والثغور إلاّ إليه ولا تفرّق إلاّ منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه؛ وتوسّع فى رواتب القصور من كلّ صنف؛ وزيادة رسم منديل الكمّ. فقال المأمون: سمعا وطاعة؛ أما الكسوات والجبايات والأسمطة فما تكون إلاّ بالقصور، وأمّا توسعة الرّواتب فما ثمّ من يخالف الأمر، وأما منديل الكم فقد كان الرسم فى كل يوم ثلاثين دينارا يكون فى كل يوم مائة دينار؛ ومولانا، سلام الله عليه، يشاهد ما يعمل بعد ذلك فى الرّكوبات وأسمطة الأعياد وغيرها. ففرح الخليفة.
وقال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخطّ أمير المؤمنين، ويقسم لى فيه ألاّ يلتفت لحاسد ولا ينقبض؛ ومهما ذكر عنّى يطلعنى عليه، ولا يأمر فىّ بأمر سرّا ولا جهرا يكون فيه ذهاب نفسى وانحطاط قدرى، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتى، فإذا توفّيت تكون لأولادى ولمن أخلفه بعدى.
فحضرت الدّواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد الله فى آخرها على نفسه. فعند ما حصل الخطّ بيد المأمون وقف وقبّل الأرض وجعله على رأسه، وكان الخطّ نسختين، فلمّا قبض على المأمون فى رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، كما سيأتى إن شاء الله، أنفذ الخليفة طلب الأمان، فأنفذ إليه (١) نسخة منهما فحرقها وبقيت النسخة الأخرى فأعدمت (١).
وفيها أنشأ المأمون الجامع الأقمر بالقاهرة (٢)، وكان مكانه دكاكين علافين.
فى هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس والحيوان (٣).
стр. 772
سنة ست عشرة وخمسمائة (١)
فى المحرّم كان المولد الآمرى (٢). وتقرّر السّلام على الخليفة فى يومى الاثنين والخميس فأما فى يومى السبت والثلاثاء فيركب الوزير بالرهجيّة إلى القصر ويركب الخليفة إلى ضواحى القاهرة للنزهة؛ وأما الأحد والأربعاء فيجلس الوزير المأمون فى داره على سبيل الراحة.
فى صفر سب أحد صبيان الخاصّ الآمرى صاحب الشرع وشهد عليه، فضربت عنقه وصلب.
فيه وصل فخر الملك أبو على عمّار بن محمّد بن عمّار، صاحب طرابلس. وكانت الدولة، قد حوّلت الثغر فى أيديهم على سبيل الولاية، فلمّا جاءت الشدائد تغلّبوا عليه (٣)؛ ثم جاءت الدولة الجيوشيّة فخافوا ممّا قدّموه فلم يرموا أيديهم فى يدها ولا وثقوا بما بذل لهم من الصّفح عن ولاتهم. ومضى ذلك السّلف، وخلفهم القاضى فخر الملك هذا فى الأيام الأفضليّة فجرى على تلك الوتيرة، ودفع إلى محاصرة الفرنج (له) (٤) مدة سبع سنين،
стр. 773
فضاق خناقه، وأيس؛ فخرج من طرابلس إلى العراق مستنجدا فلم يجد ناصرا. واختلّت أحواله، وعاد إلى دمشق وقد ملك الفرنج طرابلس فسار إلى مصر. وقال فى: كتابه والمملوك لم يصل إلى هذه الوجهة إلاّ وقد علم أن له من الذنوب السالفة ما يستحقّ به القتل، وقتله بسيوف هذه الدولة عدل وإحياء له وتشريف، وفخر يكفّر عنه بعض ذنوبه من كفر نعمتها؛ فإن خرج الأمر بذلك فمنّة كريمة، وإن خفّف عنه فتخليده فى السجن أحبّ إليه من رجوعه إلى تأميل غير هذه الدّوله.
فلمّا عرض هذا بالحضرة أدركته الرأفة بعد أن استفظع كلّ من الحاضرين أمره وأشير بإيقاع الحوطة عليه وإيداعه خزانة البنود. فقال المأمون للخليفة: قد أجلّ الله عواطف مولانا ورحمته من أن يهاجر أحد إلى أبوابه ويلجأ إلى عفوه فيخيب أمله ويؤاخذ بذنبه؛ وما بعد استسلامه إلا الشكر لله والعفو عن جرمه، فإن العفو زكاة القدرة عليه؛ ويشمله ما شمل أمثاله. فأعجب الخليفة الآمر ذلك، وخرج الأمر بأن تعدّد على ابن عمّار ذنوبه وذنوب أسلافه ويقال له: قد أذهبت مهاجرتك ما كان يجب من عقوبتك.
فإذا اعترف بذنوبه وذنوب أسلافه يقال له: قد غفر ذنبك وأنت مخير بين أمرين؛ إمّا أن تعود فيصل إليك من الإنعام ما يبلغك إلى حيث تريد ويصحبك من يوصلك إلى مأمنك، وإمّا أن تؤثر الإقامة بفناء الدّولة فتقيم على أنك تلزم ما يعنيك وتقنع بما ينعم به عليك وتقبل على شأنك وتترك التعرّض للمخالطات وتتجنب جميع المكروهات.
فلمّا خوطب بذلك قبّل الأرض وأبى أن يرفع رأسه ووجهه، وكلّما خوطب فى رفعه قال لست أرفعه حتى أتلقى كلمات العفو عن إمام زمانى وتمتلئ مسامعى بألفاظ مغفرته.
فبلّغته الحضرة النبوية ما تمنّاه، وحصل له الأمن؛ وأمر به إلى دار أعدّت له وجعل فيها شهوات السّمع والبصر، وحملت إليه الضيافات الكثيرة، وجرّد برسم خدمته حاجب معه عدّة مستخدمين. فأقام أيّاما يسيرة ثم حملت إليه الكسوات التى لا نظير لها، ووصله من المواهب ما أربى على أمله. وقرّر له، راتبا فى كل شهر، ستون دينارا مع مياومة الدقيق واللحم والحيوان. وصار يتعهد ما يفتقد به أعيان الضّيوف من بواكير الفاكهة المستغربة وأنواع التّحف المستظرفة ورسوم المواسم، ورفع عنه الحاجب والمستخدمون، وجعل له
стр. 774
فى المواسم والأعياد من الكسوات الفاخرة ما يميزه عن أمثاله. ولزم طريقة حمدت منه، فاستمرّ إليه الإحسان؛ وصار يركب فى يومى الركوب ويومى السّلام وغيرها.
وفيه أفرج عن الأمير عضب الدّولة عزّ الملك أبى منصور بنا، وكان له فى الاعتقال ثلاث عشرة سنة، لأنه كان والى عكّا وسلّمها إلى الفرنج، فلمّا وصل رماه الأفضل فى الاعتقال، فلمّا أفرج عنه أعيد عليه نظير ما كان قبض عنه للاصطبلات والخزائن، وولّى البحيرة.
وأفرج عن جماعة أمراء كانوا معتقلين؛ منهم أبو المصطفى جوهر، ودخل السجن وهو شاب فخرج منه وهو شيخ، وكانت مدّة اعتقاله خمس عشرة سنة.
فيه وصل رسول الشريف قاسم أمير مكة، الذى حضر فى الأيام الأفضلية بسبب أموال التّجار، ومعه كتاب بتهنئة المأمون، فجهّز إلى الأعمال القوصيّة بالاهتمام بالجناب الدّيوانيّة وترميم ما يحتاج إلى المرمّة، وتجديد عوض ما تلف؛ وأطلق له ثمانية آلاف وتسعمائة وأربعون إردبّا برسم مكّة وتخوت ثياب وخلع ومال وبخور.
وفيه غلا الزيت الطيب والسيرج؛ فكتب المستخدمون فى الخزائن ومشارفة الجوامع بأن يكون المطلق برسم الوقود وفى المشاهد عوضا عن الزّيت الطّيّب الزّيت الحارّ، فخرج الجواب بالتّحذير من ذلك وبألاّ يطلق إلاّ الزيت الطيّب، ولا يلتفت إلى غلوّ السعر فى الخدم التى هى من حق الله تعالى فلا يجب الرّخصة فيه ولا ينقص من المطلق شيء. وبلغ المأمون أنّ مشارف الجوامع والمساجد اشترى من ماله صبرا وخلطه بالزيت لمنع القومة من التعرّض لشيء منه، فأنكر ذلك وأمر بإحضاره وأن يقوّم من ماله بثمن الزيت الذى فيه الصّبر، ويطلق الزيت المستقرّ إطلاقه على تمامه. وقيل له: قومة الكنائس والمقيمون بها والطارقون لها لا يقتاتون إلاّ من فضلات وقود كنائسهم، ونحن نبيح لهؤلاء الأكل ونحرّم عليهم البيع.
وتقدم الأمر بعمل حساب الدّولة من الهلالى والخراجىّ على جملتين، إحداهما إلى سنة عشر وخمسمائة والثانية إلى آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة؛ فانعقدت على جملة كثيرة من عين وأصناف، وشرحت بأسماء أربابها وتعيين بلادها. فلما حضرت أمر بكتابة سجلّ
стр. 775
بالمسامحة إلى آخر سنة عشر وخمسمائة؛ ومبلغ ما سومح به من البواقى ألفا ألف وسبعمائة ألف وعشرون ألفا وسبعمائة وسبعة وستون دينارا، ومن الورق سبعة وستون ألفا وخمسة دراهم، ومن الغلّة ثلاثة آلاف ألف وثمانمائة ألف وعشرة آلاف ومائتان وتسعة وثلاثون إردبّا، ومن الأرز والكتان وحرق الصباغ وزريعة الوسمة والصباغ والفوة والحديد والزفت والقطران والثياب والمآزر والغرادلى شيء كثير؛ ومن الأغنام مائتا ألف وخمسة وثلاثون ألفا وثلاثمائة وخمسة رءوس؛ ومن البسر والنخيل والجريد والسّلب والأطراف والملح والأشنان والرّمان وعسل النّحل والشمع وعسل القصب شيء كثير؛ ومن الأبقار اثنان وعشرون ألفا ومائة وأربعة وستون رأسا؛ ومن الدّواب والسّمن والجبن والصّوف والشعر شيء كثير.
وقد تقدم ذكر نسخة هذا السجلّ عند ذكر الخراج من هذا الكتاب.
