← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (١): فيها زالت دولة بنى رزّيك. وذلك أنّ مماليك الصّالح وغلمانه، مثل يانس وورد وسعادة الأسود وبختيار، اشتد ظلمهم؛ وكان الصّالح قد قدّمهم حتى صار لكلّ منهم نحو المائتى مملوك، وطغوا فى أيّام رزّيك حتى ضجّ النّاس منهم. وقال بعضهم: أمنتم يا بنى رزّيك جهلا … فذاك الأمر يتبعه الأمانى أباد الله دولتكم سريعا … فقد ثقلت على كتف الزّمان وكان شاور بن مجير السّعدى لمّا بلغه أنّ النّاصر رزّيك بن الصّالح طلائع بن رزّيك عزله عن ولاية قوص وولّى غيره اضطرب وخرج من قوص فى جماعة قليلة، فسار على طريق الواحات فى البرارى حتّى صار فى تروجة (٢)، فاجتمع عليه النّاس وقوى أمره وتزايد. فاهتمّ لذلك رزّيك ورأى فى منامه وكأنه قد صار روّاسا (٣) فى حانوت؛ فلمّا قصّ هذه الرؤيا على حسين بن أبى الهيجاء نظر عابرا، كان تاجرا حاذقا، يعرف بابن الارتاحى (٤)، وأخبره بما رأى، فغالطه فى التفسير، وفهم ذلك حسين. فلمّا خرج ألزمه أن يصدقه بتأويل ما رآه رزّيك، فقال يا مولاى القمر عندنا هو الوزير كما أنّ الشمس الخليفة، والحنش المستدير عليه جيش مصحّف، وكونه روّاسا أقلبها تجدها شاورا مصحّفا؛ وما وقع لى غير هذا. فقال اكتم هذا عن الناس. وأخذ حسين يحتاط لنفسه، وتجهّز إلى الحجاز (٥).

стр. 947

فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة. فوقع الصّائح فى بنى رزّيك، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس، فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء، وهم إخوته ملهم وحسام وهمام، ويحيى بن الخيّاط وبنو الحاجب ونظراؤهم، وصاروا إلى شاور. فأسقط فى أيدى العسكر الباقى مع بنى رزّيك. وكان أوّل من نجا بنفسه حسين بن أبى الهيجاء، خرج فارّا ومعه حسام إلى الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام، فأجاره وحمله من أيلة فى البحر إلى المدينة النبويّة؛ فجاور بها مدّة ومات، فدفن بالبقيع. ولمّا فرّ حسين فتّ ذلك فى عضد رزّيك ولم يثبت، وخرج رزّيك من القاهرة فى نصف المحرّم ومعه جماعة من غلمانه وعدّة بغال موقرة من المال والجواهر والثّياب الخاصّ. وتحيّر فلم يدر أين يذهب، فوقع بظاهر إطفيح (١) عند مقدّم العرب سليمان بن الفيض، فأخذه وكلّ ما معه. ودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير، ومعه أولاده طىّ وشجاع والطارى، فنزل دار سعيد السّعداء، وأحضر إليه ابن الفيض رزّيك مكبّلا، فاعتقله وأخاه جلال الإسلام. فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاورا أن أخاه طلب مبردا من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذى فى رجليه ليهرب، فدخلوا إليه وقتلوه. ومولده فى ذى القعدة سنة ثلاث، أو اثنتين، وخمسمائة. وأنفقوا (٢) على أخيه لهذه النصيحة، وبقى من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات. وقيل إنّ هذا كان من فعلات طىّ بن شاور وحشمه حتى قتل العادل. وكان سليمان بن الفيض من لخم؛ وهو ممّن أنشأه الملك الصّالح طلائع بن رزّيك وخوّله فى نعم جمّة، فلم يرع يدا، وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور، ونهب أصحابه ماله. فلمّا قدم به عليه قال يا سليمان، لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده حين استجار بك

стр. 948

فأسلمته لى، وأنا الآخر أخبئك ذخيرة لولدى. ثم أمر به فشنق (١). وانقطع بنو رزّيك؛ وبزوالهم زالت الدّولة. فكانت مدّة بنى رزّيك فى الوزارة تسع سنين وشهرا وأيّاما. وكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته فى يوم الأحد ثانى عشرى المحرّم. ولمّا استقرّ فى الوزارة تلقب بأمير الجيوش. وانثالت عليه وعلى ولده طىّ أموال بنى رزّيك وودائعهم من عند النّاس، حتّى كان فى النّاس من يتبرّع بما عنده، فظفر هو من أموالهم سوى السّلاح والكراع وغيره، وسوى ما أخذه أولاده، بما ينيف عن خمسمائة ألف دينار عينا. فبعث بذلك كلّه مع جميع ما أدخل إليه إلى العربان، وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ويقولون: لفلان قدحان ذهبا ولفلان ثلاثة أقداح. وزاد تمكّنهم له حتّى لم يكونوا يفارقون باب الفتوح وباب النصر؛ ونهبوا غلاّت الحوف، واستخفّوا المقطعين؛ فلم ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضدا ورداء. وكان الصالح بن رزّيك قد قرّر للفرنج فى كلّ سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم، فوافت رسلهم تطلب ذلك. ولمّا قتل رزّيك بن الصّالح فى رمضان قدّمت رأسه فى طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة، فقال فى ذلك الفقيه عمارة (٢): أعزز علىّ أبا شجاع أن أرى … ذاك الجبين مضرّجا بدمائه ما قلبته سوى رجال قلّبوا … أيديهم من قبل فى نعمائه وجلس (٣) شاور بعد قتل النّاصر رزّيك بن الصّالح بدار الذهب، وقام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلاّ الأقل ينالون من بنى رزّيك، وفيهم ضرغام نائب الباب ويحيى بن الخيّاط إسفهسلار العسكر، وغيرهما (٤)؛ فقال عمارة (٥):

стр. 949

زالت ليالى بنى رزّيك وانصرمت … والحمد والذّمّ فيها غير منصرم كأنّ صالحهم يوما وعادلهم … فى صدر ذا الدّست لم يقعد ولم يقم هم حرّكوها عليهم وهى ساكنة … والسلم قد تنبت الأوراق فى السّلم كنّا نظنّ، وبعض الظّنّ مأثمة … بأنّ ذلك جمع غير منهزم فمذ وقعت وقوع النّسر خانهم … من كان مجتمعا من ذلك الرّخم (١) ولم يكونوا عدوّا ذلّ جانبه … وإنمّا غرقوا من سيلك العرم وما قصدت بتعظيمى عداك سوى … تعظيم شأنك، فاعذرنى ولا تلم ولو شكرت لياليهم محافظة … لعهدها لم يكن بالعهد من قدم ولو فتحت فمى يوما بذمّهم … لم يرض فضلك إلاّ أن يسدّ فمى والله يأمر بالاحسان عارفة … منه وينهى عن الفحشاء فى الكلم فشكر شاور عمارة على الوفاء لبنى رزّيك، ونقم عليه ضرغام قوله: «فمذ وقعت … » البيت، وكان يقول له: نحن عندك من الرّخم. ثم إنّ شاور جهّز الخلع إلى العادل نور الدّين بالشام، فلبسها يوم الاثنين ثانى عشرى رمضان، وقبض المال المسير إليه. وكتب للأجناد والعرب وحواشى القصر من الرواتب والزّيادات نظير ما لهم عشر مرّات (٢)، وهو غير ظاهر للنّاس والأبواب مغلقة عليه خيفة. وذلك أن الصّالح بن رزّيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقيّة، وجعل ضرغام بن عامر بن سوار المذكور الملقّب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدّمهم، ثم صار صاحب الباب؛ فطمع فى شاور، وكان فارسا كاتبا، فجمع رفقته؛ وتخوّف منه شاور. وصار العسكر فرقتين: ضرغام ومن معه فرقة، وحرب ومن معه حزب (٣). فأما ضرغام فأظهر المباينة، وأما نظراؤه فاختصّوا بطىّ بن شاور وعاشروه ولازموه.

