نحيف يسمى أحمد أبا علىّ ويلقب بكتيفات، فيقال إنّه احتقره لما كان يرى فيه من العىّ والانقطاع؛ فكان منه ما يأتى خبره إن شاء الله تعالى.
واتّهم أيضا بقتل الأمير حسام الملك أفتكين، صاحب الباب، فى أيام الأفضل لتخوفه منه؛ وذلك أن حسام الملك دخل مرّة على الآمر للسلام، فلمّا خرج قال الآمر:
والله إنك لأمير حسن؛ فانه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه. فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ فى العمل عليه حتى أخرجه فى العساكر التى يقال إنّ عدّتها عشرون ألفا، فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان، وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف، وعاد حسام الملك فبعثه إلى الإسكندرية ودسّ عليه من قتله.
قال ابن الطوير: ولمّا دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل، وكان يخاطب بالقائد من خدمة الأفضل فى الوساطة دون الوزارة، ونعته بجلال الإسلام. واستمرّ على ذلك، ثم كمّل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان المقوّر، فباشرها، وكان متيقظا قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول خدمته إيّاه. وكان بالدّار التى بالسيوفيّين بالقاهرة، وهى اليوم مدرسة للحنفيّة (١)، وأخذ يصبّ على تغلّب الأفضل مع الآمر، فصار يتغلّب على الآمر فى واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام، والآمر يملى له ويحتمله، حتى استوحش كل منهما من الآخر.
وكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبى تراب حيدرة، فرأى من الرأى أن يولى أخاه جانبا عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النّجدة ردءا إذا قصده الخليفة بضرر، فإنه ما دام أخوه يكون حاميا له، فيكون هو من داخل وأخوه من خارج. وجرّد معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم، وأضاف إليهم أمثالهم، مثل على بن السّلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك بسيل، وكلّ واحد من هؤلاء جيش بمفرده؛ والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه. وزاد فى معناه حتى قيل إنّ الخليفة اطّلع على أنه ادّعى الخلافة وأنه من ولد نزار من جارية خرجت من القصر وهى حامل عند ما خرج نزار
стр. 807
إلى الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك. ثم إنّه سيّر إلى اليمن الموفّق علىّ بن نجيب الدّولة (١)، وكان من أهل الأدب فصيحا داهية، ليحقّق لنسبه هناك ويدعو الناس إلى بيعته، فلمّا قيل للآمر هذا، ما شكّ فيه، وأخذ يتحيّل فى الإيقاع به بعد عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربيّة والبحيرة والجزيرتين (٢) والدّقهلية والمرتاحيّة (٣)؛ فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها، فسيّر أستاذا (٤) من ثقاته، ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه فى العمل على المأمون وأخيه، وقال له: «أحرص على اجتماعك بعلىّ ابن السّلار فى المسايرة وسلّم عليه عنّا، وقل له إنّنا ما زلنا نلتفت إليه وندّخره لمهمّاتنا ونتحقّق فيه الموافاة لنا، وإنّا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا، وقد تلوّنت أحوال المأمون وبالغ فى عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا. ومقصودنا أن تكتم عنّا ما نقول لك».
فلما بلّغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال: السّمع والطاعة لمولانا، وأنا مملوكه وأذلّ نفسى فى خدمته. فقال الأستاذ: هكذا والله قال عنك. قال ابن السّلار: فما يأمر به؟ قال: تحدث رجالك بأجمعهم فى الانفصال عن المؤتمن، أنت ومن تثق به.
فلمّا تقرر ذلك اتّفق علىّ بن السّلار هو وقايماز ودرى الحرون، وكانوا أمراء الجماعة فتفرّقوا عنه وتبعهم الباقون، فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب أخاه المأمون بذلك؛
стр. 808
فما اتسع له أن يتتبّع الأمراء ولا ينكر عليهم ليرجعوا إلى أخيه، لعلمه بتغيّر الخليفة عليه، مخافة أن يفسد أمره ظاهرا وباطنا. فحضر إلى الخليفة يوم سلام، على عادة الوزراء، وتقدّم وقال: «يا مولانا، صلوات الله عليك، وصل كتاب أخى يتذمّم من طول مقامه خارج القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة، ويسأل الفسحة له فى العود إلى بابه الكريم» فقال: «مرحبا وأهلا، وهذا كان رأينا، ونحن مشتاقون إليه، وإنما قصدنا رضاك فيما رتّبته له. يقدم على بركة الله». فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتّب فى ولاياته من يرضاه. فامتثل ذلك.
ودخل القاهرة؛ فجلس الخليفة له فى غير وقت الجلوس، فمثل بن يديه، وأكرمه وأدناه، وخلع عليه بالتشريف المفخم.
فلمّا دخل شهر رمضان، وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب، ويحضر الوزير وإخوته وأصحابه؛ فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السّماط أوّل ليلة، فأكرمهما الآمر بما أخرجه لهما ممّا كانت يده فيه، وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس بحضوره السّماط مع أخيه؛ فلم يتّسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع.
وحضرا ثانى ليلة فزاد فى إكرامهما، ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته خاصّة دون أخيه، فدخل إليه؛ ولم يتقدّمه أحد من الوزراء بمثل ذلك، يعنى بهذه المنزلة. وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا، وخلع عليهما من داخل الدار من الثياب الدّاريّة. ثم حضرا ثالث ليلة، فاستدعى المأمون إلى الخليفة، فلمّا جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن، واستدعاه، فدخل، وصارا فى قبضته. وكان قد رتب لهما من يأخذهما؛ فعند خروجهما للمضىّ قبض عليهما واعتقلهما عنده فى خزانة، وسيّر بالحوطة على دورهما.
ثم أمر بإحضار الشيخ الأجلّ أبى الحسن بن أبى أسامة، كاتب الدّست، لينشئ شيئا فى شأنهما يقرؤه على المنبر غدا، فوجد الشّيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض؛ فتقدّم إلى والى القاهرة فى اللّيل بأن يمضى إلى مصر لإحضاره. فظنّ والى القاهرة أنه طلب لغير ذلك، وكان يقال له سعد الدّولة الأحدب، فمضى إليه وأزعجه من مكانه، وسبّه أقبح سبّ، وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشيا. فأحضره إلى الخليفة وهو ميّت لا حراك به،
стр. 809
فقال له ما هذا؟ فأخبره بقضيتّه مع الوالى، فغضب على الوالى وأمر بخلع أخفافه من رجليه وصفعه بهما، حتى تقطّعا على قفاه، وصرفه من الولاية. وأطلع الشيخ أبا الحسن على قضية المأمون وأخيه؛ فقال يا مولانا: هما نشو أيّامك ومماليك دولتك. فقال لبعض الأستاذين خذ هذا الشّيخ وصوّبه إلى المذكورين لينظرهما فى اعتقالهما وينقطع رجاؤه منهما. فأدخله إليهما، فرآهما مكبّلين فى الحديد، وعليهما احتياط عظيم، فأنشأ للوقت سجلاّ كان من استفتاحه:
«أمّا بعد؛ فإن محمد بن فاتك استنجح فما نجح، واستصلح فما صلح؛ وجهل رفع قدره فغدا لهبوط، وقابل الإحسان إليه بدواعى القنوط». وكلّ ذلك فى تلك الليلة.
فلمّا أصبح الصّباح جلس الخليفة فى الشباك بالإيوان، ونصب كرسىّ الدعوة أمامه، وطلع قاضى القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرّتب والعوامّ؛ فلم ينتطح فيها عنزان.
ويقال إن الخليفة كان يقول: أعظم ذنوبه عندى ما جرى منه فى حق صور وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر.
وبقيا فى الاعتقال، هما وأميران اتّهما، فى خزانة البنود. وسيّر لإحضار الذى كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا. وتفرّغ الآمر لنفسه، ولم يبق له فعل ولا مزاج، وبقى بغير وزير.
وأقيم صاحبا ديوان الاستخراج (١) بما يجب من زكاة ومقس (٢) أحدهما مسلم يقال له
стр. 810
جعفر بن عبد المنعم بن أبى قيراط والآخر سامرىّ يقال له أبو يعقوب إبراهيم، وأقيم معهما مستوف (١) لهاتين المعاملتين وكان راهبا؛ فكانوا يستخرجون ذلك من أربابه، ويدخل صاحبا الدّيوان إلى الآمر فى كلّ وقت ومعهما المصحف والتوراة فيحلفان له أنّهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال حقّ. فيحملهما فى ذلك على الصدق، وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا يجب زيادته، فتأذّى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه. واستمرّا على ذلك مديدة.
стр. 811
سنة عشرين وخمسمائة (١):
فيها جهز الآمر المنتضى بن مسافر الغنوىّ بخلع سنيّة وتحف مصريّة وثلاثين ألف دينار للأمير البرسقى، صاحب الموصل؛ فلمّا كان فى أثناء الطريق سمع بموته (٢)، فرجع بما معه إلى الآمر.
وفيها قدم الأمير الرئيس مهران بن عبد الرحيم، مصنّف سيرة الفرنج الخارجين على بلاد الإسلام فى هذه السنين، برسالة من صاحب حلب.
