سنة اثنتين وخمسمائة (١):
فى رمضان ورد الخبر بأن أهل مدينة طرابلس الشام نادوا بشعار الدّولة عند خروج فخر الملك أبى على عمار بن محمّد بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن أبى يوسف الطائى منها وقصده بغداد لطلب النجدة لما اشتد حصار الفرنج لها، وغلا السّعر بها.
وكان سماء الملك حسين بن الأفضل عند ما كان بالشام فى السنة التى كسر الفرنج فيها قد سام ابن عمّار تسليمها إليه، فامتنع وغلق الباب فى وجهه؛ وأقام سماء الملك عليها مدّة بالعساكر إلى أن نازلها الفرنج ورحّلوه عنها إلى عسقلان. فلمّا سمع الأفضل أنّ أهل الثغر نادوا بشعاره سيّر إليهم (شرف الدّولة ابن أبى الطيب (٢) ومقدّم الأسطول، وأمره بأخذ المراكب التى على دمياط وعسقلان وصور معه إلى الثغر المذكور نصرة للمسلمين (٣).
فلمّا وصل إليه وجد الفرنج قد ملكوا الجوسق (٤) وأمهلوا المسلمين، فأنفذ من كان بها وحمل فى المراكب من أراد الخروج منهم بأهاليهم وأموالهم، وفيهم صالح بن علاق الطائر بعد هروبه من الأفضل، وحمل من دار ابن عمّار ذخائره ومصاغه، وكان بقيمة كبيرة.
стр. 737
وحمل أخا ابن عمّار المعروف بفخر الدّولة وأهله إلى مصر، فأكرمهم الأفضل، واعتقل صالح بن علاق بخزانة البنود.
وفى العشرين من شوال كانت ريح سوداء من صلاة العصر إلى المغرب.
وفيها جدّد حفر خليج القاهرة، فإن المراكب كانت لا تدخل فيه إلا بمشقة، وجعل حفره بأبقار البساتين التى عليه، فيحفر بأبقار كلّ بستان ما يحاذيه، فإذا انتهى أمر البساتين عمل فى البلاد كذلك؛ وأقيم له وال مفرد بجامكية (١)؛ ومنع الناس أن يطرحوا فيه شيئا.
ولما تكاثرت الأموال عند ابن أبى الليث صاحب الديوان، وحدث أن تبجّح على الأفضل بخدمته، وكان سبعمائة ألف دينار، خارجا عما أنفق فى الرجال، فجعل فى صناديق بمجلس الجلوس. فلمّا شاهد الأفضل المال قال: يا شيخ تفرحنى بالمال وتريد أمير الجيوش أن يلقى بئرا معطّلة أو أرضا بائرة أو بلدا خرابا، لأضربنّ رقبتك. فقال: وحقّ نعمتك لقد حاشا الله أيامك أن يكون فيها بلد خراب أو بئر معطلة. فتوسّط القائد له بخلع؛ فقال: لا والله حتى أكشف عمّا ذكر.
وفيها وصل بغدوين إلى صيدا (٢) ونصب عليها البرج الخشب؛ فوصل الأسطول من مصر للدّفع عنهم، وقاتلوا الفرنج، فظهروا فى مراكب الجنويّة، فبلغهم أنّ عسكر دمشق خارج فى نجدة صيدا، فرحل الأسطول عائدا إلى مصر.
وفى شعبان منها نزل الفرنج على طرابلس وقاتلوا أهلها من أول شعبان إلى حادى عشر ذى الحجة، ومقدّمهم ريمند بن صنجيل (٣)؛ وأسندوا أبراجهم إلى السّور؛ فضعفت نفوس
стр. 738
المسلمين لتأخّر أسطول مصر عنهم، فكان قد سار من مصر إليها بالميرة والنجدة فردّته الرّيح لأمر قدّره الله. فشد الفرنج فى قتالهم وهجموا من الأبراج، فملكوها بالسيف فى يوم الاثنين الحادى والعشرين من ذى الحجّة، ونهبوا ما فيها، وأسروا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها؛ فحازوا من الأمتعة والذخائر ودفاتر دار العلم وما كان فى خزائن أربابها ما لا يحدّ عدده ولا يحصى فيذكر. وسلّم الوالى لها فى جماعة من جندها كانوا قد طلبوا الأمان قبل ذلك؛ وعوقب أهلها واستصفيت أموالهم واستقهرت ذخائرهم، ونزل بهم أشد العذاب.
وتقرّر بين الفرنج والجنويّين الثلث من البلد وما نهب منه للجنويّين والثّلثان لريمند ابن صنجيل؛ وأفردوا للملك بغدوين ما رضى به.
ثم وصل أسطول مصر ولم يكن خرج فيما تقدم معه كثرة رجال ومراكب وعدد وغلال لحماية طرابلس فأرسى على صور فى اليوم الثامن من أخذ طرابلس وقد فات الأمر فيها، فأقام مدّة، وفرّقت الغلّة فى جهاتها. وتمسّك أهل صور وصيدا وبيروت به لضعفهم عن مقاومة الفرنج، فلم تمكنه الإقامة، وعاد إلى مصر.
стр. 739
سنة ثلاث وخمسمائة (١):
فيها سار الفرنج نحو بيروت، وعملوا عليها برجا من الخشب، وزحفوا، فكسره أهل بيروت. وقدم الخبر بذلك على الأفضل، فجهّز تسعة عشر مركبا حربيّة، فوصلت سالمة إلى بيروت وقويت على مراكب الفرنج، وغنيمت، ودخلت إلى بيروت بالميرة والنّجدة، فقوى أهلها بذلك. وبلغ بغدوين الخبر، فاستنجد بالجنويّة، فأتاهم منهم أربعون مركبا مشحونة بالمقاتلة؛ فزحف على بيروت فى البرّ والبحر، ونصب عليها برجين، وقاتل أهلها فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من شوّال؛ فعظمت الحرب، وقتل مقدّم الأسطول وكثير من المسلمين؛ ولم ير للفرنج فيما تقدّم أشدّ من حرب هذا اليوم. فانخذل المسلمون فى البلد، وهجم الفرنج من آخر النهار فملكوه بالسيف قهرا؛ وخرج متولّى بيروت فى أصحابه وحمل فى الفرنج، فقتل من كان معه، وغنم الفرنج ما معهم من المال ونهبوا البلد، وسبوا من فيه وأسروا، واستصفوا الأموال والذخائر. فوصل عقب ذلك من مصر نجدة فيها ثلاثمائة فارس إلى الأردنّ تريد بيروت، فخرج عليها طائفة من الفرنج، فانهزموا إلى الجبال، فهلك منهم جماعة (٢).
وفيها سار الأسطول من مصر إلى صور ليقيم بها (٣)، فاتّفق وصول ابن كند ملك الفرنج فى عدّة مراكب لزيارة القدس والجهاد فى المسلمين؛ فزار القدس، وسار هو وبغدوين إلى صيدا، فنازلاها بجمعهما وعملا عليها برجا من خشب (٤)، وزحفا عليها؛ فلم يتمكن الأسطول من الوصول إليها (٥).
стр. 740
سنة أربع وخمسمائة (١):
فى ثالث ربيع الآخر اشتد الحصار على أهل صيدا ويئسوا من النجدة، فبعثوا قاضى البلد فى عدة من شيوخها إلى بغدوين يطلبون الأمان، فأجابهم وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم، وإطلاق من أراد الخروج منها إلى دمشق، وحلف على ذلك. فخرج الوالى والزمام وجميع الأجناد والعسكرية وخلق كثير من الناس، وتوجهوا إلى دمشق، لعشر بقين من جمادى الآخرة. وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما (٢).
وفيها خرج جماعة من التجار والمسافرين من تنّيس ودمياط ومصر وأقلعوا فى البحر، فأخذهم الفرنج وغنموا منهم ما يزيد على مائة ألف دينار، وعاقبوهم حتّى افتدوا أنفسهم بما بقى لهم من الذخائر فى دمشق وغيرها.
وفيها أغار بغدوين بعد عوده من صيدا على عسقلان، فراسله أميرها شمس الخلافة أسد حتى استقرّ الحال على مال يحمله إليه ويرحل عنه (٣). وقرّر على أهل صور سبعة آلاف دينار تحمل إليه فى مدّة سنة وثلاثة أشهر. فقدم الخبر بذلك فى شوّال على الأفضل، فأنكر ذلك وكتمه عن كلّ أحد، وجهّز عسكرا كثيفا إلى عسقلان، وقدّم إليه عز الملك الأعزّ ليكون مكان شمس الخلافة، وندب معه مؤيد الملك رزّيق، وأظهر أن هذا العسكر سار بدلا. فسار إلى قريب عسقلان، وبلغ ذلك شمس الخلافة فأظهر الخلاف على الأفضل وكتب إلى بغدوين يطلب منه أن يمدّه بالرّجال ويعده بتسليم عسقلان وأن يعوّضه عنها.
فبلغ ذلك الأفضل. فكتب إليه يطيّب قلبه ويغالطه، وأقطعه عسقلان، وأقرّ عليه إقطاعه
стр. 741
بمصر، وأزال الاعتراض عمّا له بمصر من خيل وتجارة وأثاث. فخاف شمس الخلافة على نفسه ولم يطمئن إلى أهل البلد، واستدعى جماعة من الأرمن وأقرّهم عنده (١).
وفى يوم الأحد العشرين من شوّال حدثت ريح حمراء بالقاهرة.
