ولففت بها أفخاذى، وزحفت إلى باب الدار وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى الناس، فحملت إلى بيتى، وعرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى الوالى فكبس عليه وضرب عنقه؛ وأقامت الدماء فى أفخاذى سنة إلى أن ختم الجرح، وبقى هكذا حفرا.
وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخّ أو حصير؛ وتعطّلت دواوينه وذهب وقاره، وخرج نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن: الجوع الجوع، وهنّ يردن السير إلى العراق، فتساقطن عند المصلى بظاهر باب النصر من القاهرة، ومتن جوعا.
جاء الوزير يوما على بغلة فأكلها العامة، فأمر بهم فشنقوا، فاجتمع الناس على المشنّقين وأكلوهم. وعدم المستنصر القوت جملة حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كلّ يوم بقعب من فتيت من جملة ما كان لها من البرّ والصّدقات فى سنى هذا الغلاء، حتى أنفقت مالها كلّه، وكان يجل عن الإحصاء، فى سبيل البرّ؛ فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به إليه، وهو مرة واحدة فى اليوم، لا يجد غيره. وبعث بأولاده إلى الأطراف لعدم القوت، فسيّر الأمير عبد الله إلى عكّا فنزل عند أمير الجيوش، وأرسل الأمير أبا على معه؛ وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ إلى عسقلان، وسيّره أولا إلى دمياط؛ ولم يترك عنده سوى ابنه أبى القاسم أحمد.
وبعث المستنصر يوما إلى أبى الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهرى الواعظ، فدخل القاهرة من باب البرقيّة (١)، فلم يلق أحدا إلى القصر؛ فجاء من باب البحر (٢)، فوجد عليه شيخا، فقال استأذن علىّ؛ فقال: ادخل فهو وحده؛ فدخل، فلم ير أحدا فى الدهاليز ولا القلعة، فأنشد:
стр. 667
يا منزلا، لم تبل أطلاله … حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك، لكنّنى … بكيت عيشى فيك إذ ولّى
والعيش أولى ما بكاه الفتى … لا بدّ للمحزون أن يسلى
فإذا هو خلف باب المجلس، فبكى وبكيت طويلا، وحادثته ساعة؛ ثم ناوله الخليفة قرطاسا فيه سبعون دينارا.
ومن عجيب ما وقع أن امرأة من أرباب البيوت عرضت عقدا لها قيمته ألف دينار على جماعة ليعطوها به دقيقا وهم يعتذرون إليها ويدفعونها، إلى أن رقّ لها رجل وباعها به تليّس دقيق، فحملته من مصر واكترت معها من يحفظه من النّهّابة، وسارت تريد منزلها بالقاهرة، فسلّمه الحملة إليها عند بابى زويلة، فلم تمش به غير قليل حتى تكاثر النّاس عليها، وانتهبوه منها فانتهبت هى أيضا منه مع النّهابة، فصار إليها ملء يديها دقيقا لم ينبها منه غيره، فعجنته وشوته، ثم مضت إلى باب القصر ووقفت على موضع مرتفع، ورفعت القرصة فى يدها حتى يراها الناس، ونادت بأعلى صوتها: يأهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر الذى أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى تقوّمت علىّ هذه القرصة بألف دينار. ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرخ إلى أن أحضر المستنصر، فلما وقف بين يديه قال: يا مولانا هذه سبعون قمحة وقفت علىّ بسبعين دينارا كلّ حبة قمح بدينار، فى أيامك، وهو، أنى اشتريت إردبّا بسبعين دينارا فنهب منى ولم يبق لى منه سوى ما وقع بيدى وانتهايى منه مع من نهب، فعددت ما فى يدى فجاء سبعين حبّة من قمح، وإذا كل حبّة بدينار. فقال المستنصر: الآن فرج الله على الناس فإنّ أيامى حكم لها أنه يباع فيها القمحة بدينار.
ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مدّ النيل فقط، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الاجناد بعضهم مع بعض. وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس، فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحرى، وتغلب العبيد السودان على أرض الصعيد، وتغلب
стр. 668
الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة (١)، وتحاربوا. وكان قد حصل ذلك من بعد قتل اليازورى فى سنة خمسين كما تقدم؛ فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها تختلّ، ورسومها تتغير، من سنة خمسين إلى سنة سبع وخمسين، فابتدأت الشدة منها تتزايد إلى سنتى ستين وإحدى وستين، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء والكرب. وما برح المصاب يعظم إلى سنة ست وستين، وكان أشدها مدة سبع سنين، من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع وستين أخصبت كلّ شر، وهلك فيها معظم أهل الإقليم. ثم أخذ البلاء ينجلى من سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش بدر فى سنة ست وستّين، كما سيأتى ذكره إن شاء الله. فكانت السبع سنين المذكورة يمدّ فيها النيل ويطلع وينزل فى أوقاته، فلا يوجد فى الإقليم من يزرع الأراضى ولا من يقيم جسوره، من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب، وانقطاع الطّرقات فى البرّ والبحر إلاّ بالخفارة الثقيلة وارتكاب الخطر؛ ولم يوجد ما يبذر فى الأراضى للزراعة، فإن القمح ارتفع الأردب منه من ثمانين دينارا إلى مائتى دينار، ثم فقد فلم يقدر عليه ولا الخليفة.
وفيها صرف ابن أبى كدينة عن القضاء فى ثالث عشر صفر، وتولى المليحى؛ وصرف جلال الملك عن الوزارة، وصرف معه أيضا المليحى عن القضاء فى يوم واحد، وجمعا معا لخطير الملك محمد بن اليازورى فباشرهما إلى شوال، ثم صرف عنهما. فاستقر فيهما بعده ابن أبى كدينة إلى ذى القعدة؛ وأعيد المليحى بعده.
وفيها احترق جامع دمشق ليلة الاثنين، النصف من شعبان، بعد العصر، وسببه فتنة
стр. 669
بين العسكرية وأهل البلد، فأضرموا النار فى بعض الأسواق واتّصل بالجامع، فاحترق الجانب الغربى جميعه من الرّواق الباقلاّنى والقبّة الكبيرة، وزالت آثار الوليد بن عبد الملك التى لم يكن فى الإسلام مثلها (١).
стр. 670
سنة اثنتين وستين وأربعمائة (١):
فيها بعث ناصر الدّولة حسين بن حمدان الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن البخارى رسولا منه إلى السلطان ألب أرسلان، ملك العراق (٢)، يسأله أن يسيّر إليه العساكر ليقيم الدعوة العبّاسية بديار مصر، وتكون مصر له. فتجهز ألب أرسلان من خراسان فى عساكر عظيمة، وبعث إلى محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، أن يقطع دعوة المستنصر ويقيم الدعوة العباسية، فقطعت دعوة المستنصر من حلب ولم تعد بعد ذلك.
وانتهى ألب أرسلان إلى حلب فى جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وحاصرها شهرا، فخرج إليه صاحبها محمود بن ثمال بن صالح بن مرداس، فأكرمه وأقرّه على ولايته. وأخذ يريد المسير إلى دمشق ليمرّ منها إلى مصر، وإذا بالخبر قد طرقه أن متملك الروم (٣) قد قطع بلاد أرمينية يريد أخذ خراسان، فشغله ذلك عن الشام ومصر ورجع إلى بلاده؛ فواقع جمائع الروم على خلاط (٤) وهزمهم. وكان قد ترك طائفة من عسكره الأتراك ببلاد الشام فامتدت أيديهم إليها وملكتها كلّها، فخرجت عن أيدى المصريين ولم تعد إليهم.
