Полный текст (1 332 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فأصاب منيته فجاء بها ... صدفيّة كمضيئة الجمر
فلتلك شبه المالكية إذ ... طلعت ببهجتها من الخدر
[الخزانة/ ٣/ ٢٣٦].
٣٤ - ورثوا السّيادة كابرا عن كابر ... إنّ الخيار هم بنو الأخيار
الأصل في الشاهد الشطر الأول من البيت، وقد يذكرونه على أنه مثل نثري. ولكنه شطر موزون. وقد جاء هذا التركيب أو قريب منه عند كثير من الشعراء.
فقال البحتري:
شرف تتابع كابرا عن كابر ... كالرّمح أنبوبا على أنبوب
وقال حسان بن ثابت:
ورثت الفعال وبذل التلا ... د والمجد عن كابر كابر
وقال النابغة الذبياني:
بقية قدر من قدور توورثت ... لآل الجلاح كابرا بعد كابر
والبيت الشاهد من قصيدة لكعب بن زهير يمدح بها الأنصار، وقد اختلفوا في إعراب معنى التركيب.
والمعنى القويّ: تساويهم في الفضائل، وتناسقهم فيها واحدا بعد واحد، وليس أحدهما بأفضل من الآخر، لأن «عن» في التركيب، بمعنى (بعد) كقوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩].
وكلمة «كابر» ذكروا لها ثلاثة معان: الأول: بمعنى «كبير» والثاني: أنه للمبالغة من كابرته، فكبرته، أي: غلبته في الكبر، وأنا كابر.
والثالث: أنه اسم بمعنى الجمع.
وكابرا: منصوب بنزع الخافض، والتقدير: من كابر لأنّ ورث يتعدى إلى مفعول واحد، وهو الموروث منه، وتأتي بالموروث بعده بدل اشتمال، تقول: ورثت أبي ماله،
стр. 387
ومالا منه، فإن عدّيته إلى الموروث، جئت بالموروث منه مجرورا بمن، أو عن، تقول:
ورثت المال من أبي ومالا عن أبي، وقد ظن بعضهم أن كابرا الأول هو الوارث والثاني هو الموروث منه، فقالوا: إن «كابرا» حال، وليس كذلك، وإنما الأول هو الموروث منه، وقال قوم إن «عن» متعلقة ب «كابرا» فقال ابن جني، إن في هذا المعنى تشنع على القوم، لا تمدّح لهم. وذلك إذا كبر بعضهم عن بعض، فكان ذلك غضا من المفضول، وإنما ينبغي أن يقال: إنهم متتابعو الشرف متشابهو الفضل. [الخزانة/ ١٠/ ١١٨، والسيرة/ ٨٩٣].
٣٥ - متكنّفي جنبي عكاظ كليهما ... يدعو وليدهم بها عرعار
البيت آخر أبيات تسعة للنابغة الذبياني، حذّر بها عمرو بن المنذر بن ماء السماء، ملك الحيرة من أعدائه، وهم قوم النابغة. أخبره بأنهم نزلوا بعكاظ وهم كثيرون، ينتظرون وقوع الربيع، فيرعونه ويحاربونه، وأولها:
من مبلغ عمرو بن هند آية ... ومن النصيحة كثرة الإنذار
لا أعرفنّك عارضا لرماحنا ... في جفّ تغلب وارد الأمرار
إلى أن قال:
فيهم بنات العسجديّ ولاحق ... ورق مراكلها من المضمار
تشلى توابعها إلى ألّافها ... خبب السباع الولّه الأبكار
متكنّفي .. البيت.
ومعنى البيت الشاهد: أنهم يقيمون في كنفي جنبي عكاظ، والكنف: الناحية، وهو جمع مذكر سالم حذفت منه نونه
للإضافة، والإضافة لفظية ولذلك صح إعراب متكنّفي: حالا من أصحاب هذه الخيل. وعكاظ: السوق المعروفة في نواحي الطائف.
وكليهما: توكيد لقوله «جنبي» والوليد: الصبي، وبها: الضمير يعود إلى عكاظ، و (عرعار) لعبة للصبيان، إذا خرج الصبي من بيته ولم يجد أحدا يلاعبه، رفع صوته فقال: (عرعار)، أي: هلمّوا إلى العرعرة، فإذا سمعوا صوته خرجوا ولعبوا معه تلك اللعبة. وعرعار مبني على الكسر، وهو معدول عن قولهم «عرعر» أي: اجتمعوا للعب، ويريد الشاعر: أنهم آمنون في إقامتهم هناك لعزّهم وكثرتهم، وصبيانهم يلعبون بهذه
стр. 388
اللعبة لبطرهم ورفاهيتهم، والشاهد: أن عرعار اسم فعل أمر معدول عن الرباعي «عرعر».
قال أبو أحمد: وقصة هذا البيت، من أمثلة كثيرة، نفنّد بها آراء نقدة الأدب الذين يقولون: إنّ القصيدة العربية مفككة وإن البيت وحده القصيدة، وهل يمكن فهم هذا البيت دون وضعه في سياقه؟ وقد عرضنا هذه القضية في مقدمة هذا الكتاب، فانظر القول الفصل فيها. [الخزانة/ ٦/ ٣١٤، وشرح المفصل/ ٤/ ٥٢، والأشموني/ ٣/ ١٦٠].
٣٦ - وخطرت أيدي الكماة وخطر ... راي إذا أورده الطّعن صدر
هذا رجز للعجّاج .. وخطرت: اختلفت يمينا وشمالا عند القتال، و «راي» جمع راية، وهو فاعل «خطر» أورده الطعن: أي: إذا أورد الطاعن تلك الرايات دماء المطعونين بالرماح، صدرت صدور الوارد عن الماء بعد الورود، وجعل الفعل للطعن اتساعا.
والشاهد: جمع راية على «راي» بطرح التاء، وأكثر ما يجيء هذا في الأجناس المخلوقة، ولا يكاد يقع فيما يصنعه البشر إلا نادرا، ومثل راية - وراي - ساعة وساع، وهامة وهام. [سيبويه/ ٢/ ١٨٩، والخصائص/ ١/ ٢٦٨، وديوان العجاج].
٣٧ - إذا تخازرت وما بي من خزر
لعمرو بن العاص، وتخازر: تكلّف الخزر ونظر بمؤخر عينه. والشاهد: تخازرت:
قال سيبويه: وقد يجيء تفاعلت ليريك أنه في حال ليس فيها، مثل تغافلت وتعاميت وتعارجت، وتخازرت، فقوله: وما بي من خزر، يدل على ذلك، والأصل في وزن «تفاعلت» أن يدل على فعل الاثنين نحو: تضاربنا، وترامينا، وتقاتلنا، وقد يجيء مرادا له فعل الواحد مثل: تماريت، وتراءيت له، وتعاطيت، وعليه وزن «فاعلته» يأتي للمشاركة
نحو: ضاربته، وفارقته، وخاصمته، وقد يجيء لا يراد به عمل الاثنين، نحو: ناولته وعافاه الله، وسافرت، وظاهرت عليه. [سيبويه/ ٢/ ٢٣٩، وشرح المفصل/ ٧/ ٨٠].
٣٨ - لست بليليّ ولكني نهر ... لا أدلج الليل ولكن أبتكر
стр. 389
من شواهد سيبويه. يقول: أسير بالنهار ولا أستطيع سرى الليل. والإدلاج: سير الليل كله. والشاهد: نهر، إذ بناه على فعل وهو يريد النسب لا المبالغة. [سيبويه/ ٢/ ٩١، والأشموني/ ٤/ ٢٠١، واللسان (ليل)، (نهر)].
٣٩ - يا سارق الليلة أهل الدار
هذا رجز لا يعرف قائله. والشاهد فيه: جعل الليلة مسروقة، فالليلة مفعول مضاف وذلك على التوسع، وقد استشهد به الرضي على أنه قد يتوسع في الظروف المتصرفة - التي ترفع وتنصب وتجر - فيضاف إليها المصدر والصفة المشتقة منه، فإن الليلة ظرف متصرف، وقد أضيف إليه «سارق» وهو وصف، أي «مشتق» وقد وقع هذا في كتاب سيبويه وأورده الفرّاء أيضا في تفسيره عند قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ. [إبراهيم: ٤٧].، وقال: أضاف سارق إلى الليلة ونصب أهل، وكان بعض النحويين ينصب الليلة ويخفض أهل فيقول «يا سارق الليلة أهل الدار»، وقال ابن خروف: أهل الدار منصوب بإسقاط الجار، ومفعوله الأول محذوف، والمعنى: يا سارق الليلة لأهل الدار متاعا، فسارق: متعد لثلاثة مفاعيل، أحدها الليلة على السعة، والثاني: بعد إسقاط حرف الجرّ، والثالث: مفعول حقيقي، وجميع الأفعال متعديها ولازمها يتعدى إلى الأزمنة والأمكنة، قال البغدادي: وفي كلام ابن خروف نظر: فإن أهل اللغة نقلوا أن «سرق» يتعدى بنفسه إلى مفعولين، قال صاحب المصباح وغيره:
سرقه مالا يسرقه من باب ضرب، وسرق منه مالا، يتعدى إلى الأول بنفسه وبالحرف على الزيادة، فجعل «من» في المثال الثاني زائدة، فالصواب أن «الليلة» هو المفعول الأول، وأهل الدار بدل منها، فيقتضي أن يكون منصوبا بسارق آخر، لأن البدل على نية تكرار العامل، والمفعول الثاني حذف لإرادة التعميم، أي: متاعا ونحوه. [الخزانة/ ٣/ ١٠٨، وسيبويه/ ١/ ٨٩، ٩٩، وشرح المفصل/ ٢/ ٤٥، ٤٦، وأمالي ابن الشجري/ ٢/ ٢٥٠].
٤٠ - أعوذ بربّ العرش من فئة بغت ... عليّ فمالي عوض إلّاه ناصر
البيت لم يسمّ قائله، وعوض: ظرف يستغرق الزمان المستقبل مثل «أبدا» إلا أنه يختصّ بالنفي، وهو مبني على الضمّ، والشاهد قوله: «إلّاه»، إلا: حرف استثناء، والهاء: ضمير يعود إلى ربّ العرش، مستثنى، ووقوع الضمير المتصل بعد «إلا» لا يجوز
стр. 390
إلا في ضرورة الشعر، وقال قوم: إنه جائز في سعة الكلام. [شرح التصريح/ ١/ ٩٨، والعيني/ ١/ ٢٥٥].
٤١ - وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... أن لا يجاورنا إلّاك ديّار
لا يعرف قائله، وقوله: ديّار: معناه، أحد، ولا يستعمل إلا في النفي العام، قال تعالى: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [نوح: ٢٦]، وقوله: ما علينا: ما نافيه، علينا: خبر مقدم، وأن المصدرية وما دخلت عليه، مبتدأ مؤخر، والشاهد: قوله: إلّاك؛ إلّا: أداة استثناء، والكاف: مستثنى، حيث وقع الضمير المتصل بعد «إلّا» شذوذا، ويروى البيت: «ألّا يجاورنا حاشاك» ولا شاهد فيه حينئذ. [شرح المفصل/ ٣/ ١٠١، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ٣٣٣، والخزانة/ ٥/ ٢٧٨].
٤٢ - إني حلفت ولم أحلف على فند ... فناء بيت من الساعين معمور
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت ... إيّاهم الأرض في دهر الدهارير
البيتان للفرزدق من قصيدة يفخر فيها ويمدح يزيد بن عبد الملك بن مروان، والشاهد في البيت الثاني وإنما ذكرت الأول ليفهم سياق الكلام، وقوله: الدهارير: الزمن الماضي أو الشدائد، وهو جمع لا واحد له من لفظه.
وقوله: بالباعث: متعلقان ب: (حلفت) في البيت السابق. الأموات: يجوز فيه وجهان:
الجرّ: مضاف إليه، والمضاف: الباعث والوارث، والوجه الثاني: نصب الأموات بالفتحة على أنه مفعول به يتنازعه الوصفان فأعمل فيه الثاني وحذف ضميره من الأول، إياهم:
مفعول به للفعل «ضمنت» تقدم على الفاعل «الأرض».
والشاهد: ضمنت إياهم: حيث عدل عن وصل الضمير إلى فصله، وذلك خاص بالشعر. والأصل «ضمنتهم الأرض»، وهو كثير في الشعر، ومنه قول زياد بن منقذ:
وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلا يزيدهم حبّا إليّ هم
والأصل: «يزيدونهم حبا إليّ». [الإنصاف/ ٦٩٨، والأشموني/ ١/ ١١٦، والخزانة/ ٥/ ٢٨٨، ٢٩٠].
