وأتت هتافات الناس إلى رضوان؛ فاستدعى الحافظ أحد مقدّمى السّودان سرّا وقال له:
إنى بكم واثق. فقال: ما ادّخرنا هذا إلاّ لمولانا. فقال: كم أصحابك؟ قال: عشرة.
قال: لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجىّ علينا وعليكم، فأنتم تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا. فقالوا: يا مولانا السمع والطاعة. ورتّبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر: الحافظ يا منصور. فلمّا فعلوا ذلك قلق وقال لمن حوله: ما كلّ مرة يصحّ لهؤلاء الكلاب مرادهم. فحسّنوا له الرّكوب ظنّا منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر أحد عليه. فعند ما ركب ضربه واحد من السّودان فى فخذه ضربة شديدة، وتداركه آخر بضربة، وتوالت عليه الضّربات؛ فقتل فى الساعة الحادية عشرة من نهار الجمعة المذكور؛ وقطعت رأسه وحملت إلى الخليفة الحافظ. فسكنت الفتنة، وهدأت الغوغاء.
ثم إن الحافظ بعث بالرّأس إلى امرأة رضوان، فلمّا وضعت فى حجرها قالت: هكذا يكون الرّجال.
وكان رضوان سنّيّا حسن الاعتقاد، شجاعا، مقداما، قوىّ الغلب، شديد البأس.
ولد ليلة عيد الغدير من ذى الحجة (١) سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وترقّى فى الخدم إلى أن ولى قوص وإخميم فى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. إلاّ أنّه كان مع حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات، لا يحسن التّدبير، ولا يتأتّى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته؛ وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه.
ومن جملة ما كتب له فى تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبى القاسم ابن الصيرفى:
« … لأنّك أذهبت عن الدّولة عارها، وأمطت من طرق الهداية أوعارها، واستعدت ملابس سيادة كان قد دنّسها من استعارها».
ولم يستوزر الحافظ بعد رضوان أحدا؛ وأعاد النّصرانى المعروف بالأخرم إلى ضمان الدولة، على ما تقدّم، ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله، وطلب منه المال فلم يسمح بشئ.
فركب الحافظ يوما ووقف على باب السّجن الذى هو فيه من القصر، وأمر به، فأحضر إليه. وقال له: كم تتجالد؟ أريد منك مالى على لسان صاحب السّتر. فبينا الخليفة
стр. 877
يخاطبه إذ أخذ كفّا من تراب وجعله فى فيه؛ فقال له الحافظ: ما هذا؟ فقال: ما لا ينبغى نقله إلى مولانا، صلوات الله عليه. فغضب عليه، وأمر بإحضار أبيه وأخيه، وكانا معتقلين، فأخرجا؛ وقتل الأخرم وأخاه، وأبوهما ينظر قتلهما، ثم قتل الأب. وأحاط بأموالهم فحصل منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا.
فيها مات الشيخ تاج الرئاسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان، المعروف بابن الصيرفى الكاتب، فى يوم الأحد لعشر بقين من صفر؛ ومولده فى يوم السبت الثانى والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستّين وأربعمائة. وكان أبوه صيرفيا وجدّه كاتبا؛ وأخذ صناعة التّرسّل عن ثقة الملك أبى العلاء صاعد بن مفرّج؛ وتنقّل حتى صار صاحب ديوان الجيش.
ثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء (١). ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزّيدى الحسينى؛ ثم تفرّد بالديوان فصار فيه بمفرده. وله الإنشاء البديع والشعر الرائع، والتّصانيف المفيدة فى التاريخ والأدب.
стр. 878
سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (١)
فيها توجّه العسكر، فى ثالث صفر، لقتال لواتة وقد تجمّعوا وعقدوا الأمر لرجل قدم من المغرب وادّعى أنه ولد نزار بن المستنصر (٢). فسار إليهم العسكر وواقعهم على الحمامات (٣) وانهزم منهم العسكر؛ فجهّز الحافظ عسكرا آخر، ودسّ إلى مقدّمى لواتة مالا جزيلا، ووعدهم بالإقطاعات؛ فغدروا بابن نزار وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى الحافظ. ورجعت العساكر فى ربيع الأوّل.
وفيها صرف القاضى المكين الموفّق فى الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصارى عن القضاء، لسبع خلون من المحرّم؛ واستقرّ على الدّعوة الموفّق الأمير كمال الدّين، واستخدم فى وظيفة القضاء؛ وكان كريم الأخلاق، حليما، عليه سكينة ووقار، مليح الشيبة، ظريف الهيئة.
(وفيها توفى) أبو الفضائل يونس بن محمّد بن الحسن المقدسى القرشىّ، المعروف بجوامرد، خطيب القدس.
وفيها بلغ النّيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع (٤)، ففاض الماء حتّى
стр. 879
بلغ إلى الباب الجديد أول الشّارع، خارج باب زويلة (١)، فكان الناس يتوجّهون من مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق بالمياه. فلمّا بلغ الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع، فسأله بعض خواصّه عن ذلك، فأخرج له كتابا وقال: انظر هذا السطر؛ فإذا فيه: «إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد». ثم قال: هذا الكتاب الذى نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا، وما يأتى بعدها. فاتفق أنّه لم تنسلخ هذه السّنة حتى مرض الحافظ مرضة الموت.
وفيها انقرضت دولة بنى باديس (٢). وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل النّاس بعضهم بعضا، وخلت القرى، ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية. فاغتنم رجار متملّكها الفرصة وبعث جرج، مقدّم أسطوله، على نحو مائتين وخمسين شينيّا، فنزل على المهديّة ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين، وبها الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس؛ ففرّ بأخفّ حمله وتبعه النّاس. فدخل جرج المهديّة بغير مانع، واستولى على قصر الأمير حسن، وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات (٣).
стр. 880
وعزم حسن على المجئ إلى مصر، فقبض عليه يحيى بن العزيز (١)، صاحب بجاية (٢)، ووكل به وبأولاده، وأنزله فى بعض الجزائر، فبقى حتّى ملك عبد المؤمن بن على بجاية فى سنة سبع وأربعين، فأحسن إلى الأمير حسن وأقرّه فى خدمته. فلمّا ملك المهديّة تقدّم إلى نائبه بها أن يقتدى برأى حسن ويرجع إلى قوله.
فكانت عدّة من ملك من بنى باديس بن زيرى بن مناد تسعة، ومدّتهم، من سنة إحدى وستّين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، مائة واثنتان وثمانون سنة.
وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهديّة أسطوله، مائتين وخمسين من الشّوانى، مع جرجى بن ميخائيل، فجدّ فى حصارها حتى أخذها فى صفر منها (٣)، وملك سوسة (٤) وصفاقس (٥)؛ وملك رجار بونة (٦).
стр. 881
سنة أربع وأربعين وخمسمائة (١)
فيها وقع الاختلاف بين الطائفة الجيوشيّة والطائفة الرّيحانيّة، فكانت بينهما حروب شديدة قتل فيها عدّة من الفريقين؛ وامتنع النّاس من المضىّ إلى القاهرة ومن الذهاب إلى مصر. وابتدأت الحرب بينهم فى يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى، وتوالت إلى يوم السبت رابع جمادى الآخرة؛ فانهزمت الرّيحانيّة إلى الجيزة.
وهمّ العسكر بخلع الحافظ من الخلافة، فمات بقصر اللؤلؤة، وقد نقل إليه وهو مريض، بكرة يوم الأحد، وقيل ليلة الاثنين، لخمس خلون من جمادى الآخرة؛ واشتغل الناس بموته.
وكان له من العمر يوم مات ستّ وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيّام، منها مدّة خلافته من يوم بويع بعد أحمد بن الأفضل ثمانى عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما (٢).
وأصابته فى ولايته شدائد، واعتقل، ثم لما أعيد تحكّم عليه الوزراء حتى قبض على رضوان فلم يستوزر بعده أحدا، وإنّما أقام كتّابا على سنّة الوزراء أرباب العمائم ولم يسمّ أحدا منهم وزيرا؛ وهم: أبو عبد الله محمّد بن الأنصارى، وخلع عليه بالحنك والدواة فتصرّف تصرّف وزراء الأقلام، وصعد المنبر مع الخليفة فى الأعياد والجمع؛ والقاضى الموفّق محمد بن معصوم التنّيسى؛ وصنيعة الخلافة أبو الكرم الأخرم النّصرانىّ.