стр. 950

فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشرى رمضان وقد جمع له، وكانت بينهما وقعة قتل فيها طىّ بن شاور، وهو أكبر أولاده، وقتل أخوه سليمان الطارى وهو الأصغر، وأسر الكامل فاعتقله ملهم ومنع منه أخاه ضرغاما ليد كانت له عنده. وكان بين قتل طىّ بن شاور وقتل العادل رزّيك نيف وثلاثون يوما. وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل رضوان بن ولخشى، وقد كان رفيقا له إذ ذاك، وذلك أوّل شوال، فنهبت داره ودور أولاده وحواشيه، وذهب جميع ما نالوه من مال بنى رزّيك. وقتل الكامل علىّ بين القصرين وتركت جثّته يومين ملقاة ومعه ابن أخته وحسّان تربية شاور. فكانت وزارته تسعة أشهر. وكانت أخلاق شاور فى وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة، ولم يكن فيها أقبح من قتل رزّيك بن الصّالح فإنّها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره. وكان كرمه إليه المنتهى، وشدة بأسه فى مواطن الحرب شهيرة؛ وكان شديد الثّبات كثير الوثبات. ومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلّة كانت تحمل على رأسه (١)، وتحكّم على أبيه، وترفّع على الأمراء وعسفهم. ولمّا فرّ شاور ونزل بفاقوس عند بنى منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقّب بالملك المنصور، فى سابع عشرى رمضان (٢)، فشكر النّاس سيرته، فإنه كان فارس عصره، كاتبا، جميل الصورة، فكه المحاضرة، عاقلا كريما، لا يضع كرمه إلاّ فى سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه. إلاّ أنه كان أذنا متخيّلا على أصحابه، وإذا ظنّ بإنسان شرّا جعل الشّك يقينا. وكان فى وزارته مغلوبا مع أخويه ناصر الدّين همام وفخر الدّين حسام. وقيل إنّ ملهما وضرغاما لمّا علما تغيّر النّاس على شاور وأولاده أخذا فى مراسلة رزّيك فى سجنه وإفساد النّاس له؛ فبلغ الخبر طىّ بن شاور (٣)، فدخل إليه وقال: بلغنى أن ملهما

стр. 951

وضرغاما قد تحدّثا لرزيك فى الأمر وقد حلّفا له جماعة من الأمراء، وأنت غافل عن هذا الأمر. فقال له شاور: اسكن ولا تعجل؛ أنا أكشف عن هذا، فإذا تحقّقته حكمته. فقال: لا غنى بى عن قتل رزّيك فإنى إذا قتلته أمنت. فقال له شاور: لا يمكن قتله فإنّه أولانى جميلا بسببه صرت فى هذا المحلّ. فمضى طىّ إلى رزّيك وقتله؛ فقامت قيامة شاور. وبلغ ذلك ضرغاما فثار وأثار من خلفه وقرّر معهم أمر رزّيك وزحف بهم، فانهزم شاور. فكان فى هذه السنة ثلاثة من الوزراء هم: رزّيك بن الصالح بن رزّيك، وأمير الجيوش شاور والمنصور ضرغام بن عامر بن سوار المنذرى اللّخمى أبو الأشبال. وفيها اختلّت الدّولة وضعفت بذهاب أمرائها وأولى الرأى فيها. فيها سار الفرنج إلى ديار مصر فوصلوا إلى السدير. وورد الخبر فى ثانى شوال بوصولهم إلى فاقوس؛ فأخرج إليهم ضرغام أخاه ناصر المسلمين هماما، وكان شجاعا، فالتقى معهم وحاربهم، فهزموه بعد أن قتل منهم خلقا. وكان شاور قد انضم إلى بنى منصور لأنه من فخذهم، وكان قائما على كوم عال. ثم إن الفرنج صاروا إلى حصن بلبيس فى شوّال وملكوا بعض السّور فردّهم عنه همام وبنو كنانة. وتفرّق العسكر إلى الحوف فقاتل العرب هؤلاء وقد انهزموا من الفرنج فقتلوا كلّ من ظفروا به. وعاد العسكر وقد قتل منهم العرب عدّة، ورجع الفرنج إلى بلاد الساحل بمن أسروه من المسلمين وفيهم القطورى من أكابر الأمراء. فلمّا صار همام بالقاهرة صار كأنه مشارك لأخيه فى الوزارة، كلّ منهما يوقّع ويقطع، ولم يظفر ضرغام من المال بكبير شيء فإنّه نهب. وفيها ولّى الوزير ضرغام الأمير مرتفع الخلواص (١) الإسكندريّة برجاء إبعاده عنه، فلمّا صار إليها ظفر بقوم رتّبهم ضرغام لقتاله، فتأكدت الوحشة بينهما، وجمع لمحاربة ضرغام وخرج من الإسكندرية فكتم ذلك. وفيها قدم شاور دمشق فى ذى القعدة وترامى على نور الدّين، فبعث الوزير ضرغام إليه

стр. 952

بعلم الملك ابن النحّاس (١) بأن يقبض على شاور، فأجاب فى الظّاهر وأضمر غير ذلك. وفيها قتل ضرغام عدّة من الأمراء فى دعوة جمعهم فيها، وأعدّ لهم من خرج على الجميع وقتلهم فى داره. وكان قاع النّيل خمس أذرع وثلاث عشرة اصبعا، وبلغ أربع عشرة ذراعا وثمانى أصابع (٢).

стр. 953

سنة تسع وخمسين وخمسمائة (١): فيها وصل رسل الفرنج فى طلب مال الهدنة فماطلهم به ضرغام ودافعهم حتى شغل عنهم بقدوم شاور. وفى ثامن عشر ربيع الأوّل قبض ضرغام على صبح بن شاهنشاه عين الزمان وأسد الغاوى وعلى بن الزّبد فى عدّة تبلغ نحو السّبعين من الأمراء سوى أتباعهم؛ وذلك أنّه بلغه عنهم أنهم قد حسدوه واحتقروه وكاتبوا شاورا ووعدوه القيام معه. ثمّ أخرجهم ليلا وضرب أعناقهم؛ فاختلّت الدّولة بقتل رجالها وذهاب فرسانها. وفيها وجّه ضرغام بأخيه ناصر الدّين همام على طائفة من العسكر لقتال الأمير مرتفع ابن مجلى المعروف بالخلواص، متولّى الإسكندرية، وقد جمع وسار؛ فعند ما بلغ من معه من العربان قتل الأمراء البرقيّة فتروا عن القيام معه وطمعوا فيه، ووثب به قوم من بنى سنبس (٢) وقبضوا عليه، وأتوا به إلى همام، فقدم به إلى القاهرة، فضرب ضرغام عنقه يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر وصلبه على باب زويلة؛ فنفرت القلوب من ضرغام. وكان شاور قد وصل فى ثالث عشرى ذى القعدة من السّنة الماضية إلى دمشق متراميا على السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، مستجيرا به على ضرغام، فأكرم مثواه وأحسن إليه، فتحدث مع السّلطان فى أن يرسل معه العساكر إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدّين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر، ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه فى مصر، ويتصرّف هو بأوامر نور الدّين واختياره. فبقى نور الدّين يقدّم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخّر أخرى، فتارة يقصد رعاية شاور لكونه التجأ إليه وكون ما قاله زيادة فى ملكه وتقوية له على الفرنج؛ وتارة يخشى خطر الطّريق وكون الفرنج فيه،

стр. 954

ويخاف من شاور أنّه إذا استقرّت قدمه فى مصر خاس (١) فى قوله ويخلف بما وعد. ثم قوى عزمه على إرسال الجيوش، فتقدّم بتجهيزها وإزاحة عللها. واتّفق أنّ الواعظ زين الدّين بن نجا الأنصارى (٢) سمع بسعة أرزاق مصر فقدم إليها فى وزارة الصّالح ابن رزّيك فأقبل عليه وحصل له من إنعامه وممّا أخذه له من العاضد فى ثلاث سنين ما يناهز عشرين ألف دينار، وسوّغه عدّة دور بتوقيع. فسمع بالزّاهد أبى عمرو ابن مرزوق يتحدّث النّاس عنه بأنّه مهما قاله لهم وقع، وأنّه يركب كلّ سنة فى نصف شعبان حمارا له ويأتى معه جماعة إلى ذيل الجبل ويودّعونه ويمضون، فيطلع أبو عمرو إلى الجبل؛ ويلقاه النّاس فى اللّيلة الثانية ويجتمعون كاجتماعهم للعيد، ويركب حماره، والنّاس تحته، وينتظر، وينزل بعد صلاة المغرب إلى مسجده بقصد زيارته وقد تجمّع النّاس فى الأسطحة والدّكاكين والطّرقات، والشّيخ يعمل الختمات. فوصل إليه وأقام حتى انفضّ النّاس، فخلا به وتعرّف إليه؛ فكان ممّا قال له: أتعرف بالشّام أحدا يقال له شيركوه. فقال: نعم، أمير من أمراء نور الدّين. فقال: هذا يأتى إلى هذه البلاد ويملكها، وكلّ ما تراه من هذه الدّولة يزول حتّى لا يبقى له أثر عن قريب. وانصرف ابن نجا عن الشّيخ أبى عمرو وقد تعجّب من قوله. فلمّا قضى إربه من القاهرة وعاد إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نو الدّين وحكى له قول الشيخ أبى عمرو؛ فقال له: لا تخبر أحدا بذلك. ومضى اليوم وما بعده، إلى أن قدم شاور على السّلطان نور الدّين وقوّى عزمه على تجهيز العساكر معه؛ فوقع اختيار السّلطان على الأمير أسد الدّين شيركوه بن شاذى بن مروان، أحد أمرائه، فاستدعاه من حلب (٣)، فوصل إلى دمشق مستهلّ رجب منها، وأمره بالمسير إلى مصر مع العساكر صحبة شاور،