وفى شوال كان بدء أمر الرّاهب. وذلك أنّ راهبا من النّصارى، يعرف بأبى نجاح ابن فنا، كتب إلى الآمر رقعة فى الكتّاب النصارى من الأقباط يذكر أنهم قد أخذوا أموال الدّولة واستولوا عليها، وضمن أنّه يحقق فى جهاتهم ما يملأ بيوت الأموال. فتقدّم الخليفة بأن يمكّن من الدّواوين ويساعد على ما يخرجه من الحسبانات، ولقب بالأب القديس الرّوحانى النّفيس أبى الآباء سيد الرؤساء مقدّم دين النّصرانية، وسيد البطريركية، ثالث عشر الحواريين.
وكان الآمر لما انفرد بالأمر بعد القبض على وزيره المأمون وبقى بغير وزير دانت له الدنيا. وكان معظّما كثير الجود إلى الحدّ الذى لا مزيد عليه؛ فكثر الخير فى تلك الأيّام، وفرح الناس بالفوائد، وتردّد المسافرون والتجار، وجلبت البضائع، وزاد الحاصل فى الخزائن من كلّ صنف مضافا إلى ما كان فيها، وحسنت السّيرة فى الرّعيّة؛ وأباح للنّاس
стр. 812
والجنود ما كان الأفضل حظره عليهم من الملبوس والتّجمّل؛ فما برح الناس فى خيرات دارّة ونعم متزايدة إلى أن تمكّن الرّاهب من الدّواوين واشتد فى مطالبة النّصارى وضمن فى جهاتهم الأموال، وحملها أوّلا فأوّلا؛ وكان قد حصل لهم فى أيّام الأفضل والمأمون ما يزيد عن الوصف. فلمّا تمكّن الرّاهب من النّصارى واستطاب ما تحصّل منهم ابتدأ يعمل فى المسلمين معاملى الدّيوان من المشارفين والضّمناء والعمّال.
فيها ركب الآمر لينظر جوسق البغدادى أبى الحسن على بن محمد بن سعدون بالقرافة، فإنه كان من أحسن جواسق القرافة (١) وأفخرها بناء؛ فلمّا قرب منه سقط عن فرسه إلى الأرض فهنّئ بالسّلامة، وقيل فى ذلك عدّة أشعار.
стр. 813
سنة احدى وعشرين وخمسمائة: (١)
فيها أحضر الموفق فى الدين أبو الحسن على بن إبراهيم بن نجيب الدّولة، داعى اليمن، الذى سيّره الوزير المأمون بن البطائحى، فدخل فى يوم عاشوراء على جمل بطرطور، ومعه مشاعليّة بهيئة ملائكة، وخلفه قرد يصفعه، وهو يقول بقوة نفس: والله لا ألتفت. فأدخل خزانة البنود وسجن مع المأمون.
فيها كثرت مصادرة الرّاهب للكتّاب والعمال، وتسلسل الأمر إلى التجار وأرباب الأموال، وندب معه مقداد والى مصر وسعد الدولة والى القاهرة للشّدّ منه؛ فتنكّد الناس وخرج كثير من أهل مصر إلى الآفاق. وأخذ الرّاهب يحسّن للآمر أن يحمل إليه مال الأيتام من مودع الحكم (٢).
وفيها مات قاضى القضاة جلال الملك تاج الأحكام، أبو الحجاج يوسف بن أيّوب ابن إسماعيل المغربى الأندلسى (٣)؛ وكان أوّلا قد أقرأ المؤتمن أخا المأمون القرآن والنّحو، فولاّه قضاء الغربيّة، ثم نقل منها إلى قضاء القضاة بعد واقعة ابن الرّسعنى بوساطة المؤتمن.
واستقر بعد وفاته فى قضاء القضاة أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن الميسر القيسرانى.
وكان أبو الحجّاج عاقلا. عرض عليه الآمر أن يلى الدّواوين مضافا إلى ما يتولاه
стр. 814
من قضاء القضاة والمظالم، فاستشار فى ذلك بعض أصحابه فأشار بالقبول، فقال: إنّي لا أحسن صنعة الكتابة؛ فقال له: تجعل بين يديك من يوضّح لك الأمر والتدبير ويدلّك على سرّ الصّناعة. فقال: ألا ترى إلاّ أنى قد رضيت أن أكون من الأسماء النّواقص التى لا تتمّ إلاّ بصلة وعائد، واستحضرت من يدلّنى على ما أجهل، فكيف أصنع بين يدى السلطان؟ لقد حكمت إذا على نفسى بحكم حيف وأوردتها خطّة خسف. وحمد الله.
стр. 815
سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة: (١)
فيها وصلت رأس بهرام الباطنى. وكان طغتكين أتابك، الملقّب ظهير الدّين، قد وهب له بانياس خوفا من شرّه، فأفسد جماعة بالشام، وجرت له خطوب آلت إلى قتله، وحملت رأسه إلى الآمر (٢).
وفيها رتّب قاضى القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسّر مشارفا على ثقة الدّولة ابن أبى الردّاد فى قياس الماء وعمارة المقياس، وعمل مصالحة؛ فاستمرّ إلى أن قتل ابن ميسر ثم بطل، فلم ينظر أحد فى هذه المشارفة.
وفى رجب عمل للآمر فى الخاقانية (٣)، وكانت من خاصّ الخليفة، قصر من ورد فسار إليها وحده بضيافة عظيمة. فلمّا استقرّ هناك خرج إليه أمير يقال له حسام الملك - أحد الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن، أخى المأمون، فى سفره فى البلاد التى كان يتولاّها وتخاذل مع ابن السلار عنه - وهو لابس لأمة حربه، والتمس المثول بين يدى الخليفة.
فاستثقل ما جاء به فى ذلك الوقت لأنه مناف لما فيه الخليفة من الرّاحة والنزهة، فمنع من ذلك وصدّ عنه؛ فقال لجماعة من حواشى الخليفة: أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل
стр. 816
إليه وهو يطالبكم بذلك ويعاقبكم عليه. فأطلعوا الخليفة على أمره، فأمر بإحضاره. فقال:
يا مولانا، لمن تركت أعداءك - يعنى المأمون وأخاه - هذا والعهد قريب؛ أأمنت الغدر؟ فما أجابه إلاّ وهو على ظهور الرّهاويج (١) من الخيل، فلم تمض ساعة إلاّ وهو بالقصر يمضى إلى مكان اعتقال المأمون وأخيه، فوجدهما على حالهما، فزادهما وثاقا وحراسة.
فلمّا كان فى ليلة العشرين منه قتل المأمون وصالح بن الضيف، وكان من نشو المأمون وقد سجن معه، وعلىّ بن إبراهيم بن نجيب الدّولة، المحضر من اليمن، وأخرجوا إلى سقاية ريدان (٢) فى الرّمل، قبالة البستان الكبير خارج باب الفتوح، فصلب أبدانهم بغير رءوس وفى صدر كلّ واحد رقعة فيها اسمه. فبلغ الأمر الناس فشكوا فيهم، وقالوا: هم غير المذكورين. فأمر بإخراج رءوسهم وأقيمت على أبدانهم.
فيها كانت ولاية ابن ميسّر القضاء فى ذى الحجّة على ما ذكر بعضهم؛ وقيل بل كانت كما تقدّم؛ ولقّب بثقة الدّولة القاضى الأمين سناء الملك، شرف الأحكام، قاضى القضاة، عمدة أمير المؤمنين، أبى عبد الله محمد بن القاضى أبى الفرج هبة الله بن ميسر. فلازم الانتصاب والجلوس، واعتمد التثبت فى الأحكام، وعدّل جماعة، فبلغت عدّة الشهود فى أيّامه مائة وعشرين شاهدا، وكانوا دون الثلاثين.
ثم وردت إليه المظالم؛ فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بهم الآمر، وكان فيهم عدّة قد يئسوا من الفرج، فاستأذن الخليفة وأفرج عنهم. وتكلّم مع الآمر فى أمر التّجّار وما نزل بهم من المصادرات، فأمر الخليفة بكتابة منشورهم فى معناهم قرئ على المنابر.
فيها كثرت وقائع أهل القسر على النّاس، وتقرّب كثير من الكتاب
стр. 817
الظّلمة بعورات الناس إلى الخليفة، فاشتدّت مطالبات الناس بالأموال، وقبل قول كلّ رافع شيئا على أحد، وأخذ النّاس بما رموا به، وضمّن عدّة من النّاس أشياء لم تجر عادة بضمانها، وأحدثت رسوم لم تكن فيما تقدّم. وذلك أنهم لم يقدروا على تصريح القول بالمصادرة، فعملوا ما ذكر؛ فحصلت الشناعة، وخرج من بالبلد من التّجار.
وكثرت مصادرات القاطنين بمصر والقاهرة، وعظم قدر ما حمل من أموال هذه الجهات.
فاتّسع عطاء الخليفة حتى وهب يوما لغلامه برغش، المنعوت بالعادل (١)، ثمانين ألف دينار، ثم سأله بعد مدّة يسيرة عمّا فعله فيما وهبه، فقال: يا مولانا تصدّقت ووهبت أكثر.
