← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ووصل مرى إلى الدّاروم (١). فبلغ شاورا فارتاع وبعث أميرا يعرف ببدران لكشف الخبر، فلمّا اجتمع بمرى خدعه ووعده بعدّة من قرى مصر، نحو الثلاث عشرة قرية، وأمره أن يخبر شاور أنّهم إنّما قصدوا البلد لخدمة. فلمّا عاد إلى شاور جهّز إلى مرى شمس الخلافة محمّد بن مختار، فعند ما دخل عليه قال له: مرحبا بشمس الخلافة. فقال: فمرحبا بالملك الغدّار، وإلا ما أقدمك إلينا؟ قال: اتّصل بنا أنّ الفقيه عيسى (٢) وصل إليكم ليزوّج أختا للكامل بن شاور بصلاح الدّين يوسف ويتزوّج الكامل بأخت صلاح الدّين، فحسبنا أنّ هذا عمل علينا. فقال ما لهذا صحّة، ولو فعل لما كان ناقضا للهدنة. فقال: الصّحيح أنّ قوما من وراء البحر انتهوا إلينا وغلبوا على رأينا وخرجوا طامعين فى بلادكم، فخفنا من ذلك، فخرجت لتوسّط الأمر بينهم وبينكم. فقال له: فكم تريد أن يكون مبلغ القطيعة التى نقوم بها؟ قال: ألفى ألف دينار. فقال: حتى أعود إلى شاور بهذا الخبر وأرجع إليكم بالجواب، فلا تبرحوا من مكانكم. فقال مرى: بل ننزل على بلبيس حتّى تعود. وكان قد كتب إلى شاور: إنّي قد قصدت الخدمة على ما قرّرته لى من العطاء فى كلّ عام، فكتب إليه شاور: إنّ الذى قرّرته إنما جعلته لك متى احتجت إلى نجدتك أو إذا قدم علىّ عدوّ، فأما مع خلوّ بالى من الأعداء فلا حاجة لى إليك ولا لك عندى مقرّر. فأجابه: لا بدّ من حضورى وأخذى المقرّر. فعلم شاور أنّه قد غدر وخان الأيمان، ونقض العهود، وطمع فى البلاد. فجمع الأجناد وحشد العساكر إلى القاهرة؛ وسيّر إلى بلبيس حفنة من العسكر، ونقل إليها ما تحتاج إليه من الأقوات والغلاّت. فنزل مرى على بلبيس أوّل يوم من صفر، وكتب عدّة من أعيان المصريّين كتبا إلى مرى يعدونه المساعدة، لكراهتهم فى شاور، منهم علم الملك ابن النّحّاس، ويحيى

стр. 982

ابن الخيّاط، وابن قرجلة، وجماعة؛ فقوى الفرنج. وعند ما قدم مرى إلى بلبيس أرسل إلى طىّ بن شاور، وكان ببلبيس، أين ينزل؟ فقال لرسوله: قل له ينزل على أسنّة الرّماح. فغضب من هذا وجعله سببا لنقض ما قرّره مع شمس الخلافة، وحاصر البلد حتى افتتحها قهرا بالسيف يوم الثلاثاء ثانى صفر، وأخذ الطّارى والناصر، ابنى شاور أسيرين، وقتل جميع من كان فيها وأسرهم وسباهم، ونهب سائر ما تحتوى عليه؛ وأسر المعظم سليمان بن شاور وقيس بن طىّ بن شاور. وأرسل إلى شاور يقول له: إنّ ابنك قال أيحسب مرى أنّ بلبيس جبنة يأكلها! نعم بلبيس جبنة والقاهرة زبدة (١). فصعد شاور إلى العاضد وسأله مكاتبة نور الدّين وطلب معونته فإنّ الفرنج قد ملكوا بلبيس والمسلمون يضعفون عن وقفهم، وأنه متى حصل التّقاعد أخذت مصر وأسر الفرنج من فيها من المسلمين؛ ويحثّه على إرسال من يتدارك هذا الأمر (٢). فكتب العاضد إلى نور الدّين برأى شمس الخلافة، فإنّه اجتمع بالكامل ابن شاور وقال له: عندى أمر لا يمكننى أن أفضى به إليك إلاّ بعد أن تحلف لى أنّك لا تطلع أباك عليه. فلمّا حلف له قال: إنّ أباك قد وطّن نفسه على المصابرة، وآخر أمره يسلّم البلد إلى الفرنج ولا يكاتب نور الدّين؛ وهذا عين الفساد؛ فاصعد أنت إلى العاضد وألزمه أن يكتب إلى نور الدّين فليس لهذا الأمر غيره. فصعد الكامل إلى الخليفة العاضد وكتبا الكتاب وأرسلاه إلى نور الدّين. فقيل للعاضد لم لا أطلعت وزيرك على ذلك؛ فقال أعرف أنّه لا يوافقنى عليه لكراهته فى الغزّ وأنا أعلم من أىّ باب أدخل عليه.

стр. 983

وأرسل إلى شاور يقول أين استدعائى الغزّ من المسلمين لنصرة الإسلام من استدعائك الفرنج للإعانة على المسلمين. فقال للرّسول: قل لمولانا عنّى أنت مغرور بالغزّ والله لئن يثبت لهم رجل بديار مصر لا كانت عاقبته وخيمة إلاّ عليك. فلمّا بلغه ذلك قال: رضيت أن تكون إسلاميّة وأكون فداء المسلمين. فوافت كتب العاضد وكتب جماعة من الأعيان إلى نور الدين بحلب، فانزعج لذلك وجمع الأمراء للمشورة فأشاروا بإرسال أسد الدّين شيركوه. وكان بحمص وقد وصلت إليه الكتب من مصر باستدعائه لإنجازهم وإنقاذهم مما نزل بهم، فخرج منها يريد السّلطان بحلب، وخرج رسول السّلطان من حلب بطلبه، فتلاقيا بباب مدينة حلب، وعادا. فلمّا رآه السّلطان عجب من سرعة مجيئه، فأعلمه بموافاة الكتب إليه تستدعيه إلى مصر؛ فسرّ بذلك وتفاءل به، وأعطاه مائتى ألف دينار وثيابا وسلاحا ودوابّ، وحكّمه فى العسكر فاختار ألفى فارس وجمع فسار فى ستّة آلاف فارس. وخرج معه نور الدّين إلى دمشق، فوصل إليها فى سلخ صفر، وجهّز أسد الدين وأعطى نور الدّين كلّ فارس ممّن معه عشرين دينارا مصريّة (١) غير محسوبة عليه من جامكيّته (٢) وأضاف إليه جماعة من الأمراء، منهم عز الدّين جرديك، وغرس الدين قلج، وشرف الدّين بزغش، وعين الدولة الياروقى، وقطب الدّين ينال المنبجى، وصلاح الدّين يوسف بن أيّوب. وكان صلاح الدّين كارها مسيره إلى مصر كأنّما يساق

стр. 984

إلى الموت فأخرجه نور الدّين كرها ليحقّ قول الله سبحانه إذ يقول: «وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» (١). فإنّ نور الدّين أحبّ مسير صلاح الدّين إلى مصر فكان مسيره إليها لخروج الملك عن أولاده، وكره صلاح الدّين مسيره إلى مصر فكان فى مسيره إليها تملّكه إيّاها وغيرها من الأقاليم (٢). وسار شيركوه من دمشق فى ثانى عشر ربيع الأوّل وتقدّم الفقيه عيسى الهكارى إلى العاضد سرّا وخفية من شاور ليحلّفه على أشياء. وأمّا مرى فإنّه كثرت أمراء الفرنج عنده لقصد سبى بلبيس، فغزاها برجاله، وأمر بإخراج الأسرى من أهل بلبيس إلى ظاهر البلد؛ وركب وقد اعتقل رمحه (٣) وحمل على الأسرى حتى فرقهم فرقتين، فجعل لنفسه الفرقة التى وقعت عن يمينه، وأنعم بالفرقة اليسرى على أهل عسكره؛ وقال لمن صار إليه من الأسرى: قد أطلقتكم شكرا لله على ما أولانى من فتح مصر فإنى ملكتها بلا شكّ وما زال واقفا حتى عدّى أكثرهم النيل إلى جهة منية حمل (٤)، وأخذ عسكره أسراهم فاقتسموهم، فبقوا فى أيدى الفرنج بعد ذلك نحو الأربعين سنة وهلك كثير منهم هنالك، وأفلت بعضهم. وكان شمس الخلافة قد صار إلى مرى قبل أخذه مدينة بلبيس بإجابته إلى القطيعة التى طلبها، فعاقه عنده حتى أخذ بلبيس، كما تقدّم ذكره ثم أذن له فى الانصراف إلى القاهرة، واعتذر بأنّه بلغه عن (قيس) (٥) بن طىّ أشياء أمضّته حتى فعل ما فعل،

стр. 985

وأنّه باق على ما تقرّر معه بقاء شمس الخلافة. وأشار على شاور بالاحتراز وقال إنّ الرّجل مخاتل. وأنفذت الكتب إلى نور الدّين. وكان شاور قد شرع فى بناء سور على مدينة مصر واستعمل فيه النّاس فلم يبق أحد من المصريّين إلاّ وعمل فيه؛ وحفر من ورائه خندقا، فلم يكمل من ناحية النّيل. وعمل فى السور ثمانية أبواب أحدها بدار النّحاس على ساحل البحر، هدم فى سنة (١) وخمسين وستمائة وآخر بجانب كوم البوّاصين، وثالث على سكّة سوق وردان سقط سنة إحدى وستّين وستمائة، وباب فى طريق زين العابدين، وباب عرف بباب الصّفاء، وباب بحرى مصلّى الأموات سقط قبيل سنة خمسين وستمائة، وباب عند أقمنة الجير مما يلى درب السريّة، وباب لقنطرة بنى وائل وتحته قنطرة بنى وائل التى تصبّ فى بركة الشّعيبيّة (٢)، التى كانت قديما بستان الأمير تميم بن المعزّ، وكان الماء يدخل إليها من خليج مصر. وسار مرى بعقيب مسير شمس الخلافة عنه يريد منازلة القاهرة بعد ما أقام ببلبيس خمسة أيام، فداخل النّاس منه رعب شديد وخوف عظيم، فاجتمعوا بالقاهرة ووطّنوا أنفسهم على الموت. وكان هذا من لطف الله فإنه لو قدّر أن الفرنج أحسنوا السّيرة فى أهل بلبيس لكان النّاس لا يدافعونهم عن القاهرة البتّة لما فى قلوبهم من كراهة شاور. فما هو إلاّ (أن) قصد مرى القاهرة وإذا بشاور قد قام فى حريق مصر، وأمر شاور النّاس بالانتقال منها إلى القاهرة، وحثّهم على الخروج منها. فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم وأولادهم وحرمهم؛ وقد ماج الناس واضطربوا اضطرابا عظيما.