стр. 955

فامتنع وقال: لا، أمشى بألف فارس، إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة شينى فيها عشرة آلاف مقاتل وعندهم أربعون ألف عبد لخمس خلفاء، وهم مستوطنون فى أوطانهم قريبة منهم خزائنهم، ونأتى نحن من تعب السّفر بهذه العدّة القليلة. فتركه وأرسل إلى ابن نجا، فلمّا جاء قال له: حديث الرّجل الزاهد الذى بمصر أخبرت به أحدا؟ فقال: معاذ الله؛ والله ما سمعه منىّ أحد سوى السّلطان. فقال: امض إلى أسد الدّين شيركوه واحك له الخبر. فمضى إلى شيركوه وقصّ عليه الحديث بنصّه، فطابت نفسه للسّفر (١). وسار العسكر وصحبته شاور يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى، وقد أقر نور الدّين شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممّن ثار عليه. وخرج نور الدّين إلى أطراف بلاد الفرنج ممّا يلى دمشق بعساكر ليمنع الفرنج من التعرّض لأسد الدّين؛ فكان قصارى أمر الفرنج أن يمتنعوا من نور الدّين ويحفظوا بلادهم. وأخذ شيركوه فى سيره إلى مصر على شرقىّ الشّوبك حتى نزل أيلة، وسار منها إلى السّويس (٢)؛ فلم يدر ضرغام، وقد وصل إليه رسل الفرنج فى طلب مال الهدنة المقرّر لهم فى كل سنة على أهل مصر وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار وهو يدافعهم ويماطلون، إلاّ بطيور البطائق (٣) قد سقطت من عند أخيه الأمير حسام الدّين، متولى بلبيس، فى يوم الأحد

стр. 956

خامس عشرى جمادى الأولى، يخبر فيها بوصول شاور وأسد الدّين شيركوة ومعهما من الأتراك خلق كثير؛ فانزعج وتأهّب لتسيير العسكر. وأصبح النّاس يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الأولى وقد شاع ذلك بينهم، فخافوا على أنفسهم وأموالهم وانتقلوا من مكان إلى مكان على عادتهم وجمعوا عندهم الأقوات والماء. وخرج الأمير ناصر المسلمين همام بالعساكر أوّل يوم من جمادى الآخرة، وهم نحو ستة آلاف فارس بالخيول المسرجة والدّروع الثمينة والسّلاح العجيب، وقد أعجبوا بأنفسهم واطمأنّوا بأنهم ظافرون. فوصلوا إلى بلبيس يوم الأحد ثانيه، فوافاهم شاور بالعسكر الشامى يوم الاثنين، فباتوا ليلة الثّلاثاء، وأصبحوا وقد توهّم منهم أسد الدّين شيركوه وقال لشاور: يا هذا لقد غررتنا وقلت إنّه ليس بمصر عساكر حتى جئنا بهذه الشّرذمة. فقال: لا يهولنّك ما تشاهد من هذه الجموع فأكثرها حاكة وفلاّحون يجمعهم الطّبل وتفرّقهم العصا؛ فما ظنك بهم إذا حمى الوطيس وكلبت الحرب. وأمّا الأمراء فإنّ كتبهم وعهودهم معى؛ وسترى إذا التقينا، لكنّى أريد منك أن تأمر العساكر بالاستعداد. فلمّا ترتّبوا نهاهم عن القتال، فتحرّك المصريّون وتأهّبوا وأقاموا حتى حمى النّهار، فسخن عليهم الحديد ولم يروا أحدا يسير إليهم فنزلوا عن خيولهم وأقاموا الخيم، وألقى بعضهم السّلاح. فلمّا عاين ذلك شاور أمر بالحملة عليهم، فثار المصريّون وحمل ناصر المسلمين همام والأمير فارس المسلمين على العسكر الشّامى؛ فجرح همام والتفت فلم ير أحدا من عسكره، فكان أشجعهم من يصير على ظهر فرسه. وانهزموا بأجمعهم إلى بلبيس، وغنم العسكر الشّامى جميع ما كان معهم، فقووا به، وتبعوهم وأسروا منهم جماعة الأمراء وغيرهم، ثم منّوا عليهم وسيّروهم فى جمعهم. ولحق الأمير همام بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامسه وهو مجروح، واختفى الأمير حسام فى مدينة بلبيس فدلّ عليه بعض الكنانيّة فأسر وقيد.

стр. 957

وسار العسكر فوصلوا إلى القاهرة بكرة يوم الخميس سادسه، فنزلوا عند التّاج (١) بظاهر القاهرة، وانتشر العسكر فى البلاد يريدون الأكل والعلف. وكان ضرغام قد كاتب أهل الأعمال فوصلوا إليه لخوفهم من الترك، فضمّهم إليه ومعهم الرّيحانيّة والجيوشيّة وجعلهم فى داخل القاهرة؛ فأقام شاور بمن معه على التّاج حتى استراحت خيولهم. ثم إنه استحلف شيركوه ومن معه أنهم لا يغدرون به ولا يسلمونه، ولا ينهزمون إلاّ عن غلبة. ومع هذا فإنّ طوائف من العربان كانت تطارد عسكر ضرغام بأرض الطّبالة (٢)، وخرج أهل منية السّيرج (٣) فقتلوا من الترك جماعة، فمالوا عليهم وانتهبوا المنية وأذاقوا أهلها نكالا شديدا. وأقام شاور بمن معه فى ناحية الخرقانية (٤) وشبرا دمنهور (٥)، ثم سار من ناحية المقس يريد القاهرة؛ فخرج إليه عسكر ضرغام وحملوا

стр. 958

عليه، فخاف من كان معه من الأمراء الّذين كانوا مع همام أخى ضرغام ولحقوا بالقاهرة فانهزم هزيمة قبيحة. فسرّ بذلك ضرغام، وأحضر قاضى القضاة وأمره بحمل ما فى مودع الحكم من مال الأيتام؛ فحملها إليه. وكان شاور لمّا انهزم سار إلى بركة الحبش وصار إلى الرّصد فملك ما هنالك، وأخذ مدينة مصر وأقام بها أيّاما، ولم يبق مع شاور وشيركوه من الأمراء الذين كانوا مع همام سوى شمس الخلافة محمّد وأولاد سيف الملك الجمل وابن ناصر الدّولة وأولاد حسن؛ فقيّد شيركوه ابن شمس الخلافة دون النّاس كلهم. وكره النّاس من ضرغام أخذه أموال الأيتام مع ما سبق منه من قتل الأمراء وغيرهم، وعلموا عجزه عن شاور. وكان شاور يركب كلّ يوم فى مصر ويؤمّن أهلها ويمنع الأتراك من التّعرّض إليهم، فمال النّاس إليه. وبلغهم عن ضرغام أنّه يتوعّدهم إذا ظفر بشاور أنّه يحرق مصر على أهلها من أجل أنّهم أمكنوا شاورا من دخول البلد وباعوا عليه وعلى من معه. فتحول شاور عن مصر ونزل اللّوق، وطارد خيل ضرغام وقد خلت المنصورة والهلاليّة وثبت أهل اليانسية فقاتل الناس قتالا خفيفا. وصار شاور وشيركوه إلى باب سعادة وباب القنطرة من أبواب القاهرة، وطرحوا النّار فى اللّؤلؤة وما حولها من الدّور. وكانت وقعة عظيمة بين الفريقين قتل فيها من العسكرين خلق كثير. فلمّا كان الليل اجتمع مقدّمو الرّيحانيّة وفد فنى منهم كثير، وأرسلوا إلى شاور يطلبون الأمان - وكان قبل ذلك يبعث إليهم ويستميلهم - فأمنهم. ولمّا رأى الخليفة العاضد انحلال أمر ضرغام بعث يأمر الرّماة بالكفّ عن الرّمى، فخرج الرّجال إلى شاور فى الصّباح، فسرّ بهم. وفترت همّة أهل القاهرة، وأعمل كلّ منهم الحيلة فى الخروج؛ وخرج ضرغام ومعه جماعة إلى خارج القاهرة، وجعلوا يتردّدون من باب إلى باب، وفيهم ابن ملهم وابن فرج الله وصارم بن أبى الخليل وجماعة مذكورون، فكانوا يطاردون من طاردهم. وأمر ضرغام بضرب البوقات والطّبل على الأسوار

