Полный текст (1 332 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
١٢٥ - جد بعفو فإنّني - أيها العبد - ... إلى العفو يا إلهي فقير
.. ليس للبيت قائل معروف. والشاهد فيه: أيها العبد، حيث نصب «أيها» محلا على الاختصاص، لقصد الدلالة على التواضع. [شذور الذهب/ ٢١٧، والهمع/ ١/ ١٧٠].
١٢٦ - أراك علقت تظلم من أجرنا ... وظلم الجار إذلال المجير
لم أعرف قائله، والشاهد فيه: علقت تظلم، حيث جاء بخبر «علق» الدال على الشروع، فعلا مضارعا مجردا من (أن) المصدرية، وذلك واجب في خبر هذا الفعل وإخوانه. [الشذور/ ٢٧٦، والهمع/ ١/ ١٢٨، والأشموني/ ١/ ٢٦٣].
١٢٧ - يسلكن في نجد وغورا غائرا ... فواسقا عن قصدها جوائرا
هذا الشاهد من كلام رؤبة بن العجاج الراجز، وقوله: فواسقا: جمع فاسقة وهي الخارجة عما طلب إليها أن تكون عليه. جوائر: مائلات.
والشاهد: قوله «وغورا»، حيث عطف بالنصب على الجار والمجرور، والسرّ في ذلك أن الجار والمجرور هو مفعول به، عند التحقيق، وقد ذكر ابن هشام هذا البيت، لتوجيه قراءة النصب في قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: ٦] وأنّ النصب بالعطف على «برؤوسكم» وليس على «وجوهكم وأيدكم» حيث أن
المجرور هو منصوب في المعنى، فيعطف عليه بالنصب، والمسح على الرجلين هنا، معناه: الغسل، أو خفيف الغسل وخصّت الرجلان، من بين سائر المغسولات باسم المسح، ليقتصد في صبّ الماء عليهما إذ كانتا مظنّة الإسراف.
[سيبويه/ ١/ ٤٩، والشذور/ ٣٣٢].
١٢٨ - وقد زعمت أني تغيّرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغير
البيت لكثير عزة، وقوله: من ذا، من: اسم استفهام، مبتدأ، ذا: اسم إشارة خبره الذي: اسم موصول بدل من اسم الإشارة، وجملة: يا عزّ: معترضة وجملة «لا يتغير» صلة الموصول.
والشاهد: زعمت أني تغيرت، حيث ورد فيه زعم بمعنى (ظنّ) وتعدى إلى
стр. 422
مفعوليه بواسطة (أنّ) المؤكدة. [شذور الذهب/ ٣٥٩، والأشموني/ ٢/ ٢٢، والعيني/ ٢/ ٣٨٠].
١٢٩ - وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
البيت لحاتم الطائي الجواد المشهور، من قصيدة يعتب فيها على امرأته ماوية، وكانت تأمره بالامساك وكفّ اليد عن العطاء ..
وقوله: علم، من أفعال القلوب، والمصدر المؤول بعد «لو» فاعل لفعل الشرط المحذوف، وجملة، كان واسمها وخبرها، جواب شرط «لو».
والشاهد: علم الأقوام لو أنّ، حيث وقع الفعل الذي من شأنه أن ينصب مفعولين وهو «علم» على «لو» فعلقته عن العمل في لفظ الجملة، وبقي عمل الفعل مقدّرا. [شذور الذهب/ ١٦٧، والهمع/ ١/ ١٥٤].
١٣٠ - إذا قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها جرب عدّت عليّ بزوبرا
قاله الفرزدق. والغاوي: غير الرشيد ويروى (عاو) بالعين المهملة وبها جرب: فيها عيب من هجاء ونحوه، وعدّت عليّ بزوبرا، أي: نسبت إليّ بكمالها، مأخوذ من قولهم:
أخذ الشيء بزوبره، يريدون: كله، جعل «زوبرا» علما على المعنى، أو جعله علما على القصيدة فاجتمع فيه التعريف والتأنيث فمنعه من الصرف. [الخزانة/ ١/ ١٤٨، والإنصاف/ ٤٩٥، وشرح المفصل/ ١/ ٣٧].
١٣١ - أؤمّل أن أعيش وأنّ يومي ... بأوّل أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار
أنشدهما ابن منظور ولم ينسبهما، وفي البيتين أسماء أيام الأسبوع في الجاهلية، أو صفاتها: فأول: يوم الأحد،
وأهون: الاثنين، وجبار: الثلاثاء، ودبار: الأربعاء، ومؤنس: الخميس، وعروبة: الجمعة، وشيار: السبت.
والشاهد: أنه ترك صرف «دبار» وهو منصرف، ففيه العلمية فقط، وكذلك مؤنس، أما أوّل وأهون، ففيهما العلمية ووزن الفعل (وزن أفعل) وأما عروبة: ففيه العلمية والتأنيث، وأما جبار، وشيار فقد صرفهما فجرهما بالكسرة، وعدم التنوين بسبب الرويّ.
стр. 423
[الإنصاف/ ٤٩٧، والهمع/ ١/ ٣٧، والدرر/ ١/ ١١، والعيني/ ٤/ ٣٦٧].
١٣٢ - فأوفضن عنها وهي ترغو حشاشة ... بذي نفسها والسيف عريان أحمر
أنشده الأنباري في الإنصاف، وأوفضن: أسرعن، وترغو: من الرغاء وهو صوت الإبل، ويقال أيضا لصوت الضباع والنعام.
والشاهد: (عريان) حيث منعه من الصرف، وليس فيه إلا الوصفية، وهي علة غير مانعة وحدها، ومؤنث عريان: عريانة، ولذلك لا يمنع من الصرف، أما فعلان الذي مؤنثه فعلى فهو ممنوع من الصرف نحو: سكران، وسكرى، وغضبان وغضبى.
[الإنصاف/ ٤٩٧، والخزانة/ ١٤٨، ٢٥٤].
١٣٣ - قامت تبكّيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
في لسان العرب من غير عزو، وفي الإنصاف وهما في الحديث عن امرأة قامت على قبر رجل تبكيه.
والشاهد (ذا غربة) ولو أجرى الكلام على اللفظ لقال «ذات غربة» لأن المتكلمة امرأة، ولكن الشاعر أجرى الكلام على المعنى فالمرأة إنسان، أو شخص، والشخص مذكر، فيجوز أن تجري عليه صفات المذكرين تبعا للفظه، وأن تجري عليه صفات المؤنثات تبعا للمراد منه، قال عمر وأطلق على المرأة لفظ «شخص»:
فكان مجنّبي دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فذكّر العدد، لأنه أراد المعدود المؤنث. [الإنصاف/ ٥٠٧، ٧٦٣، وشرح المفصل/ ٥/ ١٠١].
١٣٤ - أستغفر الله من عمدي ومن خطئي ... ذنبي وكلّ امرئ لا شكّ مؤتزر
البيت مجهول القائل، ولفظ الجلالة مفعول أول، من عمدي: المفعول الثاني وذنبي:
بدل من «عمد».
والشاهد: استغفر الله من عمدي: حيث عدّى الفعل - استغفر - إلى مفعولين وعداه إلى
стр. 424
الأول بنفسه، وعداه إلى الثاني بحرف الجرّ، والفعل استغفر قد ينصب المفعولين بلا واسطة، فنقول: استغفر الله ذنبا. [الشذور/ ٣٧٠].
١٣٥ - ضروب بنصل السّيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنّك عاقر
البيت منسوب لأبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، من كلمة يرثي فيها أميّة ابن المغيرة المخزومي، وقوله: سوق: جمع ساق، وسمان: جمع سمينة يريد أنه ينحر للأضياف السمين من إبله، ويضرب سوقها بسيفه، وقوله: ضروب: خبر لمبتدأ محذوف، و «سوق» مفعول به ل: «ضروب».
وهو الشاهد: حيث أعمل صيغة المبالغة «ضروب» عمل الفعل، فرفع بها الفاعل، وهو الضمير المستتر ونصب المفعول «سوق». [سيبويه/ ١/ ٥٧، وشرح المفصل/ ٦/ ٦٩، وشذور الذهب/ ٣٩٣، والأشموني/ ٢/ ٢٩٧، والخزانة/ ٤/ ٢٤٢، و ٨/ ١٤٦، والهمع/ ٢/ ٥٧، ٩٧].