٤٣ - بكيت على سرب القطا إذ مررن بي ... فقلت ومثلي بالبكاء جدير
стр. 391
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلّي إلى من قد هويت أطير؟
البيتان منسوبان للأحنف بن قيس، وهو عباسي، وينسبان أيضا إلى مجنون ليلى، قلت: والبيتان من أجمل وأرقّ
ما قال الشعراء، فهما نهر من العواطف الصادقة المتدفقة، ويدلّان على الرباط الوثيق الذي يجمع بين الأهل مهما تناءت المسافات، وشغلت الشواغل، وقد استعرت جناحي هذين البيتين، فحلقت بهما فوق الحدود، وتخطيت الحرّاس، إلى أن وصلت إلى أهلي حيث يقيمون في هذه الساعة (١/ ١ / ١٩٩٣ م) في سجن الأعداء.
والشاهد في البيت الثاني: استخدام «من» لغير العاقل، في قوله «هل من يعير جناحه» لإنزاله ما لا يعقل، بمنزلة من يعقل، حيث ناداه في أول البيت، وهل: حرف استفهام، من: اسم موصول: مبتدأ، وجملة «يعير» صلة الموصول والخبر محذوف، ومنهم من أعرب جملة (يعير) خبر المبتدأ، وكأنهم لمحوا في «من» معنى الاستفهام. [الهمع/ ١/ ٩١، والأشموني/ ١/ ١٥١، والعيني/ ١/ ٤٣١].
٤٤ - ما الله موليك فضل فاحمدنه به ... فما لدى غيره نفع ولا ضرر
البيت مجهول القائل، وقوله: ما: اسم موصول مبتدأ، الله: مبتدأ، و «موليك» خبر عن لفظ الجلالة، والجملة صلة موصول، وفضل: خبر عن «ما» الموصولة، ولدى: خبر مقدم، نفع: مبتدأ مؤخر.
والشاهد: «ما الله موليك» حيث حذف الضمير العائد على الاسم الموصول، لأنه منصوب بوصف (اسم فاعل) والأصل «موليكه». [شرح التصريح/ ١/ ١٤٥، والهمع/ ١/ ٨٩، والأشموني/ ١/ ١٧٠].
٤٥ - ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
من الشواهد المجهولة القائل، وقوله: جنيتك: معناه: جنيت لك، ومثله في حذف اللام وإيصال الفعل إلى ما كان مجرورا، قوله تعالى: وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: ٣]، والْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: ٣٩]، وأكمؤ: جمع كمء - بفتح الكاف - ويجمع الكمء على كمأة، أيضا، فيكون المفرد خاليا من التاء، وهي في جمعه، على عكس «تمر، وتمرة»، وهذا من نوادر اللغة، و «عساقل» جمع عسقول، بزنة
стр. 392
عصفور، نوع من الكمأة وكان أصله «عساقيل» فحذفت الياء كما حذفت في قوله تعالى:
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩]، فإنه جمع مفتاح، وبنات الأوبر: كمأة صغار مزغبة كلون التراب، كأمثال الحصى رديئة الطعم ...
وقوله: ولقد: الواو: للقسم، واللام: للتوكيد، وجنتيك: فعل وفاعل ومفعول أول، أكمؤا: مفعول ثان، وقوله: ولقد: الثانية: الواو عاطفة، واللام: موطئة للقسم.
والشاهد: «بنات الأوبر» حيث زاد «ال» في العلم، مضطرا لأن بنات أوبر علم على نوع من الكماة، والعلم لا تدخله «ال»، ومن الجائز أن تكون «بنات أوبر» نكرة، لأنه لا يريد كمأة بعينها، فصح دخول «ال» عليها. [شرح المفصل/ ٥ /
٧١، والأشموني/ ١/ ١٧٢، وشرح أبيات المغني/ ١/ ٣١٠].
٤٦ - رأيتك لما أن عرفت وجوهنا ... صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو
البيت لرشيد بن شهاب اليشكري، والمعنى: يندّد بقيس لأنه فرّ عن صديقه لما رأى وقع أسيافهم، ورضي من الغنيمة بالإياب فلم يدافع عنه ولم يتقدم للأخذ بثأر، وقوله:
رأيتك: فعل وفاعل ومفعول، وهي بصرية تنصب مفعولا واحدا، أن عرفت: (أن) زائدة، وقوله: طبت النفس، النفس: تمييز نسبة.
والشاهد: قوله: طبت النفس، حيث أدخل «أل» على التمييز، الذي يجب تنكيره، في مذهب البصريين، وهذا من الضرورات، أما الكوفيون فيرون تعريف التمييز وتنكيره، وبذلك تكون ال هنا أصلية. [العيني/ ١/ ٥٠٢، والهمع/ ١/ ٨٠، والأشموني/ ١/ ١٨٢، والمفضليات/ ٣١٠].
٤٧ - فأقبلت زحفا على الرّكبتين ... فثوب لبست وثوب أجر
هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس، وقوله: زحفا: مصدر: يجوز أن يؤول باسم فاعل، فيكون حالا، ويجوز بقاؤه، فيكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف.
والشاهد في الشطر الثاني: ثوب لبست، وثوب أجرّ، حيث وقع «ثوب» مبتدأ مع كونه نكرة، لأنه قصد التنويع، إذ جعل أثوابه أنواعا، فمنها نوع أذهله حبها عنه فنسيه، ومنها نوع قصد أن يجرّه على آثار سيرهما ليعفيها حتى لا يعرفهما أحد، ويروى البيت «فثوبا لبست» بالنصب، مفعول به للفعل بعده ولا شاهد في البيت حينئذ. [شرح المغني/ ٧ -
стр. 393
٣٧، والخزانة/ ١/ ٣٧٣، والعيني/ ١/ ٥٤٥].
٤٨ - كم عمّة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليّ عشاري
البيت للفرزدق، يهجو جريرا، وقوله: فدعاء: هي المرأة التي اعوجت إصبعها من كثرة حلبها، ويقال: الفدعاء، هي التي أصاب رجلها الفدع من كثرة مشيها وراء الإبل، والفدع: زيغ في القدم، بينها وبين الساق، عشاري: العشار: جمع عشراء، بضم العين وفتح الشين: وهي الناقة التي مضى عليها من وضعها عشرة أشهر.
والشاهد قوله: «عمة» حيث ذكره ابن عقيل شاهدا على وقوع المبتدأ نكرة بعد «كم» الخبرية، على رواية من رفع «عمة» وعلى هذا تعرب «كم» في محل نصب ظرفا متعلقا ب (حلبت) أو مفعولا مطلقا عامله «حلبت» وليس الأمر
كما قال، إذا روينا «عمة» بالرفع، وإنما المسوغ لمجيء المبتدأ نكرة، الوصف، فالجار والمجرور «لك» صفة ل عمّة.
والأقوى أن تعرب «كم» خبرية - في محل رفع مبتدأ - وعمة: تمييز مجرور، لأن الخبريّة تدل على الكثرة، والهجاء يتطلب ذلك. [سيبويه/ ١/ ٢٥٣، ٢٩٣، ٢٩٥، وشرح المفصل/ ٤/ ١٣٣، والعيني/ ١/ ٥٥٠، والهمع/ ١/ ٢٥٤، والأشموني/ ١/ ٢٠٧، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ١٦٥، والخزانة/ ٦/ ٤٥٨].
٤٩ - إلى ملك ما أمّه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره
البيت للفرزدق يمدح الوليد بن عبد الملك، ومحارب: اسم قبيلة وكذلك «كليب».
والشاهد فيه: «أمه من محارب أبوه» حيث قدم الخبر، وهو جملة «ما أمه من محارب» على المبتدأ وهو قوله: «أبوه»، والتقدير: إلى ملك أبوه ليست أمه من محارب.
وفيه شاهد: بلاغي على التعقيد اللفظي الذي سببه التقديم والتأخير كقول الفرزدق أيضا، يمدح إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أّمه حّي أبوه يقاربه
والتقدير: وما مثله في الناس حّي يقاربه إلا مملكا، أبو أمه أبوه. [الخصائص/ ٢/ ٣٩٤، والهمع/ ١/ ١١٨، والعيني/ ١/ ٥٢٥، وشرح أبيات المغني/ ٣/ ٣٤].
стр. 394
٥٠ - إنّي وأسطار سطرن سطرا ... لقائل يا نصر نصرا نصرا
رجز لرؤبة بن العجاج، وسطرن: كتبن، ويعني بالأسطار آيات القرآن، وقد فهم سيبويه أّن نصرا الثانية والثالثة عطف بيان على الأولى، لكن قال أبو عبيدة نصر المنادى:
نصر بن سيار، أمير خراسان، والثانية: حاجبه، ونصبه على الإغراء، يريد: يا نصر عليك نصرا، وقيل: النصر: العطية فيريد: يا نصر عطية عطية، وكان المازني يقول: يا نصر نصرا نصرا ينصبهما على الإغراء لأنّ «نصر» حاجب نصر بن سيار، وكان حجب رؤبة ومنعه من الدخول. فقال: اضرب نصرا وآلمه.
والشاهد: في رأي سيبويه: نصب «نصرا نصرا» حملا على محلّ «نصر» الأولى، لأنها في محل نصب. [سيبويه/ ١/ ٣٠٤، وشرح المفصل/ ٢/ ٣، والخزانة/ ٢/ ٢١٩].
٥١ - كيف رأيت زبرا ... أأقطا أو تمرا
أم قريشا صقرا
رجز لصفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وأم الزبير بن العوام، زبرا:
أرادت الزبير، وهو ولدها، فجعلته مكبرا وأصله التصغير، والأقط: شيء يصنع من اللبن، وكانت صفية قد جاءها صبيّ يطلب الزبير ليصارعه فصرعه الزبير فقالت هذا الرجز.
والشاهد: دخول «أم» معادلة للهمزة، واعتراض «أو» بينهما، والتقدير: أأحد هذين رأيته أم قرشيا، والمعنى: أرأيته في الضّعف واللين، كطعام يسوغ لك أم قرشيا ماضيا في الرجال، قال سيبويه: وذلك أنها لم ترد أن تجعل التمر عديلا للأقط، لأنّ المسؤول عنه لم يكن عندها، ممن قال: هو إما تمر وإما أقط وإما قرشي، ولكنها قالت: أهو طعام أم قرشيّ فكأنها قالت:
أشيئا من هذين الشيئين رأيته أم قرشيا.
[سيبويه/ ١/ ٤٨٨، واللسان «زبر»].
٥٢ - أنعت أعيارا رعين الخنزرا ... أنعتهنّ آيرا وكمرا
من شواهد سيبويه، والأعيار: جمع عير وهو حمار الوحش، والخنزر: موضع.
стр. 395
والشاهد: جمع (أير) على «أفعل» كما قالوا: ثوب وأثوب، والقياس أن تبنى على أفعال، كأبيات وأثواب. [سيبويه/ ٢/ ١٨٥، واللسان «خنزر»].
٥٣ - يقوم تارات ويمشي تيرا
رجز من شواهد سيبويه.
والشاهد: جمع تارة، وهي بمعنى الحين والمرة على تير، والقياس «تيار» بالألف لأن تارة فعلة في الأصل كرحبة ورحاب، إلا أن المعتل من الأفعال قد تحذف ألفه، كما قيل: ضياع وضيع طلبا للخفّة، لثقله بالاعتلال. [سيبويه/ ٢/ ١٨٨، وشرح المفصل/ ٥/ ٢٢، واللسان/ تور].
٥٤ - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعاتك القطر
البيت للشاعر ذي الرّمة، غيلان بن عقبة، يقوله في صاحبته «ميّة»، والجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيئا، والقطر: المطر، يدعو لدار حبيبته بأن تدوم لها السلامة على مرّ الزمان من طوارق الحدثان وأن يدوم نزول الأمطار بساحتها.
ألا: أداة استفتاح وتنبيه، يا: حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير «يا دار ميّة»، واسلمي: فعل أمر، وميّ: مضاف إليه وهي «ميّة» و «على البلى» متعلقان ب «اسلمي»، «لا زال» فعل ناقص، منهلّا: خبرها مقدم، بجرعائك: متعلقان ب «منهلا»، والقطر: اسم زال مؤخر، و «لا» هنا دعائية، وفي البيت شاهدان:
الأول: يا اسلمي: حيث حذف المنادى، قبل فعل الأمر، فاتصل حرف النداء بالفعل لفظا، ولا يحسن جعل «يا» حرف تنبيه، لسبقها ب «ألا» حرف التنبيه ولا يجتمع حرفان بمعنى واحد لغير توكيد.
والشاهد الثاني: «ولا زال ..» حيث أجرى «زال» مجرى كان في رفعها الاسم ونصب الخبر، لتقدم «لا» الدعائية عليها، والدعاء شبه النفي. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٨٥، والعيني/ ٢/ ٦، والهمع/ ١/ ١١١، والأشموني/ ٣/ ١٧١، وديوانه/ ١/ ٥٥٩].