стр. 959

ليجتمع النّاس؛ فلم يخرج إليه أحد وانفلّ النّاس عنه. فعاد إلى القاهرة وصار إلى باب الرّحبة من أبواب النّصر ولم يبق معه سوى خمسمائة فارس، فوقف وطلب الخليفة أن يشرف عليهم من الطّاق. فبلغ ذلك شاورا فسرّح فى الحال ابنه سليمان الطّارى إلى باب القنطرة ليملكه ويقف. فلمّا طال وقوف ضرغام نادى: أريد أمير المؤمنين يكلّمنى لأسأله عمّا أفعل. فلم يجبه أحد. فصاح: يا مولانا كلّمنى، يا مولانا أرنى وجهك الكريم يا مولانا بحرمة أجدادك على الله؛ وهو يبكى فلم يجبه أحد. وقويت الشمس فصار إلى الظّلّ حتى قرب الظّهر، فأمر بعض غلمانه أن يركض فى قصبة (١) القاهرة ويقول بصوت عال: ما كانت إلاّ مكيدة على الرّجال، قد قتل الترك أصحاب شاور الرّيحانيّة. فما هو إلاّ أن سمع الناس ذلك - وكانوا قد صاروا إلى بيوتهم - فأسرعوا إلى خيولهم وعادوا من كلّ جانب مثل السّيل، فرأوا ضرغاما على تلك الهيئة، والطّاق لم يفتح له والخليفة لم يكلّمه، فسقط فى أيديهم وقالوا ارجعوا فهى كناية والغلبة لشاور؛ ورجعوا من حيث أتوا. فوقف ضرغام إلى العصر ولم يبق معه غير ثلاثين فارسا، ووردت إليه رقعة فيها: خذ لنفسك وانج بها. فأيس من الظّفر. وبعث شاور إلى الخليفة العاضد يستأذنه فى الدّخول إلى القاهرة؛ فأذن له. فبعث شاور يأمر ابنه أن يدخل القاهرة، وهو عند القنطرة، فدخل وضربت أبواقه، وكانت من أبواق الترك التى لم تعهد بمصر، فما هو إلاّ أن علم به ضرغام، فمرّ على وجهه إلى باب زويلة، فتخطّف النّاس من معه، وعطعطوا عليه ولعنوه. فأدركه بعض الشّاميّين فى غلمان شاور وطعنه فأرداه، ونزل إليه واحتزّ رأسه بالقرب من مشهد السّيّدة نفيسة، وذلك قريبا من الجسر الأعظم، فى يوم الجمعة الثّامن والعشرين من جمادى الآخرة. وفرّ ملهم إلى مسجد تبر (٢)، فقتل هناك وترك مطروحا، وأتى برأسه إلى عند شاور. وقتل ناصر الدّين

стр. 960

أخو ضرغام عند بركة الفيل (١)؛ وقتل فارس المسلمين. وبقى جسد ضرغام ملقى يومين ثم حمل إلى القرافة فدفن بها. وكان من الاتفاق العجيب أنّ ابن شاور قتل فى يوم الجمعة حادى عشرى رمضان سنة ثمان وخمسين، فقتل ضرغام يوم الجمعة ثامن عشرى جمادى الآخرة سنة تسع (٢)؛ وقتل مع ابن شاور حسّان ابن عمّته فقتل مع ضرغام .. (٣) وكانت وزارة شاور الأولى تسعة أشهر ووزارة ضرغام بعده تسعة أشهر. وكان من أعيان الأمراء وأحلى الفرسان، يجيد اللعب بالكرة والرّمى بالسّهام، ويكتب كتابة ابن مقلة، وينظم الموشحات الجيّدة، كريما (٤) عاقلا، يحبّ العلماء والأدباء ويقرّبهم، إلاّ أنّه سريع الاستمالة يميل مع من يستميله ولا يكذب خبرا عن عدوّ بل يعاقب سريعا (٥).

стр. 961

ولمّا جئ برأسه إلى شاور رفعت على قناة وطيف بها؛ فقال الفقيه عمارة (١): أرى حنك الوزارة صار سيفا … يحد بحدّه صيد الرّقاب كأنّك رائد البلوى، وإلاّ … بشير بالمنيّة والمصاب فكان كما قال عمارة. وأقام شاور وشيركوه بعد قتل ضرغام فى مخيّمهما بناحية المقس يومى السبت والأحد. فلمّا كان يوم الاثنين طلع الوزارة فى ثالث شهر رجب، وخرج الكامل بن شاور من دار ملهم، أخى ضرغام، وكان معتقلا بها؛ وخرج معه القاضى الفاضل، وكان معه فى الاعتقال (٢)، وقد تأكّدت بينهما مودّة، فأدخله إلى أبيه ومدحه عنده وأثنى عليه، فسمّاه حينئذ بالقاضى الفاضل وكان قبل ذلك ينعت بالقاضى الأسعد. وفرح العاضد بدخول شاور. ولمّا خلع عليه سار من القصر إلى باب زويلة، وخرج منه إلى باب القنطرة فنزل بدار الوزارة (٣). وركب شيركوه إلى مصر ورآها، وقصد الفقهاء مثل الكيزانى (٤) وابن حطيه، واجتمع بالشيخ أبى عمرو بن مرزوق وأخبره

стр. 962

كما أخبر ابن نجا أنّه يملك الدّيار المصريّة ويزيل هذه الدّولة، لكنّه لا يملكها إلاّ بعد أن يرجع إلى الشّام ويأتيها ثانيا، ثم يرجع ويعود إليها ثالث مرّة وحينئذ يملكها. وسأله عن بيت المقدس فقال: لا يكون فتحه على يدك وإنّما يكون فتحه على يد بعض من فى خدمتك من أقاربك. وهكذا جرى؛ فإن شيركوه لم يملك مصر إلاّ فى مجيئه إلى القاهرة المرّة الثّالثة، ولم يفتح بيت المقدس إلاّ على يد صلاح الدّين يوسف بن أخى شيركوه. وفى رابع رجب قرئ سجلّ شاور بالوزارة (١). واستمرّ شيركوه فى مخيّمه ويخرج إليه فى كلّ يوم عشرون طبقا من سائر الأطعمة ومائتا قنطار خبزا ومائتا إردبّ شعيرا. وأعدّ له العاضد ملبوسا وسريرا مرصّعا بالجوهر له قيمة عظيمة كان الآمر قد عمله، وأمره بالدّخول ليخلع عليه، فامتنع. وأرسل إلى شاور يقول: «قد طال مقامنا فى الخيم وضجر العسكر من الحرّ والغبار»؛ ويستنجز منه ما وعد به السّلطان نور الدّين. فأرسل إليه ثلاثين ألف دينار وقال: ترحل الآن فى أمن الله وحفظه. فبعث يقول له: إنّ الملك العادل نور الدّين أوصانى عند انفصالى عنه «إذا ملك شاور تكون مقيما عنده، ويكون لك ثلث مغلّ البلاد، والثّلث الآخر لشاور والعسكر، والثلث الثالث

стр. 963

لصاحب القصر يصرفه فى مصالحه». فأنكر شاور ذلك وقال: إنما طلبت نجدة وإذا انقضى شغلى عادوا؛ وقد سيّرت إليكم نفقة فخذوها وانصرفوا وأنا أرضى نور الدّين. فقال شيركوه: لا يمكننى مخالفة نور الدّين ولا أنصرف إلاّ بإمضاء أمره. فأخذ شاور عند ذلك يستعدّ لمحاربة شيركوه، واستعدّ أيضا شيركوه، وبعث بابن أخيه صلاح الدّين بطائفة من الجيش يجمع الغلال والأتبان وغير ذلك ببلبيس. فغلق شاور أبواب القاهرة، وتغلّب صلاح الدين على الحوف (١)، وبثّ خيله، وحاز الأموال والغلال. وتقدّم إلى جزيرة قويسنا (٢)، فخرج ثلاثة من الأستاذين بأمر الخليفة إلى استنفار النّاس من الصّعيد؛ وثار ابن شاس، والى جزيرة قويسنا، على الترك وقاتلهم حتّى هزمهم وغرق منهم جماعة. فعاد صلاح الدّين إلى عمّه شيركوه، فتجهّز ونزل بحرىّ التّاج. وأخرج شاور خيمه وضربها فى أرض الطّبالة (٣). فلمّا كان يوم الأربعاء الثالث والعشرون من شعبان التقى شاور وشيركوه فى كوم الرّيش (٤)، فانكسر شاور إلى باب القنطرة ونهبت خيمه، وأسر أخوه صبح وجوهر المأمونى؛ ودخل القاهرة فرمى بحجر من باب القنطرة

стр. 964

فدخل الكافورى (١) مغشيّا عليه. وفى ذلك اليوم أحرق صفّ الخليج، وكاد شيركوه أن يدخل القاهرة؛ وبقى الحصار إلى يوم الخميس تاسع رمضان. وورد الخبر إلى شاور بأن الفرنج قاربوا مدينة بلبيس يوم السّبت حادى عشر رمضان فأقام عليها وشيركوه بها. ولمّا كان فى خامس عشر ذى الحجّة تقرّر الحال مع شيركوه على أن يدفع إليه شاور خمسين ألف دينار ورهائن على صبح، أخى شاور، وعاد إلى دمشق. ورجع الفرنج. وقدم شاور إلى القاهرة فى سادس عشر ذى الحجّة. فكان مقامه على بلبيس نيّفا وتسعين يوما (٢). وأخرج شاور العساكر والحشود ممّا يلى البستان الكبير خارج باب الفتوح، وزحف شاور، فخرج إليه شيركوه وحاربه، فخرج أكثر عسكر شاور وغورت أعينهم، ووقعت نشّابة فى عين الطّارى، ابن شاور، اليمنى، فبقى معه النّصل مدّة إلى أن قلعت وخرج منها بكلفة. فانهزم شاور ودخل القاهرة وأغلق أبوابها، وحاصره شيركوه طول النّهار.