وكان الحافظ حازم الرّأى، جماعا للأموال، كثير المداراة، سيوسا عارفا. ولم يكن أحد ممّن ولى قبله أبوه غير خليفة سواه. وكان يميل إلى علم النجوم؛ وكان له من المنجّمين سبعة، منهم؛ المحقوف، وابن الملاح، وأبو محمّد بن القلعىّ، وابن موسى النصرانىّ.
стр. 882
وفى أيّامه عملت الطّبلة التى كانت إذا ضرب بها من به قولنج خرج عنه الرّيح؛ وما زالت بالقصر إلى أن كسرت فى أيّام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (١).
وترك من الأولاد أبا الأمانة جبريل، ويوسف، وأبا المنصور إسماعيل (٢).
وكان مطعونا عليه، فإنّه ولى بغير عهد وإنمّا أقيم كفيلا عن منتظر فى بطن أمّه، فلم يظهر للحمل خبر.
ومن محاسن ما يحكى عنه أنّه كان يخرج فى كلّ ستّة أشهر عسكر من القاهرة إلى عسقلان لأجل الفرنج تقوية لمن بها من المركزيّة الكنانيّة وغيرهم (٣). ويقدّم على العسكر عدّة، فيجعل على كلّ مائة فارس أمير، ويقدّم على الجميع أمير تسلّم إليه الخريطة فيكون أمير المقدّمين؛ وتشتمل الخريطة على أوراق العرض من الدّيوان بالحضرة ليتّفق مع والى عسقلان على عرض العسكر بمقتضاها. ويصدر التّعريف من كاتب الجيش هناك إلى الدّيوان بالحضرة بذلك، ويسلّم إليه مبلغ من المال لنفقته معونة لمن فاتته النّفقة من العسكر، فإن النّقباء الّذين للطّوائف يجردون من كان من الطوائف حاضرا ومن كان مسافرا فى إقطاعه، فيأخذ صاحب الخريطة أوراقا بمن سافر وهو فى إقطاعه ليوصل إليه نفقته.
وكانت نفقة الأمراء مائة دينار لكل أمير، وللأجناد ثلاثون دينارا لكل جندىّ.
واتّفق مرّة خروج العسكر إلى عسقلان وفيهم خمس أمراء من جملتهم جلب راغب،
стр. 883
الّذى اتفق منه فى حسن بن الحافظ بعد موته ما تقدّم ذكره (١)؛ فلمّا سيّر إليه مائة دينار، نفقته، تجهّز للسفر فى جملة النّاس، وسلّمت الخريطة لأميرهم. فلمّا دخلوا على الحافظ ليودّعوه ويدعو لهم بالنّصر والسّلامة على العادة، قضوا حقّ الخلافة وانصرفوا إلاّ جلب راغب فإنه وقف؛ فقال الحافظ: قولوا للأمير ما وقوفك دون أصحابك، ألك حاجة؟ فقال:
يأمرنى مولانا بالكلام. قال: قل. فقال؛ يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت رسول الله، ﷺ ، غيرك؛ وقد كان السّلطان استزلّنى فسفهت نفسى وأذنبت ذنبا عظيما عفو مولانا أوسع منه وأعظم. فقال له الحافظ: قل ما تريد غير هذا فإنّا غير مؤاخذيك به. فقال: يا مولانا قد توهمّت أنك تحقّقت أنى ماض فى حالة السخط، وقد آليت على نفسى أن أبذلها فى الجهاد فلعلّى أموت شهيدا، قد صنع ذلك سخط مولانا علىّ. فقال له الحافظ: انته (٢) عن هذا الكلام، وقد قلنا لك إنا ما واخذناك، فأى شيء تقصد؟ فقال: لا يسيّرنى مولانا تبعا لغيرى، فقد صرت مرارا كثيرة مقدّما، وأخشى أن يظنّ أن هذا التأخير للذّنب الذى أنا متعرّف. قال: لا، بل مقدّما وصاحب الخريطة.
وأمر بنقل الحال عن المقدّم الذى تقرّر للتقدّم والخريطة إلى جلب راغب، وأعطى مائتى دينار وقال: له استعن بهذه. فعدّ هذا من الحلم الّذى ما سمع بمثله.
وكان الغالب على أخلاقه الحلم. وكان مقدم المطالبين يجئ إلى الخليفة الحافظ ويخبره بغرائب ما يظهر؛ فجاء يوما وأخبر أنه وجد حوضا لطيفا قريبا من معلف الجمال، فلم يتعرّض له. فندب الخليفة معه شاهدين حتى أتوا به، فإذا حوض مطبق بغطاء كشف عنه فإذا فيه صنم من رخام أبيض على هيئة الإنسان وهو واضع إصبعا فى فيه وإصبعا أخرى فى دبره فأمر الحافظ أحد الشاهدين أن يناوله ذلك؛ فلمّا أخذ الصّنم ضرط ضرطة عظيمة، فألقاه من يده وقد اشتدّ خجله. فقام موفّق، أحد الأستاذين المحنّكين، ليناوله إيّاه فضرط أيضا. فأمر الحافظ بتركه وعلم أنه طلسم القولنج.
ووجد فى مقطع الرخام سرب تحت الأرض فيه حبوة ممدودة أحضرت إلى الأستاذ مفضل،
стр. 884
المعروف بصدر الباز، فإذا فيها حنش من ذهب زنته ستة مثاقيل ونصف مثقال، وعيناه من ياقوت أحمر، وفى فمه جرس من ذهب. فأعلم به الحافظ، فلم يزل يبحث عن خبره حتّى أحضرت له عدّة أحناش كبار، وأخرج ذلك الحنش المذكور فجعلت الأحناش الكبار تخرج رءوسها ثم تحركها مرّة أو مرّتين وتسقط ميتة.
وكان الحافظ حريصا على علم السّيمياء. فظهر فى أيّامه الشيخ أبو عبد الله الأندلسى، شيخ بنى الأنصارى أوحد زمانه فى علم السّيمياء، فسأله الحافظ أن يريه شيئا من ذلك؛ فأراه ساحة القصر قد صارت لجّة ماء، فيها سفينة متعلقة وشوانى حريبات قد خرجت على تلك السفينة وقاتلت أهلها؛ والحافظ يرى لمعان السّيوف ومرور السّهام وخفقان البنود، ورءوس الرّجال وهى تسقط عن كواهلها، والدماء تسيل؛ حتى سلّم أصحاب السّفينة لأصحاب الشوانى فساروا بها والأبواق تزعق والطّبول تضرب، إلى أن غابت عن الأبصار فى لجج البحار. ثم كشف عن الحافظ فإذا هو قصره. ثم أمره أن يريه شيئا آخر: فقال: لنخرج من فى مجلس أمير المؤمنين إلى منزله؛ فأمرهم؛ فخرجوا حتى صاروا إلى حيث خيولهم واقفة بباب القصر، فلما قدمت إليهم ليركبوا فما منهم إلاّ من رأى فرسه كأنه ثور وقرناه كأعظم ما يكون من القرون؛ فعادوا إلى الحافظ وأعلموه بما رأوا، فضحك وقال: افدوا دوابكم منه. فقطع كلّ واحد منهم على نفسه شيئا فأمر له به.
وما زال مقيما بمصر حتّى مات.
وكان فى أيّام الحافظ أيضا ابن محفوظ، سأله أن يريه شيئا من أعماله؛ فأمر بأربعة أطباق فضة أن تحضر، فلمّا وضعت بين يديه امتلأت ياسمينا فى غير أوانه، وصار يعلو على كلّ طبق وهو مرصوص متماسك بعضه فوق بعض، إلى أن صار كأربعة أعمدة من رخام متقابلة (١).
