محمد بن على بن الحسين المغربى ثم صرف فى سنة اثنتين وخمسين؛ وأعيد البابلى ثم صرف بعد أربعة أشهر. وتولى عبد الله بن يحيى بن المدبر فى صفر سنة ثلاث وخمسين وصرف بعد شهرين؛ وتولى عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقى فى رمضان منها إلى أن توفى فى محرم سنة أربع وخمسين؛ فتولى بعده أخوه أبو على أحمد سبعة عشر يوما وصرف؛ فأعيد البابلى كرة ثالثة فى ربيع الأول، فأقام خمسة أشهر واستعفى فوزر أبو عبد الله الحسين بن سديد الدولة الماسكى؛ ثم صرف بأبى أحمد بن عبد الكريم ابن عبد الحاكم، فكان ينقل من القضاء إلى الوزارة ثم يعود إلى القضاء؛ وصرف بابن المدبر، فأقام إلى أن توفى؛ فأعيد أبو أحمد بن عبد الحاكم فى ذى الحجة سنة خمس وخمسين فأقام خمسة وأربعين يوما، وصرف بأبى غالب عبد الطاهر بن فضل العجمى، فتولى غير مرة، وكان جدّه من دعاة الدولة؛ فولى مرة فى جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وصرف بعد ثلاثة أشهر، وولى أخرى فى ربيع الآخر سنة ستّ وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوما، وفى ثالثة فى أيام الفتنة وقتله تاج الملوك شاذى بالقاهرة فى سنة خمس وستين. وولى الوزارة أيضا الحسن بن ثقة الدولة بن أبى كدينة، وجمع له بين القضاء والوزارة سبع مرات، ووصل أمير الجيوش وهو وزير فقبض عليه وقتل بدمياط. وولى أبو المكارم سعد وتنقلت به الأحوال حتى قتله أمير الجيوش؛ ثم وزر بعده أبو على الحسن ابن أبى سعيد التّسترى عشرة أيام ثم استعفى، وكان يهوديا فأسلم. ثم استوزر أبو القاسم عبد الله بن محمد الرعبانى مرتين، كل منهما عشرة أيام؛ ثم ولى الأمير أبو الحسن بن الأنبارى أياما وصرف. فتولى أبو على الحسن بن سديد الدولة الماسكى أياما، وهذه وزارته الثانية؛ ثم صرف بأبى شجاع محمد بن الأشرف بن فخر الملوك وصرف، فسار إلى الشام ولقيه أمير الجيوش فقتله؛ وأبو غالب جدّه كان وزيرا لبهاء الدولة بن عضد الدولة ملك العراق. ثم ولى بعده أبو الحسن طاهر بن وزير الطرابلسى ثم صرف، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء؛ فولى بعده أبو عبد الله محمد بن أبى حامد التنيسى يوما واحدا وقتل،
стр. 702
فوجد له مال كثير. ثم ولى أبو سعد منصور بن أبى أيمن سورس بن مكرواه بن زنبور، وكان نصرانيا فأسلم، ويقال له إنه لم يسلم؛ ثم ولى بعده أبو العلاء عبد الغنى بن نصر بن سعيد الضيف وصرف. فلما قدم أمير الجيوش تسلمها.
ولما قدم أمير الجيوش من عكّا صار وزير السيف والقلم، وولى القضاء أيضا، وزيد فى ألقابه كافل قضاة المسلمين وهادى دعاة المؤمنين. ثم لما مات وزر من بعده ابنه الأفضل.
وأما قضاته، فقد تقدم من جمع له القضاء مع الوزارة. والذين أفردوا بوظيفة القضاء عبد الحاكم بن سعيد الفارقى فى أول خلافته؛ ثم تقلّد القضاء القاسم بن عبد العزيز ابن النعمان؛ ثم أبو يعلى، ويقال أبو الحسن، أحمد بن حمزة بن أحمد العرقى ومات؛ فولى أبو الفضل القضاعى؛ ثم جلال الدولة أبو القاسم على بن أحمد بن عمار. وولى الفضل ابن نباتة، ثم أبو الفضل بن عتيق، ثم أبو الحسن على بن يوسف بن الكحّال، ثم فخر الأحكام أبو الفضل محمد بن عبد الحاكم، وكان فى أيامه ما قد تقدم ذكره من الرزايا.
وكان نقش خاتمه: «بنصر السميع العليم ينتصر المستنصر أبو تميم».
ومما رثى به المستنصر قول حظىّ الدولة أبى المناقب عبد الباقى بن على التنوخى الشاعر، من أبيات:
وليس ردى المستنصر اليوم كالرّدى … ولا قدره أمر يقاس به أمر
لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى … ففاجأه ليلا وما طلع الفجر (١)
فأجرى عليه، حين مات، دموعنا … سماء، فقال الناس: لا؛ بل هو القطر
وقد بكت الخنساء صخرا، وإنّه … ليبكيه من فرط المصاب به الصّخر
وقلّدنا (٢) المستعلى الطّهر حسب ما … عليه قديما نصّ والده الطّهر
стр. 703
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة، وصلاة البر الرحيم على محمد بن عبد الله أكرم خلقه، وعلى آله وصحابته وتابعيهم، هداة الطريق، ومنارات الارشاد، ومعالم الخبرات والخيرات.
وينتهى - بفضل الله - بظهور هذا الكتاب وضع ما سطره المقريزى عن تاريخ مصر الفاطمية فى السفر الذى اختص به هذه المرحلة الحفلة بالأحداث بين يدى القراء، علماء ودارسين، ليفيدوا مما ورد به من معلومات لم ترد بغيره، أو وردت فى صورة موجزة غير واضحة الألوان، فيستكملوا بها تصورهم، ويوثقوا فى ضوئها بحوثهم.
ولا ينقص من قدر هذا الكتاب ما يظهر فيه - أحيانا - من متناقضات أو أخطاء تدل على أنه كان فى حاجة الى نظرة أخرى - من المقريزى - فاحصة مدققة، تزيل التناقض وتصحح الخطأ. وقد تكفلت تعليقات التحقيق المقارنة - فى كل حال - بوضع الأمور فى مواضعها الصحيحة، مقدرة للمقريزى جهده العظيم، ميسرة عمل القارئ، موفرة وقته الذى كان سيصرفه فى محاولة البحث عن وجه الحق فى غير «الاتعاظ» من مراجع أولية أو ثانوية، معاصرة أو تالية.
ويشمل هذا الجزء - الثالث والأخير - تفصيل أحداث واحد وتسعين عاما من العهد الفاطمى (٤٨٧ - ٥٦٧ هـ) تولى الخلافة فيها ست من الخلفاء، تواضعت مكانتهم عمن سبقهم، تاركين مركز الصدارة للوزراء الذين أصبحوا - منذ تولى بدر الجمالى منصب الوزارة أيام المستنصر بالله، فى زمن سابق - يتحكمون فى الأمور تحكما مستبدا، يقضى فيها قضاء المتسلط المسيطر، لا يبالى برأى الخليفة ولا يقيم له وزنا، حتى ليمكن القول ان هذا العصر يعد، بحق، عصر نفوذ عظام الوزراء.
ومن صور تدهور مكانة الخلافة ونفوذها فى هذه المرحلة أن المذهب الاسماعيلى تعرض لهزات عنيفة حين قرر الأفضل الجمالى، مثلا، تحويل نشاط حركة الدعوة الرسمية الى العناية بمذهب الامامية الاثنى عشرية، وعند ما حاول على بن السلار الكردى، حين تولى الوزارة، صرف الاهتمام كله الى النظام السنى، والى مذهب الشافعى بصورة خاصة.
كما أقدم الوزراء، منذ زمن الأفضل الجمالى، على ذكر أسمائهم على المنابر فى خطبة الجمعة الى جانب اسم الخليفة، مصحوبة بألقاب التكريم والتعظيم، واتخذ بعضهم لنفسه لقب «الملك»، معززين بذلك مراكزهم، مؤكدين صدارتهم.
стр. 704
وقد شهد هذا العصر تقدم الصليبيين نحو بلاد الشام والجزيرة العراقية واستقرارهم الناجح فى غفلة، أو فى تغافل مقصود، من الحكام المحليين ومن بغداد والقاهرة على السواء.
