والقاضى الجليس عبد العزيز بن الحسين بن الحباب، والقاضى السّعيد جلال الملك الأشرف ضياء الدين أبو على الحسن بن محمّد بن محمّد بن إسماعيل بن كاسيبويه، وأبو محمّد يحيى ابن خير، الملقب ديك الكرم الشاعر، وغيرهم (١).
وأما عبّاس فإنه سار بمن معه يريد أيلة ليسير منها إلى بلاد الشام، فأرسلت أخت الظافر إلى الفرنج بعسقلان رسلا (٢) على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال فى الخروج إلى عبّاس، وأباحتهم جميع ما معه، وأن يبعثوا به إلى القاهرة، فأجابوا إلى ذلك، وخرجوا إليه. فلمّا أدركوه ثبت لهم ودافعهم عن نفسه، فخذله أصحابه وفرّوا عنه مع أسامة بن منقذ إلى الشام، فقاتل الفرنج حتى قتل؛ وأسر ابنه نصر فعمل فى قفص حديد وحمل إلى القاهرة، فدخل به إلى القصر يوم الاثنين سابع عشرى ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وأخرج منه يوم الاثنين الثّامن عشر من ربيع الآخر قتيلا مقطوع اليد اليمنى، وصلب سحرا على باب زويلة، فكان يوما عظيما عند النّاس (٣). واستولى الفرنج على جميع ما كان معهم.
ولمّا سيّر الفرنج بنصر بن عبّاس إلى القاهرة أنشد عند ما عاين البلد:
بلى؛ نحن كنّا أهلها، فأبادنا … صروف الليالى والجدود العواثر
وخرج النّاس عند قدومه إلى القاهرة ليروه فبالغوا فى سبّه ولعنه، وبصقوا عليه، حتّى دخل القصر؛ وعرض فى القفص (٤) وقتل؛ قتله الجوارى نخسا بالمسالّ وصفعا بالنّعال
стр. 912
وقطعوا لحمه واشتووه وأطعموه إيّاه حتى مات، ثم أخرج وصلب على باب زويلة، وأحرق بعد ذلك.
وتتبّع الصّالح من كان مع نصر بن عبّاس فى قتل الظافر، فقتل قايماز وفتوّح الأخرس وابن غالب صبرا بين يديه فى جماعة معهم. وثبتت أموره فنعت نفسه بفارس المسلمين نصير الدّين، الصالح؛ ومدحه الشعراء بذلك.
وشرع الصّالح فى الميل على المستخدمين وأخذ أموالهم؛ وتتبّع أرباب البيوتات والنّعم والأعيان فسلبهم نعمهم. وقبض على عدّة من الأمراء وقتلهم فى ثالث عشر ربيع الأوّل، وعلى عدّة من أرباب العمائم، منهم أبو الحسن على بن سليم بن البواب ناظر الدّواوين، وكان عارفا بالحساب والمنطق والهندسة، مليح الشعر والتّرسّل، جيّد الكتابة.
وأخذ يعمل على الأمراء المتقدّمين فى الدّولة، مثل ناصر الدين ياقوت، صاحب الباب، وكان قد ناب عن الحافظ مرّة فى مرضة مرضها مدّة ثلاثة أشهر وكاد يولّيه الوزارة (١)؛ ومثل الأوحد بن تميم، والى دمياط وتنّيس، فإنه كان قد تحرّك لمّا سمع قضيّة عبّاس وسار يريد القاهرة، فسبقه طلائع بن رزّيك بيوم، فصار يحقد عليه كونه همّ بأمر ربّما نال به الوزارة، غير أنه لم يسعه إلاّ إعادته إلى ولايته وأضاف إليها الدّقهليّة والمرتاحية (٢) وهو يسرّ له المكر.
وكان من أمراء الدّولة تاج الملوك قايماز، وهو من أكابر الأمراء، ويليه ابن غالب؛ فحمل الأجناد عليهما حتى قتلا ونهبت دورهما.
ثمّ إنه قلق من قرب الأوحد منه وأراد إبعاده عنه، فنقله من ولاية دمياط وتنّيس
стр. 913
إلى ولاية سيوط (١) وأخميم (٢)؛ فخلت له القاهرة. وأظهر مذهب الإماميّة وباع الولايات للأمراء وجعل لكل ولاية سعرا ومدّة ستّة أشهر فقط؛ فتضرّر النّاس من كثرة ترداد الولاة عليهم.
وضيّق مع ذلك على أهل القصر طمعا فى صغر سنّ الخليفة. وجعل له مجلسا يحضره أهل الأدب فى الليل وطارحهم فيه الشّعر فهرع إليه النّاس ودوّنوا ما ينظمه من الشعر، وكان ابن الزّبير يعنه (٣) على إصلاحه وتنميقه.
стр. 914
فيها صرف الصّالح عن قضاء القضاة أبا المعالى مجلى بن جميع، الفقيه الشافعى، وولىّ القاضى المفضل أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم فى أخريات شعبان.
فيها بلغ التّلّيس ستّة دنانير.
فيها مات القاضى المرتضى أبو عبد الله محمد بن الحسين الطرابلسى، المعروف بالمحنّك، وكان قد ولى نظر الدّواوين والخزائن؛ وله تاريخ خلفاء مصر قطع فيه على الحافظ.
ومات ركن الخلافة أبو الفضل جعفر فاتك بن مختار بن حسن بن تمام، أخو الوزير المأمون بن البطائحى، وصلّى عليه الصّالح.
وفيها كتب المقتفى لأمر الله العبّاسى (١) عهدا لنور الدين محمود بن زنكى، صاحب دمشق بولاية مصر والسّاحل، وبعث إليه بمراكب زحف وأمره بالمسير إليها لمّا بلغه قتل الظافر وإقامة الفائز من بعده وهو صغير، وقيل له قد اختلّت أحوال الدّولة بمصر (٢).
стр. 915
سنة خمسين وخمسمائة (١):
فيها مضى الأسطول إلى ميناء صور فملكها وأخربها وأحرقها، وعاد مظفرا بعدة مراكب فيها حجّاج من النصارى وغيرهم، وبعدة كبيرة من الأسرى وبغنائم جزيلة (٢).
وفيها خرج على الصّالح الأمير الأوحد بن تميم، والى إخميم وأسيوط، وجمع جمعا موفورا، فسيّر إليه الصالح عدّة من العسكر، فكانت بينهما عدة وقائع أسفرت عن قتله الأوحد فى يوم الأربعاء سابع عشر رجب.