فأعجب ذلك الآمر، وفرح، وشكره على فعله. ووهب مرّة لغلامه هزار الملك جوامرد، المنعوت بالأفضل، مثل ذلك. وكانا أخصّ غلمانه وأقربهم منه، وأشرفهم عنده منزلة؛ وكانا أسمح خلق الله؛ وكان الناس فى أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر، لا بمصر ولا بالقاهرة، فإنّ هزار الملوك كانت صدقته فى كلّ يوم جمعة راتبا قد قرّره بالقرافة أربعة آلاف درهم فى ألف كاغدة، على يد الثّقة ابن الصّعيدى وغزال الوكيل، وكانت عطاياه من يده لا تنقص عن عشرة دنانير أبدا؛ ولا يخلو ركوبه إلى القصر وعوده منه من أحد يقف له ويطلب منه. وكان برغش يعطى الجمل الكبار التى يغنى بها الطالب، من المائة دينار إلى المائتين وأكثر.
وبلغ علم الّتى يقال لها جمعة، مكنون الآمريّة، أن الآمر سيّدها قد وهب لكلّ من غلاميه المذكورين ثمانين ألف دينار، وكان الآمر يحبّها، وأصدقها أربعة عشر ألف دينار، وولدت منه ابنة سمّاها ستّ القصور؛ فلمّا دخل عليها عشيّة اليوم الذى وهبهما فيه هذا المال قامت وأغلقت عليها مقصورتها، وقالت: ما تدخل إلىّ أو تهب لى ما وهبت لكلّ منهما. فقال: السّاعة. وأحضر الفراشين، وحمل كلّ عشرة كيسا فيه عشرة آلاف دينار
стр. 818
عينا. فلمّا صار إليها هذا المال، ومبلغه مائتا ألف دينار ذهبا، فتحت الباب له ودخل (١).
стр. 819
سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة (١)
فيها عمّ البلاء بمصر جميع الرؤساء والقضاة والكتّاب والسّوقة من الراهب، بحيث لم يبق أحد إلاّ وناله منه مكروه، إمّا من ضرب أو نهب أو أخذ مال. وكان يجلس فى قاعة الخطابة من جامع عمرو بن العاص، ويستدعى الناس للمصادرة. فطلب فى بعض الأيّام رجلا يعرف بابن الفرس من العدول المميّزين المبجّلين فى الناس فأهانه وأخرق به، فخرج إلى الجامع فى يوم جمعة وقام على رجليه وقال: يأهل مصر، انظروا عدل مولانا الآمر فى تمكينه النّصرانى من المسلمين. فارتجّ الناس لكلامه وكادت تكون فتنة؛ فاتّصل ذلك بخواصّ الخليفة، فأبلغوه إيّاه وخوّفوه عاقبة ذلك، وطالعوه بما حلّ بالخلق.
وكان الرّاهب قد أخذ من شخص خادم يقال له جديحو سبعين ألف دينار بخرج من مائة ألف دينار، فصار يشكو، وكان كثير البضائع والتّجارات والمقارضين، فتظلم واشتهر أمره إلى أن بلغ خبره إلى أستاذ من أستاذى القصر له من العمر نحو مائة وعشرين سنة، يقال له لامع - وكان قد انقطع فى منزله بالقصر بعد ما حجّ غير مرّة، وأنشأ جلبة (٢) بعيذاب يقال لها اللاّمعيّة تحمل الحاجّ - فاتفق جواز الآمر على مكانه فسأل عنه، فقيل له: إنه لا يستطيع النّهوض إلى خدمتك. فدخل إليه وسأله عن حاله، فقال: شغلى بسمعة مولانا أشدّ علىّ من نفسى. فقال له الآمر: لأىّ شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الناس قد تمّ عليهم من الشّدة ما لا أحسن أصفه وربّما نسب ذلك إليك. وشرح له أمر الرّاهب ابن أبى نجاح وصاحبى الدّيوان جعفر بن عبد المنعم المعروف بابن أبى قيراط وأبى يعقوب إبراهيم السّامرى الكاتب، وما أخذوه من هذا الخادم. فحلف الآمر إنّه ما علم أنهم بلغوا بالناس إلى هذا المبلغ، وأنه يستدعى صاحبى الدّيوان فى كلّ وقت ويحلّفهما على المصحف وعلى التّوراة، وأنّ الراهب لم يجعل إلاّ مستوفيا لما يستخرج من الأموال وليس له
стр. 820
معهما حديث البتّة. فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، إنهم قد اتفقوا على أذى النّاس، وقد جعلك الله خليفة فى الأرض واسترعاك على عباده، وكلّ راع مسئول عن رعيته.
فشقّ على الخليفة، وعمل فيه كلام الأستاذ، وخرج؛ فما بات حتى صرف صاحبى الدّيوان واعتقلهما، ليستعيد منهما ما أخذاه للنّاس ظلما؛ واستدعى الرّاهب، وكان بحضرته رجل من الأشراف، فلما حضر الراهب أنشد:
إنّ الذى شرّفت من أجله … يزعم هذا أنّه كاذب (١)
فقال الآمر للرّاهب: يا راهب، ماذا تقول؟ فسكت. فأمر حينئذ والى مصر بأخذه إلى الشرطة وضربه بالنّعال حتّى يموت. فمضى به إلى شرطة مصر، وما زال يضرب بالنّعال حتى مات، فجرّ بكعبه إلى عند كرسى الجسر (٢) مسحوبا، وسمّر على لوح، وطرح فى بحر النّيل؛ فكان كلّما وصل إلى ساحل من سواحل مصر وهو منحدر دفعوه إلى البحر؛ فلم يزل حتّى خرج إلى البحر الملح، واشتهر ذكره، وسارت الرّكبان بهلاكه.
وكان هذا الراهب أوّلا من أشمون طنّاح (٣)، وترهّب على يد أبى إسحاق بن أبى اليمن، وزير ابن عبد المسيح متولّى ديوان أسفل الأرض (٤)، ثم قدم إلى القاهرة واتصل بخدمة ولى الدّولة أبى البركات يحنّا بن أبى الليث، كاتب المجلس (٥). فلمّا قتل الوزير المأمون
стр. 821
اتّصل بالخليفة الآمر، وبذل له فى مصادرة الكتّاب النّصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم؛ واسترسل أذاه حتى شملت مضرّته كلّ أحد.
وكان يعمل له فى تنّيس ودمياط ملابس مخصوصة به من الصّوف الأبيض (المنسوج (١) بالذهب، فيلبسها ومن فوقها غفارة (٢) ديباج، ويتطيّب بعدّة مثاقيل مسك فى كلّ يوم فكانت رائحته تشتمّ من مسافة بعيدة. وكان يركب الحمر الفارهة بالسروج المحلاّة بالذّهب والفضة، ويجلس بقاعة الخطابة من جامع مصر.
ولما قتل وجد له فى مقطع ثلاثمائة طرّاحة (٣) سامان محشوة جددا لم تستعمل، قد رصّت إلى قرب السقف، وهذا من نوع واحد، فكيف ما عداه!
ولمّا قتل وعرف الآمر ما كان يعمل فى النّاس من أنواع الأذى خشى من الله واستحيا من الناس؛ وكره مساءلة الفقهاء من الإسماعيلية عن ذلك وعن كفّارة هذا الذّنب لأنّه إمام، وشرط الإمام أن يكون معصوما. فسيّر إلى الفقيه سلطان بن رشا شيخ الفقيه مجلى، وكان خليفة الحكم، مع من يثق به يستفتيه فى أمر الرّاهب وما يكفّر عنه، فقال: يردّ ما صار إليه من الأموال إلى أربابها. فردّ عليه: إنى والله ما أعرفهم ولا أقدر على ذلك؛ ولكن أعتق الرقاب وأتصدّق. فقال الفقيه: الخليفة قادر على أن يعتق ويتصدّق ولا يتأثّر لذلك، ولكن يصوم فإنّه عبادة شاقّة على مثله. فقال: أصوم الدّهر. فقال: لا؛ ولكن الصّوم الذى وصفه رسول الله، ﷺ ، صوم يوم وفطر يوم. فقال: لا أقدر على ذلك. فقال: يصوم رجب وشعبان ورمضان. ففعل ذلك، وتحرّم فى صومه وبرّه هذه الأشهر من كلّ ما ينكر فى الديانة.
стр. 822
سنة أربع وعشرين وخمسمائة (١)
فى ربيع الأوّل ولد للآمر ولد سمّاه أبا القاسم الطيّب، فجعل ولىّ عهده؛ وأمر فزيّنت القاهرة ومصر، وعملت الملاهى فى الإيوانات وأبواب القصور، وكسيت العساكر، وزيّنت القصور. وأخرج الآمر من خزائنه وذخائره قماشا ومصاغا ما بين آلات وأوانى من ذهب وفضة وجوهر، فزيّن بها؛ وعلّق الإيوان جميعه بالسّتور والسّلاح. واستمرّ الحال على هذا أربعة عشر يوما.