ثم لم يلبث الرأى العام أن تدخل تدخلا واعيا حاسما أدى - فى تدرج وأناة - الى تطوير الأحداث لغير صالح الصليبيين، مستقرين ووافدين، ثم الى ظهور السلطان العادل المجاهد نور الدين محمود بن زنكى، ونجاحه فى تكوين جبهة متماسكة امتدت من حدود أرمينية الى نهر الأردن.
وفى ضوء هذا الوضع الجديد - عندئذ - تطلعت مصر، على زمن ابن السلار الكردى وأيام طلائع بن رزيك، الوزيرين الفاطميين، الى ضم جهودها الى جهود نور الدين محمود حتى يستكمل تكوين الجبهة التى تستطيع مواجهة الصليبيين تمهيدا لطردهم من البلاد التى كانوا قد احتلوها فى فترة الضعف والتفكك والانحلال.
وفى رعاية نور الدين نشأ صلاح الدين يوسف بن أيوب الذى قدر له أن يتجه الى مصر مرات ثلاثا مع عمه أسد الدين شيركوه، قائد جيش نور الدين محمود، ثم استقر بها فى المرة الثالثة ليتولى وزارتها بعد وفاة عمه، ثم ليكون الرجل الذى ينهى حكم الفاطميين.
وبنهاية العصر الفاطمى ينتهى «اتعاظ الحنفا»، ويكتمل الكتاب الذى خصص المقريزى صفحاته لتسجيل تاريخ الفاطميين.
والمرجو أن يكون الجهد الذى بدأه الأستاذ المحقق المرحوم الدكتور جمال الدين الشيال، ثم عهدت الى لجنة احياء التراث بالمجلس الأعلى للشئون الاسلامية - بعد رحيله - باتمامه محققا رغبة المهتمين بالتعرف على تاريخ مصر، من مصادره الأصيلة، فى هذه المرحلة الحاسمة.
والحمد لله، فاتحة كل خير، وتمام كل نعمة، «وما توفيقى الا بالله، عليه توكلت واليه أنيب».
محمد حلمى محمد أحمد
٥ من صفر ١٣٩٣
١٠ من مارس ١٩٧٣
стр. 705
المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله
أبى تميم معدّ بن الظّاهر لإعزاز دين الله أبى الحسن على ابن الحاكم بأمر الله أبى على منصور
стр. 706
(١) ولد فى ثامن عشر المحرّم، وقيل فى العشرين من المحرّم، سنة ثمان وستين وأربعمائة (٢)، وبويع له فى يوم الخميس الثامن عشر من ذى الحجة، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، حين مات أبوه المستنصر. وذلك أن الأفضل (٣) شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى عند ما مات المستنصر بادر إلى القصر وأجلسه ولقّبه بالمستعلى، وبعث فأحضر إليه نزارا وعبد الله وإسماعيل، أولاد المستنصر؛ فلما حضروا وشاهدوا أخاهم أحمد وكان أصغرهم، قد جلس على تخت الخلافة أنفوا من ذلك. فأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض وقال لهم: تقدّموا وقبّلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلى بالله وبايعوه، فهو الذى نصّ عليه الإمام المستنصر، قبل وفاته، للخلافة من بعده. فامتنعوا من ذلك، وقال كلّ منهم إنّ والده وعده بالخلافة؛ وقال نزار: إن قطّعت ما بايعت من هو أصغر سنا منى وخطّ والدى عندى بأنّى ولىّ عهده وأنا أحضره؛ وخرج مسرعا ليحضر الخطّ، فمضى من حيث لا يشعر به أحد وتوجّه فى خفية إلى الإسكندرية. فلمّا أبطأ أرسل الأفضل من يستعجله بالحضور، فلم يوجد، وفتّش عليه فى القصر فلم يوقف له على خبر ولا عرف كيف توجّه.
فاضطرب الأفضل لذلك وانزعج انزعاجا شديدا.
وقوم يذكرون أن المستنصر كان قد أجلس ابنه أبا المنصور نزارا، لأنه أكبر أولاده، وجعل إليه ولاية العهد من بعده، فلمّا قربت وفاته أراد أن يأخذ له البيعة على رجال الدولة،
стр. 707
فتقاعد له الأفضل ودافع حتى مات؛ وذلك أنه كانت بينه وبين نزار مباينة، وكان فى نفس كلّ منهما مباينة من الآخر لأمور، منها أن نزارا خرج ذات يوم من بعض أماكن القصر فوجد الأفضل قد دخل من أحد أبواب القصر وهو راكب، فصاح به: «انزل يا أرمنى يا نجس»؛ فحقدها الأفضل عليه، وظهرت كراهة أحدهما الآخر. ومنها أن الأفضل كان يعارض نزارا فى أموره أيام حياة أبيه ويردّ شفاعاته ويضع من قدره، ولا يرفع رأسا لأحد من غلمانه وحاشيته، بل يحتقرهم ويقصدهم بالأذى والضّرر. فلما عزم المستنصر على أخذ البيعة لنزار اجتمع الأفضل بالأمراء الجيوشيّة وخوّفهم من نزار، وحذّرهم من مبايعته، وأشار عليهم بولاية أخيه أحمد فإنه صغير لا يخاف منه، ويؤمن جانبه؛ فرضوا بذلك وتقرّر أمرهم عليه بأجمعهم ما خلا محمود بن مصال اللكّى، من قرية يقال لها لكّ (١) برقة، فإنه لم يوافق لأنه كان قد وعده نزار بأن يوليه الوزارة والتقدمة على الجيوش مكان الأفضل؛ فلما اطّلع على ما قرّره الأفضل من ولاية أبى القاسم أحمد مع الأمراء وأنهم قد وافقوه على ترك مبايعة نزار طالعه بجميع ذلك.
وبادر الأفضل فأجلس أبا القاسم ولقّب بالمستعلى بالله. وأصبح فى بكرة يوم الخميس لاثنتى عشرة بقيت من ذى الحجة فأخرجه إلى الإيوان، وأجلسه على سرير الملك، وجلس هو على دكة الوزارة؛ وحضر قاضى القضاة المؤيد بنصر الإمام على بن نافع بن الكحال (٢)، والشهود، فأخذ البيعة على مقدّمى الدولة وأمرائها ورؤسائها وجميع الأعيان؛ ثم مضى إلى عبد الله وإسماعيل ولدى المستنصر، وكانا فى مسجد من مساجد القصر وقد وكل بهما الأفضل جماعة يحفظونهما، فقال لهما: إن البيعة قد تمّت لمولانا المستعلى بالله، وهو يقرئكما السّلام ويقول لكما تبايعانى أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة، إنّ الله اختاره علينا؛ ووقفا قائمين على أرجلهما وبايعاه؛ وكتب كتاب البيعة وأخرج، فقرأه الشريف
стр. 708
سناء الملك محمد بن محمد الحسينى الكاتب بديوان الإنشاء، على عادة الأمراء وجميع أهل الدولة.
وكانت الدّعاة عند ما بلغهم موت المستنصر اختلفوا فيمن يبايعونه من بعده، فدعا بركات، وهو أمين الدعاة، لعبد الله بن المستنصر ونعته بالموفّق؛ فقبض الأفضل عليه وقتله هو وابن الكحّال. ووصل الخبر بلحاق نزار ومعه محمود بن مصال اللكّى بنصر الدّولة، وأن نصر الدّولة (١) أفتكين التركى، أحد مماليك أمير الجيوش (٢) وكان على ولاية الإسكندرية، قد بايعه، والقاضى أبو عبد الله محمد بن عمّار (٣)، وأهل الإسكندرية، وأنه تلقب بالمصطفى لدين الله. فأهمّ الأفضل ذلك وأخذ فى التأهب لمحاربتهم.