١٣٦ - شتّان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر
البيت للأعشي، ميمون بن قيس، ومعنى شتان: افترق وتباعد أمرهما، والكور:
الرحل الذي يوضع فوق الناقة ليركب عليه، وشتان: اسم فعل ماض وما «زائدة» يومي:
فاعل لشتان، وهنا محل الشاهد: حيث فرق ب (ما) الزائدة، بين اسم الفعل، وفاعله.
[شرح المفصل/ ٤/ ٣٧، وشذور الذهب/ ٤٠٣].
١٣٧ - أخشى على ديسم من بعد الثّرى ... أبى قضاء الله إلا ما ترى
رجز في «اللسان» و «الإنصاف» ولم ينسباه، والديسم في الأصل: ولد الدبّ أو ولد الذئب من الكلبة، والديسم: الظّلمة.
والشاهد: ديسم: حيث منعه من الصرف للضرورة، فليس فيه إلا العلمية. [الإنصاف/ ٣٦٧، واللسان «دسم»].
١٣٨ - تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
ينسب إلى الزبرقان بن بدر، وإلى خالد بن الطيفان.
стр. 425
والشاهد: «وعينيه» فلا يصح عطفها على «أنفه» لأن الجدع لا يكون إلا للأنف وأما العينان فيكون لهما: السمل، والفقء، ولذلك يقدر فعل لنصب عينيه، والتقدير: ويفقأ عينيه، والعطف عطف جمل. [الهمع/ ٢/ ١٣٠، والدرر/ ٢/ ١٦٩، والمؤتلف/ ١٤٩، والعيني/ ٤/ ١٧١].
١٣٩ - له زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
من شعر الشماخ بن ضرار الغطفاني، يصف حمار وحش، والزجل: صوت فيه حنين وترنم، والحادي: الذي يتغنى أمام الإبل ويطربها لكي يعينها على السير. والزمير:
صوت المزمار. والوسيقة: أنثى حمار الوحش، يقول: إذا طلب أنثاه صوّت بها، وكأن صوته لما فيه من الحنين، صوت حاد.
والشاهد: (كأنه) فإن الشاعر لم يمدّ الضمة حتى تنشأ عنها واو. بل اختلس الضمة اختلاسا. [الإنصاف/ ١٦/ ٥، وسيبويه/ ١/ ١١، والهمع/ ١/ ٥٩].
١٤٠ - لعب الرياح بها وغيّرها ... بعدي سوافي المور والقطر
لزهير بن أبي سلمى، وهو يتحدث عن المنازل والأطلال، والسوافي: الرياح، والمور: التراب، أي: الرياح التي تذرو التراب، والقطر: المطر.
والشاهد: والقطر: بالجرّ، لأن القافية مجرورة، وهو ليس معطوفا على المور، لأن الرياح لا تسفي التراب والمطر، وإنما تسفي التراب، فقالوا: إنه مجرورة للمجاورة، وليس بجيّد، فإما أنه أراد أن الرياح تسفي القطر بمعنى تذروه وتجعله شديد الوقع على المنازل، فيبددها مثلما يبددها التراب، وإما على حذف مضاف تقديره: سوافي المور ونزول القطر. [الإنصاف/ ٦٠٣، وديوان زهير].
١٤١ - وسمعت حلفتها التي حلفت ... إن كان سمعك غير ذي وقر
الحلفة: بفتح الحاء وسكون اللام، واحدة الحلف، وهو القسم، والوقر: ثقل في الأذن.
والشاهد: إن كان سمعك غير ذي وقر، فإن الكوفيين يرون (إن) هنا بمعنى «إذ» والكلام، تعليل لقوله «وسمعت حلفتها» لأن الأصل في الشرط أن يكون مستقبلا، لأن
стр. 426
القصد تعليق الجواب عليه، وتعليق الشيء لا يكون على شيء مضى، لأنه لا فائدة في تعليق وجوب الجواب عليه وإنما التعليق فيما يأتي من الزمان، وهنا دخلت (إن) على الماضي. [الإنصاف/ ٦٣٣].
١٤٢ - أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدّي يا حجاج فارس شمّرا
البيت منسوب إلى جميل بن معمر العذري، صاحب بثينة. وقوله «حباب» بضم الحاء: خبيث ماكر، وشمّر: اسم فرس، وسارق: صفة لحباب، والضيف: مضاف إليه، وهو من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، والمراد أنه خبيث دنيء حتى إنه ليضيف الناس ليخدعهم عن أموالهم ويسرقها منهم، برده: برد: بدل من الضيف على لفظه أو محله، ويجوز كونه مفعولا لسارق. [الشذور/ ٤٥٤، والأشموني/ ١/ ١٣١، والحماسة/ ٣١٥، واللسان «شمر»].
والشاهد: شمّر، حيث منعه من الصرف لكونه علما على وزن الفعل، فهو على وزن قدّم وكرّم، وهذا وزن لا يكون إلا للفعل، ولكننا لم نعرف أن جميلا كان يمدح أو يهجو.
١٤٣ - فأصبحت أنّى تأتها تلتبس بها ... كلا مركبيها تحت رحلك شاجر
البيت للشاعر لبيد بن ربيعة العامري. وقوله: مركبيها: أراد ناحيتيها وجهتيها، وأصل المركب: مكان الركوب، وقوله: شاجر: اسم فاعل من قولهم: شجر بين القوم، أي:
تفرق، واختلف. وصف الشاعر داهية يعجز الشجاع عن الخوض في مضمارها فيقول:
إنك إذا جئتها وقعت فيها والتبست بها وكان ركوبها صعبا عليك. فأصبحت: أصبح:
فعل ناقص والتاء اسمه، أنّى: اسم شرط، تأتها: فعل الشرط، تلتبس: جوابه، والجملة خبر أصبح، كلا: مبتدأ، شاجر: خبر، وأفرد الخبر لأن كلمة «كلا» وإن كان معناها مثنى إلا أن لفظها مفرد، فراعى الشاعر لفظها فأفرد الخبر وهو الأرجح وعليه قوله تعالى:
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [الكهف: ٣٣].
والشاهد: أداة الشرط، «أنّى» جزمت فعلين. [سيبويه/ ١/ ٣٤٢، والخزانة/ ٧/ ٩١، وشرح المفصل/ ٤/ ١١٠، ٧/ ٤٥ وديوان لبيد].
١٤٤ - كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
стр. 427
هذا البيت من شعر مضاض بن عمرو الجرهمي، يقوله حين أجلتهم خزاعة عن مكة، والحجون: بفتح الحاء، جبل من مكة فيه مدافن أهلها. والصفا: جبل آخر في مكة، وهو الذي يبدأ منه السعي: والمعنى: يتحزن على مغادرتهم بلادهم وإجلائهم عنها، فيقول: إننا بعد أن فارقناها صرنا غرباء عنها وكأننا لم نسكن بقاعها، ولم نجتمع في نواديها، وهذا البيت أول أبيات ستة، من أرقّ الشعر وأعذبه، تمثل حال كل غريب عن وطنه، فجعه أهل زمانه بحرمانه من مسقط رأسه ومرابع ذكرياته.
ومسارح أهله، وهي لسان حال جيرة المسجد الأقصى اليوم ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م واكتب هذه الحروف، والشوق
إلى مرابعي قد هدّ أركاني، فلما قرأت بيت مضاض بن عمرو الجاهلي القديم، حزنت والله لحاله، لأنني أقاسي من آلام الغربة ما قاسى، ويقاسي مثلي مئات الألوف، لأننا كما قال في بيت لاحق في دار غربة بها الذئب يعوي والعدوّ المكاشر وهاك بقية الأبيات:
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك، يا للناس تجري المقادر
فصرنا أحاديثا وكنّا بغبطة ... كذلك عضّتنا السّنون الغوابر
وبدّلنا كعب بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدوّ المكاشر
فسحّت دموع العين تجري لبلدة ... بها حرم آمن وفيها المشاعر
والشاهد في البيت الأول: كأن لم يكن ... حيث خفّف «كأن» وحذف اسمها وأتى بخبرها جملة فعلية. وفصل بين (كأن) وخبرها ب لم، وهو شرط عملها إذا كان خبرها جملة فعلية، وقد يفصل ب (قد) عند الإثبات، وذلك للفرق بين كأن المخففة من «كأنّ» و «كأن» المركبة من حرف الجرّ، و (أن) المخففة من «أنّ»، حيث لا يفصل بينها وبين خبرها (قد) ولا «لم».