стр. 965

فلمّا كان الليل أحرق من باب سعادة إلى ناحية اللّؤلؤة (١)، كما فعل أوّلا، واشتدّ الأمر، وصار كلّ من يخرج من عسكر مصر يقتل. فركب شاور وخرج ثمّ عاد وقد ازدحم النّاس على السّور لتنظر إلى الحرب، فسقطت شرفة من شرفات السّور على ابن شاور وغشى عليه، ودخلوا به إلى الكافورىّ وقد أيس منه؛ فجاء رئيس الأطباء وعصر فى أذنه حصرما فأفاق. وأتاه الشّراب من عند الخليفة فشربه وركب إلى داره وقد ورم وجهه. واشتدّ قتال شيركوه على باب القنطرة وأحرق وجه الخليج جميعه، واحترقت الدّور التى بجانبه من حارة زويلة. وانضمّ إليه بنو كنانة وكثير من عسكر المصريّين. وبعث طائفة إلى حارة الريحانيّة وفتحوا ثغرة، فكان هناك قتال شديد. فجلس العاضد على باب الذهب وأمر بالخروج، فتسارع الصّبيان وغيرهم إلى الثّغرة وقاتلوا الترك والكنانيّة حتى أوصلوهم إلى منازلهم، وسدّوا الثّغرة. وكان ضرغام عند قدوم شاور وشيركوه أرسل إلى الفرنج يستنجد بهم ويعدهم بزيادة القطيعة الّتى لهم، فامتنع ملكهم (٢) وقال لا يأتى إلاّ بأمر الخليفة وأمّا من الوزراء فلا يقبل فلمّا تحقّق شاور أنّه لا قبل له بشيركوه كتب إلى مرى ملك الفرنج بالسّاحل يستنجده ويخوّفه من تمكّن عسكر نور الدّين من مصر، ويقول له متى استقرّوا فى البلاد قلعوك كما يريدون أن يفعلوا؛ وضمن له مالا وعلفا، ويقال إنه جعل له عن كلّ مرحلة يسيرها ألف دينار؛ وسيّر إليه بذلك مع ظهير الدّين بدران. فسرّ الفرنج بذلك وطمعوا فى ملك مصر (٣).

стр. 966

وخرج مرى من عسقلان بجموعه فقبض عن مسيره سبعة وعشرين ألف دينار. فلمّا بلغ ذلك شيركوه ارتحل عن القاهرة إلى بلبيس وبها ما أعدّ له ابن أخيه من الغلال وغيرها، وانضمّ معه الكنانيّة، فخرج شاور فى عسكر مصر، فاجتمع بالفرنج وخيّم على بلبيس وأحاط بها، فكانوا يغادون القتال ويراوحونه ثلاثة أشهر. وانقطعت الأخبار عن نور الدّين، وبلغه سير الفرنج إلى مصر. وسار ملك القدس بجمع كثير ممن وصل لزيارة القدس مستعينا بهم. فبينا الفرنج فى محاصرة شيركوه إذ ورد عليهم أخذ نور الدّين لحارم (١) ومسيره إلى بانياس (٢)، فسقط فى أيديهم وعوّلوا على الرّجوع إلى بلادهم. فراسلوا شيركوه فى طلب الصّلح وعوده إلى الشّام وتسليم ما بيده إلى المصريّين. فأجاب إلى ذلك. وندب شاور الأمير شمس الخلافة محمّد ابن مختار إلى شيركوه، فقرر معه الصّلح على ثلاثين ألفا أخرى فحملها إليه. وكانت الأقوات قد قلّت عنده، وقتل من أصحابه جماعة. وأبطأت نجدة نور الدّين فلم يأته منه أحد. وخرج من بلبيس أوّل ذى الحجة (٣).

стр. 967

وممّن قتل معه من أصحابه على بلبيس سيف الدين محمد بن برجوان، صاحب صرخد، بسهم أصابه، فأنشد وهو يجود بنفسه: يا مصر، ما كنت فى بالى ولا خلدى … ولا خطرت بأوهامى وأفكارى لكن إذا قالت الأقدار كان لها … قوى تؤلف بين الماء والنّار وقتل من الكنانيّة عالم عظيم. وحصل للفرنج من شاور أموال جمّة، فإنّه كان يعطيهم عن كلّ يوم ألف دينار. وأقام شيركوه بظاهر بلبيس ثلاثة أيام وسار إلى دمشق، فدخلها يوم الأربعاء ثالث عشرى ذى الحجّة (١). فيها عزل شاور أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمّد بن أبى كامل، المعروف بالقاضى المفضّل ضياء الدّين بن كامل الصّورى، عن قضاء القضاة، وولّى مكانه القاضى الأعز أبا محمّد الحسن بن علىّ بن سلامة، المعروف بالعوريس (٢).

стр. 968

سنة ستين وخمسمائة (١): فيها ركب البرنس أرناط (٢)، صاحب الكرك والشّوبك، البحر إلى عسقلان وخرج منها إلى الكرك، وجمع عسكره وأقام ينتظر شيركوه؛ فعلم بذلك شيركوه، فمرّ من خلف الموضع الّذى فيه أرناط، فلم يعلم به ونجا وأمن منه. ووصل إلى دمشق فضعّف أمر عسكر مصر عند نور الدّين وهوّن عليه أمرهم، وحرّضه على قصدهم، وأكثر من التحدث فى أمر مصر. وفيها عاد شاور إلى القاهرة؛ وخرج يحيى بن الخيّاط على شاور وحشد ونزل الجيزة يوم الأربعاء بعد أن حاصر الكامل بن شاور فى طنبدى (٣)، ورحل عن الجيزة، فكسروا يوم السبت سابع عشر صفر. وقبض شاور على (٤) ابن فحل (٤) ابن أبى كامل وقتلا ليلة الاثنين تاسع عشره. وتتبّع من كان يكاتب شيركوه أو يوادّه؛ وتشدّد فى طلب أصحاب ضرغام. وكان قد استفسد جماعة من أصحاب شيركوه، منهم خشترين الكردى فأقطعه شطّنوف (٥).

стр. 969

وفيها فرّ الشريف (١) المحنّك من شاور ولحق بنور الدّين. وذلك أنّه كان بعثه ضرغام إلى نور الدّين فى صرف رأيه عن نجدة شاور فوجد نور الدّين مائلا معه لأمور، منها: أنّه تقرب إليه بذمّ مذهب الفاطميّين، ووعده ملك مصر، وعرض له الأموال الكثيرة؛ فبالغ الشريف فى الحطّ على شاور مع نور الدّين، فأنفذه إليه. فلمّا اجتمعا عتبه شاور على ما كان منه، وقال له: أنت تعلم أيّها الشّريف أن سبب قيامى على آل رزّيك إنّما كان لأجل ضرغام وإخوته من الأمراء واتّبعت غرضهم فيما نقموه على ابن الصّالح؛ ولمّا حصلت بالقاهرة رفعت من أقدارهم وزدت فى أرزاقهم، وبلّغتهم أمانيهم، فلم يكن لهم إلاّ إزالتى ثم قتلهم أولادى ونهب أموالى وتشتّت جماعتى، وما زال السّيف فى خاصّتى وغلمانى؛ فهل تعلم لى دينا إليهم؟ فقال له الشريف: أنت تعلم أيّها الأمير أن ابنك طيّا كان قد تعدّى طوره وتجاوز حدّه حتى تعاظم عليك ونفذ أمره دون أمرك؛ وأنّه بعد قتل رزيك بن الصالح أطلق لسانه فى الأمراء ومدّ يده إلى أموالهم ونسائهم، وبهتهم فى المجالس، وصاح عليهم فى المواكب حتى حقدوا عليه، وشكوه إليك فلم تشكهم؛ وعامل أصحابك وغلمانك النّاس بكلّ قبيح فمالت عنك قلوب الخاصّة والعامّة. فسكت عنه، وما زال فى نفسه منه حتى تمكّن من البلاد فأخذ يتطلّبه، ففرّ منه (٢).