وفيها توفى أبو عبد الحسين بن سديد الدولة، ذى الكفايتين، محمد الماسكى؛ وكان ممن وزر للمستنصر فى سنة أربع وخمسين، فلما صرف عن الوزارة سار إلى مدينة صور من الشام فأقام بها عدة سنين؛ ثم إنّه رجع إلى مصر وخدم مشارفا (٤) بالإسكندرية بعد الوزارة، ثم صرف عن المشارفة. وكان من أماثل الكتاب وأحد الأدباء الفضلاء. ومن شعره:
توصّل إلى ردّ كيد العدوّ … توصّل ذى الحيلة الحازم
وصانع ببعض الذى حزته … تعش عيشة الآمن الغانم
ودع ما نعمت به فى القدي … م، واعمل لذا الزّمن القادم
لعلّك تسلم ممّا تخاف … ولست، إخالك، بالسالم
وله عدّة مصنفات ورسائل.
стр. 709
سنة ثمان وثمانين وأربعمائة (١):
فى آخر المحرم خرج الأفضل بعساكره من القاهرة فسار إلى الإسكندرية لمحاربة نزار وأفتكين، فخرجا إليه فى عدّة كبيرة وحارباه؛ فكانت بينهما عدّة وقائع بظاهر الإسكندرية انكسر فيها الأفضل ورجع بمن معه منهزما يريد القاهرة؛ فنهب نزار بمن معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحرى.
ووصل الأفضل إلى القاهرة، وشرع يتجهّز ثانيا لمسيره. ودسّ إلى أكابر من انتمى إلى نزار من العرب يدعوهم إلى التخلى عنه، واستمالهم بما حمله إليهم من الأموال وما وعدهم به من الإقطاعات وغيرها. وخرج وقد أعدّ واستعدّ. فسار إلى الإسكندرية وقد برزوا إليه؛ فكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة نزار والتجائه إلى المدينة؛ فنزل الأفضل عليها، وحاصرها، ونصب عليها المجانيق وألح عليها بالقتال، ومنع عنها الميرة.
فلما كان فى ذى القعدة وقد اشتد الأمر على من بالإسكندرية جمع ابن مصال ماله وفرّ إلى جهة المغرب فى ثلاثين قطعة، يريد بلده لكّ برقة من أجل رؤيا رآها، وهى أنه رأى فى منامه كأنه قد ركب فرسا وسار والأفضل يمشى فى ركابه؛ فقصّ هذه الرؤيا على عابر له فطانة وتمكّن فى علم التعبير، فقال له الماشى على الأرض أملك لها من الراكب وهذا يدلّ على أنّ الأفضل يملك البلاد.
وكانت الأنفس قد ملّت طول الحصار. فلمّا فرّ ابن مصال ضعفت نفس نزار وأفتكين وتخوّفا ممن حولهما؛ فبعثا إلى الأفضل يسألان الأمان، فأمّنهما، وتمكن من البلد. وقبض على نزار وأفتكين، وسيّر بهما إلى مصر؛ فيقال إنه سلم نزارا لأهل القصر من أصحاب المستعلى، وأنه بنى عليه حائط ومات؛ وقيل إنّه قتل بالإسكندرية؛ والأول أصحّ (٢).
стр. 710
وكان مولده يوم الخميس العاشر من ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
والاسماعيلية وملاحدة العجم وملاحدة الشام تعتقد إمامته وتزعم أنّ المستنصر كان قد عهد إليه وكتب اسمه على الدّينار والطّرز، وأن المستنصر قال للحسن بن صباح إنّه الخليفة من بعده.
وكان للمستنصر أولاد فرّوا إلى المغرب، منهم محمد وإسماعيل وطاهر، وعاد منهم فى خلافة الحافظ واحد إلى مصر ولا عقب له (١).
وأما أفتكين فإنه قتل بعد قدوم الأفضل إلى مصر. أما ابن مصال فإنه وصل لكّ ولقيه أهلها، وكان قد خرج منها صبيا فقيرا، فأقام عندهم أياما. واتفق أن رأى عجوزا عرفته، فقالت له: كبرت يا محمود! فقال لها: نعم. فقالت له: لعلّك جئت مع صاحب هذه المراكب. فقال: أنا صاحبها. فقالت: ماذا يعمل عدم الرّجال. ولم يزل يبعث إليه الأفضل بالأمان حتى قدم عليه، فلزم داره مدّة، ثم رضى عنه الأفضل وأكرمه.
وكان الأفضل لمّا قبض على نزار وتمكّن من الإسكندرية تتبّع جميع من كان معه ومن مالأه أو أعانه، فقبض على كثير من وجوه البلد، منهم قاضى الثغر أبو عبد الله محمد بن عمّار واعتقله مدة ثم قتله؛ وكان حسنة من حسنات الدهر ونخبة من نخب العقد؛ وحظى عنده بنو حارثة، وكانوا من عدول البلد، لأنهم لم يبايعوا نزارا ولم يدخلوا فى شيء من ذلك، وكانوا يهادون الأفضل سرّا. وولّى قضاء الإسكندرية عوضا عنه القاضى أبا الحسن زيد بن الحسن بن حديد، وبالغ فى إكرامه وإكرام أهل بيته.
وكان الأفضل وهو على حصار الإسكندرية يخرج أمه فتطوف فى كل يوم، وهى متنكرة، بالأسواق، وتدخل يوم الجمعة إلى الجوامع وتزور المشاهد والمساجد والرّبط تستعلم خبر ولدها وتعرف من يحبّه ومن يبغضه؛ فدخلت يوما إلى مسجد أبى طاهر وجاءت إلى ابن سعد الإطفيحى وقالت له: يا سيدى، ولدى فى العسكر مع الأفضل، الله تعالى يأخذ
стр. 711
لى منه الحقّ، ما فعل خيرا، وأنا ما أنام خوفا على ابنى، ادع الله أن يسلم ولدى. فقال لها: يا أمة الله، أما تستحين، تدعين على سلطان الله فى أرضه، المجاهد عن دين الله تعالى، الله ينصره ويظفره ويسلمه ويسلم ولدك، ما هو إن شاء الله تعالى إلاّ منه وهو مؤيّد مظفّر، كأنّك به وقد فتح الإسكندرية وأسر أعداءه، وأتى على أحسن قضيّة وأجمل طوية، فلا يشغل لك سرّ، فما يكون إلاّ الخير إن شاء الله. ثم اجتازت بالفار الصّير فى بالسّرّاجين (١) من القاهرة، فوقفت عليه تصرف منه دينارا - وكان إسماعيليا متغاليا - فقالت له: ولدى مع الأفضل وما أدرى ما خبره. فقال لها: لعن الله المذكور الأرمنى الكلب العبد السّوء بن العبد السوء، مضى يقاتل مولانا ومولى الخلق؟ كأنك والله يا عجوز برأسه جائزا من هنا على رمح قدّام مولانا نزار ومولاى ناصر الدولة إن شاء الله تعالى، والله يلطف بولدك؛ من قال لك تخلينه يمضى مع هذا الكلب المنافق. ثم وقفت يوما آخر على ابن بابان الحلبى، وكان بزّازا (٢) بسوق القاهرة، تشترى منه شيئا - وكان نزاريّا - فقالت له كقولها للفار الصيرفى، فقال لها كما قال أيضا، وبالغ فى لعن الأفضل وسبّه.
فلمّا أخذ الأفضل نزار وناصر الدولة، وفتح الإسكندرية، وقدم إلى القاهرة فى يوم (٣)
حدثته أمه الحديث بنصّه. فلمّا خلع عليه فى القصر بين يدى الخليفة المستعلى فى يوم (٣)
وعاد إلى مصر اجتاز بالبزّازين وهو بالخلع، ونظر إلى ابن بابان الحلبى وقال: أنزلوا هذا.