وبلغ المستنصر إرسال ناصر الدولة الى ألب أرسلان، فجهّز إليه ثلاث عساكر من الأتراك وغيرهم، وتقدم أحد العساكر إليه وهو فى أهل البحيرة، فجمع له ابن حمدان وأوقع به وقعة انكشفت عن أسر مقدّم العسكر، وقتل كثير من أصحابه، وانهزام من بقى، والاستيلاء على ما بقى معهم؛ فتقوّى به. ووافاه العسكر الثانى ولا علم عندهم بما اتفق على من تقدّم، فكانت الدائرة لابن حمدان عليهم أيضا؛ فسار وهجم على العسكر الثالث وقتل منهم وأسر،
стр. 671
وانتهب عامة ما كان معهم، فكثرت أمواله، وكبرت نفسه، واستأسد على المستنصر واستخفّ به وبمن معه، فقطع الميرة عن القاهرة ومصر، وعاث فى البلاد؛ ونهب أكثر الوجه البحرى. وقطع خطبة المستنصر من الإسكندرية ودمياط وجميع الوجه البحرى، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسى. وامتدت الحرب بين الأتراك وعبيد الشراء ثمانية أشهر يتحاربون ليلا ونهارا، فامتنع النّاس من الحركة؛ وجاء النيل ووفى فلم يقدروا على الزرع، فتفاقم البلاء بالناس واشتدّ جوعهم وعظمت رزاياهم. وفشا مع ذلك الموت فى الناس فكان يموت الواحد من أهل البيت فى القاهرة أو مصر، فلا يمضى ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى يموت سائر من فى ذلك البيت. وعجز الناس عن مواراة الأموات فكفّنوهم فى الأنخاخ؛ ثم عظمت شناعة الموت وتضاعف العجز، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض، حتى تمتلئ الحفيرة بالرّمم من الرّجال والنساء والصّغار والكبار، ثم يهال عليها التراب. ومع هذا تكاثر انتهاب الجند للعامّة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل القوّة من القاهرة ومصر يريدون بلاد الشام والعراق هربا من الجوع والفتن، فصار إلى تلك البلاد عامة التجار وأصحاب القوة، ومعهم ثياب المستنصر وذخائره وآلاته التى تقدم ذكر طرف منها.
وفيها حاصر أمير الجيوش بدر مدينة صور وبها عين الدولة أبو الحسن على، الملقّب بالناصح، ثقة الثقات ذى الرئاستين، ابن عبد الله بن على بن عياض بن أحمد بن أبى عقيل القاضى، وضايقها؛ فسيّر عين الدولة إلى الأمير لواء مقدّم الأتراك الواردين من العراق إلى بلاد الشام لينجده؛ واتّصل ذلك بأمير الجيوش، فخاف من الأتراك، فرحل عن صور. ثم لمّا اطمأن عاد إلى صور ونازلها فلم يظفر منها بشئ.
وفيها قطعت دعوة المستنصر من مكة ودعى بها للقائم العباسى وللسّلطان عضد الدولة ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن مسلجوق بن دقاق. وكان سبب انقطاع دعوة المستنصر بها أنه كان ينفق فى كل سنة على القافلة المجهزة إلى مكة فى الموسم مائة ألف وعشرون ألف دينار، منها عن الطّيب والخلوق والشمع راتبا فى كل سنة عشرة آلاف دينار، ونفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة أربعون ألف دينار، وعن الجرايات والصّدقات وأجرة الجمال
стр. 672
ومعونة من يسير من العسكريّة وأمير الموسم وخدم القافلة والضّعفاء وحفر الآبار ونفقات العربان ستون ألف دينار (١). ثم زادت النّفقة فى وزارة اليازورى حتى بلغت إلى مائتى ألف دينار فى السنة؛ ولم تبلغ النفقة على موسم الحج مثل ذلك فى دولة من دول الإسلام قط.
فلما ضعفت الدولة فى هذه السّنين وزحف عضد الدّولة من خراسان إلى حلب بعث إلى محمد ابن أبى القاسم الحسنى أمير مكة (٢) بثلاثين ألف دينار وبخلع سنية وأجرى له فى كل سنة عشرة آلاف دينار؛ وبعث إلى صاحب المدينة عشرين ألف دينار؛ فقطع خطبة المستنصر بعد ما قامت الدعوة والخطبة للمستنصر ولآبائه بمكة والمدينة مائة سنة، ودعا للقائم العبّاسىّ ولعضد الدولة؛ وقرّر عضد الدولة ما يحمل إلى الحرمين على ارتفاع واسط.
стр. 673
سنة ثلاث وستين وأربعمائة (١):
فيها اصطلح الأتراك بمصر مع ناصر الدولة ابن حمدان وهو مقيم بالوجه البحرى، وذلك لشدة ما نالهم من قطعه الميرة عنهم؛ فوقع الاتفاق بينهم وبينه على أن يكون مقيما بمكانه وتحمل إليه الأموال التى تقرر له، وأن يكون تاج الملوك شادى نائبا عنه بالقاهرة. فتقرر الحال على ذلك ودخلت الغلال إلى البلد، فطابت قلوب الناس، وانجلى الأمر نحو شهر؛ ثمّ وقع الخلاف بين الأتراك وبينه، فرحل من البحيرة بعساكر كثيرة ونازل البلد وحاصرها محاصرة شديدة فى ذى القعدة؛ وامتدّت أيدى أصحابه فانتهبوا الناس فى الدّور وأخذوهم من الطّرقات، وأحرقوا كثيرا من دور الساحل. ثم عاد إلى البحيرة.
стр. 674
سنة أربع وستين وأربعمائة (١):
وفيها كانت الحرب بين تاج الملوك شادى وبين ناصر الدولة ابن حمدان، وعادت الفتنة بالقاهرة ومصر. وكان سبب محاربتهما أن تاج الملوك لمّا دخل إلى القاهرة نائبا عن ناصر الدولة تغيّر عما كان قد تقرّر بينهما، واستبدّ بالأمور فضنّ بالمال عليه، ولم يصل ابن حمدان منه إلاّ دون ما كان يؤمّله. فقلق لذلك ابن حمدان، واتفق هو وجمائع العربان على المسير إلى القاهرة وأخذها. فسار بهم، ونزل إلى الجيزة، فاستدعى تاج الملوك وغيره من أكابر المقدّمين، فخرجوا إليه مطمئنّين لأنه واحد منهم يهوى هواهم؛ فما هو إلاّ أن صاروا إليه حتى قبض عليهم، وزحف بجموعه، وألقى النار فى دور السّادة، وانبثّت أصحابه ينتهبون ما قدروا عليه. فجهز المستنصر إليه عسكرا كانت فيه طائفة لهم قوة وفيهم منعة؛ فوافقوه. وكانت بينهم وبينه حرب انجلت عن هزيمته، ففرّ على وجهه وتلاحق به أصحابه، وصاروا إلى البحيرة، فقطع خطبة المستنصر من جميع الوجه البحرى، وكتب إلى الخليفة القائم ببغداد يسأله أن يجهز إليه الخلع والألوية السّود؛ فاضمحلّ قدر المستنصر وتلاشى أمره. وتعاظمت الشدائد بمصر، وجلّت رزايا الناس.
فلمّا كان فى شعبان سار ناصر الدولة بعساكره وقد تيقّن عجز المستنصر عن مقاومته لضعف أمره وممالاة كثير من الأتراك له، وموافقتهم لما قرّره معهم من محبة؛ فدخل إلى مصر فاستولى على الأمر؛ وبعث إلى المستنصر يطلب منه المال، فدخل عليه قاصد ابن حمدان وهو جالس على حصير بغير فرش ولا أبّهة، وليس عنده غير ثلاثة من الخدم، وقد زال ما كان يعهده من شارة المملكة وعظمة الخلافة. فلما أدّى إليه الرسالة. قال له المستنصر: أما يكفى ناصر الدّولة أن أجلس فى مثل هذا البيت على هذه الحال؟! فلمّا سمع بذلك قاصد بن حمدان بكى وخرج. فأعلم ناصر الدولة ما شاهده من هيئة المستنصر،
стр. 675
وعرّفه بما صار إليه من سوء الحال؛ فرقّ له وكفّ عنه، وأطلق له فى كل شهر مائة دينار. واستبدّ بسائر أمور الدولة، وبالغ فى إهانة المستنصر فى الاعتقاد، وزاد فى إيصال الضرر إليه وإلى سائر حواشيه وأسبابه، حتّى قبض على أمّ المستنصر وعاقبها بعقوبات متعدّدة، واستخلص منها أموالا جمّة. فتفرق عن المستنصر جميع أهله، وسائر أقاربه وأولاده وحواشيه، فمنهم من سار إلى المغرب ومنهم من خرج إلى العراق؛ وبقى فقيرا وحيدا خائفا يترقّب. وقيل إنّ أمّ المستنصر فرّت أيضا إلى العراق.
وفى شهر ربيع الأول استقر ابن أبى كدينة فى الوزارة والدّعوة والقضاء. واستمرّ الحال على ما وصفنا جميع سنة أربع وستين.
وفيها فقد الطعام، فسارت التجار من صقلّية والمهديّة (١) فى الطعام والمرتب. فبيع القمح كلّ كيل قروى زنته تسعة أرطال بدينار نزارىّ، ثم بيع بمثقالين، ثم بثلاثة، ثم فقد.
وطبخ الناس جلود البقر وباعوها رطلا بدرهمين، وبلغ الزيت أوقية بدرهمين، وأوقيّة اللحم بدرهم، وبيعت الأمتعة بأبخس ثمن، وباع الناس أملاكهم. ووقع الوباء فألقى الناس موتاهم فى النيل بغير أكفان.