٥٥ - ببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... وكونك إيّاه عليك يسير
стр. 396
البيت، لم يسمّ قائله، والمعنى: إن الرجل يسود في قومه، وينبه ذكره في عشيرته ببذل المال والحلم، وهو يسير عليك إذا أردت أن تكون ذلك الرجل، كونك:
مبتدأ، خبره جملة يسير، وكون: مصدر كان، يعمل عملها، والكاف: اسمه، و «إياه» خبره.
والشاهد: استعمال مصدر كان الناقصة، وإعماله عملها. [العيني/ ٢/ ١٥، والهمع/ ١/ ١١٤، والأشموني/ ١/ ٢٣١].
٥٦ - فأبت إلى فهم وما كدت آيبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
هذا البيت للشاعر تأبط شرا - ثابت بن جابر بن سفيان - من مقطوعة في حماسة أبي تمام، أولها:
إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
وقوله إلى «فهم» اسم قبيلة، وتصفر: أراد تتأسّف وتحزن على إفلاتي منها، بعد أن ظنّ أهلها أنهم قد قدروا عليّ، وقصة ذلك أن قوما من بني لحيان وجدوا تأبط شرّا يشتار عسلا من فوق جبل، ورآهم يترصدونه فخشي أن يقع في أيديهم، فانتحى من الجبل ناحية بعيدة عنهم، وصبّ ما معه من العسل فوق الصخر، ثم انزلق عليه حتى انتهى إلى الأرض، ثم أسلم قدميه للريح، فنجا من قبضتهم، وقوله: وما كدت آيبا، الواو: حالية، وما: نافية، وكدت آيبا: كاد واسمها وخبرها، والجملة حال، وكم مثلها، الواو: للحال، وكم: خبرية مبتدأ، مثلها: تمييز مجرور، وجملة (وهي تصفر): مبتدأ وخبر والواو للحال، فالجملة حالية.
والشاهد: «وما كدت آيبا» حيث أعمل كاد عمل كان فرفع الاسم ونصب الخبر ولكنه جاء بخبرها مفردا، والقياس أن يكون الخبر جملة فعلية فعلها مضارع، وقد أنكر بعض النحاة هذه الرواية، وزعم أنها «وما كنت آيبا».
[الإنصاف/ ٥٤٤، وشرح المفصل/ ٧/ ١٣، والهمع/ ١/ ١٣٠، والأشموني/ ١/ ٢٥٩، والحماسة/ ٨٣، والخزانة/ ٨/ ٣٧٤].
٥٧ - عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
البيت مجهول القائل .. والشاهد في البيت «يأتي به الله» حيث جاء خبر (عسى) فعلا
стр. 397
مضارعا مجردا من أن المصدرية، وهو قليل، ومرّ في حرف الدال وماذا عسى ... حفير زياد. [الهمع/ ١/ ١٣١، والعيني/ ٢/ ٢١٤].
٥٨ - واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كلّ ما قدرا
البيت غير منسوب، وقوله: أن سوف: أن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف وجوبا، وجملة سوف يأتي: خبرها.
والشاهد: قوله: أن سوف يأتي: حيث أتى بخبر (أن) المخففة جملة فعلية وليس فعلها دعاء، وقد فصل بين (أن) وخبرها بحرف التنفيس: سوف، وهي إحدى حالات خبر (أن) المخففة إذا لم يكن فعل الجملة الفعلية (الخبر) دعاء. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٣١، والشذور/ ٢٨٣، والهمع/ ١/ ١٤٨، والأشموني/ ١/ ٢٩٢].
٥٩ - تعلّم شفاء النفس قهر عدوّها ... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر
البيت لزياد بن سيّار بن عمرو بن جابر، وقوله: تعلم: فعل أمر بمعنى «اعلم» التي تتعدى إلى مفعولين من أخوات (ظنّ) وهي فعل جامد، أما «تعلّم» التي لا تكون بمعنى «الظنّ» فهي متصرفة، فلا تنصب مفعولين، وقوله: شفاء النفس؛ يعني قضاء مآربها، وهو المفعول الأول للفعل «تعلم»، و «قهر» مفعول ثان. وهو الشاهد في البيت، ولكن الغالب أن يتعدّى هذا الفعل إلى مفعولين يسدّ عنهما المصدر المؤول من أنّ واسمها وخبرها كقول النابغة الذبياني:
تعلّم أنّه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور
[الشذور/ ٣٦٢، وشرح المغني/ ٧/ ٢٦٠، والهمع/ ١/ ١٤٩، والأشموني/ ٢/ ٢٤].
٦٠ - نبئت زرعة - والسفاهة كاسمها - ... يهدي إليّ غرائب الأشعار
البيت للنابغة الذبياني، يهجو زرعة بن عمرو، وقوله: السفاهة كاسمها: أراد أنّ السفاهة في معناها قبيحة كما أنّ اسمها قبيح، وجملة «والسفاهة كاسمها» جملة حالية.
والشاهد: نبّئت زرعة يهدي: حيث أعمل «نبّأ» في ثلاثة مفاعيل، الأول: التاء:
стр. 398
نائب فاعل، والثاني: زرعة، والثالث: جملة يهدي. [الخزانة/ ٦/ ٣١٥، والعيني/ ٢/ ٤٣٩].
٦١ - رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النّواضر
البيت للشاعر محمد بن عبد الله العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان.
والشاهد فيه: «رأين الغواني» حيث وصل الشاعر الفعل بنون النسوة مع ذكر الفاعل الظاهر بعده، وهو «الغواني» وللعلماء في تخريج مثل هذا أقوال:
فقد نعدّ النون حرفا دالا على جماعة الإناث، وقد نعدها فاعلا، والاسم بعدها بدلا، وقد نعدّ الجملة خبرا مقدما، والاسم الظاهر مبتدأ مؤخر، ولكن الحاصل أن هذه اللغة ليست شاذّة لكثرة الشواهد عليها. [الشذور/ ١٧٩، والأشموني/ ٢/ ٤٧].
٦٢ - لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا ... وكاد - لو ساعد المقدور - ينتصر
البيت لأحد أصحاب مصعب بن الزبير، يرثيه.
والشاهد فيه قوله: رأى طالبوه مصعبا، حيث أخّر المفعول به عن الفاعل مع أن مع الفاعل ضميرا يعود على المفعول، فعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، والشواهد لهذه المسألة كثيرة. [العيني/ ٢/ ٥٠١].
٦٣ - جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمّار
البيت منسوب لسليط بن سعد، وسنمّار: رجل بنى قصرا للنعمان بن المنذر ولما فرغ منه ألقاه النعمان من أعلى القصر لئلا يعمل مثله لغيره، فضرب مثلا لسوء المكافأة.
والشاهد فيه: «جزى بنوه أبا الغيلان» حيث أخّر المفعول به وهو «أبا الغيلان»، عن الفاعل وهو قوله «بنوه» مع أنّ الفاعل متّصل بضمير عائد على المفعول، فعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهذا ممّا لا يجيزه جمهور النحويين، وأجازه ابن مالك، وابن جنّي، والأخفش. [العيني/ ٢/ ٤٩٥، والأشموني/ ٢/ ٥٩، والهمع/ ١/ ٦٦]،
٦٤ - هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلّا طلوع الشمس ثمّ غيارها
البيت مطلع قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، خويلد بن خالد، وقوله: غيارها: يعني:
стр. 399
غيابها، وقوله: وإلّا طلوع، الواو: عاطفة و «إلا» زائدة للتوكيد، وطلوع معطوف على ما قبله.
والشاهد: «وإلا طلوع ..» حيث تكررت «إلا» ولم تفد غير التوكيد، فألغيت، وعطف ما بعدها على ما قبلها. [شرح
المفصل/ ٢/ ٤١، والأشموني/ ٢/ ١٥١، والعيني/ ٣/ ١١٥].
٦٥ - وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
البيت لمحمد بن عبد الله المدني، يخاطب يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب .. والبيت من قطعة في الحماسة، وقوله: تباع: أراد بالبيع هنا الزهد في الشيء والانصراف عنه، وذهاب الرغبة في تحصيله. وأراد بالشراء: الحرص على الشيء، و «أو» هنا بمعنى الواو، وكريمة: أي خصلة كريمة.
والشاهد: قوله «فسواك» فإن «سوى» قد خرجت عن الظرفية، ووقعت مبتدأ متأثرا بالعامل، وهذا العامل معنوي وهو الابتداء .. وفي هذا البيت رد على ما ذهب إليه سيبويه والجمهور من أن «سوى» لا تخرج عن النصب على الظرفية متضمنة معنى الاستثناء، وسوف تأتي شواهد أخرى في حروف هذا المعجم. [الهمع/ ١/ ٢٠٢، والأشموني/ ٢/ ١٥٩].
٦٦ - أبحنا حيّهم قتلا وأسرا ... عدا الشمطاء والطفل الصّغير
ليس للبيت قائل معروف، والشمطاء: العجوز التي يخالط سواد شعرها بياض.
والشاهد قوله: عدا الشمطاء: حيث استعمل - عدا - حرف جرّ، فجرّ الشمطاء به، ولم يحفظ سيبويه (الجرّ ب عدا) ولا ذكره المبرد، وقوله: قتلا: تمييز، وأسرا: معطوف عليه. [العيني/ ٣/ ١٣٢، والتصريح/ ١/ ٣٦٣].
٦٧ - أنا ابن دارة معروفا بها نسبي ... وهل بدارة يا للنّاس من عار ؟
البيت لسالم بن دارة، من قصيدة يهجو بها فزارة، وقد أوردها التبريزي في شرحه على الحماسة .. يقول: أنا ابن هذه المرأة - دارة - ونسبي معروف بها، وليس من المعرّة ما يوجب القدح في النسب أو الطعن في الشرف. وقوله: معروفا: حال. بدارة: خبر مقدم،
стр. 400
من عار: من: زائدة. وعار: مبتدأ مؤخر، مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحلّ بحركة حرف الجرّ الزائدة، وقوله: يا للناس: اعتراض بين المبتدأ والخبر، ويا:
للنداء، واللام للاستغاثة.
والشاهد: «معروفا» فإنّه حال أكدت مضمون الجملة قبلها، ومن شرط الحال المؤكدة أن تكون الجملة قبلها اسمية، وجزآها معرفتان جامدان. [سيبويه/ ١/ ٢٥٧، والخصائص/ ٢/ ٢٦٨، والشذور/ ٢٤٧، والعيني/ ٣/ ١٨٦، والأشموني/ ٢/ ١٨٥، والخزانة/ ٢/ ١٤٨].
٦٨ - وإنّي لتعروني لذكراك هزّة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
البيت لأبي صخر الهذلي، وتعروني: تصيبني، والمعنى: يصف ما يحدث له عند تذكره صاحبته، إنه ليصيبه خفقان واضطراب، يشبهان حركة العصفور إذا نزل عليه ماء المطر، فإنه يضطرب ويتحرك حركات متتابعة ليدفعه عن نفسه. والشاهد قوله: لذكراك، فإن اللام فيه للتعليل. [الإنصاف/ ٢٥٣، وشرح المفصل/ ٢/ ٦٧، والشذور/ ٢٢٩، والعيني/ ٣/ ٦٧، والهمع/ ١/ ١٩٤، والأشموني/ ٢/ ١٢٤، والخزانة/ ٣/ ٢٥٤].
٦٩ - ربّما الجامل المؤبّل فيهم ... وعناجيج بينهنّ المهار
البيت لأبي داود الإيادي ... والجامل: القطيع من الإبل، مع رعائه وأربابه.
والمؤبّل: المتخذ للقنية. عناجيج: جمع عنجوج، وهو من الخيل الطويل العنق، والمهار: جمع مهر، والواحدة بهاء، وهو ولد الفرس، والمعنى: يقول: إنه ربما وجد في قومه القطيع من الإبل المعدّ للقنية، وجياد الخيل الطويلة الأعناق التي بينها أولادها.
والشاهد: ربما الجامل فيهم، حيث دخلت «ما» الزائدة على «ربّ» فكفتها عن العمل فيما بعدها، وسوغت دخولها على الجملة الاسمية. وهو شاذ عند سيبويه لأنها - عنده - تختصّ بالجمل الفعليّة. وعند المبرّد. لا تختصّ ربّ المكفوفة بجملة دون جملة. [شرح المفصل/ ٨/ ٢٩، وشرح المغني/ ٣/ ١٩٨، والخزانة/ ٩/ ٥٨٦، والهمع/ ٢/ ٢٦].
٧٠ - دعوت لما نابني مسورا ... فلبّى، فلبّي يدي مسور
البيت من شواهد سيبويه التي لا يعلم قائلها، ومسور: اسم رجل: فلبى: أول الشطر الثاني فعل ماض، وقوله: فلبّي يديّ .. الفاء للتعليل، ولبّي: مصدر منصوب على
стр. 401
المفعوليّة المطلقة بفعل محذوف، وأصله (لبيك)، وهو مضاف، ويدي: مضاف إليه، ويدي: مضاف، ومسور: مضاف إليه.