стр. 885
الظّافر بأمر الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله
أبى الميمون عبد المجيد (١) بن الأمير أبى القاسم محمّد ابن المستنصر بالله
ولد يوم الأحد، النصف من ربيع الآخر، سنة سبع وعشرين وخمسمائة؛ وبويع فى اليوم الذى مات فيه الحافظ لدين الله، وهو كما تقدّم يوم الأحد الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وعمره سبع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيّام (٢)؛ بوصيّة من أبيه له بالخلافة (٣). وكان أصغر أولاده وفيهم أبو الحجاج يوسف وأبو الأمانة جبريل، وهما (٤) أسنّ منه؛ وركب بزىّ الخلافة. واستوزر الأمير نجم الدّين أبا الفتح سليم بن محمّد بن مصال، بوصيّة الحافظ بذلك أيضا، ونعت بالسيّد الأجلّ الأفضل أمير الجيوش وخلع عليه خلع الوزارة؛ وهو يومئذ من أكابر الأمراء، وهو شيخ ليّن متواضع (٥).
فسكن دار المأمون البطائحى (٦). وصار أبو الكرم التنّيسى من ذوى رأيه.
وأوّل ما بدأ به الظافر أنه ركب بعد صلاة العشاء الآخرة بالشمع فى القصر، ووقف بباب الملك بالايوان المجاور للشّباك؛ وأحضر ابنى الأنصارى، وهما أبو عبد الله وأبو (٧)
واستدعى متولّى السّتر، وهو صاحب العذاب، وأحضرت آلات العقوبة؛ وضرب الأكبر
стр. 886
بحضوره بالسّياط إلى أن قارب الهلاك، وثنّى بأخيه كذلك، ثم أخرجا وقطعت أيديهما وسلّت ألسنتهما من أقفيتهما، وصلبا على بابى زويلة الأول والثانى (١) فأقاما زمانا ثم وضعا.
وكان سبب قتلهما أنهما كانا من الكتاب فنبغا وتوصّلا بالحافظ، فاستخدمهما فى ديوان الجيش، فوثبا على رؤساء الدّولة وأعيان كتّابها وخواصّ الخليفة من الأستاذين المحنّكين، مثل الأجلّ الموفّق كاتب الدّست (٢) - وكان موضع سرّ الخليفة ومحلّ مشورته فى الأمور العظام من أحوال الممالك - ومن يليه، كالقاضى المرتضى المحنّك (٣)، والخطير ابن البوّاب، وتجرّءا على المذكورين وغيرهم مع قلّة دربة. فكثر حسّادهما وعمل عليهما فيما يخرج للأمراء والمقطعين من الخروجات فى كل سنة، ويشتمل الخرج على نعوت ذلك الأمير، فيصير ذلك الخرج إلى عامل الإقطاعات، وهو تحته. فذكرا فى أحد الخروجات كلاما طريفا ليؤخذ عليه خطّهما ليوقف عليه الخليفة حتّى يتبيّن له جهلهما، وهو: «حبطست حبطست، وفى النهر قد غطست، بغلالة أرجوان، صفراء بزعفران». فمشى عليهما ذلك وترجما الخرج بخطّهما؛ وخرج من أيديهما، فأحضر إلى الأجل الموفّق ابن الحجّاج، كاتب الدّست؛ فأخذه ودخل به إلى الخليفة الحافظ، وقال: يا مولانا، الأمثال مضروبة بحفظ ديوان هذه الدولة ومن يتولاّها، فكيف لو ظفر بهذا الخرج مخالف لها، يقصد التشنيع عليها. فقال له الحافظ: يا مولاى الموفّق، هبهما لى. فقال: يا مولانا، كلّنا مماليكك.
وخرج؛ ولم يبلغ الأعداء منهما ما أرادوا؛ فزاد أمرهما فى الدّولة على الخليفة والاستعلاء على الناس.
وأراد الأكبر منهما أن يدخل على الخليفة ويخرج ظاهرا ليراه النّاس، فجدّد له ديوانا سمّاه
стр. 887
ديوان التّرتيب، وجمع فيه من يخدم فى ترتيب الأعمال صفقة صفقة، وأن يكون أميرهم بجار يقرّر له - وهذا الترتيب يقال له فى غير هذه الدولة صاحب البريد - فكان يكاتب متولّى هذا الديوان بالأخبار بمطالعات تصل إليه مترجمة بمقام الخليفة فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطّه. فورد كتاب بعض أصحاب التّرتيب بقضيّة، فأجابه بكلام، وأراد الاستشهاد بآية من كتاب الله تعالى، فحرّفها وقالها على غير ما أنزلت؛ ووقع الجواب للموفّق، فأخذ فى كمّه مصحفا ودخل إلى الخليفة ومعه جواب ابن الأنصارى، وقال: يا مولانا، هذا كتاب الله تعالى قد حضر إلى مقامك، وهو المنزل على جدّك رسول الله، ﷺ ، يشكو إليك جناية ابن الأنصارىّ عليه، فخذ بحقّه لهذه الجنايات (١)، والحمد لله إذ وقع هذا الكتاب إلى المملوك دون غيره، فإن المملوك لم يزل يتتبّع هذه الأمور لئلا يقع عليها أعداء الدّولة فيشيعوا ذلك فى الدّول المخالفة لها. فقال له الحافظ: أنا أعلم منك هذا وأعلم من المذكورين ما ذكرت؛ وقد كنت سألتك فيهما مرّة، وهذه الثّانية، فإنّ لهما علينا خدمة. فقال: العفو يا مولانا. وانصرف ولم ينل منهما غرضا. فأمر الحافظ ابن الأنصارى الأكبر أن يمضى إلى الأجلّ الموفّق ويخدمه فى داره.
وكان يومئذ ديوان المكاتبات مقسوما بين أبى المكارم ابن أسامة وبين الموفّق، إلاّ أنّ ابن أسامة لا يلتفت لأمر الدّيوان لكثرة شغله بدنياه، فاستناب ابنه أبا المنصور عنه، وكان يلحق بأبيه فى الاشتغال بأمر دنياه عن النّيابة، فصار اعتماد الخليفة فى الدّيوان بأجمعه على الأجلّ الموفّق؛ وكان ينفذه ولا يشقّ ابن أسامة لما أسلفه من الخدم السابقة. ثم لمّا مات أبو المكارم أسامة، وكان فى الظّنّ أنّ ابنه أبا المنصور يستخدم مكانه، سبق ابن الأنصارى وسأل الحافظ فاستخدمه فى النّصف من ديوان المكاتبات فقط شريكا للموفّق فيه؛ وانفرد الموفّق بالإنشاء. ونعت ابن الأنصارىّ بالقاضى الأجلّ سناء الملك، وأمره الحافظ بخدمة الموفّق وأن يقنع معه بمجرّد الرّتبة. فشقّ ذلك على الموفق وصبر على ضرّ.
وقرّر أبو المنصور بن أسامة فى ديوان الترتيب مكان ابن الأنصارىّ.
وتجنّد ابن الأنصارىّ الأصغر وتأمّر فى يوم واحد، وخلع عليه بالطوّق، ورتّب فى زمّ
стр. 888
الإمريّة (١)، وهى إمرة طوائف الأجناد. فكثر الأعداء وتعدّدت الحسّاد؛ واشتغل النّاس بهما وأطلقوا الألسنة بذمّهما، فكان يقال: هذا الأمير الطّارى (٢)، ابن الأنصارىّ. ولجّ النّاس بالكلام فيهم وهم عاجزون عنهم، حتّى مات الحافظ فكان من أمرهما مع ابنه الظّافر ما تقدّم ذكره.
وفى يوم الثلاثاء رابع شعبان اجتمع كثير من السودان وعدّة من المفسرين ببعض القرى (٣)، فخرج إليهم الوزير ابن مصال فنازلهم حتّى كسرهم.
وكان الأمير المظفّر سيف الدّين معدّ الملك ليث الدّولة على بن إسحاق بن السّلار واليا على البحيرة والإسكندرية وكان ابن زوجه ركن الإسلام عباس والى الغربية. فلم يرض ابن السّلار بوزارة ابن مصال، وخرج من الإسكندرية إلى ربيبه (٤)، بالغربية واتّفقا على القيام وإزالة ابن مصال. فبلغه ذلك، فأعلم به الخليفة الظافر؛ فجمع الأمراء فى مجلس الوزارة وبعث إليهم زمام القصور يقول: هذا نجم الدّين وزيرى ونائبى فمن كان يطيعنى فليطعه (٥) ويمتثل أمره. فقال الأمراء، شيخ يقال له درى الحرون، وهو أحد أشرار القوم ومن رفقة ابن السّلار: إن سمع منّى ما أقول قلت. فقال له الوزير:: قل. قال: مولانا، صلوات الله عليه، يعلم وأنت تعلم أنّ ما فى الجماعة من يضرب فى وجه ابن السّلار بسيف، وأوّلهم أنا؛ فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه وأجناده فالأمر لله وله. فلمّا سمع الجماعة ذلك قاموا وخرجوا من القصر، وشدّوا على خيولهم، وساروا يريدون ابن السّلار.