فنزلوا به، فضربت عنقه تحت دكّانه، ثم قال لعبد علىّ، أحد مقدّمى ركابه، قف هنا لا يضيع له شيء من دكانه إلى أن يأتى أهله فيتسلّموا قماشه. ثم وصل إلى السّراجين، فلما تجاوز دكان الفار الصيرفى التفت إلى جهته وقال: انزلوا بهذا. فنزلوا به؛ فقال:
رأسه. فضربت عنقه، وقال ليوسف الأصفر أحد مقدمى الركاب: احتط على حانوته
стр. 712
إلى أن يأتى أهله ويتسلّموا موجوده، وإيّاك ماله وصندوقه، وإن ضاع منه درهم ضربت عنقك مكانه؛ كان لنا خصما أخذناه وفعلنا به ما نردع به غيره عن فعله، وما لنا فى ماله ولا فى فقر أهله حاجة. ثم أتى إلى الشيخ أبى طاهر الإطفيحى وقرّبه وتخصص به، وأطلعه على أغراضه وأكثر من التردّد إليه، وأجرى الماء إلى مسجده، وبنى له فيه حمّاما وبستانا وغير ذلك من المبانى. فعظم قدر الإطفيحى به، وكثر غشيان الناس مسجده، وطار ذكره، وشاع خبره، وكثرت حاشيته، وصار المشار إليه بالديّار المصرية حتى مات.
وفيها قام ببغداد تاجر يعرف بحامد الأصفهانى فتكلم بأن نسب الخلفاء الفاطميين صحيح، فقبض عليه واعتقل حتى مات.
وخرج الأمر بجمع الناس إلى بيت النوبة ببغداد، فجمعوا فى تاسع ربيع الآخر، وحضر بنو هاشم وغيرهم إلى الديوان؛ وقرئ توقيع أوّله خطبة تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه، وتذكر طاعة الأئمة وفضل العبّاس وما جاء فيه من الأخبار، ثم قال:
«أما بعد، فإنّه لم يخل وقت ولا زمان من مارق على الدين، وشاع تفرق كلمة المسلمين ليبلو الله المجاهدين فيهم والصابرين، ويصلى أكثر العاكفين نار جهنم التى أعدت للكافرين.
وهذه الطائفة المارقة من الباطنية الملحدين، والكفرة المستسلمين، انتهكوا المحارم، واستحلّوا الكبائر، وأراقوا الدماء، وكذّبوا بالذكر، وأنكروا الآخرة، وجحدوا الحسنات والجزاء، وفصلوا أعضاء المسلمين، وسملوا أعين الموحّدين؛ فكادوا الدين وفقهاءه، وأعلنوا بالشرك ونداءه». ثم رماهم بالفسوق والإهمال والانحلال؛ وقال: شاعرهم يقول:
حلّ برقّادة (١) المسيح … حلّ بها آدم ونوح (٢)
стр. 713
سنة تسع وثمانين وأربعمائة (١):
فيها خرج خلف بن ملاعب (٢) من عند الأفضل لولاية فامية (٣)، فسار إليها وتسلمها.
وكان سبب ذلك أن أهلها كانوا إسماعيلية، فقدموا إلى القاهرة وسألوا أن يجهّز إليهم من يلى أمرهم، فوقع الاختيار على خلف بن ملاعب، وكان قد ولى مدينة حمص وساءت سيرته فى أهلها، فبعث إليه السلطان ملك شاه من العراق من قبض عليه وحمله إليه بأصفهان، فاعتقله بها إلى أن مات، فأطلق وسار إلى مصر فأقام بها حتى خرج إلى فامية.
стр. 714
سنة تسعين وأربعمائة (١):
فيها وقع بمصر غلاء ومجاعة.
فى سادس عشر صفر قدم على الأفضل رسول فخر الدولة رضوان بن تتش صاحب حلب وأنطاكية وهم (٢) بن الهلال (٢) بن (٢) كاتب عز الدولة ابن منقذ (٣)، صحبة رسول الأفضل الشريف شجاع الدولة ابن صارم الدولة ابن أبى (٣) وقدم معهم شرف الدولة الباهلى الشاعر، وكان قد قدم مصر ومدح أمير الجيوش بدر الجمالى، ثم فى نوبة أفتكين؛ وهو يبذل الطاعة فى إقامة الخطبة للإمام المستعلى بالله فى بلاد الشام، فأجيب بالشكر والثناء (٤) وخطب بها للمستعلى بالله فى يوم الجمعة سابع عشر رمضان. وكان سبب هذا الفعل من رضوان أنه قصد أن يستعين بعساكر مصر على أخذ دمشق من أخيه دقاق. فاتفق أن الأمير سكمان بن أرتق (٥) أنكر على رضوان ذلك، فقطع خطبة المستعلى، وأعاد الخطبة لبنى العباس، فكان مدة الخطبة للمستعلى أربعة أشهر.
стр. 715
وفى ربيع الأول جهز الأفضل عسكرا فى عدة وافرة لأخذ صور (١) فسار إليها وحاصرها حصارا شديدا حتى أخذت بالسيف، فدخلها العسكر وقتلوا منها بالسيف خلقا كثيرا؛ وقبض على واليها وحمل إلى الأفضل فقتله لأنه كان قد خرج عن الطاعة وعصى على الأفضل.
وفيها (٢) كان ابتداء خروج الإفرنج (٣) من بلاد القسطنطينية لأخذ بلاد الساحل من أيدى المسلمين (٤)، فوصلوا إلى مدينة أنطاكية ونازلوها حتى ملكوها. ومنها دبّوا إلى بلاد الساحل.
وفيها تجمّع الرّعاع والعامة فى يوم عاشوراء بمشهد السيدة نفيسة (٥) وجهروا بسب
стр. 716
الصحابة، وهدموا عدة قبور؛ فسيّر الأفضل إليهم ومنعهم من ذلك؛ وأدّب ذخيرة الملك ابن علوان، والى القاهرة، جماعة وضربهم.
وفيها حرّر الأفضل فى المحرّم عيار الدّينار (١) وزاد فيه.
стр. 717
سنة احدى وتسعين وأربعمائة (١):
فيها خرج الأفضل فى عساكر جمة، ورحل من القاهرة فى شعبان، وسار يريد أخذ بيت المقدس من الأمير سكمان وإيلغازى، ابنى أرتق (٢)، وكانا به فى كثير من أصحابهما؛ فبعث إليهما يلتمس منهما أن يسلماه البلد ولا يحوجاه إلى الحرب، فأبيا عليه، فنزل على البلد ونصب عليها من المجانيق نيّفا وأربعين منجنيقا، وأقام عليها يحاصرها نيّفا وأربعين يوما حتى هدم جانبا من السّور، ولم يبق إلا أخذها، فسيّر إليه من بها ومكّناه من البلد. فخلع على ولدى أرتق (٣) وأكرمهما، وأخلى عنهما، فمضيا بمن معهما. وملك البلد فى شهر رمضان لخمس بقين منه، وولىّ فيه من قبله، ثم رحل عنه إلى عسقلان؛ وكان فيها مكان قد دفن فيه رأس الحسين بن على بن أبى طالب ﵇، فأخرجه وعطّره وحمله فى سفط إلى أجلّ دار بها، وعمر مشهدا مليح البناء. فلمّا تكامل حمل الرأس فى صدره وسعى به ماشيا من الموضع الذى كان فيه إلى أن أحلّه فى مقرّه. ويقال إن أمير الجيوش هو الذى أنشأ المشهد على الرأس بثغر عسقلان، وأن ابنه الأفضل شاهنشاه كمله. ثم حمل هذا الرأس إلى القاهرة، فوصل إليها يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
وفيها حدثت بمصر ظلمة عظيمة عشّت أبصار الناس حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجّه، ثم هبت ريح سوداء شديدة، فظنّ الناس أنّ السّاعة قد قامت. واستمرت الريح سبع ساعات وانجلت الظلمة قليلا قليلا وسكنت الريح. ولم يصلّ فى ذلك اليوم أحد صلاة الظّهر ولا العصر، ولا أذّن فى القاهرة ولا مصر.
стр. 718
سنة اثنين وتسعين وأربعمائة (١):
فيها سار الفرنج لأخذ سواحل البلاد الشامية من أيدى المسلمين؛ فملكوا مدينة أنطاكية وساروا إلى المعرّة (٢) فملكوها؛ ثم رحلوا عنها إلى جبل لبنان فقتلوا من به؛ ووصلوا عرقة (٣) فحاصروها أربعة أشهر فلم يقدروا عليها. ونزلوا على حمص، فهادنهم جناح الدولة حسين (٤)؛ وخرجوا على طريق النواقير (٥) إلى عكا. ثم أخذوا الرملة فى ربيع الآخر، وزحفوا منها إلى بيت المقدس فحاصروا المدينة؛ وبلغ ذلك الأفضل فخرج بعساكر كثيرة لمحاربتهم؛ فجدّ الفرنج عند ما بلغهم مسيره إليها فى حصار المدينة، وكان نزولهم عليها فى شهر ربيع الآخر، حتى ملكوها يوم الجمعة الثانى والعشرين من شعبان بعد أربعين يوما.