١٤٥ - فلا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا
البيت منسوب للفرزدق، ولرجل من عبد مناة بن كنانة. والبيت في مدح مروان ابن الحكم، وابنه عبد الملك، وكنى بارتدائه المجد وتأزره به، عن ثبوته له. وأفرد الضمير فقال: «إذا هو» مع أن حقه التثنية، فيقول: «إذا هما ارتديا» ارتكانا على فهم السامع وتعويلا على أنّ إسناد الشيء إلى أحدهما كإسناده إليهما جميعا، إذ كان الغرض
стр. 428
مدحهما معا. لا: النافية للجنس، أب: اسمها مبني على الفتح، وابنا: معطوف على محل اسم لا ويجوز فيه الرفع عطفا على محل «لا واسمها وخبرها» فهما في محل رفع على الابتداء، مثل: يروى بالرفع خبر «لا» وبالنصب: نعت لاسم «لا» وخبرها محذوف، وإذا: بمعنى (إذ) الدالة على التعليل، هو: فاعل، لفعل محذوف يفسره ما بعده.
والشاهد: فلا أب وابنا: حيث عطف، ابنا بالنصب على اسم «لا» ويجوز فيه الرفع عطفا على محل لا واسمها، ومحلهما الابتداء. [الخزانة/ ٤/ ٦٧، وسيبويه/ ١/ ٣٤٩، وشرح المفصل/ ٢/ ١٠١، وشرح التصريح/ ١/ ٢٤٣، والهمع/ ٢/ ١٤٣، والأشموني/ ٢/ ١٣، والدرر/ ٢/ ١٩٧].
١٤٦ - وحلّت بيوتي في يفاع ممنّع ... يخال به راعي الحمولة طائرا
.. البيت للنابغة الذبياني، يقوله في أبيات للنعمان بن المنذر أيام موجدته عليه.
واليفاع: المرتفع من الأرض. والحمولة: الركائب، يقول: إني في مكان بعيد عن أن تناله، لأنه مرتفع شديد البعد حتى إن الناظر إليه ليظن راعي ركائبنا طائرا .. ضرب هذا مثلا لعزة قومه وامتناعهم على من يريدهم بسوء، ويظهر من سياق القصيدة أن الشاعر، يعتذر إلى النعمان ويطلب جواره، لا لأنّ قومه يخشون المهالك، ولكنه يطلب جواره وعفوه، وفاء لمعروفه وكرمه.
والشاهد في البيت: يخال راعي الحمولة طائرا حيث نصب «يخال» مفعولين، الأول: نائب الفاعل (راعي) والثاني: (طائرا). [سيبويه/ ١/ ١٨٥، وشرح المفصل/ ٢/ ٥٤].
١٤٧ - أبالأراجيز يا بن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور
هذا البيت من كلام منازل بن ربيعة المنقري، والأراجيز: جمع أرجوزة وهو ما كان من الشعر على وزن بحر الرجز، ويقال لما لم يكن من هذا البحر «قصيدة». وقد كان من الشعراء، رجّاز لا يقولون إلا الرجز كرؤبة بن العجاج وأبيه وكان منهم من يقول القصيد ولا يقول الرجز، وكان منهم من يجمع بين الفنين.
والشاهد: وفي الأراجيز خلت اللؤم، حيث توسط «خال» مع فاعله، بين المبتدأ الذي هو قوله: اللؤم، والخبر الذي هو قوله «في الأراجيز» فلمّا توسط الفعل بينهما ألغي
стр. 429
الفعل عن العمل فيهما، ولولا التوسط لنصبهما. [سيبويه/ ١/ ٦١، وشرح المفصل/ ٧/ ٨٤].
١٤٨ - قفي فانظري يا أسم هل تعرفينه ... أهذا المغيريّ الذي كان يذكر ؟
البيت من شعر عمر بن أبي ربيعة من قصيدته التي مطلعها:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر
أسم: يريد أسماء، والمغيري: المنسوب إلى المغيرة، وهو جدّ عمر، وهو يعني نفسه.
والشاهد: يا أسم، حيث رخّمه بحذف آخره، وهو الهمزة، إذ، أصله «يا أسماء» ثم أتبع هذا الحذف حذفا آخر، وهو حذف الحرف الذي قبل الآخر وهو الألف، لكونه حرفا معتلا ساكنا زائدا مسبوقا بثلاثة أحرف. [شرح المفصل/ ٢/ ٢٢، والخزانة/ ١١/ ٣٦٩].
١٤٩ - حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
البيت للشاعر جرير بن عطية يرثي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ﵁.
والشاهد قوله: يا عمرا: فإنه يدل على أن المندوب متفجّع عليه، مع أنه استعمله ب «يا» التي تستعمل في النداء، لأنه
يأمن من الالتباس بالمنادى المحض، لأنه في مقام الرثاء، والرثاء بعد الموت، والظاهر أنه لا يطلب إقباله وإنما يظهر فجيعته فيه وزاد في آخره ألفا ولم يزد هاء. والأصل في حروف الندبة «وا»، وتستعمل «يا» عند أمن اللبس، و «عمرا» مبني على الضم المقدر على آخره، لاشتغال المحل بحركة المناسبة المأتي بها لأجل الألف، فحكم المندوب حكم المنادى. [الهمع/ ١/ ١٨٠، والأشموني/ ٣/ ١٣٤، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ١٦١].
١٥٠ - في أيّ يوميّ من الموت أفرّ ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر
البيت من الرجز، ورواه ابن هشام في المغني، على أن اللحياني زعم أن النصب «بلم» لغة. [الأشموني/ ٤/ ٨، والخصائص/ ٣/ ٩٤، وشرح شواهد المغني/ ٥/ ١٣٢].
١٥١ - لكم مسجدا الله المزوران والحصى ... لكم قبصه من بين أثرى وأقترا
стр. 430
للكميت بن زيد، ومسجدا الله: أراد بهما مسجد مكة ومسجد المدينة زادهما الله شرفا، وأراد بالحصى: العدد الكثير من الناس، والقبص: بكسر القاف، والصاد المهملة أصله مجتمع النمل الكبير الكثير، ثم أطلق على العدد الكثير من الناس.
والشاهد: من بين أثرى وأقترا، فإن هذا الكلام على تقدير اسم موصول قبل أثرى واسم موصول آخر قبل أقترا. وأصل الكلام، من بين من أثرى ومن أقتر، فحذف الموصولين وأبقى صلتهما، ولا يصح الكلام على حذف موصول واحد لأنه يريد من جميع الناس مثريهم وفقيرهم، ومثله قول حسان ﵁:
أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء؟
التقدير: أمن يهجو رسول الله ومن يمدحه سواء، ولا يجوز أن نجعل جملة يمدحه وجملة «ينصره» معطوفتين على جملة «يهجو» لأنه يلزم عليه أن يكون الذي يهجوه والذي يمدحه واحدا، وهذا غير صحيح. ولكن كثيرا من أهل الأدب يروون بيت حسان، هكذا:
فمن يهجو رسول الله منكم ... البيت.
أوله «من» بدون همزة الاستفهام، ويقول النّقاد: إنه من الهجاء المؤلم لأن الشاعر يقرر أن رسول الله ﷺ ، لا يضرّه هجاؤهم، ولا ينفعه مدحهم ونصرهم، فالهجاء والمدح سواء في جنب رسول الله إذا كان من المشركين، لأن الرسول ﵇ مدحه الله تعالى وحماه، فلا يضرّه هجاء المشركين له، ولا يزيد مدح المشركين له في منزلته، أو أن الشاعر يفخر بقومه الأنصار الذين آووا رسول الله فيقول: إنه لا يضره هجاء المشركين، ولا ينفعه مدحهم ونصرتهم، بعد أن كان له من الأنصار ما كان. والدليل على صحة هذا التأويل، أن
الشاعر قال في الشطر الأول «منكم» يعنى من المشركين، وكذلك الذي يمدحه وينصره من المشركين، قلت: ورواية (من يهجو) بدون استفهام، أقوى من رواية الاستفهام، لأن فيها تبكيتا للمشركين وتصغيرا من شأنهم، وهذا البيت نقوله أيضا لأهل الكفر في كلّ زمن، ونردّ به على المؤلّفين المسلمين الذين يستشهدون بأقوال الأوربيين والمستشرقين الذين مدحوا (عبقرية) محمد ﷺ ، وأثر رسالته في المجتمع العربي، لأنّ مدح الكافرين محمدا ﷺ لا يزيد المؤمنين إيمانا، وذمه لا ينقص إيمان المؤمن، فليس بعد مدح القرآن مدح، وليس بعد تصديق القرآن له من تصديق،
стр. 431
فنحن نؤمن أن نبوّة محمد حقا، لأننا نؤمن أن القرآن من عند الله. [الإنصاف/ ٧٢١، والأشموني/ ٣/ ٧٠ واللسان/ قبص].