стр. 889
فلمّا غلب الظّافر عن دفعه أعطى ابن مصال مالا كثيرا، وأمره أن يعمل لنفسه ما يرى فيه الخيرة وهو يساعده. وسار ابن السّلار فرأى ابن مصال أنه لا طاقة له به، فخرج إلى جهة الصّعيد، وعدّى إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان، عند ما سمع بوصول المظفر. وقدم ابن السّلار إلى القاهرة فى يوم الأربعاء خامس عشر شعبان، فوقف على القصر وسيّر إلى الظافر وإلى من يدبّره من النساء يعلم بحاله. فجرت بينه وبين أهل القصر مراجعات كثيرة آخرها أنه فتح له أبواب القصر وخلع عليه خلع الوزارة؛ ونعت بالسيّد الأجلّ أمير الجيوش، شرف الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين.
وبقى يحقد على الظّافر ميله مع ابن مصال؛ وفى نفس الخليفة نفور منه أيضا.
وسكن دار الوزارة.
وجمع ابن مصال كثيرا من السّودان ومن العربان ولواتة وغيرهم، وانضمّ إليه بدر بن رافع، مقدّم العربان، وسار بهم. فندب ابن السّلار ربيبه المظفّر أبا منصور ركن الدّين عبّاس بن أبى الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس فى عسكر، فنزل بركة الحبش. وقدم ابن مصال أمامه الأمير الماجد فى عسكر، فطرق عبّاسا على حين غفلة وقتل من عسكره كثيرا، وانهزم جماعة؛ وثبت عبّاس حتى أتته النجدة من الغد فكرّ على أصحاب ابن مصال وقاتلهم، فلم يفلت منهم إلا من سبحت به فرسه فى النيل؛ وأخذ الأمير الماجد نسيب ابن مصال وضربت عنقه. فسار ابن مصال إلى بلاد الصّعيد بجميع الأجناد والعربان.
وشرع ابن السّلار يجهّز عبّاسا فجهّزه فى جيش كثيف وبادر بالخروج خوفا من الاجتماع على ابن مصال؛ فسار إلى دلاص (١) ومعه طلائع بن رزّيك، وهو أحد المقدّمين، فبرز إليه ابن مصال وواقعه عدّة وجوه؛ فانجلت الوقائع عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع مقدّم العربان فى يوم الأحد التاسع عشر من شوّال. ويقال إنه بلغت عدّة
стр. 890
القتلى سبعة عشر ألفا. فعاد عبّاس وقد قوى ومعه رأس ابن مصال إلى القاهرة، فطيف بها على قناة القاهرة ومصر يوم الخميس ثالث عشرى ذى القعدة، وحمل أهله وولده إلى القصر وأخليت لهم قاعة؛ وخلع على ابن السّلار.
وكان ابن مصال من أهل برقة. وخدم أوّلا فى البيزرة والصّيد هو وأبوه، فتقدّم فى الخدم حتى نال الوزارة. واتفق أنه مرّ فى وزارته مرّة فقالت له امرأة كانت تعرفه فى حال فقره: سليم وزرت؟ فقال لها: نعم. قالت: والله ما وزرت وبقى أحد. فضحك وأمر لها بصلة.
وكان العادل ابن السّلار منذ استقرّ فى الوزارة أخذ ينظر فى أمر الأجناد المعروفين بالنهضة والعزم وزاد فى أرزاقهم، وتفقد خزائن السلاح، وحفظ النّواميس، وشدّ من مذهب أهل السّنة، فقدم عليه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفى (١)، فأكرمه وبنى له مدرسة بالإسكندرية.
وقدم عليه مؤيّد الدولة أسامة بن مرشد بن علىّ بن منقذ، فأكرمه. إلا أنه كان يستوحش من الظّافر وخائفا على نفسه فأخبر بأن ينتدب رجالا يمشون فى ركابه بالزّرد والخوذ نحو السّتمائة ويجعلهم نوبتين بزمامين فى كلّ يوم نوبة؛ وأوهم أن الخليفة خبأ له قوما يغتالونه بالقصر. فنقل جلوس الخليفة من القاعة التى يدخل إليها من الدّهاليز المظلمة إلى الإيوان فى البراح والسّعة. فكان إذا دخل إلى الخليفة يدخل ومعه أولئك الذين انتدبهم كلّهم، فيجلس الخليفة فى الشباك بالإيوان ويجلس هو من خارجه.
ومع هذا يبالغ فى الخدمة ويظهر الطّاعة، ولا يخلّ بها فى قول ولا فعل.
وكان للخليفة غلمان نحو الخمسمائة رجل يقال لهم صبيان الخاصّ وفيهم
стр. 891
من هو أمير؛ فبلغ ابن السّلار أنّهم قد تحالفوا وتعاقدوا على أن يهجموا عليه وهو فى داره ليلا ويقتلوه. فلمّا كان فى سادس عشرى رمضان أغلق القاهرة والقصور وأحاط بصبيان الخاصّ وقتلهم؛ وفرّ منهم عدّة، فكتب إلى الولاة بقتل من ظفر به منهم. وأخذ يتبعهم حتى أتى على أكثرهم.
وأصل هذه الطائفة التى كانت تعرف بصبيان الخاصّ أنّ من مات من الأمراء والأجناد وعبيد الدولة وله ولد فإنه يحمل إلى حضرة الخليفة ويودع فى أماكن مخصوصة ويؤخذ فى تعليمه أنواع الفروسيّة من الرّمى وغيره؛ ويقال لهم صبيان الخاصّ.
وأخذ ابن السّلار فى الاحتفال بأمر عسقلان وسدّ خللها، وحمل إليها من الغلال والأسلحة شيئا كثيرا.
وولىّ عضد الخلافة ناصر الدّين نصر بن عبّاس ربيبه مصر بشفاعة جدّته أم عبّاس، وكان فيه جرأة، فاستدناه الخليفة الظّافر وقرّبه واختصّ به.
وفيها قتل الموفّق أبو الكرم محمد بن معصوم التنّيسى فى يوم الجمعة الرابع من شوال وكان يتولّى نظر الدّيوان. وذلك أنّ ابن السّلار لمّا كان فى بداية أمره من جملة الصّبيان الحجريّة (١) دخل يوما على الموفّق بن معصوم برسالة وأعادها عليه مرارا وأغلظ له فى القول فنفرت منه نفس ابن معصوم. فكتب له مرّة منشور بإقطاع وجاء به إلى ابن معصوم ليثبته. فلمّا رآه تغافل عنه وأهمل أمره إهانة له وكراهة فيه؛ فقال له ابن السّلار وقد تكرّر سؤاله وهو يعرض عنه: ما تسمع؟ فقال له الموفّق: كلامك ما يدخل فى أذنى أصلا. فولىّ ابن السّلار وخرج من غير أن يكتب له. وصرف الدّهر ضرباته، وصار ابن السّلار وزيرا وابن معصوم ناظر الدّواوين؛ فلمّا دخل عليه قال له: يا قاضى، ما أظنّ كلامى يدخل أذنك، فتلجلج (٢) وقال: عفو السلطان. فقال: قد استعملت العفو بخروجى
стр. 892
من عندك. وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا حديدا عظيم الخلقة، وقال: والله هذا أعددته لك من ذلك الوقت. وأمر به فجر وضرب المسمار فى أذنه حتى نفذ من الأخرى، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق المسمار فى خشبة وعلق عليها ميتا، ثم أنزل بعد أيّام.
وفيها رمى برأس سعيد السعداء الخادم من القصر فى سابع عشر شعبان (١)، ثمّ أخرج وصلب بباب زويلة من ناحية الخرق (٢). وهو هذا الذى تنسب إليه دويرة سعيد السعداء التى هى اليوم خانقاه برحبة باب العيد.