وأحضر الكبش الذى يعقّ به عن المولود (٢)، وعليه جلّ (٣) من ديباج، وفى عنقه قلائد الفضّة، فذبح بحضرة الخليفة الآمر. وجيء بالمولود فشرّف قاضى القضاة ابن ميسّر بحمله؛ ونثرت الدنانير على رءوس الناس. ومدّت الأسمطة العظيمة بعد ما كتب إلى الفيّوم والقليوبيّة والشرقية فأحضرت منها الفواكه، وملئ القصر منها ومن غيرها من ملاذ النّفوس، وبخّر بالعنبر والعود والندّ حتى امتلأ الجوّ من دخانه.
فيها تواترت الأخبار بتخويف الآمر من اغتيال النزاريّة وتحذيره منهم، وإعلامه بأنه قد خرج منهم قوم من المشرق يريدون قتله؛ فتحرّز احترازا كبيرا بحيث إنه كان لا يصل أحد من قطر من الأقطار إلاّ ويفتّش ويستقصى عنه. وأقام عدّة من ثقاته يتلقون القوافل ليتعرّفوا أحوال الواصلين ويكشفوا عنهم كشفا جليّا. وكلّما اشتد الأمر كثر الخوف.
واتّصل به أن جماعة من النّزاريّة حصلوا بالقاهرة ومصر، فاحترز وتحيّل فى قبضهم فلم يقدر لما أراده الله؛ وفشا فى الناس أمرهم، وكانوا عشرة فخافوا أن يظفر بهم، فاجتمعوا فى بيت وقالوا إنه قد فشا أمرنا ولا نأمن أن يظفر بنا؛ واشتوروا. فقال أحدهم: الرأى أن تقتلوا رجلا منكم وتلقوا برأسه بين القصرين لتنظروا إن عرفها الآمر
стр. 823
وكان عمره يوم قتل أربعا وثلاثين سنة وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما (١)، ومدّة خلافته تسع وعشرون سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوما؛ وما زال محكوما عليه حتى قتل الأفضل، فتزايد أمره عمّا كان عليه أيام الأفضل. فلما قبض على وزيره المأمون استبدّ بالأمور، وتصرّف فى سائر أحوال المملكة، وأكثر من الرّكوب، ورتّب لركوبه ثلاثة أيّام من كلّ أسبوع وهى يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الثلاثاء، فإذا لم يتهيّأ له الركوب فى أحد هذه الأيام ركب فى يوم غيره. فكان يمضى أبدا فى يومى الثّلاثاء والسّبت إلى النّزهة فى بستان البعل والتّاج والخمس وجوه وقبة الهواء، من ظاهر القاهرة، أو إلى دار الملك بمصر، أو بالهودج الذى أنشأه بجزيرة مصر التى يقال لها اليوم الروضة.
وكان يتجوّل فى أيّام النّيل فى القصر بخدمه ويسكن فى اللؤلؤة المطلّة على خليج القاهرة.
وكان النّاس يوم ركوبه يخرجون من القاهرة ومصر بمعايشهم ويجلسون للنّظر إليه، فيكون كيوم العيد. وصار الناس مدّة أيامه التى استبدّ فيها فى لهو وعيش رغد لكثرة عطائه وعطاء حواشيه وأستاذيه، لا سيّما غلامه بزغش ورفيقه هزار الملوك جوامرد، حتى إنه لا يكاد يوجد فى مصر والقاهرة من يشكو زمانه لبسطهم الرزق بين الناس وتوسّعهم فى العطاء. ثم تنكّد عيش الناس بقيام الرّاهب وكثرة مصادراته، وشره حينئذ الآمر فى أخذ أموال النّاس، فقبحت سيرته، وكثر ظلمه واغتصابه لأملاك كثيرة من أملاك الناس، مع ما فيه من التجرّؤ على سفك الدّماء وارتكاب المحذورات واستحسان القبائح.
وفى أيّامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل البلاد الشاميّة؛ فملكت عكا فى شعبان سنة سبع وتسعين، وعرقة فى رجب سنة اثنتين وخمسمائة؛ واستولوا على مدينة طرابلس الشام بالسيف فى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من ذى الحجّة سنة اثنتين
стр. 824
فتتيقّنوا أنّ حلاكم (١) قد ذكرت له، فتعملوا الحيلة فى فراركم من مصر؛ وإن لم يعرفها فتطمئنوا حينئذ وتعرفوا أنّ القوم فى غفلة. فقالوا: ما يتسع لنا قتل واحد منا ينقص عددنا وما بذاك أمرنا. فقال: أليس هذا من مصلحتنا ومصلحة من تلزمنا طاعته؛ وما دللتكم إلاّ على نفسى. وأسرع بسكّين فذبح بها نفسه فمات، وأخذوا رأسه ورموها فى الليل بين القصرين، وأصبحوا ينظرون ما سبق. فلمّا رئيت الرأس واجتمع النّاس عليها لم يقل أحد إنه عرفها، فحملت إلى الوالى، فأحضر عرفاء الأسواق على أرباب المعايش وأوقفهم عليها فلم يعرفها أحد. فأحضر أصحاب الأرباع بالحارات (٢) فلم يعرفوها. ففرح النزاريّة واطمأنّوا بالإقامة فى مصر لقضاء مرادهم.
وكان الآمر كثير الفرج محبّا للهو؛ فركب فى يوم الثلاثاء الرابع من ذى القعدة يريد (أن) يجئ إلى الهودج (٣) الذى بناه بجزيرة مصر لمحبوبته البدريّة؛ ومن العادة فى الركوب أن يشاع فى أرباب الخدم بالموكب جهة قصد الخليفة حتى لا يتفرقوا عنه، فعلم النزاريّة أين يقصد فجاءوا إلى الجزيرة المذكورة ودخلوا فرنا قبالة الطّالع من الجسر إلى البرّ، ودفعوا إلى الفرّان دراهم ليعمل لهم فطيرا بسمن وعسل، فبينما هم فى أكله وإذا بالخليفة الآمر قد عبر من كرسى الجسر بمصر وجاز عليه وقد تفرّق عنه الركابية ومن يصونه بسبب ضيق الجسر. فلمّا طلع من ذا الجسر يريد العبور إلى الجزيرة وثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه بالسّكاكين، وواحد منهم صار خلفه على كفل الدّابّة وضربه عدّة ضربات.
فأدركهم الناس وقتلوهم، وكانوا تسعة، وحمل الآمر فى عشارى إلى اللّؤلؤة، وكانت أيام النيل، فمات من يومه؛ وحمل من اللّؤلؤة وهو ميّت إلى القصر (٤).
стр. 825
وخمسمائة (١)؛ وملكوا بانياس وجبيل بالأمان لثمان بقين من ذى الحجة منها (٢). وملكوا قلعة تبنين فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة؛ وتسلموا مدينة صور فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
وكثرت المرافعات فى أيامه. واستخدم عدّة من الكتاب الظلمة الأشرار؛ وضمّن اشياء لم تجر العادة بتضمينها، وأخذ رسوما لم تكن فيما تقدّم.
وعمل دكة عليها خركاة (٣) فى بركة الحبش؛ وعمر فى بركة الحبش مكانا سمّاه تنّيس وموضعا آخر سمّاه دمياط. وجدّد قصر القرافة، وعمل تحته مصطبة للصوفيّة، فكان يجلس فى أعلاه ويرقص أهل الطريقة قدّامه، والشمع موقود والمجامر تعبق بالبخور، والأسمطة تمدّ بكلّ صنف لذيذ من الأطعمة والحلوى. وفرّق فى ليلة عند تواجد ابن الجوهرى الواعظ وتمزيق رقعته على من حضر وعلى الفقراء ألف نصفية (٤)، ونثر عليهم من الطّاق ألف دينار تخاطفوها.
وبنى الهودج لمحبوبته العالية البدريّة فى جزيرة الرّوضة. ولهذه البدريّة وابن ميّاح، من بنى عمّها، مع الآمر أحاديث صارت كأحاديث البطّال وشبهها قد ذكرتها عند جزيرة الروضة من هذا الكتاب.
وكان المنفق فى مطابخه وأسمطته شيء كثير، فكان عدّة ما يذبح له فى كل شهر خمسة آلاف رأس من الضّأن خاصّة، سوى ما يذبح ممّا سوى ذلك، وثمن الرأس منها ثلاثة دنانير.
وكان أسمر شديد السّمرة؛ يحفظ القرآن، وخطّه ضعيفا. وكانت نفسه تحدّثه
стр. 826
بالسّفر إلى الشرق والغارة على بغداد، وأعدّ لذلك سروجا مجوّفة القرابيص (١) وبطّنها بصفائح من قصدير ليحمل فيها الماء، وعمل لها فما فيه صفارة فإذا دعت الحاجة إلى الماء شرب من الفارس، فكان كلّ سرج منها سبعة أرطال من ماء، وعمل عدة من حجال (٢) الخيل من الديباج؛ وقال فى ذلك:
دع اللّوم عنى، لست منى بموثق … فلا بدّ لى من صدمة المتحقّق
وأسقى جيادى من فرات ودجلة … وأجمع شمل الدين بعد التفرّق
ومن شعره أيضا:
أما والذى حجّت إلى ركن بيته … جراهيم ركبان مقلدة شهبا
لأقتحمنّ الحرب حتّى يقال لى … ملكت زمام الحرب، فاعتزل الحربا
وينزل روح الله عيسى بن مريم … فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا
وكانت وزارة الأفضل بن أمير الجيوش، وكان حاجرا عليه ليس له معه أمر ولا نهى، ولا تعود له كلمة إلى أن قتل، ثم وزر له المأمون محمّد بن فاتك البطائحى، فصار له فى وزارته أمر ونهى، وعادت الأسمطة على ما كانت عليه قديما؛ وكان الأفضل قد نقلها فصارت تعمل أيّام الأعياد والمواسم فى دار الملك بمصر حيث كان يسكن. فلما قتل المأمون استبدّ ولم يستوزر أحدا، ودامت له الدّنيا.