وقرئ منشور بالجامع الأزهر وجامع عمرو بمصر بالمنع ممّا يعتمد فى الدّواوين من قبول الزيادة وفسخ عقود الضمانات وإعفاء الكافّة من المعاملين والضّمناء من قبول الزّيادة فيما يتصرفون فيه ما داموا قائمين بأقساطهم.
فيه تحوّل الخليفة الآمر إلى اللؤلؤة (١) وأقام فيها مدّة النيل على الحكم الأول وأزال ما أحدث من البناء بالقرب منها، وتحوّل معه الوزير المأمون بن البطائحى والشيخ أبو الحسن ابن أبى أسامة كاتب الدّست وحاجب الحجاب حسام الملك، ورتّبت الرّهجيّة والحرس، وأطلق لهم ما يقوم بهم. وصار الخليفة يمضى فى السراديب من اللؤلؤة إلى القصر فى يومى السّلام، فلا يراه أحد سوى الأستاذين والخواصّ، ويحضر الوزير على عادته ويحمل الأسمطة ويحضر الناس على العادة، ويركب فى يومى الثلاثاء والسبت إلى المتنزهات.
فيه تقدّم الوزير بتجديد المشاهد التسعة (٢) التى بين القرافة والجبل.
стр. 776
وكانت العادة جارية من الأيام الأفضليّة فى آخر جمادى الآخرة من كل سنة أن تغلق جميع قاعات الخمّارين بالقاهرة ومصر وتختم، ويحذّر من بيع الخمر؛ فرأى الوزير أن يكون ذلك فى سائر الأعمال، فكتب إلى ولاة الأعمال وأن ينادى بأن من تعرّض لبيع شيء من هذين الصّنفين (١) أو لشرائهما سرا وجهرا فقد عرّض نفسه لتلافها وبرئت الذمّة من هلاكها.
لما كان مستهلّ رجب عملت الأسمطة على العادة، فقال الخليفة الآمر لوزيره المأمون:
قد أعدت لدولتى بهجتها، وقد أخذت الأيّام نصيبها من ذلك، وبقيت الليالى وقد كان بها مواسم وقد زال حكمها؛ وهى ليالى الوقود الأربع (٢). فامتثل الأمر، وعملت.
واستجدّ فى كل ليلة على الاستمرار برسم الخاصّين الآمرى والمأمونى قنطار سكر ومثقالا مسك وديناران برسم المؤن ليعمل خشكنان (٣)، وتشدّ فى قعاب وسلال صفصاف، وكان يسمى بالقعبة، ويحمل ثلثا ذلك إلى القصر والثلث إلى دار المأمون.
ووصلت كسوة الشتاء، فكانت أربعة آلاف قطعة وثلاثمائة وخمس قطع. ووصلت
стр. 777
كسوة عيد الفطر وتشتمل على نحو عشرين ألف دينار، وكان عندهم الموسم الكبير، ويسمى بعيد الحلل لأنّ الحلل فيه تعم الجميع وفى غيره للأعيان خاصّة.
وعمل الختم فى آخر شهر رمضان بالقصر، وعبّئ سماط الفطرة فى مجلس الملك بقاعة الذّهب من القصر، فكان سماطا جميعه من حلاوة الموسم. وصلّى الخليفة الآمر بالنّاس صلاة العيد فى المصلّى ظاهر باب النصر وخطب، وكان ذلك قد بطل فى الأيام الجيوشيّة والأفضلية.
وكان الذى أنفق فى أسمطة شهر رمضان عن تسع وعشرين ليلة، خارجا عن التوسعة المطلقة أصنافا برسم الخليفة وجهاته، وخارجا عن العطيّة، وخارجا عن رسم القرّاء والمسحّرين وخارجا عن الأشربة والحلاوات من ألعاب، ستة عشر ألف دينار وأربعمائة وستة وثلاثين دينارا. وجملة ما قدّر على المنفق فى شهر رمضان، بما تقدّم شرحه، والتوسعة والصّدقات والفطرة (١) وكسوة الغرّة والعيد، مائة ألف دينار عينا. وضرب فى خميس العدس ألف دينار عملت عشرين ألف خرّوبة (٢)، وكانت العادة أن يضرب فى كلّ سنة خمسمائة دينار.
وفى شوّال هذا وصل شاور من أسر الفرنج، وكان مأسورا من الأيّام الأفضليّة وطالت مدّة أسره، وبذلت عشيرته فى افتكاكه جملة كبيرة، فلم يقبل منهم، وطلب فيه أسير من الفرنج، فلم يجبهم الأفضل إليه لأنّه كان لا يطلق أسيرا أبدا. فلمّا ولى المأمون الوزارة وميّز ردينى، مقدّم العربان الجذاميّين، وقبيلته - وشاور من بنى سعد، فخذ من جذام - وقف مجير، أخو شاور، وإخوته للمأمون، وما زالوا به حتى أطلق الأسير فأطلق الفرنج شاورا فى شوّال، وأثبت فى الطّائفة المأمونية؛ وكان هذا ابتداء حديث شاور.
стр. 778
وفيه تنبّه ذكر الطائفة النزاريّة، وقرّر بين يدى الخليفة بأن يسيّر رسولا إلى صاحب ألموت بعد أن جمعت فقهاء الإسماعيليّة والإماميّة، وهم ولىّ الدّولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعى الدعاة، وجميع دعاة الإسماعيليّة، وأبو محمّد بن آدم متولّى دار العلم (١)، وأبو الثّريّا ابن مختار فقيه الإسماعيليّة، ورفيقه أبو الفخر، والشريف ابن عقيل، وشيوخ الشرفاء، وقاضى القضاة، وأولاد المستنصر، وجماعة من بنى عمّ الخليفة، وأبو الحسن بن أبى أسامة كاتب الدّست، وجماعة من الأمراء؛ وقال لهم المأمون: ما لكم من الحجّة فى الرّدّ على هؤلاء الخارجين على الإسماعيلية. فقال كلّ منهم: لم يكن لنزار إمامة، ومن اعتقد هذا خرج عن المذهب وحلّ ووجب قتله؛ وإن كان والده المستنصر نعته ولىّ عهد المسلمين ونعت إخوته، منهم أبو القاسم أحمد بولىّ عهد المؤمنين، وكل مؤمن مسلم وما كل مسلم مؤمن، وقد نطق بذلك الكتاب العزيز (٢).
وذكر حسين بن محمّد الموصلى أن اليازورى (٣) لم يزل يسأل المستنصر إلى أن كتب اسمه على الدينار وهو ما مثاله:
ضربت فى دولة آل الهدى … من آل طه وآل ياسين
مستنصرا بالله جل اسمه … وعبده الناصر للدّين
فى سنة كذا؛ ولم يقم بعد ذلك إلا دون الشّهر، فاستعيدت وأمر ألا تسطّر.
ودليل يعضّد ذلك أنه لمّا جرت تلك الشدائد على الإمام المستنصر وسيّر أولاده، وهم: الأمير عبد الله إلى عكا إلى أمير الجيوش، ثم أتبعه بالأمير أبى على والأمير أبى القاسم، والد الحافظ،
стр. 779
إلى عسقلان، وسيّر نزارا إلى ثغر دمياط سيّر الأعلى إلى (١)، ولم يسمح بسفر الإمام المستعلى ولا خروجه من القصر لما أهّله له من الخلافة، ولا أبعده خوفا من حضور المنيّة، فلمّا وصل أمير الجيوش إلى البلاد بعد تهيئتها وتأمينها ورغب الإمام المستنصر فى عقد نكاح ولده الإمام المستعلى على ابنته، أخت الأفضل، وعقد النكاح بنفسه، سمّاه فى كتاب الصّداق مولى عهد أمير المؤمنين؛ وعلّم عليه بخطّه. ثم عند وفاة المستنصر بايع نزار الإمام المستعلى بما شاهده كلّ حاضر، وبما ذكرته السيدة ابنة الإمام الظّاهر شقيقة الإمام المستنصر فى صحة إمامته. فكتب الكتاب بجميع ذلك إلى صاحب ألموت مضمّنا بشهادة الجماعة بذلك.
ثمّ وصل فى أثناء ذلك كتب من خواصّ الدّولة تتضمن أنّ القوم قد قويت شوكتهم واشتدت فى البلاد طمعتهم، وأنهم يسيّرون المال مع التّجّار إلى قوم يخبرون أسماءهم، وأنهم سيّروا لهم الآن ثلاثة آلاف دينار برسم النّجوى (٢) وبرسم المؤمنين الذين ينزل الرّسل عندهم ويختفون فى محلهم، فتقدم المأمون بالفحص عنهم والاحتراز التام على الآمر فى ركوبه ومتنزّهاته، وحفظ الدّور غيرها.
ولم يزل البحث التام فى طلبهم إلى أن وجدوا عند قوم من أهل البلد، فاعترفوا بأنّ خمسة منهم هم الرّسل الواصلون بالمال من البلاد المشرقيّة، فراموا قتلهم، فأشار المأمون بتركهم. وأحضر الشيخ أبو القاسم بن الصّيرفى، وأمر بكتب سجلّ يقرأ على رءوس الأشهاد وتفرّغ منه النسخ إلى البلاد بمعنى ما ذكر من نفى نزار عن الإمامة وشهّر الجماعة المقبوض عليهم وصلبوا، وامتنع الآمر من قبض الألفى دينار الواصلة للنّجوى وأمر بحملها إلى بيت المال، وأن تنفق فى السّودان عبيد الشراء خاصة. وأمر بأن يحضر من بيت المال نظير المبلغ، وتقدم بأن يصاغ قنديلين ذهبا وقنديلين فضة؛ وأن يحمل قنديلان، ذهبا وفضة، إلى مشهد الحسين بعسقلان، وقنديلان كذلك إلى التربة. وأطلق
стр. 780
المأمون من ماله ألفى دينار، وتقدم بأن يصاغ بها قنديل ذهب وسلسلة فضة برسمه على قياس أحضر من عسقلان، وأن يصاغ على المصحف الذى بخط علىّ بن أبى طالب ﵁ بمصر من فوق الفضة ذهب.
وأطلق من حاصل الصّناديق التى تشتمل على مال النجارى برسم الصدقات عشرة آلاف درهم تفرّق فى الجوامع الثلاثة: الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وجامع القرافة (١)، وعلى فقراء المؤمنين وعلى أرباب القصور. وأطلق من الأهراء ألفا إردب قمحا وتصدّق عدّة من الجهات بجملة كثيرة. واشتريت عدّة جوار من الحجر (٢) وكتب عتقهنّ وأطلق سراحهنّ.