وفيها قدم الفقيه نجم الدّين عمارة بن أبى الحسن على، اليمانى الحكمى (٣) فى شهر
стр. 916
ربيع الأول، برسالة قاسم بن فليتة أمير الحرمين؛ فأحضر فى قاعة الذهب من القصر يوم السّلام، وقد جلس الخليفة الفائز وحضر الوزير الملك الصّالح طلائع بن رزيك والأمراء، على العادة؛ فأدّى الرسالة وأنشد (١):
الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدا يقوم بما أولت من النّعم (٢)
لا أجحد الحق، عندى للرّكاب يد … تمنّت اللّجم فيها رؤية الخطم (٣)
قرّبن بعد مزار العزّ من نظرى … حتى رأيت إمام العصر من أمم
ورحن من كعبة البطحاء والحرم … وفدا إلى كعبة المعروف والنّعم (٤)
فهل درى (٥) البيت أنى بعد فرقته … ما سرت من حرم إلاّ إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سرادقها … بين النّقيضين من عفو ومن نقم
وللإمامة أنوار مقدّسة … تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنبوّة آيات تنصّ لنا (٦) … على الخفيّين من حكم ومن حكم
وللمكارم أعلام تعلّمنا … مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلا ألسن تثنى محامدها … على الحميدين من فعل ومن شيم
وراية الشّرف البذّاخ ترفعها … يد الرّفيعين: من مجد ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا … فوز النجاة وأجر البرّ فى القسم
لقد حمى الدّين والدّنيا وأهلهما … وزيره الصّالح الفرّاج للغم
اللاّبس الفخر لم تنسج غلائله … إلاّ يد الصّنعين: السّيف والقلم
стр. 917
وجوده أوجد الأيّام ما اقترحت … وجوده أعدم الشاكين للعدم
قد ملّكته العوالى رقّ مملكة … تعير أنف الثّريا عزّة الشّمم
أرى مقاما عظيم الشأن أوهمنى … فى يقظتى أنها من جملة الحلم
يوم من العمر لم يخطر على أملى … ولا ترقّت إليه رغبة الهمم
ليت الكواكب تدنو لى فأنظمها … عقود مدح فما أرضى لكم كلمى
ترى الوزارة فيه وهى باذلة … عند الخلافة نصحا غير متّهم (١)
عواطف علّمتنا (٢) أنّ بينهما … قرابة من جميل الرّأى لا الرّحم
خليفة ووزير مدّ عدلهما … ظلاّ على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النّيل نقص عند فيضهما … فما عسى يتعاطى منّة الدّيم
فكان الصّالح يستعيد أبياتها فى حال الإنشاد مرارا، والأمراء والأستاذون يذهبون فى الاستحسان كلّ مذهب. ثم أفيضت عليه خلع الخليفة المذهّبة، ومنح له الصالح خمسمائة دينار، وأخرجت إليه السّيّدة الشريفة بنت الحافظ مع الأستاذين خمسمائة دينار أخرى؛ وحمل المال معه إلى منزله، وأطلقت له من دار الضيافة رسوم جليلة؛ وتهادته أمراء الدّولة إلى منازلهم للولائم.
واستحضره الصالح للمجالسة، ونظمه فى سلك أهل المؤانسة، وانثالت عليه صلاته، وغمره ببرّه. وصار يحضر فى اللّيل عنده مع الشيخ الجليل أبى المعالى ابن الحباب (٣)، والشيخ الموفّق ابن الخلال، وأبى الفتح محمود بن قادوس (٤)، والمهذّب أبى محمّد الحسن بن
стр. 918
الزبير (١)، وولد الصّالح مجد الإسلام (رزيك) (٢)، وصهره، الأجلّ المظفّر الأمين، سيف الدّين حصن المسلمين، ذى الفضائل والمناقب، يمين أمير المؤمنين، أبى عبد الله الحسين بن الأمير فارس الدّولة أبى الهيجاء الفائزى الصّالحى، وأخيه فارس المسلمين بدر بن رزيك؛ وقريبه عز الدّين حسام (٣)، وضرغام، وعلى بن الزبد، ويحيى بن الخيّاط (٤)، ورضوان بن جلب راغب، وعلىّ هوشات (٥)، ومحمد بن شمس الخلافة. وهؤلاء أهل مجلس الليل.
وأنشده يوما وهو فى القبو من دار الوزارة قصيدة منها (٦):
دعوا كلّ برق شمتم غير بارق … يلوح على الفسطاط صادق نشره
وزوروا المقام الصّالحىّ، فكلّ من … على الأرض ينسى ذكره عند ذكره
ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى … فتجنوا على مجد المقام وفخره
ولكن سلوا منه العلا تظفروا بها … فكلّ امرئ يرجى على قدر قدره
فرمى إليه الخريطة فوجد فيها خمسمائة دينار وخمسين رباعيّا (٧). ومدحه فى شعبان بقصيدة (٨) فدفع إليه الخريطة، فإذا فيها ثلاثة وسبعون دينارا.
стр. 919
ثمّ لمّا عزم على الرّجوع ودّع الخليفة والصالح بن رزّيك بقصيدة (١)، فأوسعاه إكراما وإنعاما، ورسم أن يكون تسفيره (٢) خمسمائة دينار كما كانت وفادته، وبعثت إليه السّيدة مثل ذلك؛ وخلع عليه للسّفر، ودفع له الصّالح مائة دينار. وكتب له إلى ناصر الدّولة والى قوص بمائة إردبّ من القمح وحملها من مال الدّيوان إلى مكة. وكتب له كتاب إلى محمد بن عمران (٣)، صاحب عدن، ببراءته من ثلاثة آلاف دينار وإسقاطها عنه.
وسار فى شوّال إلى مكّة فتسلّم القمح من قوص وحمل معه إلى مكة من مال الدّيوان.
ولمّا وقف صاحب عدن على الكتاب أبرأه من الثلاثة آلاف دينار وأسقطها عنه، فسيّر إلى الصالح بقصيدة من عدن يشكره على ذلك (٤)؛ فلمّا وقف عليها قال: قد فرّطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا، ولقد كان إمساكه للخدمة والصّحبة أولى.
ثم عاد بعد ذلك بمدّة (٥)، واستقرّ بعد ذلك من جملة خدّام الدّولة وخواصّها.
فيها مات الفقيه أبو المعالى مجلى بن جميع بن نجا المخزومى القرشى الأرسوفى الشافعى، صاحب كتاب الذخيرة فى الفقه.
стр. 920
سنة احدى وخمسين وخمسمائة (١):
فيها نزع السّعر ووقع الغلاء بديار مصر، فلحق النّاس منه شدّة (٢).
стр. 921
سنة اثنين وخمسين وخمسمائة (١):
فيها كان انفساخ الهدنة بين الفرنج وبين المصريين، فشرع الصّالح فى النفقة على العساكر وعربان البلاد للغارة على بلاد الفرنج. فأخرج سريّة فى سابع عشر جمادى الأولى وأتبعها بأخرى فى رابع عشر جمادى الآخرة؛ فوصلت الأولى إلى غزّة ونهبت أطرافها، ثم سارت إلى عسقلان فأسرت وغنمت وعادت مظفّرة غانمة. ثم ندب سريّة ثالثة، فمضت إلى الشريعة (٢) فأبلت بلاء حسنا وعادت مؤيّدة. وسيّر المراكب الحربيّة فانتهت إلى بيروت وأوقعت بمراكب الفرنج وأسرت منهم وغنمت. وسيّر عسكرا فى البرّ إلى بلاد الشوبك (٣) فعاثوا فيها وغاروا ورجعوا بالغنائم فى رجب ومعهم كثير من الأسرى. ثم سيّر الأسطول إلى عكا فأسروا نحوا من سبعمائة نفس بعد حروب كثيرة، وعاد الأسطول فى رمضان.
وجهّز سريّة فغارت على بلاد الفرنج وعادت بالغنائم فى رمضان. ثم بدأت سريّة فى أوّل ذى القعدة وأردفها بأخرى فى خامسه فوصلت غاراتهم إلى أعمال دمشق وعادوا غانمين (٤).
وفيها قدم رسول نور الدّين محمود صاحب دمشق (٥).
стр. 922
وفيها كسرت مراكب للفرنج فيها الحجاج منهم على ثغر الإسكندرية، فقبض عليهم نائب الثغر وجهّزهم.