وهدموا المشاهد وقبر الخليل ﵇، وقتلوا عامّة من كان فى البلد؛ وكان فيه من العبّاد والصلحاء والعلماء والقرّاء وغيرهم خلائق لا يقع عليهم حصر، فوضعوا السيف فيهم وأفنوهم عن آخرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير. وانحازت عدة من المسلمين إلى محراب داود ﵇ فحاصرهم الفرنج نيّفا وأربعين يوما حتى تسلموه بالأمان فى يوم الجمعة ثانى عشريه.
وأحرقوا ما كان ببيت المقدس من المصاحف والكتب، وأخذوا ما كان بالصخرة من قناديل الذهب والفضة والآلات، وكان مبلغا عظيما (٦). ويقال إنه قتل فى المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، وأنهم لحقوا من فرّ من المسلمين مسيرة أسبوع يقتلون من أدركوه منهم.
стр. 719
ووصل الأفضل إلى عسقلان فى الرابع عشر من شهر رمضان، فبعث إلى الفرنج فوبّخهم على ما كان منهم؛ فردّوا إليه الجواب، وركبوا فى إثر الرسل فصدفوه على غرّة وأوقعوا بعساكره وقتلوا منهم كثيرا. وانهزم منهم بمن خفّ معه فتحصّن بعسقلان وتعلق أكثر أصحابه هنالك فى شجر الجميز، فأضرموا فيها النار حتى احترقت بمن تعلق فيها، فهلك خلق كثير (١) وحاز الفرنج من أموال المسلمين ما جلّ قدره، ولا يمكن لكثرته حصره.
ونازلوا عسقلان، وحصروا الأفضل فيها حتى كادوا يأخذونه، إلا أن الله سبحانه أوقع فيهم الخلف (٢) فاضطرّوا إلى الرحيل عن عسقلان؛ فاغتنم الأفضل رحيلهم عنه فركب البحر وقد ساءت حاله، وذهبت أمواله، وقتلت رجاله، وسار إلى القاهرة. ولم يعد بعد هذه الحركة إلى الخروج بنفسه فى حرب البتّة.
وكان ملك الفرنج بالقدس كندفرى.
وفيها توفى أبو الحسن على بن الحسن بن الحسين بن محمد الموصلى الحنفى المحدث (٣)، فى ثامن عشر ذى الحجة.
стр. 720
سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة (١):
فيها (رحل) (٢) عالم لا يحصى عددهم من البلاد الشامية فرارا من الفرنج والغلاء.
وفيها عمّ الغلاء أكثر البلاد؛ ومات من أهل مصر خلق كثير (٣).
وفيها مات قاضى القضاة أبو الطاهر محمد بن رجاء، وتولى بعده أبو الفرج محمد ابن جوهر بن ذكا النابلسى.
ومات على بن محمد بن على الصّليحى، قتله سعد بن نجاح الأحول، وقتل أخاه عبد الله وجميع بنى الصّليحى بمكة فى ذى القعدة (٤).
وولى الحسن بن على بن أحمد الكرخى الحكم شهرا واحدا وثلاثة أيام، وصرف وصودر من أجل أنّه أخذ عصابة من القصر فى أيام الشدة لها قيمة فظهرت عليه.
стр. 721
سنة أربع وتسعين وأربعمائة (١):
فى شعبان جهّز الأفضل عسكرا كثيفا لغزو الفرنج؛ فساروا إلى عسقلان، ووصلوا إليها فى أول رمضان، فأقاموا بها إلى ذى الحجة؛ فنهض إليهم من الفرنج ألف فارس وعشرة آلاف راجل؛ فخرج إليهم المسلمون وحاربوهم. فكانت بين الفريقين عدة وقائع آلت إلى كسر الميمنة والميسرة وثبات سعد الدّولة الطّواشى، مقدم العسكر، فى القلب، وقاتل قتالا شديدا؛ فتراجع المسلمون عند ثبات المذكور وقاتلوا الفرنج حتى هزموهم إلى يافا، وقتلوا منهم عدة وأسروا كثيرا (٢). وقتل كندفرى ملك الفرنج بالقدس (٣)، فجاء أخوه بغدوين (٤) من القدس وملك بعده، وسار بالفرنج إلى أرسوف.
وفيها مات القمص رجار بن تنقرد (٥)، صاحب جزيرة صقلية، فقام من بعده ابنه رجار بن رجار.
وفيها نزل الفرنج على حيفا وقتلوا أهلها؛ وتسلّموا أرسوف (٦) بالأمان؛ وملكوا قيسارية (٧) عنوة فى آخر شهر رجب وقتلوا من بها؛ وملكوا مع ذلك يافا، مع ما بأيديهم من أعمال الأردن وفلسطين.
стр. 722
سنة خمس وتسعين وأربعمائة (١):
فيها مات الخليفة أبو القاسم أحمد المستعلى بالله بن المستنصر فى ليلة السابع عشر من صفر، وعمره سبع وعشرون سنة وشهر واحد وتسعة وعشرون يوما؛ ومدة خلافته سبع سنين وشهر واحد وعشرون يوما (٢).
نقش خاتمه الإمام المستعلى بالله.
وفى أيّامه اختلّت دولتهم وضعف أمرهم، وانقطعت من أكثر مدن الشام دعوتهم؛ وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك الواصلين من العراق وبين الفرنج؛ فإنّهم، خذلهم الله، دخلوا بلاد الشام، ونزلوا على أنطاكية فى ذى القعدة سنة تسعين وأربعمائة وتسلّموها فى سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين؛ وأخذوا معرّة النعمان فى سنة اثنتين وتسعين؛ وأخذوا الرّملة ثم بيت المقدس فى شعبان؛ ثم استولوا على كثير من بلاد الساحل، فملكوا قيسارية فى سنة أربع (وتسعين) بعد ما ملكوا عدّة بلاد.
وفى أيّامه أيضا افترقت الإسماعيليّة فصاروا فرقتين: نزاريّة، تعتقد إمامة نزار وتطعن فى إمامة المستعلى، وترى أن ولد نزار هم الأئمة من بعده يتوارثونها بالنّصّ؛ والفرقة المستعلويّة، ويرون صحّة إمامة المستعلى ومن قام بعده من الخلفاء بمصر. وبسبب ذلك حدثت فتن وقتل الأفضل فيما يقال وقتل الآمر، كما يأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
ولم يكن للمستعلى سيرة فتذكر، فإنّ الأفضل كان يدبّر أمر الدّولة تدبير سلطنة وملك لا تدبير وزارة.
стр. 723
وخلف المستعلى من الأولاد ثلاثة، هم الأمير أبو على المنصور، والأمير جعفر، والأمير عبد الصّمد.
وكانت قضاة مصر فى خلافته أبو الحسن ابن الكحال، ثم عزل بابن عبد الحاكم المليجى، ثم ولى أبو الطاهر محمد بن رجاء، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكا، ومات المستعلى وهو قاض.
وقيل إن المستعلى مات مسموما، وقيل بل قتل سرّا.
وكان المستنصر قد عقد نكاحه على ست الملك ابنة أمير الجيوش بدر، فمات قبل أن يبنى عليها، وكان أمير الجيوش قد جهّزها جهازا عظما وأكثر من شراء الجواهر العظيمة القدر لها، فلما مات انتهب أولاده ذلك وتفرقوه.
وفيها أخذ صنجيل (١)، أحد ملوك الفرنج، طرابلس، فصار للفرنج القدس وفلسطين إلاّ عسقلان؛ ولهم من بلاد الشام يافا، وأرسوف، وقيسارية، وحيفا، وطبريّة، والأردنّ، ولاذقيّة، وأنطاكية؛ ولهم من الجزيرة الرّها، وسروج (٢). ثم ملكوا جبيل (٣)، ومدينة عكّا، وأفامية، وسرمين (٤) من أعمال حلب؛ وبيروت، وصيدا، وبانياس، وحصن الأثارب (٥)، (٦).