١٥٢ - ألا هلك الشّهاب المستنير ... ومدرهنا الكميّ إذا نغير
وحمّال المئين إذا ألمّت ... بنا الحدثان والأنف النّصور
.. البيتان في «اللسان» و «الإنصاف» والمدره: زعيم القوم وخطيبهم، والمتكلم عنهم، ونغير: من الغارة، وحمّال المئين: وصفه بالكرم بعد وصفه بالشجاعة واللّسن، والحدثان: بفتح الحاء والدال: بمعنى: الحدث، وهو ما يحدث للناس من ملمات، والنّصور: لعله مبالغة ناصر.
والشاهد: «ألمت بنا الحدثان» حيث ألحق تاء التأنيث بالفعل المسند إلى الحدثان مع أنه مذكر، لأن الحدثان يطلق عليه لفظ الحوادث، والحوادث مؤنثة، لكونه جمع حادثة، فقد راعى الشاعر معنى الحدثان، وألحق بالفعل التاء بناء على هذا المعنى.
[الإنصاف/ ٤٦٦].
١٥٣ - وقائع في مضر تسعة ... وفي وائل كانت العاشره
الواقعة: المعركة، والشاهد: تسعة: فإنها عدد لمعدود مؤنث وهو «واقعة» وكان حقه التذكير، لأن العدد من ٣ - ٩: يخالف العدود، ويؤول هذا على وجهين: الأول: أنه أراد بالوقائع الأيام، فأنث العدد لذلك، والأشهر من ذلك الوجه الثاني: وهو أن العدد من ٣ - ٩ إذا تأخر عن المعدود، جاز فيه الموافقة للوصف، وجاز فيه المخالفة فيؤنث للمذكر ويذكر للمؤنث. [الإنصاف/ ٧٦٩، والهمع/ ٢/ ١٤٩].
١٥٤ - وينمي لها حبّها عندنا ... فما قال من كاشح لم يضرّ
البيت لعمر بن أبي ربيعة، وقوله: ينمي: يزيد، حبّها: فاعل، فما قال، ما:
شرطية منصوبة المحل على المفعول المطلق، أي: أيّ قول قال، يضر: يجوز أن يكون مضارع ضرّه، فهو بضم الضاد، ويجوز أن يكون مضارع «ضار» فهو مكسور الضاد.
والشاهد: أنّ (من) حرف الجرّ، يزاد في الكلام الموجب، كما في البيت، وفي القرآن أمثلة كثيرة منه. [شرح المغني/ ٥/ ٣٢٩].
стр. 432
١٥٥ - حراجيج ما تنفكّ إلا مناخة ... على الخسف أو يرمى بها بلدا قفرا
البيت للشاعر ذي الرّمة، والحرجوج: الناقة الطويلة، والخسف: الذل، وأراد به هنا مبيتها على غير علف، وذكروا البيت شاهدا على أن «إلّا» زائدة في قول الأصمعي، وابن جنّي، لأنّ «ما تنفك» بمعنى ما تزال، ولا يقال: «لا يزال زيد إلا قائما»، لأن الاستثناء يحوّل النفي إيجابا، وهي لا تعمل إلا في النفي، وقال ابن هشام: قالوا: هذا غلط من الشاعر، وقيل: إن الرواية «آلا» بالتنوين، أي شخصا. وقيل: تنفك: تامة، بمعنى ما تنفصل عن التعب، فنفيها نفيّ، ومناخة: حال. [سيبويه/ ١/ ٤٢٨، والإنصاف/ ١٥٦].
١٥٦ - تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... أيسقى فلا يروى إليّ ابن أحمرا
البيت من قصيدة لعمرو بن أحمر قالها حين هرب من يزيد بن معاوية، وكان اتصل به عنه أنه هجاه، فطلبه، ففر .. وفاعل «تقول» الناقة. وعاليت: أعليت. الكور: الرحل بأداته. وضرب السقي والريّ مثلين لما يناله بها من المآرب، ويدرك بالسفر عليها من المطالب.
والشاهد في البيت: استخدام «إلى» حرف الجرّ، بمعنى «من» في قوله: «إليّ».
[الهمع/ ٢/ ٢٠، والأشموني/ ٢/ ٢١٤، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ١٢٩].
١٥٧ - قهرناكم حتّى الكماة فأنتم ... لتخشوننا حتى بنينا الأصاغرا
ليس للبيت قائل معروف، والشاهد أن «حتى» عاطفة بمنزلة الواو وأن ما بعدها غاية لما قبلها في النقص، حيث بدأ بالكمأة، وانتهى بالأصاغر من الأبناء. [الهمع/ ٢/ ١٣٦، والأشموني/ ٢/ ٦٣، وشرح أبيات المغني/ ٣/ ١٠٧].
١٥٨ - ألا ليس إلا ما قضى الله كائن ... وما يستطيع المرء نفعا ولا ضرّا
البيت مجهول القائل، وهو شاهد عند ابن هشام على أن في «ليس» ضمير الشأن، و «ما» بعد «إلا» اسم موصول، مبتدأ، وجملة قضى: صلته، والعائد: محذوف، وكائن: خبر المبتدأ، والجملة: في موضع خبر ليس. [شرح أبيات
المغني/ ٥/ ٢٠٨].
١٥٩ - ألا ليت شعري هل إلى أمّ جعفر ... سبيل فأما الصّبر عنها فلا صبرا
البيت من قصيدة لابن ميّادة، وأم «جعفر» تروى «أم جحدر» هي بنت حسان المريّة
стр. 433
كان يشبب بها ابن ميادة وهو الشاهد: على أن جملة «لا صبر» خبر قوله «فأما الصبر» والرابط العموم الذي في «لا» النافية للجنس. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٧٨].
١٦٠ - عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافا لأرباب الصدور تصدّرا
وإياك أن ترضى صحابة ناقص ... فتنحطّ قدرا من علاك وتحقرا
فرفع «أبو من» ثم خفض «مزمّل» ... يبيّن قولي مغريا ومحذرا
.. هذه الأبيات لأمين الدين المحلي من المتأخرين، وليس في لفظها شاهد نحوي أو لغويّ، ولكنه يلمح إلى بعض القواعد النحوية، التي شبهها بما يجري في الحياة.
وأرباب الصدور: أصحاب المراكز العالية في المجتمع الذين يقصدون المجامع. وقد ذكرها النحويون في باب «الإضافة» وأن الاسم المضاف إلى ماله الصدارة ينال التصدير في الكلام، فيجب تقديم المبتدأ في قولك «غلام من عندك» لأنه مضاف إلى اسم الاستفهام المستحقّ الصدارة، والخبر في قولك «صبيحة أيّ يوم سفرك» والمفعول به في قولك «غلام أيّهم أكرمت»، و «من» ومجرورها في قولك «من غلام أيّهم أنت أفضل»، ووجب الرفع في نحو: علمت أبو من زيد؟ وأشار بقوله: «مزمّل» إلى قول امرئ القيس:
كأنّ أبانا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمّل
يصف جبلا علاه الغيم والمطر، ذلك أن «مزملا» صفة ل: كبير فكان حقّه الرفع، ولكنه خفض لمجاورته للمخفوض. [ورحم الله الأجداد، فقد لاحظوا أن اللغة كائن حيّ، يجري عليها ما يجري على الأحياء من البشر، وأن كلام الناس من حيث التقديم والتأخير والرفع والنصب، بمثل المعانى والقيم التي تحكم حياة الناس، فرفعوا الفاعل وقدموه، لأن اليد العليا العاملة الفاعلة مرفوعة القدر، ونصبوا المفعول وأخروه، لأنه لا يعول عليه في بناء الحياة، ولهذا سموه فضلة، وعرّفوا المبتدأ وقدموه ورفعوه لأن الذي يتصدر القوم أعرفهم وأرفعهم .. الخ، وعلى ذلك قسّ ما يمكنك أن تقيس من العلل والتأويلات المستفادة من حياة العرب. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ١١٠].