стр. 986

ووقعت النّار فى الأسطول فخرج العبيد إلى مصر وقد انطلقت النار فى مساكنها فانتهبوا سائر ما كان بمصر. وبلغ بالنّاس الحال أن كانت الدّابّة تكرى من مصر إلى القاهرة ببضعة عشر دينارا والجمل بثلاثين دينارا. ونزلوا بمساجد القاهرة وحمّاماتها، وملئوا جميع الشوارع والأزقّة، وصاروا مطروحين بعيالهم وأولادهم على الطّرق وقد ذهبت أموالهم وسلبت عامّة أحوالهم؛ وهم مع ذلك ينتظرون هجوم الفرنج على القاهرة وقتل رجالها وسبى من بها من الحريم والصّبيان. وكان ابتداء الحريق بمصر فى يوم (الثلاثاء) (١) التاسع من صفر الموافق له ثامن عشر هاتور؛ واستمرّت النار فى المساكن أربعة وخمسين يوما، والنّهّابة تهدّ ما هنالك وتحفر لطلب الخبايا. ونزل مرى بعساكره على بركة الحبش فى يوم (الأربعاء) (٢) العاشر من صفر، فخرج إليه شمس الخلافة. فلمّا دخل إليه سأله أن يخرج معه إلى باب الخيمة، فخرج؛ فأراه شمس الخلافة جهة مصر وقال له أترى دخانا فى السّماء؟ قال: نعم. قال: هذا دخان مصر ما أتيتك إلاّ وقد احترقت بعشرين ألف قارورة نفط وفرّق فيها عشرة آلاف مشعل، وما بقى فيها ما يؤمّل بقاؤه ونفعه؛ فخلّ الآن عنك. فقال مرى: لا بدّ من النّزول على القاهرة ومعى فرنج من هذا البحر قد طمعوا فى أخذها. ثمّ رحل فنزل على القاهرة فى عاشر صفر ممّا يلى باب البرقيّة نزولا قارب به البلد حتّى صارت سهام الجرخ (٣) تقع فى خيمه (٤). وقاتل أهل القاهرة قتالا شديدا وحفظوها

стр. 987

وبذلوا جهدهم. واشتد الفرنج فى محاصرة القاهرة وضيّقوا على أهلها حتى تزلزل النّاس زلزالا شديدا وضعفت قواهم، وشاور هو القائم بتدبير الأمور، فتبيّن له العجز عن مقاومة الفرنج وأنّه يضعف عن ردّهم. وخاف من غلبتهم فرجع عن مقاومتهم إلى مخادعتهم وإعمال الحيلة؛ فأرسل شمس الخلافة إلى مرى يطلب منه الصّلح على أن يحمل إليه أربعمائة ألف دينار معجلة. فأجاب إلى ذلك. ويقال إنّه خوّفه من نور الدّين واعتذر بأنّه لولا الخوف من العاضد ومن معه من المسلمين وإلاّ سلّمه البلد؛ وإنّه تقدّم له بألف ألف دينار. فتقرّر الصّلح. على أنّ مرى قال لا أسمع من كلام شاور فإنّه غدّار، ولا بدّ من كلام الخليفة العاضد. فمشى أبو الفتح عبد الجبّار بن عبد الجبّار بن إسماعيل بن عبد القوىّ، المعروف بالجليس قاضى القضاة وداعى الدّعاة، ومعه الأستاذ صنيعة الملك جوهر، بين الفرنج وبين النّاس حتّى تقرّر الأمر على تعجيل مائة ألف دينار وحمل الباقى بعد ذلك مع القطيعة المقرّرة كلّ سنة، وزيادة عشرة آلاف دينار وعشرة آلاف إردب غلّة على ما يقترح من أصنافها. فأرسل العاضد القاضى الفاضل عبد الرّحيم إلى الشيخ الموفّق ابن الخلال كاتب الدّست، وكان مريضا والفاضل ينوب عنه بتعيين الكامل بن شاور، وقال له: استشره فى هذا] الأمر. فمضى الفاضل إليه، وعرض ما تقرّر عليه، وبلّغه عن العاضد ما أشار به من أخذ رأيه فى ذلك. فقال: قبّل الأرض عنى لمولانا وقل له عن مملوكه إن وعد المشترى وصبر البائع فليست بغالية، وبين قيل وقال يتصرّم الوقت. وشرع شاور فى حمل المال، فلم يجد فى حاصل الخبايا بالقصر سوى مائتى ألف دينار مدفونة فى أحد كمّى المجلس من ذخائر الحافظ، أطلعهم عليها أستاذ من أستاذى القصر؛ فأخرجت وحمل إلى الفرنج منها على يد ابن عبد القوى مائة ألف دينار، فأخذوها بعد امتناع. ووقع الطّلب من أهل القاهرة ومصر، فلم يتحصّل من النّاس إلاّ نحو الخمسة

стр. 988

آلاف دينار، لفقر أهل مصر وسوء حالهم وذهاب أموالهم فى الحرق والنّهب بحيث صاروا لا يجدون القوت عجزا عنه، ولأنّ أهل القاهرة أكثرهم الجند وأهل الدّولة وأتباعهم فقال الفقيه عمارة (١): يا ربّ إنّي أرى مصرا قد انتبهت … لها عيون اللّيالى (٢) بعد رقدتها فاجعل بها (٣) ملّة الإسلام باقية … واحرس عقود الهدى (٤) من حلّ عقدتها وهب لنا منك عونا نستجير به … من فتنة يتلظّى جمر وقدتها فبينما الفرنج فى استحثاث أهل القاهرة فى حمل المال إذ وصل إليهم فى مستهلّ ربيع الآخر خبر قدوم أسد الدّين بالعساكر فأزعجهم ذلك ورحلوا عن القاهرة يوم السّبت، ثالث ربيع الآخر، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألفا ما بين رجل وصبىّ وامرأة. فنزلوا على بلبيس، وساروا منها إلى فاقوس. ونزل أسد الدّين بالمقس إلى اللّوق خارج القاهرة يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، فخرج إليه العاضد وتلقّاه. وكان شاور لمّا بلغه وصول شيركوه إلى صدر (٥) أخرج شمس الخلافة إلى مرى وقال له: قد وقف المال علينا، وقد جئت إليك أستوهب منك بعض ما قطعت علينا. فقال مرى: اطلب ما شئت. قال: تهب لى من الألفى ألف ألف ألف. قال: قد فعلت فقال شمس الخلافة: ما بلغنى أنّ ملكا وهب مثل هذا لقوم هم فى مثل حالنا. فقال مرى: أنا أعلم أنك رجل عاقل وأنّ شاورا ملك، وأنّكما ما سألتمانى أن أهب لكما هذا المال العظيم إلاّ لأمر قد حدث. فقال: صدقت؛ هذا أسد الدّين قد وصل إلى صدر نصرة لنا وما بقى لك مقام؛ وشاور يقول لك أرى أن ترحل ونحن باقون على الهدنة فإنّه أوفق لنا ولك،

стр. 989

وإذا حصل هذا الرّجل عندنا أرضيناه من هذه الألف ألف بشئ وحملنا الباقى إليك متى قدرنا، وإن نحن أخرجنا فى رضاهم أكثر من هذا المال عدنا عليك بما يبقى علينا من المقدار. فقال مرى: أنا راض بذلك. فقال: وأن تطلق ابن طىّ بن شاور وجميع من فى عسكرك من الأسارى، ولا تأخذ من بلبيس بعد انصرافك شيئا. فأجاب إلى ذلك، وأطلق ابن شاور ورحل. ولمّا قارب شيركوه القاهرة خرج شاور إلى لقائه وقابله بالاحترام والإكرام، وأشار عليه باتّباع الفرنج. فلم ير ذلك واعتذر بما هم فيه من التّعب. ونزل أسد الدّين بظاهر القاهرة، ودخل على العاضد فخلع عليه فى تاسعة بالإيوان، وعاد إلى مخيّمه، وقد فرح النّاس بقدومه. وأجريت عليه وعلى عساكره الجرايات الكبيرة والإقامات الوافرة. وثقل ذلك على شاور ولم يقدر على عمل شيء لما عرفه من ميل العاضد إلى شيركوه؛ وشرع يماطل بما تقرّر لشيركوه ولنور الدّين وهو يركب كلّ يوم إليه ويسير معه، ويعده ويمنّيه. وعزم على أن يعمل دعوة ويحضر شيركوه وجميع أمرائه، فإذا صاروا إليه قبض عليهم واستخدم من معهم من الجند يمنع بهم الفرنج. فنهاه ابنه شجاع عن ذلك وقال: والله لئن عزمت على هذا لأعرّفنّ شيركوه. فقال: يا بنىّ، والله لئن لم نفعل هذا لنقتلنّ جميعا. قال: صدقت؛ ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج؛ فإنّه ليس بينك وبين عود الفرنج إلاّ أن يسمعوا بالقبض على شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدّين لم يرسل معه فارسا واحدا. فترك شاور ما عزم عليه. ولمّا طال مطال شاور على الغزّ اتّفق صلاح الدين يوسف وعز الدّين جرديك على قتل شاور. واتّفق أنّ شاورا رأى فى منامه كأنّه دخل دار الوزارة فوجد على سرير ملكه رجلا وبين يديه دواته وهو يوقّع، والحاجب بين يديه يتناول منه التوقيع؛ فقال: من هذا الذى جلس فى مجلسى ووقع من دواتى، فقيل له: هذا محمّد رسول الله، ﷺ ؛ فقال: وما يصنع محمّد عندى؛ أما كان له فى مملكة غيرى مصنع. ثم إنّه قام إليه وضربه