стр. 970

سنة احدى وستين وخمسمائة (١): فى أول المحرّم مات الأمير هوشات. وفى ثالثه مات القاضى الجليس عبد العزيز ابن الحباب (٢).

стр. 971

سنة اثنتين وستين وخمسمائة (١): فيها جهّز الملك العادل نور الدّين الأمير أسد الدّين شيركوه من دمشق لقصد ديار مصر فى جيش قوىّ، ومعه جماعة من الأمراء، وكان كارها لمسير شيركوه لكثرة ما رأى من حرصه على السّفر (٢). فرحل يوم الجمعة العشرين من شهر ربيع الأول، وشيّعه السلطان إلى أطراف البلاد خوفا من مضرّة الفرنج، فسار على ميمنة بلاد الفرنج. وبعث مرى ملك الفرنج إلى شاور يخبره بمسير شيركوه بالعسكر إلى مصر، فأجابه يلتمس منه نجدته، وأنّ المقرر من المال يحمل إليه على ما كان يحمل فى السّنة الماضية. فسار مرى بعساكره، وقد طمع فى البلاد، على السّاحل حتى نزل بلبيس، فخرج إليه شاور، وأقاموا فى انتظار شيركوه. فبلغه ذلك، فنكب عن الطّريق وهبط فى يوم السبت خامس ربيع الآخر من وادى الغزلان (٣) إلى أسكر (٤)، وخرج إلى إطفيح قبلىّ مصر فشنّ الغارة هناك. واتّصل الخبر بشاور، فرحل هو والفرنج يريدونه. ونزل شاور والفرنج بركة الحبش

стр. 972

فى يوم الأحد سادس جمادى الآخرة، وتوجّه فى يوم الثلاثاء منه إلى دير الجميزة (١)، فاندفع سائرا فى بلاد الصّعيد حتى بلغ شرونة (٢)، وعدّى منها إلى البرّ الغربى. وأدرك شاور ساقته فأوقع بهم، وعدّى بعساكره وجموع الفرنج. ونزل شيركوه بالجيزة فى يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة تجاه مدينة مصر وأقام بها بضعا وخمسين يوما. وبعث الشريف أبا عبد الله الملقّب بالرّضىّ، ابن الشريف المحنّك إلى الطّلحيّين والقرشيّين يستفزّهم ويدعوهم إليه، وكان قد بلغه أن شاورا أساء إليهم، فأتوه مسرعين. وبعث إلى شاور بأنى أحلف لك أنّى لا أقيم ببلاد مصر ولا يؤذيك أحد من أصحابى، وأكون أنا وأنت على الفرنج وننتهز فيهم فرصة قد أمكنت وما أظنّ أن يتّفق للإسلام مثلها كثيرا. فأبى شاور من قبول ذلك. والتجأ شيركوه إلى دلجة (٣)، ونزل شاور فى اللّوق والمقس ظاهر القاهرة، وأنشأ الجسر بين الجيزة والجزيرة، وشحن المراكب والرّجال لتسير من خلف عسكر شيركوه. وكتب شيركوه إلى الإسكندرية يستنجد بها على الفرنج وشاور، فقاموا معه وأمّروا عليهم رجلا يعرف بنجم الدّين بن مصال، من ولد الوزير؛ فكتبوا إليه أنهم يمدّونه بالسّلاح والحديد، وجهّزوا إليه خزانة من السّلاح مع ابن أخت الفقيه ابن عوف. فأتاه الخبر بقرب شاور فلم يثبت، وترك خيامه وأثقاله، وسار سيرا حثيثا ونزل قدر ما أطعم دوابّه، ورحل من اللّيل فسار غير بعيد، ثم نادى فى عسكره بالرّجوع، فعاد إلى دلجة. وسار شاور والفرنج فى طلب شيركوه، فنزلوا الأشمونين وتبعوا شيركوه، فأمر شيركوه أصحابه بالتّعبئة. فما طلع ضوء الصّباح حتى أشرفت عساكر شاور وجموع الفرنج فى عدد كبير، فقدّم شاور طائفة فحملت على أصحاب شيركوه، وانهزم منها عز الدّين

стр. 973

الجاولى من أصحابه فلم ينزل إلاّ بالإسكندرية، وتفرّق منهم عدد؛ فولّى شيركوه وقد قتل من أصحابه جماعة وقتل من أهل الإسكندرية كثير. وكان سبب الخلل فى عسكر شيركوه أنه فرّق أصحابه فرقتين، فرقة معه وفرقة مع ابن أخيه صلاح الدّين يوسف. ثم إنهم تجمّعوا وقت الظّهر ووطّنوا أنفسهم على الموت، وحملوا على شاور ومن معه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأبلى يومئذ صلاح الدّين يوسف بلاء حسنا وحمل حملات فرّق بها الجموع وبدّد شملها. وحمل شاور على عسكر شيركوه فكسر القلب، فتلا حقت الميمنة بمن كان فى القلب؛ واستمرّ القتال حتّى حال بين الفريقين اللّيل، فانهزم كثير من الفرنج وقتل منهم كثير، وكاد ملكهم أن يؤخذ، ووقع فى قبضة شيركوه وأصحابه نحو السّبعين أسيرا (١). وبات الفريقان وقد تبيّن الوهن فى الفرنج، فسار شاور بمن معه إلى منية بنى خصيب. وكانت هذه الواقعة فى موضع يعرف بالبابين (٢)، بالقرب من الأشمونين، فى يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة. ثم إنّ شيركوه سار بأصحابه على طريق الفيّوم إلى الإسكندرية وانتهب البحيرة، وأخذ عسكره غلالها ومواشيها؛ فخدمه ابن الزّبير، متولّى ديوان الإسكندرية، وحمل إليه الأموال وقوّاه بالسّلاح؛ وأقام متخوّفا من مسير شاور إليه، فترك بالإسكندريّة صلاح الدّين يوسف وخرج إلى الصّعيد وجبى أموال البلاد. فخرج شاور ونزل على الإسكندرية وحاصرها أشدّ حصار مدة ثلاثة أشهر، ومنع عنها الميرة، فقلّت بها الأقوات. هذا وشيركوه فى جباية أموال الصّعيد وأخذ غلاله.

стр. 974

ودخل عليه شهر رمضان، فلمّا أتمّه وأهلّ شوّال بلغه ما نزل بالإسكندرية وأهلها من البلاء وقلّة الأقوات، وأنها قد قاربت أن تؤخذ، فسار من قوص ونزل على مصر يوم الخميس ثامن شوّال. فبلغ شاور أن شيركوه حاصر مصر، فرحل من الإسكندرية، وأرسل شيركوه إلى صلاح الدّين يأمره بتقرير الصّلح؛ ورحل عن مصر إلى الشام (١). فبعث إلى ملك الفرنج يلتمس منه ذلك، فأجابه إليه، وقرّر مع شاور أنّه يحمل إلى شيركوه جميع ما غرم فى هذه السّفرة، ويعطى الفرنج ثلاثين ألف دينار، ويعود كل منهم إلى بلاده. ووقع الحلف بالأيمان المؤكّدة على ذلك. فلمّا تقرّر الصّلح أرسل صلاح الدّين إلى ملك الفرنج يقول إنّ لى أصحابا منهم القوىّ ومنهم الضّعيف، فأمّا القوىّ فإنّه يتبعنا فى البرّ، وأمّا الضّعيف فإنّه يسير فى البحر فنريد لهم مراكب. فأنفذ إليه عدّة مراكب خرج فيها أصحابه. وخرج صلاح الدّين من الإسكندريّة واجتمع بعمّه أسد الدّين شيركوه. ودخل شاور البلد، وجاءه مشايخ البلد للسّلام عليه، ومرى ملك الفرنج جالس معه، فلم ينظر شاور إلى الجماعة ولا أكرمهم، ولا أذن لهم فى الجلوس، لأنّهم كانوا قاتلوه قتالا شديدا، فنقم عليهم ذلك. فقال له مرى: أكرم قسسك. فأذن لهم فى الجلوس وعاتبهم على ما فعلوا من القتال وإظهار المخالفة. فسكتوا. وكان فيهم الفقيه شمس الإسلام أبو القاسم مخلوف بن على