والشاهد: فلبّي يدي مسور: حيث أضاف لبّي: إلى اسم ظاهر، وهو قوله: (يدي) شذوذا. وفيه دليل على أنّ (لبيك) مثنى، كما ذهب إليه سيبويه وليس مفردا مقصورا، كالفتى كما يرى غيره. [سيبويه/ ١٧٦، والمفصل/ ١/ ١١٩، والخزانة/ ٢/ ٩٢].
٧١ - تنتهض الرّعدة في ظهيري ... من لدن الظّهر إلى العصير
البيت مجهول القائل، وهو لراجز من طيئ، لم يسمّ، وتنتهض: تتحرك وتسرع والرعدة: بكسر الراء: الارتعاش والاضطراب، وأراد بها الحمّى. ظهيري: تصغير الظهر مقابل البطن، والعصير: تصغير العصر. يقول: إن الحمّى
تصيبني فيسرع الارتعاد إليّ، ويستمّر هذا الارتعاد من وقت الظهر إلى وقت العصر.
والشاهد: قوله «من لدن» حيث كسر نون «لدن» وقبلها حرف جر، فيحتمل أنه أعرب «لدن» على لغة قيس، فجرها بالكسرة، ويحتمل أنّها مبنّية على السكون، وأن هذا الكسر، للتخلص من التقاء الساكنين، لا للإعراب. [الهمع/ ١/ ٢١٥، والأشموني/ ٢/ ٢٦٢].
٧٢ - أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقّد بالليل نارا
البيت لأبي داود الإيادي، جارية بن الحجاج ...
والشاهد: ونار، حيث حذف المضاف وهو «كل» وأبقى المضاف إليه مجرورا، لتحقق الشرط، أنّ المضاف المحذوف معطوف على مماثل له وهو «كلّ» في قوله «أكلّ امرئ».
[سيبويه/ ١/ ٣٣، والإنصاف/ ٧٤٣، وشرح المفصل/ ٣/ ٢٦، والهمع/ ٢/ ٥٢، والأشموني/ ٢/ ٢٧٣، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ١٩٠].
٧٣ - وفاق - كعب - بجير منقذ لك من ... تعجيل تهلكة والخلد في سقر
.. هذا البيت قاله بجير بن زهير بن أبي سلمى، يقوله لأخيه كعب، وكان بجير قد أسلم قبل كعب، فلامه كعب على ذلك، وتعرض للرسول ﷺ ، فنال بلسانه منه، فأهدر النبيّ دمه، ثم أسلم واعتذر بقصيدته المشهورة، ولكن سند القصّة ضعيف جدا. ومعنى
стр. 402
وفاق: مصدر، وافق فلان فلانا، إذا فعل مثل فعله، والتهلكة: الهلاك، وسقر: من أسماء جهنم، يقول: إنّ فعلك يا كعب مثل فعل أخيك بجير - يريد الإسلام - ينقذك من الوقوع في الهلاك والنار.
وقوله: وفاق: مبتدأ، كعب: منادى، وبجير: مضاف إليه، منقذ: خبر المبتدأ.
والشاهد: قوله: وفاق - كعب - بجير - حيث فصل بين المضاف (وفاق) والمضاف إليه «بجير» بالنداء، وهو قوله: - كعب - يا كعب - وأصل الكلام: وفاق بجير يا كعب، منقذ لك، وشواهد الفصل بين المضاف والمضاف إليه كثيرة. [الدرر/ ١/ ٦٧، وابن عقيل/ ٢/ ١٧٦، والأشموني/ ٢/ ٢٧٩، والعيني/ ٣/ ٤٨٩].
٧٤ - إذا صحّ عون الخالق المرء لم يجد ... عسيرا من الآمال إلّا ميسّرا
البيت مجهول القائل، والشاهد: عون الخالق المرء، حيث أعمل اسم المصدر (عون) عمل الفعل، فنصب به المفعول به (المرء) بعد إضافته لفاعله (الخالق). [ابن عقيل/ ٢/ ٨٧، والعيني/ ٣/ ٥٢٥].
٧٥ - حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار
البيت من شواهد سيبويه، والشاهد فيه: حذر أمورا، حيث أعمل قوله: حذر: وهو من صيغ المبالغة، عمل الفعل، فنصب به المفعول به «أمورا». [سيبويه/ ١/ ٥٨، وشرح المفصل/ ٦/ ٧١، والأشموني/ ٢/ ٢٩٨، والخزانة/ ٨/ ١٦٩].
٧٦ - ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر
البيت لطرفة بن العبد البكري، من قصيدة مطلعها:
أصحوت اليوم أم شاقتك هرّ ... ومن الحبّ جنون مستعر
وقوله: غفر: جمع غفور. وفخر: جمع فخور، من الفخر. زادوا: فعل وفاعل.
والمصدر المؤول أنهم: مفعول به. وغفر: خبر أنّ. ذنبهم: مفعول به ل غفر. والتقدير:
ثم زادوا غفرانهم ذنوب قومهم، وغير: خبر ثان لأنّ.
والشاهد: غفر ذنبهم؛ حيث أعمل قوله «غفر» الذي هو جمع غفور - صيغة المبالغة -
стр. 403
إعمال الفعل، فنصب به المفعول به، وهو قوله «ذنبهم». [سيبويه/ ١/ ٥٨، وشرح المفصل/ ٦/ ٧٤، والهمع/ ٢/ ٩٧، والأشموني/ ٢/ ٢٩٩].
٧٧ - أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدّرا ... بكاء على عمرو وما كان أصبرا
البيت لامرئ القيس. وأمّ عمرو: يريد به عمرو بن قميئة اليشكري صاحبه في سفره إلى الروم يقول: إنّ عهدي بأم عمرو أن أراها صابرة متجلدة، فما بالها اليوم كثر بكاؤها على عمرو. أقول: وما أظن أمّ عمرو تبكي خوفا على موت ولدها في سفره ولكنها تبكي عليه لأنه وافق امرأ القيس في رحلته إلى قيصر الروم يستعين به على بني قومه. فكانت هذه القصة إن صحت، وصمة عار في تاريخ امريء القيس، تزاد على مقابح جاهليته، لأنه أورث قومه من بعده، ممّن لم يدخل الإسلام إلى قلوبهم: أورثهم الذلة والمهانة، والعقوق، وقطع الأرحام، عند ما كانوا يستعينون بالأجنبي على قتل أهلهم في سبيل متاع زائل، وتاريخ دويلات الأندلس - عهد الطوائف - مثل لهذا الميراث الممقوت، وسجّل الشاعر الأندلسي السّميسر، خلف بن فرج هذا التاريخ المظلم بقوله:
ناد الملوك وقل لهم ... ماذا الذي أحدثتم
أسلمتم الإسلام في ... أسر العدا وقعدتم
وجب القيام عليكم ... إذ بالنصارى قمتم
لا تنكروا شقّ العصا ... فعصا النبيّ شققتم
وأعاد التاريخ نفسه في العصر الحديث، عند ما قامت دويلات الطوائف الهزيلة تحتمي بقوة من وراء البحار.
وقوله: أرى: بصرية تنصب مفعولا واحدا، هو أمّ عمر، دمعها: مبتدأ. خبره جملة تحدّر، والجملة الاسمية في محل نصب حال. وبكاء: مفعول لأجله، أو حال مؤولة بالمشتق. و «ما» تعجبية مبتدأ. كان: زائدة، أصبرا: فعل ماض والجملة خبر المبتدأ.
والشاهد: وما كان أصبرا: حيث حذف المتعجب منه، وهو الضمير المنصوب الذي يقع مفعولا به لفعل التعجب (أصبر) والتقدير: ما أصبرها. [العيني/ ٣/ ٦٦٨].
٧٨ - فذلك إن يلق المنيّة يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
البيت لعروة بن الورد، الملقب بعروة الصعاليك ... والمعنى: إن هذا الفقير الذي
стр. 404
وصفه في أبيات سابقة، إذا صادف الموت، صادفه محمودا، وإن يستغن يوما فما أحقه بالغنى وما أجدره باليسار.
وقوله: فذلك: اسم الإشارة مبتدأ. خبره جملة الشرط وجوابه. حميدا: حال.
فأجدر: الفاء رابطة لجواب الشرط. وأجدر: فعل ماض جاء على صورة الأمر. وقد حذف فاعله والباء التي تدخل عليه، والأصل: فأجدر به. [الأشموني/ ٣/ ٢٠، والخزانة/ ١٠/ ١٣].
والشاهد: قوله: فأجدر: حيث حذف المتعجّب منه، وهو فاعل «أجدر».
٧٩ - خليليّ ما أحرى بذي اللّبّ أن يرى ... صبورا ولكن لا سبيل إلى الصّبر
ليس للبيت قائل معلوم، ولكنه من شواهد النحويين ... خليلي: منادى، منصوب لإضافته إلى ياء المتكلم. ما: تعجبية، أحرى: فعل ماض، خبر ما التعجبية، أن يرى:
المصدر المؤول: مفعول به لفعل التعجب، وصبورا: حال، أو مفعولا ثانيا إذا عددت «يرى» قلبية.
والشاهد: قوله: بذي اللبّ، حيث فصل به بين فعل التعجب وهو «أحرى» ومفعوله، المصدر المؤول. [الهمع/ ٢/ ٩١، والأشموني/ ٣/ ٢٤].
٨٠ - تقول عرسي وهي لي في عومره ... بئس امرأ وإنني بئس المره
البيت لا يعلم قائله، وعرس الرجل: امرأته، وعومرة: صياح وجلبة وصخب وضجيج ... وقوله «وهي لي في عومرة» الجملة الاسمية في محلّ نصب حال، وبئس امرأ فعل جامد ماض، وفاعله مستتر، وامرأ: تمييز، وجملة (بئس المرة) خبر إنّ، وجملتا الشطر الثاني في محل نصب مقول القول.
والشاهد: بئس امرأ: حيث رفع «بئس» ضميرا مستترا، وقد فسر التمييز الذي بعده، هذا الضمير. [الأشموني/ ٣/ ٣٢، وابن عقيل/ ٢/ ٢٣٥].
٨١ - ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزّة للكاثر
البيت للأعشى، ميمون بن قيس من قصيدة له يهجو فيها علقمة بن علاثة ويمدح عامر ابن الطفيل، في المنافرة التي وقعت بينهما.
стр. 405
وقوله: الأكثر حصى: كناية عن كثرة عدد الأعوان والأنصار، والكاثر: الغالب في الكثرة.
والشاهد في البيت: «بالأكثر منهم» فقد جمع بين ال الداخلة على اسم التفضيل و «من» الجارة للمفضول عليه ... وفي قواعد النحويين أنه لا يجوز الجمع بين ال التعريف في اسم التفضيل، والجر (بمن) للمفضّل عليه، وهم يلتمسون لهذا البيت تخريجات، تجعله متمشيا مع القاعدة ... والذوق لا يأبى قول الأعشى. [شرح المفصل/ ٣/ ٦، و ٦/ ١٠٠، والأشموني/ ٣/ ٤٧، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ١٩٩، والخزانة/ ٨/ ٢٥٠].
٨٢ - أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر
فاغفر له اللهم إن كان فجر
هذا رجز لعبد الله بن كيسبة ذكر قصته المرزباني في «معجم الشعراء» قال: أقبل الراجز على أمير المؤمنون عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين إن أهلي بعيد وإن ناقتي دبراء نقباء فاحملني، فقال عمر: كذبت، والله ما بها من نقب ولا دبر، فانطلق فحلّ ناقته ثم استقبل البطحاء وجعل يقول هذا الرجز، فسمعه عمر، فأخذ بيده - لما تبيّن صدقه - وحمله وزوده وكساه ... وقد ذكر القصة ابن حجر في الإصابة، القسم الثالث من حرف العين، ولم يكذبها.
وقوله: نقب: مصدر نقب - من باب فرح - وهو رقّة خفّ البعير، والدبر: مصدر، دبر - من باب مرض - وهو أن يجرح ظهر الدابة من موضع الرحل أو القتب، و «فجر» حنث في يمينه، ورحم الله عمر، فالقصة تدل على حرصه على أموال الأمة، وتدل على حسن الأدب في خطاب السلطان العادل.
وقد استشهد النحاة: بالجزء الأول من الرجز، لقوله «أبو حفص عمر» على أن «عمر» عطف بيان، لأنه موضح لأبي
حفص. ويجوز هنا أن يكون بدلا من «أبو حفص». [شرح المفصل/ ٣/ ٧١، وابن عقيل/ ٢/ ٢٧٧، واللسان «نقب»].
٨٣ - جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر
البيت لجرير بن عطية يمدح عمر بن عبد العزيز .. وقوله: الخلافة: مفعول به. أو:
بمعنى الواو. كما: الكاف جارة، و «ما» مصدرية. و «ربّه» مفعول به مقدم. وموسى:
فاعل.