وفيها مات القاضى الأجل أمين الدولة أبو طالب عبد الله بن عمّار بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس ابن أبى يوسف الطّائى بطرابلس الشام، ليلة السبت نصف
стр. 676
رجب (١). وفيها ملك القمص رجار بن تنقرد صاحب مدينة قلبريو (٢)، وهى مقابل مدينة جربة (٣)، جزيرة صقلية (٤).
стр. 677
سنة خمس وستين وأربعمائة (١):
فيها قتل ناصر الدّين الحسين بن ناصر الدّولة الحسن بن الحسين بن عبد الله أبى الهيجاء بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن الرشيد بن المثنى بن رافع بن الحارث ابن غطيف بن مجرّبة بن حارثة بن مالك بن جشم، أحد الأراقم، بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن فيد بن أقصى بن داغمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معدّ بن عدنان التغلبى. وكان سبب فنائه أنّه لما استولى على أمور الدّولة وبالغ فى إهانة المستنصر وتتبّع أقاربه وحواشيه، وأخذ من قدر عليه منهم، وفرّ من وجد سبيلا إلى الفرار، كان يولّى الرجل بعض الأعمال ويسيّره إليه فلا يتمكن من ذلك العمل حتى يكتب إليه بأن يعود، ويبعث غيره (٢). وشرع فى قطع دعوة المستنصر وإعمال الرأى فى إقامة الخطب للخليفة القائم بمصر والقاهرة، وأن يزيل من البلاد دولة الفاطميين ويمحو آثارها، فلم يستطع ذلك ولا قدر عليه لكثرة الأعوان والأتباع.
وكان من جملة رجال الدولة إلدكز (٣)، وهو أحد الأمراء، ففطن لما يريده ناصر الدولة من قطع خطبة المستنصر وإقامة دعوة بنى العبّاس، فتشاور هو والأمير يلدكوز، وكانا من أكابر الأتراك، وأنكرا، ما يتّفق من ناصر الدولة وتخوّفا من عاقبة ذلك. وصارا إلى بقية الأتراك وأعلماهم أنه إن تمّ لناصر الدولة ما يحاوله لم يبق منهم أحدا، والرأى مبادرته قبل أن يستفحل أمره؛ فتقرر الأمر على القيام عليه وقتله.
وكان ناصر الدولة قد اغترّ بقوته، وظنّ أنّه قد أمن، وأن أعداءه قد تلاشوا وتلفوا، فأتاه الله من حيث لم يحتسب، وأناخ به عواقب بغيه، فلم يشعر إلاّ وقد ركب الأتراك بأجمعهم
стр. 678
على حين غفلة من ليلة من رجب (١)، ووافوا داره بمصر سحرا، وكان يسكن فى منازل العز، (٢) فهجموا عليه من غير دستوره ولا طلب إذن، فإذا هو فى صحن داره وعليه رداء، فبادره أحدهم بسيفه وأتبعه إلدكز فحزّ رأسه. وخرج كوكب الدولة مسرعا إلى فخر الدولة أخيه فى عدّة، فطرقه وهو آمن (٣) وقتله واحتمل رأسه، وأخذ سيفه وجارية من جواريه.
وامتدّت الأيدى إلى من بقى منهم، فقتل أخوهما تاج المعالى وجماعة من بنى حمدان؛ وتتبعوا أسبابهم وحواشيهم حتى لم يبق منهم أحد بديار مصر، وأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم (٤) وما أصدق قول أبى على الفكيك إذ يقول هجاء لناصر الدولة هذا:
ولئن غلطت بأن مدحتك، غالبا … جدواك، مع علمى بأنك باخل
فالدولة الغراء قد غلطت بأن … سمّتك ناصرها وأنت الخاذل
وقتل فى هذه النّوبة الوزير أبو غالب عبد الطاهر بن فضل بن الموفّق فى الدّين، ابن العجمى.
وفيها قطعت خطبة المستنصر من بيت المقدس.
стр. 679
سنة ست وستين وأربعمائة (١):
فيها تشدد الأتراك وكبيرهم سلطان الجيش يلدكوش التركى (٢)، والأمير إلدكز والوزير يومئذ ابن أبى كدينة، فضاق خناقه وعظم روعه وساءت حاله، وكان [المستنصر بالله] (٣) يظن أن فى قتل ابن حمدان راحة له، فاستطال إلدكز وابن أبى كدينة عليه وناكداه. فتحير فى أمره وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالى، وهو يومئذ بعكّا، يستدعيه للقدوم لنجدته وإعانته ويعده بتملّك البلاد والاستيلاء عليها. فاشترط عليه أنه يقدم بعسكر معه، وأنه لا يبقى أحدا من عساكر مصر ولا وزرائهم؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك (٤). فأخذ فى الاستعداد للمسير إلى مصر؛ واستخدم معه عدّة من العساكر، وركب بحر الملح من عكا، وكان الوقت فى كانون (٥) وهو أشدّ ما يكون من البلاء، ومن العادة أنّ البحر لا يركب فى الشتاء. فسار فى مائة مركب وقد حذّر من ركوبه وخوّف من سوء العاقبة فلم يصغ لذلك؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكّن له فى الأرض، وقضى بأن يصلح على يديه، ما قد فسد من إقليم [مصر]. فترحّل بعساكره فى المراكب، وأضحت السماء، وواتتهم ريح طيبة سارت بهم إلى دمياط ولم يمسسهم سوء؛ فكان يقال إنه لم ير فى البحر قطّ صحوة تمادت أربعين يوما إلاّ فى هذا الوقت، فكان هذا ابتداء سعادته وأوّل عظيم جده. فنزل بدمياط، وطلب إليه التّجار من تنّيس وافترض عليهم مالا.
стр. 680
وقدم عليه سليمان اللواتى، وهو يومئذ كبير أهل البحيرة وأكثرهم مالا، وأوسعهم حالا، وقدم إليه وأضافه، وأمدّه بالطرقات حتى قدم قليوب فنزل بها. وبعث إلى المستنصر سرا بأنى لا يمكننى القدوم إلى الحضرة، ما لم يقدم على يلدكوش؛ فبادر المستنصر إلى إجابته وقبض عليه.
ودخل بدر عشية يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى فتلقّاه أهل الدولة وأنزلوه، وبالغوا فى إكرامه؛ فأظهر أنّه ما جاء إلاّ شوقا إليهم، وخدعهم بما أبداه من المحبة لهم وكثرة التملّق، وأعرض عن المستنصر ولم يذكره إلاّ بالسّوء؛ وصار من معه يدخلون إلى القاهرة وحدانا ورجالا فى الخفية حتى تكامل منهم تسعمائة. ثم أخذ مع الأمراء فى الأكل والشرب واللّذات، إلى أن اشتد تآنسهم به، فاستدعاه كل منهم إلى ضيافته، وقدموا إليه، وهو آخذ فى أسباب ما دعى إليه.
فلما انقضت أيام ضيافتهم له استدعى أمراء الدّولة ومقدّميها فى صنيع أعدّ لهم، فمضوا إليه، وقضوا نهارهم عنده، وباتوا فى أطيب عيش وأنعم بال؛ وقد رتّب أصحابه ليقتل كلّ واحد أميرا من الأمراء ويكون له جميع ما بيده. فلما سكروا وامتدّ عليهم رواق اللّيل صار يخرج كلّ واحد من باب ويسلمه إلى غلام من غلمانه، ويمضى إلى داره فيتسلّمها بما فيها من الخدم والأموال. فلم يصبح الصباح إلاّ ورءوس الجميع بين يديه، وقد استولى كلّ رجل من أصحابه على دار أمير من الأمراء وأحاط بجميع ما كان له.
وأخذ فى القبض على الأتراك وتتبعهم حتى لم يدع منهم أحدا يشار إليه، فقويت شوكته، واشتدت وطأته وعظم أمره؛ فحسر عن ساعد الجدّ، وشمّر ساعد الاجتهاد، والتقط المفسدين فلم يبق على أحد منهم، وتطلّبهم فى القاهرة ومصر حتّى أتى على جميعهم القتل. وفرّ ناصر الجيوش أبو الملوك، وكان شاه بن يلدكوش، إلى الشام.
стр. 681
وخلع عليه المستنصر بالطّيلسان المقوّر، وصار جميع أهل الدّولة فى حكمه، والدّعاة نوّابا عنه، وكذلك القضاة إنما يتولون منه (١). فقلّد أبا يعلى حمزة بن الحسين بن أحمد الفارقى قضاء القضاة. وزيد فى ألقاب أمير الجيوش على ألقاب من تقدّمه من الوزراء:
كافل قضاة المسلمين.