قال ابن ميسر، وقد ذكر هذا المجلس: وقد كانت أخت نزار فى قاعة بجانب الإيوان من القصر، وعلى الباب ستر، وعلى السّتر إخوتها وبنو عمّها وكبار الأستاذين.
فلمّا جرى هذا الفصل قام المأمون من مكانه ووقف بإزاء السّتر وقال: من وراء هذا الستر؟ فعرّف بها إخوتها وبنو عمّها، وأنه ليس غيرها وراء السّتر. فلمّا تحقق الحاضرون ذلك قالت: اشهدوا علىّ يا جماعة الحاضرين، وبلغوا عنّى جماعة المسلمين بأن أخى شقيقى نزارا لم يكن له إمامة، وأننى بريئة من إمامته جاحدة لها لاعنة لمن يعتقدها، لما علمته من والدى وسمعته من والدتى، لمّا أمر المستنصر بمضيّها هى والجهة المعظمة والدة عبد الله أخى إلى المنظرتين اللّتين على القناطر المعروفتين بالحرارة والبرياصة (؟) للنزهة أيّام النيل جرى بينهما مشاجرة فى ولديهما، فأحضرهما المستنصر بن يديه وأنكر عليهما، وقال: ما يصل أحد من ولديكما إلى الأمر، صاحبه معروف فى وقته. وشاهدت والدى المستنصر فى مرضته التى توفى فيها وقد أحضر المستعلى وأخذه معه فى فراشه، وقبّل بين عينيه، وأسرّ إليه طويلا وقد دمعت عيناه؛ وفى اليوم الذى انتقل والدى فى ليلته استدعى عمّتى بنت الظّاهر فأسرّ إليها من بيننا، ومدّ يده إليها فقبلها وعاهدها، وأشهد الله تعالى معلنا ومظهرا. فلمّا انتقل فى تلك
стр. 781
الليلة حضر صبيحتها الأفضل ومعه الدّاعى والأمراء والأجناد، ووقف بظاهر المقرمة، ثم جلس وكلّهم قيام، وأخذ فى التّعزية، ثم قال: يا مولاتنا من ارتضاه للخلافة؟ فقالت:
هى أمانة قد عاهدنى عليها، وأوصانى بأنّ الخليفة من بعده ولده أبو القاسم أحمد.
فحضر وبايعته عمّتى، وبايعه أخوه الأكبر عبد الله فأشار الأفضل إلى نزار فبايعه، وأمر بالتّوكيل على نزار وتأخيره، فأخر إلى مكان لا يصلح له. واستدعى الأفضل الدّاعى وأمره بأخذ البيعة من نفسه ومن الموالى والأستاذين. وسألت عمّتى الأفضل فى نزار فرفع عنه التّوكيل عليه بعد أن كلّمه بكلام فيه غلظة؛ و والله ما مضى أخى نزار إلى ناصر الدّولة أفتكين بالإسكندرية لطلب إمامة ولا لادّعاء حق، ولكن طالب بالزوال للأفضل وإبطال أمره لما فعل معه. والله يلعن من يخالف ظاهره باطنه. فشكرها الناس على ذلك.
وكان سبب حضور أخت نزار فى هذا المجلس أنّ المأمون قال للآمر: قد كشفت الغطاء وفعلت ما لا يقدر أحد على فعله، وأما القصر فما لى فيه حيلة. ولوّح أن أخت نزار وأولادها لا يمكننى كشف أمرهم. فلمّا بلغ أخت نزار ذلك حضرت إلى الخليفة الآمر لتبرّئ نفسها، ورغبت أن تخرج للنّاس لتقول ما سمعته من والدها وشاهدته ليكون قولها حجّة على من يدى لأخيها ما ليس له. فاستحسن الآمر ذلك منها؛ وأحضر المأمون وأخاه شقيقه أبا الفضل جعفر بن المستعلى، واتّفقوا على يوم يجتمعون فيه. فلمّا كان فى شوّال عمل المجلس المذكور.
وأما النزاريّة فإنها تقول إن المستنصر مات والأفضل صاحب الأمر والمستحوذ على المملكة والجند جنده، وغلمان أبيه لا يعرفون سواه؛ وكان نزار، لما يرى من غلبة الأفضل على الدّولة، يتكلّم بما بلغه، فينكره، فلمّا مات المستنصر والأفضل متخوّف من شرّ نزار أقام أحمد ابنه (١)، المستعلى، لأنّه زوج أخته ولأنه صغير.
وفيها أراد الآمر أن يحضر إلى دار الملك فى يوم النّوروز الكائن فى جمادى الآخرة ويركب إليها فى المراكب على ما كان عليه الأفضل، فمنعه المأمون من ذلك، وقال:
стр. 782
يا مولانا، الأفضل لا يجرى مجرى أمير المؤمنين. وحمل إليه من الثياب الفاخرة برسم جهاته ما له قيمة جليلة (١).
وفى شوّال بلغ المأمون أن جزيرة قويسنا ومنية زفتى ليس فيهما جامع، فتقدّم إلى بعض خواصّه وخلع عليه، فسار وبنى جامعا على شاطئ النيل بمنية زفتى، وقرّر فيه خطيبا وإماما ومؤذنين، وفرش، وأطلق برسمه نظير ما للجوامع.
وفيه وصل الفقيه أبو بكر محمّد بن محمد الفهرى الطرطوشى (٢) من الإسكندرية بالكتاب الذى حمله: «سراج الملوك»، فأكرمه وأمر بإنزاله فى المجلس المهيّأ للإخوة، وتقدّم برفع أدوية (٣) الكتّاب وأوطئة الحسّاب وسلام الأمراء، وعمل السّماط، وسارع إلى البادهنج (٤)، واستدعى بالفقيه. فلمّا شاهده وقف، ونزل عن المرتبة، وجلس بين يديه؛ ثم انصرف، ومعه أخو المأمون، إلى مكان أعدّ له، وحمل إليه ما يحتاج له وأمر مشارف الجوالى (٥) أن يحمل له فى كل يوم خمسة دنانير بمقتضى توقيع مقتضب، فامتنع الفقيه وأبى أن يقبل غير الدينارين اللذين كانا له فى الأيام الأفضلية. وصار المأمون يستدعيه فى يومى راحته، ويبالغ فى كرامته، ويقضى شفاعاته.
وكان السبب فى حضوره أنه تكلّم فى الأيام الأفضليّة فى أمور المواريث وما يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام، وهو ربع العشر، وأمر توريث الابنة النصف،
стр. 783
فلم يقبل ذلك، ففاوض المأمون فيه وقال: هذه قضيّة وجدتها وما أحدثتها وهى تسمى بالمذهب الدارج، ويقال إنّ أمير الجيوش بدر هو الذى استجدها، وهى أنّ كلّ من مات يعمل فى ميراثه على حكم مذهبه، وقد مرّ على ذلك سنون وصار أمرا مشروعا، فكيف يجوز تغييره.
فقال له الفقيه: إذا علمت ما يخلّصك من الله غيرها فلك أجرها. فقال أنا نائب الخليفة، ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من الزّيدى، والإمامى والإسماعيلى أن الإرث جميعه للابنة خاصّة بلا عصبة ولا بيت مال، ويتمسّكون بأنه من كتاب الله كما يتمسك غيرهم، وأبو حنيفة، ﵀، يوافقهم فى القضيّة. فقال الفقيه: أنا مع وجود العصبة فلا بدّ من عدّتها (١). فقال المأمون أنا لا أقدر أن أردّ على الجماعة مذهبهم، والخليفة لا يرى به وينقضه على من أمر به؛ بل أرى بشفاعة الفقيه أن أردّ الجميع على رأى الدّولة فيرجع كلّ أحد على حكم رأيه فى مذهبه فيما يخلصه من الله، ويبطل حكم بيت المال الذى لم يذكره الله فى كتابه ولا أمر به الرّسول ﵇. فأجاب إلى ذلك.
وأمر الوزير أن يكتب به وأن يكتب بتعويض أمناء الحكم عمّا يقتضونه من ربع العشر بتقرير جار لهم فى كل شهر من مال الدّيوان على المواريث الحشرية (٢)
وأخذ الفقيه فى ذكر بقيّة حوائج أصحابه؛ وكتب منه توقيع فرّغت منه نسخ منها ما سيّر إلى الثّغور وكبار الأعمال، وشملته العلامة الآمريّة وبعدها العلامة المأمونية.
ونسخته بعد البسملة: «خرج أمر أمير المؤمنين بإنشاء هذا المنشور عند ما طالعه السّيد الأجلّ المأمون أمير الجيوش - ونعوته والدعاء - وهو الخالصة أفعاله فى حياطة المسلمين وذو المقاصد المصروفة إلى النظر فى مصالح الدّنيا والدّين، والهمّة الموقوفة على التّرقّى إلى درجات المتّقين، والعزائم الكافلة بتشديد أحوال الكافّة أجمعين؛ شيمة خصّه الله بفضيلتها جبلّة أسعد بجلالها وشريف مزيّتها. والله سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة، وأنحاء
стр. 784
الميامن كافلة ضامنة، من أمر المواريث وما أجراها عليه الحكام الدّارجون بتغاير نظرهم، وقرّروه من تغيير عمّا كان يعهد بتغلّب آرائهم، وما دخل عليها منهم من الفساد، والخروج بها عن المعهود المعتاد؛ وهو أن لكلّ دارج من الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم تحمّل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه فى حياته والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته؛ فيخلص لحرم ذوى التشيّع الوارثات جميع موروثهم؛ وهو المنهج القويم لقول الله سبحانه: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (١). ويحمل من سواهنّ على مذهب مخلّفيهنّ، ويشركهم بيت مال المسلمين فى موجودهم، ويحمل إليه جزء من أموالهم التى أحلّها الله لهنّ بعدهم، عدولا عن محجّة الدّولة، وخروجا عما جاء به العباد من الأئمة الذين نزل فى بيتهم الكتاب والحكمة، فهم قراء القرآن، وموضحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان، وإليهم سلّم المؤمنون، وعلى هديهم وإرشادهم يعوّل الموقنون؛ فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار فى ذلك على قاعدة واهية الأصول، بعيدة من التّحقيق خالية من المحصول، ولم ير إلاّ العود فيه إلى عادة آبائه المطهّرين، وأسلافه العلماء المهديّين، صلوات الله عليهم أجمعين. وخرج أمره إلى السّيد الأجلّ المأمون بالإيعاز إلى القاضى ثقة الملك النّائب فى الحكم عنه، بتحذيره، والأمر له بتحذير جميع النواب فى الأحكام بالمعزّيّة القاهرة ومصر وسائر الأعمال، دانيها وقاصيها، قريبها ونائيها، من الاستمرار على تلك السنّة المتجدّدة، ورفض تلك القوانين التى كانت معتمدة واستئناف العمل فى ذلك بما يراه الأئمة المطهرة، وأسلافه الكرام البررة، وإعادة جميع مواريث النّاس على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم إلى المعهود من رأى الدّولة فيها، والإفراج عنها برمّتها لمستحقّيها، من غير اعتراض عليهم فى قليلها ولا كثيرها؛ وأن يضربوا عمّا تقدّم صفحا، ويطووا دونه كشحا، منذ تاريخ هذا التوقيع، وفيما يأتى بعده مستمرّا غير مستدرك لما فات ومضى، ولا متعقب لما ذهب وانقضى».