стр. 990

بسيفه حتّى قتله وألقاه بظاهر الدّار. فلما استيقظ هاله ما رآه، واستدعى أبا الحسن على بن نصر الارتاحى العابد، وكان نادرا فى علمه، وقصّ عليه ما رأى. فقال له: هؤلاء الّذين فى القصر من نسل رسول الله، ﷺ ، ويكون هلاكهم على يدك. فأمره بكتمانه؛ فلم يظهر حتّى قتل شاور. ويقال إنّ العاضد خرج متنكّرا إلى شيركوه وأمره بقتل شاور؛ فركب على عادته إلى شيركوه ومعه الطّبل والبوق وخرج من باب القنطرة. فلمّا صار فى مخيّم الغزّ تلقّاه صلاح الدّين وجرديك فى جماعتهم وأعلموه أنّ أسد الدّين توجّه إلى القرافة، فقال نمضى إليه. فساروا جميعا وصلاح الدّين وجرديك عن يمينه وشماله، وكان اليوم كثير الضّباب، فتناول صلاح الدّين شاور على غرّة هو وجرديك وألقياه عن فرسه إلى الأرض، وأحاط أصحابهما بمن مع شاور فانتهبوهم وفرّوا عنه. وأخذ أسيرا إلى المخيّم، وأرسلوا إلى شيركوه، فحضر. وبلغ ذلك العاضد فأنفذ فى الحال إلى شيركوه أحد الأستاذين بسيف وقال: هذا غلامنا ولا خير فيه لك ولا لنا، فأمض حكم الله فيه. فقتل فى يوم السّبت السابع عشر من ربيع الآخر، وحملت رأسه إلى العاضد (١). وفرّ الكامل شجاع بن شاور هو وأولاد أخيه إلى القصر، فكان آخر العهد بهم، وأحضرت رءوسهم يوم الاثنين رابع جمادى الأولى. وبعث شيركوه يطلبهم، فأرسل إليه العاضد طبقا من فضّة مغطّى؛ فلمّا كشف عنه وجد فيه رأس شجاع ورءوس أولاد أخيه، فتأسّف على قتل شجاع لما كان يبلغه عنه من منعه أباه من عزمه على الفتك بهم. وكانت وزارة شاور هذه كثيرة الوقائع والنّوازل فإنّه أطمع الغزّ والفرنج فى البلاد وجرّهم إليها؛ فأحرق مصر وأزال نعم أهلها وأذهب أموالهم؛ وكان السّبب فى إزالة الدّولة الفاطمية من ديار مصر وتملّك الغزّ لها. وكان مع ذلك منقادا لولده الكامل قد أطلقه وسلّم الأمر إليه بحيث إنّه كان يأتى

стр. 991

إلى داره فيحتجب عنه. وكان ضيق العطن، لا يصبر على شيء ممّا ينقل إليه من الأخبار. وكان إذا سئل وهو فى الخدمة لا يردّ سائلا فى شيء. وكان شديد النّكال إذا عاقب، فتكشّفت فى وزارته الثّانية التى قتل فيها صفحاته، وأحرقت كافّة أهل مصر لفحاته، وأغرقتهم نفحاته فغصّه الدّهر وعضّه، وأوجعه الثّكل وأمضّه. وكان عاقبة أمره القتل والعار، وسوء المنقلب والدّمار. ثمّ إنّ أسد الدّين ركب بعد قتل شاور بجموعه ودخل إلى القاهرة فى يوم الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر يريد لقاء الخليفة العاضد، فهاله ما رأى من كثرة اجتماع النّاس وتخوّف منهم، فأراد أن يفرّقهم، فقال لهم: إنّ أمير المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور؛ فتسارعوا إليها وانتهبوا سائر ما كان فيها. فصعد شيركوه إلى القصر، وخلع عليه العاضد خلع الوزارة ولقّبه بالملك المنصور أمير الجيوش. ونزل إلى دار الوزارة (١) حيث كان ينزل شاور ومن قبله من الوزراء، فلم يجد ما يجلس عليه لما شملها من النّهب. فجلس للهناء وغلب على الأمر. وخرج إليه التّوقيع بخطّ القاضى الفاضل وإنشائه، فقرأه الجليس ابن عبد القوى قاضى القضاة، على رءوس الأشهاد، وفى أعلاه بخط العاضد: «هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقليد طوق أمانة رآك الله وأمير المؤمنين أهلا بحمله؛ والحجّة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله. فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة، واسحب ذيل الفخار بأنّ خدمتك اعتزّت بأن اعتزت إلى بنوّة النبوّة؛ واتّخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا (٢)». وهو توقيع كبير (٣).

стр. 992

وكتب القاضى الفاضل إلى نور الدّين محمود بن زنكى كتابا بأن يقرّ شيركوه عنده بمصر وأنّه فوّض إليه الوزارة وأمر الجيوش، تاريخه سابع عشرى ربيع الآخر، وكتب العاضد علامته بين سطريه الأوّلين بخطّه «الله ربّى»؛ فعاد الجواب بالامتثال (١). وسلك أسد الدّين مع العاضد مسالك الأدب حتّى أعجب به، ومال إليه. وركب إلى مصر فرآها مشوّهة بالحريق وقد تلفت فيها أماكن وسلمت أماكن، وتشعّث الجامع؛ فشقّ عليه، وعاد. وقد حضر إليه الأمير ابن ممّاتى والقاضى الفاضل، فأمر بإحضار أعيان المصريّين الذين جلوا عن مصر فى الفتنة وصاروا بالقاهرة، فتغمم لما نزل بهم وسفّه رأى شاور فيما فعله، وأمرهم بالعود إلى مصر. فشكوا ما حلّ بهم من الفقر وذهاب الأحوال وخراب المنازل، وقالوا: إلى أىّ موضع نرجع وفى أىّ مكان نأوى. فقال: لا تقولوا هذا، وعلىّ بإذن الله حراستكم وإعادتها إليكم بما كانت عليه وأحسن؛ فاستدعوا منىّ كل مالكم فيه راحة، فهى بلدى وربّما أسكن فيها بينكم. فشكروا له ودعوا. وأمر فنودى على النّاس بالرّجوع إلى مصر، فتراجعوا إليها شيئا بعد شيء. وجعل أسد الدّين اجتماعه بالخليفة العاضد فى الشبّاك على العادة. فأوّل ما اجتمع به قال له الأستاذ صنيعة الملك جوهر، وكان أكبر الأستاذين وأفصحهم لسانا، وهو قائم على رأس العاضد: يقول لك مولانا لقد كنّا نؤثر مقامك عندنا أوّل طروقك بلادنا، ولكن أنت تعلم الموانع عنه؛ ولقد تيقّنّا أنّ الله ادّخرك لنا نصرة على أعدائنا. فقال أسد الدّين شيركوه: يا مولانا - بإمالة اللاّم - والله لأنصحنّك فى الخدمة ولأجعلنّ

стр. 993

دولتك بعون الله قاهرة. فقال الأستاذ: يقول لك مولانا الأمل فيك هذا وأكثر. ثمّ جدّدت له الخلع وأفيضت عليه، ونزل إلى داره. وحسن عنده موقع الجليس ابن عبد القوى، قاضى القضاة وداعى الدّعاة، وأثنى عليه وشكره، وقال لولا مذهبه! فقال: إنه ولد بالمغرب وله دالّة على الخليفة، ولولا ضبطه حواصل القصر لخرجت كلّها لكرم العاضد؛ لكنه يحترمه ويقبل مشورته. فازدادت مكانته عند أسد الدّين وأقرّه على حاله. واستبدّ أسد الدّين بأمور المملكة، وغلب على الدّولة، واستعمل أصحابه وثقاته على الأعمال، وأقطع البلاد لعساكره. ولما أكبّ النّاس عليه بالتّواقيع قلق من كثرة ما يوقّع وقال: أظنّ مولانا استخدمنى كاتبا. فى رابع جمادى الأولى قتل الكامل شجاع بن شاور، والمعظم سليمان بن شاور، وركن الإسلام نجم أخو شاور، وأحضرت رءوسهم إلى أسد الدّين شيركوه. ولمّا بلغ نور الدّين وزارة شيركوه للعاضد واستبداده بالأمر كره ذلك وأمضّه، وظهر ذلك على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وأخذ يتحدث فى ذلك، وأفضى به إلى الأمير مجد الدّين ابن الدّاية (١). وأخذ يعمل الحيلة فى إفساد أمر أسد الدّين وابن أخيه صلاح الدّين، وكاتب العاضد فى ذلك غير مرّة، ويلتمس منه أن يبعث إليه أسد الدّين، يريد بذلك إخراجه عن مصر. فلم يسمح العاضد بإرساله لأنه دبّر الأمور وقام بحمل أعباء المملكة من غير أن يغيّر على أصحاب العاضد شيئا من أحوالهم، ولا أنكر عليهم أمرا من أمورهم، بل أقرّهم على عوائدهم سوى أنه أقطع البلاد لأصحابه. وتولّى عنه التّدبير ابن أخيه صلاح الدّين وقام بمباشرتها، فصار إليه الأمر والنّهى حتّى مات أسد الدّين، بعد أن استقرّ فى الوزارة ثلاثة وستّين يوما، يوم الأحد الثالث