وفيها أمر أمير المؤمنين الآمر بأحكام الله أن يبعث جليسه أبو الفتح عبد الجبار ابن إسماعيل، المعروف بابن عبد القوى لعماد الدّولة زيادة على إخوته.
وفيها هبّت بمصر وأعمالها فى هذه الأيام ريح سوداء مظلمة، وطلع سحاب أسود أظلمت منه الدنيا حتى لم يبصر أحد يده، وسفّت رمادا حتى ظنّ الناس أنها القيامة، ويئسوا من الحياة وأيقنوا بالبوار لهول ما عاينوه؛ ولم يزل ذلك من وقت العصر إلى غروب الشمس.
ثم انجلى ذلك السّواد وعاد إلى الصّفرة والرّيح بحالها؛ ثم انجلت الصّفرة، وظهرت الكواكب وقد خرج الناس من الأسواق والدّور إلى الصحراء. ثم ركدت الرّيح وأقلع السّحاب، فعاد الناس إلى منازلهم.
стр. 742
سنة خمس وخمسمائة (١):
فى يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر نزل بغدوين على صور وبها عزّ الملك أنوشتكين الأفضلى وبنى عليها أبرجة خشب، طول البرج سبعون ذراعا (٢)، يسع كلّ برج ألف رجل، وهو موضوع على شيء يسمّى اسقلوس وهو فخذان ملقيان على الأرض، وفى كلّ برج من أسفله عشرون فرنجيا يصيح أحدهم بالفرنجية: «صند ماريّا»، فيصيح الباقون كذلك، ويدفعونه بأجمعهم، فيسبح على ألواح عظيمة تجعل بين يديه؛ وكانت ستائر (٣) كل برج ومناجيقه كأنها بلد يزحف.
فخرج من أهل صور ألف رجل وحملوا على البرج وطرحوا فيه النار، فعلقت بالخشب، فلم يتمكن الفرنج من إطفائه وهربوا منه، واحترق؛ فتناول المسلمون بالكلاليب ما قدروا عليه من سلاحهم، فوصل إليهم ثلاثمائة درع. وكان هذا البرج كبشا من حديد وزنة رأسه مائة وخمسون رطلا (٤)؛ فظفر به المسلمون. وكانت الرّيح على المسلمين ثم صارت معهم، وملئوا جرارا بالعذرة ورموها على الفرنج (٥)، فصاحوا وذلّوا ورحلوا، فعاثوا؛ ثم عادوا وقد قطعوا النّخل أنابيب ورموا بها فى الخندق (٦).
стр. 743
وسار طغتكين من دمشق لإعانة أهل صور، فنزل على يوم منهم لجولة بانياس، وأنفذ إليهم مائتى غلام تركى عليهم جليل من الأتراك؛ فقاتل الفرنج وقتل منهم ألفا وخمسمائة، وأكثر النكاية فيهم. وأغار طغتكين على بلاد الفرنج، فأخذ لهم موضعا، فرجعوا عن صور بغير شيء. وخرج أهل صور إلى أصحاب طغتكين، فخلعوا عليهم وأعادوهم إليه فى أحسن زىّ، وأخذ أهل صور فى رمّ ما شعّثه الفرنج فى البلد.
وفيها حدث بمصر وباء مفرط، هلك به تقدير ستّين ألف نفس.
٧ - اتعاظ الحنفا
стр. 744
سنة ست وخمسمائة (١):
فيها حفر البحر المعروف ببحر أبى المنجا، فابتدئ فى حفره فى يوم الثلاثاء السادس من شعبان، وأقام الحفر فيه سنتين. وكان أبو المنجا يهوديا وكان يشارف الأعمال الشرقية؛ فلما عرض على الأفضل ما أنفقه فيه استعظمه وقال: غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبى المنجا. فغير اسمه ودعا بالبحر الأفضلىّ، فلم يتمّ ذلك ولا عرف إلاّ بأبى المنجا (٢).
وفيها أعلن شمس الخلافة أسد، والى عسقلان، بالخلاف، فعهد إلى صاحب الترتيب والقاضى فأخرجهما على أنه يرسلهما إلى الباب فى خدمة عرضت له، وإلى العسكر الذى كان يخاف شوكته؛ فأوهمهم أنّه يسيّرهم إلى بلاد العدوّ. فلمّا حصلوا خارج الثّغر أمرهم بالمسير إلى باب سلطانهم؛ وكان قد سيّر قبل ذلك العسكر من الباب على جهة البدل.
فلمّا علم أسد المذكور بوصولهم إلى مدينة الفرما أنفذ إليهم يخيفهم ويشعرهم أن العدوّ قد تعدّاهم، فامتنعوا من التوجّه إلى عسقلان.
فلمّا بلغ الأفضل ذلك عزم على أن يسير بنفسه إليه. ثم رأى أنّ إعمال الحيلة أنجع؛ فخادعه وأنفذ الكتب إليه يطمئنه ويصوّب رأيه فيما فعله فى صاحب التّرتيب والبدل، ولم يغيّر مكاتبته عن حالها، ولا تعرّض لإقطاعاته ورسومه وأصحابه؛ وسيّر فى الباطن من يستفسد الكنانيّة والرّجال المذكورة ويبذل لهم الأموال فى أخذه. ولم يزل يدبّر عليه حتى اقتنصت المنيّة مهجته؛ وذلك أن أهل بيروت أنكروا أمره، فوثب عليه طائفة وهو راكب، فجرحوه، وانهزم إلى داره فتبعوه وأجهزوا عليه، ونهبوا داره وماله، وتخطّفوا
стр. 745
بعض دور الشّهود والعامّة. فبادر صاحب السّيارة إلى البلد وملكه، وبعث برأس شمس الخلافة إلى الأفضل، فسرّ بذلك وأحسن إلى القادمين به.
وكان قدوم الرأس فى يوم الأربعاء رابع المحرم، صحبة ثلاثة من الكنانيّة، فخلع عليهم؛ وطيف بالرأس، وزيّنت البلد سبعة أيام.
وفيه خلع على ولده مختار ولقّب شمس الخلافة، وأنعم عليه بجميع مال أبيه.
وسيّر بدله مؤيد الملك خطلخ، المعروف برزيق، واليا على الثغر.
وفيها وصل يانس الناسخ من الشام، فاستخدم فى خزانة الكتب الأفضلية بعشرة دنانير فى الشهر وثلاث رزم كسوة فى السنة، والهبات والرّسوم.
وفيها كتب إلى عسقلان بمطالبة من نهب دار شمس الخلافة وماله بما أخذه، فقبض على جماعة وحملوا إلى مصر فاعتقلوا بها.
وفيها تسلّم نوّاب طغتكين صور من عزّ الملك أنوشتكين الأفضلى خوفا من بغدوين أن يأخذها، وقام بأمرها مسعود؛ فاستقرّت بيد الأتراك وأقرّوا بها الدّعوة المصريّة والسّكّة على حالها. وكتب طغتكين إلى الأفضل بأن بغدوين قد جمع لينزل على صور، وأنّ أهلها استنجدونى، فبادرت لحمايتها، ومتى وصل من مصر أحد سلّمتها إليه (١). فكتب يشكره على ما فعل. وتقدّم بتجهيز الأسطول إلى صور بالغلّة معونة لها.
стр. 746
سنة سبع وخمسمائة (١):
فى أوّلها خرج الأسطول من مصر بالغلاّت والرجال إلى صور، وعليه شرف الدولة (بدر (٢) بن أبى الطيّب الدّمشقى (وكان (٣) متولّى طرابلس عند أخذ الفرنج لها، فوصل إلى صور سالما؛ ورخصت بها الأسعار، واستقام أمرها. وأنفذ معه بخلع جليلة إلى ظهير الدين طغتكين وولده تاج الملوك وخواصّه، ولمسعود متولّى صور. ثم أقلع فى آخر شهر ربيع الأول. فبعث بغدوين يطلب المهادنة من مسعود، فأجابه، وانعقد الأمر بينهما.
стр. 747
سنة تسع وخمسمائة (١):
فى ذى القعدة قفز على الأفضل عند باب الزّهومة (٢) من دكان صيرفىّ يعرف بالغار وسلم، فأخرجت الصدقات بسبب سلامته وقتل الصّيرفى وصلب على دكانه.
وورد الخبر بأن بغدوين ملك الفرنج وصل إلى الفرما، فسيّر الرّاجل من العطوفيّة (٣)، وسيّر إلى والى الشرقية بأن يسيّر المركزية والمقطعين إليها، ويتقدّم إلى العربان بأسرهم أن يكونوا فى الطّوالع ويطاردوا الفرنج ويشارفوهم بالليل قبل وصول العساكر، وأن يسير بنفسه؛ فاعتد ذلك؛ ثم أمر بإخراج الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشى. فوصلت العربان والعساكر فطاردوا الفرنج؛ فخاف بغدوين من يلاحق العساكر، فنهب الفرما وأخربها وألقى فيها النّيران، وهدم المساجد، وعزم على الرجوع، فأدركته المنيّة ومات. فأخفى أصحابه موته، وساروا وقد شقّوا بطنه وحشوه ملحا (٤). وشنّت العساكر الإسلاميّة الغارات على بلاد العدوّ، وخيّموا على ظاهر عسقلان ثم عادوا.