وفيها قتل تاج الرئاسة ابن … (٣) المأمون البطائحى فى رابع عشر صفر.
وفيها مات أبو الحسن على بن الحسن البيسانى، والد القاضى الفاضل عبد الرحيم ابن على، وكان قاضى بيسان والنّاظر فيها؛ ومولده فى ثانى عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة، ومولد أبيه الحسن يوم عيد الغدير من ذى الحجّة سنة ستين وأربعمائة (٤)
стр. 893
سنة خمس وأربعين وخمسمائة (١)
فيها أغار جمع كثير من الفرنج على الفرما ونهبوها، وحرقوها وأخربوها، فى رجب (٢)
стр. 894
سنة ست وأربعين وخمسمائة (١)
فيها جهّز أبو منصور علىّ بن إسحاق، المعروف بالعادل ابن السّلار، المراكب الحربية بالرّجال والعدد، وسيّرها فى ربيع الأول إلى يافا، فأسرت عدّة من مراكب الفرنج، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه، وقتلوا خلقا كثيرا من الفرنج بها. ثم توجّهوا إلى ثغر عكّا فأنكوا فيهم؛ وساروا منه إلى صيدا وبيروت وطرابلس فأبلوا بلاء حسنا، وظفروا بجماعة من حجّاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم (٢).
وبلغ ذلك الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، ملك الشام، فعزم على قصد الفرنج ومحاربتهم فى البرّ، ولو قدّر ذلك لقطع الله دابر الفرنج، لكنّه اشتغل بإصلاح أمور دمشق (٣).
وعاد الأسطول مظفرا بعد ما أنفق عليه العادل ثلاثمائة ألف دينار. وسبب مسير الأسطول تخريب الفرنج للفرما.
وفيها قطع العادل بن السّلار جميع الكسوات المقررة للنّاس (٤) فى الدولة فعمّ ذلك الأمراء والدّواوين وغيرهم.
стр. 895
سنة سبع وأربعين وخمسمائة (١)
فيها صرف ابن السّلار أبا الفضائل يونس عن القضاء، وكان من الأعيان النّزهين الأنفس، الكبيرين الهمم، العظيمين القدر، لم يشرب قطّ ماء النّيل بل ماء الآبار، ولم يأكل خبز السّلطان. وقرّر عبد المحسن بن محمّد بن مكرم من بعده؛ ثمّ صرفه وولّى بعده بدر بن ثمال بن نصير، وقيل بل الذى تولّى بعده أبو المعالى محمّد بن جميع ابن نجا الدسوقى الشافعى.
стр. 896
سنة ثمان وأربعين وخمسمائة (١)
فيها خرج العسكر من القاهرة لحفظ ثغر عسقلان من الفرنج، وكانوا قد نزلوا عليها فى السنة الخالية. وكانت العادة أن يخرج فى كل ستّة أشهر عسكر بدلا من العسكر الّذى بالثغر. فلمّا قدم البدل كانت النّوبة لركن الدّين المظفّر أبى منصور عبّاس بن تميم ربيب العادل، فخرج ومعه من الأمراء ابنه نصر بن عبّاس والأمير ملهم والضّرغام وأسامة ابن منقذ وغيره، وكان لأسامة بعبّاس اختصاص كبير. فلمّا نزلوا بعد رحيلهم من القاهرة على بلبيس تذكّر عبّاس وأسامة مصر وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السّفر ولقاء العدوّ، فتأوّه عبّاس أسفا على مفارقته لذّاته بمصر، وأخذ يلوم العادل ويثرّب عليه (٢) من أجل كونه أخرجه. فقال له أسامة: لو أردت كنت أنت سلطان مصر. فقال: وكيف لى بذلك؟ فقال: هذا ولدك ناصر الدّين بينه وبين الخليفة مودّة عظيمة، فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع عمّك، فإنه يحبك ويكره عمّك؛ فإذا أجابك فاقتل عمّك. فوقع هذا الكلام من عباس بموقع وقبله، فاستدعى ابنه وأسرّ إليه بما تقرّر بينه وبين أسامة وسيّره سرّا إلى القاهرة.
وكان العادل قد كره تخصيص نصر بن عبّاس بالخليفة الظّافر، وقال لعبّاس [وأمّه] (٣) والله ما ينبغى اجتماع نصر بالخليفة؛ قولا له يقصر من اجتماعه فربّما نتج من شابّين ما لا ينبغى. وقال لأم عبّاس: لا يدخل ابنك دارى إلا بإذنى. فكأنّه يوحى بأنه قاتله.
فلمّا سار نصر من عند أبيه ودخل إلى القاهرة كان وقت غفلة من العادل أمكنته فيها الفرصة، فاجتمع بالظّافر وأعلمه بالحال الّتى قدم من أجلها، فأعجبه ذلك وأذن فيه، لما كان فى نفسه من قتل ابن السّلار لصبيان الخاصّ وغير ذلك. ففارق نصر
стр. 897
الخليفة وقد قوى عزمه، وأتى إلى دار جدّته السيدة بلارة بنت القاسم زوجة العادل، وأخبر العادل بأنّ أباه سمح له بالعود إلى القاهرة شفقة عليه وخوفا من وعثاء السّفر فقبل ذلك ومشى عليه. فلمّا أصبح العادل يوم الخميس سادس المحرّم مضى من أوّل النّهار إلى مصر لتجهيز المراكب الحربيّة والنّفقة فى رجالها وعرضها؛ فظلّ نهاره فى تهيئة ذلك ليلحق عبّاسا، وعاد فى أثناء النهار إلى داره بالقاهرة وقد لحقته مشقّة وتعب تعبا كثيرا. فلما استلقى على الفراش لينام، وكانت امرأته جدّة نصر قد توجّهت إلى الحمام وخلا له البيت؛ فجاء إلى باب السّرّ ودخل منه ومعه سيف، فإذا العادل قد نام وقت القائلة، فاخترط سيفه وضربه وهو خائف، فوقعت الضّربة على رجله، فثار من فراشه وأبصره، فقال: إلى أين يا كليب! وخرج نصر يعدو، وكان قد أعسّته جماعة من أصحابه، فلمّا صار إليهم وأعلمهم بما وقع قالوا له: قد قتلت نفسك وقتلتنا! ودخلوا وهو معهم، فإذا به قد جاء أستاذ من خدامه وهو يحدّثه فقتلوه وأخذوا رأسه، فطلع بها نصر إلى الظّافر. وماج الناس فى القاهرة.
وسرح الطائر للوقت بطلب عبّاس من بلبيس، فقام من فوره وصار إلى القاهرة، فدخلها بكرة يوم الجمعة سادس المحرّم، ثانى يوم قتلة العادل؛ فوجد جماعة من الأتراك كان العادل اصطفاهم واختصّهم قد نفروا وتوحشت قلوبهم ممّا وقع؛ فأخذ يسكّن أمرهم، فلم يثقوا به ولا اطمأنوا إليه. وخرجوا يدا واحدة فساروا إلى دمشق.
وكانت قتلة العادل فى يوم الخميس وقت الظهر السادس من المحرم، وله فى الوزارة ثلاث سنين وستة أشهر.
ولمّا حملت رأسه إلى الظّافر أشرف من باب الذهب، ونصبت الرأس ليراها النّاس، ثم حملت إلى خزانة الرءوس من بيت المال وجعلت فيها مع الرءوس، وما تحرّك لها ساكن، ولا تكلّم أحد. إلا أنّ نائحة كانت تسمّى خسروان كانت قد مهرت فى صناعة النّياحة على الأموات، وصارت تنشئ فى نواحها الرّوائع، فقالت فيه ترثيه سطرين أعجب بهما أدباء العصر من جملة قطعة:
ما تقبل الغفلة يا شهيد الدّار … يا شبيه ذى النّورين صاحب المختار
стр. 898
وبطل مسير العساكر إلى عسقلان (١). فسرّ الفرنج ما جرى، وكانوا محاصرين لعسقلان فقالوا لأهلها قتله ابنه وأنتم تقاتلون لمن؟ فلمّا صحّ الخبر لهم وهنوا لانقطاع المدد عنهم حتّى أخذها الفرنج وتقوّوا بأخذها. واستعرضوا كلّ جارية ومملوك بدمشق من النّصارى، وأطلقوا قهرا من أراد منهم الخروج من دمشق إلى وطنه شاء صاحبه أو أبى (٢).