وفى سلخ ذى الحجة قبض الصّالح على الأمير ناصر الدّولة ياقوت والى قوص وعلى أولاده واعتقلهم من أجل أنّه بلغه عنه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على الصّالح وأخذ الوزارة. وكان ناصر الدّولة فى ولاية قوص من أيّام عبّاس، ولمّا استدعى أهل القصر طلائع من الأشمونين لم يجسر على الحركة حتى كتب إلى ناصر الدّولة يعلمه بذلك ويستدعيه ليكون له الأمر، فأعاد جوابه يظهر الزّهد فى ذلك وأنّه تركه من أيّام الخليفة عن قدرة، ظنّا منه أن طلائع لا يصلح ولا يتمّ له ما يريد من مقاومة عبّاس؛ فخاب رجاؤه. ولم يزل به الصّالح حتى أودعه السجن، ولم يزل به حتى مات فيه فى رجب من الآتية.
وفيها أحضر إلى القاهرة رجل كامل الأعضاء سريع الحركة، طوله من رأسه إلى قدمه أربعة أشبار، وله عدّة أولاد؛ فدخل على الصّالح حتى رآه.
فى هذه السنة زلزلت الشام زلازل عظيمة أخربت حصن شيزر، وأكثر حماة وبعض كفر طاب وأفامية؛ وزلزلت فى حلب وغيرها من البلاد؛ وكانت بدمشق خفيفة لم تخرب شيئا، ودامت مدّة بأرض الشمال (١).
стр. 923
وفيها سقطت دار بخطّ سوق وردان من مدينة مصر هلك بها جماعة من سكانها، من جملتهم امرأة ترضع ولدا أخرجت من تحت الرّدم ميتة، وأخرج الطفل ابنها فى ثانى يوم وهو حىّ، فسلّم إلى من ترضعه، وعاش حتى بلغ مبالغ الرجال.
واتّفق أيضا فى هذه السنة أن السّديد أبا النّقباء صالحا كان يخدم فى عمالة الرّباع السّلطانية بمصر، وممّا يجرى فيها دار ابن معشر عند فم السّد الذى يفتح كل سنة عند كسر الخليج إذا كان وفاء النّيل، فإذا كان قرب الوفاء رسم بمرمّة هذا الدار، فرمّمت وأسكنت فى موسم الخليج، فيتحصّل من أجرتها فى يوم وليلة ما يتحصّل من أجرة سنة كاملة. فرمّها فى هذه السّنة وأسكنها على العادة، وسكن فى بيت تحتانىّ منها، فامتلأت جميعها حتى لم يبق فيها ما يسع أحدا، فسقطت وهلك جميع من فيها إلاّ هو، فإنه أخرج بعد يومين من تحت الردم فيه رمق فبرأ وعاش مدة طويلة، ثم طلع يوما وهو عجل إلى منزل سكناه بحارة الرّوم من القاهرة اندقّت ساقه فى درجة وحدث بها خدش يسير فمات منه.
стр. 924
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة (١):
فى المحرّم جهّز الصّالح أربعة آلاف وأمّر عليهم شمس الخلافة أبا الأشبال ضرغاما للغارة على بلاد الفرنج، فساروا فى صفر إلى تلّ العجول (٢) وحاربوا الفرنج فى النّصف منه، فانهزموا من المسلمين هزيمة قبيحة عليهم. وسيّر عسكرا آخر فى شعبان، فواقعوا الفرنج على العريش وعادوا ظافرين بعدّة غنائم ما بين خيول وأموال (٣).
وفيها قدم رسول الملك العادل محمود بن زنكى؛ وقدمت رسل الفرنج يسألون فى الصلح؛ ورسول صاحب قسطنطينية يسأل إسعافه بمراكب نجدة له على صاحب صقلّية (٤).
وفيها خرجت من القاهرة سريّة إلى بيت جبرين (٥) وعادت غانمة. وسار الأسطول فى يوم الجمعة ثالث عشرى ربيع الآخر فانثنى إلى تنّيس فى الثّامن من شعبان وأقلع منه إلى بلاد الفرنج.
وفى سادس عشرى ربيع الآخر قدم أسطول الاسكندرية وقد امتلأت أيدى الغزاة بالغنائم.
وفى ربيع الآخر سار عسكر إلى وادى موسى (٦) فنزل على حصن الدميرة وحاصره ثمانية أيّام، وتوجّه إلى الشّوبك وأغار على ما هنالك؛ وأقام أميران على الحصار وعاد بقيّة العسكر.
стр. 925
وفى التّاسع من جمادى الأولى سار عسكر إلى القدس فخرّب وعاد بالغنائم. وورد الخبر بوقعة كانت على طبريّة كسر فيها الفرنج وانهزموا، فأخذ الصالح فى النفقة على طوائف العسكر، وكان جملة ما أنفقه فيها مائة ألف دينار. فلما تكامل تجهيزهم سيّر خمس شوان (١) فى الخامس من شعبان، فتوجّهت لسواحل الشام، وظفرت بمراكب من مراكب الفرنج وعادت بكثير من الغنائم والأسرى فى الثانى والعشرين من رمضان. وخرج العسكر فى البرّ وقد ورد الخبر بحركة متملّك العريش يريد الغارة على أطراف البلاد، فلمّا بلغه سير العسكر لم يتحرّك، ورجع العسكر.
وجهّز رسول محمود بن زنكى بجواب رسالته ومعه هديّة فيها من الأسلحة وغيرها ما قيمته ثلاثون ألف دينار، ومن العين ما مبلغه سبعون ألف دينار تقوية له على جهاد الفرنج (٢). وكتب إلى الصّالح (٣) كتابا ضمنه قصيدة يحرضه فيها على قتال الفرنج، فوصلت إليه فى سادس عشر من شهر رمضان، ولبس نور الدّين خلعة الملك الصالح (٤) طلائع؛ وانقضت السّنة فى تجهيز العساكر فى البرّ والبحر ومسيرها وعودها بالغنائم الكثيرة والأسارى العديدة، منهم أخو القمص صاحب قبرص، فأكرمه الصالح وبعث به إلى ملك القسطنطينية.
وكثرت الغنائم من الفرنج بالقاهرة حتى امتلأت الأيدى بها.
وقال الصّالح فى هذه الغزوات عدة قصائد مطوّلة (٥).
стр. 926
وفيها مات القاضى المفضّل كافى الكفاة محمود بن القاضى الموفّق إسماعيل بن حميد القاضى، المعروف بابن قادوس، فى سابع المحرّم؛ فحضر الصّالح إلى داره بمصر ومشى فى جنازته حتى صلّى عليه، ومضى إلى تربته عند مسجد الأقدام (١) بالقرافة. وكان من أماثل المصريّين وأعيان كتّابهم، مقدّما عند الملوك. وله ديوان شعر (٢).
стр. 927
سنة أربع وخمسين وخمسمائة (١):
فى شهر ربيع الأول، فى خامسه، قدم رسول الفرنج بهديّة لطلب الهدنة.