١٦١ - وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة ... عشيّة لاقينا جذام وحميرا
هذا البيت للشاعر الفارس زفر بن الحارث الكلابي من أبيات أوردها أبو تمام في
стр. 434
الحماسة قالها الشاعر في معركة «مرج راهط» أيام مروان بن الحكم، وكان الشاعر في جيش الضحاك بن قيس الفهري، يدعو لابن الزبير. وقوله: «كل بيضاء شحمة» هذا من قولهم «ما كلّ بيضاء شحمة» ومثله «ما كل سوداء تمرة» ومعناه ليس كل ما أشبه شيئا يكون ذلك الشيء، وجذام، وحمير .. قبيلتان من أصل يمني، كانتا تحاربان في صفّ مروان بن الحكم. والمعنى: إننا ظننا أن سبيل هاتين القبيلتين كسبيل سائر الناس لما التقينا معهم، بأنا نقهرهم قهرا قريبا، ثم وجدناهم بخلافه، ومما يستجاد بعد البيت الشاهد:
فلما قرعنا النّبع بالنّبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
ولما لقينا عصبة تغلبيّة ... يقودون جردا للمنيّة ضمّرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
وهذه - لعمري - الروح الرياضية الحقة، حيث اعترف لعدوّه بالتفوق في الصبر على المكاره، مع شدة بأس جماعته.
والبيت الشاهد: ذكره الكوفيون، شاهدا على أن «قد» تقدر قبل الفعل الماضي الواقع خبرا لكان، واشترطها البصريون قبل الفعل الماضي الواقع حالا، ظاهرة أو مقدرة.
[شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٣٠].
١٦٢ - فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير: أن تضيف وتجأرا
البيت للنابغة الجعدي الصحابي، ﵁، يصف الشاعر بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت ثلاثة أيام وثلاث ليال تطلبه، ولا إنكار عندها إلا الإضافة، وهي الجزع والإشفاق والجؤار، وهو الصياح. والنكير: الإنكار، أي: ما عندها حين فقدته إلا الشفقة والصياح، وهذا البيت من القصيدة الطويلة التي أنشدها للنبي ﷺ ومنها:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا
ومن أواخرها:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو بعد ذلك مظهرا
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
стр. 435
والقصيدة من أحسن ما قيل في الفخر والشجاعة، وفي البيت الشاهد من المعاني المستفادة ما لا حصر لها، توافق حال أمتنا، لأنهم عند ما يفقدون مواطن العزّ، لا يزيدون على ما فعلته هذه البقرة.
والبيت الشاهد: ذكره ابن هشام في باب «التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين، والصواب خلافها»، في المسألة السادسة عشرة، حيث قالوا: يغلب المؤنث على المذكر في مسألتين، إحداهما: التأريخ، فإنهم أرّخوا بالليالي دون الأيام، قال ابن هشام: وهذا ليس من باب التغليب، لأن التغليب أن يجمع شيئان: فيجري حكم أحدهما على الآخر، ولا يجمع الليل والنهار، وإنما أرّخت العرب بالليالي لسبقها، إذ كانت أشهرهم قمريّة، والقمر يطلع ليلا، وإنما المسألة الصحيحة قولك: «كتبته لثلاث بين يوم وليلة» وضابطها أن يكون معنا عدد مميز بمذكر ومؤنث، وكلاهما مما لا يعقل، وفصلا من العدد بكلمة «بين» وذكر البيت، فقال الشاعر «ثلاثا» لأنه يعد الليالي ويؤرخ بها، ويغلب المؤنث على المذكر في هذه المسألة، ولكن ليس في التأريخ فقط، فقد يقال: اشتريت عشرا بين جمل وناقة. [شرح أبيات المغني/ ٨/ ٢٣].
١٦٣ - إنني رمت الخطوب فتى ... فوجدت العيش أطوارا
ليس يفني عيشه أحد ... لا يلاقي فيه إمعارا
من صديق أو أخي ثقة ... أو عدو شاحط دارا
هذا الأبيات لعدي بن زيد العبادي، الجاهلي من قصيدة مطلعها:
يا لبينى أوقدي نارا ... إنّ من تهوين قد حارا
وهي من البحر المديد، وقوله: رمت الخطوب، أي: رمت معرفة الخطوب والأطوار: الأحوال المختلفة، والإمعار: الافتقار، وتغيّر الحال، والشاحط: البعيد، يقول: وجدت عيش الإنسان في طول عمره يختلف، فتارة يستغني وتارة يفتقر، فلا يفني أحد عيشه إلا يجد فيه هذه الأطوار المختلفة، وقوله: من صديق .. الخ، من: للبيان، في موضع الحال من «أحد» وقوله: فتى، أي: شابا، حال من التاء في «رمت» وجملة (لا يلاقي) صفة ل «أحد».
والشاهد: شاحط دارا، على أن (شاحط) صفة مشبهة بمعنى «بعيد» و «دارا» تمييز، محول من الفاعل. [سيبويه/ ١/ ١٠٢، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ١٢].
стр. 436
١٦٤ - إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
.. البيت مجهول القائل، وذكره ابن هشام في الأمور التي يكتسبها الاسم بالإضافة، ومنها «تذكير المؤنث» في هذا البيت، فقوله: إنارة: مؤنث، أخبر عنه ب «مكسوف» وهو مذكر، فاستفاد المؤنث التذكير من إضافته إلى «العقل». [شرح أبيات المغني/ ٧/ ١٠١، والأشموني/ ٢/ ٢٤٨، والخزانة/ ٤/ ٢٢٧].
١٦٥ - قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسّبع خير من ثلاث وأكثر
نسبه سيبويه للقتال الكلابي، والشاهد: وأنتم ثلاثة، مع أنه أراد أن يقابلهم بنفسه فهو يريد أن يقول: نحن سبع قبائل، وأنتم ثلاث قبائل. فكان ينبغي أن يقول: وأنتم ثلاث قبائل. إلا أن القبيلة قد يطلق عليها لفظ البطن، كما نطلق القبيلة على البطن، ولذلك جاء الشاعر بلفظ ثلاثة مقترنا بالتاء كما لو كان المعدود مذكرا، حيث أراد المعنى، لا اللفظ. [الإنصاف/ ٧٧٢].
١٦٦ - أزيد بن مصبوح فلو غيركم جنى ... غفرنا وكانت من سجيّتنا الغفر
رواه ابن منظور في (غفر)، والشاهد: وكانت من سجيتنا الغفر، حيث ألحق تاء التأنيث بكان مع أن اسمها مذكر وهو الغفر، ويغتفر العلماء ذلك إذا كان اسمها مذكرا وفصل بخبرها بينها وبين اسمها، وقد يكون أنث هنا مراعاة للمعنى، لأن الغفر بمعنى المغفرة، أو لأن الخبر محذوف، وهو مؤنث تقديره «وكانت الغفر سجية» فلما كان الغفر مخبرا عنه بالسجيّة كان مؤنثا، فلذلك أنث الفعل. [الإنصاف/ ٧٧٤].
١٦٧ - عهدي بها في الحيّ قد سربلت ... بيضاء مثل المهرة الضّامر
من قصيدة للأعشى .. والعهد: الالتقاء والمعرفة، ومن العهد: أن تعهد الرجل على حال أو في مكان، وعهدي بها: في بيت الشاهد: مبتدأ خبره محذوف، أي: عهدي بها حاصل، وقد سربلت: جملة في موضع الحال من الضمير المجرور محلا، بالباء، وسربلت: مجهول، ألبسوها السربال.