«وليوف الأجلّ المأمون، عضّد الله به الدّين، بامتثال هذا المأمور، والاعتماد على مضمون هذا المسطور؛ وليحذّر كلاّ من القضاة والنوّاب، والمستخدمين فى الباب، وسائر
стр. 785
الأعمال، من اعتراض موجود أحد ممّن يسقط بالوفاة وله وارث بالغ رشيد، حاضر أو غائب، ذكرا كان أو أنثى، من سائر الناس على اختلاف الأديان بشئ من التأولات أو تعقب ورثته بنوع من أنواع التعقّبات، إلا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانين الشّرعيات الواجبات، نظرا إلى مصالح الكافّة، ومدّا لجناح العاطفة عليهم والرأفة، ومضاعفة للأنام وإبانة عن شريف القصد إليهم والاهتمام».
«فأمّا من يموت حشريّا ولا وارث له حاضر ولا غائب، فموجوده لبيت المال بأجمعه على الأوضاع السّليمة، والقوانين المعلومة القويمة، إلا ما يستحقه خرج (١) إن كان له أو دين عليه يثبت فى جهته. وإن سقط متوفّى وله وارث غائب فليحفظ الحكام والمستخدمون على تركته احتياطا حكميّا، وقانونا شرعيّا مصونا من الاصطلام (٢)، محروسا من التفريط والاخترام؛ فإن حضر وأثبت استحقاقه ذلك فى مجلس الحكم بالباب، على الأوضاع الشرعيّة الخالصة من الشّبه والارتياب، طولع بذلك ليخرج الأمر بتسليمه إليه والإشهاد بقبضه عليه.
«وكذلك نمى إلى حضرة أمير المؤمنين أنّ شهود الحكم بالباب وجميع الأعمال إذا شارف أحد منهم بيع شيء ممّا يجرى فى المواريث من الترك التى يتولاها الحكّام يأخذون ربع العشر من ثمن المبيع، فيعود ذلك بالنّقيصة فى أموال الأيتام، والتّعرّض إلى الممنوع الحرام، اصطلاحا استمرّوا على فعله، واعتمادا لم يجر الأمر فيه على حكمه؛ فكره ذلك وأنكره، واستفظعه (٣) وأكبره، واقتضى حسن نظره فى الفريقين، ما خرج به أمره من توفير مال الأيتام، وتعويض من يباشر ذلك من الشّهود جاريا يقام لكلّ منهم من الإنعام؛ وأمر بوضع هذا الرّسم وتعفيته، وإبطاله وحسم مادّته. فليعتمد القاضى ثقة الملك ذلك بالباب، وليصدر الإعلام إلى سائر النّوّاب، سلوكا لمحجّة الدّين، وعملا بأعمال الفائزين السعداء المتّقين، بعد تلاوة هذا التوقيع فى المسجدين الجامعين بالمعزّيّة القاهرة المحروسة ومدينة مصر على رءوس الأشهاد، ليتساوى فى معرفة مضمونه كلّ
стр. 786
قريب وبعيد وحاضر وباد؛ ولتفرّغ منه النّسخ إلى جميع النوّاب عنه فى الأعمال، وليجلّد فى مجلس الحكم بعد ثبوته فى ديوانى المجلس والخاصّ الآمرى، وحيث يثبت مثله إن شاء الله تعالى حجة مودعة فى اليوم وما بعده. وكتب لليلتين بقيتا من ذى القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة».
ثم حضر الفقيه أبو بكر لوداع الوزير (١)، وعرّفه ما عزم عليه من إنشاء مسجد بظاهر الثّغر على البحر، فكتب إلى ابن حديد بموافقة الفقيه على موضع يتخيّره، وأن يبالغ فى إتقانه وسرعة إنجازه، وتكون النفقة عليه من مال ديوانه دون مال الدولة. وتوجّه فبنى المسجد المذكور على باب البحر. وأما المسجد الذى بالمحجّة فإن المؤتمن عند مقامه بالثّغر بناه.
وذكر للمأمون أيضا أن واحات البهنسا (٢) ليس بها جمعة تقام، فأمر ببناء جامع بها، ففرغ منه وأقيم فيه خطيب وإمام وقومة ومؤذّنون، وأطلق لهم ما هى عادة أمثالهم.
وقيل إنّ الذى أنشأه المأمون فى وزارته وفى أيام الأفضل أحد وأربعون مسجدا، مع ما أمر بتجديده، بعد وزارته، بالقاهرة ومصر وأعمالهما ما يناهز مائتى مسجد.
فيه بنيت دار ضرب بالقاهرة (٣) ودار وكالة (٤).
стр. 787
وفى ذى القعدة مات الأمير السعيد محمود بن ظفر، والى قوص. وركب المأمون إلى الجامع الأزهر، فلمّا كان وقت صلاة الصبح تقدم قاضى القضاة ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن على الرّاسعينى وصلّى؛ فلمّا قرأ الفاتحة لحقه زمع (١) شديد وارتعد، فلحن فى الفاتحة؛ وقرأ: «وَالشَّمْسِ وَ ضُحاها»،﴾ فلمّا قال: «ناقَةَ اللهِ وَ سُقْياها» أرتج عليه، فردّ المؤتمن حيدرة، أخو المأمون، عليه، فاشتدّ زمعه، فكرّر عليه الرّدّ، فلم يهتد وقال:
«وسقناها» بالنون: فقرأ المأمون بقيّة السّورة وسجد النّاس. وقام فى الرّكعة الثانية وقد دهش فلم يفتح عليه بشئ؛ فقرأ المأمون الفاتحة «و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»،﴾ وقنت وهو معه يلقّنه. فلمّا انقضت الصّلاة اشتدّ غضب المأمون وأمر متولّى الباب بأن يختم المقرءون.
وتخيل المقام وخرج من الجامع، فوكل بالقاضى من يمضى به إلى داره ويأمره بالمقام بها من غير تصرّف حتى يحفظ القرآن؛ وقرّر له راتبا فيما بعد؛ ولزم داره.
وأنفذ للوقت إلى القاضى أبى الحجّاج يوسف بن أيّوب المغربى، من قضاة الغربية، فأحضره وخلع عليه فى القصر بذلة مذهبة، وسلّم به على الخليفة، وسلّم إليه السّجلّ فى لفافة مذهبة بنيابته فى الحكم العزيز والخطابة والصّلاة وديوان الأحباس (٢) ودور الضّرب بسائر أعمال المملكة؛ ونعت فيه بالقاضى جلال الملك تاج الأحكام؛ فقبّله ووضعه على رأسه. وتلى على منابر القاهرة ومصر.
وكان يحضر فى يومى الاثنين والخميس إلى مجلس المظالم بين يدى المأمون، ويستعرض القصص ويناقش فيها، ويباحث مباحثة الفقهاء العلماء، فزاد المأمون فى إكرامه، وردّ إليه وكالة الخليفة؛ وكتبت له الوكالة، وشرّف بالخلع.
وتولّى قوص الأمير مؤيّد الملك وخلع عليه؛ وأمر أن يبنى بقوص دار ضرب، وجهّز معه مهندسين وضرّابين وسكك العين والورق، وعشرين ألف دينار وعشرين ألف درهم
стр. 788
فضة؛ فضربت هناك دنانير ودراهم؛ وصار كل ما يصل من اليمن والحجاز من الدنانير العدنية وغيرها يضرب بها.
وصار ما يضرب باسم الآمر فى ستة مواضع: القاهرة، ومصر، وقوص، وعسقلان، وصور، والإسكندرية.
وقرّر للشيخ أبى جعفر يوسف بن أحمد بن حسدية بن يوسف، الإسرائيلى الأصل، لمّا قدم من الأندلس وصار ضيف الدّولة، جار وكسوة شتوية وعيديّة ورسوم (١)، وأقطع دارا بالقاهرة، وكتب له منشور نسخته بعد البسملة.
«ولمّا كان من أشرف ما طرّزت السّيرة بقدره، وأنفس ما وشّحت الدول بجميل أثره، تخليد الفضائل وإبداء ذكرها، وإظهار المعارف وإيضاح سرّها، لا سيّما صناعة الطّبّ التى هى غاية الجدوى والنفع، وورود الخبر بأنها قرينة إلى الشرع. لقوله ﷺ : «العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان» خرج أمر سيّدنا ومولانا لما يؤثره بعلوّ همّته من إنماء العلوم وإشهارها، واختصاص الدّولة الفاطميّة بإحياء الفضائل وتجديد آثارها، ليبقى جمال ذلك شاهدا لها على مرّ الأيّام، متّسقا بما أفشاه لها من المآثر الجمّة والمفاخر الجسام، لشيخنا أبى جعفر يوسف بن أحمد بن حسدية، أيده الله، لصرف رعايته إلى شرح كتب أبقراط التى هى أشرف كتب الطّبّ وأوفاها، وأكثرها إغماضا وأبقاها، وإلى التّصنيف فى غير ذلك من أنحاء العلوم، ممّا يكون منسوبا إلى الأوامر العالية، ورسم التّوفّر على ذلك والانتصاب له، وحمل ما يكمل أوّلا أوّلا إلى خزائن الكتب، وإقراء جميع من يحضر إليه من أهل هذه الصّناعة، وعرض من يدّعيها واستشفافه فيما يعانيه؛ فمن كملت عنده صناعته فليجره على رسمه، ومن كان مقصّرا فليستنهضه. واعتمدنا عليه فى ذلك لكونه مميزا فى البراعة فى العلوم متصرّفا فى فنونها، مقدّما فى بسطها وإظهار مكنونها، ولأنّه يبلغ الغرض المقصود فى شرح هذه الكتب ويوفى عليه، ويسلك أوضح السّبل وأسدّها إليه، وفى جميع ما شرع له. فليشرع فى ذلك مستعينا بالله، منفسح الأمل
стр. 789
بإنهاضنا له، وجميل رأينا فيه، بعد ثبوته فى الدّواوين إن شاء الله تعالى. وكتب فى ذى القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة».