وقدم رسول نور الدّين يخبر بأنه متوجّه نحو بلاد الفرنج، وأشار بإخراج عسكر نحوهم؛ فخرجت سريّة إلى غزّة. وعاد رسول نور الدّين، وهو الحاجب محمود المسترشدى، وصحبته الأمير عزّ الدين أبو الفضل غسان بن محمد بن جلب راغب الآمرى؛ وكانا قد توجّها إلى نور الدّين فى السّنة الخالية وخرجا من دمشق فى نصف صفر. فندب الصّالح العساكر للغارة، وأنفق فى ستة آلاف وخمسمائة فارس، فساروا فى سادس جمادى الأولى. وتوجّه الأسطول فى البحر، وذلك أن ملك القسطنطينية أراد غزو بلاد ابن لاون (٢)، صاحب أرمينية فبعث يعلم نور الدّين بذلك، فكتب نور الدّين يستنجد الملك الصّالح على الفرنج، فأنجده بذلك. وفى سلخ جمادى الآخرة عاد العسكر غانما.
وفى هذه السنة خرج الأمير عز الدّين أبو المهنّد حسام ابن الأمير الأسد جلال الدّين فضّة، وهو ابن أخت الملك الصّالح، على عسكر لقتال طرخان بن سليط بن طريف والى الإسكندرية وقد جمع العربان وغيرهم وخلع طاعة الصّالح (٣).
فيها بنى الصالح على بلبيس حصنا من لبن.
فيها توفى أبو القاسم عبد الرّحمن بن محمّد بن الفضل بن منصور بن أحمد بن يونس ابن عبد الرّحمن بن اللّيث بن المغيرة بن عبد الرحمن بن العلاء بن الحضرمى
стр. 928
فى شهر رمضان بالإسكندرية. وقد حدّث فسمع منه السّلفى؛ وهو آخر من حدّث عن الخيال.
ومولده لستّ بقين من ربيع الآخر سنة ستّ وستّين وأربعمائة.
وتوفّى الفقيه أبو الحسن وحشىّ بن عبد الغالب العادلىّ السّعدى بمنية زفتى؛ وأخذ عن الطرطوشى وغيره.
وتوفّى بمصر أبو القاسم عبد السّلام بن مختار اللغوى؛ سمع من بركات وغيره؛ وقرأ على العقبى. وله مدائح فى الصالح بن رزيك وكان متصدرا بالجامع العتيق.
стр. 929
سنة خمس وخمسين وخمسمائة (١):
فيها خرج إسماعيل، المعروف بروق، من القاهرة فى ليلة الخميس حادى عشر المحرّم، ولحق بأخيه طرخان والى الإسكندرية وقد جمع لحرب الصّالح، فخرج إليه المظفر عزّ الدّين حسام والأمير مجد الخلافة أسد الدّين ورد على عسكر، ولحقهم المظفر سيف الدّين حسين.
وقد برز إسماعيل (٢) من الإسكندرية فى جموعه وخيّم على دمنهور، وتلقّب بالملك الهادى؛ فطرقه العسكر، فهرب واختفى بالجيزة، فقبض عليه فى سابع عشره. وعاد العسكر فى ثالث عشريه، فهرب طرخان من معتقله فى رابع ربيع الآخر، وظفر به فى سادسه، فصلب على باب زويلة. ثم ضربت رقبة إسماعيل فى ثامنه، وصلب إلى جانب أخيه.
وكان أبو طرخان فرّانا، فترقّى طرخان فى أيام الفتن حتى ولاّه الصّالح الإسكندرية فى سنة ثلاث وخمسين. وقال الشعراء فى صلبه عدّة قصائد.
وفيها مات الخليفة الفائز بنصر الله ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رجب؛ ومولده يوم الجمعة لتسع بقين من المحرّم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فكان عمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر وستّة أيّام (٣)، منها مدّة خلافته ستّ سنين وخمسة أشهر وستّة عشر يوما.
стр. 930
ولم يلتذّ بالخلافة ولا رأى فيها خيرا؛ فإنّ أباه لمّا قتل وبكر عبّاس إلى القصر وفحص عن الخليفة الظّافر وقتل أخويه وابن عمّه لينفى عن نفسه وابنه التّهمة، دعا إلى القصر واستدعى ابن الظّافر هذا وحمله على كتفه وله من العمر نحو الخمس سنين، ووقف به فى صحن القاعة وأمر الأمراء فدخلوا عليه. فلمّا مثلوا بالقاعة قال لهم: هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعمّاه، والواجب إخلاص الطّاعة لهذا الطّفل. فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا، وصاحوا صيحة اضطرب منها الطّفل وداخله من تلك الصّيحة، مع ما شاهده من رؤية عمّه والخدّام وهم فى دمائهم، ما خبل عقله، وبال على كتف عبّاس، فسيّروه إلى أمّه؛ وأقام مختلاّ يصرع وجدّته تكفله.
وركب فى الأعياد مغرّرا به؛ وخطب عنه قاضى القضاة وهو معه على المنبر. وقطع الخليج فى أيّامه فى اللّيل واعتذر عن ذلك بأن النيل عدا وقطع الجسر، إلى غير ذلك من التحويزات.
ثم وزر الصّالح بعد عبّاس واستبدّ بجميع الأمور وليس له معه أمر ولا نهى، ولا تعود كلمة. فدبّرت عمة الفائز فى قتل الصّالح، وفرّقت فى ذلك نحو خمسين ألف دينار.
فبلغ ذلك الصالح، فأمسكها وقتلها بالأستاذين والصّقالبة سرّا، والفائز فى واد آخر من الاضطراب والاختلال. ونقل كفالته إلى عمّته الصّغرى، وطيّب قلبها، وراسلها.
стр. 931
العاضد لدين الله أبو محمّد عبد الله بن الأمير يوسف
ابن الحافظ لدين الله أبى الميمون عبد المجيد
стр. 932
ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرّم سنة ستّ وأربعين وخمسمائة (١)؛ وبويع عند انتقال الفائز يوم الجمعة قبل الصّلاة لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ تسع سنين وستة أشهر وسبعة أيّام (٢).
وذلك أنه لمّا مات الخليفة الفائز ركب الصّالح بن رزّيك إلى القصر بثياب الحزن، واستدعى زمام القصر، وسأله عمّن يصلح فى القصر للخلافة؛ فقال: ههنا جماعة.
فقال: عرّفنى بأكبرهم. فسمّى له واحدا، فأمر بإحضاره. فتقدّم إليه أمير يقال له على ابن مزيد وقال له سرّا: لا يكن عبّاس أحزم منك رأيا حيث اختار الصّغير وترك الكبير واستبدّ بالأمر. فمال إلى قوله، وقال للزّمام: أريد منك صغيرا. فقال: عندى ولد الأمير يوسف بن الحافظ واسمه عبد الله، وهو دون البلوغ. فقال: علىّ به. فأحضر إليه بعمامة لطيفة وثوب مفوّط، وهو مثل الوحش، أسمر، كبير العينين، عريض الحاجبين
стр. 933
أخنس الأنف (١)، منتشر المنخرين، كبير الشّفتين. فأجلسه الصّالح فى البادهنج (٢)، وكان عمره إحدى عشرة سنة (٣). ثم أمر صاحب خزانة الكسوة أن يحضر بذلة ساذجة خضراء، وهى لبس ولىّ العهد إذا حزن على من تقدّمه، وقام وألبسه إيّاها.
وأخذوا فى تجهيز الفائز؛ فلمّا أخرج تابوته صلّى عليه وحمل إلى التّربة. وأخذ الصالح بيد عبد الله وأجلسه إلى جانبه، وأمر أن تحمل إليه ثياب الخلافة، فألبسها؛ وبايعه، ثمّ بايعه النّاس؛ ونعته بالعاضد لدين الله. وذلك يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين (٤). وأبوه أحد الأخوين اللّذين قتلهما الوزير عبّاس (٥).