стр. 994

والعشرين من جمادى الآخرة بخنّاق تولّد له من إكثاره أكل اللّحوم الغليظة، ودفن فى الدّار فلم تخرج له جنازة. وكان شجاعا قويّا، جلدا عفيفا، متألّها، يحبّ أهل الخير، وله إيثار، وفيه ضبط وإمساك. وأصله من دوين (١)، بليدة من عمل أذربيجان (٢) من جهة أرّان (٣) وبلاد الكرج، وهو من قبيل الرّواديّة إحدى بطون الهذبانية من قبائل الأكراد. وقدم هو وأخوه نجم الدّين أيوب، وكان أسنّ منه، إلى بغداد واتصلا بخدمة مجاهد الدين بهروز (٤) شحنة العراق من قبل السّلطان مسعود بن محمّد بن ملكشاه السّلجوقى (٥) ولازماه. فبعث بأيّوب إلى تكريت (٦)، وكانت إقطاعه، فأقرّه فيها دزدارا، ومعناه حافظ القلعة، فإن «دز» بالفارسى القلعة، «ودار» الحافظ. فأقام بها ومعه أخوه شيركوه، وله به إقطاع،

стр. 995

إلى أن انهزم عماد الدين زنكى من العراق (١) من قراجا الساقى ووصل إلى تكريت، فأمكنه أيّوب من قلعتها ورفعه إليها بالحبال، وخدمه هو وأخوه شيركوه، فاعتدّها يدا لهما. ثم أقام له السّفن حتّى عبر دجلة؛ وتبعه أصحابه فأحسن إليهم وسيّرهم إليه. فبلغ ذلك الأمير مجاهد الدّين بهروز فأنكر عليه وأخرجه من قلعة تكريت، فسار هو وشيركوه إلى عماد الدّين زنكى، وهو يومئذ صاحب الموصل، فأكرمهما وأقطعهما إقطاعا، وتقدّما عنده. فلمّا ملك بعلبك (٢) جعل نجم الدّين دزدارها، فأقام بها إلى أن قتل عماد الدّين زنكى (٣) وحصر عسكر دمشق بعلبك لأخذها لصاحب دمشق، مجير الدّين أبق بن محمّد بن بورى بن ظهير الدّين طغتكين الأتابك. فبعث إلى سيف الدّين غازى بن عماد الدّين زنكى بالموصل يعرّفه ويطلب منه عسكرا فلم يجبه (٤)؛ فسلّم بعلبك لصاحب دمشق على إقطاع، وصار أحد أمراء دمشق. وأما شيركوه فإنه لمّا خدم عماد الدّين زنكى تمكّن منه، بواسطة الوزير جمال الدّين الأصفهانى (٥)، إلى أن قتل، فتعلّق بخدمة ابنه نور الدّين محمود بن زنكى وتخصّص

стр. 996

به، حتى عظمت منزلته عنده. وصار معه إلى حلب فأقطعه وأنعم عليه، ثم أعطاه مدينة الرّحبة وتدمر إلى أن جهّزه إلى مصر وعاد منها وهو كثير الذّكر لها، فخافه نور الدّين وصرفه عنه وأعطاه مدينة حمص (١)، وجعله مقدّم عسكره إلى أن قدم مصر وملكها - - كما تقدّم - إلى أن مات؛ فدفن بالقاهرة، ثم نقل منها إلى المدينة النبويّة بعد مدّة (٢). ولمّا احتضر قال: من ههنا؟ فقال الطّواشى بهاء الدّين قراقوس: عبدك قراقوش. فقال: بارك الله فيك، الحمد لله الّذى بلغنا من هذه الدّيار ما أردنا، ومتنا وأهلها راضون عنّا. أوصيكم لا تفارقوا سور القاهرة حتّى تطير رءوسكم، واحذروا من التّفريط فى الأسطول. ولمّا توفى أسد الدّين افترق أهل القصر وحواشى الخليفة العاضد من الأستاذين وغيرهم فرقتين. فأما إحداهما - وكبيرهم الأستاذ صنيعة الملك مؤتمن الخلافة جوهر (٣) - فإنهم قالوا قد مات أسد الدّين المهدّد به فى الشرق والغرب ولم يحدث إلا خير، ومن الرأى أن نمسك مخلّفته ونضيف إليها من جياد فرسان الغزّ ما تكون جملته ثلاثة آلاف فارس، ونقدّم عليهم بهاء الدّين قراقواش، وننزلهم بالشرقية، ونجعلها بأجمعها إقطاعا لهم يسكنون بها، فيصيرون بيننا وبين الفرنج الذين طمعوا فى البلاد، يقاتلون عن حرمهم

стр. 997

وإقطاعاتهم. ويرتّب مولانا من أجناد الدّيار المصريّة من ينتفع به، ولا يقيم وزيرا تثقل وطأته ويشارك الخليفة فى أمره، بل يجعل صاحب وساطة بين النّاس وبين الخليفة. وقالت (١) الطائفة الأخرى لا وحقّ الله، ما يكون وزير مولانا إلا ابن أخى وزيره الّذى هو منه وإليه، يعنون صلاح الدّين، وإذا بقى المذكور أقام معه قراقوش وغيره من المعتبرين. وكذلك وقع فى عسكر أسد الدّين، فإن شهاب الدّين محمود الحارمى، خال صلاح الدّين، والأمير عبد الدّولة ياروق الياروقى وأخاه الأمير بهاء الدّولة والأمير قطب الدّين خسرو بن تليل، والأمير سيف الدّين على بن أحمد الهكّارى (٢) المشطوب طلب كل منهم الوزارة لنفسه وجمع أصحابه ليغالب عليها. واجتمع مماليك أسد الدّين، وهم خمسمائة، على صلاح الدّين وطلبوا وزارته، وتحدّثوا بأنّ أسد الدّين أوصى إليه، فبعث العاضد إليهم وسأل الأمراء من يصلح للوزارة؛ فسار إليه شهاب الدّين محمود الحارمى وأرشده إلى تولية صلاح الدّين (٣). وكان العاضد قد مال إليه وقال لأصحابه من الأستاذين وغيرهم لما اختلفوا، كما تقدّم ذكره، والله إنّي لأستحى من تسريح صلاح الدّين وما بلغت غرضا فى حقّه لقرب عهد مقام عمّه. فأرسل إليه وخلع عليه خلع الوزارة بالعقد والجوهر، وحنّكه، ونعته بالملك النّاصر، وذلك فى يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى الآخرة (٤).

стр. 998

وصفة الخلعة ثوب أبيض دبيقى بطرازين ذهبا، وطيلسان مقوّر بطراز ذهب دقيق، وعمامة بيضاء مذهبة، وفى عنقه العقد الجوهر وقيمته عشرة آلاف دينار؛ وقد تقلّد سيف الوزارة وقيمته خمسة آلاف دينار. وركب (فرسا) (١) حجرة صفراء من مراكب العاضد قيمتها ثمانية آلاف دينار، وعليها سرفسار ذهب مجوهر، وأعلاقها من سبتة، وفى عنقها مشدّة بيضاء برأسها مائتا حبّة جوهرا وفى أربع قوائمها أربعة عقود من جوهر، وعلى رأسه قصبة ذهب فى رأسها طلعة مجوهرة ومشدّة بيضاء بأعلام ذهب. وحمل بين يديه عدّة بقج فيها أنواع من الثياب، وقيد معه أيضا عدّة خيول؛ ومنشور الوزارة ملفوف فى ثوب أطلس أبيض بخطّ القاضى الفاضل ومن إنشائه؛ وقرأه الجليس ابن عبد القوى. وهو كبير جدّا وعلى رأسه بخطّ العاضد (٢): «هذا عهد أمير المؤمنين إليك: وحجته عند الله سبحانه عليك (٣)؛ فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا (٤) بيمينك، ولمن مضى بجدنا رسول الله (٥) أحسن أسوة، ولمن بقى (بقربنا) (٦) أعظم سلوة. «تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (¬٧﴾. فكان آخر منشور كتب عن العاضد (٨). ولمّا نزل صلاح الدّين إلى دار الوزارة لم يطعه أحد من الأمراء النوريّة ولا خدموه، فسعى الفقيه عيسى الهكّارى فى الإصلاح بينه وبينهم، وبدأ بالمشطوب فقال له: هذا الأمر لا يصل إليك مع (وجود) (٩) عين الدّولة والحارمى (وابن تليل) (٩). ثم قصد الحارمى

стр. 999

وقال له: هذا صلاح الدّين ابن أختك، وعزّه وملكه لك، وقد استقام له الأمر، فلا تكن أوّل من يسعى فى إخراجه عنه ولا يصل إليك. وما زال بهم حتّى مالوا إليه وأطاعوا بأجمعهم إلاّ عين الدّولة فإنه قال لا أخدم يوسف أبدا، وخرج من القاهرة بجماعة وصار إلى نور الدّين بالشّام (١). فلمّا بلغ نور الدّين استيلاء صلاح الدّين أقام ثلاثة أيّام لا يقدر أحد أن يراه من شدّة ما عظم عليه ذلك وأغضبه. واستمال صلاح الدّين قلوب النّاس، وساس الأمور وكاتب الأطراف، وأقبل على الجدّ، وتاب عن الخمر، وأعرض عن اللهو، وتقرّب إلى الخليفة العاضد بما يرضيه فأحبّه وأدناه حتّى كان يدخله إليه القصر راكبا ويقيم عنده بالقصر عدّة أيام. وعظم فى الدّولة حتّى حسده الأمراء وباينه جماعة منهم وتوجّهوا إلى الشّام. وشرع فى استمالة قلوب النّاس إليه فبذل فيهم المال وأخرج ما كان فى خزائن عمّه أسد الدّين؛ واستدعى من العاضد فأمدّه بشئ كثير من المال، فكان أمره فى زيادة وقوّة وأمر العامّة فى نقص وضعف. وركب العاضد ومعه الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف فى غرّة شهر رمضان، وحمل العادل أبو بكر السّيف. ثم ركب أيضا جمعتين فى شهر رمضان إلى الجامع الأزهر والجامع الأنور (٢) على العادة، وركب فى عيد الفطر. وأرسل إلى نور الدّين يسأله فى إرسال أبيه وأخيه فلم يجبه إلى ذلك (٣).