فانتصب لطالبى علم الطبّ وأقبل أطبّاء البلدين إليه، واجتمع فى أيدى الناس من أماليه كثير، وجعل له يومين فى الجمعة يشتغل فيهما، ويتوفّر فى بقيّة الأسبوع على التّصنيف، وحمل ذلك إلى الخزائن؛ واستخدم كاتبين لتبييض ما يؤلّفه.
ولمّا أهل ذو الحجّة جرى الحال فى الهناء ومدائح الشّعراء فى القصر بين يدى الخليفة وبالدّار المأمونية على الحال المستقرّة، واستقبله المأمون بالصّيام، وأخرج من ماله ما زاد عن المستقرّ فى كلّ عام، برسم الأطفال من الفقراء والأيتام، من أهل البلدين وغيرهم؛ ولم يتعرّض لطلب ذلك من المميّزين بحكم ما يعملونه من السّنين المتقادمة.
وممّا ابتكره ولم يسبقه إليه أحد أن استعمل ميقاط حرير فيه ثلاث جلاجل، وفتح باب طاقة فى الرّوشن من سور داره؛ فصار إذا مضى شطر اللّيل وانقطع المشى طرحت السّلسلة ودلّى الميقاط من الطّاق، وعلى هذا المكان جماعة مبيّتون بحقه من المغاربة؛ فمن حضر من الرّجال والنّساء بتظلّمه سدد قصّة فى الميقاط بيده ويحرّكه بعد أن يقف من حضره على مضمون الرّقعة؛ فإن كانت مرافعة لم يمكّنوه من رفعها، وإن كانت ظلامة مكّنوه من ذلك ويعوّق صاحبها إلى أن يخرج الجواب.
وكان القصد بعمل ذلك أنّه من حدث به ضرر من أهل السّتر، أو كانت امرأة من غير ذات البروز ولا تحبّ أن تظهر، أو كانت مظلمة فى الليل تتعجّل مضرّتها قبل النهار فلتأت لهذا الميقاط.
وحضرت كسوة عيد النحر، وفرقت الرسوم على من جرت عادته بها، خارجا عمّا أمر به من تفرقة العين المختص بهذا العيد وأضحيته، فكان منها سبعة عشر ألفا وستمائة دينار برسم القصور جميعها، وجملة ما نحر وذبح الخليفة خاصة، دون الوزير، فى ثلاثة أيام النحر ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا؛ منها نوق مائة وثلاثة عشر، وبقر ثمانية عشر رأسا، وجاموس خمسة عشر، والبقية كباش، ومبلغ المصروف على أسمطة الثلاثة
стр. 790
أيام (١)، خارجا عن أسمطة الوزير، ألف وثلاثمائة وستة وعشرون دينارا، ومن السّكّر ثمانية وأربعون دينارا.
وعمل عيد الغدير (٢) على رسمه. وركب الخليفة إلى قليوب، ونزل بالبستان العزيزى لمشاهدة قصر الورد (٣)، على العادة المستقرّة والسنة المتقدمة، وفرّقت الصّدقات فى مسافة الطريق، وضربت الخيم، وقدّمت الأسمطة. ثم عاد فى آخر النهار إلى قصره.
وفى هذه السنة سيّر المأمون وحشىّ بن طلائع إلى صور، فقبض على مسعود بن سلار، واليها لمخالفته، وأحضره.
وفيها تجهّز الأسطول وسارت المراكب، فيها خمسة عشر ألف إردب قمحا وأقوات كثيرة، إلى صور. فلمّا وصل خرج إليه سيف الدولة مسعود واليها من جهة طغتكين، فلمّا سلّم عليهم سألوه النّزول إليهم؛ فلمّا حصل فى المركب اعتقل، وأقلع الأسطول به إلى مصر، فأكرم وأنزل فى دار، وأطلق له ما يحتاج إليه. وسبب القبض عليه كثرة شكوى أهل صور منه (٤).
وفيها وصل البدل من ثغر عسقلان على العادة.
стр. 791
سنة سبع عشرة وخمسمائة (١)
فى غرّتها عمل برسم أول العام (٢)؛ ثم حزن عاشوراء (٣)، فالمولد الآمرى على ما جرى به الرّسم. وخلع على المؤتمن سلطان الملوك نظام الدين أبى تراب حيدرة، أخى الوزير المأمون، بدلة مذهبة خاصّ من لباس الخليفة، وطوق ذهب، وسيف ذهب بغير منطقة، وشرّف بتقبيل يد الخليفة فى مجلسه؛ وسلّم إليه تقليد فى لفافة مذهبة بولاية الإسكندرية والأعمال البحريّة؛ وشدّت له الأعلام القصب والفضة والعمّاريات (٤)، وحمل بين يديه الأكياس برسم التفرقة. وحجبه الأمراء والأستاذون، وقبّل أبواب القصر، ومضى إلى داره؛ وأطلق له من ارتفاع ثغر الإسكندرية على الولايتين فى الشهر خمسمائة دينار.
وثار اللّواتيّون وغيرهم بالصّعيد الأدنى، وقتلوا زين الدّولة علىّ بن تراب الوالى، وعاثوا فى البلاد وأفسدوا. فخرج إليهم المؤتمن أخو الوزير وتاج الدّولة بهرام زنان (٥) الأرمن فى عدّة وافرة، فانهزموا بين يديه، وأحاط بما خلّفوه من المواشى.
стр. 792
وبلغه نزول مراكب الرّوم والبنادقة، وهى بضع وعشرون مركبا، على الإسكندرية، فبادر إليها (المؤتمن) (١)؛ فلمّا شاهده العدوّ أقلع، فأخذ منهم عدة قطع. وقدم على المؤتمن مشايخ اللّواتيّين والتزموا بحمل ثلاثين ألف دينار فى نظير جنايتهم، وأن يعفى عنهم؛ فأجابهم الوزير إلى ذلك؛ وحمل المال مع الرهائن.
وكان المؤتمن لمّا قدم إلى الثّغر خيّم بظاهره، وقبل من القاضى مكين الدّولة أبى طالب أحمد بن الحسن بن حديد بن أحمد بن محمّد بن حمدون، المعروف بابن حديد، متولّى الأحكام والإشراف بها، ما حمله إليه على حكم الضيافة ثلاثة أيّام، ثم أمره بإنفاقها بعد ذلك إلا ما يقتضيه رسمه خاصّة. وأظهر كتاب أخيه الوزير بأنّ الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة، وكذلك الأغنام مع قطيعة العربان؛ فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق، وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة. وأمره ألا يقبل من أحد من التجار ضيافة ولا هديّة.
وأظهر كتابا آخر إلى مكين الدّولة بأن يطلق فى كلّ يوم من ارتفاع الثغر من العين ما يبتاع به جميع ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر. وكان يستخدم عليها من يراه من الشهود.
وكان تجار الثغر قد حملوا ثلاثة آلاف دينار فأبى المؤتمن قبولها (٢)، وأمر بإعادتها إلى أربابها؛ فأخذ مكين الدّولة يتلطّف فى أن يكون عوض ذلك طرفا وطيبا؛ فأقسم أنه لا يقبل منهم شيئا. واستمرت الأسمطة فى كل يوم؛ ولم يقبل لأحد هديّة.
واتّفق أنّ المؤتمن وصف له الطبيب دهن شمع والقاضى مكين الدولة حاضر، فأمر فى الحال بعض غلمانه بالمضىّ إلى داره ليحضر الدّهن المذكور، فلم يكن أكثر من مسافة الطريق حتى أحضر صرّا مختوما فكّ عنه، فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مداف (٣) بللّور فيه ثلاث بيوت كل بيت عليه قتد ذهب مشبكة مرصّعة بياقوت وجوهر؛
стр. 793
بيت دهن بمسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بغير طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته. فلمّا رآه المؤتمن والحاضرون (عجبوا) (١) من علوّ قيمة القاضى وجليل رئاسته وسعة نفسه؛ وحلف (القاضى) (٢) الحرام إن عاد إلى ملكه. فقال المؤتمن؛ قد قبلته منك ليس لحاجة إليه، ولا نظر فى قيمته، بل لإظهار هذه الهمّة وإذاعتها. وذكر أن قيمة المداف المذكور خمسمائة دينار.
وخلع المؤتمن على القاضى بذلة مذهبة بطيلسان مقور وثياب حرير، وقدّم له دابّة بمركب حلى ثقيل؛ ثم خلع عليه فى اليوم الثانى والثالث كذلك. وخلع على أخيه حلّتين مكلّلتين مذهبتين ورزمة فيها شقق حريريّة ممّا يختصّ بالنساء. وأنعم على كلّ من حواشيه وأصحابه.
وعاد إلى القاهرة، فمدحه عدّة من الشعراء.
وورد رسل ظهير الدّين طغتكين، صاحب دمشق، وآق سنقر، صاحب حلب (٣)، بالحثّ على غزو الفرنج، وكبيرهم علىّ بن حامد، الحاجب. فلمّا وصلا باب الفتوح ترجّلا وقبّلاه، ومشيا إلى أبواب القصور ففعلا مثل ذلك؛ وأوقفا عند باب البحر (٤)
стр. 794
قدر ما جلس الخليفة. فجهّز عسكر فى البرّ مقدّمه حسام الملك النرسى، وسار الأسطول فى أربعين شينيّا فوصلوا إلى عسقلان؛ وخرجت الغارات وعادت بالغنيمة.
فاجتمعت طوائف الفرنج، وكتب إلى حسام الملك أن يقيم بالثغر، ويلقى الفرنج عليه ولا يتعدّاه، فخالف ذلك، وتوجّه مخفّا بغير ثقل ونزل على يافا فقتل وأسر. فعند ما قصده الفرنج رحل وهم يتبعونه حتى وافى تبنى (١) فلقيهم هناك، فانهزم العسكر من غير قتال، وقتل الرّاجل بأسره، وعاد من بقى مهزوما إلى عسقلان.
ووصل الخبر بذلك فأهمّ الآمر والمأمون، واشتد الحنق على حسام الملك لسوء تدبيره؛ فآل أمره بعد أمور إلى أن قتل.