стр. 724
الآمر بأحكام الله أبو على المنصور بن المستعلى بالله
أبى القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ
стр. 725
ولد ضحى يوم الثلاثاء الثالث عشر من المحرّم سنة تسعين وأربعمائة، وبويع له بالخلافة فى اليوم الذى مات فيه أبوه وهو طفل له من العمر خمس سنين وشهر وأيام، فى يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين (١). أحضره الأفضل وبايع له، ونصبه مكان أبيه، ونعته بالآمر بأحكام الله.
وكتب ابن الصيرفى سجلاّ عظيما، أبدع فيه ما شاء، بانتقال الإمام المستعلى إلى رحمة الله وولاية ابنه الآمر، وقرئ على رءوس الكافّة من الأمراء والأجناد وغيرهم.
وأنشد ابن مؤمن الشاعر قصيدة طنّانة بمدح الآمر. وركب الأفضل فرسا وجعل فى السّرج شيئا أركب الآمر عليه (لينمو شخص الآمر وصار ظهره فى حجر الأفضل (٢).
стр. 726
سنة ست وتسعين وأربعمائة (١):
فيها ندب الأفضل مملوك أبيه سعد الدّولة (ويعرف) (٢) بالطّواشى على عسكر لقتال الفرنج، فلقيهم بغدوين على تبنا (٣)، فكسرت عساكر الأفضل وتقنطر سعد الدولة فمات، وأخذ الفرنج خيمه فانهزم أصحابه (٤). وبلغ (الأفضل (٥) ذلك فجرّد فى أول شهر رمضان عسكرا قدّم عليه ابنه شرف المعالى سماء الملك حسينا، وسيّر الأسطول فى البحر، فاجتمعت العساكر بيازور (٦)، من بلاد الرملة؛ وخرج إليهم الفرنج، فكانت بينهما حروب هزمهم الله فيها بعد مقتلة عظيمة. ونزل شرف المعالى على قصر كان قد بناه الفرنج قريبا من الرّملة وسبعمائة قومص من وجوه الفرنج، فقاتلوه خمسة عشر يوما، فملكهم وضرب رقاب أربعمائة وبعث إلى القاهرة ثلاثمائة.
وكان أصحاب شرف المعالى قد رأى بعضهم أن يمضوا إلى يافا ويملكوها، ورأى بعضهم أن يسيروا إلى القدس. فبينا هم فى ذلك وصل مركب من الفرنج لزيارة قمامة، فندبهم بغدوين للغزو معه؛ فساروا إلى عسقلان وقد نزلها شرف المعالى وامتنع بها، وكانت حصينة؛ فتركها الفرنج ومضوا إلى يافا. وعاد شرف المعالى إلى القاهرة بعد ما كتب إلى شمس الملوك دقاق، صاحب دمشق، يستنجده لقتال الفرنج، فتقاعد عن المسير واعتذر.
стр. 727
فجرّد الأفضل أربعة آلاف فارس وعليهم تاج العجم (١) بمن معه عسقلان، ونزل ابن قادوس على يافا؛ وبعث يستدعى تاج العجم ليتّفقا على الحرب، فلم يجبه، وتنافرا.
فلمّا بلغ ذلك الأفضل بعث يقبض على تاج العجم وولّى تاج الملك رضوان تقدمة العسكر وسيّره إلى عسقلان، فأقام عليها إلى آخر سنة سبع وتسعين حتى قدم شرف المعالى بعساكر مصر.
وفيها مات تنكرى (٢) ملك الفرنج بالسّاحل، فقام بعده سرجار (٣) ابن أخيه.
стр. 728
سنة سبع وتسعين وأربعمائة (١):
فيها نازل بغدوين، ملك الفرنج وصاحب القدس، ثغر عكا وحاصر أهله وألحّ عليهم حتّى ملكه. وكان فيه من قبل الأفضل يومئذ زهر الدّولة بنا الجيوشى، ففرّ إلى دمشق (٢)؛ وصار إلى ظهير الدّين (٣) أتابك، فأكرمه وأحسن إليه، ثم جهّزه إلى الأفضل فأنكر عليه وهدّده على تضييع الثغر. ولم تعد بعدها عكّا إلى المسلمين.
стр. 729
سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (١):
فيها جمع الأفضل جموعا كثيرة من العربان وأنفق فيهم أموالا عظيمة، وجهّزهم صحبة العساكر مع ابنه شرف المعالى؛ وكتب لظهير الدّين أتابك، صاحب دمشق، بمعاونته ومعاضدته على محاربة الفرنج؛ فاعتذر عن حضوره بما هو مشغول به من مضايقة بصرى، فإن أرتاش بن تاج الدولة (٢) صاحب بصرى كاتب الفرنج وأغراهم بقتال المسلمين وأطمعهم فى البلاد. فسار أتابك من دمشق وحاصر بصرى؛ وجهّز عسكرا إلى شرف المعالى تقوية له على الفرنج، وقدّم عليه إصبهبذ صبا وجهارتكين، وعدّته ألف وثلاثمائة فارس من الأتراك، وعدة عسكر مصر خمسة آلاف فارس.
وأتاهم بغدوين فى ألف وثلاثمائة فارس وثمانية آلاف راجل. فاجتمعت عساكر المسلمين بظاهر عسقلان، ودارت بينهم وبين الفرنج حروب كان ابتداؤها فى الرابع عشر من ذى الحجة فيما بين عسقلان ويافا؛ فانكسرت عساكر المسلمين واستشهد فوق الألف من المسلمين منهم جمال الملك صنيع الإسلام والى عسقلان، وأخذ الفرنج رايته؛ وأسر الفرنج زهر الدولة بنا الجيوشى. وقتل ألف ومائتان من الفرنج، ورجعوا وقد كانت الكرّة لهم على المسلمين. وعاد عسكر دمشق إلى أتابك وهو على بصرى.
وفيها مات كنز الدّولة (٣) محمد فى ثامن شعبان، وقام من بعده أخوه فخر العرب هبة الله.
стр. 730
سنة تسع وتسعين وأربعمائة (١):
فى سادس عشر رجب قتل خلف بن ملاعب صاحب فامية، قتله طائفة من الباطنية (٢).
وملك الفرنج عكا عنوة فى سلخ شعبان من زهو الدولة بنا الجيوشى فسار إلى دمشق ثم قدم مصر.
стр. 731
سنة خمسمائة (١):
أهلّت والخليفة بمصر الآمر بأحكام الله، ومدبّر سلطنة مصر الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى، وليس للآمر معه حل ولا ربط، وليس له من الأمر سوى اسم الخلافة، والذى فى مملكته ديار مصر وغزة وعسقلان وصور وطرابلس لا غير.
وفيها بنى الأفضل دار الملك بشاطئ النيل من لدن مصر (٢).
وفيها سار متولّى صور فأوقع بالفرنج على تبنين (٣)، فقتل واسر جماعة، وعاد إلى صور؛ فسار بغدوين إليه من طبريّة؛ فركب طغتكين من دمشق، وأخذ للفرنج حصنا بالقرب من طبرية وأسر من كان فيه منهم.
وفيها ملك قلج بن أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، صاحب قونية، الموصل فى شهر رجب، فقتل فى ذى القعدة منها (٤)، وقام بعده بقونية وآق سرا ابنه مسعود (٥).
стр. 732
سنة احدى وخمسمائة (١):
فيها نزل بغدوين على ثغر صور وعمر حصنا مقابل حصن صور على تلّ المعشوقة. وكان على ولاية صور من قبل الأفضل سعد الملك كمشتكين، أحد المماليك الأفضلية، فصانع بغدوين على سبعة آلاف دينار وخرج من صور.
