← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

سنة ثمان وعشرين وخمسمائة (١) فيها عهد الحافظ إلى ولده سليمان، وكان أسنّ أولاده وأحبّهم إليه، وأقامه ليسدّ مكان الوزير ويستريح من مقاساة الوزراء وجفائهم عليه ومضايقتهم إياه فى أوامره ونواهيه، فمات بعد ولاية العهد بشهرين، فحزن عليه مدّة. ثمّ جعل ابنه حيدرة ولىّ عهده ونصبه للنّظر فى المظالم، فشقّ ذلك على أخيه حسن لأنه كان يروم ذلك لكثرة أمواله وتلاده وحواشيه وموكبه، بحيث كان له ديوان مفرد. وما زالت عقارب العداوة تدبّ بينهما حتى وقعت الفتنة بين الطائفة الجيوشية والطائفة الرّيحانيّة (٢)، وكانت شوكة الرّيحانية قوية والجند يشنئونهم خوفا منهم فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين؛ وصاح الجند: يا حسن يا منصور، يا للحسنيّة. والتقى العسكران؛ فقتل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف رجل (٣). فكانت أوّل مصيبة نزلت بالدولة من فقد رجالها ونقص عدد عساكرها؛ ولم يسلم من الرّيحانيّة إلاّ من ألقى نفسه فى بحر النيل من ناحية المقس (٤). واستظهر حسن وصار الأمر إليه، فانضمّ له أوباش العسكر وزعّارهم (٥)، وفرّق فيهم الزّرد وسمّاهم صبيان الزّرد، وصاروا لا يفارقونه ويحفّون به إذا ركب، ويلازمون داره إذا نزل. فقامت قيامة النّاس، وقبض على ابن العساف وقتله واختفى منه الحافظ وحيدرة؛

стр. 842

وجد فى طلب حيدرة. وهتك بالأوباش الذين اختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه من كونه نغّص على أبيه وأخيه، وصاروا يحسّنون له كلّ رذيلة، ويحرّونه (١) على أذى الناس. فأخذ الحافظ فى تلافى الأمر مع حسن لينصلح؛ وعهد إليه بالخلافة فى يوم الخميس لأربع بقين من شهر رمضان، وأركبه بالشعار، ونعت بولى عهد المؤمنين. وكتب له بذلك سجلاّ قرئ على المنابر، فكان يقال على المنابر: «اللهم شيّد ببقاء ولى عهد المؤمنين أركان خلافته، وذلّل سيوف الاقتدار فى نصره وكفايته، وأعنه على مصالح بلاده ورعيته، واجمع شمله به وبكافّة السّادة إخوته، الّذين أطلعتهم فى سماء مملكته بدورا لا يغيرها المحاق، وقمعت ببأسهم كلّ مرتدّ من أهل الشّقاق والنفاق، وشددت بهم أزر الإمامة، وجعلت الخلافة فيهم إلى يوم القيامة». فلم يزده ذلك إلاّ شرّا وتعدّيا؛ فضيّق على أبيه وبالغ فى مضرّته. فسير الحافظ وفىّ الدولة إسحاق، أحد الأستاذين المحنّكين، إلى الصّعيد ليجمع ما قدر عليه من الرّيحانية فمضى واستصرخ على حسن، وجمع من الأمم ما لا يعلمه إلا الله؛ وسار بهم. فبلغ ذلك حسنا، فجهز إليه عسكرا عرمرما وخرج؛ فالتقى الجمعان. وهبّت ريح سوداء فى وجوه الواصلين، وركبهم عسكر حسن، فلم يفلت منهم إلا القليل، وغرق أكثرهم فى البحر وقتلوا؛ وأخذ الأستاذ إسحاق وأدخل إلى القاهرة على جمل برأسه طرطور لبد أحمر. فلما وصل بين القصرين رمى بالنّشاب حتى مات، ورمى إليهم من القصر الغربىّ أستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف الأمراء. فلما اشتد الأمر على الحافظ عمل حيلة وكتب ورقة ورماها إلى ولده حسن، فيها: «يا ولدى، أنت على كلّ حال ولدى، ولو عمل كلّ منا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه. ولا يحملنى قلبى، وقد انتهى الأمر إلىّ أن أمراء الدولة فلانا وفلانا - وسمّاهم له - وأنك قد شدّدت وطأتك عليهم وخافوك، وأنهم معوّلون على الفتك بك؛ فخذ حذرك يا ولدى».

стр. 843

فلمّا وقف حسن على الورقة قامت قيامته. فلمّا اجتمع أولئك الأمراء فى داره للسّلام عليه أمر صبيان الزّرد الذين اختارهم وصار يثق بهم فقتلوهم بأجمعهم، وأخذ ما فى دورهم. فاشتدّت مصيبة الدّولة بفقد من قتل من الأمراء الذين كانوا أركان الدّولة، وهم أصحاب الرأى والمعرفة، فوهت واختلّت لقلّة الرّجال وعدم الكفاة. ومن حين قتل حسن الأمراء تخوّفه باقى الجند ونفرت نفوسهم منه فإنه كان جريئا عنيفا بحّاثا عن الناس يريد إقلاب الدّولة وتغييرها لتقدّم أصحابه، فأكثر من مصادرة الناس، وقتل سراج الدين أبا الثريا نجما فى يوم الخميس ثامن شوال. وكان أبو الثريا فى أوّل أمره خاملا فى الناس، ثم سمع قوله فى العدالة أيّام الآمر. فلمّا قبض أحمد بن الأفضل على أبى الفخر وسجنه عنده بدار الوزارة، وقد كان الداعى أيام الآمر، طلب من يكون داعيا، فاستخدم نجما هذا داعيا ولم يقف على ما كان عنده من الدّهاء. فلمّا كان فى وزارة يانس جمع إليه الحكم مع الدّعوة؛ فلمّا مات يانس وانفرد الحافظ بالأمر بعده حظى نجم عنده ورقّاه إلى أعلى المراتب، وصار يدبّر الدولة. وحسّن عنده نصرة طائفة الإسماعيلية والانتقام ممّن كان يؤذيهم فى أيام أحمد بن الأفضل، فتأذّى بهذا خلق كثير، وأثبت طائفة سمّاهم المؤمنين وجعل لهم زماما قتله حسن بن الحافظ. ولما قتل الشريف بن العباس وأخذ نجم يعادى أمراء الدّولة ورؤساءها ولا ينظر فى عاقبة - وكانوا قد حسدوه على قربه من الحافظ وتمكنه منه ومطاوعته له بحيث لا يعمل شيئا إلا برأيه - فلمّا تمكّن حسن بن الحافظ أغروه به فقتله وقتل معه جماعة. وردّ القضاء لابن ميسّر وخلع عليه فى يوم الخميس ثانى ذى القعدة. وفيها مات القاضى المكين أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسين بن حديد بن حمدون الكنانى قاضى الإسكندرية بثغر رشيد، وقد عاد من القاهرة فى جمادى الآخرة؛ ومولده ستة اثنتين وستين وأربعمائة. وكانت له مدة فى القضاء؛ وهو الذى كان سببا فى اغتيال أبى الصلت أمية الأندلس. وقد ذكره السلفى وأثنى عليه، ورثى بعدة قصائد. وفيها مات أبو عبد الله الحسين بن أبى الفضل بن الحسين الزاهد النّاطق بالحكم، المعروف بابن بشرى الجوهرى، الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ ابن الواعظ، فى جمادى

стр. 844

الأولى. وكان حلو الوعظ، إلاّ أنه تعرّض فى آخر عمره لما لا يعنيه، فنفاه الحافظ إلى دمياط؛ وذلك أن الآمر لمّا مات ترك جارية حاملا، فقام الحافظ بعده فى الخلافة على أن يكون كفيلا للحمل حتى يكبر، فاتّفق أنّه ولد وخافت أمّه عليه من الحافظ، فجعلته فى قفّة من خوص وجعلت فوقه بصلا وكرّاثا وجزرا حتى لا يفطن به، وبعثته فى قماطه تحت الحوائج فى القفّة إلى القرافة، وأدخل به إلى مسجد أبى تراب الصوّاف (١)، وأرضعته المرضعة، وخفى أمره عن الحافظ حتى كبر، وكان يعرف بين الصبيان بقفيفة. فلمّا حان نفعه نمّ عليه ابن الجوهرى هذا إلى الحافظ، فأخذ الصبىّ وفصده، فمات، وخلع على ابن الجوهرى ثم نفاه إلى دمياط فمات بها.