стр. 1000

وصارت الخطبة بديار مصر للعاضد ومن بعده للملك العادل نور الدّين، وهو فى الظّاهر ملك الدّيار المصريّة وصلاح الدين لا يتصرّف إلا عن أمره كالنّائب فى الأمر عنه؛ ونور الدّين لا يفرده بكتاب، بل يكتب: الأمير الأسفهلار (١) صلاح الدّين وكافّة الأمراء بالدّيار المصريّة يفعلون كذا؛ ويجعل علامته على رأس الكتاب تعظيما لنفسه وترفّعا عن أن يكتب اسمه. وعند ما بلغه وفاة أسد الدّين شقّ عليه استيلاء صلاح الدّين، وتتبّع أصحابه وأصحاب أسد الدّين، وأخذ إقطاع صلاح الدّين وإقطاع أسد الدّين، ومنع نوّابه من التصرّف فى حمص، وأبعد أهاليهم واستثقلهم وطردهم عنه. وكتب إلى الأمراء بمصر بمفارقته وتركه بمصر وحيدا ليوهن أمره. وشرع يذمّه ويذكره بالسّوء ويعنته فى الطّلب بحمل الأموال إليه، وصار كثيرا ما يقول: ملك ابن أيوب ويستعظم ذلك احتقارا له (٢). وثقل ذلك على أهل الدّولة وحواشى الخليفة العاضد، فإنه أقطع أصحابه أجلّ البلاد وآواهم، وأبعد أهل مصر وأضعفهم، واستبدّ بجميع الأمور ومنع العاضد من التّصرّف؛ ففطن العاضد لما يريد من إزالة الدّولة. فثار الأستاذ مؤتمن الخلافة، وهو يومئذ من أكابر خدّام القصر، وبعث بمكاتبة إلى الفرنج يستنجد بهم على الغزّ، ويحثّهم على قصد البلاد ليخرج إليهم صلاح الدّين بعساكره فيثور عند ذلك بصعيد مصر وطوائف العسكر،

стр. 1001

ويصير صلاح الدّين محصورا بين الفرنج وبينهم فيأخذونه ويتلفون من معه. ووافقه على ذلك جماعة. وبعث رجلا بالكتاب إلى الفرنج بعد ما جعله فى نعل كى لا يعثر عليه. فلمّا وصل الرّجل إلى البئر البيضاء (١) قريبا من بلبيس، ظفر به بعض أصحاب صلاح الدّين ومعه نعلان جديدان فى يده، فارتاب لما رآه من سوء حاله وحسن النّعلين، وعلم أنّهما لا يليقان به، ولو كانا من ملابسه لكان تبيّن فيهما أثر الاستعمال. فأخذهما منه وفتحهما فوجد فيهما الكتب إلى الفرنج، فتقرّب بذلك إلى صلاح الدّين، وحضر بالرّجل والكتب إليه؛ فكتم ذلك، وتتبّع من كتب الكتب حتى أحضر إليه برجل يهودىّ، فلمّا خاف منه أسلم وأخبره الخبر. فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة وخشى على نفسه، فلزم القصر وامتنع من الخروج مدّة وصلاح الدّين لا يلتفت إليه، فاغترّ بإعراضه عنه وخرج إلى منظرة له على النّيل، بستان بناحية الخرقانيّة قريبا من قليوب. فأرسل إليه صلاح الدّين بجماعة من أصحابه هاجموه وقتلوه، وصاروا إليه برأسه، وذلك فى يوم الأربعاء لخمس بقين من ذى القعدة؛ وجعل زمام القصور عوضه الطّواشى بهاء الدين قراقوش الأسدى. فغضب لقتله السّودان وحرّك منهم ما كانوا يتكتّمونه؛ فاجتمعوا لحرب صلاح الدّين فى سادس عشريه، صبيحة قتل مؤتمن الخلافة، وقد صاروا فى جمع كثير من الأمراء المصريّين وعوامّ البلد يزيد على الخمسين ألفا، وزحفوا إلى دار الوزارة. فبدر إليهم فخر الدّين شمس الدّولة توران شاه، وركب صلاح الدّين بعساكره وقد تجمّعت الرّيحانية والجيوشية والفرجيّة ومن انضاف إليها فى بين القصرين، وخرجت إليهم الأرمن؛ فوقع بين الفريقين قتال عظيم استظهر فيه العبيد على الغزّ، والعاضد

стр. 1002

فى المنظرة يشرف على الوقعة. فلمّا تبيّن الغلب للعبيد وكادوا أن يهزموا الغزّ رمى أهل القصر بالنّشّاب والحجارة حتى امتنعوا عن مقاتلة العبيد، فنادى شمس الدّولة النّفّاطين وأمرهم بإحراق المنظرة التى فيها العاضد فطيّب قارورة وصوّب على المنظرة بها، فإذا بباب الطّاق قد فتح وخرج منه زعيم الخلافة، أحد الأستاذين الخواصّ، وقال: أمير المؤمنين يسلّم على شمس الدّولة ويقول دونكم والعبيد الكلاب أخرجوهم من بلادكم. فلمّا سمع العبيد ذلك، وكان قد قتل أحد مقدّميهم، وبعث صلاح الدين فى أثناء محاربته لهم إلى حارة السّودان خارج باب زويلة، المعروفة بالمنصورة (١)، فأحرقها وتلفت أموالهم وهلكت أولادهم وحرمهم؛ ضعفت لهذه الأمور أنفس العبيد، وانهزموا بعد ما ثبتوا يومين، وتعيّن لهم الفلّ. فركب الغزّ أقفيتهم يقتلون ويأسرون، إلى أن وصوا إلى السيوفيّة وثبتوا هنالك، فألقى شمس الدّولة النّيران فى المواضع الّتى امتنعوا بها. وأحرق أيضا دار الأرمن التى كانت بين القصرين، وكان بها خلق كثير من الأرمن كلّهم رماة لهم جار، وكانوا فى هذه الحروب قد أنكوا الغزّ بشدة رميهم ومنعوهم أن يتجاوزوا من موضعهم إلى محاربة العبيد، فلمّا احترقت عليهم الدّار لم يكد يفلت منهم أحد. فالتجأ العبيد إلى عدّة أماكن، وكلّما امتنعوا بموضع ألقى فيه الغزّ النّار وقاتلوهم، حتى صاروا إلى باب زويلة وأخذت عليهم أفواه السكك وقد وهنوا ولم يجدوا لهم ملجأ. فصاحوا وطلبوا الأمان، فأمّنوا على ألا يبقى منهم أحد بالقاهرة؛ فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة. ومال الغزّ على أموالهم وديارهم واستباحوا جميع ما فيها؛ وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذى القعدة. فما هو إلاّ أن صاروا بالجيزة حتى عدّى إليهم شمس الدّولة بالعسكر فأبادهم حصدا بالسّيف، ولم ينج منهم إلا الشريد. وأمر صلاح الدّين بتخريب المنصورة وصيرها بستانا؛ فمضى العبيد وذهبت آثارهم من مصر (٢).

стр. 1003

وقوى صلاح الدّين، وتلاشى العاضد وانحلّ أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره فى الخطبة. ووالى صلاح الدّين الطّلب من العاضد فى كلّ يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرّقيق وغير ذلك، حتى انّ العاضد كان فى بعض الأيّام بالبستان الكافورىّ وإذا بقاصد صلاح الدّين قد وافاه يطلب منه فرسا وهو راكب، فقال ما عندى إلا الفرس الّذى أنا راكبه، ونزل عنه، وشقّ خفّيه ورمى بهما وسلّم إلى القاصد الفرس وعاد إلى قصره ماشيا، فلزم مجلسه ولم يعد بعدها يركب حتى مات. وأخرج صلاح الدّين خاله الأمير شهاب الدّين الحارمى إلى الصّعيد يتبع من فرّ من العبيد فأفناهم، ولم يبق منهم بديار مصر إلا من اختفى، بعد أن كانت البلاد كلّها لا تخلو مدينة ولا محلة من أن يكون فيها مكان معد للعبيد، محمى لا يدخله وال ولا غيره. وكان منهم ضرر على النّاس. وأخذ صلاح الدّين فى القبص على دور العبيد والأرمن والأمراء، وأسكن فيها أصحابه معه بالقاهرة. وكان قاع النيل فى هذه السنة ستّ أذرع وثمانى أصابع، وبلغ ثمان عشرة ذراعا (١).