فيها خرج أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وإلزام المتعيّشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلا ونهارا. ولذلك ألزم أصحاب القرب وتقرّر أن يبيتوا على باب المعونة ومعهم عدّة من الفعلة بالطّوارى والمساحى، وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما (٢).
وعمل بعض التجّار لابنته فرحا فى إحدى الآدر المعروفة بالأفراح، فتسوّر ملاّك الدّار على النّساء وأشرفوا عليهن والعروس فى المجلى، فأنكر عليهم ذلك، فأساءوا وأفسدوا على الرّجل ما صنعه؛ فخرج مستغيثا، فخشوا عاقبة فعلهم؛ فما زالوا به حتى كفّ عن شكواهم. فلما حضر (٣) والى مصر بالمطالعة فى الصباح إلى الوزير على عادته، قيل له:
لم لا ذكرت فى مطالعتك ما جرى للتّاجر الذى عمل فرح ابنته؟ فاعتذر بأنّ المرسوم له ألا يذكر ما يخرج عن السّلامة والعافية ولم يتّصل به ما جرى فى الفرح.
فأسمعه ما أمضّه، وبيّن عجزه وتقصيره، وقال له، والسّلامة والعافية أن يخرج بالرّجل ويهان وتنتهك حرمته ولا يجد ناصرا!!.
стр. 795
فرسم بإحضار شاهدين ومهندسين، وتوجّهوا إلى سائر الدّور المختصّة بالأفراح وإحضار ملاّكها، فمن رغب فى استمرار ملكه على حاله فليزل التطرّق إليه ويكتب عليه حجّة بالقسامة بذلك. ومن لم يرغب فلتؤخذ عليه الحجة بألا يوجد ملكه للأفراح ويتصرف فيه على ما يريد. فامتثل ذلك.
وجرى الرسم فى عمل المولد الكريم النبوىّ فى ربيع الأوّل على العادة.
وكتب لجميع الأعمال، خلا قوص وصور وعسقلان، بمطالعة كلّ وال منهم فى مستهلّ كلّ شهر بمن حواه السّجن والموجب لاعتقاله، ويبيّن كلّ منهم ذلك ويعتمد فيه الحقّ.
وسبب ذلك أنّه رفع إلى المأمون أنّ بعض الولاة يعتقل من لا يجب عليه اعتقال، لطلب رشوة، فتطول مدّته.
وفيه قرّر برسم رش ما بين البلدين، مصر والقاهرة، فى كلّ يوم من اليومين اللّذين يركب فيهما الخليفة ممّا يصرف للسّقاءين دينار واحد؛ فاستمرّ ذلك يطلق لهم إلى الأيام الحافظيّة. وكان سبب إطلاق هذا القدر أنه رفع للوزير المأمون أنّ واليى القاهرة ومصر يأخذان جميع السّقّائين أرباب الجمال والدّوابّ لرشّ ما بين البلدين سخرة بغير أجرة.
وفى جمادى الآخرة أعيد ثغر صور إلى ظهير الدّين طغتكين، صاحب دمشق، وكتب له بذلك، وفخّم فيه وعظّم، ونعت بسيف أمير المؤمنين (١)؛ وجهّزت إليه الخلعة، وهى بدلة طميم منديلها (٢) طوله مائة ذراع شرب، فيه ثمانية وعشرون ذراعا مرقومة بذهب عراقى، وثوب طميم جميعه برقم ذهب عراقى، سلف المنديل والثوب ألف دينار، وثوب دبيقى وسطانى،
стр. 796
وثوب سقلاطون (١) دارى، وثوب عتابى، وشاشية دبيقى، ولفافة؛ وجميع ذلك فى تخت مبطّن عليه لفافة دبيقى؛ وغير ذلك من الكساوى برسم نسائه وأصحابه. وجهّز لأمين الدولة جمشتكين، صاحب صلخد (٢)، بذلة مذهبة ومنديلها، وعدّة ثياب، وغيرها.
فى شعبان وصلت الأساطيل بمن فيها سالمين، وقد غنموا شينيين من شوانى الفرنج وبطشة كبرى (٣)، وعدة من النساء والرّجال (٤). وذكر للمأمون أنّ الأسرى المذكورين يؤخذ منهم فى الفداء ما يزيد عن عشرين ألف دينار عينا؛ فقال: والله لا أبقى منهم أحدا؛ قد قتل لنا خمسمائة رجل يساوون مائة ألف، وقد أظفر الله بما يكون دية عنهم؛ لا يشاع عنا أنّا بعنا الفرنج وربحنا أثمانهم عوضا عن رجالنا.
وركب الخليفة بما جرت به العادة، واصطفت العساكر بالعدد والأسلحة؛ وعاد، وخلع على الأمراء وعلى زمام الأسطول والرّؤساء.
وحضرت الحجّاب، المندوبين لقتل الفرنج، بأنهم لمّا شاهدوا الحال بذلوا فى خلاص أنفسهم ثلاثين ألف دينار، وأنه يرجى منهم أكثر من ذلك؛ فكتب الجواب بالإنكار وإمضاء السّيف فيهم؛ فقتل الرجال بأسرهم وقد اجتمع الناس وضجّوا بالتّهليل والتكبير عند قتلهم، فكان أمرا مهولا. وقد ذكر هذا اليوم عدّة من الشعراء.
وجرى الرسم فى أسمطة شهر رمضان، والرّكوب إلى الجمع، وفى كسوة غرّة شهر رمضان على العادة.
стр. 797
وفيه سيّر هلال الدّولة سوارا رسولا إلى حرّة اليمن (١) وصحبته برسمها من التشريف مما لبسه الخليفة وما زج عرقه من الحلل المذهبات والملاءات الشرب المذهبة والشقق النّفوسى والمغربى المقصور والإسكندرانى المطرّز جملة كثيرة فى تخوت مدهونة مبطّنة، وسلال مملوءة من لحم النّاقة التى نحرت بالمصلّى، واثنى عشر مجلسا من المساطير (٢) التى تقرأ كلّ خميس وعليها علامة الخليفة، وكثير من النحاس القضيب والمرجان. وكتب إليها كتابا فى قطع الثّلثين (٣) أوله:
«من عبد الله ووليّه المنصور أبى على الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين، ابن الإمام المستعلى بالله أمير المؤمنين، صلّى الله عليهما، إلى الحرّة الملكة السّيدة الرّضية، الطاهرة الزّكيّة، وحيدة الزّمن، سيّدة ملوك اليمن، عدّة الإسلام، خالصة الإمام، نصيرة الدّين، عصمة المسترشدين، كهف المستجيرين، وليّة أمير المؤمنين وكافية أوليائه الميامين، أدام الله تمكينها ونعمتها، وأحسن توفيقها ومعونتها».
وفى آخره: «وأمير المؤمنين متطلع إلى علم أخبارك، ومعرفة أنبائك، فتواصلى بإنهاء المتجدّد منها إن شاء الله. والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته». ويطوى مدوّرا ويختم بحرير وأشرطة ذهب وعنبر ويجعل فى خريطة.
فيه قرئ بالجامع العتيق منشور، نسخته بعد التّصدير:
стр. 798
«بأنّنا لم نزل منذ ناطت بنا الحضرة المطهرة، صلوات الله عليها، الأمور، وعوّلت على كفايتنا فى سياسة الجمهور، وردّت إلينا النظر فيما وراء سرير خلافتها، وفوّضت إلى إيالتنا من مصالح دولتها، وعبيدها ورعيّتها، فى محاسن الأفعال ناظرين، وعلى بسط العدل والإحسان على الكافّة متوفّرين، وبحسن توفيق الله تعالى لنا واثقين، وبمراشده الهادية مسترشدين، فلا ندع وجها من دعوة البرّ إلاّ قصدناه، ولا بابا من أبواب الخير إلاّ ولجناه، ولا نعلم أمرا فيه قربى إلى الله سبحانه إلا وتقع المرتبة إلاّ أتيناه، ولا شيئا يعود بثواب الله وحسن الأحدوثة إلاّ اعتمدناه؛ شيمة خصّنا الله تعالى بميزتها، وسجيّة أسبغ علينا جلاليب أمنها وسعادتها؛ وعملا فى ذلك بشريف آراء الحضرة المطهرة، صلوات الله عليها، وجميل سيرتها، واستمرارا على منهج الدولة الزاهرة، خلّد الله ملكها، وكريم عادتها، وذهابا فى ذلك مع سجيّتها الحسنى، ونشرا لأرج ذكرها فى الأبعد والأدنى. والله تعالى المسئول أن يعيننا على مصالح الدنيا والدّين، ويقضى لنا بالفوز المبين، ويصلح لنا وبنا كلّ فاسد، وينظم لنا عقود السّعود والمحامد بمنّه. ولمّا كان أحسن ما تطرّز به محاسن السّير، وتتناقل ذكره ألسنة البدو والحضر، وتجنى ثمرته فى الدّنيا والآخرة، وتحمد مغبّته فى العاجلة والآجلة، التقرّب إلى الله تعالى فى كلّ أوان، وابتغاء ثوابه فى كلّ زمان، لا سيّما شهر رمضان، الذى تزكو فيه أفعال البرّ والصّلاح، وتتضاعف فيه الحسنات فى الغدوّ والرّواح؛ رأينا ما خرج به أمرنا من كتب هذا المنشور بمسامحة كافّة سكان الرّباع السلطانيّة (١) بالقاهرة ومصر من الأدر والحمامات والحوانيت والمعاصر والأخونة والطواحين والعرس، وجميع ما يجرى فى الرّباع خارجا من ريع الأحباس وريع المواريث المنصرف مستخرج ارتفاعها فيما يجرى هذا المجرى من وجوه البرّ، بأجرة شهر رمضان من كلّ سنة، لاستقبال رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة وما بعدها، إحسانا يسير ذكره كلّ مسير، وتعظيما لحرمة هذا الشهر العظيم الخطير، الذى فضله الله على جميع الشهور، وأنزل فيه قرآنه المجيد، وفرض صيامه على أهل التوحيد؛ وحضّهم فيه على الأفعال المزلفة لديه،
стр. 799
ووعد من عمل فيه خيرا بمضاعفة الجزاء عليه. فليعتمد العمل بما تضمّنه هذا المنشور، وحطيطة أمره شهر رمضان عن جميع سكان الربع المذكور لاستقبال التاريخ المقدّم منسوبا ذلك إلى القرب الصّالحة والتّجارة الرّابحة، ويفسح فى جميع الدّواوين حجّة بمودعه، وليجلّد بالمسجد الجامع العتيق بمدينة مصر، منعا لمن يروم المطول فيه، أو يفضّ شيئا من وصفه، إن شاء الله».