стр. 845

سنة تسع وعشرين وخمسمائة (١) فيها عظم أمر حسن بن الحافظ وقويت شوكته، وتأكدت العداوة بينه وبين من بقى من الأمراء والأجناد واشتدّ خوفهم منه، وعزموا على خلع الحافظ من الخلافة وخلع ابنه حسن من ولاية العهد وعزله عن الأمر. فاجتمعوا بين القصرين، وهم نحو العشرة آلاف ما بين فارس وراجل، وبعثوا إلى الحافظ فشكوا ما فيه من ابنه حسن وأرادوا إزالته عنهم. فعجز حسن عن مقاومتهم ولم يبق معه سوى الرّاجل من الجيوشية ومن يقول بقولهم من العسكر الغرباء. فتحيّر ولم يجد بدّا من الفرار منهم إلى أبيه، فصار إليه، وكان قد نزل بالقصر الغربى، ففتح سردابا بين القصرين ووصل إلى أبيه بالقصر الشرقىّ من تحت الأرض، وتحصّن بالقصر. فبادر الحافظ بالقبض عليه وقيّده، وأرسل إلى الأمراء يخبرهم بالقبض على حسن؛ فأجمعوا على طلبه ليقتلوه. فبعث إليهم يقبّح مرادهم منه أن يقتل ولده، وأنه قد أزال عنهم أمره، وضمن لهم أنّه لا يتصرّف أبدا؛ ووعدهم بالزّيادة فى الأرزاق والإقطاعات. فلم يقبلوا ذلك، وقالوا: إمّا نحن وإمّا هو. وأحضروا الأحطاب والنيران لإحراق القصر؛ وبالغوا فى الجرأة على الحافظ. فلم يجد من ينتصر به عليهم لأنهم أنصاره وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم، فألجأته الضّرورة إلى أن استمهلهم ثلاثة أيام ليتروى فيما يعمل. فرأى أنّه لا ينفكّ من هذه النّازلة العظيمة إلاّ بقتل ابنه لتنحسم المباينة بينه وبين العسكر التى لا يأمن إن استمرّت أن تأتى على نفسه هو، فإنّهم لم يبرحوا من بين القصرين. فاستدعى طبيبيه، أبا منصور وابن قرقة، فبدأ بأبى منصور اليهودىّ وفاوضه فى عمل سقية (٢) لابنه، فتحرّج من ذلك وأنكر معرفته كلّ الإنكار، وحلف برأس الخليفة وعلى

стр. 846

التّوراة أنّه لم يقف قطّ على شيء من هذا (١). فتركه وأحضر ابن قرقة، وكان يلى الاستعمالات (٢) بدار الدّيباج (٣) وخزائن السّلاح (٤) والسّروج (٥)، وفاوضه فى ذلك؛ فقال: السّاعة، ولا يتقطّع منها الجسد بل تفيض النّفس (٦) لا غير. فأحضرها من يومه، وألزم الحافظ ابنه حسنا بمن ندبه من الصّقالبة، فأكرهوه على شربها، فمات فى يوم الثلاثاء ثالث عشرى جمادى الآخرة. ونقل للقوم سرّا: قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم. فلم يثقوا بذلك، وقالوا لا بدّ أن يشاهده منّا من نثق به؛ وندبوا منهم امرأ يعرف بالجرأة والصّرّ يقال له المعظم جلال الدولة محمد، ويعرف بجلب راغب الآمرى، فدخل إلى حيث حسن بن

стр. 847

الحافظ، فإذا هو مسجى بثوب ملاءة، فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه سكينا (١) وغرزه فى عدّة مواضع من بدنه حتّى تيقّن أنّه ميّت، وانصرف إلى أصحابه وأخبرهم فتفرّقوا (٢). وكان تاج الدولة بهرام الأرمنىّ قد انفلت من حسن بن الحافظ وولى الغربية؛ فلمّا علم أن النّفوس جميعها من البدو والحضر قد انحرفت عن حسن جمع مقطعى الغربيّة والأرمن والعربان وطلب القاهرة، ويقال كان ذلك بمباطنة من الحافظ، فما وصل إلى القاهرة حتى غابت حشوده فى القرى والضّياع ونهبوها. وعند ما وصل إلى القاهرة، يوم الخميس وقت العصر، الحادى عشر من جمادى الآخرة التفّ عليه من بها من الأمراء والأجناد وأبادوا أكثر الجيّوشية والإسكندرانيّة والفرحيّة ومن يقول بقولهم من الغزّ الغرباء (٣). ونهب أوباش النّاس ما قدروا عليه. ولمّا قتل حسن وسكنت الدّهماء قبض الحافظ على الطّبيب ابن قرقة وقتله بخزانة البنود، وارتجع جميع أملاكه وموجوده، وكان يلى الاستعمالات بدار الدّيباج وخزائن السّلاح والسّروج. وأنعم على أبى منصور الطبيب وجعله رئيسا على اليهود وصارت له نعم جليلة. وفيها كانت وزارة بهرام الأرمنىّ النّصرانىّ الملقّب تاج الدّولة. وكان السّبب فى ولايته الوزارة أنه جرت فتنة بين الأجناد والسّودان عند ما قتل حسن بن الحافظ قوى فيها السّودان على الأجناد وأخرجوهم من القاهرة، فإنّ السّودان كانوا مع حسن دون الأجناد، فإنّهم

стр. 848

الذين حملوا أباه الحافظ على قتله. وقدم بهرام بالحشد كما تقدّم، فوجد حسنا قد مات، فمسكه الأجناد بظاهر القاهرة وأدخلوه على الحافظ لدين الله فى يوم الخميس، بعد العصر، الحادى عشر من جمادى الآخرة، لتولية الوزارة؛ فخلع عليه فى يوم الأحد، رابع عشره، ثم خلع عليه ثانيا يوم الخميس ثامن عشره، خلع الوزارة، ونعت بسيف الإسلام تاج الخلافة (١)، وهو نصرانىّ، مع كراهة الحافظ لذلك، لتسكن الفتنة، ولم يردّ إليه شيئا من الأمور الشرعيّة. فلم يدخل فى مشكل لأنّه كان عاقلا سيوسا حسن التدبير. وتقدّم كثير من حواشى الحافظ إليه ينكرون عليه ولاية بهرام مع كونه نصرانيا، وقالوا: لا يرضى المسلمون بهذا، ومن شرط الوزير أن يرقى مع الإمام المنبر فى الأعياد ليزرّر عليه المزرّرة الحاجزة بينه وبين النّاس، والقضاة نوّاب الوزير من زمن أمير الجيوش، ويذكرون دائما النيابة عنه فى الكتب الحكميّة النافذة إلى الآفاق وكتب الأنكحة. فقال: إذا رضينا نحن فمن يخالفنا؛ وهو وزير السيف؛ وأمّا صعود المنبر فيستنيب عنه قاضى القضاة؛ وأمّا ذكره فى الكتب الحكميّة فلا حاجة إلى ذلك ويفعل فيها ما كان يفعل قبل أمير الجيوش. فشقّ على الناس وزارته، وتطاول النّصارى فى أيّامه على المسلمين. وكان هو قد أحسن السّيرة وساس الرعيّة، وأدّى الطاعة للخليفة، وأنفق فى الجند جملة من الأموال، ودبّر الأمور فاستقامت له الأحوال، وراسله الملوك، وزال ما كان فى البلد من الفتن؛ فلم ينكر عليه سوى أنّه نصرانىّ. وكان يقعد يوم الجمعة عن الصّلاة فلا يحضر، بل يعدل إلى دكّان بمفرده حتى يصلّى الخليفة بالناس. وأقبل الأرمن يردون إلى القاهرة ومصر من كلّ جهة حتى صار بها منهم عالم عظيم. ووصل إليه ابن أخيه، وكان يعرف بالسّبع الأحمر، فكثر القيل والقال؛ وأطلق أسيرا من الفرنج كان من أكابرهم، فأنكر النّاس ذلك ورفعوا فيه النّصائح للحافظ، وأكثروا من الإنكار.