ولمّا وصل عبّاس خلع عليه الظّافر خلع الوزارة فى يوم الجمعة المذكور، ونعت بالأفضل ركن الإسلام، فباشر وضبط الأمور، وأكرم الأمراء وأحسن إلى الأجناد لينسيهم العادل.
واستمرّ ولده نصر على مخافطة الخليفة، فاشتغل به عن كلّ أحد، وأبوه لا يعجبه ذلك. وواصل الخليفة الظّافر نصر بن عبّاس بن تميم بالعطاء الجزيل، فأرسل إليه فى يوم عشرين صينية فضة فيها عشرون ألف دينار؛ ثم أغفله أيّاما وحمل إليه كسوة من كلّ نوع؛ وأغفله أيّاما وبعث إليه خمسين صينيّة فضة فيها خمسون ألف دينار؛ وأغفله أياما وبعث إليه ثلاثين بغل رحل وأربعين جملا بعددها وغرائرها وحبالها. وكان يتردد بينهما مرتفع بن فحل فى قتل نصر لابنه عباس كما قتل زوج جدته العادل ابن السّلار، فبلغ ذلك أباه على لسان أسامة بن منقذ فلاطفه واستماله. وزاد الأمر حتى كان الخليفة يخرج من قصره إلى دار نصر بن عبّاس، الّتى هى اليوم المدرسة المعروفة بالسّيوفيّة (٣). فخاف عبّاس من جرأة ابنه وخشى أن يحمل الخليفة على قتله فيقتله كما قتل ابن السّلار، فعتبه سرّا ونهاه عن ملازمة الخليفة وابنه، فلم يفد فيه القول.
стр. 899
وفيها وصلت مراكب من صقلية، فملكوا مدينة تنّيس (١).
وفيها مات رجار بن رجار صاحب جزيرة صقلية، وقام من بعده ابنه وليالم بن رجار بن رجار (٢)، فاستردّ المسلمون سواحل إفريقية والمهديّة (٣).
стр. 900
سنة تسع وأربعين وخمسمائة (١):
فيها استدعى الظّافر ناصر الدّولة نصر بن عبّاس وأخرج له صينيّة من ذهب فيها ألف حبّة ما بين لؤلؤ وياقوت أحمر وأصفر وزمرّد أخضر ذبابى (٢)، وأمر له من بيت المال بعشرة آلاف دينار مصرية (٣)، فقتله بعد هذه الهديّة بستة أيام. وذلك أنه خرج الخليفة الظّافر متنكرا من قصره فى ليلة الخميس سلخ المحرّم ومعه خادمان، وسار على عادته إلى دار نصر بن عباس، فقتله نصر، وحفر له تحت لوح رخام ودفنه؛ وقتل سعد الدّولة، أحد الخادمين اللذين خرجا معه من القصر، وفرّ الآخر.
وكان سبب قتله أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ عند ما علموا أنه هو الّذى حسّن لعبّاس قتل ابن السّلار وتحدّثوا بقتله، وقيل للظّافر عنه إنّه غريب ومن دولة أخرى وإنّ فى تركه وقوع ما لا يمكن تداركه. فلمّا بلغ أسامة ذلك أخذ يغرى عبّاسا بابنه نصر ويبالغ فى القصّة حتى قال له يوما: كيف تصبر على ما يقول النّاس فى حقّ ولدك واتهامهم الخليفة أنّه يفعل به ما يفعل بالنّساء. فشقّ على عبّاس ولام ابنه، فلم يصغ إلى لومه.
فلمّا أنعم الظّافر على نصر بناحية قليوب وحضر إلى أبيه ليعلمه بذلك قال أسامة، وكان
стр. 901
حاضرا، ما هى بمهرك غالية. فامتعض لذلك عبّاس وقال لأسامة: كيف الحيلة فى الخلاص ممّا بلينا به؟! فقال: هيّن؛ هذا الخليفة فى كل وقت يأتى إلى عند ولدك فى داره خفية، فمره إذا جاء أن يقتله. فاستدعى عباس ابنه وقال: يا بنىّ قد أكثرت من ملازمة الخليفة وتحدّث النّاس فى حقّك بما أوجع باطنى، وقد يصل من هذا إلى أعدائنا ما لا يزول. فاحتدّ نصر وقال له: أيرضيك قتله؟ فقال: أزل التّهمة عنك كيف شئت.
فأخذ نصر يعمل الحيلة فى قتل الظّافر وسأله أن يخرج إلى داره ليلا فى سرّ من الخدم ليتفسّحا فى منزله ليلة واحدة؛ وكان منزله دار المأمون البطائحى. فخرج إليه فى عدّة يسيرة من الخدم؛ فلمّا تحصّل عنده اغتاله، وقتل الخدم الذين معه بالجماعة الّذين قتل بهم العادل ابن السّلار، ورمى بهم فى جبّ عنده، وغطّى رأس الجبّ بقطعة رخام بيضاء فصارت من جملة رخام المجلس، فخفى أمره. ثم مضى نصر إلى أبيه وعرّفه قتل الظافر.
وكان الظّافر من أحسن النّاس صورة، وقتل وله من العمر إحدى وعشرون سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما، منها مدّة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان محكوما عليه من الوزراء.
وفى أيّامه أخذ الفرنج عسقلان واستولوا عليها، وظهر الوهن والخلل فى الدّولة، فإنّه كان كثير اللهو واللّعب مع جواريه، مقبلا على سماع المغنى. وهو الّذى أنشأ الجامع المعروف الآن بجامع الفكاهين فى خطّ الشّوّايين من القاهرة (١).
стр. 902
وفيها ملك نور الدّين محمود بن عماد الدّين زنكى بن آق سنقر دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بورى بن طغتكين، فسار أبق إلى بغداد، وبها مات (١).
وكان عند الإمام الظّافر فى قصر الرّوض ببغاء بيضاء تقرأ المعوّذتين وتستدعى كثيرا من الأستاذين بأسمائهم ونعوتهم (٢).
стр. 903
الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظّافر بأمر الله
أبى المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبى الميمون عبد المجيد
стр. 904
يقال فى اسم أمه ست الكمال، ويقال إحسان. ولد يوم الجمعة حادى عشر المحرّم، وقيل لتسع بقين من المحرّم، سنة أربع وأربعين وخمسمائة؛ وبويع له عند قتل أبيه يوم الخميس سلخ المحرّم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما
وكان من خبره أنه لمّا قتل نصر بن عبّاس الخليفة الظّافر فى ليلة الخميس أصبح الوزير عبّاس متوجّها إلى القصر فى يوم الخميس على العادة، فلمّا صار إلى مقطع الوزارة وطال جلوسه والخليفة لم يجلس استدعى زمام القصر مفلحا وقال له: إن كان لمولانا ما يشغله عنّا فى هذا اليوم عدنا إليه فى الغد. فمضى الزّمام وهو حائر لا يدرى ما يعمل وأعلم أخوى الظّافر، يوسف وجبريل، وكانا رجلين وأحدهما مكتهل، فأخبرهما بالقصّة، ولم يكن عندهما من خروج أخيهما إلى دار نصر بن عبّاس خبر ولا علما إلاّ فى تلك السّاعة؛ فلم يشكّا حينئذ أنه قتل، وقالا للزّمام: هبك اعتذرت اليوم هل يتمّ لك هذا مع الزّمان؟ فقال: فما تأمرانى؟ فقالا: اصدقه وحاققه. فعاد إليه وقال: ثمّ سرّ ألقيه إليك بحضور الأمراء الأستاذين. فقال: ما ثمّ إلاّ الجهر. فقال: إنّ الخليفة خرج البارحة لزيارة ولد لك فلم يعد بغير العادة. فقال: تكذب يا عبد السّوء، وإنّما أنت مبايع أخويه يوسف وجبريل اللّذين حسداه على الخلافة واغتالاه فاتّفقتم على هذا القول. فقال: معاذ الله. قال:
فأين هما؟ فخرجا إليه ومعهما ابن عمّ لهما يقال له أبو التّقى صالح بن حسن بن (عبد المجيد ابن محمد بن) (١) المستنصر، فقال: حضرا. فقال لهما: أين الخليفة؟ فقال الثلاثة: هو بحيث يعلم ابنك ناصر الدين، قال: لا، وإنّما أنتما قتلتماه حسدا له. قالا: هذا بهتان
стр. 905
منك لأن بيعة أخينا فى أعناقنا وهؤلاء الأمراء الحاضرون يعلمون ذلك، وإننا لفى طاعته بوصيّة أبينا. فكذّبهما، وأمر غلمانه يقتلونهم، الثلاثة.