فلمّا قرئ هذا المنشور ضجّ العامّة بالدعاء ونظم فيه عدّة من الشعراء.
وجرى الرّسم فى وصول كسوة العيد، وهى العدّة الكثيرة، وتفريقها على العادة. وعمل الختم فى آخر الشهر بالقصر والجوامع والمساجد؛ وحصل الاهتمام بالعيد؛ وركب الخليفة إلى المصلّى على العادة، وصلّى بالناس صلاة العيد، وخطب، وحضر السّماط.
وجرى الحال فى يوم عاشوراء، وفى المولد الآمرى، على المألوف.
فيه كان المولد العيسوى، ففرّق ما جرت به العادة من الجامات القاهرية والجامات السّميذ، وقرابات الجلاب وطيافير الزّلابية، والبورى، على أصحاب الرسوم. وعمل فى شهر ربيع الأول المولد الكريم، وفرّق المال على الرّسم.
وفيها وصل رسول الأمير تاج الخلافة أبى منصور حسن بن على بن يحيى بن تميم بن معز ابن باديس (١)، صاحب المهدية، يخبر بانحيازه للدولة، وأنّ رجار بن رجار (٢)، صاحب صقلية تواصلت أذيّته وقد استعدّ لمحاربته؛ وسأل أن يسير لرجار يمنعه من ذلك. فسيّر إليه مصطنع الدّولة على بن أحمد بن زين الخد، فأصلح بينهما.
وفيها نقل المأمون الرّصد من الجبل المطلّ على راشدة إلى علو باب النّصر بالقاهرة.
وفيها توفى ولىّ الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعى الدّعاة، فاستقرّ عوضه أبو محمّد
стр. 800
حسن بن آدم، وكان يدعى بالقاضى لأبوته وسنّه واشتهاره بالعلم. فبعث الآمر بأحكام الله إلى الوزير المأمون أن يستخدم أبا الفخر صالحا، فذكر المأمون أن أكثر المجالس التى كانت تعمل فى أيام النّعمان بخط أبيه، وأنّ أبا الفخر حدث السّنّ ولا يماثل المذكور فى العلم؛ وأضيف إليه الخطابة بالجامع الأزهر مع قراءته الكتب.
وورد الخبر بأنّ الفرنج افتدوا بغدوين رويس الملك بثمانين ألف دينار وثلاثين أسيرا من المسلمين. وكان صاحب حلب قد أسره فى وقعة له مع الفرنج (١).
وعمل ما جرى به الرسم فى مواسم السنة.
وفيها جرت عمارة سور الإسكندرية.
وفيها حمل إلى عسقلان ثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وأحد وثلاثون إردبا من الغلال.
стр. 801
سنة ثمان عشرة وخمسمائة (١)
فيها ملك الفرنج مدينة صور، واستمرّت بأيديهم حتى زالت الدولة الفاطميّة. وكان أخذهم إياها بعد محاصرتها مدة، وتقاصر المأمون عن نجدتهم، وأعانهم طغتكين صاحب دمشق، ووصل إلى بانياس وراسل الفرنج؛ فاستقرّ الأمر على أن الفرنج تستولى عليها بالأمان، فخرج أهلها بما خفّ حمله، وتفرقوا فى البلاد. وكان تملّكهم لها فى يوم الاثنين ثالث عشرى جمادى الآخرة (٢).
وفيها أمر ببناء دار واسعة ليتفرّج النّاس فيها عند كسر خليج القاهرة بالكراء.
وذلك أنّ الناس عند كسر الخليج (٣) كانوا يصنعون أخشابا متراكبة بعضها على بعض، يجلسون فوقها للتفرّج يوم كسر الخليج، ولم يكن هناك غير دار الأمير أبى عبد الله محمد بن المستنصر ودار ابن معشر. ولم تزل هذه الأدر الثلاثة إلى أن احترقت فى نوبة شاور (٤).
стр. 802
فيها مات بألموت الحسن بن صباح كبير الإسماعيلية. وقد تقدّم أنه ورد مصر فى أيّام المستنصر وسار إلى المشرق بدعوته، واستولى على قلعة ألموت واعتقد إمامه نزار بن المستنصر، وأنكر إمامة المستعلى وإمامة الآمر. وانتدب عدّة لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش فلمّا تقلّد المأمون البطائحى وزارة الآمر بعد قتل الأفضل بلغه أنّ ابن صباح والباطنيّة فرحوا بموت الأفضل، وأنهم تطاولوا لقتل الآمر والمأمون، وأنّهم بعثوا طائفة لأصحابهم بمصر بأموال. فتقدّم المأمون إلى والى عسقلان بصرفه وإقامة غيره، وأمره بعرض أرباب الخدم بها، وألا يترك فيها إلاّ من هو معروف من أهل البلاد؛ وأكّد عليه فى الاجتهاد والكشف عن أحوال الواصلين من التّجّار وغيرهم، وأنّه لا يثق بما يذكرونه من أسمائهم وكناهم وبلادهم، بل يكشف من بعضهم عن بعض ويفرّق بينهم ويبالغ فى الاستقصاء.
ومن يصل ممّن لم تجر عادته بالمجيء إلى البلاد فليعوقه بالثغر ويطالع بحاله وما معه من البضائع، ولا يمكن جمّالا من دخول مصر إلاّ أن يكون معروفا متردّدا إلى البلاد؛ ولا يسير قافلة إلا بعد أن يتقدّم كتابه إلى الدّيوان بعدّة من فيها وأسمائهم وأسماء غلمانهم وأسماء الجمّالين وذكر أصناف البضائع، ليقابل بها فى مدينة بلبيس وعند وصولهم إلى الباب، وأنه يكرّم التجّار ويكفّ الأذى والضّرر عنهم.
ثم تقدّم المأمون إلى والى مصر ووالى القاهرة بأن يصقعا البلدين شارعا شارعا وحارة حارة وزقاقا زقاقا وخطّا خطّا، ويكتبا أسماء سكّانها، ولا يمكّنا أحدا من النّقلة من منزل الى منزل حتّى يستأذناه ويخرج أمره، بما يعتمد فى ذلك. فمضيا لذلك، وحرّرا الأوراق بأسماء جميع سكّان القاهرة ومصر وذكر خططهما، والتّعريف بكنية كلّ واحد وشهرته وصناعته وبلده، ومن يصل إلى كلّ خط وحارة من الغرباء.
فلمّا عرف ذلك المأمون انتدب نساء من أهل الخبرة والمعرفة للدخول إلى جميع المساكن والاطلاع على أحوال ساكنيها الباطنيّة ومطالعته بجميع ما يشاهدنه فيها؛ فكانت أحوال كافّة الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم من ساكنى مصر والقاهرة تعرض عليه، ولا يكاد يخفى عنه منها شيء البتّة. فامتنع لذلك الباطنيّة مما كانوا قد عزموا عليه من الفتك بالآمر وبالمأمون لكفّهم عن دخول البلد.
стр. 803
ثم إنه مع ذلك أركب العسكرية وفرقهم فى جهات البلدين، وأمرهم بالقبض على جماعة عيّنهم، فقبض على جماعة كثيرة، منهم رجل كان يقرئ أولاد الخليفة الآمر، ومنهم رسل كان ابن صباح قد سيّرهم بمال لينفق على من بمصر ممّن يرى رأيهم. فكان هذا معدودا من عظيم الحزم، وقوّة التدبير. ومع ذلك كان له القصّاد والجواسيس وأصحاب الخبر فى كلّ قطر، فإذا خرج الباطنىّ من قلاع ألموت لا تزال أخباره ترد عليه شيئا بعد شيء منذ يخرج من مكانه حتّى يرد بلبيس، فيسيّر إليه من ينقض عليه فى مكانه الذى نزل فيه ويأتيه به فيقتله. وصار من أجل ذلك وبسببه يرد عليه أخبار كلّ جليل وحقير من سائر مملكته، حتّى كان يرى ويسمع كل ما يتفق فى ليل أو نهار. وامتنع من الباطنية إلى أن مات رئيسهم الحسن بن صباح بعد ما ملك من الشام جبل عاملة (١)، وحصن العليق، والكهف، ومصياث (٢)، والخوابى (٣)، وحصن الأكمة (٤)، وقلعة العيدين؛ ثم امتدّت مملكته بعد موته إلى حد شرقى آذربيجان وبحر طبرستان وجرجان.
стр. 804
سنة تسع عشرة وخمسمائة (١)
فيها قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون فى ليلة السبت لأربع خلون من شهر رمضان، وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلا من أهله وخواصّه، واعتقله. فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرصع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه. ووجد لأخيه المؤتمن أربعون سرجا بحلى ذهب وثلاثمائة صندوق فيها كسوة بدنه، ومائتا سلة ما بين بلّور محكم وصينى لا يقدر على مثلها، ومائة برنية مملوءة كافور قنصورى؛ ومائة سفط مملوءة عودا؛ ومن ملابس النساء ما لا يحدّ. حمل جميع ذلك إلى القصر، وصلبه مع إخوته فى سنة اثنتين وعشرين.
ويقال إنّ سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى، أخى الآمر، يعزّيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه فى الخلافة؛ فلما تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجلّ، أبا الحسن على بن أبى أسامة، كاتب الدست، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه، وكان المأمون يؤذيه كثيرا. فبلغ الخليفة الحال، وبلغه أيضا أنه بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن (٢) وأمره أن يضرب السّكة ويكتب عليها: الإمام المختار محمّد بن نزار.
ويقال إنه سمّ مبضعا ودفعه لفصّاد الخليفة، فأعلم الفصّاد الخليفة بالمبضع.
ومولده فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وقيل فى سنة تسع. وكان من ذوى الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدّول، كريما، واسع الصدر، سفّاكا للدّماء، شديد التحرّز، كثير التطلّع إلى أحوال النّاس من الجند والعامّة؛ فكثر الواشون والسّعاة بالناس فى أيامه.
стр. 805
ويقال إنّ أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق، وأنه مات ولم يخلّف شيئا، فتزوّجت أمه وتركته فقيرا، فاتصل بإنسان يعلّم البناء بمصر، ثم صار يحمل الأمتعة بالسّوق بمصر، وأنه دخل مع الحمّالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفا رشيقا حسن الحركة حلو الكلام، فأعجب به، فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف بأنه ابن فلان، فلم يزل يتقدّم عنده حتى كبرت منزلته، وعلت درجته (١).