وقضاته: ابن ذكا النابلسى (٣)؛ تم ولى (أبو الفضل الجليس) (٤) نعمة بن بشير، فطلب الإقالة؛ فولى بعده الرشيد أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد الصّقلى، ومات؛ فاستقرّ بعده الجليس نعمة بن بشير النابلسى مرة ثانية؛ ثم صرف بأبى الفتح مسلم بن
стр. 827
الرّسعنى؛ وعزل بأبى الحجّاج يوسف بن أيوب المغربى؛ فلمّا مات استقرّ من بعده أبو عبد الله محمّد بن هبة الله بن ميسّر القيسرانى، وقتل الآمر وهو قاض.
وكتّاب الإنشاء فى أيّامه: سناء الملك أبو محمّد بن محمّد الزّيدى الحسينى؛ والشيخ الأجل أبو الحسن بن أبى أسامة الحلبى؛ والشيخ تاج الرئاسة أبو القاسم ابن الصّيرفى؛ وابن أبى الدم اليهودىّ.
وكان نقش خاتمه: الإمام الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين (١).
وفى أيّامه نزع السّعر، فبلغ القمح كل إردب بدينار. وكان الناس قد ألفوا الرخاء فى أيام الأفضل والمأمون، وبعد عهدهم بالغلاء، فقلقوا لذلك.
ومن نوادر الآمر أنه عاشر الخلفاء الفاطميين وهو العاشر فى النّسب أيضا، ولم يل عشرة على نسق واحد ليس بينه أخ ولا عمّ ولا ابن عمّ غير الآمر.
وعرض عليه فصل فى التوحيد من جملته: «وهو المحذّر بقوارع التهديد، من يوم الوعد والوعيد»؛ فقال: إذا حذر من الوعد كما يحذّر من الوعيد، فما الفرق بينهما؟ وأمر أن يقال: «المحذّر بقوارع التهديد من هول يوم الوعيد». واستدرك فى فصل آخر فى ذكر علىّ، ﵁، قوله: «وهو السّابق إلى دعوة رسول الله ﷺ ، وإجابته»؛ فقال: إن قوله «السّابق» غير مستقيم، لأنه إن أراد التّخصيص فذلك غير صحيح، إذ كانت خديجة سبقت إلى الإسلام، والسابق منهم جائز أن يكون واحدا وأن يكون جماعة؛ والله تعالى يقول: «وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (٢)»؛﴾ وليس فى ذلك دليل على تخصيص واحد بالتقدم على الباقين؛ وذكر مثالا فقال: خيل الحلبة إذا أقبلت منها عشرة لا يخرج فيها واحد عن واحد قيل لها «السّبّق»، وقيل لكلّ واحد منها سابق. وأمر أن يقال: «أول سابق إلى دعوة رسول الله، ﷺ ، وإجابته».
стр. 828
الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير
أبى القاسم محمّد بن المستنصر بالله أبى تميم معدّ
стр. 829
ولد بعسقلان فى المحرّم سنة سبع، وقيل سنة ثمان، وستين وأربعمائة لمّا أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقيّة أولاده فى أيّام الشدة؛ فكان يقال له الأمير عبد المجيد العسقلانى، ابن عمّ مولانا.
ولمّا قتل النّزاريّة الآمر كان كبار غلمانه العادل بزغش وهزار الملوك جوامرد، وينعت بالأفضل، فعمدا إلى الأمير أبى الميميون عبد المجيد، وكان أكبر الجماعة الأقارب سنّا، وقالا: إن الخليفة المنتقل قال قبل وفاته بأسبوع عن نفسه: «المسكين المقتول بالسّكّين؛ وأشار إلى أن الجهة الفلانية حامل منه، وأنّه رأى رؤيا تدلّ أنّها ستلد ولدا ذكرا وهو الخليفة من بعده وأن كفالته للأمير عبد المجيد أبى الميمون. فجلس المذكور كفيلا، ونعت بالحافظ لدين الله، فى يوم الثلاثاء رابع ذى القعدة (١) سنة أربع وعشرين وخمسمائة، يوم قتل الآمر بأحكام الله؛ وتقرّر أن يكون هزار الملوك وزيرا، وأن يكون الأمير السعيد (أبو الفتح (٢) يانس (الحافظى (٢)، متولّى الباب إسفهسلارا. وقرئ سجلّ فى الإيوان بهذا التّقرير والحافظ فى الشّباك جالس؛ تولّى قراءته قاضى القضاة ابن ميسّر على كرسىّ نصب له أمام الحافظ، بحضور أرباب الدّولة.
وخلع على هزار الملوك خلع الوزارة، وقد اجتمع فى «بين القصرين» خمسة آلاف فارس وراجل، وفيهم رضوان بن ولخشى، أحد الأمراء المميّزين أرباب الشجاعة، وهو رأس
стр. 830
الجمع؛ وفى داخل القاعة بالقصر أيضا جماعة فيهم بزغش وقد شقّ عليه تقدّم هزار الملوك وتقلّده الوزارة؛ فنظر إلى أبى على أحمد بن الأفضل، الملقّب كتيفات، وهو جالس، فقال: يا مولاى الأجل، أنا أشحّ عليك أن تطيل الجلوس حتى يخرج هذا الفاعل الصّانع وزيرا فتخدمه ويسومك المشى فى ركابه؛ اخرج إلى دارك، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه.
وكان ظاهر هذا القول مكارمة أبى على وباطنه أنّه علم أن أكثر العسكر الواقفين بين القصرين لا يرغبون وزارة هزار الملوك؛ فدبّر أنّهم إذا وقعت أعينهم على أبى علىّ تعلّقوا به وأقاموه وزيرا، فيفسد أمر هزار الملوك. فقام أبو علىّ ليخرج، فمنعه طغج، أحد نوّاب الباب، وكان فطنا ذكيا؛ فقال له بزغش: لم تمنع هذا المولى من الخروج؟ فقال: كيف لا أمنعه من الخروج إلى هذا الجمع ولا يؤمن تعلّق العسكريّة فيقع له ما وقع للآخر. فهزّه بزغش وقال له: دع عنك الفضول. وقام بنفسه وأخرجه إلى آخر دهاليز القصر؛ فما هو إلاّ أن خرج من باب القصر ورآه رضوان بن ولخشى والجماعة، وقد علموا أن هزار الملوك قد خلع عليه للوزارة وأنّه سيخرج إليهم، فتواثبوا إلى أبى علىّ وقالوا هو الوزير بن الوزير بن الوزير. وأراد أن ينفلت منهم واعتذر أنه شرب دواء، فلم يقبل منه؛ وطلب له فى الحال خيمة وبيت صدار، فضربت فى جانب من بين القصرين، وأدخلوه فيها.
وقام الصّالح وثار العسكر بموافقتهم على وزارته والرّضا به، وصاحوا أن لا سبيل أن يلى علينا هذا الصّانع الفاعل، وأعلنوا بشتمه. فغلقت أبواب القصر كلها واشتدّ الأمر؛ فأحضر ضرغام وأصحابه سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة، وأطلقوا عليها أميرا يقال له ابن شاهنشاه، فلما أشرف على طاق المنظرة جاء أستاذو الخليفة وأنكروا عليه فعله؛ فقال هذه فتنة تقوم ما تسرّ، فما الذى خلعتم عليه! ويحصل من ذلك على الخليفة من العوامّ وسوء أدب جهّال العسكر ما لا يتلافى؛ وما هذا شيء والله إلاّ نصيحة لمولانا، فإنّنى قد علمت من رأى القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عنى بهذا.
فمضى الأستاذون إلى الحافظ وأبلغوه ما قال ابن شاهنشاه وهزار الملوك بين يديه بخلع الوزارة يسمع القول؛ فقال له الحافظ: ها أنت (ذا) تسمع ما يقال. فقال: يا مولانا، أنا فى
стр. 831
مجلسك ووزارتى بوصية خليفة قبلك، فاتركنى أخرج لهؤلاء الفعلة الصّنعة. فقال:
لا سبيل لفتح باب القصر فى مثل هذا الوقت، وقد فعلنا فى أمرك ما رتّب لك، وهذه الخلع عليك؛ ولكن قد قال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب ﵇: لا رأى لمن لا يطاع.
واشتدّ الأمر وكثر تموير العسكر (١). فقيل لابن شاهنشاه: قد أجبتم إلى وزارة أبى علىّ وما نحن له كارهون. فأعاد ذلك على رضوان وأصحابه، فقالوا: قل له يسلم لنا هزار الملوك. فامتنع من ذلك وقد تكاثر القوم على سور القصر وعزموا على طلب المذكور ولا بدّ.