стр. 849

وكان رضوان بن ولخشى حينئذ صاحب الباب، وهو شجاع كاتب، فبلغ بهرام أنّه يهزأ به فى قوله وفعله، فثقل عليه وأخذ يعمل على إخراجه من القاهرة، وولّى أخاه الباساك قوص (١) وفيها توفّى الأديب أبو نصر ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله الجروى الجذامى الإسكندرانىّ، المعروف بالحدّاد (٢). بمصر.

стр. 850

سنة ثلاثين وخمسمائة (١) فيها أخرج بهرام الأمير رضوان بن ولخشى من القاهرة لولاية عسقلان؛ وقيل بل كان خروجه فى سلخ رجب من السّنة الماضية. فلمّا وصل إليها وجد فيها جماعة من الأرمن قد وصلوا فى البحر يريدون القاهرة، فناكدهم ومنع كثيرا منهم؛ فبلغ ذلك الوزير بهرام، فشقّ عليه، وصرفه عن عسقلان واستدعاه؛ فقدم إلى القاهرة. وشكره الناس على منعه الأرمن من الوصول إلى القاهرة، فلم يطق بهرام إقامته معه، فولاه الغربيّة فى صفر إبعادا له عنه. وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقليّة جربة (٢)؛ ونازل طرابلس الغرب فانهزم عنها (٣)

стр. 851

سنة احدى وثلاثين وخمسمائة (١) فيها تكاثر حضور أقارب بهرام وإخوته، وأهله وقومه؛ ومجيئهم من ناحية تلّ باشر (٢) وكانوا مقيمين بها، ولهم فيها كبير منهم يتولّى أمرهم؛ وقدموا أيضا بلاد الأرمن، حتى صار منهم بديار مصر نحو الثلاثين ألف إنسان. فعظم ضررهم بالمسلمين وكثرت استطالتهم، واشتدّ جورهم، وتظاهروا بدين النّصرانيّة، وأكثروا من بناء الكنائس والدّيارات، وصار كلّ رئيس منهم يبنى له كنيسة بجوار داره. وتفاقم الأمر. فخاف الناس منهم أن يغيّروا الملّة الإسلامية ويغلبوا على البلاد فيردّوها دار كفر؛ فتتابعوا فى الشكاية من أهل بهرام وأقاربه. ووردت الأخبار من قوص بأن الباساك، أخا بهرام (٣)، قد جار على النّاس واستباح أموالهم، وبالغ فى أذيّتهم وظلمهم، فاشتدّ ذلك على النّاس، وعظم على الأمراء ما نزل بالمسلمين؛ فبعثوا إلى أبى الفتح رضوان بن ولخشى - وكان مقدّما فيهم لكثرة نعوته بفحل الأمراء وهو يومئذ يتولى الغربيّة - يشكون إليه ما حلّ بالمسلمين ويستحثّونه على المصير وإنقاذهم مما نزل بهم. فلمّا وصلت إليه كتب الأمراء تشمّر لطلب الوزارة، ورقى المنبر خطيبا بنفسه فخطب خطبة بليغة حرّض فيها النّاس على الجهاد فى سبيل الله والاجتماع لقتال بهرام وشيعته النّصارى من الأرمن. وكان حينئذ بمدينة سخا (٤)، ثم نزل وحشد الناس من العربان وغيرهم حتى استجاب له نحو من ثلاثين ألفا، فأخرج لهم كتب الخليفة الحافظ إليه

стр. 852

بالتقدّم بالمسير ونزع الوزارة من يد بهرام إذ تبيّن أنه ليس من أهل الملّة. وسار بهم إلى دجوة (١)، وبهرام لا ينزعج. فلمّا قرب رضوان جمع بهرام الأرمن إليه وقال لهم: اعلموا أنّنا قوم غرباء لم نزل نخدم هذه الدّولة؛ والآن فقد كثر بغضهم لأيّامنا، وما كنت بالذى أكون عبد قوم وأخدمهم من حال الصّبا فلمّا بلغنى الكبر أقاتلهم؛ لاضربت فى وجوههم بسيف أبدا. سيروا. وأخذ أمراء الدّولة وعساكرها يخرجون شيئا بعد شيء إلى رضوان. واجتمع بهرام بالخليفة وفاوضه فى أمره؛ فقال تحلّبنى الإسلام عليك (٢). فأيس حينئذ، وجمع الأرمن، وكانوا كلّهم منقادين إليه لا يخالفونه فى شيء من الأشياء، وسار بهم نحو بلاد الصّعيد يريد أخاه الباساك بقوص، قاصدا أنّه يجتمع به ويمضون إلى أسوان فيتملكونهما ويتقوّون بالنوبة أهل دينهم (٣). وقد ذكر أنّ بهرام خرج يريد محاربة رضوان فى عساكر مصر. فلمّا وصل بعسكر القاهرة إلى رضوان رأوا المصاحف قد رفعها رضوان فوق الرّماح، فصاروا بأجمعهم إلى رضوان باتفاق كان بينهم وبينه من قبل ذلك؛ فعاد بهرام إلى القاهرة وأخذ ما خفّ حمله، وخرج من باب البرقية يوم الأربعاء، وقت العصر، حادى عشر جمادى الأولى، وسار يريد الصّعيد وقد أوسق المراكب بما يحتاج إليه. فعند ما رحل اقتحم رعاع النّاس وأوباشهم إلى دار الوزارة فنهبوها وهتكوا حرمتها، وعملوا كلّ مكروه؛ فكان هذا أوّل نهب وقع فى دار الوزارة. وامتدّت الأيدى إلى دور الأرمن التى

стр. 853

كانوا قد عمروها بالحسينية خارج باب الفتوح (١)، فنهبوها، ونهبوا كنيسة الزهرى (٢)، ونبشوا قبر البطرك، أخى بهرام. وطار خبر انهزام بهرام فى سائر إقليم مصر، فوصل الخبر بذلك إلى قوص قبل وصول بهرام، فثار المسلمون بها على الباساك وقتلوه ومثّلوا به، وجعلوا فى رجله كلبا ميّتا، وألقوه على مزبلة. فلمّا كان بعد قتله بيومين قدم بهرام فى طائفة الأرمن، وهم نحو الألفى فارس، رماة، فرأى أخاه على المزبلة كما ذكر، فقتل جماعة من أهل قوص ونهبها. وسار عنها إلى أسوان، فنزل بالأديرة البيض، وهى أماكن حصينة فى غربىّ أخميم، فتفرّق عنه عدّة من الأرمن وساروا يريدون بلادهم. وأما رضوان فإنّه لمّا وصل إلى القاهرة وقف بين القصرين، واستأذن الحافظ فيما يفعله، فأشار بنزوله فى دار الوزارة، فنزلها، وخلع عليه خلع الوزارة يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى، ونعت بالسيد الأجل الملك الأفضل. فاستدعى بالأموال من الخليفة، وأنفق فى الجند، ومهّد الأمر. ورضوان أوّل وزير لقب بالملك. فلمّا كان فى اليوم الثالث من استقراره فى الوزارة سيّر أخاه الأوحد إبراهيم ومعه العسكر شرقا وغربا، والأسطول بحرا، فى طلب بهرام، وبيده أمان له ليعود مكرّما وطائفته على إقطاعاتهم. فسار إلى الأديرة، وتقرّر الحال من غير قتال على إقامة بهرام بها؛ وذلك أنّ أسوان امتنعت عليه بكنز الدّولة (٣) وأهلها، فاضطرّ إلى الإقامة بالأديرة وقد فارقه