واتّفق أنه لما لبس خلع الوزارة حضر إليه المتصدّرون بالجوامع، فقرأ ابن العجمى:
«وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ» (٢)، وسكت عن تمام الآية، فقال له أمير الجيوش بدر: والله لقد جاءت فى مكانها وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن؛ وأمر له بصلة.
فيها قتل أمير الجيوش من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم عدة كثيرة، منهم الوزير أبو محمد الحسن بن ثقة الدولة على بن أحمد المعروف بابن أبى كدينة، وكان عند ما قدم [بدر] إلى مصر هو الوزير، وهو من ولد عبد الرحمن بن ملجم، وتردّد فى القضاء والوزارة سبع مرات؛ وكان قاسى القلب جبّارا، فلما قبض عليه سيّر إلى دمياط، ودخل عليه السّيّاف ليضرب عنقه، فكان سيفه ثليلا، فضربه سبع ضربات بعدد ولايته القضاء والوزارة.
وقتل أيضا الوزير أبو المكارم أسعد، والوزير أبو شجاع محمّد بن الأشرف أبى غالب محمد بن على؛ والوزير عبد الغنى بن نصر بن سعيد الضيف.
стр. 682
سنة سبع وستين وأربعمائة (١):
فيها سار أمير الجيوش بدر إلى الوجه البحرى فأوقع بلواتة وقتل مقدّمهم سليم اللّواتى وابنه، واستصفى جميع ما كان له ولقومه من أنواع [الأموال] (٢)، وأسرف فى قتلهم حتى يقال إنه قتل منهم عشرين ألفا. وسار إلى دمياط وقتل كثيرا ممّن كان فيها من المفسدين، وخرّب وحرّق، وأصلح عامّة أحوال الثغر. ولم يدع بالبر الشرقى وجميع أسفل الأرض مفسدا إلاّ وقتله أو قمعه. ثم عدّى إلى البرّ الغربى فقتل كثيرا من الطائفة الملحية وأتباعهم؛ وأقام على محاصرة الإسكندرية أيّاما حتى أخذها قهرا؛ فقتل كثيرا من أهلها المفسدين، وعفا عن أهل البلد فلم يعرض لهم.
وفيها حاصر شكل التركى، أحد الأتراك الواصلين من العراق إلى الشام، ثغر عكّا وأخذه بالسيف، وكان فيه أولاد أمير الجيوش بدر وأهله وحرمه، فأحسن إليهم وأكرمهم وقتل والى عكّا. ثم سار منها فنزل على طبرية وأخذها.
وفيها مات الخليفة القائم بأمر الله ببغداد، يوم الخميس ثالث عشر شعبان، وله من الخلافة أربع وأربعون سنة وتسعة أشهر وأيام (٣)؛ وجلس بعده ابن ابنه أبو القاسم عبد الله ابن ذخيرة الدّين ولقب بالمقتدى.
وفيها أعيدت الخطبة للمستنصر بمكة بعد أن خطب فيها للقائم بأمر الله العباسى أربع سنين (٤).
وفيها قتل أمير الجيوش كثيرا من جند مصر وغيرهم ممن يومى إليه بفساد.
стр. 683
سنة ثمان وستين وأربعمائة (١):
فيها حاصر أطسز بن أرتق، المعروف بالأقسيس (٢)، دمشق وألح على قتال من بها من عساكر المستنصر حتى ملكها بعد أن أقام يحاصرها نحو ثلاث سنين. وكان عليها من قبل المستنصر حيدرة بن ميرزا الكتامى، وقد كرهته الرّعيّة لسوء سيرته فيهم وكثرة مصادرته للناس، ففرّ منهزما إلى بانياس (٣)، ثم خرج عنها إلى صور فأقام بها مدة، ثم حمل إلى مصر فقتل بها. وكان قد التحق بأطسز عدة ممّن فرّ من مصر عند قدوم أمير الجيوش، فتقوّى بهم وبمن صار إليه من أهل دمشق فرارا من حيدرة لسوء سيرته. فلمّا ملك دمشق دعا للمقتدى من خلفاء بنى العباس وأبطل الخطبة للمستنصر، فانقطعت دعوة الخلفاء الفاطميين منها ولم تعد بعد ذلك. وقطعت دعوة المستنصر من مكّة أيضا ودعى فيها للمقتدى.
فيها مات القاضى الشريف جلال الدولة أبو الحسين أحمد بن أبى القاسم على بن محمد ابن الحسين بن إبراهيم بن على بن عبيد الله بن الحسين بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب الحسينى النصيبينى، قاضى دمشق، وهو يومئذ متولّى القضاء بها، فى يوم الجمعة الرابع من ذى القعدة؛ وهو آخر قضاة الخلفاء الفاطميين بدمشق، وسمع الحديث وحدث، وله فيه مقال (٤).
стр. 684
سنة تسع وستين وأربعمائة (١):
فيها اجتمع بمدينة طوخ (٢) من صعيد مصر عدد كبير من عرب جهينة والثعالبة والجعافرة (٣) لمحاربة أمير الجيوش، فسار إليهم حتى قرب منهم، فنزل، ثم ارتحل باللّيل وأمر بضرب الطبول وزعقت البوقات، واشتعلت المشاعل وقد تزايد وقود النيران. وجدّ فى السير والعساكر لها صرخات وصيحات متتابعة فى دفعة واحدة، حتى طرقهم بغتة ووضع فيهم السيف فأفنى أكثرهم قتلا، وفرّ منهم طوائف فغرقوا، ولم ينج منهم إلاّ القليل.
وأحاط بأموالهم فحاز منها ما يتجاوز الوصف كثرة، وسيّرها إلى المستنصر.
وثار كنز الدولة محمد بأسوان (٤) وتغلّب عليها وعلى نواحيها، وكثرت أتباعه ونجم أمره؛ فسار إليه أمير الجيوش بعساكره، فالتقى معهم وحاربهم محاربة طويلة أسفرت عن قتله وهزيمة أصحابه بعد أن قتل منهم جمّ غفير؛ فكانت هذه الواقعة آخر الوقائع التى قطع فيها دابر المفسدين، وخمدت جمرتهم.
стр. 685
وفيها جمع أطسز صاحب دمشق العساكر وسار يريد تملّك الدّيار المصرية وإزالة الدولة الفاطمية منها وإقامة الدعوة العباسية كما فعل فى بلاد الشام. وكان أكثر الأسباب الحاملة له على ذلك أن ابن يلدكوش لما فرّ من أمير الجيوش وصار إلى بلاد الشام اتصل بأطسز، وقدّم إليه ستين حبّة لؤلؤ مدحرج، زنة كلّ حبة منها ينيف على مثقال، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالا، وتحفا كثيرة ممّا كان قد وصل إلى أبيه من خزائن المستنصر فى سنى الشدة، وأغراه بأهل مصر وحثه على قصد البلاد، وهوّنها عنده. فقوى طمعه وسار وقد حصل فى قوة بمن صار إليه من عساكر مصر ومن انضاف إليه من أهل الشام.
وكان أمير الجيوش ببلاد الصعيد قد انتهى إلى بلاد أسوان، فوصل الخبر بمسير أطسز إلى مصر، فكتب بذلك إلى أمير الجيوش، وكان عند موافاة الخبر إليه فى شغل عن ذلك، فقدم أطسز إلى أطراف مصر فى جمادى الأولى، وقد أشار عليه ابن يلدكوش «بألاّ تشتغل بالقاهرة ولكن تملّك الرّيف». وقال له: إذا ملكت الريف فقد ملكت مصر. فأقام بالرّيف جمادى الأولى وجمادى الآخرة وبعض رجب وأمير الجيوش فى إصلاح الصّعيد وتدبير أموره، وقد حضر إليه أكثر أهل أسوان وبدر بن حازم بجمائع طىّ. فلمّا استوثق أمره وجمع إليه العساكر عاد إلى القاهرة وخرج يريد محاربة أطسز فى جمع تبلغ عدّته ما ينيف على ثلاثين ألفا ما بين فارس وراجل، وذلك فى يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب بعد ما جهّز عدّة مراكب قد شحنها بالعلوفات والأزواد. فجمع أطسز إليه أصحابه واستشارهم، فاختلفوا عليه فى الرّأى، فقال بعضهم أن ترجع فإنّك قد دست بلاد مصر وليس معك غير خمسة آلاف، والقوم فى كثرة، وعواقب الأمور غير معلومة. وقال له أخوه وابن يلدكوش لا يهولنّك ما تسمع به من كثرتهم فإنما هم سوقة وأخلاط، لو سمعوا صيحة لفرّوا عن آخرهم؛ فإياك والرّجوع عن هذا الملك قد أشرفت على أخذه ولم يبق إلاّ تملكه. وأشار عليه شكل، أمير طبرية، بموافقة القوم والدخول إلى مصر. فتقرر الرأى على ملاقاة العساكر المصرية.
