبيد السودان على أرض الصعيد، وتغلب

стр. 668

الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة (١)، وتحاربوا. وكان قد حصل ذلك من بعد قتل اليازورى فى سنة خمسين كما تقدم؛ فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها تختلّ، ورسومها تتغير، من سنة خمسين إلى سنة سبع وخمسين، فابتدأت الشدة منها تتزايد إلى سنتى ستين وإحدى وستين، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء والكرب. وما برح المصاب يعظم إلى سنة ست وستين، وكان أشدها مدة سبع سنين، من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع وستين أخصبت كلّ شر، وهلك فيها معظم أهل الإقليم. ثم أخذ البلاء ينجلى من سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش بدر فى سنة ست وستّين، كما سيأتى ذكره إن شاء الله. فكانت السبع سنين المذكورة يمدّ فيها النيل ويطلع وينزل فى أوقاته، فلا يوجد فى الإقليم من يزرع الأراضى ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب، وانقطاع الطّرقات فى البرّ والبحر إلاّ بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر؛ ولم يوجد ما يبذر فى الأراضى للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتى دينار، ثم فقد فلم يقدر عليه ولا الخليفة. وفيها صرف ابن أبى كدينة عن القضاء فى ثالث عشر صفر، وتولى المليحى؛ وصرف جلال الملك عن الوزارة، وصرف معه أيضا المليحى عن القضاء فى يوم واحد، وجمعا معا لخطير الملك محمد بن اليازورى فباشرهما إلى شوال، ثم صرف عنهما. فاستقر فيهما بعده ابن أبى كدينة إلى ذى القعدة؛ وأعيد المليحى بعده. وفيها احترق جامع دمشق ليلة الاثنين، النصف من شعبان، بعد العصر، وسببه فتنة

стр. 669

بين العسكرية وأهل البلد، فأضرموا النار فى بعض الأسواق واتّصل بالجامع، فاحترق الجانب الغربى جميعه من الرّواق الباقلاّنى والقبّة الكبيرة، وزالت آثار الوليد بن عبد الملك التى لم يكن فى الإسلام مثلها (١).

стр. 670

سنة اثنتين وستين وأربعمائة (١): فيها بعث ناصر الدّولة حسين بن حمدان الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن البخارى رسولا منه إلى السلطان ألب أرسلان، ملك العراق (٢)، يسأله أن يسيّر إليه العساكر ليقيم الدعوة العبّاسية بديار مصر، وتكون مصر له. فتجهز ألب أرسلان من خراسان فى عساكر عظيمة، وبعث إلى محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، أن يقطع دعوة المستنصر ويقيم الدعوة العباسية، فقطعت دعوة المستنصر من حلب ولم تعد بعد ذلك. وانتهى ألب أرسلان إلى حلب فى جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وحاصرها شهرا، فخرج إليه صاحبها محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، فأكرمه وأقرّه على ولايته. وأخذ يريد المسير إلى دمشق ليمرّ منها إلى مصر، وإذا بالخبر قد طرقه أن متملك الروم (٣) قد قطع بلاد أرمينية يريد أخذ خراسان، فشغله ذلك عن الشام ومصر ورجع إلى بلاده؛ فواقع جمائع الروم على خلاط (٤) وهزمهم. وكان قد ترك طائفة من عسكره الأتراك ببلاد الشام فامتدت أيديهم إليها وملكتها كلّها، فخرجت عن أيدى المصريين ولم تعد إليهم. وبلغ المستنصر إرسال ناصر الدولة الى ألب أرسلان، فجهّز إليه ثلاث عساكر من الأتراك وغيرهم، وتقدم أحد العساكر إليه وهو فى أهل البحيرة، فجمع له ابن حمدان وأوقع به وقعة انكشفت عن أسر مقدّم العسكر، وقتل كثير من أصحابه، وانهزام من بقى، والاستيلاء على ما بقى معهم؛ فتقوّى به. ووافاه العسكر الثانى ولا علم عندهم بما اتفق على من تقدّم، فكانت الدائرة لابن حمدان عليهم أيضا؛ فسار وهجم على العسكر الثالث وقتل منهم وأسر،
следующие страницы →