ولمّا بويع العاضد ركب وحملت على رأسه المظلّة؛ وركب الصّالح بين يديه، وخرج من التربة قاصدا قصره. وكانت عادة الخلفاء أنّه إذا ورد البشير إلى أخصّ أهل من يبايع يعطى ألف دينار؛ فلمّا بويع العاضد حضر المبشّر إلى عمّته فأعطته نزرا، فلمّا راجعها فى الزّيادة أبت عليه؛ فسئلت فى السبب فقالت: هذا قاطع الخلفاء (٦). وهكذا كان.
واستقرّ العاضد اسما والصّالح معنى (٧)، فتمكن وقويت حرمته، واستولى على الدّولة وتمكن منها، ونقل جميع أموال القصر إلى دار الوزارة، وأساء السّيرة باحتكار الغلاّت، فوقع الغلاء وارتفعت الأسعار؛ وأكثر من قتل أمراء الدولة.
стр. 934
وفيها ولّى الصّالح شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس السّعدى الصّعيد (١)، فظهرت كفايته واستمال الرّعية.
وفيها بعث العاضد بالخلع إلى نور الدّين محمود صاحب دمشق، فلبسها.
وفيها توفى بمصر أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن عمر بن قاسم، المعروف بنفطويه الحضرمى، المقرئ الأديب؛ رحل فسمع ببغداد وميّافارقين (٢) وبمصر.
وتوفّى بعيذاب (٣) الإمام أبو القاسم عبد الرّحمن بن الحسين بن الحباب السعدى، أخو القاضى الجليس؛ رحل فسمع ببغداد وغيرها، وصنف كتاب مساوئ الخمر؛ وكتاب الحجّة لسلف هذه الأمّة فى تسمية الصّديق والردّ على من أنكر ذلك؛ وكتاب تهذيب المقتبس فى أنباء أهل الأندلس. وكان من الصّالحين (٤).
وتوفّى أبو جعفر أحمد بن محمّد بن كوار بن المختار بن الغرناطى بمصر، وكان من أعيان غرناطة، وله معرفة جيّدة بالنّحو؛ وكتب عن السّلفى.
стр. 935
سنة ست وخمسين وخمسمائة (١):
فيها عقد العاضد على ابنة الصّالح ابن رزّيك فى مستهلّه بعد ما امتنع من ذلك فحبسه الصّالح حتى أجاب. وقصد الصّالح بزواجه ابنته أن يرزق منه ولدا فيجتمع لبنى رزّيك الخلافة مع الملك.
وفيها قدم حسين بن نزار بن المستنصر إلى برقة من بلاد المغرب (٢)، ودعا إلى نفسه، فاجتمع عليه قوم كثير وتلقّب بالمستنصر (٣)؛ وعزم على المسير إلى أخذ القاهرة، فخدعه الأمير (عز الدين) (٤) حسام بن فضّة (بن رزّيك) (٤) ووعده بالقيام بدعوته، وما زال يتلطّف به حتى صار عنده فى خيمته، فقبض عليه وحمله إلى القاهرة، فقتل فى شهر رمضان (٥).
وفيها قتل الملك الصّالح فارس المسلمين نصير الدين، أبو الغارات طلائع بن رزّيك.
وذلك أنّه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر، أخذت السّيدة العمّة ست القصور، وهى أخت الظافر الصّغرى، فى العمل على قتله (٦)، ورتّبت مع قوم من السّودان الأقوياء أن يقيموا منهم فى باب السّرداب من الدّهليز المظلم الذى يدخل منه إلى القاعة جماعة، ويقيموا آخرين فى خزانة هناك وأرسلت إلى ابن الرّاعى، وإلى الأمير (المعظم) (٧) بن قوام الدّولة صاحب الباب وقرّرت معه أن يخلى الدّهاليز من الناس
стр. 936
حتى لا يبقى بها أحد. فأعدّوا فى حجرة فى دهليز القصر، وردّوا عليهم طرف الضبّة (١).
فلما كان فى يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ركب الصّالح على عادته للسّلام على الخليفة، فلمّا انفصل من خدمة السّلام بقاعة الذهب وخرج إلى الدّهاليز عرض له أستاذ يقال له عنبر الرّيفى، وأوقفه، وذكر له حديثا طويلا؛ فتقدّم رزّيك ابن الصّالح، فخرج رجلان وثبا على الصّالح، ووقعت الصّيحة، فعثر الصّالح بأذياله، فتقدّم إليه ابن الرّاعى وطعنه بسيف قطع أحد وريديه، وضربه العبيد بالسّيوف فقطعوا عذيته ونزلت فى لحمه وشلت سلسلة ظهره. فوضع يده على جرحه وأنشد:
إن كان عندك يا زمان بقيّة … ممّا تهين به الكرام فهاتها
وضرب رزّيك (بن طلائع (٢) فى عضده الأيمن. وتكاثروا على الصّالح فسقط على وجهه منكبّا واستفرغ بالدّم فأدركه الأمير ابن الزبد (٣) وألبسه منديل ضرغام بن سوار، وكان
стр. 937
قد نزع منديله عن رأسه، وحمل حتى أركب على فرسه، وهو لا يفيق. وبقى حسين ابن أبى الهيجاء فى القصر يقاتل السّودان حتى قتل منهم خمسين رجلا.
ولمّا ركب الصّالح وشدّوا جرحه تطلّعت السّيدة العمّة من القصور فرأته راكبا، فقالت: رحنا والله. فلمّا صار إلى داره كان إذا أفاق يقول: رحمك الله يا عبّاس، وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضى بقتله مع حسن أثره فى إقامته خليفة؛ فأقسم أنّه لم يعلم بذلك ولا رضى به. وأنشد عند موته:
وما ظفروا لمّا قتلت بطائل … فعشت شهيدا ثم متّ شهيدا
فلمّا كان ثلث ليلة الثلاثاء، العشرين من شهر رمضان، مات ودفن بالقاهرة، ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة، والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته (١).
ومولده فى سنة خمس وتسعين. وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أيّاما.
وكان فاضلا، سمحا فى العطاء، سهلا فى اللقاء، محبّا لأهل الفضائل، جيّد الشعر وخطّه دون شعره. ويقال إنّه من المغرب، وقد قصد أبوه زيارة قبر علىّ بن أبى طالب بالنّجف فرأى أمام المشهد عليّا وأخبره عن طلائع أنّه يلى مصر، فقدمها، وما يزال يترقّى فى الخدم حتى نال ما نال.
стр. 938
وأنشد له ابن خلكان (١):
كم ذا يرينا الدّهر من أحداثه … غيرا (٢) وفينا الصّدّ والإعراض
ننسى الممات وليس يجرى ذكره … فينا، فتذكرنا به الأمراض
وكان لأهل العلم عنده نفاق ويرسل إليهم العطايا الكثيرة. بلغه أنّ أبا محمد ابن الدّهان النّحوى البغدادى (٣) المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو:
تجنّب سمعى ما يقول العواذل … وأصبح لى شغل من الغزو شاغل
فجهّز له هديّة سنيّة ليرسلها إليه، فقتل قبل إرسالها. وبلغه أن إنسانا من أعيان الموصل قد أثنى عليه فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هديّة.