وكانت الكتب قد نفذت من الأفضل إلى الأمير ظهير الدين طغتكين، صاحب دمشق، بعتبه ويقول له: «لا فى حق الإسلام ولا فى حق الدّولة التى ترغب فى خدمتها والانحياز
стр. 748
إليها أن يتوجه الفرنج بجملتها إلى الدّيار المصرية ولا يتبين لك فيها أثر ولا تتبعهم، ولو كان وراءهم مثل ما كان أمامهم ما عاد منهم أحد». فلمّا وصل إليه الكتاب سار بعسكره إلى عسقلان، فتلقّاه المقدّمون، ونزل أعظم منزل، وحملت إليه الضّيافات. وحمل إليه من مصر الخيام وعدّة وافرة من الخيل والكسوات والبنود والأعلام، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، وطوق ذهب، وبدنة طميم، وخيمة كبيرة معلمة، ومرتبة ملوكية، وفرشها وجميع آلاتها وسائر ما تحتاج إليه من آلات الفضّة. وجهّز لشمس الخواص، وهو مقدّم كبير كان معه على عدّة كثيرة من العسكر، خلعه مذهبة ومنطقة ذهب وسيف ذهب؛ وجهّز برسم المتميّزين من الواصلين خلع مذهبة وحريريّة، وسيوف مغموسة بالذهب. فتواصلت الغارات على بلاد العدوّ، وقتل منهم وأسر عدد كبير.
فلمّا دخل الشتاء وتفرّق العسكر والعربان، استأذن ظهير الدين على الانصراف، فأذن له، وسيّرت إليه وإلى من معه الخلع ثانيا؛ فحصل لشمس الخواصّ خاصة فى هذه السّفرة ما مقداره عشرة آلاف دينار؛ وتسلّم الأمير ظهير الدّين الخيمة الكبيرة بفرشها وجميع آلاتها؛ وكان مقدار ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف دينار. وذكر أن المنفق فى هذه الحركة على ركاب بغدوين مائة ألف دينار.
ورعشت يد الأفضل، وصعب عليه إمساك القلم والعلامة (١) على الكتب، فأقرّر أخاه أبا محمّد جعفر المظفر فى العلامة، وجعل له خمسمائة دينار فى الشهر مضافا إلى رسمه، فعلّم عنه.
واستهلّ شهر رمضان، فجرى الأمر فى نيابة الأجلّ سماء الملك، ولد الأفضل، عنه فى جلوسه بمحلّ الشباك، وقرّر له على هذه النّيابة فى هذا الشهر خمسمائة دينار، وبذلة مذهّبة، ورزمة كسوة فيها شقق حرير وغيرها. ولم يزل هذا الرّسم مستقرّا إلى أن أخذه
стр. 749
عباس بن تميم (١) فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة عند توليته حجبة بابه (٢). والبذلة وحدها تساوى خمسمائة دينار.
وفيها استخدم ذخيرة الملك جعفر فى ولاية القاهرة والحسبة، فظلم وعسف، وبنى مسجدا عرف بمسجد لا بالله (٣).
стр. 750
سنة عشر وخمسمائة (١):
سنة احدى عشرة وخمسمائة (٢):
فى ذى الحجّة خرج أمر الآمر بأحكام الله بنفى بنى عبد القوى، فنفوا إلى الأندلس بأهاليهم.
وفيها وصل بغدوين إلى الفرما وأحرق جامعها وأبواب المدينة ومساجدها، وقتل بها رجلا مقعدا وابنة له ذبحها على صدره، ورحل وهو مثخن مرضا، فمات قبل العريش، فشق بطنه ورمى ما فيه هناك، فهو يرجم إلى اليوم، ويعرف مكانه بسبخة بردويل؛ ودفنت رمته بقمامة من القدس (٣).
وقام من بعده بملك القدس القمص صاحب الرّها (٤) بعهده إليه.
ونزل الفرنج حوران (٥)، وملكوا من أعمال حلب بزاعة وخرتبرت؛ وملكوا مدينة صور.
وفيها خرج محمد بن تومرت (٦) من مصر فى زى الفقهاء ومضى إلى بجاية (٧)
стр. 751
سنة اثنتى عشرة وخمسمائة (١):
فيها مات الأمير نور الدّولة أبو شجاع فاتك (٢)، والد القائد أبى عبد الله بن فاتك، فأخرج له الأفضل من ثيابه بذلة حريرية وقارورة كافور وشققا مزيدى دبيقى (٣) ونصافى، وطيبا وبخورا وشمعا، وحمل له من القصر أضعاف ذلك. وخرج الأفضل والأمراء، وجميع حاشية القصر، إلى الإيوان، فخرج الخليفة وصلّى عليه؛ ثم أخرج فدفن.
وتردّد الناس إلى التربة. وفرّقت الصّدقات إلى تمام الشهر.
وكان بيد نور الدين زمر الضّاحكيّة والفراشين (٤) وصبيان الركاب (٥) والسّلاح الخاص بجار ثقيل ورسوم كثيرة. وهؤلاء الضاحكية (كانوا) يعرفون بهذه الرّسوم قديما عند وصولهم مع المعزّ إلى مصر، وهم يلبسون المناديل ويرخون العذب ويلبسون الثّياب بالأكمام الواسعة، وفى أرجلهم الصّاجات؛ وفى الأعياد يشدّون أوساطهم بالعراضى الدبيقى، ولا يتقدّمهم أحد إلى الخليفة على ما جرت به عادتهم فى المغرب.
وفيها قفز على الأفضل ثانيا، وخرج عليه ثلاثة نفر بالسّكاكين، فقتلوا، وعاد سالما؛ فاتّهم أولاده، وصرّح بالقول فيهم، وأخذ دوابّهم، وأبعد حواشيهم، ومنعهم من التصرّف؛ وبالغ فى الاحتراز والتّحفّظ.
стр. 752
وفيها وردت التجار من عيذاب (١) ذاكرين أنه خرج عليهم فى مراكب شنّها قاسم بن أبى هاشم، صاحب مكة، فقطعت عليهم الطريق وأخذ جميع ما كان معهم. فغضب الأفضل وقال:
صاحب مكّة يأخذ تجّارا من بلادى، أنا أسير إليه بنفسى بأسطول أوله عيذاب وآخره جدّة. ثم تقرر الحال على مكاتبة الأشراف بمكة وإعلامهم ما فعله أمير مكة، وأقسم فيه أنه لا يصل إلى مكة من أعمال الدّولة تاجر ولا حاجّ إلى أن يقوم بجميع ما أخذه من أموال التجّار. وكتب إلى والى قوص بأن يسير بنفسه أو من يقوم مقامه، إلى عيذاب، ومهما وصل من جدة من الجلاب لا يمكّن أحدا من الركوب فيها، وأن يتشوّف ما يدخل عيذاب من الشوانى (٢) والحراريق (٣)، فمهما كان يحتاج إلى إصلاح ومرمّة ينجز الأمر فيه؛ ويشعر أهل البلاد بوصول الرجال والأموال لغزو البلاد الحجازيّة. وتقدّم إلى المستخدمين بصناعة مصر بتقديم خمسة حراريق وتكميلها ليسيروا إلى الحجاز.
فلمّا وردت المكاتبة على الأشراف بمكة ولم يصل إليها أحد اشتدّ الأمر عندهم وتحرّك السعر، فبعثوا رسولا من أميرهم، فلمّا وصل ساحل مصر لم يؤبه له ولا أجرى عليه ضيافة، وقيل له: ما يقرأ لك الكتاب ولا يسمع منك خطاب دون إعادة المأخوذ من التجار إليهم.
وشاهد مع ذلك الجدّ والاهتمام بأمر الأساطيل وتجهيز العساكر إلى صاحبه، فالتزم بإحضار جميع أموال التجار، وسأل التوقّف قبل الإسراع بما عوّل عليه من قصد صاحبه؛ وأجّل لعوده أجلا قريبا. فأجيب إلى ذلك، وسار. فلم ينقض الأجل حتى عاد وصحبته جميع
стр. 753
ما أخذ من التجار من البضائع والأموال؛ فحملت إلى الجامع العتيق بمصر بمحضر من الرّعايا، وهم يعلنون بالشكر والدعاء. واحتاط متولّى الحكم عليه إلى أن تحضر جماعة التجار ويجرى الأمر على ما توجبه الشريعة. وخلع على الرسول وأحسن إليه ووصل.
ومرض الأفضل بحمّى حادّة ثم عوفى، فدفع للطبيب ثلاثمائة دينار (١).