стр. 1004

سنة خمس وستين وخمسمائة (١): فيها قدم من الشّام إخوة صلاح الدّين يوسف وعياله؛ وقيل كان قدومهم فى سنة أربع. فيها تحرّك الفرنج لغزو ديار مصر خوفا من صلاح الدّين ونور الدّين عند ما بلغهم تمكّنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريّين. فكاتبوا فرنج صقلية وغيرهم واستنجدوا بهم، فأمدّوهم بالمال والسّلاح والرّجال، وساروا بالدّبّابات (٢) والمنجنيقات إلى دمياط، فنزلوا عليها فى مستهلّ صفر بألف ومائة مركب، ما بين شينى ومسطح وشلندى وطريدة (٣)، وأحاطوا بها برّا وبحرا. فبعث صلاح الدّين بالأمير تقىّ الدّين (عمر بن شاهنشاه بن أيوب، ابن أخى صلاح الدين)، وأتبعه بالأمير شهاب الدّين الحارمى، فى عساكر إلى دمياط، وأمدّهم بالمال والميرة والسّلاح (٤). وألحّ الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم (٥)، والنّاس فيها صابرون فى محاربتهم. وبعث صلاح الدّين إلى نور الدّين. يستنجده ويعلم أنّه لا يمكنه الخروج من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريّين عليه؛ فجهّز إليه نور الدّين العساكر شيئا بعد شيء، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالسّاحل وأغار عليها واستباحها (٦)

стр. 1005

واستمرّ الفرنج على دمياط أحدا وخمسين يوما، ثم رحلوا عنها فى الحادى والعشرين، وقيل فى الثالث والعشرين، من ربيع الآخر، خوفا على بلادهم من نور الدّين ولفناء وقع فيهم؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلاثمائة مركب. فأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها. وبلغت النّفقة من صلاح الدّين على هذه النّوبة ألف ألف دينار مصرية. وكان يقول ما رأيت أكرم من العاضد؛ أرسل إلىّ مدّة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها. وورد كتاب نور الدّين إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط، وكان صلاح الدّين سيّر إليه يبشّره برحيلهم، وسيّر إليه العاضد يستقيله من الأتراك خوفا منهم ويطلب الاقتصار على الملك النّاصر صلاح الدّين، فتضمّن كتابه مدح الأتراك والثّناء عليهم (١). وفيها أرسل صلاح الدّين يطلب من نور الدّين أن يبعث إليه بأبيه نجم الدّين أيّوب ابن شاذى، فأرسله إليه فى عسكر، وسار معه كثير من التّجار ممّن له هوى فى مصر وغرض فى صلاح الدّين. فخرج ابنه صلاح الدّين إلى لقائه ومعه الخليفة العاضد إلى صحراء الإهليلج (٢) خارج باب الفتوح ولقيه هناك؛ ولم تجر العادة بخروج الخليفة إلى لقاء أحد؛ وذلك فى رابع عشر شهر رجب. ولقّبه العاضد بالملك الأوحد، وزينت القاهرة ومصر لقدومه فكان من الأيام المذكورة؛ وبالغ العاضد فى احترامه والإقبال عليه. ونزل اللّؤلؤة. وكان سبب تجهيز الملك العادل نور الدّين لنجم الدّين أيوب كثرة ورود مكاتبة الخليفة المستنجد بالله العبّاسى عليه من بغداد يعاتبه على تأخير إقامة الخطبة العبّاسية بمصر، فوالى نور الدّين كتابة الملاطفات إلى صلاح الدّين يأمره بذلك، وهو يعتذر إليه

стр. 1006

عن ترك الخطبة بما يخافه من المصريّين. فوردت رسل المستنجد إلى دمشق بالاستحثاث والعزم على إقامة الخطبة بمصر ولا بدّ؛ فرأى نور الدّين أنّ مثل هذا المهمّ لا يقوم به إلاّ نجم الدّين أيّوب، وكان يتولّى قلعة بعلبك، فأرسل إليه وقرّر معه الأمر وسيّره (١). وكان وصوله إلى القاهرة لستّ بقين من رجب، وقيل فى جمادى الآخرة، فقرّرت له ولاية الإسكندريّة وولاية دمياط والبحيرة (٢). وأقطع الأمير فخر الدّين شمس الدّولة توران شاه، ابن والد الملوك الملك الأفضل نجم الدّين أيوب، قوص وأسوان وعيذاب، وكانت عبرتها يومئذ فى تلك السّنة مائتى ألف دينار وستّة وستّين ألف دينار؛ فاستناب عنه فى قوص الأمير شمس الخلافة محمّد بن مختار. فيها ثار الأمير عبّاس بن شاذى بمرج بنى هميم (٣)، من أعمال قوص، ومنع رسلان دعمش المتوجّه لجباية خراج قوص من التوجّه، واستباح عسكره. وفيها أبطل صلاح الدّين الأذان بحىّ على خير العمل محمّد وعلىّ خير البشر، فكانت أوّل وصمة دخلت على الدّولة. ثمّ أمر أن يذكر فى الخطبة يوم الجمعة الخلفاء الرّاشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثمّ علىّ، وذلك يوم الجمعة لعشر مضين من ذى الحجّة.

стр. 1007

ثم أمر أن يذكر العاضد فى الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة، فكان الخطيب يقول: اللهم أصلح العاضد لدينك. لا غير. وفى يوم الاثنين، بعد طلوع الشمس، الثّانى عشر من شوّال حدثت زلزلة عظيمة مهولة بدمشق سقط منها بعض شرف الجامع الأموى وتشقّق رأسا المنارتين الشّرقية والغربية، وكانت المنارة الشماليّة تهتز اهتزاز السّعفة فى الرّيح العاصفة. ثمّ جاءت زلزلة أخرى بعد ساعة، ثم جاءت زلزلة ثالثة بعد العصر. وأثرت هذه الزّلزلة آثارا شنيعة بحلب وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وكفر طاب وتل بارين والمعرّة وتل باشر وعزاز وأفامية وأبو قبيس والمنيطرة وحصون الباطنيّة بأسرها. وامتدّت إلى الجزيرة والموصل ونصيبين وسنجار ودنيسر وماردين والرّها وحرّان ورأس العين والرّقّة وقلعة جعبر وقلعة نجم وبالس ومنبج وبزاعا وعين تاب وحارم وأنطاكية وما خلفها من الثغور وبيروت وأطرابلس وعرقة وطرسوس وجبلة والمرقب واللاذقيّة وعكّا وصور وغيرها؛ فمنها ما دمّر بأسره ومنها ما ذهب أكثره ومنها ما ذهب بعضه ومنها ما تشعّث. وهلك بحلب عدد كثير من النّاس وببعلبك، ولم يهلك بدمشق غير واحد أصابته قطعة من حجر فسقط على درج جيرون فمات. وجاءت بدمشق زلازل فى عدّة ليالى وأيّام إلى يوم الجمعة عاشر ذى القعدة (١). فيها ولى القاضى المفضّل أبو القاسم هبة الله بن كامل قضاء القضاة فى ذى الحجة؛ فرتّب صلاح الدّين الفقيه عيسى الهكّارى بحكم (٢) القاهرة وابن كامل بحكم مصر.

стр. 1008

سنة ست وستين وخمسمائة (١): فيها رفع صلاح الدّين جميع المكوس بديار مصر وأبطلها. وفيها أمر بهدم المعونة بمصر (٢) فهدمت، وعمرها مدرسة للشّافعيّة؛ ولم يكن قبل ذلك بديار مصر مدرسة لأحد من الفقهاء فإنّ الدّولة كانت إسماعيلية. وهذه المدرسة بجوار جامع عمرو بن العاص وعرفت أخيرا بالمدرسة الشريفيّة؛ وهى أول مدرسة عمرت بمصر لإلقاء العلم. وأنشأ دار الغزل به مدرسة للمالكية بجوار الجامع أيضا، وتعرف اليوم هذه المدرسة بالقمحيّة (٣). وفيها عزل صلاح الدّين قضاء مصر من الشّيعة، وولّى قاضى القضاة صدر الدّين عبد الملك بن درباس الهدبانى الشافعى (٤)، وجعل إليه الحكم فى جميع بلاد مصر بعد ما أحضره من المحلّة، وخلع عليه فى يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة؛ فعزل من كان بها من القضاة واستناب عنه قضاة شافعيّة. ومن حينئذ اشتهر مذهب الشافعىّ ومذهب مالك بديار

стр. 1009

مصر وتظاهر الناس بهما (١)، واختفى مذهب الشّيعة من الإماميّة والإسماعيلية. وبطل من حينئذ مجلس الدّعوة بالجامع الأزهر وغيره. وفيها ابتدأ صلاح الدّين فى غزو الفرنج، فجمع الجنود والعساكر، وخرج فى أحسن زىّ إلى بلاد عسقلان والرملة فشنّ الغارات عليها، وهجم ربض مدينة غزّة، وواقع ملك الفرنج على الدّاروم ففلّ جمعه وقتل منه كثيرا من الفرنج، ونجا ملكهم بحشاشته. وعاد صلاح الدّين مظفّرا غانما. ثمّ خرج فى النّصف من ربيع الأوّل ومعه مراكب مفصّلة على الجمال، فسار إلى أيلة، وكان بها قلعة منيعة قد ملكها الفرنج، فألقى المراكب المحمولة معه بعد إقامتها وإصلاحها فى البحر، وشحنها بالرّجال والسّلاح، وضايق قلعة أيلة فى البرّ والبحر حتى افتتحها فى العشرين من ربيع الآخر، وقتل من بها من الفرنج، وسلّمها لثقات من أصحابه أقامهم فيها وقوّاهم بالسّلاح والميرة ونحو ذلك. ووردت عليه قافلة أهله فسار بهم إلى القاهرة ودخل فى سادس عشرى جمادى الأولى. ثمّ سار إلى الإسكندرية لمشاهدة سورها وترتيب أمورها، فدخلها وأمر بإصلاح السّور والأبراج؛ فعمر ما تهدّم منه. وفيها اشترى الملك المظفّر تقىّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيوب (٢) منازل العزّ بمصر (٣)، فى النّصف من شعبان، وجعلها مدرسة للشافعيّة، وأوقف عليها عدّة أماكن، منها الرّوضة تجاه مصر.