стр. 406
والشاهد: أو كانت: حيث استعمل «أو» بمعنى الواو، ارتكانا على انفهام المعنى وعدم وقوع السامع في لبس. [شرح أبيات المغني/ ٢/ ٢٦، والهمع/ ٢/ ١٣٤، والأشموني/ ٢/ ٥٨].
٨٤ - فألفيته يوما يبير عدوّه ... ومجر عطاء يستحقّ المعابرا
... البيت للنابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر ... وقوله: يبير: يهلك، وماضيه:
أبار. مجر: اسم فاعل من أجرى. والمعابر: جمع معبر، بزنة منبر وهو ما يعبر الماء عليه كالسفينة، وفي البيت شاهدان:
الأول: يبير - ومجر: حيث عطف الاسم الذي يشبه الفعل وهو «مجر» على الفعل وهو قوله «يبير» وذلك سائغ جائز، وإنّما أشبه «مجر» الفعل لأنه اسم فاعل، وجملة «يبير» مفعول ثان للفعل «ألفى».
الثاني: مجر، كان من حقه أن يقول «مجريا» لأنه معطوف على منصوب (جملة يبير) ولكنّه حذف ياء المنقوص في حال النصب، إجراء لهذه الحال مجرى حالي الرفع والجرّ، كما في قول عروة بن حزام.
ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضر موت اهتدى ليا
[ابن عقيل/ ٢/ ٢٩٧، والعيني/ ٤/ ١٧٦].
٨٥ - بات يغشّيها بعضب باتر ... يقصد في أسوقها وجائر
ليس للبيت قائل معين. وقوله: يغشّيها: من الغشاء: وهو الغطاء. والعضب:
السيف، ويقصد: يقطع على غير تمام. والضمير في «يغشيها» و «أسوقها» للإبل.
والمعنى: يمدح رجلا بالكرم وأنه ينحر الإبل لضيوفه فيقول: إنه بات يشمل إبله ويعمها بسيف قاطع نافذ في ضربته، يقطع أسوق التي تستحق الذبح، ويجور إلى أخرى لا تستحقّه.
والشاهد قوله: يقصد. وجائر، حيث عطف اسما يشبه الفعل - جائر - على فعل وهو «يقصد» وكان الاسم مجرورا
لأنه معطوف على جملة «يقصد» في محل جرّ صفة ثانية ل (عضب) .. وهذا الأسلوب جائز في النثر وقد وقع في القرآن الكريم في قوله تعالى:
стр. 407
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ، وَأَقْرَضُوا اللَّهَ [الحديد: ١٨]. [الخزانة/ ٥/ ١٤٠، والأشموني/ ٣/ ١٢٠].
٨٦ - الله يعلم أنّا في تلفّتنا ... يوم الفراق إلى إخواننا صور
وأنني حيثما يثني الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنو فأنظور
.. مرويان في كتب اللغة بدون عزو ... وصور: جمع أصور، ومعناه المائل العين، أو العنق، وأنظور: هي أنظر، اضطر إلى إقامة الوزن فمدّ ضمة الظاء، ولو لم يكن لهذين البيتين هذه القافية السمجة، لكانا من أرق الشعر وأعذبه. [الإنصاف/ ٢٣، والهمع/ ٢/ ١٥٦، وشرح المغني/ ٦/ ١٤٠].
٨٧ - كأنّ عذيرهم بجنوب سلّى ... نعام قاق في بلد قفار
.. ينسب إلى النابغة الجعدي، وإلى شقيق بن جزء بن رياح الباهلي. والعذير:
الصوت، والعذير هنا: الحال. يذكر قوما قد انهزموا وأخذ منهم السلاح فجعلوا يصيحون صياح النعام ويشردون شروده، وسلّى: بكسر أوله وتشديد اللام المفتوحة، ماء بناحية اليمامة، وقاق النعام: صوّت. ووصف البلد - وهو مفرد - بالقفار، نظرا إلى أجزائه ومواضعه، كل منها قفر، أي: خال، لا نبات فيه.
والشاهد: كأن عذيرهم نعام فإن الخبر ليس هو عين المبتدأ، ولهذا كان الكلام على تقدير مضاف يتم به كون الخبر هو المبتدأ، أي: كأنّ عذيرهم عذير نعام، فالعذير هو الحال، والحال لا يشبه بالنعام. [سيبويه/ ١/ ١٠٩، والإنصاف/ ٦٣، واللسان «قوق»].
٨٨ - إنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكنت وكان غير غدور
نسبه سيبويه للفرزدق، وقوله: إني ضمنت، أي: ضمنت له جنايته.
والشاهد: فكنت وكان غير «عذور»، حيث يرى بعضهم أن «غير» خبر كان الثانية، وخبر كان الأول محذوف، ارتكانا على انفهام المعنى، ويجوز أن يكون «غير» خبر كان الأولى، وحذف خبر كان الثانية. [سيبويه/ ١/ ٣٨، والإنصاف/ ٩٥].
٨٩ - ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر ... وإن كان حيّانا عدى آخر الدهر
стр. 408
للأخطل التغلبي، واسمه غياث بن الغوث، وقوله: «عدى» أي: متباعدين لا أرحام بينهم ولا حلف، وقوله: آخر الدهر، منصوب على تقدير نزع الخافض، وأصله إلى آخر الدهر.
والشاهد: «ألا يا اسلمى»، ياء: حرف نداء، واسلمى: فعل أمر ... وياء النداء لا تدخل على الفعل، فوجب تقدير اسم محذوف كأنه قال: يا هند اسلمي، ووجه آخر وهو أن تكون «ألا» للتنبيه و «يا» للتنبيه، وأعاد التنبيه تأكيدا لاستعطاف المأمور. [الإنصاف/ ٩٩، والمفصل ج ٢/ ٢٤].
٩٠ - فيا الغلامان الّلذان فرّا ... إيّاكما أن تعقبانا شرّا
.. ليس لهذا البيت قائل معروف ... الغلامان: منادى مبني على الألف. إياكما منصوب على التحذير، بفعل مضمر وجوبا، تقديره «أحذركما»، والمصدر المؤول بعده مجرور بمن مقدّرة، وشرا: مفعول ثان ل: تعقبانا.
والشاهد: قوله: فيا الغلامان. حيث جمع بين حرف النداء و «أل» في غير اسم الجلالة، ولا يجوز ذلك إلا في الشعر، وإنما لم يجز الجمع بينهما في سعة الكلام: لأن حرف النداء وأل يفيدان التعريف، ويكفي أحدهما عن الآخر. ولأن تعريف - أل - تعريف العهد، وهو يتضمن معنى الغيبة، لأن العهد يكون بين اثنين، في ثالث غائب، والنداء، خطاب لحاضر، فلو جمعت بينهما، لتنافى التعريفان. [الانصاف/ ٣٣٦، وشرح المفصل/ ٢/ ٩، والهمع/ ١/ ١٧٤].
٩١ - يا تيم تيم عديّ لا أبالكم ... لا يلقينّكم في سوأة عمر
البيت لجرير بن عطية من قصيدة يهجو فيها عمر بن لجأ التيمي، وقوله: تيم عدي:
أضاف تيما إلى عديّ، للاحتراز عن تيم مرّة، وعن تيم غالب بن فهر، وهما في قريش ..
لا أبالكم: جملة يقصد بها المدح، ومعناها حينئذ نفي نظير الممدوح، بنفي أبيه، وقد يقصد بها الذم، ومعناها حينئذ أن المخاطب مجهول النسب، قال السيوطي: هي كلمة تستعمل عند الغلظة في الخطاب، وأصله أن ينسب المخاطب إلى غير أب معلوم، شتما له واحتقارا ثم كثر في الاستعمال حتى صار يقال في كل خطاب يغلظ فيه على المخاطب. وقال الأخفش: كانت العرب تستحسن أن تقول: «لا أبالك» وتستقبح «لا أمّ
стр. 409
لك» أي: مشفقة حنونة. وقال العيني: وقد تذكر هذه الجملة في معرض التعجب كقولهم: لله درّك، وقد تستعمل بمعنى: جدّ في أمرك وشمّر، لأن من له أب يتكل عليه في بعض شأنه. ومعنى البيت: احذروا يا تيم عديّ أن يرميكم عمر في بليّة لا قبل لكم بها ومكروه لا تحتملونه، بتعرضه لي، يريد أن يمنعوه من هجائه حتى يأمنوا الوقوع في خطره، لأنهم إن تركوا عمر وهجاءه جريرا، فكأنهم رضوا بذلك، وحينئذ يسلّط جرير عليهم لسانه.
وقوله: يا تيم: منادى، ويجوز فيه الضمّ، على اعتباره مفردا علما. ويجوز نصبه بتقدير إضافته إلى ما بعد الثاني
كما رواه سيبويه. أو بتقدير إضافته إلى محذوف مثل الذي أضيف إليه الثاني، كما هو رأي المبرّد. «تيم» منصوب على أنه منادى بحرف نداء محذوف، أو على أنه تابع بدل أو عطف بيان، أو توكيد للأول باعتبار محله إذا كان الأول مضموما أو باعتبار لفظه إذا كان منصوبا، أو على أنه مفعول به لفعل محذوف. لا أبالكم: لا نافية للجنس. أبا: اسم لا، لكم: اللام حرف جر زائد والكاف في محل جر بهذه اللام، ولكنها في التقدير مجرورة بإضافة اسم «لا» إليها، وخبر «لا» محذوف.
والشاهد: يا تيم تيم عدي .. حيث تكرر لفظ المنادى، وقد أضيف ثاني اللفظين، فيجب في الثاني النصب، ويجوز في الأول الضم والنصب. [سيبويه/ ١/ ٢٦، وشرح المفصل/ ٢/ ١٠، والهمع/ ٢/ ١٢٢، والأشموني/ ٣/ ١٥٣، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ١١ وو الخزانة/ ٢/ ٢٩٨ و ٤/ ٩٩].
٩٢ - لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي: لا هراء ولا نزر
البيت للشاعر ذي الرّمة، غيلان بن عقبة، صاحب «ميّة» من قصيدة مطلعها:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
والبشر: ظاهر الجلد، والمنطق: الكلام. رخيم: سهل، رقيق. الحواشي: الجوانب والأطراف وهو جمع حاشية، والمراد أنّ حديثها كله رقيق عذب، هراء، أي: كثير ذو فضول. نزر: قليل، والمعنى: يصفها بنعومة الجلد وملاسته، وبأنها ذات كلام عذب وحديث رقيق وأنها لا تكثر في كلامها حتى يملها سامعها، ولا تقتضبه اقتضابا حتى
стр. 410
يحتاج سامعها في تفهم المعنى إلى زيادة. وقوله: لا هراء، لا: نافية، وهراء: نعت ثان لمنطق. ونزر: معطوف على «هراء».
والشاهد: قوله: رخيم الحواشي حيث استعمل كلمة «رخيم» في معنى الرقة وذلك يدل على أن الترخيم في اللغة، ترقيق الصوت. [المفصل/ ١/ ١٦، والأشموني/ ٣/ ١٧١].
٩٣ - لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
البيت لامرئ القيس، تعشو: ترى ناره من بعيد، الخصر: بالتحريك: شدة البرد.
والمعنى: يمدح طريف بن مالك بأنه رجل كريم .. ونعم الفتى: فعل وفاعل، وجملة تعشو: في محل نصب حال من الفاعل، طريف: مخصوص بالمدح: خبر لمبتدأ محذوف، أو: مبتدأ، خبره الجملة الفعلية قبله.
والشاهد: قوله: مال، حيث رخّم (مالك) من غير أن يكون منادى مع اختصاص الترخيم في اصطلاح النحاة
بالمنادى، وحذف بعض الكلمة بكل حال، وفي غير النداء كثير من الشعر العربي. [سيبويه/ ١/ ٣٣٦، والهمع/ ١/ ١٨١، والأشموني/ ٣/ ١٨٤].
٩٤ - لأستسهلنّ الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر
البيت من الشواهد التي لم تنسب إلى قائل.
والشاهد: أو أدرك: حيث نصب المضارع «أدرك» بعد «أو» التي بمعنى حتى، بأن مضمرة وجوبا. [الشذور/ ٢٩٨، والأشموني/ ٣/ ٢٩٥، والهمع/ ٢/ ١٠، وشرح المغني/ ٢/ ٧٤].
٩٥ - مالك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفّي كان من أرمى البشر
.. رجز روته كتب النحو، والكبداء: القوس إذا كانت واسعة المقبض، والوتر: مجرى السهم من القوس.