فلما كان يوم الثلاثاء لثمان بقين منه تلاقى الفريقان وتحاربا، فكانت بينهما عدة وقائع كانت الغلبة فيها للمصريين، فانهزم أطسز، وقتل أخوه وعدّة من أصحابه، وعاد
стр. 686
فى قليل ممن معه وأقام بالرملة حتى تلاحقت به عساكره (١). ثم رحل إلى القدس ففتحها وقتل من فيها من المسلمين ولم يترك من استجار بالأقصى.
ثم سار إلى دمشق، فدخلها لعشر بقين من شعبان؛ وقد احتوى أمير الجيوش على كثير ممّا كان معهم، ورجع إلى القاهرة مؤيّدا مظفّرا. وكان المتولى لكسرة أطسز بدر بن حازم ابن على بن دغفل بن جراح. فلمّا جلس أمير الجيوش بدر الجمالى للهناء بنصرته قرأ ابن لفتة، أحد القراء، «وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ»، ولم يتمّ الآية، يعنى بدر بن حازم.
فبينا أمير الجيوش بدر فى ذلك إذ بلغه اجتماع عرب قيس وسليم وفزارة، فخرج إليهم وأوقع بهم، وأكثر من القتل فيهم، وفرّ من بقى منهم إلى برقة.
وفيها سقط أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النّحوى (٢) من سطح جامع عمرو بن العاص بمصر، فمات فى عشية اليوم الثالث من رجب؛ وكان له على الدّولة الفاطميّة فى كل شهر ثلاثون دينارا وغلّة لإصلاح ما يكتب فى ديوان الإنشاء، فكان يعرض عليه جميع ما يكتب منه، وإذا حررّه أمر به فدفع لأربابه. ثم إنه تخلّى عن الخدم السّلطانية وانقطع للعبادة حتى مات؛ وكان أبوه واعظا بمصر.
стр. 687
سنة سبعين وأربعمائة (١):
فيها سيّر أمير الجيوش عسكرا مقدّمه ناصر الدولة الجيوشى، فانتهى إلى دمشق وأقام محاصرا لها مدة؛ ثم ارتحل عنها وعاد بغير طائل.
وفيها فوّض لأمير الجيوش قضاء القضاة، وزيد فى نعوته: كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين.
وفيها وصل إلى مكّة من بغداد منبر كبير فى شهر رمضان منقوش عليه بالذهب:
«لا إله إلا الله، محمد رسول الله. الإمام المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين. مما أمر بعمله محمّد بن محمّد بن جهير». فاتفق وصوله وقد أعيدت الخطبة للمستنصر، فكسر المنبر المذكور وأحرق.
ولم يكن بمصر فى سنة إحدى وسبعين (٢) كبير شيء.
стр. 688
سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة (١):
فيها سيّر أمير الجيوش عسكرا كبيرا، فانتهى إلى دمشق وحاصرها حتى أشرف على أخذها، فسيّر أطسز صاحب دمشق إلى تاج الدولة تتش بن (٢) السلطان ألب أرسلان - وكان قد أقطعه أخوه ملكشاه الشام وأخذ حلب بعد ما حاصرها حتى اشتدّ الجوع بأهلها وملكها - يستحثّه على نصرته وتقويته على المصريين، ويعده أنه يسلّم إليه ملك دمشق. فأجابه إلى سؤاله وسار إليه بعسكره؛ فبلغ ذلك عسكر أمير الجيوش، فارتحل وعاد إلى مصر.
وقدم تتش فملك دمشق، ودبّر على أطسز وقتله بحيلة فى ربيع الأوّل؛ وجهّز عسكرا فى إثر العسكر المصرى فلم يدركه.
وفيها خرج ملك النوبة من بلاده وصار إلى أسوان يريد زيارة كنيسة لهم بها، فبعث والى قوص [من] قبض عليه و وحمله إلى القاهرة، فأكرمه أمير الجيوش وأفاض عليه النّعم، وأتحفه بالهدايا الجليلة؛ فأدركه أجله ومات قبل أن يعود إلى بلاده.
وفيها قطعت خطبة المستنصر من مكة وأعيدت خطبة بنى العباس.
стр. 689
سنة سبع وسبعين وأربعمائة (١):
فيها خرج الأوحد بن أمير الجيوش على أبيه، وانضم إليه جماعة من العسكر والعربان وتحصّن بالإسكندرية؛ فسار إليه أمير الجيوش وحصره، وألح عليه القتال حتى دخل البلد وأخذ ابنه قهرا. وأمر ببناء الجامع المعروف فى الإسكندرية بجامع العطارين من أموال أخذها من أهل البلد، وفرغ منه فى شهر ربيع الأول؛ وأقيمت فيه الجمعة واستمرت إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأمر ببناء جامع، ونقل الخطبة من جامع العطارين إليه.
وفى جمادى الأولى استناب أمير الجيوش ولده الأفضل، وجعله ولىّ عهده فى السلطنة (٢).
وفيها ابتدأ أمير الجيوش فى بناء سور القاهرة (٣).
стр. 690
سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (١):
فيها قطعت الخطبة من مكة للمستنصر وخطب بها للمقتدى العباسى (٢).
فيها مات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين المغربى الملقّب بالكامل؛ وكان قد ولى الوزارة بعد أن صار إلى بلاد المغرب وخدم بها، ثم عاد واتصل بالوزير أبى محمد اليازورى، فأحسن إليه واستخدمه وعنى به، فماقته أبو الفرج البابلىّ.
فلما صارت إليه الوزارة بعد اليازورى قبض عليه فى جملة من قبض عليه من أصحاب اليازورى، واعتقله، فلم يزل معتقلا إلى أن تقرّرت له الوزارة وهو فى السجن، فأخرج وخلع عليه خلع الوزارة عوضا عن أبى الفرج البابلىّ، فلم يؤاخذه بما كان منه فى حقه، بل قابله بالجميل وأحسن إليه إحسانا كبيرا. ولما صرف عن الوزارة اقترح أن يولّى ديوان الإنشاء (٣)، فقرّر فى هذه الرتبة التى يقال لها فى زمننا اليوم كتّاب السر، فاستقرت من بعده وظيفة ورتبة يتقلدها الأكابر.
وفيها مات سليمان بن قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق، صاحب قونية وآق سرا من بلاد الروم (٤)، وقام من بعده ابنه قليج أرسلان بن سليمان (٥)؛ فاستردّ منه الفرنج مدينة أنطاكية.
стр. 691
سنة تسع وسبعين وأربعمائة (١):
فيها قدم الحسن بن الصّباح، رئيس الطائفة الباطنيّة من الإسماعيلية، إلى مصر فى زىّ تاجر، واتصل بالمستنصر واختصّ به، والتزم أن يقيم له الدعوة فى بلاد خراسان وغيرها من بلاد المشرق. وكان الحسن هذا كاتبا للرئيس عبد الرزّاق بن بهرام بالرىّ، فكاتب المستنصر، ثم قدم عليه (٢). ثم إنّ المستنصر بلغه عنه كلام، فاعتقله، ثم أطلقه. وسأله ابن الصّباح عن عدّة مسائل من مسائل الإسماعيلية فأجاب عنها بخطه. ويقال إنه قال له: يا أمير المؤمنين، من الإمام من بعدك، فقال له ولدى نزار (٣).
ثم إنّه سار من مصر بعد ما أقام عند المستنصر مدّة وأنعم عليه بنعم وافية. فلما وصل إلى بلاده نشر بها دعوة المستنصر وبثّها فى تلك الأقطار، وحدث منه من البلاء بالخلق ما لا يوصف مما قد ذكر فى أخبار المشرق. ثم قام من بعد المستنصر بدعوة ابنه نزار، وكان بسبب ذلك فى مصر من الانقلاب ما نهتمّ به إن شاء الله تعالى. وأخذ ابن الصّباح أصحابه بجمع الأسلحة ومواعدتهم، حتى اجتمعوا له فى شعبان سنة ثلاث وثمانين، ووثب بهم فأخذ قلعة ألموت، وكانت لملوك الديلم من قبل ظهور الإسلام، وهى من الحصانة فى غاية.
واجتمع الباطنية بأصبهان مع رئيسهم وكبير دعاتهم أحمد بن عبد الملك بن عطّاش، وملكوا قلعتين عظيمتين؛ إحداهما يقال لها قلعة الدرّ. وكانت لأبى القاسم دلف العجلى،
стр. 692
وجدّدها وسماها ساهور؛ والقلعة الأخرى تعرف بقلعة جان، وهما على جبل أصبهان.