فقال الحافظ له: قم واحتجب فى مكان عسى ندبّر فى قضيتك أمرا نصرف به هذا الجمع عنا وعنك.
فنزعت الخلع عنه (٢) وأحيط به، فصار إلى مكان قتل فيه قتلة مستورة وألقيت رأسه إلى القوم فسكنوا.
واستدعى بالخلع لأبى على، فأفيضت عليه فى يوم الأربعاء خامسه، وركب إلى دار الوزارة والجماعة مشاة فى ركابه. فكانت وزارة هزار الملك نصف يوم بغير تصرّف.
وكان قد اصطفاه الآمر لنفسه هو وبزغش قبل موته بمدّة وردّ له المظالم والنظر فى أحوال الجند، وهو نوع من الوزارة؛ وكان ينعت بالأفضل.
ووقع النّهب فى القاهرة من باب الفتوح إلى باب زويلة، ونهبت القيسارية وكان فيها أكثر ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم، ومذ بنيت لم يكن فيها أمر يكره، فكان هذا أوّل حادث حدث على القاهرة من النّهب والطمع.
وطيف برأس هزار الملوك على رمح. واستقرّت الوزارة لأبى على أحمد بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالى، وكان يلقّب بكتيفات، فى يوم الخميس سادس
стр. 832
عشر ذى القعدة (١). فأوّل ما بدأ به أنه أحاط بالحافظ وسجنه فى خزانة فيما بين الإيوان وباب العيد (٢). ويقال إنّ رضوان بن ولخشى دخل إليه وقيّده؛ فقال له الحافظ: أنت فحل الأمراء. فنعت بذلك.
وتمكن أبو علىّ واستولى على جميع ما فى القصر من الأموال والذّخائر (٣)، وحمل الجميع إلى دار الوزارة بعد أن فرّق أكثر ما كان الآمر جمعه من الغلال فى الناس على سبيل الإنعام.
وكان السّعر غاليا، يباع القمح بنحو الدّينار كلّ إردب، فأراد أبو على أن يحسّن سمعته، فأمر أن تفتح المخازن وأطلق أكثر ما كان فيها، وكانت مئى ألوف أرادب.
وردّ على النّاس الأموال التى فضلت فى بيت المال من مال المصادرة التى كان قد أخذها الآمر فى أيّام مباشرة الرّاهب وما كتبت به الخطوط قبل ذلك؛ وكان الذى وجد خمسين ألف دينار. فاستبشر النّاس به وفرحوا فرحا ما ثبتت منه عقولهم، وضجّوا بالدّعاء له فى سائر أعمال الدّيار المصريّة؛ وأعلنوا بذكر معايب الآمر ومثالبه، وأقطع الحجريّة (٤) البلاد، وظهر فرح النّاس وابتهاجهم.
وأكرم بزغش العادل الذى أشار عليه بالخروج من القصر إكراما كثيرا. وكانت قد ضربت ألواح على عدة أملاك فى أيام الآمر فأعيدت إلى أربابها.
وكان إماميّا متشددا (٥)، فالتفّت عليه الإماميّة ولعبوا به حتى أظهر المذهب الإمامى، وتزايد الأمر فيه إلى التأذين فانفعل بهم، وحسّنوا له الدّعوة للقائم المنتظر، فضرب الدّراهم
стр. 833
باسمه ونقش عليها: الله الصمد الإمام محمّد. وخطب بنفسه فى يوم الجمعة، وكان أكثر خلق الله تخلّفا وأقلّهم علما، فغلط فى الخطبة غلطة فاحشة صحّفها فلم ينكر عليه أحد.
واشتدّ ضرره على أهل القصر من الإرعاد والإبراق، وأكثر من إزعاجهم والتّفتيش على ولد الآمر وعلى يانس، صاحب الباب، وعلى صبيان الخاصّ الآمرية. وأراد أن يخلع الحافظ ويقتله بمن قتله الآمر من إخوته. وكان الآمر لمّا احتاط على موجود الأفضل بعد قتله بلغه عن أولاد الأفضل كلام فى حقّه يستقبح ذكره، فأقام عليهم الحجّة عند ما مثلوا بحضرته، وقال: أبوكم الأفضل غلامى ولا مال له. فسفه عليه أحدهم؛ فغضب وقتلهم.
فأراد أبو على بتفتيشه على الحمل الّذى ذكر أنه من الآمر أن يظفر به ليقتله بإخوته؛ فلم يظهر الحمل، ولا قدر أيضا على قتل الحافظ ولا خلعه، فاعتقله كما تقدّم، وخطب للقائم المنتظر تمويها. فنفرت قلوب أهل الدّولة منه، وقامت نفوسهم منه. وتعصّب قوم من الأجناد من خاصّ الخليفة، بترتيب يانس لهم، وتحالفوا سرّا على قتله، وكانوا أربعين رجلا، وصاروا يرتقبون فرصة ينتهزونها.
وفيها قبض على جعفر بن عبد المنعم بن أبى قيراط وعلى أبى يعقوب ابراهيم السّامرى، ونهب الجند دورهما؛ وحبسا فى حبس المعونة، ثم أخرجا ميتين (١).
стр. 834
سنة خمس وعشرين وخمسمائة (١)
فيها رتّب أبو علىّ بن الأفضل فى الحكم أربعة قضاة، فصار كلّ قاض يحكم بمذهبه ويورّث بمذهبه؛ فكان قاضى الشافعيّة سلطان بن إبراهيم بن المسلم بن رشا (٢)، وقاضى المالكية أبو عبد الله محمّد بن أبى محمّد عبد المولى بن أبى عبد الله محمد بن عبد الله اللبنى المغربى، وقاضى الإسماعيليّة أبو الفضائل هبة الله بن عبد الله بن حسن بن محمّد القاضى فخر الأمناء الأنصارى المعروف بابن الأزرق، وقاضى الإماميّة القاضى المفضّل أبو القاسم ابن هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبى كامل. ولم يسمع بمثله هنا فى الملّة الإسلاميّة قبل ذلك.
стр. 835
سنة ست وعشرين وخمسمائة (١)
فى يوم الثلاثاء سادس عشر المحرّم ركب أبو على أحمد بن الأفضل إلى رأس الطابية ليعرّق فرسا فى الميدان بالبستان الكبير خارج باب الفتوح من القاهرة، وللعب بالكرة (٢) على عادته؛ فجاء وهو هناك عشرة من صبيان الخاص الّذين تحالفوا على قتله متى ظفروا به جميعا أو فرادى، فصاح أبو على، عادة من يسابق بخيل: راحت، فقال العشرة: عليك، وحملوا عليه وطعنوه حتى قتل. فأدركه أستاذ من أستاذيه وألقى نفسه عليه فقتلوه معه.
واجتمع الأربعون عنانا واحدا وجاءوا إلى القصر وفيهم يانس، وكان مستوحشا من أبى على، فأخرجوا الحافظ من الخزانة التى كان معتقلا بها، وفكّوا عنه القيد وأجلسوه فى الشباك على منصة الخلافة، وقالوا: ما حرّكنا على هذا إلاّ الأمير يانس. فاجتمع الناس، وأخذ له العهد على أنّه ولىّ عهد كفيل لمن لم يذكر اسمه (٣).
ونهب فى هذا اليوم كثير من الأسواق والدّور والحوانيت؛ وصار ذلك عادة مستقرة وشيئا معهودا فى كل فتنة.
وحمل رأس أبى على إلى القصر. وكان قد أسقط منذ أقامه الجند ذكر إسماعيل بن جعفر الصّادق الذى تنسب إليه الطائفة الإسماعيليّة. وأزال من الأذان قولهم فيه: «حىّ على خير العمل، محمد وعلىّ خير البشر»؛ وأسقط ذكر الحافظ من الخطبة؛ واخترع لنفسه دعاء يدعى به على المنابر وهو: «السّيد الأجلّ الأفضل، سيّد ممالك أرباب
стр. 836
الدّول، المحامى عن حوزة الدّين، وناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحقّ فى حالى غيبته وحضوره، والقائم فى نصرته بماضى سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادى القضاة إلى اتباع شرع الحقّ واعتماده، ومرشد دعاته المؤمنين إلى واضح بيانه وإرشاده، مولى النّعم، رافع الجور عن الأمم، مالك فضيلتى السيف والقلم؛ أبو على أحمد بن السّيّد الأجلّ الأفضل أبى القاسم شاهنشاه أمير الجيوش».
وكانت مدّة تحكمه سنة وشهرا وعشرة أيّام (١)؛ ثم حمل بعد قتله ودفن بتربة أمير الجيوش (٢)، ظاهر باب النصر.
وخلع على السّعيد أبى الفتح يانس الأرمنى، صاحب الباب، خلع الوزارة؛ وكان من غلمان الأفضل بن أمير الجيوش العقلاء، وله هيبة، وعنده تماسك فى الأمور وحفظ للقوانين.
فهدأت الدّهماء وصلحت الأحوال؛ واستقرّت الخلافة للحافظ؛ وحمل جميع ما كان قد نقل إلى دار الوزارة من الأموال والآلات وأعيد إلى القصر.