وهذا ليس بصحيح فإنّه من أجناد المشارقة، وقد تقدّم أن أباه مات فى زمن الأفضل بعد ما ترقّت أحوال ولده، وأنه كان ممّن يعدّ من أماثل أهل الدولة. ورثى بعدّة قصائد.
وتقدّم أن المأمون كان ممّن يخدم المستنصر وأنه الذى لقّبه بالمأمون. على أن المشارقة زادوا فى التشنيع وذكروا أنّه كان يرشّ الماء بين القصرين (٢)، وكل ذلك غير صحيح.
وكان المأمون شديد المهابة فى النفوس وعنده فطنة تامة وتحرّز وبحث عن أخبار النّاس وأحوالهم، حتى إنه لا يتحدث أحد من سكّان القاهرة ومصر بحديث فى ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون، ولا سيّما أخبار الولاة وعمالهم. ومشت فى أيامه أحوال البلاد وعمرت، وساس الرّعايا والأجناد وأحسن سياسته، إلاّ أنه اتّهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدّهم له وأمرهم بقتله ليجعل له بذلك يدا عند الخليفة الآمر، ولأنه كان يخاف أن يموت الأفضل فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنّه كان أكبر الناس منزلة عند الأفضل ومتحكما فى جميع أموره. وكان مع ذلك محبّبا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من حوائجهم ويتقرّب به من الإحسان إليهم، ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسّيرة الحسنة، بحيث لو قدّر موته لزار النّاس قبره تبرّكا به.
واتّهم أيضا بأنه هو الذى قتل أولاد الأفضل وأولاد أخيه الأوحد وأولاد أخيه المظفر، وكانوا نحو مائة ذكر ما بين كبير وصغير، فقتلوا بأجمعهم، ولم يبق منهم سوى صغير
стр. 806
نحيف يسمى أحمد أبا علىّ ويلقب بكتيفات، فيقال إنّه احتقره لما كان يرى فيه من العىّ والانقطاع؛ فكان منه ما يأتى خبره إن شاء الله تعالى.
واتّهم أيضا بقتل الأمير حسام الملك أفتكين، صاحب الباب، فى أيام الأفضل لتخوفه منه؛ وذلك أن حسام الملك دخل مرّة على الآمر للسلام، فلمّا خرج قال الآمر:
والله إنك لأمير حسن؛ فانه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه. فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ فى العمل عليه حتى أخرجه فى العساكر التى يقال إنّ عدّتها عشرون ألفا، فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان، وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف، وعاد حسام الملك فبعثه إلى الإسكندرية ودسّ عليه من قتله.
قال ابن الطوير: ولمّا دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل، وكان يخاطب بالقائد من خدمة الأفضل فى الوساطة دون الوزارة، ونعته بجلال الإسلام. واستمرّ على ذلك، ثم كمّل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان المقوّر، فباشرها، وكان متيقظا قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول خدمته إيّاه. وكان بالدّار التى بالسيوفيّين بالقاهرة، وهى اليوم مدرسة للحنفيّة (١)، وأخذ يصبّ على تغلّب الأفضل مع الآمر، فصار يتغلّب على الآمر فى واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام، والآمر يملى له ويحتمله، حتى استوحش كل منهما من الآخر.
وكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبى تراب حيدرة، فرأى من الرأى أن يولى أخاه جانبا عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النّجدة ردءا إذا قصده الخليفة بضرر، فإنه ما دام أخوه يكون حاميا له، فيكون هو من داخل وأخوه من خارج. وجرّد معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم، وأضاف إليهم أمثالهم، مثل على بن السّلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك بسيل، وكلّ واحد من هؤلاء جيش بمفرده؛ والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه. وزاد فى معناه حتى قيل إنّ الخليفة اطّلع على أنه ادّعى الخلافة وأنه من ولد نزار من جارية خرجت من القصر وهى حامل عند ما خرج نزار
стр. 807
إلى الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك. ثم إنّه سيّر إلى اليمن الموفّق علىّ بن نجيب الدّولة (١)، وكان من أهل الأدب فصيحا داهية، ليحقّق لنسبه هناك ويدعو الناس إلى بيعته، فلمّا قيل للآمر هذا، ما شكّ فيه، وأخذ يتحيّل فى الإيقاع به بعد عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربيّة والبحيرة والجزيرتين (٢) والدّقهلية والمرتاحيّة (٣)؛ فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها، فسيّر أستاذا (٤) من ثقاته، ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه فى العمل على المأمون وأخيه، وقال له: «أحرص على اجتماعك بعلىّ ابن السّلار فى المسايرة وسلّم عليه عنّا، وقل له إنّنا ما زلنا نلتفت إليه وندّخره لمهمّاتنا ونتحقّق فيه الموافاة لنا، وإنّا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا، وقد تلوّنت أحوال المأمون وبالغ فى عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا. ومقصودنا أن تكتم عنّا ما نقول لك».
فلما بلّغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال: السّمع والطاعة لمولانا، وأنا مملوكه وأذلّ نفسى فى خدمته. فقال الأستاذ: هكذا والله قال عنك. قال ابن السّلار: فما يأمر به؟ قال: تحدث رجالك بأجمعهم فى الانفصال عن المؤتمن، أنت ومن تثق به.
فلمّا تقرر ذلك اتّفق علىّ بن السّلار هو وقايماز ودرى الحرون، وكانوا أمراء الجماعة فتفرّقوا عنه وتبعهم الباقون، فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب أخاه المأمون بذلك؛
стр. 808
فما اتسع له أن يتتبّع الأمراء ولا ينكر عليهم ليرجعوا إلى أخيه، لعلمه بتغيّر الخليفة عليه، مخافة أن يفسد أمره ظاهرا وباطنا. فحضر إلى الخليفة يوم سلام، على عادة الوزراء، وتقدّم وقال: «يا مولانا، صلوات الله عليك، وصل كتاب أخى يتذمّم من طول مقامه خارج القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة، ويسأل الفسحة له فى العود إلى بابه الكريم» فقال: «مرحبا وأهلا، وهذا كان رأينا، ونحن مشتاقون إليه، وإنما قصدنا رضاك فيما رتّبته له. يقدم على بركة الله». فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتّب فى ولاياته من يرضاه. فامتثل ذلك.
ودخل القاهرة؛ فجلس الخليفة له فى غير وقت الجلوس، فمثل بن يديه، وأكرمه وأدناه، وخلع عليه بالتشريف المفخم.
فلمّا دخل شهر رمضان، وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب، ويحضر الوزير وإخوته وأصحابه؛ فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السّماط أوّل ليلة، فأكرمهما الآمر بما أخرجه لهما ممّا كانت يده فيه، وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس بحضوره السّماط مع أخيه؛ فلم يتّسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع.
وحضرا ثانى ليلة فزاد فى إكرامهما، ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته خاصّة دون أخيه، فدخل إليه؛ ولم يتقدّمه أحد من الوزراء بمثل ذلك، يعنى بهذه المنزلة. وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا، وخلع عليهما من داخل الدار من الثياب الدّاريّة. ثم حضرا ثالث ليلة، فاستدعى المأمون إلى الخليفة، فلمّا جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن، واستدعاه، فدخل، وصارا فى قبضته. وكان قد رتب لهما من يأخذهما؛ فعند خروجهما للمضىّ قبض عليهما واعتقلهما عنده فى خزانة، وسيّر بالحوطة على دورهما.
ثم أمر بإحضار الشيخ الأجلّ أبى الحسن بن أبى أسامة، كاتب الدّست، لينشئ شيئا فى شأنهما يقرؤه على المنبر غدا، فوجد الشّيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض؛ فتقدّم إلى والى القاهرة فى اللّيل بأن يمضى إلى مصر لإحضاره. فظنّ والى القاهرة أنه طلب لغير ذلك، وكان يقال له سعد الدّولة الأحدب، فمضى إليه وأزعجه من مكانه، وسبّه أقبح سبّ، وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشيا. فأحضره إلى الخليفة وهو ميّت لا حراك به،
стр. 809
فقال له ما هذا؟ فأخبره بقضيتّه مع الوالى، فغضب على الوالى وأمر بخلع أخفافه من رجليه وصفعه بهما، حتى تقطّعا على قفاه، وصرفه من الولاية. وأطلع الشيخ أبا الحسن على قضية المأمون وأخيه؛ فقال يا مولانا: هما نشو أيّامك ومماليك دولتك. فقال لبعض الأستاذين خذ هذا الشّيخ وصوّبه إلى المذكورين لينظرهما فى اعتقالهما وينقطع رجاؤه منهما. فأدخله إليهما، فرآهما مكبّلين فى الحديد، وعليهما احتياط عظيم، فأنشأ للوقت سجلاّ كان من استفتاحه:
«أمّا بعد؛ فإن محمد بن فاتك استنجح فما نجح، واستصلح فما صلح؛ وجهل رفع قدره فغدا لهبوط، وقابل الإحسان إليه بدواعى القنوط». وكلّ ذلك فى تلك الليلة.
فلمّا أصبح الصّباح جلس الخليفة فى الشباك بالإيوان، ونصب كرسىّ الدعوة أمامه، وطلع قاضى القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرّتب والعوامّ؛ فلم ينتطح فيها عنزان.
ويقال إن الخليفة كان يقول: أعظم ذنوبه عندى ما جرى منه فى حق صور وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر.
وبقيا فى الاعتقال، هما وأميران اتّهما، فى خزانة البنود. وسيّر لإحضار الذى كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا. وتفرّغ الآمر لنفسه، ولم يبق له فعل ولا مزاج، وبقى بغير وزير.
وأقيم صاحبا ديوان الاستخراج (١) بما يجب من زكاة ومقس (٢) أحدهما مسلم يقال له
стр. 810
جعفر بن عبد المنعم بن أبى قيراط والآخر سامرىّ يقال له أبو يعقوب إبراهيم، وأقيم معهما مستوف (١) لهاتين المعاملتين وكان راهبا؛ فكانوا يستخرجون ذلك من أربابه، ويدخل صاحبا الدّيوان إلى الآمر فى كلّ وقت ومعهما المصحف والتوراة فيحلفان له أنّهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال حقّ. فيحملهما فى ذلك على الصدق، وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا يجب زيادته، فتأذّى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه. واستمرّا على ذلك مديدة.