وكان وافر العقل رضىّ النّفس، بصيرا بالتّجارب عالما بأيّام الناس، بصيرا بالعلوم الأدبية، محبّبا إلى الناس لإظهاره الفضل والدّين وإنكاره الظّلم والفساد. إلاّ أنّه كان من غلاة الإمامية مخالفا لما عليه مذهب العاضد وأهل الدّولة. فلمّا بايع للعاضد وركب من القصر سمع ضجّة عظيمة، فقال: ما الخبر؟ فقيل إنهم يفرحون بالخليفة.
فقال: كأنى بهؤلاء الجهلاء وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا؛ وما علموا أنّنى كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم.
وجرى من بعض الأمراء فى مجلس السّمر عنده انتقاص بعض السّلف، وكان الفقيه عمارة جالسا فقام وخرج معتذرا بحصاة تعتاده، وانقطع فى منزله ثلاثة أيّام، ورسول الصّالح يرد إليه كلّ يوم بالطبيب، ثم ركب إليه بعد ذلك وهو فى بستان مع جلسائه
стр. 939
فى خلوة، فاستوحش من غيبته، فأعلمه أنه لم يكن به وجع ولكنّه كره ما جرى فى حقّ السّلف، فإن أمر السّلطان فقطع ذلك حضرت وإلا كان فى الأرض سعة وفى الملوك كثرة. فعجب الصّالح من ذلك. وقال: سألتك بالله ما تعتقد فى أبى بكر وعمر؟ فقال: أعتقد أنّه لولاهما لم يكن سبق للإسلام حرمة ولا علا له راية، وما من مسلم إلا ومحبّتهما واجبة عليه. ثم قرأ: «ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه» (١) فضحك الصالح، وكان هذا من رياضته، فإنّه مخالف لمذهبه مخالفة لا يحتملها مثله إلاّ أنّه كان مرتاضا حصيفا قد لقى الفقهاء وسمع كلامهم.
وبعث يوما إلى عمارة ثلاثة أكياس من مال ورقعة بخطّه فيها هذه الأبيات يدعوه فيها إلى مذهبه (٢):
قل للفقيه عمارة: يا خير من … أضحى يؤلّف خطبة وكتابا
اسمع (٣) نصيحة من دعاك إلى الهدى … قل حطّة (٤)، وادخل إلينا البابا
تلق الأئمّة شافعين، ولا تجد … إلاّ لدينا سنّة وكتابا
وعلىّ أن يعلو محلّك فى الورى … وإذا شفعت إلىّ كنت مجابا
وتعجّل الآلاف، وهى ثلاثة … صلة، وحقّك لا تعدّ ثوابا
فأجابه عمارة ٥:
حاشاك من هذا الخطاب خطابا … يا خير أملاك الزّمان نصابا
لكن إذا ما أفسدت علماؤكم … معمور معتقدى وصار خرابا
ودعوتم فكرى إلى أقوالكم … من بعد ذاك، أطاعكم وأجابا
стр. 940
فاشدد يديك على صفاء محبّتى … وامنن علىّ، وسدّ هذا البابا
وهو الّذى بنى الجامع خارج باب زويلة (١)؛ ووقف ثلثى المقس على الأشراف، وتسعة قراريط على أشراف المدينة، وقيراطا على بنى معصوم إمام مشهد علىّ الذى بشره بالمنام. ويقال إنه من ولد جبلة بن الأيهم الغسّانى.
وكان أبوه يسمّى أسد رزّيك وقدم مع أمير الجيوش بدر إلى مصر؛ وتوفّى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
ومن العجب أنّه ولى الوزارة فى التّاسع عشر، وقتل فى التّاسع عشر، وزالت دولتهم فى التّاسع عشر. وهو أوّل من خوطب بالملك فى ديار مصر ونعت به (٢).
ومن عجيب الاتّفاق أنّ عمارة أنشد مجد الإسلام رزّيك بن الصّالح بدار سعيد السّعداء فى ليلة السادس عشر من شهر رمضان أبياتا منها (٣):
أبوك الّذى تسطو اللّيالى بحدّه … وأنت يمين إن سطا، وشمال
لرتبته العظمى، وإن طال عمره … إليك مصير واجب ومآل
تخالسك اللّحظ المصون، ودونها … حجاب شريف لا انقضى وحجال (٤)
стр. 941
فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيّام.
قال عمارة (١): ودخلت على الصّالح قبل قتله بثلاثة أيّام، فناولنى رقعة فيها بيتان من شعره وهما:
نحن فى غفلة ونوم وللمو … ت عيون يقظانة لا تنام
قد رحلنا إلى الحمام سنينا … ليت شعرى، متى يكون الحمام!
فكان آخر عهدى به.
وممّا رثاه عمارة به قوله (٢):
أفى أهل ذا النّادى عليم أسائله … فإنى، لما بى، ذاهب العقل ذاهله (٣)
سمعت حديثا أحسد الصّمّ عنده … ويذهل واعيه، ويخرس قائله
فقد رابنى من شاهد الحال أنّنى … أرى الدّست منصوبا وما فيه كافله
وأنّى أرى فوق الوجوه كآبة … تدلّ على أنّ الوجوه ثواكله
دعونى، فما هذا بوقت بكائه … سيأتيكم طلّ البكاء و وابله
ولم لا نبكّيه ونندب فقده … وأولادنا أيتامه وأرامله
أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم … فيسكن، أم تطوى ببين مراحله
فيا ليت شعرى بعد حسن فعاله … وقد غاب عنّا، ما بنا الدّهر فاعله (٤)!
قال عمارة (٥): وكانت أحوال الصّالح تارة له وتارة عليه؛ فما هو عليه فرط العصبيّة فى المذهب، وجمع المال واحتجانه، والميل على الجند وإضعافهم والقصّ من أطرافهم. وأما التى له فلم تكن مجالس أنسه تنقضى إلا بالمذاكرة فى أنواع العلوم الشرعيّة والأدبيّة، وفى مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته. وكان مرتاضا قد سمر أطراف المعالى وتميّز عن أخلاق الملوك الّذين ليس عندهم إلاّ خشونة مجرّدة.
стр. 942
وكان شاعرا (١) يحب الأدب وأهله، ويكثر من جليسه، ويبسط من أنيسه. وكان كرمه أقرب من الجزيل منه إلى الهزيل وصنّف كتابا سمّاه: الاعتماد فى الرّدّ على أهل العناد. وله قصيدة سمّاها: الجوهريّة فى الرّدّ على القدريّة.
ولمّا مات الصّالح خرج ولده المنصور وهو مجروح وجلس فى مرتبة أبيه، وبعث إلى العمّة ستّ القصور من أهل القصور فسلّمت إليه، فخنقها بمنديل ورميت قدامه (٢)، فبعثت السّيّدة العمّة أختها إلى سيف الدّين حسين بن أبى الهيجاء، صهر الصّالح، وحلفت له أنّها لم تدر ما جرى على الصّالح وأنّ فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة. وحضر إليها مجد الإسلام أبو شجاع رزّيك بن الصّالح فخلع عليه للوزارة، فإنّ الصّالح أوصى بها إليه وجعل من حسين بن أبى الهيجاء الكردى مدبّر أمره، ونعت بالسّيد الأجلّ مجد الإسلام الملك العادل النّاصر أمير الجيوش؛ وفسح له فى أخذ من ارتاب به فى قتل أبيه، فأخذ ابن قوام الدولة وقتله وولده والأستاذ الّذى شغل الصّالح بالحديث.
واستحسن النّاس سيرته، وسامح النّاس بما عليهم من البواقى الثابتة فى الدّواوين.
وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاجّ بما يستأديه منهم أمير الحرمين؛ وسيّر على يد الأمير محمّد بن شمس الخلافة نحوا من خمسة عشر ألف دينار إلى قاسم ابن هاشم، أمير الحرمين، برسم إطلاق الحاجّ. وظفر بقتلة أبيه ظفرا عجيبا بعد تشتّتهم فى البلاد (٣).
стр. 943
وكان زفاف أخته إلى العاضد فى وزارته فحمل معها بيوت الأموال. ونقل تابوت أبيه إلى القرافة.
وسيّر إلى والى الإسكندرية بحمل عبد الرّحيم بن على البيسانى، الملقّب بالقاضى الفاضل، واستخدمه بين يديه فى ديوان الجيش.
وترامت الحال فى أيّامه بالأمير عزّ الدّين حسام، قريبه، وعظم صيته، واستولى على تدبير كثير من أموره، وعظم غلمان أبيه. وكان فارسا شجاعا، له مواقف معروفة (١).
وكان أبوه الصّالح قد ولّى شاور بن مجير بن نزار السّعدى قوص، ثمّ ندم على ولايته وأراد عوده من الطّريق، ففاته، وحصل بها؛ وطلب منه فى كلّ شهر أربعمائة دينار، وقال لا بدّ لقوص من وال، وأنا ذلك؛ والله لا أدخل القاهرة، ومتى صرفنى دخلت النّوبة. فتركه.
ولمّا جرح وأشرف على الوفاة كان يعدّ لنفسه ثلاث غلطات، إحداها ولاية شاور الصّعيد الأعلى، والثانية بناء الجامع على باب زويلة، فإنه مضرّة على القاهرة، والثالثة خروجى بالعساكر إلى بلبيس وتأخيرى إرسالها إلى بلاد الفرنج؛ وكان قد أنفق على هذه العساكر مائتى ألف دينار.
وأوصى ابنه رزّيك ألاّ يتعرّض لشاور بمساءة ولا يغيّر عليه حاله فإنّه لا تأمن عصيانه والخروج عليك. فلمّا استمرّ رزّيك بن الصّالح فى الوزارة حسّنت له بطانته صرف شاور عن قوص ليتمّ الأمر له، وأشار عليه سيف الدّين حسين بن أبى الهيجاء بإبقائه، فقال ما أنا آبى ولا لى طمع فيما آخذه منه ولكن أريده يطأ بساطى. فقيل له: ما يدخل أبدا.
فلم يقبل، وخلع على الأمير نصير الدّين شيخ الدّولة ابن الرّفعة بولاية قوص (٢).
стр. 944
فيها خرج ملك النّوبة إلى أسوان فى اثنى عشر ألف فارس وقتل من المسلمين عالما عظيما.
فيها مات بالقاهرة، فى يوم الأربعاء لاثنتى عشرة خلت من رجب، القاضى أبو الحجّاج يوسف بن عبد الجبّار بن شبل بن على الصويبى؛ وصويب قبيلة من جذام. ولد بالقدس يوم الجمعة تاسع ذى القعدة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقدم مصر بعد أخذ الفرنج القدس فنشأ بها واشتغل بالعلم، وتولّى خزانة الكتب (١) فى سنة. أربع وعشرين وخمسمائة، وولى قضاء فوّة (٢) وعملها فى محرّم سنة سبع وأربعين.
ومات بالصّعيد كنز الدّولة أبو الطّليق يوسف، وولى بعده رئاسة قبائله أخوه أبو العزّ فتّوح فى حادى عشر محرّم.
стр. 945
سنة سبع وخمسين وخمسمائة (١):
فى عاشر المحرّم أفرج العادل رزّيك عن الأمراء الذين اعتقلهم أبوه الصّالح ابن رزّيك فى ثالث عشرى ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين، وهم صبح بن شاهنشاه، وأسد الغاوى ومرتفع الظهير (٢).
وفيها أنشأ (٣) الأمير أبو الأشبال ضرغام بن سوار البرج عند باب البحر بالإسكندرية فعرف ببرج ضرغام (٤).
وفى آخر ذى القعدة ورد الخبر بخروج شاور عن طاعة العادل رزّيك (٥). وذلك أن الأمير نصير الدّين لمّا خلع عليه بولاية قوص كتب على يده كتابا إلى شاور بتسليم البلاد إليه وحضوره إلى القاهرة. فلمّا وصل إلى إخميم كتب كتابا إلى شاور وفى طيّه كتاب رزّيك، فلمّا وقف عليه بعث إليه أن ارجع ولا تحضر، قولا واحدا، فرجع إلى القاهرة وجهر شاور بالعصيان (٦).
стр. 946
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (١):
فيها زالت دولة بنى رزّيك. وذلك أنّ مماليك الصّالح وغلمانه، مثل يانس وورد وسعادة الأسود وبختيار، اشتد ظلمهم؛ وكان الصّالح قد قدّمهم حتى صار لكلّ منهم نحو المائتى مملوك، وطغوا فى أيّام رزّيك حتى ضجّ النّاس منهم. وقال بعضهم:
أمنتم يا بنى رزّيك جهلا … فذاك الأمر يتبعه الأمانى
أباد الله دولتكم سريعا … فقد ثقلت على كتف الزّمان
وكان شاور بن مجير السّعدى لمّا بلغه أنّ النّاصر رزّيك بن الصّالح طلائع بن رزّيك عزله عن ولاية قوص وولّى غيره اضطرب وخرج من قوص فى جماعة قليلة، فسار على طريق الواحات فى البرارى حتّى صار فى تروجة (٢)، فاجتمع عليه النّاس وقوى أمره وتزايد.
فاهتمّ لذلك رزّيك ورأى فى منامه وكأنه قد صار روّاسا (٣) فى حانوت؛ فلمّا قصّ هذه الرؤيا على حسين بن أبى الهيجاء نظر عابرا، كان تاجرا حاذقا، يعرف بابن الارتاحى (٤)، وأخبره بما رأى، فغالطه فى التفسير، وفهم ذلك حسين. فلمّا خرج ألزمه أن يصدقه بتأويل ما رآه رزّيك، فقال يا مولاى القمر عندنا هو الوزير كما أنّ الشمس الخليفة، والحنش المستدير عليه جيش مصحّف، وكونه روّاسا أقلبها تجدها شاورا مصحّفا؛ وما وقع لى غير هذا. فقال اكتم هذا عن الناس. وأخذ حسين يحتاط لنفسه، وتجهّز إلى الحجاز (٥).
стр. 947
فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة. فوقع الصّائح فى بنى رزّيك، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس، فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء، وهم إخوته ملهم وحسام وهمام، ويحيى بن الخيّاط وبنو الحاجب ونظراؤهم، وصاروا إلى شاور.
فأسقط فى أيدى العسكر الباقى مع بنى رزّيك.
وكان أوّل من نجا بنفسه حسين بن أبى الهيجاء، خرج فارّا ومعه حسام إلى الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام، فأجاره وحمله من أيلة فى البحر إلى المدينة النبويّة؛ فجاور بها مدّة ومات، فدفن بالبقيع.
ولمّا فرّ حسين فتّ ذلك فى عضد رزّيك ولم يثبت، وخرج رزّيك من القاهرة فى نصف المحرّم ومعه جماعة من غلمانه وعدّة بغال موقرة من المال والجواهر والثّياب الخاصّ.
وتحيّر فلم يدر أين يذهب، فوقع بظاهر إطفيح (١) عند مقدّم العرب سليمان بن الفيض، فأخذه وكلّ ما معه.
ودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير، ومعه أولاده طىّ وشجاع والطارى، فنزل دار سعيد السّعداء، وأحضر إليه ابن الفيض رزّيك مكبّلا، فاعتقله وأخاه جلال الإسلام. فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاورا أن أخاه طلب مبردا من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذى فى رجليه ليهرب، فدخلوا إليه وقتلوه. ومولده فى ذى القعدة سنة ثلاث، أو اثنتين، وخمسمائة. وأنفقوا (٢) على أخيه لهذه النصيحة، وبقى من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات. وقيل إنّ هذا كان من فعلات طىّ بن شاور وحشمه حتى قتل العادل.
وكان سليمان بن الفيض من لخم؛ وهو ممّن أنشأه الملك الصّالح طلائع بن رزّيك وخوّله فى نعم جمّة، فلم يرع يدا، وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور، ونهب أصحابه ماله. فلمّا قدم به عليه قال يا سليمان، لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده حين استجار بك
стр. 948
فأسلمته لى، وأنا الآخر أخبئك ذخيرة لولدى. ثم أمر به فشنق (١).
وانقطع بنو رزّيك؛ وبزوالهم زالت الدّولة. فكانت مدّة بنى رزّيك فى الوزارة تسع سنين وشهرا وأيّاما.
وكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته فى يوم الأحد ثانى عشرى المحرّم. ولمّا استقرّ فى الوزارة تلقب بأمير الجيوش. وانثالت عليه وعلى ولده طىّ أموال بنى رزّيك وودائعهم من عند النّاس، حتّى كان فى النّاس من يتبرّع بما عنده، فظفر هو من أموالهم سوى السّلاح والكراع وغيره، وسوى ما أخذه أولاده، بما ينيف عن خمسمائة ألف دينار عينا. فبعث بذلك كلّه مع جميع ما أدخل إليه إلى العربان، وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ويقولون: لفلان قدحان ذهبا ولفلان ثلاثة أقداح. وزاد تمكّنهم له حتّى لم يكونوا يفارقون باب الفتوح وباب النصر؛ ونهبوا غلاّت الحوف، واستخفّوا المقطعين؛ فلم ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضدا ورداء.
وكان الصالح بن رزّيك قد قرّر للفرنج فى كلّ سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم، فوافت رسلهم تطلب ذلك. ولمّا قتل رزّيك بن الصّالح فى رمضان قدّمت رأسه فى طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة، فقال فى ذلك الفقيه عمارة (٢):
أعزز علىّ أبا شجاع أن أرى … ذاك الجبين مضرّجا بدمائه
ما قلبته سوى رجال قلّبوا … أيديهم من قبل فى نعمائه
وجلس (٣) شاور بعد قتل النّاصر رزّيك بن الصّالح بدار الذهب، وقام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلاّ الأقل ينالون من بنى رزّيك، وفيهم ضرغام نائب الباب ويحيى بن الخيّاط إسفهسلار العسكر، وغيرهما (٤)؛ فقال عمارة (٥):
стр. 949
زالت ليالى بنى رزّيك وانصرمت … والحمد والذّمّ فيها غير منصرم
كأنّ صالحهم يوما وعادلهم … فى صدر ذا الدّست لم يقعد ولم يقم
هم حرّكوها عليهم وهى ساكنة … والسلم قد تنبت الأوراق فى السّلم
كنّا نظنّ، وبعض الظّنّ مأثمة … بأنّ ذلك جمع غير منهزم
فمذ وقعت وقوع النّسر خانهم … من كان مجتمعا من ذلك الرّخم (١)
ولم يكونوا عدوّا ذلّ جانبه … وإنمّا غرقوا من سيلك العرم
وما قصدت بتعظيمى عداك سوى … تعظيم شأنك، فاعذرنى ولا تلم
ولو شكرت لياليهم محافظة … لعهدها لم يكن بالعهد من قدم
ولو فتحت فمى يوما بذمّهم … لم يرض فضلك إلاّ أن يسدّ فمى
والله يأمر بالاحسان عارفة … منه وينهى عن الفحشاء فى الكلم
فشكر شاور عمارة على الوفاء لبنى رزّيك، ونقم عليه ضرغام قوله: «فمذ وقعت … » البيت، وكان يقول له: نحن عندك من الرّخم.
ثم إنّ شاور جهّز الخلع إلى العادل نور الدّين بالشام، فلبسها يوم الاثنين ثانى عشرى رمضان، وقبض المال المسير إليه.
وكتب للأجناد والعرب وحواشى القصر من الرواتب والزّيادات نظير ما لهم عشر مرّات (٢)، وهو غير ظاهر للنّاس والأبواب مغلقة عليه خيفة. وذلك أن الصّالح بن رزّيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقيّة، وجعل ضرغام بن عامر بن سوار المذكور الملقّب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدّمهم، ثم صار صاحب الباب؛ فطمع فى شاور، وكان فارسا كاتبا، فجمع رفقته؛ وتخوّف منه شاور. وصار العسكر فرقتين: ضرغام ومن معه فرقة، وحرب ومن معه حزب (٣). فأما ضرغام فأظهر المباينة، وأما نظراؤه فاختصّوا بطىّ بن شاور وعاشروه ولازموه.
стр. 950
فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشرى رمضان وقد جمع له، وكانت بينهما وقعة قتل فيها طىّ بن شاور، وهو أكبر أولاده، وقتل أخوه سليمان الطارى وهو الأصغر، وأسر الكامل فاعتقله ملهم ومنع منه أخاه ضرغاما ليد كانت له عنده. وكان بين قتل طىّ بن شاور وقتل العادل رزّيك نيف وثلاثون يوما.
وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل رضوان بن ولخشى، وقد كان رفيقا له إذ ذاك، وذلك أوّل شوال، فنهبت داره ودور أولاده وحواشيه، وذهب جميع ما نالوه من مال بنى رزّيك. وقتل الكامل علىّ بين القصرين وتركت جثّته يومين ملقاة ومعه ابن أخته وحسّان تربية شاور. فكانت وزارته تسعة أشهر.
وكانت أخلاق شاور فى وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة، ولم يكن فيها أقبح من قتل رزّيك بن الصّالح فإنّها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره. وكان كرمه إليه المنتهى، وشدة بأسه فى مواطن الحرب شهيرة؛ وكان شديد الثّبات كثير الوثبات.
ومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلّة كانت تحمل على رأسه (١)، وتحكّم على أبيه، وترفّع على الأمراء وعسفهم.
ولمّا فرّ شاور ونزل بفاقوس عند بنى منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقّب بالملك المنصور، فى سابع عشرى رمضان (٢)، فشكر النّاس سيرته، فإنه كان فارس عصره، كاتبا، جميل الصورة، فكه المحاضرة، عاقلا كريما، لا يضع كرمه إلاّ فى سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه. إلاّ أنه كان أذنا متخيّلا على أصحابه، وإذا ظنّ بإنسان شرّا جعل الشّك يقينا. وكان فى وزارته مغلوبا مع أخويه ناصر الدّين همام وفخر الدّين حسام.
وقيل إنّ ملهما وضرغاما لمّا علما تغيّر النّاس على شاور وأولاده أخذا فى مراسلة رزّيك فى سجنه وإفساد النّاس له؛ فبلغ الخبر طىّ بن شاور (٣)، فدخل إليه وقال: بلغنى أن ملهما