стр. 754
سنة خمس عشرة وخمسمائة (١):
فيها قتل الأفضل بن أمير الجيوش يوم الأحد سلخ شهر رمضان وعمره سبع وخمسون سنة، لأنّ مولده بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وكان سبب ذلك أنه لمّا كان ليلة عيد الفطر جهّز ما جرت العادة بتجهيزه من الدّوابّ والآلات لركوب الخليفة (٢)، وجلس بين يديه إلى أن عرضت الطبول على العادة كل سنة والدواب والسلاح؛ ثم عاد وأدّى ما يجب من سلام الخليفة فتقدّم إلى القائد أبى عبد الله بن فاتك بأن يأمر صاحب السّير أن يصفّ العساكر إلى صوب باب الخوخة (٣). وركب الأفضل من مكانه والناس على طبقاتهم، وخرج من باب الخوخة قاصدا دار الذهب (٤)، فلما حصل بها وقع التعجّب من الناس فى نزوله ليلة الموسم، ولم يعلم أحد ما قصد؛ وكان قصده أن يكمّل تعليق المجلس الذى يجلس فيه. فصلّى بدار الذهب الظهر، فلما قرب العصر ركب منها وقد انصرف أكثر المستخدمين ظنّا منهم أنه يبيت فيها. فسار إلى الزهرى فإذا الأمراء والأجناد والمستخدمون والرهجية قد اتجهوا لخدمته، وكان قد ضجر وتغيّر خلقه ولا سيّما فى الصيام. فلما رأى اجتماع الناس وكثرتهم أبعدهم، فتقدّموا ووقفوا عند باب السّاحل، فأنفذ أيضا يخرج من أبعدهم، وبقى فى عدّة يسيرة، وأبعد صبيان السلاح من ورائه؛ فوثب عليه من دكان دقّاق بالملاحين أربعة نفر متتابعين كلّما اشتغل من حوله واحد خرج
стр. 755
غيره؛ فرمى من الفرس إلى الأرض، وضربوه ثمان ضربات. وكان القائد (١) بعيدا منه لأخذ رقاع الناس وسماع تظلمهم وتفريق الصدقات على الفقراء بالطّريق؛ فلمّا سمع الضوضاء أسرع إليه ورمى نفسه إلى الأرض عليه، فوجده قد قضى نحبه. وحمل على أيدى مقدّمى ركابه والقائد راجل، وهم يبشرون الناس بالسّلامة. وقتل من الذين خرجوا عليه ثلاثة وقطعوا وأحرقوا، وسلم الرّابع، وكان اسمه سالما، ولم يعلم به إلاّ لمّا ظفر به مع غيره بعد مدة.
ولم يزل الأفضل محمولا ولا يمكّن أحد من الوصول إليه إلى أن دخل به على مرتبته التى كان يجلس عليها أو يمطّى. وقال (القائد) (٢) للخليفة أدركنى وتسلّم ملكك لئلا أغلب عليه. وصار أىّ من لقيه يهنّئه بسلامة السلطان ويوهم أهله أن الطبيب عنده، ويأمرهم بتهيئة الفراريج والفواكه. وعاد إلى قاعة الجلوس فوجدها قد غصت بالناس، فردّ عليهم¬ السّلام وهنأهم، وأظهر قوّة عزم؛ ثم عاد إلى القاعة الكبيرة وقد حضر إليه متولّى المائدة الأفضليّة واستأذنه على السّماط المختصّ بالعيد فقال له اذبح ووسّع، فالسّلطان بكلّ نعمة وهو الذى يجلس على السماط فى غد؛ ومع ذلك فكان فى قلق وخوف شديد من أن يبلغ أولاد الأفضل فيجرى عنهم ما لا يستدرك وتنهب الدّار.
فلمّا أصبح الصّباح وركب الخليفة ودخل إلى الدّهليز الذى كان يركب منه الأفضل ومعه الأستاذون المحنّكون قال القائد أبو عبد الله للخليفة: عن إذن مولانا أفتح الباب؛ وكان قد منع من الدّخول إلى الدّار؛ فقال الخليفة: نعم ففتح (على) (٣) الأفضل وقال له القائد:
الله يطيل عمر أمير المؤمنين ويفسح فى مدّته ويورثه أعمار مماليكه؛ هذا وزيره قد صار إلى الله تعالى، وهذا ملكه يتسلّمه. ثم ضربت للوقت المقرمة (٤) على الأفضل؛ وأمر الخليفة بإحضار من بالقاعة من الأمراء والأجناد، فدخل النّاس على غير طبقاتهم إلى أن مثلوا بين
стр. 756
يدى الخليفة وهو قاعد على الحصير عند المقرمة، فقال الخليفة للأمراء: هذا وزيرى قد صار إلى الله تعالى، ومنكم إلىّ ومنى إليكم، وقد كان القائد واسطته إليكم وهو اليوم واسطتى إليكم. فشكر الحاضرون ذلك؛ هذا والقائد وولده مشدودو الأوساط بالمناطق وصاحب الباب على ما كانوا عليه. وتقدّم إلى الشيخ أبى الحسن بن أبى أسامة أن يكتب إلى الأعمال بذلك، وأمر الأمراء بالانصراف.
ثم قال القائد: يا مولانا؛ الأموال والجواهر على اختلافها فى الخزائن الكبار عنده، وهى مقفلة ومفاتيحها عندى، وختم عليها وهى فى بيت المال المصون؛ وكذلك المفضّض التى عند المستخدمين برسم الاستعمال والميناء الذهب المرصّعة والتى بغير ترصيع، والبلّور التى برسم استعماله؛ جميع ذلك مثبت عند متولّى دفتر المجلس إلا خزانة الكسوة التى برسم ملبوسه ما عندى منها خبر، فأمر من يدخل ويختم عليها. فأمر متولّى الخزائن الخاص، وكان سيف الأستاذين، ومتولّى بيت المال ومتولّى الدفتر، وهم كبار الأستاذين المحنّكين بأن يدخلوا ويجتمعوا، ولا يعترض غيرها لا لولده ولا لجهته ولا لبناته ولا لأحد من عياله.
فتوجّهوا وقرعوا الباب. فلما شاهدهم النّساء تحقّقوا الوفاة، وقام الصّراخ من جميع جوانب المواضع؛ وكانت ساعة أزعجت كلّ من بمصر والجيزة والجزيرة؛ ثم أسكتوا.
وأنفذت الرّسل لختم الخزائن التى بمصر. فبينما هم على ذلك فى الليل إذ وصل إلى الخليفة رقعتان على يد أستاذ من القاهرة، من رجلين من جملة الحاشية، يذكران فيها أن أولاد الأفضل قد جمعوا عدّة وشنّعت حاشيتهم أنّ فى بكرة هذه الليلة يستنصرون بالبساطية والأرمن ويثورون فى طلب الوزارة لأخيهم الأكبر. فامتعض الخليفة لذلك، وهمّ بالإرسال إليهم وقتلهم؛ ثم تقرّر الأمر على أن يودعوا الخزانة (١) من غير إهانة ولا قيود؛ فتوجّه إليهم، فإذا جميع حاشيتهم وغيرها عندهم، والخيل قد شدّت، فأودعوا الخزانة.
стр. 757
فلمّا أصبح الصباح كان قد حمل من القصر فى الليل طوافير (١) فيها عدّة موائد للفطر فى يوم العيد، وحمل برسم فطر الخليفة الصّوانى الذهب وعليها اللّفائف الشّرب المذهبة. وكان قد هيّئ للخليفة من اللّيل موضع للمبيت بحيث يبعد عن الأفضل، وعيّن من وقع الاختيار عليه لقراءة القرآن عند الأفضل.
فلمّا كان السّحر من عيد الفطر جئ بين يدى الخليفة بما أحضر من قصوره فى مواعينه الذهب المرصّعة، وعليها المناديل المذهّبة من التّمر المحشو والجوارشيات بأنواع الطيب وغير ذلك؛ فاستدعى الخليفة القائد وأمره بالمضىّ إلى باب الحرم لإحضار الأجلّ المرتضى ابن الأفضل؛ فمضى لذلك، فأبت أمّه من تمكّنهم منه؛ فما زال بها حتّى أسلمته إليه بعد جهد. فأتى به الخليفة فسلم به، وضمّه الخليفة إليه وقبّله بين عينيه، وأجلسه عن يمينه والقائد عن شماله، وبقية الخواصّ على مراتبهم.
ثم كبر مؤذنو القصر، فسمّى الخليفة وأخذ تمرة وأكل بعضها وناولها للقائد، ثم ناول الثانية لولد الأفضل؛ فقام كلّ منهما وقبّل الأرض ولم يجلس. وتقدّم كلّ من الحاضرين فأخذ من يد الخليفة من التّمر ووقف. فاستدعى القائد الفراش الذى معه الصينيتان النحاس، وأمر فرّاشى الأسمطة بنقل ما فى الأوانى التى بين يدى الخليفة فى الصّوانى لتفرّق فى الأمراء الذين بالقاعة والدّهاليز، فنقلت إليها وحملت إلى المقرمة التى الأفضل وراءها وختم المقرءون.
ثم أظهر الخليفة الحزن على فقد وزيره، فتلثّم وتلثّم جميع المحنّكين والحاشية، وجلس الخليفة على المخدة عند المقرمة، وأمر حسام الملك، حاجب الباب، بإحضار القاضى والدّاعى والأمراء، فدخل الناس على طبقاتهم. فلمّا رأوا زىّ الخليفة اشتد البكاء والعويل، وخرّق كلّ أحد ما عليه، ورميت المناديل، يعنى العمائم، إلى الأرض، وبكى الخليفة وحاشيته ساعة. ثم سأل القائد الخليفة أن يفطر على ثمرة بحيث يشاهده جميع من حضر، ففعل ذلك.
ثم أشار الخليفة إلى القائد أن يكلّم الناس عنه: فقال: أمير المؤمنين يردّ السّلام
стр. 758
عليكم، وقد شاهدتم فعله وكونه لم يشغله مصابه بوزيره ومدبّر دولته ودولة آبائه عن قضاء فرض هذا اليوم، وقد أفطر بمشاهدتكم، وأمركم بالإفطار. فمسح الخليفة بيده على الصّوانى، وتقدّم القائد إلى الخليفة وصار يناوله من الصّوانى بيده؛ فأول ما مدّ إلى القاضى ثم الدّاعى، ونزل الناس للأكل. ورفعت الصوانى، فأخذ القائد يد الداعى وقرّبه من الخليفة، فناوله الخليفة الخطبة، وكانت على يساره ملفوفة فى منديل شرب بياض مذهب، فقبّلها الداعى وجعلها على رأسه، وضمّها إلى صدره. وتقدّم القائد لحسام الملك بأن يأخذ الأمراء جميعهم ويطلعون إلى المصلّى بالقاهرة لقضاء الصّلاة، فتوجّهوا فى زىّ الحزن والمؤذنون بين أيديهم. فصلّى الداعى بالناس، ثم صعد المنبر فوقف على الدّرجة الثالثة منه، وخطب. وكانت الخطبة مبيّتة فيها الدعاء للأفضل والترحّم عليه (١)
وعند ما توجه الناس إلى المصلّى أمر ولد الأفضل بالمضىّ إلى أمه وإخوته وجهات أبيه ليردّ عليهم¬ السّلام من أمير المؤمنين ويفطرهم.