وفيها أحضر إلى القاهرة أهل فخر الدولة أبى على عمّار بن محمّد بن عمّار من طرابلس وكثير من أمواله وذخائره. وذلك أن فخر الدولة حاصره الفرنج وأطالوا منازلته حتى ضاق ذرعه وعجز عن مقاومتهم، فخرج من طرابلس فى سنة خمسمائة ومعه هدايا جليلة؛ فلقى ظهير الدين طغتكين أتابك بدمشق، فأكرمه ووافقه على السير معه إلى بغداد ليستنجد بالسلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه (٢)؛ فسارا. ثم إن أتابك تركه وعاد إلى دمشق، فثار فى هذه المدة أبو المناقب ابن عمار على ابن عمه فخر الدولة، ونادى بشعار الأفضل، وأرسل يطلب منه من يتسلّم منه طرابلس. فبعث إليه الأفضل بالأمير مشير الدّولة (٣) ابن أبى الطّيّب، فدخل إلى طرابلس ونقل منها حريم فخر الدولة وأمواله؛ ففتّ ذلك فى عضد فخر الدولة.
وفيها اتصل أبو عبد الله محمد بن الأمير نور الدين أبى شجاع فاتك بن الأمير مجد الدولة أبى الحسن مختار بن الأمير أمين الدولة أبى على حسن بن تمام المستنصرى الأحول الإمامى الشيعى المعروف بالمأمون ابن البطائحى، بخدمة الأفضل أبى القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر المستنصرى. وسبب ذلك تغيّر الأفضل على تاج المعالى مختار الذى كان اصطنعه وفخّم أمره وسلّم إليه خزائن أمواله وكسواته، فسلّم لأخويه ما يتولاه واستعان بهما فيه،
стр. 733
فحصل لهم من الإدلال على الأفضل ما حملهم على مدّ أيديهم إلى أمواله وذخائره، وشاع أمرهم وكتب إلى الأفضل بسببهم، فتغير عليهم، وأخرج مختارا إلى الولاية الغربية وخلع عليه. فلما انحدروا إليها سيّر صاحب بابه سيف الملك خطلخ، ويعرف بالبغل، وكان من غلمان أبيه، فقبض عليه وعلى إخوته من العشارى (١)، وكبّل بالحديد ورمى بالاعتقال؛ وأشيع أنّ مختارا كاتب الفرنج؛ وجعل هذا هو العذر فى القبض عليه، وأنّه كان أراد قتل الأفضل.
فلمّا جرى لمختار وإخوته ما جرى ألزم الأفضل أبا عبد الله بن فاتك يتسلّم ما كان بيد مختار من الخدمة، فتصرّف فيها. وقرّر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصّة دون الإقطاع، وهو مائة دينار فى كل شهر وثلاثون دينارا عن جارى الخزائن، مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة، وحسن عند الأفضل موقع خدمته، فسلّم له جميع أموره، وصرفه فى كلّ أحواله. ولما كثر الشغل عليه استعان بأخويه، أبى تراب حيدرة وأبى الفضل جعفر؛ فأطلق لهما الأفضل ما وسّع به عليهما؛ ونعت الأفضل أبا محمد ابن فاتك بالقائد.
فيها فتح ديوان سمّى بديوان التحقيق (٢)، تولاه أبو البركات يوحنا بن أبى الليث النّصرانى. وكان يتولّى ديوان المجلس رجل يعرف بابن الأسقف، وكان قد كبر وضعف فتحدّث ابن أبى الليث مع القائد أبى عبد الله فى الدّواوين والأموال والمصالح، وفاوض فى ذلك الأفضل. واتفق موت ابن الأسقف، فتسلّم ابن أبى الليث الدواوين واستمر فيها حتى قتل فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
стр. 734
وفيها تحدّث ابن أبى الليث فى نقل السنة الشّمسية إلى العربية (١)، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين، فأجاب الأفضل إليه، وخرج أمره إلى الشيخ أبى القاسم ابن الصيرفى بإنشاء سجل به، ثم رأى اختلال أحوال الرّجال العسكرية والمقطعين، وتضررهم من حسبة ارتفاع إقطاعاتهم وسوء حالهم، لقلّة المتحصل منها، ولأنّ إقطاعات الأمراء قد تضاعف ارتفاعها وزادت عن غيرها؛ وصار فى كل ناحية للدّيوان جملة تجبى بالعسف وتتردّد الرّسل بين الديوان بسببها. فحملت الإقطاعات كلّها على أملاك البلاد، وأمر ضعفاء الجند بالزيادة فى الإقطاعات التى للأقوياء؛ فتزايدوا إلى أن انتهت الزّيادة، فكتبت السّجلات بأنها باقية فى أيديهم مدة ثلاثين سنة ما يقبل منهم فيها زائد. وأمر الأقوياء أن يبذلوا فى الإقطاعات التى كانت بيد الأجناد ما تحتمله كلّ ناحية، فتزايدوا فيها حتى بلغت إلى الحدّ الّذى رغب كلّ منهم فيه فكتبت لهم السّجلات على الحكم المتقدّم؛ فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم، وحصل للديوان بلاد مفردة بما كان مفرّقا فى الإقطاعات بما مبلغه خمسون ألف دينار.
وفيها فرغ بناء دار الملك (٢)؛ وكان الأفضل يسكن القاهرة فتحوّل إلى مصر، وسكن دار الملك على النيل واستقرّ بها، فقال الشعراء فيها عدّة قصائد.
وفيها بانت كراهة الأفضل لأولاده واحتجب عنهم أكثر الأوقات، فانقطعوا عنه واستقروا بالقاهرة فى دار القباب التى كانت سكن أبيهم الأفضل، وهى الدار التى عرفت بدار الوزارة؛ ولم يبق من أولاده من يتردّد إليه سوى سماء الملك فإنّه كان يؤثره ويميل إليه.
وأفرد الأفضل للقائد أبى عبد الله بن فاتك الموضع المعروف باللؤلؤة (٣).
стр. 735
وفيها وردت الأخبار بأن متملّك النوبة قد تجهّز برّا وبحرا وعوّل على قصد البلاد القبلية؛ فسيّر الأفضل عسكرا إلى قوص، وتقدّم إلى والى قوص بأن يسير بنفسه إلى أطراف بلاد النوبة؛ فورد الخبر بوثوب أخى الملك عليه وقتله. واشتدت الفتنة بينهم حتى باد أهل بيت المملكة وأجلس صبىّ فى الملك، فأرسلت أمه تستجير بعفو الأفضل وتسأله ألاّ يسيّر إليهم من يغزوهم. فكتب لوالى الصعيد الأعلى بأن يسيّر عسكرا إلى أطراف بلاد النّوبة ويبعث إليهم رسولا يجدّد عليهم القطيعة الجارى بها العادة، وهى كلّ سنة ثلاثمائة وستّون رأسا رقيقا بعد أن يستخلص منهم ما يجب عليهم فى السنين المتقدمة.
فلمّا دخلت العساكر نحوهم دخلوا تحت الطاعة، وكتبوا المواضعات، وسألوا فى الإعفاء عمّا يخصّ السنين، وحملوا ما تيسّر لهم؛ وعادت العساكر كاسبة.
وفيها كثر خوض الناس فى القرآن، هل هو محدث أو قديم، وتفاقم الأمر؛ فعرف الأفضل (١)، فأمر بإنشاء سجلّ بالتّحذير من الخوض فى ذلك؛ وركب بنفسه إلى الجامع بمصر، وجلس فى المحراب بجوار المنبر، وصعد الخطيب أربع درجات منه وقرأ السّجلّ على الناس.
وفيها مات مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وآق سرا، فقام بعده ابنه قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وقسم أعماله بين أولاده (٢).
стр. 736
سنة اثنتين وخمسمائة (١):
فى رمضان ورد الخبر بأن أهل مدينة طرابلس الشام نادوا بشعار الدّولة عند خروج فخر الملك أبى على عمار بن محمّد بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبى يوسف الطائى منها وقصده بغداد لطلب النجدة لما اشتد حصار الفرنج لها، وغلا السّعر بها.