стр. 854

أكثر الأرمن، فمنهم من سار إلى بلاده ومنهم من أقام بأرض مصر ليكونوا فلاحين، فسأل لهم مواضع يسكنونها، فأفردت لهم جهات، منها سمالوط (١) وإبوان (٢) وأقلوسنا (٣) والبرجين (٤) فى صعيد مصر، وضيعة أخرى بأعمال المحلة. وأقام بهرام بالأديرة البيض ومعه أهله وولده. وفيها صرف أبو عبد الله محمّد بن ميسّر عن قضاء القضاة فى يوم الأحد لسبع خلون من المحرّم، والوزير إذ ذاك بهرام، ونفى إلى تنيس، فأقام بها إلى يوم الاثنين ثانى ربيع الأوّل، وقتل. وهو من قيساريّة، وقدم منها مع أبيه وهو صغير فى وزارة أمير الجيوش بدر الجمالى عند حضوره إلى المستنصر فى سنى الشدّة، وبعثه إلى البلاد الشاميّة لإحضار أرباب الأموال واليسار؛ وكان من جملة من أحضر والد القاضى، وكان له مال جزيل، ففوّض إليه خطابة الجامع بمصر؛ وفتح دار وكالة، وأقام بها مدّة حتى مات. فترقّى ولده إلى أن ولى القضاء عدّة مرار؛ وكان له أفضال ومكارم، وحصلت له وجاهة ورتبة جليلة، وضرب دنانير كثيرة كان اقترحها على الخليفة الآمر (٥). وهو الذى أخرج الفستق الملبّس بالحلوى، فإنّه بلغه أنّ أبا بكر محمّد بن علىّ المادرائى عمل الكعك الذى يقال له افطن له، وعمل عوضا من حشو السّكر دنانير، فلمّا مدّ السّماط فى يوم العيد قال أحد الخدّام لصديق له كان على السّماط: افطن له؛ ففهم عنه وتناول من ذلك، وصار يخرج الذّهب من فمه ويخفيه حتى تنبّه الناس لذلك، فتناولوا بأجمعهم منه. فأرادوا القاضى ابن ميسّر

стр. 855

أن يتشبه بأبى بكر المادرائى فى ذلك، فعمل صحنا منه لكن جعل فستقا قد لبّس حلوى وذلك الفستق من ذهب، وأباحه أهل مجلسه؛ ولم يقدر على عمل ذلك سوى مرة واحدة. ثم إنه لما تناهت مدّته عاداه رجل يعرف بابن الزّعفرانى، فنمّ عليه عند الحافظ بأن أحمد بن الأفضل لمّا كان قد اعتقل الحافظ وجلس للهناء ودخل عليه الشعراء كان فيهم على بن عبّاد الإسكندرى، وأنه أنشد قصيدة يذمّ فيه خلفاء مصر ويذكر سوء اعتقادهم، منها فى ذمّ الحافظ: هذا سليمانكم قد ردّ خاتمه … واسترجع الملك من صخر بن إبليس فعند ما قال هذا البيت قام ابن ميسّر وألقى عرضيته طربا بهذا البيت. فأمر الحافظ بإحضار هذا الشاعر، وقال: أنشدنى قصيدتك: فأنشدها إلى أن بلغ فيها إلى قوله: «ولا ترضوا عن الخمس المناحيس». يعنى الحافظ وابنيه وأباه وجدّه؛ فأمر الغلمان بلكمه، فلكموه حتى مات بين يديه. وقبض على ابن ميسّر ونفى ثم قتل. وكان ينعت بجلال الملك؛ وكانت علامته «الحمد لله على نعمه». وفيها مات أبو البركات بن بشرى الواعظ المعروف بابن الجوهرى فى جمادى الأولى عن إحدى وتسعين سنة. وفيها ولى قضاء القضاة أحمد بن عبد الرحمن بن محمّد بن أبى عقيل، ونعت بقاضى القضاة الأعزّ أبى المكارم. وفيها ثار بناحية برقة رجل من بنى سليم وادّعى النّبوّة، فاستجاب له خلق كثير، وأملى عليهم قرآنا منه: إنّما النّاس بالنّاس ولولا النّاس لم يكن النّاس، والجميع ربّ النّاس. ثم تلاشى أمره وانحلّ عنه النّاس. وفيها جلس الوزير رضوان فى ذى القعدة لاستخدام المسلمين فى المناصب الّتى كانت بأيدى النّصارى. واستجدّ ديوان الجهاد (١)، واهتمّ بتقوية الثغور واستعدّ لتعمير عسقلان

стр. 856

بالعدد والآلات، وأشاع الخروج إلى الشام لغزو الفرنج، وأظهر من الاعتناء بذلك ما لا يوصف. وكان قد مهّد الأمور، وأعاد النّاس إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة بحسن سيرته، وكثرة عدله وعمارته البلاد، وقوّة نفسه وشجاعته. وأحضر جميع الدّواوين وكتبها ورتّبها، ورتب الأمور أحسن تدبير. وكان من جملة الضّمّان فى أموال الدّولة هبة الله بن عبد المحسن الشّاعر؛ فلمّا عرض حسابه وجد قد انكسر عليه مال فى ضمانه، فكتب له فى المجلس: أنا شاعر وصناعتى الأدب (١) … وضمان مثلى المال لا يجب أنا مستميحكم، وليس على … من جاء يطلب رفدكم طلب وإذا (٢) الباقى علىّ فما … من حاصل، ورق ولا ذهب فسامحه فيما عليه من الباقى. وفيها أحضر من الصّعيد الأعلى فى رمضان جماعة تقدمهم رجل بجاوىّ يدّعى فيه أصحابه أنّه إله، فصلبوا.

стр. 857

سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة (١) فيها أفرج الوزير رضوان عن شمس الخلافة مختار الأفضلى، صاحب باب بهرام، من الاعتقال وولاه الإسكندرية. فيها تشدّد رضوان على النّصارى من أصحاب بهرام وصادرهم، وقتلهم بالسيف، وأباد أكثرهم. وتطلّع إلى تقديم أرباب المعارف من أرباب السيوف والأقلام، وأحسن إليهم، وزاد فى أرزاقهم. ووجد نصرانيّا قد توصّل فى أيّام بهرام إلى ديوان النّظر (٢)، يعرف بالأخرم، وبذل فى كل يوم ألف دينار سوى المؤن والغرامات؛ فآذى المسلمين وشق عليهم، فصرفه رضوان واستخدم بدله رجلا يقال له المرتضى المحنّك بغير ضمان. وتقدّم إلى ديوان الإنشاء بانشاء سجلّ فى الوضع من النّصارى واليهود؛ فأنشأه أبو القاسم ابن الصّيرفى، منعوا فيه من إرخاء الذّوائب وركوب البغلات ولبس الطّيالسة، وأمر النّصارى بشدّ الزنانير المخالفة لألوان ثيابهم، وألاّ يجوزوا على معابد المسلمين ركبانا؛ فما رئى فى أيّامه يهودىّ ولا نصرانىّ يجوز على الجامع راكبا، لكنّه ينزل ويقود دابّته. وأمر أن يؤخذ الجزية من فوق مساطب وهم وقوف أسفلها. ومنعهم من التكنى بأبى الحسن وأبى الحسين وأبى الطّاهر، وأن يبيّضوا قبورهم. وضمّن ذلك كلّه السّجلّ؛ فعمل به. وفيها نزع السّعر لتوقف النيل (٣)، فنال النّاس مجاعة؛ فأمر الحافظ بفتح