وخلا الخليفة بالقائد وأمره بإخراج جميع الجواهر؛ فقام إلى خزانة كانت قد بنيت برسم الأفضل، فوجد بها خيمة، ففتحها وأخرج قمطرين عليهما حلية ذهب مملوءين جواهر ما بين عقود مفصلة بياقوت وزمرد وسبح؛ وقمطرا فيه إحدى عشرة شرابة طول كلّ شرابة شبران بجواهر ما يقع عليها نظر؛ وصناديق فضة مملوءة مضافات ما بين عصائب وتيجان ذهب مرصّعة بجواهر نفيسة. ففتحت كلها، فشاهد الخليفة منها ما لا يوصف؛ فسرّ بذلك سرورا كبيرا، وشكر القائد وقال: «والله إنّك المأمون حقّا ما لك فى هذا النّعت شريك». فقبّل الأرض ويديه.
ولهذا النّعت قضيّة. وذلك أنه لمّا كان فى الأيام المستنصريّة، وعمر القائد يومئذ اثنتا عشرة سنة، وكان من جملة خاصّة المستنصر يرسله إلى بيت المال وخزانة الصاغة فى مهمّاته، فيجد منه النهضة والأمانة، فيقول هذا المأمون دون الجماعة. ودرجت
стр. 759
السّنون، فذكرها الخليفة الآمر فى ذلك الوقت فقال له: أنت المأمون على الحقيقة لأجل ذلك (١).
ثم عاد حسام الملك أفتكين صاحب الباب، والداعى وجميع الأمراء من المصلّى، ومثلوا بين يدى الخليفة. ووقع حينئذ الاهتمام بتجهيز الأفضل؛ وتقدّم إلى زمام القصور بإخراج ما قد مازجه عرف الأئمة، وتقدّم إلى ريحان متولّى بيت المال بإخراج ما يجب إخراجه برسم المأتم؛ فمضيا. وتقدّم إلى حسام الملك بإعلام الأمراء والاجناد والشّهود والقضاة والمتصدّرين والمقرّبين وبنى الجوهرىّ الوعاظ وغيرهم لحضور الجنازة وتلاوة القرآن.
فعاد زمام القصور ومتولّى بيت المال ومعهما عشرون صينية ملفوفة فى عراض دبيقى بياض مملوءة صندلا مطحونا، ومسكا وكافورا وحنوطا وقطنا، وفى صدر الآخر منديل ديباج فيه ما رسم بإحضاره من ملابس الخلفاء وطيالسهم. ووصلت أيضا الموائد على رءوس الفراشين، وهى مائة شدة، صحبة متولى المائدة الآمريّة؛ فمدّ السّماط بين يدى الخليفة، ومدّ سماطان، أحدهما بالقاعة وهو برسم الأمراء، والآخر برسم القاضى والدّاعى والشهود والمقرّبين والوعّاظ والمؤمنين، وحمل إلى الجهات الأفضليات شيء كثير.
فلمّا انقضى الأكل عاد الجميع بالقاعة، وذكر أنه ختم على الأفضل فى هاتين الليلتين واليوم نيّف وخمسون ختمة. فلمّا انقضى معظم الليلة، الثانى من شوال، تقدم الخليفة بإحضار داعى الدعاة، ولىّ الدولة ابن عبد الحقيق، وأمره بغسل الأفضل على ما يقتضيه مذهبه، وكفّن بما حضر من القصر، وأخرج للداعى بذلتان مكملتان، مذهبة وحرير، عوضا عمّا كان على الأفضل من ثياب الدّم، فإنها لم تنزع عنه، وعند كمال غسله دفع للدّاعى ألف دينار.
فلمّا كان فى الثالثة من نهار يوم الثلاثاء ثانى شوال خرج التّابوت بالجمع الذى لا يحصى،
стр. 760
والناس بأجمعهم رجّالة، وليس وراءهم راكب إلاّ الخليفة بمفرده وهو ملثّم. فلمّا خرج التابوت من بلد مصر أمر الخليفة بركوب القائد والمرتضى ولد الأفضل. وذكر أن الشيخ أبا الحسن بن أبى أسامة ركب حمارا، فلمّا وصلت الجنازة إلى باب زويلة ترجّل القائد والمرتضى ومشيا؛ وبعث الخليفة خواصّه إلى أخويه أبى الفضل جعفر وأبى القاسم عبد الصمد، وأمرهما إذا وصل التّابوت إلى باب الزّهومة (١) (أن) (٢) يخرجا بغير مناديل، بعمائم صغار وطيالس؛ فإذا قضيا (٣) ما يجب من حقّ سلام الخليفة سلّما على القائد أبى عبد الله بمثل ما كانا يسلّمان على الأفضل، ويمشيان معه وراء التابوت. فاعتمدا ذلك. فاستعظم النّاس هذه الحالة والمكارمة؛ ولم يزالا مع النّاس وراء التّابوت إلى أن دخل من باب العيد (٤).
стр. 761
فلمّا صار التابوت فى وسط الإيوان همّ الخليفة بأن يترجل، فسارع إليه القائد والمرتضى، وصاح الناس بأجمعهم: العفو يا أمير المؤمنين. عدّة مرار. فترجّل الخليفة على الكرسىّ، وصلّى عليه، ورفع التابوت فمشى وراءه، وركب الخليفة الفرس على ما كان عليه؛ ونزل التربة ظاهر باب النّصر ووقف على شفير القبر إلى أن حضر التابوت.
واستفتح ابن القارح المغربى وقرأ: «وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» (١) الآية. فوقعت من الناس موقعا عظيما (٢)، وبكوا، وبكى الخليفة، وهمّ بنزول القبر ليلحده بيده؛ ثم أمر الدّاعى فنزل وألحده والخليفة قائم إلى أن كملت مواراته، ثم ركب من التّربة والنّاس بأجمعهم بين يديه إلى قصره.
وأخرج من قاعة الفضّة بالقصر ثلاثون حسكة، وثلاثون بخورا مكمّلة، وخمسون مثقال ندّ وعود، وشمع كثير، فأشعلت الشموع إلى أن صلّى الصّبح وأطلق البخور، واستقرّ جلوس النّاس؛ فصلّى القاضى بالنّاس، وفتح باب مجلس الأفضل المعلّق بالسّتور الفرقوبى الذى لم يكن حظّه منه إلا جوازه عليه قتيلا. ورفعت السّتور، وجلس الخليفة على المخادّ الطّريّة التى عملت فى وسطه؛ وسلّم النّاس على منازلهم، وتلى القرآن العظيم.
وتقدّمت الشعراء فى رثائه إلى أن استحقّ الختم فختم. ثم خرج القائد والأمراء إلى التّربة فكان بها مثل ما كان بالدّار من الآلات والبخور. وعمل فى اليوم الثانى كذلك.
وكان عمر الأفضل يوم مات سبعا وخمسين سنة، ومدّة ولايته ثمانية وعشرون عاما.
стр. 762
ويقال إنّ الآمر وافق المأمون على قتله، فرتّب له من قتله.
ثم أمر أن يكتب سجلّ بتعزية الكافة فى الأفضل والثّناء على خصائصه ومساعيه، وإشعارهم بصرف العناية إليهم ومدّ رواق العدل عليهم؛ وتفريقه على نسخ تتلى على رءوس الأشهاد وبسائر البلاد. فكتب ما مثاله:
«هذا كتاب من عبد الله ووليّه المنصور أبى علىّ، الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين بما رآه وأمر به من تلاوة على كافّة من بمدينة مصر - حرسها الله تعالى - من الأشراف والأمراء ورجال العساكر المؤيدة على اختلاف طبقاتهم، فارسهم ومترجّلهم وراجلهم، والقضاة والشهود والأماثل، وجميع الرّعايا، بأنكم قد علمتم ما أحدثته الأيام بتصاريفها، وجرت به الأقدار على عادتها ومألوفها من فقد السيّد الأجلّ الأفضل ونعوته - قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه، وحشره مع مواليه الطّاهرين الذين جعلهم أعلام الهدى ومصابيحه - الذى كان عماد دولة أمير المؤمنين وحمّال أثقالها، وعلى يديه وحسن سيرته اعتمادها ومعوّلها، وتخطّى الحمام إليه، واخترام المنية إيّاه وتسلّطها عليه؛ وما تدارك الله الدّولة به من حفظ نظامها، واستتار أمورها بعد هذا الفادح العظيم والتئامها؛ وما رآه أمير المؤمنين من تهذيبه الأمور بنظره السّعيد، ومباشرته إيّاها بعزمه الشّديد ورأيه السّديد، واهتمامه بمصالح الكافة، وإسباغ ظلّ الإحسان عليهم والرأفة، حتى أصبحت الدّولة الفاطمية بذلك ظليلة المناكب، منيرة الكواكب، محروسة الأرجاء والجوانب».