وكان سماء الملك حسين بن الأفضل عند ما كان بالشام فى السنة التى كسر الفرنج فيها قد سام ابن عمّار تسليمها إليه، فامتنع وغلق الباب فى وجهه؛ وأقام سماء الملك عليها مدّة بالعساكر إلى أن نازلها الفرنج ورحّلوه عنها إلى عسقلان. فلمّا سمع الأفضل أنّ أهل الثغر نادوا بشعاره سيّر إليهم (شرف الدّولة ابن أبى الطيب (٢) ومقدّم الأسطول، وأمره بأخذ المراكب التى على دمياط وعسقلان وصور معه إلى الثغر المذكور نصرة للمسلمين (٣).
فلمّا وصل إليه وجد الفرنج قد ملكوا الجوسق (٤) وأمهلوا المسلمين، فأنفذ من كان بها وحمل فى المراكب من أراد الخروج منهم بأهاليهم وأموالهم، وفيهم صالح بن علاق الطائر بعد هروبه من الأفضل، وحمل من دار ابن عمّار ذخائره ومصاغه، وكان بقيمة كبيرة.
стр. 737
وحمل أخا ابن عمّار المعروف بفخر الدّولة وأهله إلى مصر، فأكرمهم الأفضل، واعتقل صالح بن علاق بخزانة البنود.
وفى العشرين من شوال كانت ريح سوداء من صلاة العصر إلى المغرب.
وفيها جدّد حفر خليج القاهرة، فإن المراكب كانت لا تدخل فيه إلا بمشقة، وجعل حفره بأبقار البساتين التى عليه، فيحفر بأبقار كلّ بستان ما يحاذيه، فإذا انتهى أمر البساتين عمل فى البلاد كذلك؛ وأقيم له وال مفرد بجامكية (١)؛ ومنع الناس أن يطرحوا فيه شيئا.
ولما تكاثرت الأموال عند ابن أبى الليث صاحب الديوان، وحدث أن تبجّح على الأفضل بخدمته، وكان سبعمائة ألف دينار، خارجا عما أنفق فى الرجال، فجعل فى صناديق بمجلس الجلوس. فلمّا شاهد الأفضل المال قال: يا شيخ تفرحنى بالمال وتريد أمير الجيوش أن يلقى بئرا معطّلة أو أرضا بائرة أو بلدا خرابا، لأضربنّ رقبتك. فقال: وحقّ نعمتك لقد حاشا الله أيامك أن يكون فيها بلد خراب أو بئر معطلة. فتوسّط القائد له بخلع؛ فقال: لا والله حتى أكشف عمّا ذكر.
وفيها وصل بغدوين إلى صيدا (٢) ونصب عليها البرج الخشب؛ فوصل الأسطول من مصر للدّفع عنهم، وقاتلوا الفرنج، فظهروا فى مراكب الجنويّة، فبلغهم أنّ عسكر دمشق خارج فى نجدة صيدا، فرحل الأسطول عائدا إلى مصر.
وفى شعبان منها نزل الفرنج على طرابلس وقاتلوا أهلها من أول شعبان إلى حادى عشر ذى الحجة، ومقدّمهم ريمند بن صنجيل (٣)؛ وأسندوا أبراجهم إلى السّور؛ فضعفت نفوس
стр. 738
المسلمين لتأخّر أسطول مصر عنهم، فكان قد سار من مصر إليها بالميرة والنجدة فردّته الرّيح لأمر قدّره الله. فشد الفرنج فى قتالهم وهجموا من الأبراج، فملكوها بالسيف فى يوم الاثنين الحادى والعشرين من ذى الحجّة، ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها؛ فحازوا من الأمتعة والذخائر ودفاتر دار العلم وما كان فى خزائن أربابها ما لا يحدّ عدده ولا يحصى فيذكر. وسلّم الوالى لها فى جماعة من جندها كانوا قد طلبوا الأمان قبل ذلك؛ وعوقب أهلها واستصفيت أموالهم واستقهرت ذخائرهم، ونزل بهم أشد العذاب.
وتقرّر بين الفرنج والجنويّين الثلث من البلد وما نهب منه للجنويّين والثّلثان لريمند ابن صنجيل؛ وأفردوا للملك بغدوين ما رضى به.
ثم وصل أسطول مصر ولم يكن خرج فيما تقدم معه كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس فأرسى على صور فى اليوم الثامن من أخذ طرابلس وقد فات الأمر فيها، فأقام مدّة، وفرّقت الغلّة فى جهاتها. وتمسّك أهل صور وصيدا وبيروت به لضعفهم عن مقاومة الفرنج، فلم تمكنه الإقامة، وعاد إلى مصر.
стр. 739
سنة ثلاث وخمسمائة (١):
فيها سار الفرنج نحو بيروت، وعملوا عليها برجا من الخشب، وزحفوا، فكسره أهل بيروت. وقدم الخبر بذلك على الأفضل، فجهّز تسعة عشر مركبا حربيّة، فوصلت سالمة إلى بيروت وقويت على مراكب الفرنج، وغنيمت، ودخلت إلى بيروت بالميرة والنّجدة، فقوى أهلها بذلك. وبلغ بغدوين الخبر، فاستنجد بالجنويّة، فأتاهم منهم أربعون مركبا مشحونة بالمقاتلة؛ فزحف على بيروت فى البرّ والبحر، ونصب عليها برجين، وقاتل أهلها فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من شوّال؛ فعظمت الحرب، وقتل مقدّم الأسطول وكثير من المسلمين؛ ولم ير للفرنج فيما تقدّم أشدّ من حرب هذا اليوم. فانخذل المسلمون فى البلد، وهجم الفرنج من آخر النهار فملكوه بالسيف قهرا؛ وخرج متولّى بيروت فى أصحابه وحمل فى الفرنج، فقتل من كان معه، وغنم الفرنج ما معهم من المال ونهبوا البلد، وسبوا من فيه وأسروا، واستصفوا الأموال والذخائر. فوصل عقب ذلك من مصر نجدة فيها ثلاثمائة فارس إلى الأردنّ تريد بيروت، فخرج عليها طائفة من الفرنج، فانهزموا إلى الجبال، فهلك منهم جماعة (٢).
وفيها سار الأسطول من مصر إلى صور ليقيم بها (٣)، فاتّفق وصول ابن كند ملك الفرنج فى عدّة مراكب لزيارة القدس والجهاد فى المسلمين؛ فزار القدس، وسار هو وبغدوين إلى صيدا، فنازلاها بجمعهما وعملا عليها برجا من خشب (٤)، وزحفا عليها؛ فلم يتمكن الأسطول من الوصول إليها (٥).
стр. 740
سنة أربع وخمسمائة (١):
فى ثالث ربيع الآخر اشتد الحصار على أهل صيدا ويئسوا من النجدة، فبعثوا قاضى البلد فى عدة من شيوخها إلى بغدوين يطلبون الأمان، فأجابهم وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق، وحلف على ذلك. فخرج الوالى والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من الناس، وتوجهوا إلى دمشق، لعشر بقين من جمادى الآخرة. وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما (٢).
وفيها خرج جماعة من التجار والمسافرين من تنّيس ودمياط ومصر وأقلعوا فى البحر، فأخذهم الفرنج وغنموا منهم ما يزيد على مائة ألف دينار، وعاقبوهم حتّى افتدوا أنفسهم بما بقى لهم من الذخائر فى دمشق وغيرها.
وفيها أغار بغدوين بعد عوده من صيدا على عسقلان، فراسله أميرها شمس الخلافة أسد حتى استقرّ الحال على مال يحمله إليه ويرحل عنه (٣). وقرّر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه فى مدّة سنة وثلاثة أشهر. فقدم الخبر بذلك فى شوّال على الأفضل، فأنكر ذلك وكتمه عن كلّ أحد، وجهّز عسكرا كثيفا إلى عسقلان، وقدّم إليه عز الملك الأعزّ ليكون مكان شمس الخلافة، وندب معه مؤيد الملك رزّيق، وأظهر أن هذا العسكر سار بدلا. فسار إلى قريب عسقلان، وبلغ ذلك شمس الخلافة فأظهر الخلاف على الأفضل وكتب إلى بغدوين يطلب منه أن يمدّه بالرّجال ويعده بتسليم عسقلان وأن يعوّضه عنها.
فبلغ ذلك الأفضل. فكتب إليه يطيّب قلبه ويغالطه، وأقطعه عسقلان، وأقرّ عليه إقطاعه