ولم يحدث يانس شيئا؛ إلاّ أنّه تخوّف من صبيان الخاصّ، وحدثته نفسه أنهم قد جسروا على الملوك، وأنه ربّما غضبوا منه ففعلوا به ما فعلوه بغيره؛ وأحسّوا منه بذلك فتفرّقوا عنه.
فلمّا تأكدت الوحشة بينهم وبينه ركب فى خاصّته وغلمانه وأركب العسكر، والتقوا قبالة باب التّبّانين (٣) بين القصرين، فقتل منهم ما يزيد عن ثلاثمائة فارس من أعيانهم، فيهم قتلة أبى على أحمد بن الأفضل. وكانوا نحو خمسمائة فارس، فكسر شوكتهم وأضعفهم فلم يبق منهم من يؤبه له ولا يعتدّ به، فقوى أمر يانس وعظم شأنه.
وكانت له فى النفوس مكانة، فثقل على الحافظ وتخيّل منه، فأحسّ بذلك، وصار
стр. 837
كلّ منهما يدبّر على الآخر. فبدأ الوزير يانس بحاشية الخليفة، فقبض على قاضى القضاة وداعى الدّعاة أبى الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء وأبى الفتوح بن قادوس فقتلهما.
وبلغه شيء يكرهه عن أستاذ من خاصّ الخليفة، فقبض عليه من غير مشاورة الحافظ، واعتقله بخزانة البنود، وضرب عنقه من ليلته. فاستبدّت الوحشة بينه وبين الحافظ، وخشى من زيادة معناه، فقال (الحافظ) (١) لطبيبه: اكفنى أمره بمأكل أو مشرب. فأبى الطبيب ذلك خوفا من سوء العاقبة. ويقال إنّ الحافظ توصّل إلى أن سمّ يانس فى ماء المستراح، فانفتح دبره واتّسع حتى ما بقى يقدر على الجلوس (٢). فقال الطبيب: يا أمير المؤمنين، قد أمكنت الفرصة وبلغت مقصودك، فلو أنّ مولانا عاده فى هذه المرضة اكتسبت حسن الأحدوثة؛ وهذا المرض ليس دواؤه إلاّ السّكون ولا شيء أضرّ عليه من الحركة والانزعاج، وهو كما يسمع بقصد مولانا تحرّك واهتمّ بلقائه وانزعج، وفى ذلك تلاف نفسه. فقبل ذلك وجاء لعيادته. فلمّا رآه يانس قام للقائه وخرج عن فراشه؛ فأطال الحافظ جلوسه عنده ومحادثته، فلم يقم حتى سقطت أمعاؤه، ومات من ليلته، فى سادس عشرى ذى الحجّة.
وكانت وزارته تسعة أشهر وأيّاما. وترك ولدين كفلهما الحافظ.
وكان يانس هذا قد أهداه باديس (٣) جدّ عبّاس الوزير - الآتى ذكره إن شاء الله تعالى - إلى الأفضل بن أمير الجيوش فترقى فى الخدم إلى أن تأمّر وتقدّم وولى الباب، وهى أعظم رتب الأمراء، وكنى بأبى الفتح ولقب بالسّعيد؛ ثم نعت فى وزارته بناصر الجيوش سيف الإسلام. وكان عظيم الهمّة بعيد الغور، كثير الشرّ، شديد الهيبة.
стр. 838
وفيها استقرّت حال الحافظ لدين الله وبويع له بيعة ثانية لمّا عمل الحمل. قال الشريف محمد بن أسعد الجوانى: رأيت صغيرا فى القرافة الكبرى، ويسمى قفيفة، سألت عنه، قيل هذا ولد الآمر: لما ولّى الحافظ ولىّ عهده من يولد، استولى على الأمر، وولد هذا الولد فكتم حاله، وأخرج فى قفّة على وجهها سلق وكرّات، وستر أمره إلى أن ركب بعد ذلك ووشى به فأخذ وقتل.
ولمّا تمكّن الحافظ قرئ سجلّ بإمامته، وركب من باب العيد إلى باب الذهب بزىّ الخلفاء، فى ثالث ربيع الأول؛ ورفع عن النّاس بواقى مكس الغلّة.
وأمر بأن يدعى له على المنابر بهذا الدّعاء، وهو: «اللهم صلّ على الذى شيّدت به الدين بعد أن رام الأعداء دثوره، وأعززت الإسلام بأن جعلت طلوعه على الأمّة وظهوره، وجعلته آية لمن تدبّر الحقائق بباطن البصيرة، مولانا وسيّدنا، وإمام عصرنا وزماننا، عبد المجيد أبى الميمون، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، صلاة دائمة إلى يوم الدين».
وفيها صرف أبو عبد الله محمّد بن هبة الله بن ميسّر عن قضاء القضاة، فى أول ربيع الأوّل، وقرّر مكانه سراج الدّين أبو الثّريا نجم بن جعفر، وأضيفت إليه الدّعوة، فقيل له قاضى القضاة وداعى الدّعاة، وذلك وقت العشاء الآخرة من ليلة الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة (١).
ولمّا مات يانس تولّى الحافظ الأمر بنفسه ولم يستوزر أحدا وأحسن السّيرة.
ويقال إن يانس لمّا قتل القاضى أبا الفخر سلّم الحكم إلى سراج الدّين أبى الثّريا نجم بن جعفر.
وفيها جهّز الحافظ الأمير المنتضى أبا الفوارس وثّاب بن مسافر الغنوىّ رسولا فى الرابع من ذى القعدة بجواب شمس الملوك (٢)، صاحب دمشق، وأصحبه الخلع السّنيّة وأسفاط
стр. 839
الثياب والخيل المسوّمة ومالا متوفّرا. فوصل إلى دمشق وتلقّى أحسن تلقّ (١)، وقبلت الألطاف منه، وقرئ كتابه. وأقام إلى أن اعيد من القابلة (٢).
وفيها خرج أبو عبد الله الحسين بن نزار بن المستنصر، وكان قد توجّه إلى المغرب مستخفيا وجمع هناك جموعا كثيرة وعاد. فبعث الحافظ إلى مقدّمى عسكره يستميلهم.
فلمّا وصل دير الزجاج والحمّام (٣) اغتالوه وقتلوه فانفضّ جمعه.
стр. 840
سنة سبع وعشرين وخمسمائة (١)
فيها حشد جماعة من العبيد بالأعمال الشرقية، فخرج إليهم عسكر كانت بينهم وبينه حروب.
وفيها سلّم الحافظ أمر الدّيوان إلى الشريف معتمد الدولة على بن جعفر بن غسّان، المعروف بابن العسّاف، وصرف يوحنا بن أبى اللّيث لأشياء نقمها عليه، وسعوا فيه عنده بأنه كان سببا فيما عمله أبو على أحمد بن الأفضل من تفريق ما فرّقه من الأموال لأهله وأقاربه. واستخدم الحافظ أيضا أخا معتمد الدّولة فى نقابة الأشراف (٢) وجعله جليسا؛ وكان عنده أدب ومعرفة بعلم الفلك، وكان الحافظ يحب هذا العلم.
وفيها قبض على ابن عبد الكريم، تربية الآمر، فوجد له ثلاثمائة وستّون منديلا مذهبة، وعلى مثالها ثلاثمائة وستون بذلة مذهبة؛ فكان يلبس كل يوم بذلة. وكل منديل، وهى العمامة، على مسمار فضة. ووجد له خمسمائة نرجسية ذهبا وفضة؛ ومائتا صندوق فيها ثياب ملونات؛ ومائة حسكة ذهبا وفضة؛ ومن الجوهر ما يعجز عن وصفه.
стр. 841
سنة ثمان وعشرين وخمسمائة (١)
فيها عهد الحافظ إلى ولده سليمان، وكان أسنّ أولاده وأحبّهم إليه، وأقامه ليسدّ مكان الوزير ويستريح من مقاساة الوزراء وجفائهم عليه ومضايقتهم إياه فى أوامره ونواهيه، فمات بعد ولاية العهد بشهرين، فحزن عليه مدّة. ثمّ جعل ابنه حيدرة ولىّ عهده ونصبه للنّظر فى المظالم، فشقّ ذلك على أخيه حسن لأنه كان يروم ذلك لكثرة أمواله وتلاده وحواشيه وموكبه، بحيث كان له ديوان مفرد. وما زالت عقارب العداوة تدبّ بينهما حتى وقعت الفتنة بين الطائفة الجيوشية والطائفة الرّيحانيّة (٢)، وكانت شوكة الرّيحانية قوية والجند يشنئونهم خوفا منهم فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين؛ وصاح الجند: يا حسن يا منصور، يا للحسنيّة.
والتقى العسكران؛ فقتل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف رجل (٣). فكانت أوّل مصيبة نزلت بالدولة من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها؛ ولم يسلم من الرّيحانيّة إلاّ من ألقى نفسه فى بحر النيل من ناحية المقس (٤). واستظهر حسن وصار الأمر إليه، فانضمّ له أوباش العسكر وزعّارهم (٥)، وفرّق فيهم الزّرد وسمّاهم صبيان الزّرد، وصاروا لا يفارقونه ويحفّون به إذا ركب، ويلازمون داره إذا نزل.