«ولما كانت همّة أمير المؤمنين مصروفة إلى الاهتمام بكم، والنظر فى مصالحكم، والإحسان إليكم، وتأمين سربكم، وإعذاب شربكم، ومدّ رواق العدل عليكم، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم، وضعيفكم من قويّكم، ومشروفكم من شريفكم، وكفّ عوادى المضارّ بأسرها عنكم، وتمكينكم من التصرف فى أديانكم على ما يعتقده كلّ منكم، جارين على رسمكم وعادتكم، من غير اعتراض عليكم - رأى ما خرج به عالى أمره من كتب هذا السّجل وتلاوته على جميعكم، لتثقوا به، وتسكنوا إليه، وتتحقّقوا جميل رأى أمير المؤمنين فيكم؛ وأنه لا يشغله عن مصالح الكافّة شاغل، وأنّ باب رحمته مفتوح لمن قصده، وإحسانه عميم شامل، وله إلى تأمّل أحوال الصّغير والكبير منكم عين ناظرة،
стр. 763
وفى إحسان سياستكم عزيمة حاضرة وأفعال ظاهرة. والله تعالى يمده بحسن الإرشاد، ويبلغه المراد فى مصالح العباد والبلاد، بمنّه وعونه. فاعلموا هذا من أمير المؤمنين ورسمه، وانتهوا إلى موجبه وحكمه وليعتمد الأمير متولى المعونة بمصر تلاوته على منبر الجامع العتيق بمصر ليعيه كلّ من سمعه، ويصل علم مضمونه إلى من لم يحضر قراءته، ليتحقّقوا ما ذكر فيه وأودعه؛ وليحمل النّاس على ما أمرتهم فيه، وليحذر من مجاوزته وتعدّيه. وليقرأ بالجامع المذكور ليقع التّصفّح والتأمل فى اليوم وما يليه إن شاء الله تعالى».
ثمّ أمر الخليفة بإنشاء منشور يتلى، مضمونه:
«خرج أمر أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، بإنشاء هذا المنشور بأن يعتمد فى ديوان التحقيق والمجلس وسائر دواوين الدّولة، قاصيها ودانيها، قريبها ونائيها، إمضاء ما كان السّيّد الأجلّ الأفضل قرّره، وخرجت به توقيعاته الثابتة عليها علامته فى الأحكام والأموال بتصاريف الأحوال، إذ أمر أمير المؤمنين راض بأفعاله، محقّق لأقواله، حامد لمقاصده، ممض لأحكامه، عارف بسداد رأيه فى نقضه وإبرامه، على أوضاعها وأحكامها، وتقريراته فى كلّ منها. فليحذر كافّة الأمراء وسائر الولاة - نصرهم الله وأظفرهم - وجميع النّواب والمستخدمين، والكتّاب والمتصرّفين بجميع الأعمال من تأوّل فيه، أو تعقيد بغير شيئا من أحكامها على ما قرّره وأمر به. وليجلّد هذا المنشور فى ديوان التحقيق والمجلس بعد ثبوته فى جميع الدّواوين، وليصدر الإعلان به إلى كافة الجهات بهذا المرسوم، تثبيتا لهذا الأمر المذكور المحتوم، إن شاء الله تعالى»
وفى السّادس والعشرين من شوّال عمل تمام الشهر على تربة الأفضل، كما عملت الصّبحة والثالث. فلمّا انقضى الختم وانصرف الناس ركب الخليفة بموكبه. ونزل إلى التّربة، وترحّم عليه وعاد. ذكر هذا جمال الملك موسى بن المأمون البطائحى فى تاريخه.
وقال ابن ميسّر: وأقام الخليفة فى دور الأفضل، وفى دار الملك بمصر ودار الوزارة بالقاهرة وغيرهما مدة أربعين يوما، والكتّاب بين يديه يكتبون ما ينقل إلى القصور؛ فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى.
стр. 764
فممّا وجد له ستة آلاف ألف دينار عينا، وفى بيت الخاصة ثلاثة آلاف ألف دينار وفى البيت البرّانى ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف وخمسون ألف دينار (١)؛ ومائتين وخمسين إردبّا دراهم ورقا؛ وثلاثين راحلة من الذّهب العراقى المغزول برسم الرقم؛ وعشرة بيوت فى كل بيت عشرة مسامير ذهب كل مسمار وزنه مائتا مثقال عليها العمائم المختلفة الألوان؛ وتسعمائة ثوب ديباج ملوّنة؛ وخمسمائة صندوق من دقّ دمياط وتنّيس برسم كسوة بدنه؛ ولعبة من عنبر على قدر جسده برسم ما يعمل عليها من ثيابه لتكتسب الرائحة؛ ومن الطّيب والآلات ما لا يحصى عدده؛ ومن الأبقار والجاموس والأغنام والجمال ما بلغ ضمان ألبانه ونتاجه فى سنة نحو أربعين ألف دينار؛ ودواية يكتب منها مرصّعة بالجواهر، قوّم جوهرها باثنى عشر ألف دينار؛ وخمسمائة ألف مجلّدة من الكتب العلمية.
قال: وأخذ الآمر فى نقل ما بدار الأفضل إلى القصر، وهو يرتب ما يحمل بنفسه، هو وأصحابه؛ واستمرّ ذلك مدّة شهرين وأيام، والأموال تحمل على بغال وجمال إلى القصر، والآمر يطلع إلى القصر ويعود كلّ غداة ويقيم حتى يرتفع النّهار ويرتّب ما يفعل.
وذكر متولى الخزابة بالقصر أن مما وجد فى دار الأفضل ستة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار؛ وورق قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار؛ وسبعمائة طوق ما بين ذهب وفضة (٢)؛ ومن الأسطال والصحاف والشربات والأباريق والقدور والزبادى (٣) الذهب والفضّة المختلفة الأجناس ما لا يحصى كثرة؛ ومن برانى (٤) الصينى الكبار المملوء بالجواهر التى بعضها منظوم كالسّبح وبعضها منثور شيء كثير.
وكان الأفضل فى أوقات الشرب يصفّ فى مجلسه صوانى الذهب وبينها البرانى المملوءة بالجواهر، فإذا أحب فرغب البرنيّة فى الصينيّة فتكون ملئها.
ووجد له من أصناف الدّيباج وما يجرى مجراه من عتابى ونحوه تسعون ألف ثوب وثلاث خزائن كبار مملوءة صناديق كلّها دبيقى وشرب (٥) عمل تنّيس ودمياط،
стр. 765
على كلّ صندوق شرح ما فيه وجنسه. وخزانة الطّيب مملوءة أسفاطا، فيها العود وغيره، مكتوب على كل سفط وزنه وجنسه؛ وبرانى بها المسك والكافور وشيء كثير من العنبر.
ووجد مجلس يجلس فيه للشرب فيه ثمان جوار متقابلات، أربع منهن بيض من كافور وأربع سود من عنبر، قيام فى المجلس، عليهنّ أفخر الثياب وأثمن الحلى، بأيديهنّ مذابّ من أعظم الجوهر؛ فإذا دخل من باب المجلس ووطئ العتبة نكّسن رءوسهنّ خدمة له بحركات قد أحكمت؛ فإذا جلس فى صدر المجلس استوين قائمات.
ووجد له من المقاطع والسّتور والفرش والمطارح والمخادّ والمساند الدّيباج والدّبيقى الحريرى والذهب على اختلاف الأجناس أربع حجر، كلّ حجرة مملوءة من هذا الجنس.
ووجد له عدّة صناديق ملء خزانة فيها أحقاق ذهب عراقى برسم الاستعمال. ووجد له منقلات عدة تزيد على المائة، ملبّسة بالذّهب والفضة، مرصعة بالجوهر؛ وثمانمائة جارية منها خمسة وستون حظيّة لكلّ واحدة حجرة وخزائن مملوءة بالكسوة والآلات الذهب والفضة من كل صنف.
وكان فى مخازنه تحت يد عمّاله والجباة وضمان النّواحى من المال والغلال والحبوب والقطن والكتّان والشّمع والحديد والخشب وغير ذلك ما يتعب شرحه.
وحمل من داره أربعة آلاف بساط، وستون حملا طنافس، وخمسمائة قطعة بلّور، وخمسمائة قطعة محكم برسم النقل، وألف عدل من متاع اليمن والمغرب، وتسعة آلاف سرج.
قال ابن ميسر: وكان الأفضل من العدل وحسن السّيرة فى الرّعية والتّجار على صفة جميلة تجاوز ما سمع به قديما وشوهد أخيرا، ولم يعرف أحد صودر ولا ضبط عليه.
ولمّا حصر الاسكندرية كان بها يهودىّ يبالغ فى سبّه وشتمه ولعنه، فلمّا دخل الأفضل البلد قبض عليه وقدّمه للقتل وقد عدّد عليه ذنوبه، فقال اليهودى: إنّ معى خمسة آلاف دينار، خذها منىّ واعتقنى واعف عنّى. فقال: والله لولا خشية أن يقال قتله حتى يأخذ ماله لقتلتك؛ وعفا عنه ولم يأخذ منه شيئا. وكان إذا غضب على أحد اعتقله ولم يقتله، فلمّا مات أطلق من سجنه عشرة آلاف إنسان، فإنه كان إذا اعتقل أحدا نسيه ولا يرى بإخرابه.