وكان فى القصر ألف سيف مجرّدة، فشوهد أمر قبيح لم ير أشنع منه لما جرى فيه من البغى الّذى ينكره الله تعالى وجميع الخلق.
وقال لزمام القصر: أين ابن مولانا؟ فقال: حاضر. قال: فدلّنى إلى مكانه. فدخل بنفسه إليه، وكان عند جدّته لأمّه، فحمله على كتفه وأخرجه للنّاس قبل أن يرفع القتلى، وبويع بالخلافة، ولقّب بالفائز بنصر الله (١)؛ وعمره يومئذ خمس سنين وعشرون يوما؛ وصار يشاهد القتلى فحصل له فزع واضطراب، وما زال مدّة خلافته لم يطب له عيش لأنه كان يصرع كلّ قليل (٢).
стр. 906
ومن طريف ما وقع فى هذا اليوم أن الوزير عبّاسا لمّا أراد الدّخول إلى المجلس وجد بابه قد قفل من داخل، وكان متولى فتح المجلس وغلقه أستاذ شيخ يقال له أمين الملك، فاحتالوا فى الباب حتى فتحوه ودخلوا، فإذا أمين الملك خلف الباب وهو ميّت وفى يده المفتاح.
وفى أثناء ذلك حضر الخادم الذى أفلت من نصر إلى القصر وحدّثهم بكيفية قتلة الظّافر، فكثرت النّياحة عليه بالقصور. وظنّ عبّاس أنّ الأمر قد استقام له، فجاء خلاف ما أمّل. وأخذ أهل القصور فى إعمال الحيلة عليه؛ وكان الأمراء والسّودان قد نافروه واستوحشوا منه لما فعله بأولاد الحافظ، وأضمروا له العداوة والبغضاء. فاختلفت عليه الكلمة، وهاجت الفتنة، وصار العسكر أحزابا ولبسوا السّلاح. فخرج إليهم عبّاس فى يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، فكانت بينه وبينهم محاربة انكسروا فيها منه، وقتل منهم جماعة.
هذا وأهل القصر فى تدبير العمل عليه، فبعثت عمّة؟؟؟ الفائز إلى فارس المسلمين أبى الغارات طلائع بن رزّيك، وكان واليا على الأشمونين (١) والبهنسا (٢)، بالكتب وفى طيّها
стр. 907
شعور النساء تستصرخ به على عباس (١)؛ وكتب إليه أيضا الجليس بن الحباب (٢).
فامتعض عند وقوفه على الكتب ورؤية شعور النساء، وجمع العربان والأجناد مقطعى البلاد.
وبلغ ذلك عبّاسا، فخرج من القاهرة بالعساكر فى عاشر صفر، وجعل ابنه ناصر الدين بالقاهرة، وأنفذ إلى طلائع بحسين بن أبى الهيجاء، زوج ابنته (٣)، ليردّه عمّا عزم عليه.
فلمّا خلا به قال له: تقاتل عبّاسا وله خمسة آلاف مملوك!! قال: أقاتله بنفسى ونفسك.
قال: أما الآن فنعم. ففتّ ذلك فى عضد عبّاس لشهرة حسين وشجاعته.
وعند ما نزل عباس إلى إطفيح فى بكرة يوم الثلاثاء، خامس عشره، لحق أعراب إطفيح بابن رزّيك، فوافوه على أبويط (٤)، فسار بهم ونزل دهشور (٥)، فاضطرب عبّاس ورجع إلى القاهرة، وتفرّق عنه الناس إلى طلائع بن رزّيك، وصار من أهل البلد فى مناكدة. وغلقوا أبواب القاهرة ووقع القتال فى الشوارع، فاستظهر عليهم عبّاس وفتحوا الأبواب وقد تحقق عداوة الأمراء والجند له.
واتفق أنه مرّ يوما فرمى من طاق ببعض الشوارع بهاون، ورمى مرّة بقدر مملوءة طعاما حارّا؛ فقال: ما بقى بعد هذا شيء. وعزم على الفرار فلم يقدر، وغلقت أبواب القاهرة.
واشتغل الناس بهذا الحادث وهو يدبّر فى الخروج من القاهرة، فأشار عليه بعض خواصّه بتحريق القاهرة فأبى وقال: يكفى ما جرى. فلمّا عدّى طلائع بن رزّيك إلى حمول عوّل
стр. 908
عبّاس وولده نصر على المسير من مصر بكلّ ما يملكانه من مال وسلاح وما قدرا عليه من حواصل الدّولة - وكان له مائتا حصان وحجرة مجنوبة على أيدى الرجال، ومائتا بغل رحل، وأربعمائة جمل تحمل أثقاله - فى يوم الجمعة ثانى عشر ربيع الأول بعد ما حلّف الأمراء ألاّ يخونوه (١). وأحضر مقدّمى العرب من رزيق وجذام وسنبس وطلحة وجعفر ولواتة، وحلّفهم.
فلمّا كان يوم الجمعة ركبوا عليه بكرة وتبعهما أسامة بن منقذ وجماعة؛ وبلغ ذلك طلائع فسار ونزل قبالة المقس فى عشيّة نهاره، وخرج النّاس إلى المقابر. وبات فى عشارىّ، وأصبح، فأقام إلى يوم الأربعاء تاسع عشره، فركب يريد القصر وقد خرج الأمراء إليه، منهم من قاتله ومنهم من انضمّ إليه؛ فلم يكن غير ساعة حتى انجلى الأمر عن فرار عبّاس وولده وابن منقذ؛ فنهب النّاس دورهم.
ودخل طلائع إلى القاهرة وشقّها بعساكره فى يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول، وهو لابس ثيابا سوداء، وأعلامه وبنوده كلّها سود، وشعور النّساء التى أرسلت إليه من القصر على رءوس الرماح. فكان هذا من الفأل العجيب، فإن الأعلام العباسيّة السّود دخلت إلى القاهرة وأزالت الأعلام العلوية البيض بعد خمس عشرة سنة.
ونزل طلائع بدار المأمون التى كان يسكنها نصر بن عبّاس. وأحضر الخادم الذى كان مع الظافر لما قتل، فأعلمه بالحال، فمضى راجلا من القصر إلى دار نصر بن عبّاس، واستخرج الظّافر والأستاذ الذى كان معه، وغسّلهما وكفّنهما؛ وحمل الظّافر فى تابوت مغشىّ الأستاذون والأمراء ومشى طلائع وهو حاف قد شقّ ثيابه ومعه النّاس بأجمعهم حتى
стр. 909
وصل إلى القصر، فصلّى عليه الخليفة الفائز (١)، ودفن فى تربة القصر مع آبائه.
وجلس الفائز بقيّة النهار وخلع على طلائع بن رزيك بالموشح والعقد الجوهر، وخلع على ولديه، ونعت بالأجلّ النّاصر، سند الإمام، زعيم الأنام، مجير الإسلام، خدن أمير المؤمنين. وخلع على أخيه ونعت بنعوت الصالح قبل الوزارة؛ وخلع على حواشيه.
وأجرى فى الخلع مجرى الأفضل بالطّيلسان المقوّر، وأنشئ له سجلّ عظيم نعت فيه بالملك الصّالح، ولم يلقّب أحد من الوزراء قبله بالملك (٢)، وذلك يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الآخر.