وبث الحسن بن الصباح دعاته، وألقى عليهم مسائل الباطنية التى ذكرتها فى هذا الكتاب عند ذكر داعى الدعاة فى أخبار بناء سور القاهرة، عند ذكر خطط المعزية القاهرة. فساروا من قلعة ألموت، وأكثروا من القتل فى الناس غيلة.
وكان إذ ذاك ملك العراقين السلطان ملكشاه الملقب جلال الدين بن ألب أرسلان، فاستدعى الإمام أبا يوسف الخازن لمناظرة أصحاب ابن الصّباح؛ فناظرهم؛ وألّف كتابه المسمّى بالمستظهرىّ، وأجاب عن مسائلهم. واجتهد ملك شاه فى أخذ قلعتهم فأعياه المرض وعجز عن نيلها.
وفيها خلع اسم المستنصر وآبائه من مكة والمدينة وكتب اسم المقتدى (١).
стр. 693
سنة ثمانين وأربعمائة (١):
فيها مات أبو الفضل عبد الله بن الحسين بن بشرى، المعروف بابن الجوهرى، الواعظ المصرى فى العشر الأواخر من شوال؛ وهو أحد أكابر شيوخ مصر، وتصدّى سنين للوعظ بجامع عمرو بن العاص. حدّث عن جماعة؛ وله كلام فى الزهد والمواعظ؛ وهو من بيت علم وأسرة وعظ. ولما كانت أيّام الشدة والغلاء بمصر اجتمع إليه النّاس فى بعض الأيام وسألوه عقد المجلس للوعظ بالجامع العتيق، فقال: من يحضر عندى ومن بقى؟ فقالوا: لا بدّ من ذلك؛ فجلس، وكان من كلامه: أبشروا هذه سنة ثلاث، وأشار بيده، وهى متعلقة كلها، وسنة حلّ سنة أربع ويفتح الله، ورفع بنصره؛ وبعدها سنة خمس ويفتح الله؛ ورفع خنصره. فكان كما قال. وأنشد مرة فى بعض مجالسه:
ما يصنع اللّيل والنّهار … ويستر الثّوب والجدار
على كرام بنى كرام … تخيّروا فى القضا وخاروا
ومن كلامه: قد اختلّ أمر الدّين والدّنيا، وتعذّر الوصول إليهما، فمن طلب الآخرة لم يجد معينا عليها، ومن طلب الدنيا وجد فاجرا قد سبقه إليها.
وأنشد مرّة الخليفة المستنصر:
عساكر الشكر قد جاءت مهنئة … وللملوك ارتياب فى تأتّيها
بالباب قوم ذوو ضعف ومسكنة … يستصغرون لك الدّنيا بما فيها
وفيها بعث بردويل (٢) ملك الفرنج الذين يقال لهم الإفرنسيس عسكرا عليه أجار (٣) إلى صقلية فملكها من المسلمين.
стр. 694
سنة احدى وثمانين وأربعمائة (١):
سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة (٢):
فيها ندب أمير الجيوش عسكرا إلى بلاد الشام وقدّم عليه ناصر الدولة الجيوشى؛ فسار وفتح ثغرى صور (٣) وصيدا (٤)، ثم فتح جبيل (٥) وعكا. وكان تتش قد ملكها، فاستولى عليها ناصر الدولة الجيوشى، وقتل جماعة من أصحاب تتش، وأخذ كثيرا من ذخائره. ومضى إلى بعلبك، فوفد عليه خلف بن ملاعب صاحب حمص، ودخل فى الطاعة، وبعث ابن حمدان إلى أمير الجيوش، فسيّر إليه الخلع والطوق.
سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (٦):
فيها توفى الحافظ أبو اسحاق ابراهيم بن سعد بن عبد الله الخيال المصرى الإمام، صاحب التاريخ، فى سادس ذى القعدة، ومولده فى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة؛ ودفن بالقرافة.
وفيها صعد الحسن بن الصباح إلى قلعة ألموت فى شعبان، وأظهر دعوة المستنصر بالله.
стр. 695
سنة خمس وثمانين وأربعمائة (١):
فيها نقل أمير الجيوش بابى زويلة وزاد من ورائهما قطعة (٢)، وبنى باب زويلة الكبير الموجود الآن، ورفع أبراجه على ما هى عليه، ولم يجعل له باشورة (٣) كما هى عادة أبواب الحصون أن يكون فى أبوابها عطفة تمنع العساكر من الهجوم على الحصن عند الحصار، بل عمل فى بابه زلاّقة من حجارة صوّان، حتى إذا هجم العسكر لم تثبت قوائم الخيل على الصّوّان لملاسته. فلم تزل هذه الزلاّقة باقية إلى أيام الملك الكامل محمد بن العادل، فأو بنقضها لمّا زلّت به فرسه وسقط عنها.
стр. 696
سنة ست وثمانين وأربعمائة (١):
فيها جرّد أمير الجيوش عسكرا إلى ثغر صور، وكان المتولّى (٢) به قد خرج عن الطاعة.
فسار العسكر ونزل على الثغر، فخاف أهل البلد من سطوة أمير الجيوش، فلم يعرضوا لقتال فهجم العسكر البلد وانتهبوا أهله، وقبضوا على أميرها وعلى جماعة من الناس وسيّروهم إلى أمير الجيوش فقتلهم؛ وبعث بفريضة ستين ألف دينار على أهل صور؛ وكان ذلك فى رابع عشر جمادى الآخرة.
وفيها نمى قتل أبى علىّ حسن بن عبد الصمد بن أبى الشحناء العسقلانى صاحب الرسائل والشعر، وكان بديوان الإنشاء، وشعره ورسائله مشهورة. ويقال إن القاضى الفاضل عبد الرحيم كان جلّ اعتماده على رسائله. ومن شعره:
أصبحت تخرجنى بغير جريمة … من دار إكرام لدار هوان
كدم الفصاد يراق أرذل موضع … أبدا، ويخرج من أعزّ مكان
ثقلت موازين العباد بفضلهم … وفضيلتى قد خفّفت ميزانى
стр. 697
سنة سبع وثمانين وأربعمائة (١):
فى شهر ربيع، وقيل فى جمادى الأولى (٢)، توفى أمير الجيوش بدر الجمالى من مرض نزل به من أوّل السنة حتى أسكت فلم يقدر على الكلام إلى أن مات وقد ناهز ثمانين سنة؛ وجنسه أرمنى؛ وكان مملوكا لجمال الدولة ابن عمّار، فلذلك قيل له بدر الجمالى. وما زال يأخذ نفسه بالجدّ من شبيبته فيما يباشره، ويوطّن نفسه على قوة العزم فيما يرومه، ويتنقّل فى الرتب العليّة، حتى ولى بلاد الشام وتقلّد إمارة دمشق من قبل المستنصر مرّتين، وثار عليه أهلها.
وكانت فى إمارته الفتنة العظيمة التى احترق فيها قصر الإمارة وجامع بنى أمية. ثم إنّه رحل عن دمشق إلى مصر، وقلّده المستنصر عكّا. فلما فسدت أحوال مصر وتغيرت أمورها وخربت كان يبلغه ذلك فيتحسّر لما يبلغه ويتلهف لكونه بعيدا عن مصر. فلما كاتبه المستنصر ودخل إلى القاهرة تحكّم فى بلاد مصر تحكّم الملوك، ولم يبق للمستنصر من أمر، وألقى إليه مقاليد مملكته، وسلّم إليه أمور خلافته، فضبطها أحسن ضبط. فاشتدّت مهابته فى قلوب الخاصّة والعامّة، وخاف سطوته كلّ جليل وكبير، لعظم بأسه وكثرة بطشه، وقتله من الخلائق ما لا يمكن ضبطهم ولا يعلم عدتهم إلا إلههم سبحانه. وبقتله أكابر المصريين من الأمراء والقوّاد والوزراء والأعيان، من أهل القاهرة ومصر وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وثغر دمياط وتنّيس والإسكندرية، الذين كانوا قد تمرّنوا على الفساد، ونشئوا فى الفتن واعتادوا مضرة الخلق، ولصلاح أحوالهم من ذلك صلحت الديار المصريّة بعد فسادها، وعمرت بعد خرابها، وزال عكس (٣) المستنصر وابتدأت سعادته.
стр. 698
وكان من جميل أفعاله أنّه لما قتل المفسدين من الأجناد والعربان وغيرهم أطلق الخراج للمزارعين، ولم يأخذ منهم شيئا ثلاث سنين، حتى صلحت أحوال الفلاّحين. واستعنى أهل مصر فى أيّامه، ودرّت عليهم أخلاف النّعم بعد توالى الشدائد الكبيرة، ومقاساة الألم.