والشاهد: بكفّي كان من أرمى البشر: حيث حذف الموصوف وأبقى صفته. وأصل الكلام: بكفي رجل كان من أرمى البشر، أما الموصوف فهو «رجل» الذي يضاف قوله «بكفي» إليه وأما الصفة فهو جملة (كان) ويجوز أن تكون «كان» زائدة بين النعت
стр. 411
ومنعوته، ويكون من أرمى البشر متعلقان بمحذوف، نعتا للمنعوت المحذوف.
[الإنصاف/ ١١٤، والهمع/ ٢/ ١٢٠، والأشموني/ ٣/ ٧، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ٩٢، والخزانة/ ٥/ ٦٥].
٩٦ - ألم يخز التفرّق جند كسرى ... ونفخوا في مدائنهم فطاروا
البيت منسوب للقطامي، والشاهد: ونفخوا: فهو فعل ماض مبني للمجهول، بضمّ النون وكسر الفاء، ولكن الشاعر خففه باسكان الفاء. [الخصائص/ ٢/ ١٤٤، والإنصاف/ ١٢٥، واللسان/ نفخ].
٩٧ - وأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهاب بدا والليل داج عساكره
البيت لم ينسبه أحد، وهو في وصف سيف.
والشاهد: وأبيض من ماء الحديد: فإن أبيض هنا صفة مشبهة، وليست أفعل تفضيل، و (من) بعده ليست التي تدخل على المفضول في قولنا: فلان أكرم خلقا من فلان، ولا تكون «من» متعلقة بأبيض، بل متعلقة بمحذوف صفة لأبيض، وجاء البصريون بهذا البيت لإبطال دعوى الكوفيين أنّ التفضيل يأتي من البياض والسواد، وأن الشواهد التي أتوا بها إما شاذّة، وإما أن تعد (أبيض) (وأسود) صفة مشبهة، والتأويل عندهم «مبيضّ، ومسودّ» .. ولكن
المعنى ينصر الكوفيين لأن التفضيل مفهوم من النصّ، وملفوظ به. [الإنصاف/ ١٥٣].
٩٨ - بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنّك فيهم غنيّ مضرّ
لأشعر الرقبان الأسدي، أحد شعراء الجاهلية، يهجو ابن عمه، والمضرّ: بضم الميم وكسر الضاد الذي يروم عليه ضره من المال، والضرّة: الكثير من المال. والشاهد:
بحسبك أن يعلموا، ومعناه كافيك علم القوم، حيث زاد الباء في المبتدأ الذي هو لفظ (حسب) بمعنى كافيك، وخبره المصدر المؤول وكأنه قال: كافيك علم القوم، والباء لا تزاد في المبتدأ إلّا أن يكون المبتدأ لفظ (حسب). [الخصائص/ ج ٢/ ٢٨٢، وشرح المفصل/ ٢/ ١١٥، واللسان «ضرر»].
٩٩ - إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
стр. 412
البيت لأنس بن مدركة الخثعمي، وسليك: هو سليك بن السلكة أحد ذؤبان العرب ..
وكان من حديثه أنه مرّ ببيت من خثعم فرأى امرأة شابة، فنال منها، فعلم أنس بن مدركة، فأدركه وقتله. وأعقله: أدفع ديته، وعافت: كرهت، وأراد: أنّ البقر إذا امتنعت عن ورود الماء لم يضربها راعيها لأنها ذات لبن، وإنما يضرب الثور لتفزع هي فتشرب، ويقال: الثور: هنا: نبت من نبات الماء، تراه البقر حين ترد الماء فتعاف الورود، فيضربه البقار، لينحيه عن مكان ورودها حتى ترد، والمعنى: يشبه نفسه إذا قتل سليكا ثم وداه - أي أدّى ديته - بالثور يضربه الراعي لتشرب البقر والجامع في التشبيه، تلبس كل منهما بالأذى لينتفع سواه.
قوله: وقتلي: معطوف على اسم إنّ، وأعقله: منصوب بأن مضمرة جوازا بعد «ثم»، وهو الشاهد: حيث أضمر أن بعد ثم العاطفة على اسم خالص من التقدير بالفعل، وهو «القتل». [الشذور/ ٣١٦، والهمع/ ٢/ ١٧، والأشموني/ ٣/ ٣١٤، وشرح التصريح ج ٢/ ٢٤٤، والدرر/ ٢/ ١١، والعيني/ ٤/ ٣٩٩، والحيوان/ ١/ ١٨].
١٠٠ - أيّان نومنك تأمن غيرنا وإذا ... لم تدرك الأمن منّا لم تزل حذرا
البيت مجهول القائل، ونؤمنك: نعطك الأمان، حذرا: خائفا.
والشاهد: أيان نؤمنك تأمن، حيث جزم ب أيّان فعلين، أحدهما فعل الشرط - نؤمنك - والثاني جوابه - تأمن. [شذور الذهب/ ٣٣٦، والعيني/ ٤/ ٤٢٣، والأشموني/ ٤/ ١٠].
١٠١ - يا أبا الأسود لم أسلمتني ... لهموم طارقات وذكر
وقوله «ذكر» بكسر الذال وفتح الكاف، جمع ذكرة، وهي ضد النسيان.
والشاهد: «لم» فهي مكونة من حرف الجرّ اللام، وما الاستفهامية (ما) حذفت ألفها ثم سكنت الميم، والمشهور ..
فيها (لم) بفتح الميم، وحذف الألف من «ما» الاستفهامية، للتفريق بينها وبين (ما) الموصولة. والاثنتان تتصلان بحرف الجرّ. فحذفوا ألف الاستفهامية، وأبقوا ألف الموصولة ... واتفقوا على أن ألف الاستفهام تحذف إذا سبقها حرف جرّ مثل «بم، علام، ممّ ..» واختلفوا إذا كان الجار اسما تضاف إليه «ما» فالحذف غالب لا، لازم مثل: بمقتضى م - جئت، أو بمقتضى ما جئت، وقال آخرون إنه لازم. وأرى أنه إذا كان الجار اسما، لا يحسن حذفها، لأنها تكتب مفردة عن
стр. 413
الاسم، مما يجعل شكل الرسم فيه إيهام .. كقولك «مجئ م جئت». [الإنصاف/ ٢١١، ٢٩٩، وشرح المفصل/ ٩/ ٨٨، والهمع/ ٢/ ٢١١، وشرح المغني/ ٥/ ٢١٩، والخزانة/ ٧/ ١٠٨].
١٠٢ - فإيّاك والأمر الذي إن توسّعت ... مداخله ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
رواهما أبو تمام في الحماسة ولم ينسبهما، يقول في البيت الأول: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه، والمعنى: تأمّل كل ما تلابسه واعرف أوائله وأواخره، لأنه يقبح بالمرء أن يكون فيما يقتحمه عند نفسه معذورا وعند الناس ملوما، وقوله: من سائر الناس، أي: من باقي الناس، من السؤر، ومن وضعه موضع الجمع فقد أخطأ، وانتصب «والأمر»: بفعل مضمر. وأن يعذر: مبتدأ، وحسن خبره مقدم، أو حسن مبتدأ، وأن يعذر: فاعل سدّ مسدّ الخبر. [الحماسة/ ١١٥٢، والإنصاف/ ٢١٥، وشرح المفصل/ ٨/ ١١٧].
١٠٣ - تربّص بها الأيام علّ صروفها ... سترمي بها في جاحم متسعّر
البيت لأمّ النحيف، سعد بن قرط، والشاهد: (علّ) حيث أسقط اللام الأولى من (لعل) للدلالة على أنّها لام زائدة. [الإنصاف/ ٢٢٣].
١٠٤ - لقد ضجّت الأرضون إذقام من بني ... هداد خطيب فوق أعواد منبر
البيت مجهول القائل، والشاعر يهجو قوما بأنهم ليسوا أهلا للتقدم ولا للرياسة وأنهم لا يحسنون الكلام، وذكر أن الأرض اضطربت وضج أهلها حين قام من هؤلاء القوم خطيب يخطب الناس.
والشاهد: الأرضون، فإنه جمع أرضا جمع مذكر سالما شذوذا، لأن جمع المذكر السالم يكون للعقلاء المذكرين .. وإذا جمعوا أرضا هذا الجمع يحركون الراء، إيذانا بأنهم خالفوا قواعدهم في هذا اللفظ فلم يبق المفرد سالما .. ولكن الشاعر أسكن الراء، مخالفا القياس. [الشذور/ ٥٧، والهمع/ ١/ ٤٦]. ونسب إلى كعب بن معدان.
١٠٥ - متى ما تردن يوما سفار تجد بها ... أديهم يرمي المستجيز المعوّرا
стр. 414
البيت للفرزدق، وسفار: بوزن قطام، وحذام، منهل ماء بين البصرة والمدينة والمستجيز: المستقي، المعوّر: الذي لا يسقى إذا طلب الماء.
والشاهد: سفار: فإنه اسم على وزن فعال - بفتح الفاء - وهو علم على مؤنث وآخر حروفه راء مهملة. وهو في هذا البيت مرويّ بكسر آخره، مع أنه مفعول به فدلّ على أنه مبنيّ على الكسر. [الشذور/ ٩٦، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ٢٤٦].
١٠٦ - ألم تروا إرما وعادا ... أودى بها الليل والنهار
ومرّ دهر على وبار ... فهلكت جهرة وبار
هذان البيتان للأعشى ميمون بن قيس، وإرم، وعاد: جماعتان عظيمتان من العرب ورد ذكرهما في القرآن، «وبار» على وزن قطام وحذام، أرض كانت من محالّ قوم عاد، في صحارى بلاد العرب، أما إرم وعاد: فلم يهلكهما الليل والنهار، وتقادم الزمن، كما قال الشاعر، وإنما أهلكهم الله بذنوبهم، كما ورد في القرآن.
وقوله: تروا: مضارع مجزوم ينصب مفعولين: الأول: إرما، والثاني: جملة أودى.
وقوله: جهرة: منصوب على الظرفية، أو مفعول مطلق، أو حال مؤولة بالمشتق.
والشاهد: (وبار) في المرة الأولى: مبنية على الكسر، وإن كانت منونة فإنّ هذا التنوين للضرورة، ولو كانت معربة لجرّها بالفتحة، لأن الاسم ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وجاءت «وبار» في المرة الثانية معربة مرفوعة بدليل أن القوافي مرفوعة، وقيل «وبار» الأخيرة هي فعل «باروا» أي هلكوا، وحقها أن تكتب بالواو، والجملة معطوفة، وقال و «باروا» بالتذكير على معنى «الحيّ»، وإن كانت «وبار» من البوار فيصح في لغة أن تحذف واو الجماعة، ويدلّ عليها بالضمة، وقد مضت شواهد على ذلك. [شذور الذهب/ ٩٧، وشرح المفصل/ ٤/ ٦٤، والهمع/ ١/ ٢٦، والأشموني/ ٣/ ٢٦٩، والتصريح/ ٢/ ٢٢٥].
١٠٧ - ولما رأيت الخيل تترى أثائجا ... علمت بأنّ اليوم أحمس فاجر
للحارث بن وعلة الجرميّ، وقوله: تترى: من المواترة، وهي التتابع، فالتاء بدل من واو، وجاءت الخيل تترى: أي: متقطعة، أي: تتابعت وبينها فترات، وهو مصدر منصوب على الحالية، أي: متتابعين، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف تقديره:
стр. 415
إرسالا تترى أي: متتابعا، وأثائج: جمع وثيج، وفرس وثيج: قوي.
والشاهد: «بأنّ اليوم أحمس فاجر» حيث أسند الفجور إلى اليوم بسبب كونه ظرفا زمانيا يقع فيه الفجور، وهو إسناد مجازي، كقولنا: ليل نائم، لأنه ينام فيه.
[المفضليات/ ١٦٦، والإنصاف/ ٢٤٤].
١٠٨ - لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجح ومن دهر
مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى، والاستفهام في قوله: لمن الديار: للتعجب من شدة خراب هذه الديار حتى كأنها لا تعرف، والقنّة: أعلى الجبل والحجر: بكسر الحاء:
منازل ثمود، عند مدينة العلا في شمال السعودية، والحجج: جمع حجة - بكسر الحاء - السنة.
والشاهد: من حجج ومن دهر، استشهد به الكوفيون على أنّ «من» تأتي لابتداء الغاية الزمانية، كما تجيء لابتداء الغاية المكانية، وأنكر البصريون هذه الرواية وقالوا هي:
مذحجج ومذدهر، وإذا صحت فتكون على تقدير من مرّ حجج ومن مرّ دهر.
[الإنصاف/ ٣٧١، وشرح المفصل/ ٤/ ٩٣، وشرح المغني/ ٦/ ٢٢، والخزانة/ ٩/ ٤٣٩].
١٠٩ - ليس تخفى يسارتي قدر يوم ... ولقد يخف شيمتي إعساري
لا يعرف قائله، واليسارة: واليسار: الغنى.