والشاهد: المهرة الضامر: وصف المهرة بالضامر، وهي أنثى، من غير أن يؤنث الصفة بتاء التأنيث، مما يدل على أنّ لفظ (ضامر) للذكر والأنثى، والبيت ردّ على الكوفيين، أن السبب في حذف التاء من طالق وحائض، أنها ألفاظ خاصة بالمؤنث، فقد حذفت من
стр. 437
«ضامر» وهي مشتركة بين الاثنين. [الإنصاف/ ٨/ ٧١، وشرح المفصل/ ٥/ ١٠١، والهمع/ ١/ ١٠٧].
١٦٨ - تروح من الحيّ أم تبتكر ... وماذا يضرّك لو تنتظر
قاله امرؤ القيس ... قال صاحب كتاب «الجمل» وربما أضمروا ألف الاستفهام واستغنوا عنه بأمارته، «أم»
فيقولون: زيد أتاك أم عمرو؟ وذكر البيت، والتقدير:
أتروح .. أم؟
١٦٩ - فما تك يا ابن عبد الله فينا ... فلا ظلما نخاف ولا افتقارا
البيت للفرزدق، وذكره ابن هشام، على أنّ ابن مالك قال: إنّ «ما» فيه زمانية، بمعنى: أيّ زمن، وهو يرى أنّ «ما» و «مهما» الشرطيتان تستخدمان ظرفين، وذكر في شرح «الكافية» شواهد من كلام العرب على ذلك، ويرى غيره، أنها تقدر بمصدر على معنى: أي كون قصير أو طويل تكون فينا. [شرح أبيات المغني/ ٥٥/ ٢٣٧، وديوان الفرزدق].
١٧٠ - أمرّ على الديار ديار ليلى ... أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي ... ولكن حبّ من سكن الديارا
البيتان لقيس العامري مجنون ليلى.
والشاهد في البيت الثاني على أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، ولهذا قال: شغفن ولم يقل «شغف». [الخزانة/ ٤/ ٢٢٧، ٣٨١، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ١٠٣].
١٧١ - إذا ما شاء ضرّوا من أرادوا ... ولا يألو لهم أحد ضرارا
البيت مجهول القائل، وقوله: «يألو»، أي: يستطيع.
والشاهد في قوله «شاء» بضم الهمزة فقط على أن أصله «شاءوا» حذفت الواو، واكتفى بالضمة، لأنها تدل عليها. قال الفرّاء: وهو كثير في لغة العرب وفي القرآن سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨] ووَ يَدْعُ الْإِنْسانُ. [الاسراء/ ١١]، فاكتفى بالضمة وحذفت الواو، قال: وقد تسقط العرب الواو، وهي واو جمع اكتفاء بالضمة قبلها، فقالوا في
стр. 438
«ضربوا» ضرب، وفي «قالوا»، وقد قال، قال: وهي لغة هوازن وعليا قيس. [الإنصاف/ ٣٨٦، وشرح المغني/ ٧/ ١٨٧].
١٧٢ - قالت سلامة لم يكن لك عادة ... أن تترك الأعداء حتّى تعذرا
لو كان قتل يا سلام فراحة ... لكن فررت مخافة أن أوسرا
البيتان لعامر بن الطفيل، يقولهما في الاعتذار من فراره من المعركة، وقد مات على الجاهلية.
والشاهد: في البيت الثاني، على أنّ جواب «لو» هنا، قد جاء مقترنا بالفاء مع حذف المبتدأ، وتقديره: «فهو راحة». وذلك تشبيها لها بإن الشرطية، ويحتمل أن تكون «فراحة» معطوفة على فاعل كان، وجواب «لو» محذوف، تقديره،
لو كان قتل فراحة لثبتّ. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١١٥].
١٧٣ - ألف الصّفون فما يزال كأنّه ... ممّا يقوم على الثلاث كسيرا
البيت مجهول القائل، والصفون: مصدر صفن، إذا ثنى في وقوفه إحدى قوائمه. والكسير: الثاني إحدى قوائمه. والبيت شاهد على أن «كسيرا» خبر، فما يزال.
وقوله: «مما يقوم»، ما: مصدرية، فالمعنى: من قيامه، ومن: متعلقة بالخبر المحذوف لكأنّ، وتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث، فما يزال كسيرا، أي: ثانيا إحدى قوائمه حتى كأنه مخلوق من القيام على ثلاث، وفي البيت أقوال أخرى، ما ذكرته أقواها. [شرح المغني/ ٥/ ٣٠١].
١٧٤ - لا تتركنّي فيهم شطيرا ... إنّي إذن أهلك أو أطيرا
لرؤبة بن العجاج، الشطير: البعيد والغريب، وتترك: قد يكون بمعنى التّخلية فينصب مفعولا واحدا، وشطيرا: حال، وقد يأتي بمعنى «صيّر» فينصب مفعولين، وشطيرا:
مفعوله الثاني، والبيت محل خلاف عند أهل النحو، لأنه مروي بإعمال «إذن» مع عدم تصدرها، حيث عطف «أطير» بالنصب على «أهلك»، وأجيب عن الإشكال، بأن خبر إنّ محذوف، أي: إني لا أقدر على ذلك، وجملة «إذن أهلك» مستأنفة وإذن فهي مصدرة ..
ونقل الفرّاء في «معاني القرآن» عن العرب أنه إذا جاءت «إنّ» قبل «إذن» يجوز نصب الفعل بعدها ويجوز رفعه، كما في البيت وقيل: إنّ: خبر «إني» إذن وما بعدها، فتكون
стр. 439
مصدّرة. [الإنصاف/ ١٧٧، وشرح المفصل/ ٧/ ١٧، والهمع/ ٢/ ٧، وشرح المغني/ ١/ ٨٧].
١٧٥ - لذ بقيس حين يأبى غيره ... تلفه بحرا مفيضا خيره
ليس للبيت قائل معروف، وذكروه شاهدا على أنّ «غير» بنيت على الفتح، لإضافتها إلى مبني، وهو الضمير مع أنها فاعل، يأبى .. وقيل: «غير» هنا، وفي مواضع تشبهها، تعرب منصوبة على الاستثناء أو الحالية، ويكون الفاعل محذوفا والتقدير: يأبى، آب غيره، وهو التوجيه الأمثل، واختاره ابن مالك. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٣٩٨].
١٧٦ - أطلب ولا تضجر من مطلب ... فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبل بتكراره ... في الصخرة الصّماء قد أثّرا
البيتان لم يسمّ قائلهما، وهما في «المغني» في مسألة اشتباه الجملة المعترضة بالحالية، وقال: إن الجملة الحالية لا
تقع إلا خبرية، ونفى أن تكون الواو في قوله «ولا تضجر» للحال، وأن «لا» ناهية، وإنما هي عاطفة، إما مصدرا يسبك من أن والفعل على مصدر متوهم من الأمر السابق، أي: ليكن منك طلب، وعدم ضجر، أو عطف جملة على جملة، وعلى الأول: ففتحة «تضجر» إعراب، و «لا» نافية، وعلى الثاني فالفتحة للتركيب، والأصل: ولا تضجرن، بنون توكيد خفيفة، وحذفت للضرورة، و «لا» ناهية، والأصح عنده أن الفتحة للإعراب كما في قولك «لا تأكل السمك وتشرب اللبن».
[الهمع/ ١/ ٢٤٦، والأشموني ج ٢/ ١٨٦، والعيني/ ٣/ ٢١٧، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٢٨].
١٧٧ - ولا ألوم البيض ألّا تسخرا ... من شمط الشّيخ وألّا تذعرا
قاله العجاج، أو ابنه رؤبة، أو أبو النجم، والشاهد: «ألا»، فإنها مركبة من «أن» و «لا»، قالوا: إن «لا» هنا، حشو، ومعناه «أن تسخر» وأن تذعر. [الخصائص/ ٢/ ٢٨٢].
١٧٨ - في بئر لا حور سرى وما شعر .
هذا رجز للعجاج، والحور: الهلاك.
والشاهد: زيادة «لا» والتقدير في بئر حور، و «لا» حشو. [شرح المفصل/ ٨/ ١٣٦].
стр. 440
١٧٩ - لقد أنكرتني بعلبكّ وأهلها ... ولابن جريج كان في حمص أنكرا
قاله امرؤ القيس، والشاهد «بعلبك» لانه اسم بمنزلة اسمين، ويريد بناءه على الفتح، مثل «خمسة عشر»، وهي إحدى اللغات فيه. [ديوان امرئ القيس].