стр. 975

المالكى، المعروف بابن جاره، شيخ الصّاحب صفىّ الدّين عبد الله بن علىّ بن شكر (١)، فقال له: نحن نقاتل كلّ من جاء تحت الصّليب كائنا من كان. فقال له مرى: وحقّ دينى لقد صدقك هذا الشّيخ. فسكت شاور وأكرمهم بعد ذلك اليوم. وفرّ نجم الدّين بن مصال والى الثغر إلى الشّام، وقبض شاور على الأشرف بن الحباب قاضى الثّغر وعاقبه، وأخذ منه مالا جزيلا؛ ولم يقنع بالرّشيد ابن الزّين النّاظر فولّى القاضى الأشرف أبا القاسم عبد الرّحمن بن منصور بن نجا النّظر عوضه؛ فبعث شاور وقبض على جميع من كان مع صلاح الدّين من أهل مصر، وعلى ابن مصال. فشقّ ذلك على صلاح الدّين، واجتمع بملك الفرنج فى ذلك، فأرسل إلى شاور وما زال به حتى أفرج عنهم. فخافوا من شاور وعزموا على الرّحيل إلى الشّام، فخرج إليهم شاور بنفسه وجمع وجوههم وطمأنهم، وحلف لهم أنّه يضاعف لهم الإحسان ولا يتعرّض لهم بسوء. فمنهم من اطمأن وأقام، ومنهم من رحل إلى الشام. ووصل الّذين ساروا من ضعاف أصحاب صلاح الدّين فى المراكب إلى عكّا، وأحاط بهم الفرنج واعتقلوهم بمعصرة القصب حتى (عاد) ملك الفرنج فأطلقهم. وتسلّم شاور الإسكندرية فى نصف شوّال. وسار شيركوه ومن معه وقد استمال شاور منهم جماعة ومعه مرى ملك الفرنج حتّى نزل الجيزة وعدّى إلى القاهرة من المقس. فأقام مرى أيّاما ورحل عائدا إلى بلاده، فخرج شاور يودّعه إلى بلبيس وعاد إلى القاهرة أوّل ذى القعدة، فخرج إليه العاضد يتلقّاه إلى الطّابية، وخلع عليه.

стр. 976

واستقرّ الأمر بينه وبين الفرنج أن يكون لهم بالقاهرة شحنة (١)؛ وأن تكون أسوارها (٢) بيد فرسانهم ليمتنع نور الدّين من إرسال عسكر إليها؛ وأن يكون لهم من دخل ديار مصر فى كلّ سنة مائة ألف دينار. قرّر لهم شاور ذلك من غير علم العاضد ولا مشاورته، فإنه كان ممنوعا من التصرّف وشاور يستبدّ بأمور الدّولة. فرحل الفرنج إلى بلادهم وتركوا بالقاهرة عدّة من مشاهير فرسانهم، ورتّبوا بها ابن بارزانى واليا. ووصل شيركوه إلى دمشق فى ثامن عشر ذى القعدة وفى نفسه من مصر ما لا ينفصل، لأنّه خبر متحصّلها، وعرف بلادها واستخفّ بأهلها. واستقرّ شحنة الفرنج أوّلا بالقاهرة فى الموضع المعروف اليوم بقصر بيسرى من الخرنشف (٣). وبعث الكامل شجاع بن شاور إلى نور الدّين مع بعض الأمراء ينهى محبّته وولاءه، ويسأل الدّخول فى طاعته، وضمن له عن نفسه أنّه يفعل هذا ويجمع الكلمة على طاعته، وبذل له ما لا يحمله إليه كلّ سنة، فأجابه، وحمل إلى نور الدين مالا جزيلا. وأخذ شاور بعد عوده من الإسكندرية فى الإكثار من سفك الدّماء بغير حقّ، فكان يأمر بضرب الرّقاب بين يديه فى قاعة البستان من دار الوزارة ثمّ تسحب القتلى إلى خارج الدّار (٤). واشتدّ ظلم إخوته وأولاده وغلمانه ومن يلوذ به، وكثر تضرّر النّاس بهم. فكان

стр. 977

من تأمّل أحوال الوزراء فإنّه يجد الصّالح بن رزّيك ربّى رجال الدّولة، وجاء الضّرغام فأفناهم، ثم جاء شاور فأتلف أموال مصر وأطمع الغزّ فى البلاد وجرّأ الفرنج عليها حتى كان ما كان مما يأتى ذكره إن شاء الله (١). وفيها أحضر القاضى رشيد الدّين أبو الحسين أحمد بن القاضى رشيد الدّين أبى الحسن على بن إبراهيم بن محمّد بن الحسين بن الزّبير الأسوانى (٢)، وقد فرّ إلى قريب برقة، فدخل على حالة سيّئة، فأمر به شاور فضربت عنقه، وصلب عند مسجد الزينى على الخليج، بالقرب من قبو الكرمانى، فى يوم الأربعاء العشرين من ذى القعدة.

стр. 978

سنة ثلاث وستين وخمسمائة (١): فيها بعث شاور إلى نور الدين رسالة مع شهاب الدين محمود، خال (٢) صلاح الدين يوسف، تتضمّن أنّه يحمل إليه مالا فى كلّ سنة من مصر مصانعة ليصرف عنه أسد الدّين شيركوه. فأجاب نور الدّين إلى ذلك، وأعطى شيركوه مدينة حمص وأعمالها زيادة على ما كان بيده، وذلك فى شعبان، وأمره بترك ذكر مصر. فأرسل شاور إليه كتابا يشكر صنيعه. وفيها قتل شاور القاضى الرّشيد أبا الحسين أحمد بن علىّ بن إبراهيم بن محمّد بن الحسين بن الزبير الغسّانى الأسوانى (٣)، صاحب كتاب الجنان ورياض الأذهان؛ وكان من أهل العلم والأدب؛ وله رسالة أودعها من كلّ علم مشكلة ومن كلّ فنّ أفضله. وسار إلى اليمن رسولا - وكان أسود - فى أيام الحافظ، وتلقب بعلم المهتدين؛ فقال فيه شاعر من أهل اليمن من قصيدة بعث بها إلى الحافظ: بعثت لنا (٤) علم المهتدين … ولكنّه علم أسود وولى نظر الإسكندريّة. فقتله شاور فى المحرّم، بسبب أنه داخل شيركوه وصلاح الدين وخدمهما، بعد أن عذّبه عذابا شديدا، ثم ضرب عنقه.

стр. 979

فيها خرج يحيى بن الخيّاط يريد الوزارة (١)، فبعث إليه شاور عسكرا هزموه حتّى لحق بالفرنج. وفيها ولى خطابة الجامع العتيق بمصر نتاج الشّرف حسن بن أبى الفتوح ناصر ابن إسماعيل الحسنى بعد موت أبيه يوم عيد الفطر.

стр. 980

سنة أربع وستين وخمسمائة (١): فيها تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا فيها حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم وقد تيقّنوا أنّه لا حامى للبلاد، وتبيّن لهم ضعف الدّولة وانكشفت لهم عورات النّاس. فجمع مرى جموعه واستشارهم فى قصد ديار مصر، فقوّوا عزمه على المسير إليها فأجمع (أمره) على الرّحيل واستدعى وزيره وأمره بإقطاع بلاد مصر لأصحابه، ففرّق قراها عليهم بعد ما كتب جميع قراها وارتفاع كل ناحية؛ واستنجد عسكرا قوّى به جنده. فورد الخبر إلى شاور بمسير الفرنج إلى مصر فى نصف المحرّم، فبعث إلى ملك الفرنج الأمير ظهير الدّين بدران وقيس بن طىّ بن شاور. وكان نور الدّين بحلب (٢)، فأسرع مرى إلى المجئ إلى مصر ظنّا أنّ نور الدّين بعيد منه وعساكره متفرقة عنه. فبلغ ذلك نور الدّين، فأخذ فى جمع عساكره (٣).

стр. 981

ووصل مرى إلى الدّاروم (١). فبلغ شاورا فارتاع وبعث أميرا يعرف ببدران لكشف الخبر، فلمّا اجتمع بمرى خدعه ووعده بعدّة من قرى مصر، نحو الثلاث عشرة قرية، وأمره أن يخبر شاور أنّهم إنّما قصدوا البلد لخدمة. فلمّا عاد إلى شاور جهّز إلى مرى شمس الخلافة محمّد بن مختار، فعند ما دخل عليه قال له: مرحبا بشمس الخلافة. فقال: فمرحبا بالملك الغدّار، وإلا ما أقدمك إلينا؟ قال: اتّصل بنا أنّ الفقيه عيسى (٢) وصل إليكم ليزوّج أختا للكامل بن شاور بصلاح الدّين يوسف ويتزوّج الكامل بأخت صلاح الدّين، فحسبنا أنّ هذا عمل علينا. فقال ما لهذا صحّة، ولو فعل لما كان ناقضا للهدنة. فقال: الصّحيح أنّ قوما من وراء البحر انتهوا إلينا وغلبوا على رأينا وخرجوا طامعين فى بلادكم، فخفنا من ذلك، فخرجت لتوسّط الأمر بينهم وبينكم. فقال له: فكم تريد أن يكون مبلغ القطيعة التى نقوم بها؟ قال: ألفى ألف دينار. فقال: حتى أعود إلى شاور بهذا الخبر وأرجع إليكم بالجواب، فلا تبرحوا من مكانكم. فقال مرى: بل ننزل على بلبيس حتّى تعود. وكان قد كتب إلى شاور: إنّي قد قصدت الخدمة على ما قرّرته لى من العطاء فى كلّ عام، فكتب إليه شاور: إنّ الذى قرّرته إنما جعلته لك متى احتجت إلى نجدتك أو إذا قدم علىّ عدوّ، فأما مع خلوّ بالى من الأعداء فلا حاجة لى إليك ولا لك عندى مقرّر. فأجابه: لا بدّ من حضورى وأخذى المقرّر. فعلم شاور أنّه قد غدر وخان الأيمان، ونقض العهود، وطمع فى البلاد. فجمع الأجناد وحشد العساكر إلى القاهرة؛ وسيّر إلى بلبيس حفنة من العسكر، ونقل إليها ما تحتاج إليه من الأقوات والغلاّت. فنزل مرى على بلبيس أوّل يوم من صفر، وكتب عدّة من أعيان المصريّين كتبا إلى مرى يعدونه المساعدة، لكراهتهم فى شاور، منهم علم الملك ابن النّحّاس، ويحيى