وكتب فى سجلّه، على طرفه، بخطّ الفائز: «لوزيرنا السيّد الأجلّ الملك الصّالح، ناصر الأئمة، كاشف الغمّة، أمير الجيوش، سيف الإسلام، غياث الأنام، كافل قضاة المسلمين، هادى دعاة المؤمنين، أبى الغارات طلائع بن رزّيك الفائزى؛ عضد الله به الدّين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى أبدا كلمته، من جلالة القدر، وعظيم الأمر، وفخامة الشان، وعلوّ المكان، واستيجاب التفضيل، واستحقاق غايات المنّ الجزيل، ومزيّة الولاء الذى بعثه على بذل النفس فى نصرتنا، ودعاه دون الخلائق إلى القيام بحقّ مشايعتنا وطاعتنا، مما يبعثنا على التّبرّع له ببذل كلّ مصون، والابتداء من ذاتنا بالاقتراح له بكلّ شيء يسرّ النّفوس ويقرّ العيون؛ والّذى يعمله هذا السجلّ من تقريظه وأوصافه، فالّذى تشتمل عليه ضمائرنا أضعاف أضعافه؛ ولذلك شرّفناه بجميع التّدبير والإنالة، ورفعناه إلى أعلى رتب الأصفياء بما جعلناه له من الكفالة. والله تعالى يعضد به دولتنا، ويحوط به حوزتنا، ويمدّه بمواد التوفيق والتأييد، ويجعل أيّامه فى وزارتنا ممنوحة غاية الاستمرار والتأبيد إن شاء الله تعالى».
стр. 910
وكان سجلاّ فى غاية الطول والكبر (١)، من إنشاء الأجلّ الموفّق أبى الحجاج يوسف ابن على بن الخلال (٢).
ونزل الملك الصّالح بالخلع والأمراء وغيرهم من أهل الدّولة مشاة فى ركابه إلى دار الوزارة، فجلس للهناء، وتقدّم الشعراء فأنشدوا عدّة مدائح ذكروا فيها هذه الحالة والواقعة.
وكانوا عدّة، منهم عبد الرّحيم بن على البيسانى (٣)، والقاضى الأجلّ الرشيد أحمد بن الزّبير،
стр. 911
والقاضى الجليس عبد العزيز بن الحسين بن الحباب، والقاضى السّعيد جلال الملك الأشرف ضياء الدين أبو على الحسن بن محمّد بن محمّد بن إسماعيل بن كاسيبويه، وأبو محمّد يحيى ابن خير، الملقب ديك الكرم الشاعر، وغيرهم (١).
وأما عبّاس فإنه سار بمن معه يريد أيلة ليسير منها إلى بلاد الشام، فأرسلت أخت الظافر إلى الفرنج بعسقلان رسلا (٢) على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال فى الخروج إلى عبّاس، وأباحتهم جميع ما معه، وأن يبعثوا به إلى القاهرة، فأجابوا إلى ذلك، وخرجوا إليه. فلمّا أدركوه ثبت لهم ودافعهم عن نفسه، فخذله أصحابه وفرّوا عنه مع أسامة بن منقذ إلى الشام، فقاتل الفرنج حتى قتل؛ وأسر ابنه نصر فعمل فى قفص حديد وحمل إلى القاهرة، فدخل به إلى القصر يوم الاثنين سابع عشرى ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وأخرج منه يوم الاثنين الثّامن عشر من ربيع الآخر قتيلا مقطوع اليد اليمنى، وصلب سحرا على باب زويلة، فكان يوما عظيما عند النّاس (٣). واستولى الفرنج على جميع ما كان معهم.
ولمّا سيّر الفرنج بنصر بن عبّاس إلى القاهرة أنشد عند ما عاين البلد:
بلى؛ نحن كنّا أهلها، فأبادنا … صروف الليالى والجدود العواثر
وخرج النّاس عند قدومه إلى القاهرة ليروه فبالغوا فى سبّه ولعنه، وبصقوا عليه، حتّى دخل القصر؛ وعرض فى القفص (٤) وقتل؛ قتله الجوارى نخسا بالمسالّ وصفعا بالنّعال
стр. 912
وقطعوا لحمه واشتووه وأطعموه إيّاه حتى مات، ثم أخرج وصلب على باب زويلة، وأحرق بعد ذلك.
وتتبّع الصّالح من كان مع نصر بن عبّاس فى قتل الظافر، فقتل قايماز وفتوّح الأخرس وابن غالب صبرا بين يديه فى جماعة معهم. وثبتت أموره فنعت نفسه بفارس المسلمين نصير الدّين، الصالح؛ ومدحه الشعراء بذلك.
وشرع الصّالح فى الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم؛ وتتبّع أرباب البيوتات والنّعم والأعيان فسلبهم نعمهم. وقبض على عدّة من الأمراء وقتلهم فى ثالث عشر ربيع الأوّل، وعلى عدّة من أرباب العمائم، منهم أبو الحسن على بن سليم بن البواب ناظر الدّواوين، وكان عارفا بالحساب والمنطق والهندسة، مليح الشعر والتّرسّل، جيّد الكتابة.
وأخذ يعمل على الأمراء المتقدّمين فى الدّولة، مثل ناصر الدين ياقوت، صاحب الباب، وكان قد ناب عن الحافظ مرّة فى مرضة مرضها مدّة ثلاثة أشهر وكاد يولّيه الوزارة (١)؛ ومثل الأوحد بن تميم، والى دمياط وتنّيس، فإنه كان قد تحرّك لمّا سمع قضيّة عبّاس وسار يريد القاهرة، فسبقه طلائع بن رزّيك بيوم، فصار يحقد عليه كونه همّ بأمر ربّما نال به الوزارة، غير أنه لم يسعه إلاّ إعادته إلى ولايته وأضاف إليها الدّقهليّة والمرتاحية (٢) وهو يسرّ له المكر.
وكان من أمراء الدّولة تاج الملوك قايماز، وهو من أكابر الأمراء، ويليه ابن غالب؛ فحمل الأجناد عليهما حتى قتلا ونهبت دورهما.
ثمّ إنه قلق من قرب الأوحد منه وأراد إبعاده عنه، فنقله من ولاية دمياط وتنّيس
стр. 913
إلى ولاية سيوط (١) وأخميم (٢)؛ فخلت له القاهرة. وأظهر مذهب الإماميّة وباع الولايات للأمراء وجعل لكل ولاية سعرا ومدّة ستّة أشهر فقط؛ فتضرّر النّاس من كثرة ترداد الولاة عليهم.
وضيّق مع ذلك على أهل القصر طمعا فى صغر سنّ الخليفة. وجعل له مجلسا يحضره أهل الأدب فى الليل وطارحهم فيه الشّعر فهرع إليه النّاس ودوّنوا ما ينظمه من الشعر، وكان ابن الزّبير يعنه (٣) على إصلاحه وتنميقه.
стр. 914
فيها صرف الصّالح عن قضاء القضاة أبا المعالى مجلى بن جميع، الفقيه الشافعى، وولىّ القاضى المفضل أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم فى أخريات شعبان.
فيها بلغ التّلّيس ستّة دنانير.
فيها مات القاضى المرتضى أبو عبد الله محمد بن الحسين الطرابلسى، المعروف بالمحنّك، وكان قد ولى نظر الدّواوين والخزائن؛ وله تاريخ خلفاء مصر قطع فيه على الحافظ.
ومات ركن الخلافة أبو الفضل جعفر فاتك بن مختار بن حسن بن تمام، أخو الوزير المأمون بن البطائحى، وصلّى عليه الصّالح.
وفيها كتب المقتفى لأمر الله العبّاسى (١) عهدا لنور الدين محمود بن زنكى، صاحب دمشق بولاية مصر والسّاحل، وبعث إليه بمراكب زحف وأمره بالمسير إليها لمّا بلغه قتل الظافر وإقامة الفائز من بعده وهو صغير، وقيل له قد اختلّت أحوال الدّولة بمصر (٢).
стр. 915
سنة خمسين وخمسمائة (١):
فيها مضى الأسطول إلى ميناء صور فملكها وأخربها وأحرقها، وعاد مظفرا بعدة مراكب فيها حجّاج من النصارى وغيرهم، وبعدة كبيرة من الأسرى وبغنائم جزيلة (٢).
وفيها خرج على الصّالح الأمير الأوحد بن تميم، والى إخميم وأسيوط، وجمع جمعا موفورا، فسيّر إليه الصالح عدّة من العسكر، فكانت بينهما عدة وقائع أسفرت عن قتله الأوحد فى يوم الأربعاء سابع عشر رجب.
وفيها قدم الفقيه نجم الدّين عمارة بن أبى الحسن على، اليمانى الحكمى (٣) فى شهر