١٨٠ - فالشمس طالعة ليست بكاشفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
البيت لجرير بن عطية، وقوله: كاشفة: ظاهرة، يقال: ضربه فكشف عظمه، أي:
أظهره.
والشاهد: نجوم الليل والقمرا: نصب، لأن موضعهما نصب، كما تقول: لا آتيك، عبادة الناس الله، أي: ما عبد الناس الله، وأراد هنا أن الشمس كاسفة تبكي عليك الشهر والدهر. [ديوان جرير/ ٧٣٦].
١٨١ - كم ملوك باد ملكهم ... ونعيم سوقة بارا
.. بارا: أي: زال.
والشاهد: كم ملوك: جرّ ما بعد «كم» الخبرية، قال في «الجمل» وإن شئت رفعت «كم رجل عندك» كأنك قلت: رجل
عندك، ولم تلتفت إلى «كم».
١٨٢ - فتى في سبيل الله أصفر وجهه ... ووجهك مما في القوارير أصفرا
عن كتاب «الجمل» للخليل، بدون نسبه.
والشاهد: أصفرا: نصبه على تقدير: كان أصفرا.
١٨٣ - إنّ فيها أخيك وابن هشام ... وعليها أخيك والمختارا
هذا لغز، في قوله: وعليها أخيك والمختارا، فإنه يكون كالتالي: وعليها أخي كوى المختارا، وهذا ما يجعل نسبة كتاب «الجمل» للخليل بن أحمد ضعيفة، فقد جاء فيه هذا البيت، وزمانه لم يكن زمن ألغاز، ولم يكن الخليل يشغل عقله بالألغاز، فقد استغنى بما حفظ من كلام العرب من أهل البادية.
١٨٤ - إلى ملك كاد الجبال لفقده ... تزول وزال الراسيات من الصّخر
стр. 441
البيت للفرزدق من قصيدة رثى بها بشر بن مروان ومطلعها:
أعينيّ إلا تسعداني ألمكما ... فما بعد بشر من عزاء ولا صبر
البيت من شواهد «المغني»، تحت عنوان «إنهم يعبرون بالفعل عن أمور»، ومنها «مشارفته» كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ [البقرة: ٢٤٠]، أي: والذين يشارفون الموت وترك الأزواج، يوصون وصية، وذكر هذا البيت، ومعناه: كادت الراسيات تزول أو أرادت أن تزول. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٨/ ٩٠].
١٨٥ - أصبح مني الشباب مبتكرا ... إن ينأ منّي فقد ثوى عصرا
فارقنا قبل أن نفارقه ... لمّا قضى من جماعنا وطرا
البيتان للربيع بن ضبع الفزاري، من مقطوعة في نوادر أبي زيد. وقوله: مبتكرا، أي:
سافر في بكرة النهار: يعني: قد استمتعت بالشباب وتلذذت به مدّة، فإن ذهب عني فلا عجب، وقوله: من جماعنا: الجماع: الاجتماع والعشرة، وهذه اللفظة بحسب عرف هذه الأزمان قبيحة، قال هذا، عبد القادر البغدادي، المتوفى سنة ١٠٩٣ هـ، أي: منذ ثلاثة قرون ومنها تعرف أطوار المعاني التي تكتسبها الكلمة مع مرور الأعصر، بل بسبب التباعد بين الفصيح ولغة المجتمع، ولو قلت في أيامنا «حصل بين فلان وفلان جماع» لكان هذا التعبير محلّ استهجان، ومثلها في أيامنا كلمة «العرصة» في اللهجة الدارجة الشامية، وكلمة «علق».
والشاهد في البيت الثاني: أنّ الفعل «فارق» لا يراد به هنا وقوعه وإنما يراد به إرادة المفارقة. [شرح أبيات مغني
اللبيب/ ٨/ ٩٠].
١٨٦ - فتولّى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارا
ليس للبيت قائل معروف، والظليم: الذكر من النعام، والحمار: العير الأهلي والوحشي.
والشاهد فيه: أصيدكم، وأصله «أصيدلكم» فحذفت اللام، واتصل الضمير بالفعل، فصار منصوبا بعد أن كان مجرورا، قال الأزهري في التهذيب: «صدت فلانا صيدا، إذا صدته له»، كقولك: بغيته حاجة، أي: بغيتها له. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٢٩].
стр. 442
١٨٧ - لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
البيت لعدي بن زيد، والشاهد فيه على أنه أقيم الظاهر موضع الضمير الرابط، والأصل: لا أرى الموت يسبقه شيء. [سيبويه/ ١/ ٣٠، والخصائص/ ٣/ ٥٣، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٧٧، والخزانة/ ١/ ٣٧٩].
١٨٨ - لعمرك إنّي واردا بعد سبعة ... لأعشى وإنّي صادرا لبصير
عن كتاب «الجمل» للخليل، بدون نسبة والشاهد: واردا وصادرا نصبا على الحال، أي: في حال ورودي أعشى، وحال صدوري بصير، قال: وإنما صار الحال نصبا، لأن الفعل يقع فيه، فانتصب كانتصاب الظرف فقولك: تكلمت قائما: وقع الفعل في القيام.
١٨٩ - إليك إليك عذرة بعد عذرة ... وقد يبلغ الشرّ السديل المشمّر
لأبي زبيد الطائي، والسديل: الكثير الذهاب، والمشمّر: المسرع.
والشاهد: يبلغ الشرّ السديل، فالشرّ في الأصل هو الفاعل، والسديل: مفعول به، فالشرّ قد يبلغ السديل كأنه قلب.
١٩٠ - هشام ابن الخلائف قد طوتني ... ببابك سبعة عددا شهور
بعيرا واقفان وصاحبيه ... ألمّا يأن أن يثم البعير
وقوله: «يثم»: يعدو، والواو مقحمة قبل صاحبيه، وفي البيت الثاني تقديم وتأخير، أراد: بعيرا صاحبيه واقفان، وفي البيت الأول قوله: سبعة عددا شهور: قدم نعت النكرة «سبعة» فنصبها على الحالية.
١٩١ - أحلّ به الشيب أثقاله ... وما اغترّه الشيب إلا اغترارا
البيت للأعشى ميمون، ورواية الديوان «اعتره» أي: عرض له وهو في كتاب «المغني» في توجيه اقتران الخبر بعد (ليس) ب «إلا».
١٩٢ - وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
البيت للأعشى ميمون، من قصيدة مدح بها هوذة بن على الحنفي من بكر بن وائل،
стр. 443
وهو في البيت يصف مجلس صاحبته وأنه إذا واصلها في البرد الشديد الذي لا يقدر فيه الكلب على النباح، وجد جسمها سخنا وهو الشاهد على أنّ رجوع الضمير الرابط من الجملة المضاف إليها، إلى المضاف، نادر فإن ضمير «بها» راجع إلى ليلة. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٤٩].
١٩٣ - أنفسا تطيب بنيل المنى ... وداعي المنون ينادي جهارا
البيت مجهول القائل، والشاهد في البيت تقدم التمييز «نفسا» على عامله للضرورة، وقوله: أنفسا: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، وجملة (وداعي المنون ..) حالية، ومفعول ينادي محذوف، وجهارا: تعرب: حالا، أو مفعولا مطلقا. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٦].
١٩٤ - فأمهله حتى إذا أن كأنّه ... معاطي يد من لجّة الماء غامر
البيت للشاعر الجاهلي أوس بن حجر، وحق البيت أن يكون في قافية الفاء لأنه من قصيدة فائية، وقافية البيت (غارف) ولكن ابن هشام ذكره كما أثبتّه، والشاعر يتحدث عن الصيد، وفاعل «أمهل» ضمير الصياد، والهاء ضمير يعود على حمار الوحش، و (حتى) ابتدائية، غاية لما قبلها و «إذا» ظرفية فعلها محذوف يفهم من المقام، تقديره: حتى إذا صار من الماء في القرب، مثل الرجل الذي يتناول بيده غرفا، و (من) متعلق بغارف و «معاطي يد»، أي: معاطي في يد، والمعاطي: المتناول، فالإضافة ظرفية.
والشاهد: «أن» بعد إذا زائدة. [شرح التصريح/ ٢/ ٢٣٣، والهمع/ ٢/ ١٨، والدرر/ ٢/ ١٢، وشرح أبيات المغني ج ١/ ١٦٤]، والقافية الصحيحة «غارف» فالبيت من قصيدة فائية.