стр. 766
وكانت محاسنه كثيرة. وهو أوّل من أفرد مال المواريث ومنع من أخذ شيء من التركات على العادة القديمة، وأمر بحفظها لأربابها، فإذا حضر من يطلبها وطالعه القاضى بثبوت استحقاقه أمره فى الحال بإطلاق ما ثبت له. واجتمع بمودع الحكم من مال المواريث التى تنتظر وصول مستحقّها من شرق الدّنيا وغربها مائة ألف وثلاثون ألف دينار، فرفع إليه قاضى القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن على الرأس عينى (١) لما ولى أن «قد اعتبرت ما فى مودع الحكم من مال المواريث فكان مائة ألف دينار، ورفعها إلى بيت المال أولى من تركها فى المودع، فإن لها السّيرة الطويلة لم يطلب شيء منها». فوقّع رقعته: «إنما قلّدناك الحكم ولا رأى لنا فيما لا نستحقّه، فاتركه على حاله لمستحقّيه ولا تراجع فيه». فأخذها هذا القاضى غرفا.
وبلغ ارتفاع خراج مصر فى أيامه لسنة خمسة آلاف ألف دينار، ومتحصّل الأهراء (٢) ألف ألف إردب. وبنى فى أيّامه من المساجد والجوامع جامع الفيلة (٣) بالجرف المعروف بالرّصد والمسجد المعروف بالجيوشى على سطح الجبل. وبنى مئذنة جامع عمرو بمصر الكبيرة والمئذنة السعيدة به أيضا والمئذنة المستجدة وجامع الجيزة (٤). وعمل خيمة الفرح التى سمّيت بالقاتول (٥)، اشتملت على ألف ألف وأربعمائة ألف ذراع من الثياب، وقائم ارتفاع
стр. 767
العمود الذى لها خمسون ذراعا بذراع العمل (١)، وبلغت النفقة عليها عشرة آلاف ألف دينار. وللشعراء فيها عدة مدائح.
وكان الأفضل يقول الشعر. فمن شعره فى غلامه تاج المعالى:
أقضيب يميس، أم هو قدّ … أو شقيق يلوح، أو هو خدّ
أنا مثل الهلال خوفا عليه … وهو كالبدر حين وافاه سعد
وكان شديد الغيرة على نسائه. اطّلع من سطح داره فرأى جارية من جواريه متطلعة إلى الطريق، فأمر بضرب عنقها. فلما وضعت الرأس بين يديه أنشد:
نظرت إليها وهى تنظر ظلّها … فنزّهت نفسى عن شريك مقارب
أغار على أعطافها من ثيابها … ... ومن مسك (٢) لها فى الذّوائب
ولى غيرة لو كان للبدر مثلها … لما كان يرضى باجتماع الكواكب
قال: وكان عدّة الوعّاظ والقراء والمنشدين فى عزاء الأفضل أربعمائة وعشرين شخصا، فخرج أمر الخليفة أن يعطى كلّ واحد منهم ثمانين دينارا، الصغير مثل الكبير؛ فقال ابن أبى قيراط: يا مولانا، هذا مال كثير. فقال: إنفاذ أمرنا هذا من بعض حقّه علينا. فجاء مبلغ ما دفع نحوا من أربعة وثلاثين ألف دينار.
стр. 768
قال: والأفضل هو الذى أنشأ بستان البعل (١)، والمنتزه المعروف بالتّاج (٢)، والخمس وجوه (٣)، والبستان الكبير، والبستان الخاص بقليوب (٤)؛ وجدّد بستان الأمير تميم ببركة الحبش، وأنشأ الرّوضة بحرىّ الجزيرة، وكان يمضى إليها فى العشاريات الموكبيّة؛ ﵀.
فى مستهل ذى القعدة خلع على القائد أبى عبد الله بن فاتك بذلة مذهّبة بشدّة الخليفة الدّاعية، وحلّت المنطقة من وسطه؛ وخلع على ولده بذلة مذهبة وحلّت منطقته أيضا؛ وعلى جميع إخوته بمثل ذلك.
واستمر ينفذ الأمور لا يخرج شيء عن نظره إلى مستهلّ ذى الحجة؛ ففى يوم الجمعة ثانيه خلع عليه من ملابس الخاصّ الشريفة فى فرد كمّ (٥) مجلس العيد، وطوّق بطوق ذهب مرصّع، وسيف ذهب مرصّع؛ وسلّم على الخليفة، فأمر الخليفة الأمراء وكافّة الأستاذين المحنّكين (٦) بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذى كان الأفضل يركب منه.
стр. 769
ومشى فى ركابه القوّاد على عادة من تقدّمه، وخرج بتشريف الوزارة، ودخل من باب العيد راكبا، ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم وأطلق الهبات.
وفى خامسه اجتمع الأمراء واستدعى الشيخ أبو الحسن بن أبى أسامة، فحضر بالسجلّ فى لفافة خاصّ مذهبة فسلّمه الخليفة إلى الأجل المأمون من يده، فقبّله وسلّمه لزمام القصر، وأمر الخليفة المأمون فجلس عن يمينه، وقرئ السّجلّ على باب المجلس؛ وهو أول سجل قرئ بهذا المكان، وكانت سجلاّت الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان. ورسم للشيخ أبى الحسن أن ينقل نسبة الأمراء والمحنّكين والناس جميعهم من الآمرى إلى المأمونى، ولم يكن أحد قبل ذلك ينتسب للأفضل ولا لأمير الجيوش. وقدّمت للمأمون الدّواة فعلم فى مجلس الخليفة؛ وتقدم للأمراء والأجناد فقبّلوا الأرض وشكروا هذا الإحسان. وأحضرت الخلع؛ فخلع على حاجب الحجاب حسام الملك وطوّق بطوق ذهب وسيف ذهب ومنطقة ذهب؛ وخلع على الشيخ أبى الحسن بن أبى أسامة كاتب الدست، وعلى الشيخ أبى البركات بن أبى اللّيث، وعلى أبى الرّضا سالم بن الشيخ أبى الحسن، وعلى أبى المكارم أخيه، وعلى أبى محمّد أخيهما، وعلى أبى الفضل يحيى بن سعيد الميمذى (١) ووصل بدنانير كثيرة بحكم أنه قرأ السّجلّ.
وخلع على أبى الفضائل بن أبى الليث صاحب مغفر المجلس. ثم استدعى غذى الملك سعيد ابن عمّار الضيف متولى أمور الضيافات والرسل الواصلين الحضرة من جميع الجهات وأخذ أقلامه على التوقيعات فخلع عليه. وفى الأيام الأفضلية لم يكن أحد يدخل مجلسه ولا يصل لعتبته لا من الحجّاب ولا غيرهم سوى غذى الملك هذا فإنه كان يقف من داخل العتبة؛ وكانت هذه الخدمة إذ ذاك من أجلّ الخدم وأكبرها.
وقال أبو الفتح ابن قادوس (٢) فى مدح المأمون، وقد زيد فى نعوته:
قالوا أتاه النّعت، وهو السيد ال … مأمون حقّا، والأجلّ الأشرف
стр. 770
ومغيث أمة أحمد، ومجيرها … ما زادنا شيئا على ما نعرف
وذلك أنه نعت فى سجلّه المقروء على الكافة بالأجلّ المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين. ثم تجدّد له فى نعوته بعد ذلك الأجلّ المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدنيا. ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو السيد الأجلّ المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين (١).
ولما استمرّ نظر المأمون للدّولة بالغ الخليفة فى شكره، فقال له المأمون: ثمّ كلام يحتاج إلى خلوة. فأمر بخلوّ المجلس. فقال: يا مولانا امتثال الأمر متعب، ومخالفته أصعب؛ وما تتسع خلافة قدّام آمر الدولة وهو فى دست خلافته ومنصب آبائه وأجداده، وما فى قواى ما يرومه، ويكفينى هذا المقدار، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير. فتغيّر الخليفة وأقسم: إن كان لى وزير غيرك! فقال المأمون: لى شروط؛ وقد كنت مع الأفضل وكان اجتهد فى النعوت وحلّ المنطقة فلم أفعل؛ وكان أولاده يكتبون إليه بكونى قد خنته فى المال والأهل، وما كان والله العظيم ذلك منى يوما قط، ومع ذلك معاداة الأهل جميعهم، والأجناد، وأرباب الطّيالس والأقلام، وهو يعطينى كلّ ورقة تصل إليه منهم وما يسمع كلامهم. فقال الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته، إيش يكون فعلى أنا؟ فقال: يعرّفنى المولى ما يأمر به فامتثله بشرط ألاّ يكون عليه زائدا. فأوّل ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تبقى إلاّ بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز (٢)
стр. 771
والثغور إلاّ إليه ولا تفرّق إلاّ منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه؛ وتوسّع فى رواتب القصور من كلّ صنف؛ وزيادة رسم منديل الكمّ. فقال المأمون: سمعا وطاعة؛ أما الكسوات والجبايات والأسمطة فما تكون إلاّ بالقصور، وأمّا توسعة الرّواتب فما ثمّ من يخالف الأمر، وأما منديل الكم فقد كان الرسم فى كل يوم ثلاثين دينارا يكون فى كل يوم مائة دينار؛ ومولانا، سلام الله عليه، يشاهد ما يعمل بعد ذلك فى الرّكوبات وأسمطة الأعياد وغيرها. ففرح الخليفة.