стр. 858

الأهراء (١) والبيع منها على الناس بأوسط الأثمان، فلم يمض الوزير بذلك، وأخذ يهين حواشى الخليفة إذا حضروا إليه ويقدح فى مذهبه، لأنه كان سنيا، وكان أخوه الأوحد إبراهيم إماميّا. فلما كثر ذلك منه انزعج الخليفة ولم يظهر تغيّرا، و (أخذ) (٢) يعمل فى الخلاص منه؛ فتنافر كلّ منهما من الآخر. وكان رضوان خفيفا طائشا لا يثبت، فهمّ بخلع الحافظ وقال ما هو بخليفة ولا إمام، وإنما هو كفيل لغيره، وذلك الغير لم يصحّ. وأحضر الفقيه أبا الطّاهر ابن عوف وابن أبى كامل فقيه الإماميّة وابن سلامة داعى الدّعاة، وفاوضهم فى الخلع واستخلاف شخص عيّنه لهم؛ وألزم كلاّ منهم أن يقول ما عنده. فقال ابن عوف: الخلع لا يجوز إلا بشروط تثبت شرعا. وقال ابن أبى كامل: السلطان، أبقاه الله، يحملنى على أن أتكلّم على غير مذهبى فى الإمامة. قال: لأجل عمل مذهبك؟ فقال: مذهبى معلوم، يعنى أن الإماميّة لا يعتقدون حقّ الخلافة فى بنى إسماعيل بن جعفر، لموته فى حياة أبيه وانتقال الإمامة للحاضر من إخوته، ولأنه لا ينبغى لمن لم تكن له إمامة أن يخلع. فخلص من هذا وقال الدّاعى: أنا داعى ومولى لهم، وما يصحّ لى خلعه، فإنى أصير فيما مضى كأنّى أدعو لغير مستحقّ، فأكون قد كذّبت نفسى فلا أقبل الآن وأستخصم بذلك، ولا يؤثّر قولى فيما تريدون؛ ولم تجر العادة على الفاطميّين بخلع حتى نأتى به. فقابله على هذا القول بالسّبّ وإقامته أقبح قيام. فقال الفقيه النحّاس، وكان حاضرا،

стр. 859

كلّ عظيمة، وحمله على خلع الحافظ فبلغ ذلك المجلس الحافظ. وفيها أحضرت من تنّيس امرأة بغير ثديين وفى موضع ثدييها مثل الحلمتين، فصارت إلى مجلس الوزير رضوان وأخبرته أنها تصنع برجليها جميع ما يعمل باليدين من رقم وخطّ وغير ذلك. فجاء لها فى المجلس بدواة فتناولت برجلها اليسرى الأقلام قلما قلما (١)، ثم تناولت السّكين برجليها وبرت قلما، واستدعت ورقة وأمسكتها برجلها اليمنى وكتبت بالرّجل اليسرى رقعة بأحسن خطّ تكتبه النّساء، وحمدت الله فى آخرها، وناولتها الوزير، فإذا فيها سؤال بأن يزاد فى راتبها. فوقّع لها خلف الرقعة بما تسأل وأعادها إلى بلدها. وفيها بنى الوزير رضوان المدرسة المعروفة (به) (٢) فى ثغر الإسكندرية، وجعل فى تدريسها الفقيه أبا طاهر بن عوف.

стр. 860

سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة (١) فيها زاد السّعر وبلغ القمح ثلاثة دنانير للاردبّ، فبيعت الغلال التى كان الأفضل خزنها، وقد تغيّرت وأرادوا رميها فى النيل، فكانت تقطع بالفئوس وتباع بأربعين دينارا كل مائة إردبّ، وكذلك الأرز الذى كان مخزونا بمصر فإنّه أبيع بعشرة دنانير المائة؛ فوجد النّاس بذلك رفقا. فيها كثر سعى الوشاة بين الحافظ والوزير فتخوّف كلّ منهما من الآخر، وقبض الوزير على عدّة من خواصّ الحافظ، منهم أبو المعالى بن قادوس، وابن شيبان المنجم، ورئيس اليهود، وجماعة؛ فقتلهم. فسيّر الحافظ من أحضر إليه بهرام فى رمضان؛ فلمّا حضر أسكنه عنده بالقصر وأكرمه، وشقّ ذلك على رضوان. وكان الحافظ قد تلطّف برضوان فى أمر بهرام وقرّر معه أن يستدعيه وينزله فى القصر، وحلف له أنّه لا يولّيه أمرا ولا يمكنه من تصرّف؛ فتسامح رضوان فى أمره (٢). واستدعى فحضر بأهله وأنزل فى دار بالقصر قريبة من المحول (٣)، وهو قريب من سكن الحافظ، فكان يستحضره فى غالب اللّيالى ويستشيره ويعمل برأيه. ولما كان يوم عيد الفطر ركب الوزير مع الحافظ وعليه من الملابس ما لم يلبسه أحد من الوزراء فى مثل ذلك اليوم، وعاد إلى القصر وفى نفس الحافظ منه أشياء تبينها رضوان

стр. 861

فى وجه الحافظ وعلمها منه، فاشمأزّت نفسه مع ما كان فيه من الطّيش، فركب فى تاسع شوّال وزحف إلى القصر؛ فكلّمه الخليفة من بعض طاقات المنظرة الّتى تطلّ على باب الذّهب، وجرى بينهما كلام اجترأ فيه على الخليفة. وعاد إلى داره بعد أن احتاط بالقصر واحتفظ بالأبواب، فانتفض النّاس لذلك بالقاهرة ومصر، وكثرت الأراجيف. وفى تلك الحالة نزل بعض أولاد الحافظ من القصر هاربا إلى رضوان، وكان شيخا ومعه ولد له، ليقيمه خليفة، فلم يكترث به، وأحضر إسماعيل بن سلامة الداعى، وقال له: ما تقول فى هذا الرجل، هل يصلح لما التمسه؟ فقال: الخلافة لها شروط ونواميس ما فى هذا منها شيء، وتحتاج إلى نصوص، ولولا أن مولانا الآمر نصّ على مولانا الحافظ وأودعه سرّ الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب له الناس. فلم يحصّل سوى أنه كان مشئوما على نفسه وأهله، فإنّ الحافظ لما بلغه ذلك قتله وقتل جماعة منهم كثيرة. ثم إن الحافظ لمّا رأى فعل رضوان وتعدّيه وكثرة من انضم إليه من العسكر عمل فى التّدبير عليه وأرسل إلى صبىّ من الجند يعرف بشومان، وكانت فيه شهامة وجرأة وهو من صبيان الخاصّ، فأحضره إليه من أحد السّراديب سرّا وأرسله إلى علىّ بن السّلار، أحد أمراء الدّولة (١)، يأمره بالتدبير على رضوان، وأنفذ معه مالا إليه ليستعين به على ذلك. وكان على بن السّلار عاقلا صاحب حزم ويقظة وحسن تأتّ مع قوة وصرامة. فلمّا جاءه القاصد بالمال وبلّغه عن الخليفة ما قال انتهز الفرصة وأرسل إلى جماعة من صبيان الخاصّ وقرّر معهم أن يجتمعوا ويدخلوا من باب زويلة كردوسا (٢) واحدا وهم يصيحون: الحافظ يا منصور؛ وفرّق فيهم ما أرسله إليه الخليفة.

стр. 862

فلمّا كان يوم الاثنين، الثالث عشر من شوّال، اجتمع بظاهر القاهرة منهم نحو العشرين وأقبلوا من باب زويلة يصيحون: يا للحافظ، الحافظ يا منصور؛ فما وصلوا إلى الشرائحيين الذى يعرف اليوم بالشّوّايين (١)، حتى صاروا نحو الخمسمائة، وما وصلوا بين القصرين إلاّ والعسكر جميعه من فارس وراجل معهم، ولم يبق من الصّبيان والعوامّ أحد حتى خرج النّساء، وأشرف النّساء من الطاقات، وصاروا بأجمعهم يصيحون: يا للحافظية. فلمّا سمع رضوان الضّجيج أراد أن يركب، فمنعه بعض غلمانه، فأبى عليه لأنه كان واثقا بنفسه وبمن معه؛ وخرج وحده بغير سلاح ليس معه سوى سيف، فلقى الناس بنفسه وطردهم يمينا وشمالا، وظهر منه شجاعة تعجّب منه من شاهدها، فإنه لقى ألوفا من النّاس بمفرده ولم يزل يحمل عليهم حملة بعد حملة إلى أن قتل منهم عدّة. وكان أخوه إبراهيم قد بلغه الخبر، فركب من داره وأمسك عنه من يجيئه من ناحية قصر الشوك (٢)، وشدّت الريحانيّة ورجعوا إليه من ناحية زيادة الجامع الحاكمى (٣) ودرب الفرنجيّة. فلمّا طال عليه وتيقّن أنّ القوم بأجمعهم قد تمالئوا على حربه، وكان قد انقضى من النهار أربع ساعات، وأشرف عليه الأستاذون من ناحية باب الرّيح من أعالى القصر يرشقونه بالنّشّاب ويرمونه بالطّوب، تحيّر. وكان ابن أخته والى مصر، فبلغه الخبر، فقام بجميع غلمانه وسار لنجدة خاله، فوجد عند باب زويلة من بلغه الخبر بأنه لا يقدر على الوصول إليه؛ فسار من ناحية باب البرقيّة ومعه بوقات وطبول، فسمع إبراهيم، أخو رضوان، أصوات البوقات والطّبول من جهة باب البرقيّة، فأنفذ إلى أخيه رضوان يقول له: قد تفرّق علينا العسكر وجاء من ناحية قصر الشّوك، وقد قاطع الرّاجل علينا من ناحية باب النّصر.