والشاهد: «يخف»، أراد أن يقول «يخفي» لأن الفعل مرفوع لا مجزوم فحذف الياء مجتزئا بكسرة قبلها للدلالة عليها، وهي لغة جاءت عليها شواهد من القرآن. [الإنصاف/ ٣٨٨].
١١٠ - إنّ الذي أغناك يغنيني جير ... والله نفّاح اليدين بالخير
رجز، تروية كتب اللغة، وقوله (جير) فيها وجهان: الأول: أن تكون حرف جواب مثل «أجل» ومعناها «نعم»، وتبنى على الكسر، أو على الفتح، الثاني: بمعنى اليمين، يقال: جير لا أفعل كذا، معناها حقا. وتكون مبنية على الكسر، وأنكر ابن هشام أن تأتي اسما، بحجج منقوصة. [الإنصاف/ ٤٠٠].
١١١ - تمرّ على ما تستمرّ وقد شفت ... غلائل - عبد القيس منها - صدورها
стр. 416
لا يعرف قائله، واستشهد به الكوفيون على الفصل بين المضاف (غلائل) والمضاف إليه (صدورها) بأجنبيّ وهو
فاعل «شفت» الذي هو عبد القيس. والغلائل: جمع غليل، وهو الضغن وأراد ذهابه واقتلاعه من الصدور. [الإنصاف/ ٤٢٨، والخزانة/ ٤/ ٤١٣].
١١٢ - ونحن قتلنا الأسد، أسد شنوءة ... فما شربوا بعدا على لذّة خمرا
.. لم يعيّن أحد قائل هذا البيت .. والمعنى: لقد أنزلنا بهؤلاء القوم من القتل والفتك ما جعلهم يهجرون اللذائذ، ولا يقربون شهوات النفوس، ولو أنهم شربوا خمرا يوما لما وجدوا لها طعما ولا ذاقوا لها لذة، لأن الألم لا يزال يحزّ في نفوسهم، وهذا خير لهم.
وقوله: أسد شنوءة، بدل من الأسد.
والشاهد: «بعدا» فإنّ هذه الكلمة وردت معربة منصوبة، فدل تنوينها على أنّ الشاعر قصد قطعها عن الإضافة فلم ينو المضاف إليه بتة ولا لفظه ولا معناه. ولو أنه نواه لوجب أن يمتنع من تنوين هذه الكلمة، لأن الاضافة تمنع التنوين والمنويّ كالثابت. [الشذور/ ١٠٥، والهمع/ ١/ ٢٠٩، والأشموني/ ٢/ ١٦٩، والخزانة/ ٦/ ٥٠١].
١١٣ - إيه أحاديث نعمان وساكنه ... إنّ الحديث عن الأحباب أسمار
نسبوا هذا البيت لابن الأثير، ولم يعينوا واحدا من أبناء الأثير، المحدّث أم المؤرخ، أم الأديب، ونعمان: بفتح النون، اسم واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات، وقد ذكر البيت ابن هشام في الشذور ليخطئ قائله، لأنه استخدم إيه بمعنى «حدّث» فجعله يتعدى بنفسه إلى المفعول، والصحيح عند ابن هشام أنه بمعنى «امض في حديثك» ولذلك قال عن البيت إنه ليس بعربي. لأن اسم الفعل، يعمل عمل الفعل الذي هو بمعناه. وعلى كل حال فإن أبناء الأثير الذين نسب البيت إلى أحدهم، لا يستشهد بقولهم في اللغة، ولكنهم أهل علم وأدب، ولغة، والبيت لا يخرج عن الذوق العربي، وما يدرينا أن العرب قالوا مثله ولم يصلنا. [شذور الذهب/ ١١٨].
١١٤ - استقدر الله خيرا وأرضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
نسبوا هذا البيت إلى عنبر بن لبيد العذري، مياسير: جمع ميسور، بمعنى: اليسر بدليل مقابلته بالعسر، وفي هذا اللفظ فائدتان:
стр. 417
الأولى: أنه يؤيد ما ذهب إليه أبو الحسن الأخفش من مجيء المصدر على زنة اسم المفعول، كما جاء على زنة اسم الفاعل، كالعافية.
والثانية: أنه يدل على جواز جمع المصدر، فقد جمع «ميسور» على مياسير. وفي شرح أبيات المغني سمى الشاعر «حريث بن جبلة العذري» وقبل البيت الشاهد:
يا قلب إنّك في أسماء مغرور ... اذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحبّ ما تخفيه من أحد ... حتى جرت بك أطلاقا محاضير
تبغي أمورا فما تدري أعاجلها ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
وقوله: استقدر: فعل أمر، أي: اطلب منه تعالى أن يقدّر لك خيرا. ولفظ الجلالة، مفعول أول، و «خيرا» مفعول ثان، بينما: بين: ظرف مكان، و «ما»: زائدة، العسر:
مبتدأ. خبره محذوف. و «إذ»: كلمة دالة على المفاجأة وقد اختلف فيها، فقيل: هي ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان، وهي بدل من «بين» أو متعلق بما بعده.
والشاهد: قوله: «إذ» فإنها كلمة تدل على المفاجأة، لأن المعنى يدل على ذلك.
[سيبويه/ ٢/ ١٥٨، والشذور/ ١٢٦، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ١٦٨].
١١٥ - لسلمى بذات الخال دار عرفتها ... وأخرى بذات الجزع آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر
البيتان لأبي صخر الهذلي، من قصيدة مرّ منها البيت (وإني لتعروني .. القطر)، ومنها:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما النّفر
فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما لم يكن بلغ الهجر
ويا حبّها زدني جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
... وذات الخال، وذات الجزع: مكانان، وآياتها سطر: أي: علاماتها دارسة لم يبق منها إلا ما يشبه السطر الذي ينمقه الكاتب، ويكثر في شعراء هذيل هذا التشبيه. وقوله:
ملآن: أي: من الآن، حذف نون (من) لالتقائها ساكنة مع لام «الآن» ولم يحركها لالتقاء الساكنين كما هو الغالب، وهو الشاهد في البيت الثاني: حيث أعرب «الآن» وجره بالكسرة، ولكن ما المانع أن يروى البيت بالفتح، ويكون «الآن» مبنيا. [الشذور/ ١٢٨،
стр. 418
وشرح المفصل/ ٨/ ٣٥، والهمع/ ١/ ٢٠٨، والخصائص/ ١/ ٣١٠].
١١٦ - نعم امرأ هرم لم تعر نائبة ... إلا وكان لمرتاع بها وزرا
البيت منسوب لزهير بن أبي سلمى، وهرم: هو ابن سنان، ونعم: فعل ماض جامد، فاعله مستتر، امرأ: تمييز،
والجملة: خبر مقدم، هرم: مبتدأ مؤخر، إلا: أداة حصر، وكان: الواو: حالية .. وجملة (كان واسمها وخبرها) حالية. وقيل: إلّا: أداة استثناء.
وجملة الحال: في المعنى مستثنى من عموم الأحوال، لأن معنى الكلام: لم تعر نائبة في حال من الأحوال إلا في الحال التي يكون هرم فيها وزرا للمرتاعين بها.
والشاهد: نعم امرأ هرم، حيث عاد الضمير المستتر في «نعم» على «امرأ» وهو متأخر لفظا ورتبة، وهذا الموضع ممّا يغتفر فيه عود الضمير على المتأخر. [الشذور/ ١٥١، والأشموني/ ٣/ ٣٢].
١١٧ - أتيح لي من العدا نذيرا ... به وقيت الشّرّ مستطيرا
هذا البيت ليزيد بن القعقاع، والمعنى: أن أعداءه قد دبروا له ليوقعوه في شرّ يتفاقم خطبه، وأن المقادير هيأت له من ينذره بما بيّتوه، وقوله: أبيح: ماض مبني للمجهول، لي: جار ومجرور نائب فاعل، من العدا: متعلقان بحال ل «نذيرا»، لتقدمه عليه، ونذيرا: مفعول ثان، وقيت: فعل ماض والتاء نائب فاعل، والشرّ: مفعول ثان، مستطيرا: حال.
والشاهد: أتيح لي نذيرا، وكان من حقه أن يقول: أتيح لي نذير بجعل المفعول به نائب فاعل، ولكنه جعل الجار والمجرور نائب فاعل، وأبقى المفعول منصوبا على غير المعهود، وهو جائز عند الكوفيين، ومثله قول جرير:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا
«بذلك» نائب فاعل، والكلاب: مفعول به. [الشذور/ ١٦٣، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ١٩٧].
١١٨ - تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
هذا البيت من شعر لبيد بن ربيعة العامري، في أبيات أربعة يقولها لابنتيه .. يريد:
стр. 419
وهل أنا إلا من الناس، ينزل بي ما كان ينزل بكل واحد منهم. وقوله: تمنى، فعل ماض، أو فعل مضارع أصله تتمنى .. وفيه الشاهد فإن ابنتاي: مثنى ابنة، وهي مؤنثة حقيقية، وقد وقع اللفظ فاعلا لقوله «تمنى» فإن كان الفعل ماضيا، كان خاليا من علامة التأنيث، لأنّ علامة التأنيث في الماضي تاء في آخره، (تمنت ابنتاي) وإن قدرت الفعل مضارعا تكون التاء في أوله (تتمنى) علامة التأنيث، فيكون الفعل جاريا على المستعمل المطرد. وحذف إحدى التائين في المضارع جاءت في القرآن فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى [الليل: ١٤] وأما قوله تعالى إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ [الممتحنة: ١٠] فجاز ذلك، للفصل بين الفعل والفاعل، بالضمير «الكاف». [شرح المفصل/ ٨/ ٩٩، وشرح المغني/ ٧/ ١٩٧، والشذور/ ١٧٠].
١١٩ - إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
البيت مجهول القائل، والشاهد قوله: غرّه منكن واحدة: حيث أسند الفعل إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث ولم يؤنث هذا الفعل لوجود الفاصل بين الفعل وفاعله، وذكر علامة التأنيث في هذه الحال أرجح من حذفها. [الإنصاف/ ١٧٤، والشذور/ ٧٤، والهمع/ ١٧١].
١٢٠ - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السّكر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على أخرى من الشّجر
البيتان منسوبان لعمرو بن أحمر الباهلي، ويرويان لأبي حيّة النميري، وقد أنشد ابن هشام في الشذور هذين البيتين على أن «جعل» فعل يعمل عمل كان، والتاء اسمها، والمضارع «يثقلني» خبرها، وهو من أفعال الشروع. [شذور الذهب/ ١٩٠، والخزانة/ ٩/ ٣٥٩] ويروى بقافية اللام «الثّمل».
١٢١ - وقرّب جانب الغربيّ يأدو ... مدبّ السّيل واجتنب الشّعارا
أنشده ابن منظور ولم ينسبه، والبيت في وصف حمار وحش، ومدبّ السيل: موضع جريه، والشّعار، بزنة سحاب، أو بزنة كتاب: الشجر الملتف، يريد: إن هذا الحمار الوحشي قد اجتنب الشجر مخافة أن يرمى فيها ولزم مدرج السيول لأن الصيادين يبتعدون عنه.
стр. 420
والشاهد: (جانب الغربي) فإن المراد بالجانب هو المراد بالغربي نفسه، عند الكوفيين وقد أضاف الشاعر جانب إلى الغربي فيكون قد أضاف اسما إلى اسم آخر بمعناه، ومنه قوله تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [القصص: ٤٤] والبصريون يرون أنّ الكلام على تقدير مضاف يكون موصوفا، بما جعل مضافا إليه، أي: جانب المكان الغربي، فهو من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مكانه، وهو تكلّف بعيد. [الإنصاف/ ٤٣٧]. والبيت منسوب للراعي.
١٢٢ - كلا ثقلينا واثق بغنيمة ... وقد قدر الرحمن ما هو قادر
من كلام إياس بن مالك بن عبد الله المعني، وثقل الرجل: بفتح الثاء والقاف حشمه ومتاع بيته، وأراد هنا النساء، وقدر: بالتخفيف، وقادر: اسم الفاعل منه، وفي الحديث:
حديث الاستخارة: «فاقدره لي» ومعناه اقض لي به وهيئ لي أسبابه.
والشاهد: كلا ثقلينا واثق: حيث أخبر بواثق، وهو مفرد عن كلا، فوجب أن يكون «كلا» مفردا لوجوب توافق المبتدأ والخبر، ولما كان «كلا» مثنى من جهة المعنى، بالإجماع وجب أن يكون مفردا من جهة اللفظ ليتم توافق المبتدأ
وخبره، وهذا رأي البصريين في «كلا» أنها مفرد لفظا، مثنى معنى. [الإنصاف/ ٤٤٣].
١٢٣ - بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكنّ أم ليلى من البشر
.. منسوب إلى مجنون ليلى، وإلى العرجي، وإلى غيرهما، والشاهد: أم ليلى من البشر، فهو لا يسأل لجهله، وإنما هو ما يسمى «تجاهل العارف»، أخرج الكلام مخرج الشك، وهو ليس شاكا. [الإنصاف/ ٤٨٢، والأشموني/ ١/ ١٨٦].