وكثر ترداد التجار فى أيامه إلى مصر بعد نزوحهم عنها، وخروجهم لشدّة البلاء والجور فيها.
وكانت مدّة تحكّمه بالديار المصرية إحدى وعشرين سنة. وكان عزوف النفس شديد البطش، عالى الهمة عظيم الهيبة، حسن التّأتّى جميل السّياسة، مظفّرا، سعيد الجدّ، سخيّا، مفضالا. قصده علقمة بن عبد الرزّاق العليمى، فلما وافى بابه شاهد أشراف النّاس وكبراءهم وشعراءهم وعلماءهم على بابه وقد طال وقوفهم ومقامهم، ولا يصلون إليه.
فبينا هو كذلك إذ خرج أمير الجيوش يريد الصيد، فخرج فى أثره وأقام معه حتى رجع من صيده؛ فعند ما قاربه وقف على تلّ من رمل، ورمى برقعة كانت فى يده، وأنشد:
نحن التّجار، وهذه أعلاقنا … درّ، وجود يمينك المبتاع
قلّب، وفتّشها بسمعك، إنّما … هى جوهر تختاره الأسماع
كسدت علينا بالشام، وكلّما … قلّ النّفاق تعطّل الصّنّاع
فأتاك يحملها إليك تجارها … ومطيّها الآمال والأطماع
حتى أناخوها ببابك، والرّجا … من دونك السّمسار والبيّاع
فوهبت ما لم يعطه فى دهره … هرم، ولا كعب، ولا القعقاع
وسبقت هذا النّاس فى طلب العلا … والناس بعدك كلّهم أتباع
يا بدر، أقسم، لو بك اعتصم الورى … ولجوا إليك، جميعهم، ما ضاعوا
وكان بيد بدر باز، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات، وهو معه، إلى أن استقر فى مجلسه. فلما اطمأن قال للحاضرين عنده؛ من أحبّنى فليخلع عليه. فبادر حينئذ الحاضرون، ولم يبق منهم إلاّ من ألقى له ما قدر عليه، حتى صار إليه منهم ما حمله على سبعين بغلا عند ما خرج من المجلس؛ ومع ذلك أمر له أمير الجيوش من ماله بعشرة ألاف درهم.
стр. 699
قال قاضى الرشيد أحمد بن الزبير فى كتاب العجائب والطرف والهدايا والتّحف: ولمّا مات أمير الجيوش بدر المستنصرىّ خلّف سبعمائة غلام، كلّ غلام له من المال ما ينيف عن المائة ألف غلام (١). وخلّف من المال بعد عمارة سور القاهرة ستة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف ألف درهم فى دار الوزارة؛ ومن الجوهر والياقوت أربعة صناديق ومن القضب الفضّة والذّهب والمراتب، ومن السروج المحلاة، ما يعجز عن وصفه.
وخلف ألف قصبة زمرد، لأنه كان له به غرام عظيم، جمعت له من جميع الأقطار.
ولما مات أمير الجيوش كان أجلّ غلمانه من الأمراء نصر الدولة أفتكين، ويليه فى الرتبة أمين الدولة صافى، ويقال لاون، فبعث لاون لكلّ جماعة من الأمراء الجيوشيّة مالا والتمس منهم الرّضا به أن يلى الوزارة مكان أستاذه أمير الجيوش، فوافقوه على ذلك فأقرّ أمره مع المستنصر؛ فطلبه بعد موت أمير الجيوش وأفاض عليه خلع الوزارة وجلس فى الشباك عند الخليفة ليتولّى على العادة. وكان نصر الدّولة أفتكين قد بلغه ذلك من قبل، فركب وطاف على الأمراء، كلّ واحد بمفرده، وغلّطه فيما عزم عليه، وقبّح أن يكون أحد خشداشيّته (٢) يتحكم عليه مع وجود أولاد أستاذهم؛ مع ما قد عرف من بخل لاون، ونحو ذلك من القول، حتى رجعوا عن لاون. فعند ما طلبه المستنصر وخلع عليه ركب نصر الدولة فى جميع الأمراء بالسلاح وصاروا إلى القصر، ووقفوا فى الصحن؛ فشقّ ذلك على المستنصر وعلى من بحضرته من خواصه. وشرع الأمراء فى مخاطبة المستنصر فى إبطال وزارة لاون، وهو يأبى عليهم، حتى طال الخطاب. فقال المستنصر إذا أقمنا قصبة قبل أمرنا. فقال الأمراء، إذا أقمت هذه القصبة قطعناها بهذه السيوف؛ وجرّدوا سيوفهم،
стр. 700
ولم يبق إلاّ وقوع الشر. فقال المستنصر لهم خيرا، وأمر بإحضار الأفضل بن أمير الجيوش، وقرّر فى الوزارة مكان أبيه، وبطل أمر لاون، فاستمرّ إلى ليلة الخميس الثامن عشر من ذى الحجة.
وفيها مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معدّ، فلما كان عند موته حصل رعد عظم وبرق كثير ومطر غزير؛ وعمره يومئذ سبع وستون سنة وخمسة أشهر؛ منها فى خلافته ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، مرّت به فيها أهوال عظيمة، وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخّ، لا يجد من القوت إلاّ ما تتصدّق به عليه الشريفة ابنة صاحب السبيل فى كلّ يوم، فلا يأكل غير مرة واحدة فى اليوم من قعب فتيت تبعث بها إليه، كما قد تقدم ذلك.
وكان قد قوى أمره وقام بتدبير وزارته عند إقامته فى الخلافة وزير أبيه على بن أحمد الجرجرائى، فمشت الأحوال على سداد إلى أن مات، فحكمت أمّه فى الدولة وولّت أبا سعيد ابراهيم اليهودى التّسترى وزارتها (١)، فصار هو الذى يلى الوساطة ويدبّر الأموال إلى أن قتل.
فلما كانت سنة اثنتين وستين اختلطت الأمور وتعاظم الأمر، فكان من الغلاء والفتن والبلاء والنهب ما تقدم ذكره.
وولى وزارته أربعة وعشرون وزيرا، وهم: أبو القاسم الجرجرائى إلى أن مات وزيرا فى سنة ست وثلاثين؛ فولى أبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحى إلى أن قتل فى سنة تسع وثلاثين؛ فولى عماد الدولة أبو البركات الحسين بن محمد الجرجرائى مرتين إلى؟؟؟ عزل فى سنة أربعين؛ فولى صاعد بن مسعود أبو الفضل وصرف فى سنة اثنتين وأربعين؛ فاستقر أبو محمد اليازورى مضافا إلى القضاء والتّقدمة على الدعاة، ولم يجمع ذلك لأحد قبله، إلى أن قبض عليه فى محرم سنة خمسين؛ فاستوزر أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلى ثم صرف بعد شهرين وأربعة عشر يوما. واستقر أبو الفرج محمد بن جعفر بن
стр. 701
محمد بن على بن الحسين المغربى ثم صرف فى سنة اثنتين وخمسين؛ وأعيد البابلى ثم صرف بعد أربعة أشهر. وتولى عبد الله بن يحيى بن المدبر فى صفر سنة ثلاث وخمسين وصرف بعد شهرين؛ وتولى عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقى فى رمضان منها إلى أن توفى فى محرم سنة أربع وخمسين؛ فتولى بعده أخوه أبو على أحمد سبعة عشر يوما وصرف؛ فأعيد البابلى كرة ثالثة فى ربيع الأول، فأقام خمسة أشهر واستعفى فوزر أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة الماسكى؛ ثم صرف بأبى أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم، فكان ينقل من القضاء إلى الوزارة ثم يعود إلى القضاء؛ وصرف بابن المدبر، فأقام إلى أن توفى؛ فأعيد أبو أحمد بن عبد الحاكم فى ذى الحجة سنة خمس وخمسين فأقام خمسة وأربعين يوما، وصرف بأبى غالب عبد الطاهر بن فضل العجمى، فتولى غير مرة، وكان جدّه من دعاة الدولة؛ فولى مرة فى جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف بعد ثلاثة أشهر، وولى أخرى فى ربيع الآخر سنة ستّ وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوما، وفى ثالثة فى أيام الفتنة وقتله تاج الملوك شاذى بالقاهرة فى سنة خمس وستين. وولى الوزارة أيضا الحسن بن ثقة الدولة بن أبى كدينة، وجمع له بين القضاء والوزارة سبع مرات، ووصل أمير الجيوش وهو وزير فقبض عليه وقتل بدمياط. وولى أبو المكارم سعد وتنقلت به الأحوال حتى قتله أمير الجيوش؛ ثم وزر بعده أبو على الحسن ابن أبى سعيد التّسترى عشرة أيام ثم استعفى، وكان يهوديا فأسلم. ثم استوزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الرعبانى مرتين، كل منهما عشرة أيام؛ ثم ولى الأمير أبو الحسن بن الأنبارى أياما وصرف. فتولى أبو على الحسن بن سديد الدولة الماسكى أياما، وهذه وزارته الثانية؛ ثم صرف بأبى شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملوك وصرف، فسار إلى الشام ولقيه أمير الجيوش فقتله؛ وأبو غالب جدّه كان وزيرا لبهاء الدولة بن عضد الدولة ملك العراق. ثم ولى بعده أبو الحسن طاهر بن وزير الطرابلسى ثم صرف، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء؛ فولى بعده أبو عبد الله محمد بن أبى حامد التنيسى يوما واحدا وقتل،
стр. 702
فوجد له مال كثير. ثم ولى أبو سعد منصور بن أبى أيمن سورس بن مكرواه بن زنبور، وكان نصرانيا فأسلم، ويقال له إنه لم يسلم؛ ثم ولى بعده أبو العلاء عبد الغنى بن نصر بن سعيد الضيف وصرف. فلما قدم أمير الجيوش تسلمها.