стр. 863

فلمّا بلغ رضوان ذلك أيقن بالهلاك إن وقف، فما زال يتأخر قليلا قليلا حتى صار فيء رحبة باب العيد عند دار سعيد السعداء (١)، وبعث إلى داره، التى هى دار الوزارة من أخذ له شيئا منها على سبيل الخطف، وأوصى إلى أخيه، فانضمّ إليه هو ومن معه من أصحابه وفيهم أبو الفوارس وقدارة بن أبى عزة وشاور بن مجير السّعدى، وجماعة من خواصّه، وخرجوا من باب النصر. فما هو إلاّ أن صار بظاهر القاهرة اقتحم النّاس دار الوزارة ونهبوها حتى لم يتركوا فيها شيئا. وما وصل رضوان إلى تربة أمير الجيوش (٢) إلاّ وقد تلاحق كثير من المغافرة، وكان قد أسلف عند العرب أيادى وأفاض عليهم نعما وأحسن إليهم إحسانا كثيرا فى مدّة وزارته، فأدركه رجل من العرب يقال له سالم بن المحجل، أحد شياطين الإنس، وحسّن له المسير إلى الشام. واشتغل النّاس بنهب دار الوزارة، وكان قد جمع فيها رضوان أكثر أموال ديار مصر وشحنها بالذخائر وأنواع السّلاح والعدد والآلات والغلال، فانتهب جميع ذلك، وأحرقت أخشاب تعب الملوك فى تحصيلها. وكان نهب دار الوزارة أوّل ضرر دخل على الدّولة. وطلب رضوان الشام، فدخل عسقلان وملكها وجعلها معقله، وتوجّه أخوه إلى الحجاز وأقام بها حتى مات؛ وسار ابن أخته إلى بغداد فأكرمه أصحاب الخليفة هناك ولم يزل عندهم إلى أن مات. وخرج رضوان من عسقلان ولحق بصلخد (٣)، فنزل على أمين الدّولة كمشتكين صاحبها

стр. 864

فأكرمه وأبرّه، وأقام عنده ثلاثة أشهر. ثم أنفذ إلى دمشق، واستفسد من الأتراك بها من قدر عليه. وفيها خربت الأثارب (١) من زلزلة؛ وزلزلت دمشق أيضا (٢). وفيها مات الأعزّ قاضى القضاة أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبى عقيل، فى شعبان، فأقام منصب القضاء بغير قاض ثلاثة أشهر؛ ثم اختير الفقيه أبو العبّاس أحمد ابن الحطيئة فى ذى القعدة، فاشترط ألا يحكم بمذهب الدّولة، فلم يمكّن من ذلك. وكان الوزير رضوان قد تقدّم إلى الفقيه أبى عبد الله محمّد بن عبد المولى بن عبد الله محمّد بن عقبة اللّخمى، المعروف بابن اللّبنى (٣)، المغربىّ المالكىّ، أن يعقد الأنكحة. فلمّا كان فى الحادى عشر من ذى القعدة قرّر الحافظ فى قضاء القضاة القاضى فخر الأمناء أبا الفضائل هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن محمّد الأنصارى الأوسى، المعروف بابن الأزرق.

стр. 865

سنة أربع وثلاثين وخمسمائة (١) فيها عاد الأفضل رضوان بن ولخشى من صلخد فى جمع فيه نحو الألف فارس، وكان النّاس فى مدّة غيبته يهتفون بعوده، فبرزت له العساكر ودافعوه عند باب الفتوح، فلم يطق مقابلتهم؛ فمضى إلى مصر ونزل على سطح الجرف المعروف اليوم بالرّصد، وذلك يوم الثلاثاء مستهلّ صفر. فاهتمّ الحافظ بأمره، وبعث إليه بعسكر من الحافظيّة والآمريّة وصبيان الخاصّ، عدّتهم خمسة عشر ألف فارس؛ مقدّم القلب تاج الملوك قايماز، ومقدم الآمريّة فرج غلام الحافظ. فلقيهم رضوان فى قريب ثلاثمائة فارس، فانكسروا، وقتل كثير منهم، وغنم معظمهم؛ وركب أقفيتهم إلى قريب القاهرة. وعاد شاور إلى موضعه فلم يثبت، وأراد العود إلى صلخد فلم يقدر، لقلّة الزّاد وتعذّر الطّريق، فتوجّه بمن معه من العربان إلى الصّعيد. فأنفذ إليه الحافظ الأمير المفضل أبا الفتح نجم الدين سليم بن مصال فى عسكر ومعه أمان، فسار خلفه، وما زال به حتى أخذه وأحضره إلى القصر آخر نهار الاثنين رابع ربيع الآخر، فعفا عنه الحافظ، ولم يؤاخذ أحدا من الأتراك الذين حضروا معه من الشّام. واعتقله عنده بالقصر قريبا من الدّار التى فيها بهرام. وفيها أضيف لقاضى القضاة هبة الله بن حسن الأنصارى، فى سابع عشر جمادى الآخرة، تدريس دار العلم بالقاهرة، فمضى إليها؛ وكان مدرّسها أبو الحسن على بن إسماعيل، فجرت بينهما مفاوضات أدّت إلى الخصام الشّنيع؛ فخرج القاضى إلى القصر ماشيا وقد تخرّقت ثيابه وسقطت عمامته. فعظم على الحافظ خروجه فى الأسواق على هذه الهيئة، وغضب لذلك؛ فصرفه ورسم عليه، وغرّمه مائتى دينار، وألزمه داره. وأمر بطلب أبى الطّاهر إسماعيل بن سلامة الأنصارى، فخلع عليه وقرّره مكانه، ونعته الموفّق فى الدّين، ولم يكتب له سجلّ؛ فأقام إلى آخر ذى الحجة، ولم يتناول على القضاء معلوما؛ وكان

стр. 866

جارى الحكم فى كل شهر أربعين دينارا؛ وقنع بجارى التّقدمة على الدّعاة وهو ثلاثون دينارا فى الشهر. وفيها ولّى الحافظ لدين الله الأمير المفضّل نجم الدّين أبا الفتح (١) سليم بن مصال المالكىّ تدبير الأمور.