١٢٤ - طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت ... بشبيب غائلة الثّغور غدور
للأخطل، يمدح سفيان بن الأبيرد، والأزارق: جمع أزرقي، المنسوب إلى نافع ابن الأزرق الخارجي، وحقه «الأزارقه»، لأنهم يزيدون التاء في الجمع عوضا عن يا، النسب التي تكون في المفرد، مثل: المهالبة، والأشاعرة، وهوت: سقطت، وشبيب: من رؤوس الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، والشاهد «بشبيب» حيث منعه من التنوين، وليس فيه إلا علة العلمية، وهذا للضرورة. [الإنصاف/ ٤٩٣، والأشموني/ ٣/ ٢٧٥، والعيني/ ٤/ ٣٦٢].
стр. 421
١٢٥ - جد بعفو فإنّني - أيها العبد - ... إلى العفو يا إلهي فقير
.. ليس للبيت قائل معروف. والشاهد فيه: أيها العبد، حيث نصب «أيها» محلا على الاختصاص، لقصد الدلالة على التواضع. [شذور الذهب/ ٢١٧، والهمع/ ١/ ١٧٠].
١٢٦ - أراك علقت تظلم من أجرنا ... وظلم الجار إذلال المجير
لم أعرف قائله، والشاهد فيه: علقت تظلم، حيث جاء بخبر «علق» الدال على الشروع، فعلا مضارعا مجردا من (أن) المصدرية، وذلك واجب في خبر هذا الفعل وإخوانه. [الشذور/ ٢٧٦، والهمع/ ١/ ١٢٨، والأشموني/ ١/ ٢٦٣].
١٢٧ - يسلكن في نجد وغورا غائرا ... فواسقا عن قصدها جوائرا
هذا الشاهد من كلام رؤبة بن العجاج الراجز، وقوله: فواسقا: جمع فاسقة وهي الخارجة عما طلب إليها أن تكون عليه. جوائر: مائلات.
والشاهد: قوله «وغورا»، حيث عطف بالنصب على الجار والمجرور، والسرّ في ذلك أن الجار والمجرور هو مفعول به، عند التحقيق، وقد ذكر ابن هشام هذا البيت، لتوجيه قراءة النصب في قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] وأنّ النصب بالعطف على «برؤوسكم» وليس على «وجوهكم وأيدكم» حيث أن
المجرور هو منصوب في المعنى، فيعطف عليه بالنصب، والمسح على الرجلين هنا، معناه: الغسل، أو خفيف الغسل وخصّت الرجلان، من بين سائر المغسولات باسم المسح، ليقتصد في صبّ الماء عليهما إذ كانتا مظنّة الإسراف.
[سيبويه/ ١/ ٤٩، والشذور/ ٣٣٢].
١٢٨ - وقد زعمت أني تغيّرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغير
البيت لكثير عزة، وقوله: من ذا، من: اسم استفهام، مبتدأ، ذا: اسم إشارة خبره الذي: اسم موصول بدل من اسم الإشارة، وجملة: يا عزّ: معترضة وجملة «لا يتغير» صلة الموصول.
والشاهد: زعمت أني تغيرت، حيث ورد فيه زعم بمعنى (ظنّ) وتعدى إلى
стр. 422
مفعوليه بواسطة (أنّ) المؤكدة. [شذور الذهب/ ٣٥٩، والأشموني/ ٢/ ٢٢، والعيني/ ٢/ ٣٨٠].
١٢٩ - وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
البيت لحاتم الطائي الجواد المشهور، من قصيدة يعتب فيها على امرأته ماوية، وكانت تأمره بالامساك وكفّ اليد عن العطاء ..
وقوله: علم، من أفعال القلوب، والمصدر المؤول بعد «لو» فاعل لفعل الشرط المحذوف، وجملة، كان واسمها وخبرها، جواب شرط «لو».
والشاهد: علم الأقوام لو أنّ، حيث وقع الفعل الذي من شأنه أن ينصب مفعولين وهو «علم» على «لو» فعلقته عن العمل في لفظ الجملة، وبقي عمل الفعل مقدّرا. [شذور الذهب/ ١٦٧، والهمع/ ١/ ١٥٤].
١٣٠ - إذا قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها جرب عدّت عليّ بزوبرا
قاله الفرزدق. والغاوي: غير الرشيد ويروى (عاو) بالعين المهملة وبها جرب: فيها عيب من هجاء ونحوه، وعدّت عليّ بزوبرا، أي: نسبت إليّ بكمالها، مأخوذ من قولهم:
أخذ الشيء بزوبره، يريدون: كله، جعل «زوبرا» علما على المعنى، أو جعله علما على القصيدة فاجتمع فيه التعريف والتأنيث فمنعه من الصرف. [الخزانة/ ١/ ١٤٨، والإنصاف/ ٤٩٥، وشرح المفصل/ ١/ ٣٧].
١٣١ - أؤمّل أن أعيش وأنّ يومي ... بأوّل أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
أنشدهما ابن منظور ولم ينسبهما، وفي البيتين أسماء أيام الأسبوع في الجاهلية، أو صفاتها: فأول: يوم الأحد،
وأهون: الاثنين، وجبار: الثلاثاء، ودبار: الأربعاء، ومؤنس: الخميس، وعروبة: الجمعة، وشيار: السبت.
والشاهد: أنه ترك صرف «دبار» وهو منصرف، ففيه العلمية فقط، وكذلك مؤنس، أما أوّل وأهون، ففيهما العلمية ووزن الفعل (وزن أفعل) وأما عروبة: ففيه العلمية والتأنيث، وأما جبار، وشيار فقد صرفهما فجرهما بالكسرة، وعدم التنوين بسبب الرويّ.
стр. 423
[الإنصاف/ ٤٩٧، والهمع/ ١/ ٣٧، والدرر/ ١/ ١١، والعيني/ ٤/ ٣٦٧].
١٣٢ - فأوفضن عنها وهي ترغو حشاشة ... بذي نفسها والسيف عريان أحمر
أنشده الأنباري في الإنصاف، وأوفضن: أسرعن، وترغو: من الرغاء وهو صوت الإبل، ويقال أيضا لصوت الضباع والنعام.
والشاهد: (عريان) حيث منعه من الصرف، وليس فيه إلا الوصفية، وهي علة غير مانعة وحدها، ومؤنث عريان: عريانة، ولذلك لا يمنع من الصرف، أما فعلان الذي مؤنثه فعلى فهو ممنوع من الصرف نحو: سكران، وسكرى، وغضبان وغضبى.
[الإنصاف/ ٤٩٧، والخزانة/ ١٤٨، ٢٥٤].
١٣٣ - قامت تبكّيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
في لسان العرب من غير عزو، وفي الإنصاف وهما في الحديث عن امرأة قامت على قبر رجل تبكيه.
والشاهد (ذا غربة) ولو أجرى الكلام على اللفظ لقال «ذات غربة» لأن المتكلمة امرأة، ولكن الشاعر أجرى الكلام على المعنى فالمرأة إنسان، أو شخص، والشخص مذكر، فيجوز أن تجري عليه صفات المذكرين تبعا للفظه، وأن تجري عليه صفات المؤنثات تبعا للمراد منه، قال عمر وأطلق على المرأة لفظ «شخص»:
فكان مجنّبي دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فذكّر العدد، لأنه أراد المعدود المؤنث. [الإنصاف/ ٥٠٧، ٧٦٣، وشرح المفصل/ ٥/ ١٠١].
١٣٤ - أستغفر الله من عمدي ومن خطئي ... ذنبي وكلّ امرئ لا شكّ مؤتزر
البيت مجهول القائل، ولفظ الجلالة مفعول أول، من عمدي: المفعول الثاني وذنبي:
بدل من «عمد».
والشاهد: استغفر الله من عمدي: حيث عدّى الفعل - استغفر - إلى مفعولين وعداه إلى
стр. 424
الأول بنفسه، وعداه إلى الثاني بحرف الجرّ، والفعل استغفر قد ينصب المفعولين بلا واسطة، فنقول: استغفر الله ذنبا. [الشذور/ ٣٧٠].
١٣٥ - ضروب بنصل السّيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنّك عاقر
البيت منسوب لأبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، من كلمة يرثي فيها أميّة ابن المغيرة المخزومي، وقوله: سوق: جمع ساق، وسمان: جمع سمينة يريد أنه ينحر للأضياف السمين من إبله، ويضرب سوقها بسيفه، وقوله: ضروب: خبر لمبتدأ محذوف، و «سوق» مفعول به ل: «ضروب».
وهو الشاهد: حيث أعمل صيغة المبالغة «ضروب» عمل الفعل، فرفع بها الفاعل، وهو الضمير المستتر ونصب المفعول «سوق». [سيبويه/ ١/ ٥٧، وشرح المفصل/ ٦/ ٦٩، وشذور الذهب/ ٣٩٣، والأشموني/ ٢/ ٢٩٧، والخزانة/ ٤/ ٢٤٢، و ٨/ ١٤٦، والهمع/ ٢/ ٥٧، ٩٧].
١٣٦ - شتّان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر
البيت للأعشي، ميمون بن قيس، ومعنى شتان: افترق وتباعد أمرهما، والكور:
الرحل الذي يوضع فوق الناقة ليركب عليه، وشتان: اسم فعل ماض وما «زائدة» يومي:
فاعل لشتان، وهنا محل الشاهد: حيث فرق ب (ما) الزائدة، بين اسم الفعل، وفاعله.
[شرح المفصل/ ٤/ ٣٧، وشذور الذهب/ ٤٠٣].
١٣٧ - أخشى على ديسم من بعد الثّرى ... أبى قضاء الله إلا ما ترى
رجز في «اللسان» و «الإنصاف» ولم ينسباه، والديسم في الأصل: ولد الدبّ أو ولد الذئب من الكلبة، والديسم: الظّلمة.
والشاهد: ديسم: حيث منعه من الصرف للضرورة، فليس فيه إلا العلمية. [الإنصاف/ ٣٦٧، واللسان «دسم»].
١٣٨ - تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
ينسب إلى الزبرقان بن بدر، وإلى خالد بن الطيفان.
стр. 425
والشاهد: «وعينيه» فلا يصح عطفها على «أنفه» لأن الجدع لا يكون إلا للأنف وأما العينان فيكون لهما: السمل، والفقء، ولذلك يقدر فعل لنصب عينيه، والتقدير: ويفقأ عينيه، والعطف عطف جمل. [الهمع/ ٢/ ١٣٠، والدرر/ ٢/ ١٦٩، والمؤتلف/ ١٤٩، والعيني/ ٤/ ١٧١].
١٣٩ - له زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
من شعر الشماخ بن ضرار الغطفاني، يصف حمار وحش، والزجل: صوت فيه حنين وترنم، والحادي: الذي يتغنى أمام الإبل ويطربها لكي يعينها على السير. والزمير:
صوت المزمار. والوسيقة: أنثى حمار الوحش، يقول: إذا طلب أنثاه صوّت بها، وكأن صوته لما فيه من الحنين، صوت حاد.
والشاهد: (كأنه) فإن الشاعر لم يمدّ الضمة حتى تنشأ عنها واو. بل اختلس الضمة اختلاسا. [الإنصاف/ ١٦/ ٥، وسيبويه/ ١/ ١١، والهمع/ ١/ ٥٩].
١٤٠ - لعب الرياح بها وغيّرها ... بعدي سوافي المور والقطر
لزهير بن أبي سلمى، وهو يتحدث عن المنازل والأطلال، والسوافي: الرياح، والمور: التراب، أي: الرياح التي تذرو التراب، والقطر: المطر.
والشاهد: والقطر: بالجرّ، لأن القافية مجرورة، وهو ليس معطوفا على المور، لأن الرياح لا تسفي التراب والمطر، وإنما تسفي التراب، فقالوا: إنه مجرورة للمجاورة، وليس بجيّد، فإما أنه أراد أن الرياح تسفي القطر بمعنى تذروه وتجعله شديد الوقع على المنازل، فيبددها مثلما يبددها التراب، وإما على حذف مضاف تقديره: سوافي المور ونزول القطر. [الإنصاف/ ٦٠٣، وديوان زهير].
١٤١ - وسمعت حلفتها التي حلفت ... إن كان سمعك غير ذي وقر
الحلفة: بفتح الحاء وسكون اللام، واحدة الحلف، وهو القسم، والوقر: ثقل في الأذن.
والشاهد: إن كان سمعك غير ذي وقر، فإن الكوفيين يرون (إن) هنا بمعنى «إذ» والكلام، تعليل لقوله «وسمعت حلفتها» لأن الأصل في الشرط أن يكون مستقبلا، لأن
следующие страницы →