فقامت قيامة النّاس، وقبض على ابن العساف وقتله واختفى منه الحافظ وحيدرة؛
стр. 842
وجد فى طلب حيدرة. وهتك بالأوباش الذين اختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه من كونه نغّص على أبيه وأخيه، وصاروا يحسّنون له كلّ رذيلة، ويحرّونه (١) على أذى الناس.
فأخذ الحافظ فى تلافى الأمر مع حسن لينصلح؛ وعهد إليه بالخلافة فى يوم الخميس لأربع بقين من شهر رمضان، وأركبه بالشعار، ونعت بولى عهد المؤمنين. وكتب له بذلك سجلاّ قرئ على المنابر، فكان يقال على المنابر: «اللهم شيّد ببقاء ولى عهد المؤمنين أركان خلافته، وذلّل سيوف الاقتدار فى نصره وكفايته، وأعنه على مصالح بلاده ورعيته، واجمع شمله به وبكافّة السّادة إخوته، الّذين أطلعتهم فى سماء مملكته بدورا لا يغيرها المحاق، وقمعت ببأسهم كلّ مرتدّ من أهل الشّقاق والنفاق، وشددت بهم أزر الإمامة، وجعلت الخلافة فيهم إلى يوم القيامة».
فلم يزده ذلك إلاّ شرّا وتعدّيا؛ فضيّق على أبيه وبالغ فى مضرّته. فسير الحافظ وفىّ الدولة إسحاق، أحد الأستاذين المحنّكين، إلى الصّعيد ليجمع ما قدر عليه من الرّيحانية فمضى واستصرخ على حسن، وجمع من الأمم ما لا يعلمه إلا الله؛ وسار بهم. فبلغ ذلك حسنا، فجهز إليه عسكرا عرمرما وخرج؛ فالتقى الجمعان. وهبّت ريح سوداء فى وجوه الواصلين، وركبهم عسكر حسن، فلم يفلت منهم إلا القليل، وغرق أكثرهم فى البحر وقتلوا؛ وأخذ الأستاذ إسحاق وأدخل إلى القاهرة على جمل برأسه طرطور لبد أحمر. فلما وصل بين القصرين رمى بالنّشاب حتى مات، ورمى إليهم من القصر الغربىّ أستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف الأمراء.
فلما اشتد الأمر على الحافظ عمل حيلة وكتب ورقة ورماها إلى ولده حسن، فيها:
«يا ولدى، أنت على كلّ حال ولدى، ولو عمل كلّ منا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه. ولا يحملنى قلبى، وقد انتهى الأمر إلىّ أن أمراء الدولة فلانا وفلانا - وسمّاهم له - وأنك قد شدّدت وطأتك عليهم وخافوك، وأنهم معوّلون على الفتك بك؛ فخذ حذرك يا ولدى».
стр. 843
فلمّا وقف حسن على الورقة قامت قيامته. فلمّا اجتمع أولئك الأمراء فى داره للسّلام عليه أمر صبيان الزّرد الذين اختارهم وصار يثق بهم فقتلوهم بأجمعهم، وأخذ ما فى دورهم.
فاشتدّت مصيبة الدّولة بفقد من قتل من الأمراء الذين كانوا أركان الدّولة، وهم أصحاب الرأى والمعرفة، فوهت واختلّت لقلّة الرّجال وعدم الكفاة.
ومن حين قتل حسن الأمراء تخوّفه باقى الجند ونفرت نفوسهم منه فإنه كان جريئا عنيفا بحّاثا عن الناس يريد إقلاب الدّولة وتغييرها لتقدّم أصحابه، فأكثر من مصادرة الناس، وقتل سراج الدين أبا الثريا نجما فى يوم الخميس ثامن شوال. وكان أبو الثريا فى أوّل أمره خاملا فى الناس، ثم سمع قوله فى العدالة أيّام الآمر. فلمّا قبض أحمد بن الأفضل على أبى الفخر وسجنه عنده بدار الوزارة، وقد كان الداعى أيام الآمر، طلب من يكون داعيا، فاستخدم نجما هذا داعيا ولم يقف على ما كان عنده من الدّهاء. فلمّا كان فى وزارة يانس جمع إليه الحكم مع الدّعوة؛ فلمّا مات يانس وانفرد الحافظ بالأمر بعده حظى نجم عنده ورقّاه إلى أعلى المراتب، وصار يدبّر الدولة. وحسّن عنده نصرة طائفة الإسماعيلية والانتقام ممّن كان يؤذيهم فى أيام أحمد بن الأفضل، فتأذّى بهذا خلق كثير، وأثبت طائفة سمّاهم المؤمنين وجعل لهم زماما قتله حسن بن الحافظ. ولما قتل الشريف بن العباس وأخذ نجم يعادى أمراء الدّولة ورؤساءها ولا ينظر فى عاقبة - وكانوا قد حسدوه على قربه من الحافظ وتمكنه منه ومطاوعته له بحيث لا يعمل شيئا إلا برأيه - فلمّا تمكّن حسن بن الحافظ أغروه به فقتله وقتل معه جماعة. وردّ القضاء لابن ميسّر وخلع عليه فى يوم الخميس ثانى ذى القعدة.
وفيها مات القاضى المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسين بن حديد بن حمدون الكنانى قاضى الإسكندرية بثغر رشيد، وقد عاد من القاهرة فى جمادى الآخرة؛ ومولده ستة اثنتين وستين وأربعمائة. وكانت له مدة فى القضاء؛ وهو الذى كان سببا فى اغتيال أبى الصلت أمية الأندلس. وقد ذكره السلفى وأثنى عليه، ورثى بعدة قصائد.
وفيها مات أبو عبد الله الحسين بن أبى الفضل بن الحسين الزاهد النّاطق بالحكم، المعروف بابن بشرى الجوهرى، الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ، فى جمادى
стр. 844
الأولى. وكان حلو الوعظ، إلاّ أنه تعرّض فى آخر عمره لما لا يعنيه، فنفاه الحافظ إلى دمياط؛ وذلك أن الآمر لمّا مات ترك جارية حاملا، فقام الحافظ بعده فى الخلافة على أن يكون كفيلا للحمل حتى يكبر، فاتّفق أنّه ولد وخافت أمّه عليه من الحافظ، فجعلته فى قفّة من خوص وجعلت فوقه بصلا وكرّاثا وجزرا حتى لا يفطن به، وبعثته فى قماطه تحت الحوائج فى القفّة إلى القرافة، وأدخل به إلى مسجد أبى تراب الصوّاف (١)، وأرضعته المرضعة، وخفى أمره عن الحافظ حتى كبر، وكان يعرف بين الصبيان بقفيفة.
فلمّا حان نفعه نمّ عليه ابن الجوهرى هذا إلى الحافظ، فأخذ الصبىّ وفصده، فمات، وخلع على ابن الجوهرى ثم نفاه إلى دمياط فمات بها.
стр. 845
سنة تسع وعشرين وخمسمائة (١)
فيها عظم أمر حسن بن الحافظ وقويت شوكته، وتأكدت العداوة بينه وبين من بقى من الأمراء والأجناد واشتدّ خوفهم منه، وعزموا على خلع الحافظ من الخلافة وخلع ابنه حسن من ولاية العهد وعزله عن الأمر. فاجتمعوا بين القصرين، وهم نحو العشرة آلاف ما بين فارس وراجل، وبعثوا إلى الحافظ فشكوا ما فيه من ابنه حسن وأرادوا إزالته عنهم.
فعجز حسن عن مقاومتهم ولم يبق معه سوى الرّاجل من الجيوشية ومن يقول بقولهم من العسكر الغرباء. فتحيّر ولم يجد بدّا من الفرار منهم إلى أبيه، فصار إليه، وكان قد نزل بالقصر الغربى، ففتح سردابا بين القصرين ووصل إلى أبيه بالقصر الشرقىّ من تحت الأرض، وتحصّن بالقصر. فبادر الحافظ بالقبض عليه وقيّده، وأرسل إلى الأمراء يخبرهم بالقبض على حسن؛ فأجمعوا على طلبه ليقتلوه. فبعث إليهم يقبّح مرادهم منه أن يقتل ولده، وأنه قد أزال عنهم أمره، وضمن لهم أنّه لا يتصرّف أبدا؛ ووعدهم بالزّيادة فى الأرزاق والإقطاعات. فلم يقبلوا ذلك، وقالوا: إمّا نحن وإمّا هو. وأحضروا الأحطاب والنيران لإحراق القصر؛ وبالغوا فى الجرأة على الحافظ. فلم يجد من ينتصر به عليهم لأنهم أنصاره وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم، فألجأته الضّرورة إلى أن استمهلهم ثلاثة أيام ليتروى فيما يعمل.
فرأى أنّه لا ينفكّ من هذه النّازلة العظيمة إلاّ بقتل ابنه لتنحسم المباينة بينه وبين العسكر التى لا يأمن إن استمرّت أن تأتى على نفسه هو، فإنّهم لم يبرحوا من بين القصرين.
فاستدعى طبيبيه، أبا منصور وابن قرقة، فبدأ بأبى منصور اليهودىّ وفاوضه فى عمل سقية (٢) لابنه، فتحرّج من ذلك وأنكر معرفته كلّ الإنكار، وحلف برأس الخليفة وعلى