стр. 1010

وفيها خرج الأمير شمس الدّولة توران شاه إلى بلاد الصّعيد، وأوقع بالعربان، وغنم منها غنائم تجلّ عن الوصف، وعاد إلى القاهرة. وفيها ابتدأ صلاح الدّين بعمارة السّور الجديد على القاهرة (١). وفيها كثر بمصر عسكر صلاح الدّين وأقاربه وأصحابه، وانكفّت أمراء المصريّين عن التّصرّف ومنعوا من كلّ شيء، فبسطوا ألسنتهم بالقول ضدّ ما عليه صلاح الدّين وأصحابه من الفعل فى محو آثار الدّولة الفاطمية وإزالة رسومها، وخلع العاضد وقتله: والدّعاء للخليفة العبّاسى. فلمّا رأى أمره قد قوى وأوتاد دولته قد تمكّنت من البلاد عزم على إظهار ما يخفيه؛ فواعد أمراء النّشابين على أن يمضوا إلى بيوت الأمراء المصريّين فى اللّيل، ويقف كل أمير منهم بجنده على باب أمير من أمراء مصر، فإذا خرج للخدمة قبض عليه واحتاط على داره وما فيها وأخذها لنفسه. فأصبحوا واقفين على منازل الأمراء المصريّين بأجنادهم، فما هو إلا أن يخرج الأمير من منزله ليصير إلى الخدمة على عادته فإذا بالأمير الشّامىّ الّذى قد عيّن له وقد قبض عليه وأوثقه، وهجم بمن معه على داره فملكها بجميع ما تحتوى عليه، وما يتعلّق بصاحبها وينسب إليه من أهل ومال وخيول وعبيد وجوار، وما له من إقطاع. فلم ينتشر الضّوء حتّى علت الأصوات وارتفعت الضّجّات وثار الصّياح من كلّ جانب، وصار الأمراء الشاميّون فى سائر نعم أمراء مصر، وأصبح الأمراء المصريّون أسرى معتقلين فى أيدى أعاديهم. فال أمرهم إلى أن صار الأمير منهم بوّابا على الدّار التى كان يسكنها، وصار آخر منهم سائس فرس كان يركبها، وصار آخر وكيل القبض فى بلد كانت إقطاعا له؛ ونحو ذلك من أنواع الهوان. وبلغ ذلك العاضد فشقّ عليه وأرسل إلى صلاح الدّين يسأله عن سبب القبض على الأمراء، فبعث إليه بأنّ هؤلاء الأمراء كانوا عصاة لأمرك والمصلحة قتلهم وإقامة غيرهم ممّن يمتثل أمرك. فسكت.

стр. 1011

وتقوّى صلاح الدّين وعظم أمره، وذهب من كان يخشاه ويخافه، وأخرج أكثر إقطاعات الأجناد بمصر، وزاد الأمير شمس الدّولة على إقطاعه ناحية بوش (١) ودهشور (٢) والمنوفيّة وغير ذلك. وانحلّ أمر العاضد. فيها قبض صلاح الدّين على جميع بلاد العاضد ومنع عنه سائر موادّه، بحيث لم يبق له شيئا؛ وقبض على القصور وسلّمها إلى الطّواشى بهاء الدّين قراقوش الأسدى (٣)، وهو يومئذ زمام القصور من بعد قتل مؤتمن الخلافة، وصار له فى القصر موضع، فلا يدخل شيء من الأشياء إلى القصر ولا يخرج منه إلا بمرأى منه ومسمع. وضيّق على أهل القصر حتى قبض فى هذه الأيّام على جميع ما فيها، وصار العاضد معتقلا تحت أيديهم. وفيها أمر صلاح الدّين بتغيير شعار الفاطميّين، وأبطل ذكر العاضد من الخطبة. وكان الخطيب يدعو للإمام أبى محمّد، فتخاله العامّة والرّوافض العاضد وهو يريد أبا محمد الحسن المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين الخليفة (٤). ثم أعلن بالعزم على إقامة الخطبة العبّاسية. وفيها مات الشيخ الموفّق يوسف بن محمد أبو الحجاج، ابن الخلاّل، كاتب الدّست (٥).

стр. 1012

وفى يوم الجمعة سلخ ذى الحجة عزم صلاح الدّين على الإعلان بالأمر وكشف الغطاء فأحجم الخطباء عن ذلك تقيّة وحذرا، فانتدب لذلك رجل من أهل المغرب يقال له اليسع ابن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع أبو يحيى الغافقى الأندلسى، فقصد المنبر مستعدّا من الحديد بما يدفع عن نفسه إن أراده أحد بسوء؛ فخطب ودعا للخليفة أبى محمّد الحسن المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وذكر نسبه إلى العبّاس. وقيل بل كان ذلك فى السنة الآتية (١).

стр. 1013

سنة سبع وستين وخمسمائة (١): فى أوّل المحرّم نسخ منشور بنقل السّنة الخراجيّة إلى السّنة الهلاليّة لخلوّ هذه السّنة من نوروز (٢). ومنذ نقلت السّنة فى أيّام الأفضل أمير الجيوش، كما تقدم ذكره، لم تنقل، وانسحب الأمر حتى تداخلت السّنون، وصار التّفاوت بين العربيّة والقبطيّة سنتين. وفى رابعه جلس العاضد بعد الإرجاف بأنّه أثخن فى رمضه، فشوهد على ما حقّق الإرجاف من ضعف القوى وتخاذل الأعضاء وظهور الحمّى؛ وقيل إنها تفشّت بأعضائه.

стр. 1014

وأمسك طبيبه المعروف بابن السّديد (١) عن الحضور إليه، وامتنع من مداواته (٢)، وخذله مساعدة عليه للزّمان، وميلا مع الأيّام. وفيها نزل نجم الدّين أيّوب بجماعة معه إلى الجامع وأمر الخطيب ألاّ يذكر العاضد، وقال إن ذكرته ضربت عنقك. فقال لمن أخطب؟ فقال للخليفة المستضيء بأمر الله العبّاسى. فلمّا خطب لم يذكر العاضد ولا غيره، بل دعا للأئمة المهديّين والملك النّاصر. فقيل له فى ذلك، فقال: ما علمت اسم المستضيء ولا نعوته، وفى الجمعة الثّانية أفعل ما يجب فعله وأذكره. فلمّا بلغ العاضد ذلك قال فى الجمعة الأخرى يعيّنون اسم الرّجل المخطوب له. فلمّا كانت الجمعة الثانية، وهى سابعه (٣)، خطب باسم الخليفة المستضيء بأمر الله أبى محمّد الحسن بن المستنجد بالله أبى المظفّر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله محمّد ابن المستظهر بالله. وقطعت الخطبة للعاضد لدين الله فانقطعت ولم تعد بعدها إلى اليوم الخطبة للفاطميّين. وذلك أنه لمّا ثبتت قدم صلاح الدّين بالدّيار المصريّة وأزال المخالفين له، وضعف أمر الخليفة العاضد بقتل رجاله وذهاب أمواله، وصار الحكم على قصره قراقوش، طواشى أسد الدّين، نيابة عن صلاح الدّين، وتمكّنت عساكر نور الدّين من مصر - طمع فى أخذها. وكتب إلى صلاح الدّين - وفى ظنّه وظنّ جميع عساكره أنّ صلاح الدّين إنمّا هو نائب عنه فى مصر متى أراد سحبه بإذنه لا يمتنع عليه - يأمره بقطع خطبة العاضد وإقامتها للمستضيء العبّاسى. فاعتذر بالخوف من قيام المصريّين عليه وعلى من معه لميلهم - كان - إلى الفاطميّين، ولأنّه خاف من قطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء (٤) أن يسير

стр. 1015

نور الدّين إلى مصر وينزعه منها. فلم يقبل منه نور الدّين وألحّ عليه وألزمه إلزاما لم يجد مندوحة عن مخالفته، وساعدته الأقدار بمرض العاضد المرض الّذى غلب على الظّنّ أنّه لا يعيش منه. فجمع صلاح الدّين أصحابه إليه واستشارهم فى ذلك، فاختلفوا، فمنهم من أشار بقطع خطبة العاضد، ومنهم لم يشر بها. وكان قد دخل إلى مصر رجل عجمىّ يعرف بالأمير العالم، يزعم أنّه عبّاسى فاطمىّ من أيّام الصّالح بن رزّيك، وما زال ينتقل فى قوالب الانتساب وأساليب الاكتساب. فلمّا رأى ما هم فيه من الإحجام وأنّ أحدا لا يتجاسر ويخطب للمستضيء قال: أنا أبتدئ الخطبة له. فصعد يوم الجمعة المنبر بالجامع العتيق وخطب للمستضيء قبل الخطيب، فلم ينكر أحد عليه ولا تحرّك له. فتيقّن حينئذ صلاح الدّين ذهاب قوّة القوم من وال يغريهم. فتقدّم إلى جميع الخطباء بأن يخطبوا فى الجمعة الآتية للمستضيء، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر. فكان الذى ابتدأ بالخطبة للمستضيء فى الجامع العتيق بمصر أبو عبد الله محمّد ابن الحسن بن الحسين بن أبى المضاء الدمشقى (١). وكان قدم به أبوه إلى مصر فنشأ بها وقرأ الأدب، ورحل إلى دمشق وبغداد وتفقّه، وعاد إلى مصر، واتّصل بخدمة السّلطان صلاح الدّين فولاّه الخطابة بمصر ثم بعثه رسولا إلى بغداد، فمات بدمشق. وولى الخطابة بعده الشيخ أبو إسحاق العراقى. فكتم أهل العاضد ذلك عنه لشدّة ما به من المرض. وكان ذلك من أعجب ما يؤرّخ، فإنّ الخطبة بديار مصر أوّل ما خطب بها للمعزّ لدين الله، أول خلائف الفاطميّين بمصر،