ولما قدم أمير الجيوش من عكّا صار وزير السيف والقلم، وولى القضاء أيضا، وزيد فى ألقابه كافل قضاة المسلمين وهادى دعاة المؤمنين. ثم لما مات وزر من بعده ابنه الأفضل.
وأما قضاته، فقد تقدم من جمع له القضاء مع الوزارة. والذين أفردوا بوظيفة القضاء عبد الحاكم بن سعيد الفارقى فى أول خلافته؛ ثم تقلّد القضاء القاسم بن عبد العزيز ابن النعمان؛ ثم أبو يعلى، ويقال أبو الحسن، أحمد بن حمزة بن أحمد العرقى ومات؛ فولى أبو الفضل القضاعى؛ ثم جلال الدولة أبو القاسم على بن أحمد بن عمار. وولى الفضل ابن نباتة، ثم أبو الفضل بن عتيق، ثم أبو الحسن على بن يوسف بن الكحّال، ثم فخر الأحكام أبو الفضل محمد بن عبد الحاكم، وكان فى أيامه ما قد تقدم ذكره من الرزايا.
وكان نقش خاتمه: «بنصر السميع العليم ينتصر المستنصر أبو تميم».
ومما رثى به المستنصر قول حظىّ الدولة أبى المناقب عبد الباقى بن على التنوخى الشاعر، من أبيات:
وليس ردى المستنصر اليوم كالرّدى … ولا قدره أمر يقاس به أمر
لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى … ففاجأه ليلا وما طلع الفجر (١)
فأجرى عليه، حين مات، دموعنا … سماء، فقال الناس: لا؛ بل هو القطر
وقد بكت الخنساء صخرا، وإنّه … ليبكيه من فرط المصاب به الصّخر
وقلّدنا (٢) المستعلى الطّهر حسب ما … عليه قديما نصّ والده الطّهر
стр. 703
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة، وصلاة البر الرحيم على محمد بن عبد الله أكرم خلقه، وعلى آله وصحابته وتابعيهم، هداة الطريق، ومنارات الارشاد، ومعالم الخبرات والخيرات.
وينتهى - بفضل الله - بظهور هذا الكتاب وضع ما سطره المقريزى عن تاريخ مصر الفاطمية فى السفر الذى اختص به هذه المرحلة الحفلة بالأحداث بين يدى القراء، علماء ودارسين، ليفيدوا مما ورد به من معلومات لم ترد بغيره، أو وردت فى صورة موجزة غير واضحة الألوان، فيستكملوا بها تصورهم، ويوثقوا فى ضوئها بحوثهم.
ولا ينقص من قدر هذا الكتاب ما يظهر فيه - أحيانا - من متناقضات أو أخطاء تدل على أنه كان فى حاجة الى نظرة أخرى - من المقريزى - فاحصة مدققة، تزيل التناقض وتصحح الخطأ. وقد تكفلت تعليقات التحقيق المقارنة - فى كل حال - بوضع الأمور فى مواضعها الصحيحة، مقدرة للمقريزى جهده العظيم، ميسرة عمل القارئ، موفرة وقته الذى كان سيصرفه فى محاولة البحث عن وجه الحق فى غير «الاتعاظ» من مراجع أولية أو ثانوية، معاصرة أو تالية.
ويشمل هذا الجزء - الثالث والأخير - تفصيل أحداث واحد وتسعين عاما من العهد الفاطمى (٤٨٧ - ٥٦٧ هـ) تولى الخلافة فيها ست من الخلفاء، تواضعت مكانتهم عمن سبقهم، تاركين مركز الصدارة للوزراء الذين أصبحوا - منذ تولى بدر الجمالى منصب الوزارة أيام المستنصر بالله، فى زمن سابق - يتحكمون فى الأمور تحكما مستبدا، يقضى فيها قضاء المتسلط المسيطر، لا يبالى برأى الخليفة ولا يقيم له وزنا، حتى ليمكن القول ان هذا العصر يعد، بحق، عصر نفوذ عظام الوزراء.
ومن صور تدهور مكانة الخلافة ونفوذها فى هذه المرحلة أن المذهب الاسماعيلى تعرض لهزات عنيفة حين قرر الأفضل الجمالى، مثلا، تحويل نشاط حركة الدعوة الرسمية الى العناية بمذهب الامامية الاثنى عشرية، وعند ما حاول على بن السلار الكردى، حين تولى الوزارة، صرف الاهتمام كله الى النظام السنى، والى مذهب الشافعى بصورة خاصة.
كما أقدم الوزراء، منذ زمن الأفضل الجمالى، على ذكر أسمائهم على المنابر فى خطبة الجمعة الى جانب اسم الخليفة، مصحوبة بألقاب التكريم والتعظيم، واتخذ بعضهم لنفسه لقب «الملك»، معززين بذلك مراكزهم، مؤكدين صدارتهم.
стр. 704
وقد شهد هذا العصر تقدم الصليبيين نحو بلاد الشام والجزيرة العراقية واستقرارهم الناجح فى غفلة، أو فى تغافل مقصود، من الحكام المحليين ومن بغداد والقاهرة على السواء.
ثم لم يلبث الرأى العام أن تدخل تدخلا واعيا حاسما أدى - فى تدرج وأناة - الى تطوير الأحداث لغير صالح الصليبيين، مستقرين ووافدين، ثم الى ظهور السلطان العادل المجاهد نور الدين محمود بن زنكى، ونجاحه فى تكوين جبهة متماسكة امتدت من حدود أرمينية الى نهر الأردن.
وفى ضوء هذا الوضع الجديد - عندئذ - تطلعت مصر، على زمن ابن السلار الكردى وأيام طلائع بن رزيك، الوزيرين الفاطميين، الى ضم جهودها الى جهود نور الدين محمود حتى يستكمل تكوين الجبهة التى تستطيع مواجهة الصليبيين تمهيدا لطردهم من البلاد التى كانوا قد احتلوها فى فترة الضعف والتفكك والانحلال.
وفى رعاية نور الدين نشأ صلاح الدين يوسف بن أيوب الذى قدر له أن يتجه الى مصر مرات ثلاثا مع عمه أسد الدين شيركوه، قائد جيش نور الدين محمود، ثم استقر بها فى المرة الثالثة ليتولى وزارتها بعد وفاة عمه، ثم ليكون الرجل الذى ينهى حكم الفاطميين.
وبنهاية العصر الفاطمى ينتهى «اتعاظ الحنفا»، ويكتمل الكتاب الذى خصص المقريزى صفحاته لتسجيل تاريخ الفاطميين.
والمرجو أن يكون الجهد الذى بدأه الأستاذ المحقق المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال، ثم عهدت الى لجنة احياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الاسلامية - بعد رحيله - باتمامه محققا رغبة المهتمين بالتعرف على تاريخ مصر، من مصادره الأصيلة، فى هذه المرحلة الحاسمة.
والحمد لله، فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة، «وما توفيقى الا بالله، عليه توكلت واليه أنيب».
محمد حلمى محمد أحمد
٥ من صفر ١٣٩٣
١٠ من مارس ١٩٧٣
стр. 705
المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله
أبى تميم معدّ بن الظّاهر لإعزاز دين الله أبى الحسن على ابن الحاكم بأمر الله أبى على منصور