стр. 982

ابن الخيّاط، وابن قرجلة، وجماعة؛ فقوى الفرنج. وعند ما قدم مرى إلى بلبيس أرسل إلى طىّ بن شاور، وكان ببلبيس، أين ينزل؟ فقال لرسوله: قل له ينزل على أسنّة الرّماح. فغضب من هذا وجعله سببا لنقض ما قرّره مع شمس الخلافة، وحاصر البلد حتى افتتحها قهرا بالسيف يوم الثلاثاء ثانى صفر، وأخذ الطّارى والناصر، ابنى شاور أسيرين، وقتل جميع من كان فيها وأسرهم وسباهم، ونهب سائر ما تحتوى عليه؛ وأسر المعظم سليمان بن شاور وقيس بن طىّ بن شاور. وأرسل إلى شاور يقول له: إنّ ابنك قال أيحسب مرى أنّ بلبيس جبنة يأكلها! نعم بلبيس جبنة والقاهرة زبدة (١). فصعد شاور إلى العاضد وسأله مكاتبة نور الدّين وطلب معونته فإنّ الفرنج قد ملكوا بلبيس والمسلمون يضعفون عن وقفهم، وأنه متى حصل التّقاعد أخذت مصر وأسر الفرنج من فيها من المسلمين؛ ويحثّه على إرسال من يتدارك هذا الأمر (٢). فكتب العاضد إلى نور الدّين برأى شمس الخلافة، فإنّه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له: عندى أمر لا يمكننى أن أفضى به إليك إلاّ بعد أن تحلف لى أنّك لا تطلع أباك عليه. فلمّا حلف له قال: إنّ أباك قد وطّن نفسه على المصابرة، وآخر أمره يسلّم البلد إلى الفرنج ولا يكاتب نور الدّين؛ وهذا عين الفساد؛ فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب إلى نور الدّين فليس لهذا الأمر غيره. فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد وكتبا الكتاب وأرسلاه إلى نور الدّين. فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ذلك؛ فقال أعرف أنّه لا يوافقنى عليه لكراهته فى الغزّ وأنا أعلم من أىّ باب أدخل عليه.

стр. 983

وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائى الغزّ من المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين. فقال للرّسول: قل لمولانا عنّى أنت مغرور بالغزّ والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر لا كانت عاقبته وخيمة إلاّ عليك. فلمّا بلغه ذلك قال: رضيت أن تكون إسلاميّة وأكون فداء المسلمين. فوافت كتب العاضد وكتب جماعة من الأعيان إلى نور الدين بحلب، فانزعج لذلك وجمع الأمراء للمشورة فأشاروا بإرسال أسد الدّين شيركوه. وكان بحمص وقد وصلت إليه الكتب من مصر باستدعائه لإنجازهم وإنقاذهم مما نزل بهم، فخرج منها يريد السّلطان بحلب، وخرج رسول السّلطان من حلب بطلبه، فتلاقيا بباب مدينة حلب، وعادا. فلمّا رآه السّلطان عجب من سرعة مجيئه، فأعلمه بموافاة الكتب إليه تستدعيه إلى مصر؛ فسرّ بذلك وتفاءل به، وأعطاه مائتى ألف دينار وثيابا وسلاحا ودوابّ، وحكّمه فى العسكر فاختار ألفى فارس وجمع فسار فى ستّة آلاف فارس. وخرج معه نور الدّين إلى دمشق، فوصل إليها فى سلخ صفر، وجهّز أسد الدين وأعطى نور الدّين كلّ فارس ممّن معه عشرين دينارا مصريّة (١) غير محسوبة عليه من جامكيّته (٢) وأضاف إليه جماعة من الأمراء، منهم عز الدّين جرديك، وغرس الدين قلج، وشرف الدّين بزغش، وعين الدولة الياروقى، وقطب الدّين ينال المنبجى، وصلاح الدّين يوسف بن أيّوب. وكان صلاح الدّين كارها مسيره إلى مصر كأنّما يساق

стр. 984

إلى الموت فأخرجه نور الدّين كرها ليحقّ قول الله سبحانه إذ يقول: «وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» (١). فإنّ نور الدّين أحبّ مسير صلاح الدّين إلى مصر فكان مسيره إليها لخروج الملك عن أولاده، وكره صلاح الدّين مسيره إلى مصر فكان فى مسيره إليها تملّكه إيّاها وغيرها من الأقاليم (٢). وسار شيركوه من دمشق فى ثانى عشر ربيع الأوّل وتقدّم الفقيه عيسى الهكارى إلى العاضد سرّا وخفية من شاور ليحلّفه على أشياء. وأمّا مرى فإنّه كثرت أمراء الفرنج عنده لقصد سبى بلبيس، فغزاها برجاله، وأمر بإخراج الأسرى من أهل بلبيس إلى ظاهر البلد؛ وركب وقد اعتقل رمحه (٣) وحمل على الأسرى حتى فرقهم فرقتين، فجعل لنفسه الفرقة التى وقعت عن يمينه، وأنعم بالفرقة اليسرى على أهل عسكره؛ وقال لمن صار إليه من الأسرى: قد أطلقتكم شكرا لله على ما أولانى من فتح مصر فإنى ملكتها بلا شكّ وما زال واقفا حتى عدّى أكثرهم النيل إلى جهة منية حمل (٤)، وأخذ عسكره أسراهم فاقتسموهم، فبقوا فى أيدى الفرنج بعد ذلك نحو الأربعين سنة وهلك كثير منهم هنالك، وأفلت بعضهم. وكان شمس الخلافة قد صار إلى مرى قبل أخذه مدينة بلبيس بإجابته إلى القطيعة التى طلبها، فعاقه عنده حتى أخذ بلبيس، كما تقدّم ذكره ثم أذن له فى الانصراف إلى القاهرة، واعتذر بأنّه بلغه عن (قيس) (٥) بن طىّ أشياء أمضّته حتى فعل ما فعل،

стр. 985

وأنّه باق على ما تقرّر معه بقاء شمس الخلافة. وأشار على شاور بالاحتراز وقال إنّ الرّجل مخاتل. وأنفذت الكتب إلى نور الدّين. وكان شاور قد شرع فى بناء سور على مدينة مصر واستعمل فيه النّاس فلم يبق أحد من المصريّين إلاّ وعمل فيه؛ وحفر من ورائه خندقا، فلم يكمل من ناحية النّيل. وعمل فى السور ثمانية أبواب أحدها بدار النّحاس على ساحل البحر، هدم فى سنة (١) وخمسين وستمائة وآخر بجانب كوم البوّاصين، وثالث على سكّة سوق وردان سقط سنة إحدى وستّين وستمائة، وباب فى طريق زين العابدين، وباب عرف بباب الصّفاء، وباب بحرى مصلّى الأموات سقط قبيل سنة خمسين وستمائة، وباب عند أقمنة الجير مما يلى درب السريّة، وباب لقنطرة بنى وائل وتحته قنطرة بنى وائل التى تصبّ فى بركة الشّعيبيّة (٢)، التى كانت قديما بستان الأمير تميم بن المعزّ، وكان الماء يدخل إليها من خليج مصر. وسار مرى بعقيب مسير شمس الخلافة عنه يريد منازلة القاهرة بعد ما أقام ببلبيس خمسة أيام، فداخل النّاس منه رعب شديد وخوف عظيم، فاجتمعوا بالقاهرة ووطّنوا أنفسهم على الموت. وكان هذا من لطف الله فإنه لو قدّر أن الفرنج أحسنوا السّيرة فى أهل بلبيس لكان النّاس لا يدافعونهم عن القاهرة البتّة لما فى قلوبهم من كراهة شاور. فما هو إلاّ (أن) قصد مرى القاهرة وإذا بشاور قد قام فى حريق مصر، وأمر شاور النّاس بالانتقال منها إلى القاهرة، وحثّهم على الخروج منها. فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم وأولادهم وحرمهم؛ وقد ماج الناس واضطربوا اضطرابا عظيما.
следующие страницы →