стр. 867

سنة خمس وثلاثين وخمسمائة (١) فيها هلك بهرام الأرمنى بالقصر، وكان الحافظ لمّا أقدمه من الصعيد إلى عنده أنزله فى القصر ولم يمكّنه من التّصرّف، وكان يشاوره فى تدبير أمور الدولة فيعجبه رأيه وحزمه وعقله. فلمّا مات فى العشرين من ربيع الآخر حزن عليه حزنا كثيرا ظهر بسببه على القصر غمّة، وهمّ أن يغلق الدّواوين ولا يفتحها ثلاثة أيّام (٢). وأحضر بطرك الملكيّة وأمره أن يجهّز بهرام، فقام بتجهيزه. وأخرج نصف النهار فى تابوت وعليه ثوب ديباج أحمر، ومن حوله النّصارى يبخّرون باللّبان والصّبّار وسنّ العود، وجميع الناس مشاة، فلم يتأخر أحد من أعيان الوقت عن جنازته. وخرج الخليفة على بغلة شهباء وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان؛ فسار خلف التّابوت، وسار والنّاس تبكى والأقساء يعلنون بقراءتهم، والخليفة سائر؛ إلى دير الخندق (٣) من ظاهر القاهرة (٤). فنزل الخليفة عن بغلته وجلس على شفير القبر وبكى بكاء شديدا. وكان عاقلا مقداما فى الحرب، حسن السّياسة، جيّد التّدبير؛ وكان أوّلا يقوم بأمر الأرمن، وسكناهم يومئذ فى ناحية تلّ باشر، فتعصّب عليه جماعة منهم وولّوا غيره؛ فخرج مغضبا وقدم إلى القاهرة، فترقّى فى الخدم إلى أن ولى المحلّة فقام بولايتها. ومنها سار فى زىّ حسن إلى القاهرة ومعه من الأرمن نحو الألفين يقولون بقوله، فاستوزره الحافظ. وفيها مات الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن رشا المقدسى فى آخر جمادى الآخرة.

стр. 868

سنة ست وثلاثين وخمسمائة (١) فى ليلة الثلاثاء الثانى عشر من ربيع الأوّل سقطت صاعقة أحرقت ركن منارة الجامع العتيق. فى شعبان غلت الأسعار وعدم القمح والشعير، فبلغ القمح كلّ إردبّ إلى تسعين درهما والدقيق إلى مائة وخمسين للحملة (٢)، والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم، والويبة من الشّعير إلى سبعة دراهم، والزّيت الطيب إلى سبعة دراهم للرطل، والجبن إلى درهمين للرطل والبيض إلى عشرين درهما للمائة، والزيت الحار إلى درهم ونصف للرطل، والقلقاس كل رطلين بدرهم؛ وعدم الفرخ والدجاج فلم يقدر على شيء منه. وعمّ الوباء، وكثر الموتان. وفيها مات أحمد بن مفرّج بن أحمد بن أبى الخليل الصّقلىّ الشاعر، المعروف بتلميذ ابن سابق؛ وكان فاضلا ذكيّا يتصرّف فى عدّة فنون، وله رسائل حسنة وشعر جيّد. وكان الشعراء فى أيام الحافظ قد أطنبوا فى المديح وتناهوا فى إطالة القصائد حتى صار الإنشاد يؤدّى إلى قصر الوقت الذى جرت العادة باستماع أشعارهم فيه، لطول مثولهم بالخدمة؛ فخرج الأمر إليهم بالاختصار فيما ينشدونه من الأشعار. فقال أحمد بن مفرّج (٣) يخاطب الخليفة: أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا … لم لا أمرت ندى كفّيك يختصر والله لا بدّ أن تجرى سوابقنا … حتى يبين لنا فى مدحك الأثر فأمروا بالاستمرار على ما هم عليه من الإطالة فى الإنشاد.

стр. 869

سنة سبع وثلاثين وخمسمائة (١) فيها عظم الوباء بديار مصر، فهلك فيه عالم لا يحصى عدده كثرة. وفيها بعث الحافظ الأمير النجيب رسولا إلى رجار ملك صقلّية لمحاربته أهل صقلّية؛ وكان رجار فيه فضيلة وأمر، فصنّفت له تصانيف، وكان عنده محبّة للأدب؛ ومدحه ابن قلاقس الشاعر (٢) وغيره.

стр. 870

سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة (١) فيها خرج محمد بن رافع اللّواتى بنواحى البحيرة، فاجتمع له عدد كثير من الناس، فخرج إليه طلائع بن رزّيك، وهو يومئذ والى البحيرة، فكانت بينهما حروب قتل فيها. وفيها غلت الأسعار بمصر.

стр. 871

سنة تسع وثلاثين وخمسمائة (١) فيها سيّر الحافظ الرّشيد أبا الحسين أحمد بن الزبير (٢) رسولا إلى اليمن بسجلّ يقرؤه عليهم، فخرج فى ربيع الأول. وفيها خرج أبو الحسين ابن المستنصر إلى الأمير خمارتاش الحافظى صاحب الباب وقال له: اجعلنى خليفة وأنا أولّيك الوزارة، فطالع الحافظ بذلك، فأمر بالقبض عليه، فقبض واعتقل. وفيها قدم، فى جمادى الآخرة، من دمشق الأمير مؤيد الدّولة أسامة بن منقذ وإخوته وأهله، ومعهم نظام الدين أبو الكرام محسن وزير صاحب دمشق، معاضدين له، فأكرم مثواهم وأنزلوا، وأفيضت عليهم العطايا، وتواترت الإنعامات (٣).

стр. 872

سنة أربعين وخمسمائة (١) فيها أعيد نظر الدّواوين والأتراك والخزائن إلى القاضى الموفّق أبى الكرم محمد بن معصوم التّنّيسى فى جمادى الأولى.

стр. 873

سنة احدى وأربعين وخمسمائة (١) فيها خرج على الحافظ أمير من المماليك يعرف ببختيار، يطلب الوزارة، بأرض الصعيد، فندب إليه عسكرا عليه سلمان مؤنس اللّواتى، فمضى إليه وحاربه، فانهزم وهو من ورائه، حتى أدركه وأخذه أسيرا وقتله. وفيها قدم صافى الخادم، أحد خدّام المتّقى، من بغداد فارّا، فى ثالث عشرى جمادى الأولى، خوفا؛ فأكرمه الحافظ. وفيها منع من التعرّض لصرف شيء من المال الحاضر من الأعمال فى جرائد المستخدمين وأن يكون ما نسب منها على البواقى والفاضل فى هذه السنة. وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى بن آقسنقر حلب بعد أبيه (٢). وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلّية مدينة طرابلس الغرب وولى عليها (رجلا من) بنى مطروح (٣).

стр. 874

سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة (١) فيها صرف أبو الكرم التّنّيسى فى ربيع الآخر، وأعيد نظر الدّواوين للقاضى المرتضى المحنك. وفيها سيّر الحافظ لظهير الدين صاحب دمشق هدايا وخلعا وتحفا (٢). وفيها خرج رضوان من ثقب نقبه بالقصر. وذلك أنّ الحافظ لمّا اعتقله بالقصر أرسل يسأله فى أشياء، من جملتها زيارة نجم الدّين بن مصال له فى الوقت بعد الوقت، فأجابه إلى ذلك لثقته بابن مصال. فحضر فى يوم من الأيام ابن مصال لخدمة الخليفة، وبدأ بزيارة رضوان، فدخل إليه ومعه مشدّة فيها رقاع بحوائج النّاس ليعرضها على الحافظ، وكانت عادته ذلك؛ فاحتاج إلى الخلاء، فترك مشدّته عند رضوان ودخل الخلاء. فأخذ رضوان الرّقاع ووقّع بخطّه عليها كلها بما يسوغ التوقيع به، وأتربها وطواها فى المشدّة. وخرج ابن مصال فأخذها ودخل على الحافظ، وقد علم أنّه كان عند رضوان، فقال له: كيف ضيفنا؟ فقال: على غاية من الشكر لنعمة مولانا وجواره. وأخرج رقعة من تلك الرّقاع ليعرضها على الخليفة فوجد عليها التّوقيع بخط رضوان، فأمسكها وأخرج غيرها، فإذا هى موقّع عليها أيضا. وكان الحافظ يراه، فقال: ما هذا؟ فاستحيا ابن مصال عند ما تداول الخليفة الرّقاع وعليها توقيع رضوان. فقال له الحافظ: يا نجم الدّين، ما زلت مباركا علينا والله يشكر لك ذلك؛ لقد فرّجت عنّا غمّة. فقال: كيف يا مولانا قال:

стр. 875

رأيت البارحة رؤيا مقتضاها أنه ربّما يشركنا فى كثير من أمرنا؛ فالحمد لله إذ كان هذا. وكتب على الرّقاع أمضاها بخطّه، وخلع على ابن مصال. فلمّا طال اعتقال رضوان أخذ ينقب بحيث لا يعلم به إلى أن انتهى النقب من موضعه الّذى هو فيه إلى تجاه فندق أبى الهيجاء، وخرج النّقب عن سور القصر. وكان قياس ما نقبه خمسة وثلاثين ذراعا، فظهر منه بكرة يوم الثلاثاء، ثالث عشرى ذى القعدة، فى الجيزة، فالتفّ عليه جماعة من لواتة وعدّة من الأجناد؛ وسمع به الطّمّاعون، وكان للنّاس فيه أهوية. فندم الحافظ على تركه بغير حارس؛ وأخذ فى العمل. فلمّا كان ثالث يوم عدّى رضوان من اللوق (١) وسار إلى القاهرة؛ فخرج إليه عسكر الحافظ وتحاربوا معه عند جامع ابن طولون، فهزمهم، وسار فى إثرهم إلى القاهرة، فدخلها فى الرّابعة من نهار الجمعة سادس عشريه، ونزل بالجامع الأقمر (٢). فغلق الحافظ أبواب القصر وامتنع به. فأحضر رضوان أرباب الدولة والدّواوين، وأمر ديوان الجيش بعرض الأجناد، وأخذ أموالا كانت خارجة من القصر، وأنفق فى طوائف العسكر. وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا؛ فسيّر إليه صندوقا فيه مال وقال له: هذا الحدّ الذى أراده الله، فاسترض على نفسك (٣).

стр. 876

وأتت هتافات الناس إلى رضوان؛ فاستدعى الحافظ أحد مقدّمى السّودان سرّا وقال له: إنى بكم واثق. فقال: ما ادّخرنا هذا إلاّ لمولانا. فقال: كم أصحابك؟ قال: عشرة. قال: لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجىّ علينا وعليكم، فأنتم تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا. فقالوا: يا مولانا السمع والطاعة. ورتّبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر: الحافظ يا منصور. فلمّا فعلوا ذلك قلق وقال لمن حوله: ما كلّ مرة يصحّ لهؤلاء الكلاب مرادهم. فحسّنوا له الرّكوب ظنّا منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر أحد عليه. فعند ما ركب ضربه واحد من السّودان فى فخذه ضربة شديدة، وتداركه آخر بضربة، وتوالت عليه الضّربات؛ فقتل فى الساعة الحادية عشرة من نهار الجمعة المذكور؛ وقطعت رأسه وحملت إلى الخليفة الحافظ. فسكنت الفتنة، وهدأت الغوغاء. ثم إن الحافظ بعث بالرّأس إلى امرأة رضوان، فلمّا وضعت فى حجرها قالت: هكذا يكون الرّجال. وكان رضوان سنّيّا حسن الاعتقاد، شجاعا، مقداما، قوىّ الغلب، شديد البأس. ولد ليلة عيد الغدير من ذى الحجة (١) سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وترقّى فى الخدم إلى أن ولى قوص وإخميم فى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. إلاّ أنّه كان مع حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات، لا يحسن التّدبير، ولا يتأتّى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته؛ وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه. ومن جملة ما كتب له فى تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبى القاسم ابن الصيرفى: « … لأنّك أذهبت عن الدّولة عارها، وأمطت من طرق الهداية أوعارها، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنّسها من استعارها». ولم يستوزر الحافظ بعد رضوان أحدا؛ وأعاد النّصرانى المعروف بالأخرم إلى ضمان الدولة، على ما تقدّم، ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله، وطلب منه المال فلم يسمح بشئ. فركب الحافظ يوما ووقف على باب السّجن الذى هو فيه من القصر، وأمر به، فأحضر إليه. وقال له: كم تتجالد؟ أريد منك مالى على لسان صاحب السّتر. فبينا الخليفة

стр. 877

يخاطبه إذ أخذ كفّا من تراب وجعله فى فيه؛ فقال له الحافظ: ما هذا؟ فقال: ما لا ينبغى نقله إلى مولانا، صلوات الله عليه. فغضب عليه، وأمر بإحضار أبيه وأخيه، وكانا معتقلين، فأخرجا؛ وقتل الأخرم وأخاه، وأبوهما ينظر قتلهما، ثم قتل الأب. وأحاط بأموالهم فحصل منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا. فيها مات الشيخ تاج الرئاسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان، المعروف بابن الصيرفى الكاتب، فى يوم الأحد لعشر بقين من صفر؛ ومولده فى يوم السبت الثانى والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستّين وأربعمائة. وكان أبوه صيرفيا وجدّه كاتبا؛ وأخذ صناعة التّرسّل عن ثقة الملك أبى العلاء صاعد بن مفرّج؛ وتنقّل حتى صار صاحب ديوان الجيش. ثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء (١). ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزّيدى الحسينى؛ ثم تفرّد بالديوان فصار فيه بمفرده. وله الإنشاء البديع والشعر الرائع، والتّصانيف المفيدة فى التاريخ والأدب.

стр. 878

سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (١) فيها توجّه العسكر، فى ثالث صفر، لقتال لواتة وقد تجمّعوا وعقدوا الأمر لرجل قدم من المغرب وادّعى أنه ولد نزار بن المستنصر (٢). فسار إليهم العسكر وواقعهم على الحمامات (٣) وانهزم منهم العسكر؛ فجهّز الحافظ عسكرا آخر، ودسّ إلى مقدّمى لواتة مالا جزيلا، ووعدهم بالإقطاعات؛ فغدروا بابن نزار وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى الحافظ. ورجعت العساكر فى ربيع الأوّل. وفيها صرف القاضى المكين الموفّق فى الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصارى عن القضاء، لسبع خلون من المحرّم؛ واستقرّ على الدّعوة الموفّق الأمير كمال الدّين، واستخدم فى وظيفة القضاء؛ وكان كريم الأخلاق، حليما، عليه سكينة ووقار، مليح الشيبة، ظريف الهيئة. (وفيها توفى) أبو الفضائل يونس بن محمّد بن الحسن المقدسى القرشىّ، المعروف بجوامرد، خطيب القدس. وفيها بلغ النّيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع (٤)، ففاض الماء حتّى

стр. 879

بلغ إلى الباب الجديد أول الشّارع، خارج باب زويلة (١)، فكان الناس يتوجّهون من مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق بالمياه. فلمّا بلغ الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع، فسأله بعض خواصّه عن ذلك، فأخرج له كتابا وقال: انظر هذا السطر؛ فإذا فيه: «إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد». ثم قال: هذا الكتاب الذى نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا، وما يأتى بعدها. فاتفق أنّه لم تنسلخ هذه السّنة حتى مرض الحافظ مرضة الموت. وفيها انقرضت دولة بنى باديس (٢). وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل النّاس بعضهم بعضا، وخلت القرى، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية. فاغتنم رجار متملّكها الفرصة وبعث جرج، مقدّم أسطوله، على نحو مائتين وخمسين شينيّا، فنزل على المهديّة ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين، وبها الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس؛ ففرّ بأخفّ حمله وتبعه النّاس. فدخل جرج المهديّة بغير مانع، واستولى على قصر الأمير حسن، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات (٣).

стр. 880

وعزم حسن على المجئ إلى مصر، فقبض عليه يحيى بن العزيز (١)، صاحب بجاية (٢)، ووكل به وبأولاده، وأنزله فى بعض الجزائر، فبقى حتّى ملك عبد المؤمن بن على بجاية فى سنة سبع وأربعين، فأحسن إلى الأمير حسن وأقرّه فى خدمته. فلمّا ملك المهديّة تقدّم إلى نائبه بها أن يقتدى برأى حسن ويرجع إلى قوله. فكانت عدّة من ملك من بنى باديس بن زيرى بن مناد تسعة، ومدّتهم، من سنة إحدى وستّين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، مائة واثنتان وثمانون سنة. وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهديّة أسطوله، مائتين وخمسين من الشّوانى، مع جرجى بن ميخائيل، فجدّ فى حصارها حتى أخذها فى صفر منها (٣)، وملك سوسة (٤) وصفاقس (٥)؛ وملك رجار بونة (٦).
следующие страницы →