стр. 1016

عمر بن عبد السّميع العبّاسى الخطيب بجامع عمرو، كما تقدم ذكره (١)، وكان الذى قطع خطبة العاضد، آخر خلائفهم، رجل عبّاسىّ. ومثله فى الغرابة أن الفاطميّين لم يتمكّنوا من الدّيار المصريّة حتى قصدوها بعساكرهم مرتين مع القائم بن المهدى ولم يفتح، وفتحوها فى الثالثة على يد جوهر؛ وكذا حصل فى زوالهم من مصر فإن شيركوه قصد مصر مرّتين ورجع، ثم قصدها المرّة الثّالثة واستقرّ بها حتى أزالت عساكره الدّولة. فى ثامنه أمر صلاح الدّين بركوب عساكره كلّها قديمها وجديدها، بعد أن تكامل سلاحهم وخيولهم، وخرج لعرضهم، وهى تمرّ عليه موكبا بعد موكب وطلبا بعد طلب. والطّلب بلغة الغزّ هو الأمير المقدّم الّذى له علم معقود وبوق مضروب وعدّة من الجند ما بين مائتى فارس إلى مائة فارس إلى سبعين فارسا. واستمرّ طول النّهار فى عرضهم. وكانت العدّة الحاضرة مائة وسبعة وأربعين طلبا والغائب منها عشرون طلبا، وتقدير العدة أربعة عشر ألف فارس. فى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من المحرّم، عشيّة يوم عاشوراء، نفذ حكم الله المقدور، وقضاؤه الذى يستوى فيه الآمر والمأمور، فى العاضد لدين الله، فى الثّلث الأوّل من ليلة الاثنين يوم عاشوراء، وقامت عليه الواعبة (٢)، وعظمت ضوضاء الأصوات النّادبة، حتى كأن القيامة قد قامت. وكان بين وضع اسمه من أعواد المنابر ورفع جسمه على أعواد النّعش ثلاثة أيّام. فاعتنى به صلاح الدّين عن أن يبتذل أو يهان بعد الموت، وكان من معه من الأمراء يريدون ذلك؛ وأمر بكفّ الأيدى واعتقال الألسنة عن التعرّض إليه بسوء؛ وركب معزّيا لأهل القصر. وأمر بتجهيزه وقد أظهر الكآبة والحزن وأجرى دمعه، ووعد أهله بحسن الخلافة على أيتام العاضد وهم ثلاثة عشر ولدا: أبو الحسن، وأبو سليمان داود، وأبو الحجّاج يوسف، وأبو الفتوح، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو الفضل

стр. 1017

جعفر، وأبو داود موسى، وأبو زكريّا يحيى، وعبد القوى، وعبد الكريم، وعبد الصّمد، وأبو اليسر، وأبو القاسم عيسى (١). وأمر بإنشاء الكتب إلى البلاد بذكر وفاة العاضد وأنّ الخطبة استقرّت للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين العبّاسى، وألاّ يخوض أحد فى شأن العاضد ولا يطعن فى سلطان. وكتب إلى نور الدّين بموت العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء كما أشار به مع ابن (أبى) عصرون (٢). وفى حادى عشره عمل الباقى بالإيوان، وحضر السلطان صلاح الدّين؛ وكان محفلا حافلا وجمعا حاشدا، فيه خلق من الزّوايا وأهل التّصوّف وغيرهم. واهتمّ بما يحمل من أطعمة العزاء. وكانت النّفوس متطلّعة إلى إقامة خليفة بعد العاضد من أهله يشار إليه بالأمر، فلم يرض ذلك صلاح الدّين. ومات العاضد وعمره إحدى وعشرون سنة غير عشرة أيّام، منها فى الخلافة إلى أن أعيدت دولة بنى العبّاس فى مستهلّ المحرّم سنة سبع وستّين وخمسمائة إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما. وكان كريما سمحا لطيفا، ليّن الجانب، يغلب عليه الخير وينقاد إليه. وكان أسمر حلو السّمرة كبير العينين أزجّ الحاجبين (٣)، فى أنفه حلس (٤) وفى منخريه انتشار، وفى شفتيه غلظ.

стр. 1018

وترك العاضد من الولد الأمير داود، والأمير عليّا ويقال أبو علىّ، والأمير عبد الكريم، وتميما، وموسى، وعبد القوى، وجعفر، وعبد الصّمد، وأبا الفتوح، وحيدرة، وإبراهيم، ويحيى، وجبريل، وعيسى، وسليمان، ويوسف (١). غير أنّ أيّامه كانت ذات مخاوف وتهديدات، وقاسى شاورا وتلوّناته ومخايلاته، ثم محاصرة الفرنج ومضايقته. وفى أيّامه احترقت مصر وذهبت أموال أهلها وزالت نعمتهم بالحريق والنّهب. وكان متغاليا فى مذهبه شديدا على من خالفه. ولم يكن فيمن ولى من آبائه من أبوه غير خليفة سواه ومن قبله الحافظ، وما عداهما فلم يل منهم أحد الخلافة إلاّ من كان أبوه خليفة. وقال ابن خلّكان: سمعت جماعة من المصريّين يقولون إنّ هؤلاء القوم فى أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء اكتب لنا ورقة تذكر فيها ألقابا تصلح للخلفاء حتّى إذا تولّى واحد لقّبوه ببعض تلك الألقاب، فكتب لهم ألقابا كثيرة، وآخر ما كتب فى الورقة العاضد، فاتّفق أنّ آخر من ولى منهم تلقّب بالعاضد؛ وهذا من عجيب الاتّفاق (٢). قال: وأخبرنى أحد علماء المصريّين أيضا أنّ العاضد رأى فى آخر دولته فى منامه كأنّه بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغته، فلمّا استيقظ ارتاع لذلك وطلب بعض معبّرى الرؤيا وقصّ عليه المنام، فقال ينالك مكروه من شخص هو مقيم فى هذا المسجد، فطلب والى مصر وأمره يكشف عمّن هو مقيم فى المسجد المذكور، وكان العاضد يعرفه. فمضى الوالى إلى المسجد فرأى فيه رجلا صوفيّا، فأخذه ودخل به على العاضد، فلمّا رآه سأله من أين هو، ومتى قدم البلاد، وفى أىّ شيء قدم، وهو يجاوبه عن كلّ سؤال. فلمّا ظهر له منه ضعف الحال والصّدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئا وقال له: يا شيخ ادع لنا، وأطلق سبيله؛ فنهض من عنده وعاد إلى المسجد. فلما استولى صلاح الدّين وعزم على القبض على العاضد واستفتى الفقهاء أفتوه بجواز ذلك

стр. 1019

لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع فى الصّحابة، وكان أكثرهم مبالغة فى الفتيا الصّوفى المقيم فى المسجد - وهو نجم الدّين الخبوشانى (١) - فإنه عدّد مساوئ القوم وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام فى ذلك؛ فصّحت بذلك رؤيا العاضد. وحكى الشّريف الجليس أنّ العاضد طلبه يوما، فلمّا دخل عليه رأى عنده مملوكين من التّرك عليهما أقبية، فسأله عنهما، فقال له: هذه هيئة الّذين يملكون ديارنا ويأخذون أموالنا؛ فلمّا دخل الغزّ كانت هيئتهم كهيئة هذين المملوكين (٢). ومن العجيب أنّه لم يمت بالقصر منهم إلاّ المعزّ أولهم بمصر والعاضد آخرهم، وعدّتهم أربعة عشر دفنوا كلّهم بالتّربة فى المجلس؛ فلو اتّفق أنّه مات آخر لم يوجد له عندهم مكان يدفن فيه لامتلائه بقبور الأربعة عشر، وهذا أيضا من عجيب أمرهم. ولمّا مات العاضد استولى صلاح الدّين على جميع ما كان فى القصر، فإنّ قراقوش قام بحفظه، فلم يجد فيه كثير مال، لكنّه وجد فيه من الفرش والسّلاح والذّخائر والتّحف ما يخرج عن الإحصاء، ووجد فيه من الأعلاق النّفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدّنيا من مثله، ومن الجواهر ما لا يوجد عند غيرهم مثله. منها حبل ياقوت زنته سبعة عشر درهما أو سبعة عشر مثقالا، ونصاب زمرد طوله أربعة أصابع فى عرض كبير (٣)، ولؤلؤ كثير،

стр. 1020

وإبريق من حجر مانع يسع مائة رطل ماء (١)، وسبعمائة يتيمة بزهر (٢)، والطّبل الذى صنع لإزالة القولنج، وكان بالقرب من موضع العاضد، فلمّا احتاطوا بالقصر ظنّوه عمل للّعب فسخروا من العاضد، وضرب عليه إنسان فضرط فتضاحك من حضر منهم، ثم ضرب عليه آخر فضرط، ثم آخر من بعد فضرط، حتى كثر ذلك فألقاه من يده فتكسّر؛ وقيل للسّلطان عليه وأنّه عمل للقولنج فندم على كسره. ووجد من الكتب النّفيسة ما لا يعدّ؛ ويقال إنها كانت ألف ألف وستمائة ألف كتاب، منها مائة ألف مجلّد بخطّ منسوب (٣)، وألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطّبرى؛ فباع السلطان جميع ذلك، وقام البيع فيها عشر سنين (٤). ونقل أهل العاضد وأقاربه إلى مكان بالقصر ووكل بهم من يحفظهم. وأخرج سائر ما فى القصر من العبيد والإماء فباع بعضهم وأعتق بعضهم ووهب منهم. وخلا القصر من ساكنه كأن لم يغن بالأمس. وكانت مدّة الدّولة الفاطميّة بالمغرب ومصر منذ دعا للمهدىّ عبيد الله برقّادة من القيروان إلى حين قطعت من ديار مصر مائتى سنة وتسعا وستّين سنة وسبعة أشهر وأيّاما، أوّلها لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين وآخرها سلخ ذى الحجّة سنة ستّ وستّين وخمسمائة. منها بالمغرب إلى حين قدوم القائد جوهر إلى مصر أحد وستّون سنة وشهران وأيّام؛ ومنها بالقاهرة ومصر مائتا سنة وثمانى سنين. وما أعجب قول المهدى ابن الزّبير فى مدح العاضد:
следующие страницы →