وقال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخطّ أمير المؤمنين، ويقسم لى فيه ألاّ يلتفت لحاسد ولا ينقبض؛ ومهما ذكر عنّى يطلعنى عليه، ولا يأمر فىّ بأمر سرّا ولا جهرا يكون فيه ذهاب نفسى وانحطاط قدرى، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتى، فإذا توفّيت تكون لأولادى ولمن أخلفه بعدى.
فحضرت الدّواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد الله فى آخرها على نفسه. فعند ما حصل الخطّ بيد المأمون وقف وقبّل الأرض وجعله على رأسه، وكان الخطّ نسختين، فلمّا قبض على المأمون فى رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، كما سيأتى إن شاء الله، أنفذ الخليفة طلب الأمان، فأنفذ إليه (١) نسخة منهما فحرقها وبقيت النسخة الأخرى فأعدمت (١).
وفيها أنشأ المأمون الجامع الأقمر بالقاهرة (٢)، وكان مكانه دكاكين علافين.
فى هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس والحيوان (٣).
стр. 772
سنة ست عشرة وخمسمائة (١)
فى المحرّم كان المولد الآمرى (٢). وتقرّر السّلام على الخليفة فى يومى الاثنين والخميس فأما فى يومى السبت والثلاثاء فيركب الوزير بالرهجيّة إلى القصر ويركب الخليفة إلى ضواحى القاهرة للنزهة؛ وأما الأحد والأربعاء فيجلس الوزير المأمون فى داره على سبيل الراحة.
فى صفر سب أحد صبيان الخاصّ الآمرى صاحب الشرع وشهد عليه، فضربت عنقه وصلب.
فيه وصل فخر الملك أبو على عمّار بن محمّد بن عمّار، صاحب طرابلس. وكانت الدولة، قد حوّلت الثغر فى أيديهم على سبيل الولاية، فلمّا جاءت الشدائد تغلّبوا عليه (٣)؛ ثم جاءت الدولة الجيوشيّة فخافوا ممّا قدّموه فلم يرموا أيديهم فى يدها ولا وثقوا بما بذل لهم من الصّفح عن ولاتهم. ومضى ذلك السّلف، وخلفهم القاضى فخر الملك هذا فى الأيام الأفضليّة فجرى على تلك الوتيرة، ودفع إلى محاصرة الفرنج (له) (٤) مدة سبع سنين،
стр. 773
فضاق خناقه، وأيس؛ فخرج من طرابلس إلى العراق مستنجدا فلم يجد ناصرا. واختلّت أحواله، وعاد إلى دمشق وقد ملك الفرنج طرابلس فسار إلى مصر. وقال فى: كتابه والمملوك لم يصل إلى هذه الوجهة إلاّ وقد علم أن له من الذنوب السالفة ما يستحقّ به القتل، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف، وفخر يكفّر عنه بعض ذنوبه من كفر نعمتها؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنّة كريمة، وإن خفّف عنه فتخليده فى السجن أحبّ إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدّوله.
فلمّا عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كلّ من الحاضرين أمره وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود. فقال المأمون للخليفة: قد أجلّ الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى عفوه فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه؛ وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن جرمه، فإن العفو زكاة القدرة عليه؛ ويشمله ما شمل أمثاله. فأعجب الخليفة الآمر ذلك، وخرج الأمر بأن تعدّد على ابن عمّار ذنوبه وذنوب أسلافه ويقال له: قد أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك.
فإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه يقال له: قد غفر ذنبك وأنت مخير بين أمرين؛ إمّا أن تعود فيصل إليك من الإنعام ما يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك، وإمّا أن تؤثر الإقامة بفناء الدّولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك وتقبل على شأنك وتترك التعرّض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات.
فلمّا خوطب بذلك قبّل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه، وكلّما خوطب فى رفعه قال لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زمانى وتمتلئ مسامعى بألفاظ مغفرته.
فبلّغته الحضرة النبوية ما تمنّاه، وحصل له الأمن؛ وأمر به إلى دار أعدّت له وجعل فيها شهوات السّمع والبصر، وحملت إليه الضيافات الكثيرة، وجرّد برسم خدمته حاجب معه عدّة مستخدمين. فأقام أيّاما يسيرة ثم حملت إليه الكسوات التى لا نظير لها، ووصله من المواهب ما أربى على أمله. وقرّر له، راتبا فى كل شهر، ستون دينارا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان. وصار يتعهد ما يفتقد به أعيان الضّيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التّحف المستظرفة ورسوم المواسم، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون، وجعل له
стр. 774
فى المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله. ولزم طريقة حمدت منه، فاستمرّ إليه الإحسان؛ وصار يركب فى يومى الركوب ويومى السّلام وغيرها.
وفيه أفرج عن الأمير عضب الدّولة عزّ الملك أبى منصور بنا، وكان له فى الاعتقال ثلاث عشرة سنة، لأنه كان والى عكّا وسلّمها إلى الفرنج، فلمّا وصل رماه الأفضل فى الاعتقال، فلمّا أفرج عنه أعيد عليه نظير ما كان قبض عنه للاصطبلات والخزائن، وولّى البحيرة.
وأفرج عن جماعة أمراء كانوا معتقلين؛ منهم أبو المصطفى جوهر، ودخل السجن وهو شاب فخرج منه وهو شيخ، وكانت مدّة اعتقاله خمس عشرة سنة.
فيه وصل رسول الشريف قاسم أمير مكة، الذى حضر فى الأيام الأفضلية بسبب أموال التّجار، ومعه كتاب بتهنئة المأمون، فجهّز إلى الأعمال القوصيّة بالاهتمام بالجناب الدّيوانيّة وترميم ما يحتاج إلى المرمّة، وتجديد عوض ما تلف؛ وأطلق له ثمانية آلاف وتسعمائة وأربعون إردبّا برسم مكّة وتخوت ثياب وخلع ومال وبخور.
وفيه غلا الزيت الطيب والسيرج؛ فكتب المستخدمون فى الخزائن ومشارفة الجوامع بأن يكون المطلق برسم الوقود وفى المشاهد عوضا عن الزّيت الطّيّب الزّيت الحارّ، فخرج الجواب بالتّحذير من ذلك وبألاّ يطلق إلاّ الزيت الطيّب، ولا يلتفت إلى غلوّ السعر فى الخدم التى هى من حق الله تعالى فلا يجب الرّخصة فيه ولا ينقص من المطلق شيء. وبلغ المأمون أنّ مشارف الجوامع والمساجد اشترى من ماله صبرا وخلطه بالزيت لمنع القومة من التعرّض لشيء منه، فأنكر ذلك وأمر بإحضاره وأن يقوّم من ماله بثمن الزيت الذى فيه الصّبر، ويطلق الزيت المستقرّ إطلاقه على تمامه. وقيل له: قومة الكنائس والمقيمون بها والطارقون لها لا يقتاتون إلاّ من فضلات وقود كنائسهم، ونحن نبيح لهؤلاء الأكل ونحرّم عليهم البيع.
وتقدم الأمر بعمل حساب الدّولة من الهلالى والخراجىّ على جملتين، إحداهما إلى سنة عشر وخمسمائة والثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة؛ فانعقدت على جملة كثيرة من عين وأصناف، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها. فلما حضرت أمر بكتابة سجلّ
стр. 775
بالمسامحة إلى آخر سنة عشر وخمسمائة؛ ومبلغ ما سومح به من البواقى ألفا ألف وسبعمائة ألف وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة وستون دينارا، ومن الورق سبعة وستون ألفا وخمسة دراهم، ومن الغلّة ثلاثة آلاف ألف وثمانمائة ألف وعشرة آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون إردبّا، ومن الأرز والكتان وحرق الصباغ وزريعة الوسمة والصباغ والفوة والحديد والزفت والقطران والثياب والمآزر والغرادلى شيء كثير؛ ومن الأغنام مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلاثمائة وخمسة رءوس؛ ومن البسر والنخيل والجريد والسّلب والأطراف والملح والأشنان والرّمان وعسل النّحل والشمع وعسل القصب شيء كثير؛ ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة وأربعة وستون رأسا؛ ومن الدّواب والسّمن والجبن والصّوف والشعر شيء كثير.
وقد تقدم ذكر نسخة هذا السجلّ عند ذكر الخراج من هذا الكتاب.
وقرئ منشور بالجامع الأزهر وجامع عمرو بمصر بالمنع ممّا يعتمد فى الدّواوين من قبول الزيادة وفسخ عقود الضمانات وإعفاء الكافّة من المعاملين والضّمناء من قبول الزّيادة فيما يتصرفون فيه ما داموا قائمين بأقساطهم.
فيه تحوّل الخليفة الآمر إلى اللؤلؤة (١) وأقام فيها مدّة النيل على الحكم الأول وأزال ما أحدث من البناء بالقرب منها، وتحوّل معه الوزير المأمون بن البطائحى والشيخ أبو الحسن ابن أبى أسامة كاتب الدّست وحاجب الحجاب حسام الملك، ورتّبت الرّهجيّة والحرس، وأطلق لهم ما يقوم بهم. وصار الخليفة يمضى فى السراديب من اللؤلؤة إلى القصر فى يومى السّلام، فلا يراه أحد سوى الأستاذين والخواصّ، ويحضر الوزير على عادته ويحمل الأسمطة ويحضر الناس على العادة، ويركب فى يومى الثلاثاء والسبت إلى المتنزهات.
فيه تقدّم الوزير بتجديد المشاهد التسعة (٢) التى بين القرافة والجبل.