١٩٥ - إذا قلت: هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصّبا من حيث يطّلع الفجر
هذا البيت لأبي صخر الهذلي (عبد الله بن سالم السهمي الهذلي) من قصيدة تعدّ من أرقّ النسيب، وقد جاءت بعض أبياتها في حرف الراء، شواهد نحوية، وهذا المختار منها مجموعا:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من عهدنا عصر
стр. 444
وقفت بربعيها فعيّ جوابها ... فقلت وعيني دمعها سرب همر
ألا أيّها الركب المخبون هل لكم ... بساكن أجراع الحمى بعدنا خبر
فقالوا طوينا ذاك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السّفر
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلّا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر
وأنسى الذي قد كنت فيها هجرتها ... كما قد تنسّي لبّ شاربها الخمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
ويمنعني من بعض إنكار ظلمها ... إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر
مخافة أني قد علمت لئن بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبر
إذا قلت هذا .. البيت الشاهد.
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر
وإني لتعروني لذكراك هزّة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
... والبيت الشاهد، ذكره ابن هشام في المغني (ش ٩١٢) شاهدا على جواز بناء المضاف، إذا كان المضاف زمانا مبهما والمضاف إليه فعلا معربا، وجاء في حاشية التحقيق أن «حين» مبني على الفتح في محلّ رفع خبر المبتدأ «هذا»، لعله يشير إلى أن الشاهد في البيت «حين أسلو» ولكنّ في البيت ظرفا آخر مضافا وهو «حيث يطّلع».
[شرح أبيات مغني اللبيب ج ١/ ٣٣٨].
١٩٦ - أفي الحقّ أنّي مغرم بك هائم ... وأنّك لا خلّ هواك ولا خمر
البيت لعابد بن المنذر العسيري، كما قال السيوطي ومعناه أن حبّها له ملتبس عليه، فلا هو صدّ يوقع اليأس، ولا إقبال يوقع الأمل في النفس، وقد ذكر ابن هشام البيت في باب «أما» بالفتح والتخفيف، وذكر من معانيها أن تكون بمعنى «حقا» أو «أحقا» وتفتح أنّ بعدها كما تفتح بعد «حقا» وقال بعضهم إن «أما» اسم بمعنى حقا، أو الهمزة للاستفهام، و «ما» اسم بمعنى شيء، وذلك الشيء «حقّ» فالمعنى «أحقا» وموضع «ما»
стр. 445
النصب على الظرفية، كما انتصب «حقا» على ذلك بدليل دخول «في» عليه في البيت وأنّ وصلتها مبتدأ والظرف خبره.
وقوله: «لا خلّ هواك .. الخ» يقول: لا يدخل في الحقّ ووجوهه أن يكون حبي لك غراما وحبّك لا يرجع إلى معلوم، وقال الميداني في مجمع الأمثال: «ما أنت بخلّ ولا خمر» قال أبو عمرو: بعض يجعل الخمر للذتها خيرا، والخلّ لحموضتها شرا، وأنه لا يقدر على شربه وبعضهم يجعل الخمر شرا، والخلّ خيرا، ويقولون: لست من هذا الأمر في خلّ ولا خمر، أي: لست منه في خير ولا شرّ.
وقبل البيت الشاهد:
هل الوجد إلّا إنّ قلبي لودنا ... من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر
وبعده: أي: بعد البيت الشاهد:
فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحورا فلا برأ السحر
وقوله: هل الوجد: أي: ما الوجد، والوجد: الحبّ الشديد، و «قيد» بكسر القاف المقدار من المسافة، والمطبوب: الداء الذي يعرف دواؤه، يقول: إن كان الذي بي داء معلوما يعرف دواؤه فلا فارقني، فإني ألتذّ به، وإن كنت مسحورا، أي: وإن كان الذي بي لا يعلم ما هو فلا فارقني أيضا. [شرح أبيات مغني اللبيب ج ١/ ٣٥٨].
١٩٧ - رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر
البيت لعمر بن أبي ربيعة، من قصيدته التي مطلعها «أمن آل نعم ..» وعارضت الشمس: غدت في عرض السماء، يضحى: يبرز للشمس، يخصر: يبرد، والبيت كناية عن مواصلة السفر في النهار وفي العشيّ، وقوله: «أيما» بالياء.
قال ابن هشام: وقد تبدل ميم «أمّا» الأولى ياء، استثقالا للتضعيف وذكر البيت، وقد رواه المبرد على هذه الصورة أيضا في إحدى رواياته، وقوله: رأت: الفاعل، ضمير «صاحبته نعم» وجملة (أما .. إذا) صفة لقوله «رجلا» و «إذا» ظرف متعلق ب يضحى قدم عليه لوجوب الفصل بين أما، والفاء. والشمس: فاعل، لفعل محذوف، وعارضت:
стр. 446
قابلت، والمفعول محذوف، أي: عارضته. [الهمع/ ٢/ ٩٧، والأشموني/ ٤/ ٤٩، والخزانة/ ١١/ ٣٦٧].
١٩٨ - ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى ... بكاء حمامات لهنّ هدير
البيت منسوب لكثيّر عزة، وعبد: مرخم «عبدة».
والبيت شاهد على أن «أي» فيه حرف نداء القريب، لأن الحبيب وإن كان بعيدا في جسمه إلا أنّ الشاعر يتخيله قريبا فيناديه. [الهمع/ ١/ ١٧٢، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ١٣٩].
١٩٩ - أيادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم ... فلن يحل للعينين بعدك منظر
البيت لكثير عزّة، وقوله: أيادي سبا: مثل للتفرق والشتات، وتكتب سبا بالألف بدون همزة وهو الأشهر، وإن كان أصلها مهموزا، وعزّ: مرخم عزة، ما كنت .. ما: مصدرية ظرفية، ونقول: حلا الشيء في فمي يحلو، وحلي بعيني وقلبي يحلى، وأيادي سبا:
يعرب هذا التركيب حالا، فقول: تفرقوا أيادي سبا، أو أيدي سبا، والتقدير: مثل أيادي سبا، أو ذهبوا متفرقين.
وشاهد البيت: «فلن يحل» هكذا ب (لن) على أنّ لن جازمة بدليل حذف حرف العلة من «يحلى» ويصح هذا إذا أراد المستقبل، أما إن كان يخبر عن ماض بعد فراقها، فالرواية ب «لم» والله أعلم. [الأشموني/ ٣/ ٢٧٨، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ١٦٠].
٢٠٠ - إنّي إذا ما كان أمر منكر ... وازدحم الورد وضاق المصدر
وجدتني أنا الربيس الأكبر
الريس: الشجاع، والشاهد وجدتني أنا الربيس، وجد: فعل ماض، ينصب مفعولين، والتاء فاعله والياء مفعوله الأول، أنا: مبتدأ، الربيس: خبره، حيث جعل ضمير (الفصل)، أنا: مبتدأ وأخبر عنه، والأكثر إلغاؤه، وتسليط الناسخ على ما بعده فيكون: الربيس: مفعولا ثانيا، وضمير الفصل يكون بين كان وأخواتها وأسمائها، وأخبارها وبين المفعول الأول لظنّ وأخواتها، والمفعول الثاني والأكثر عدّه حرفا، كقوله تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا
стр. 447
هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف: ٧٦] وقال تعالى: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً، وَأَعْظَمَ أَجْراً [المزمل: ٢٠]، وجاءت بعض القراءات برفع ما بعد ضمير الفصل في قوله تعالى: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً [الكهف: ٣٩] فالرفع قراءة عيسى بن عمر والنصب قراءة الجمهور.
٢٠١ - وو الله ما أدري وإني لشاكر ... لكثرة ما أوليتني كيف أشكر
الشاهد: والله .. الواو: حرف قسم وجر، ولفظ الجلالة قسم به مجرور.
٢٠٢ - طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء ... تقلّب طرفها حذر الصقور
منسوبان إلى إمام بن أقرم النميري، وكان الحجاج قد جعله على بعض شرط أبان ابن مروان ثم حبسه، فلما خرج قال الشعر. وكان قد تحيّل حتى استنقذ نفسه دون أن يمنّ عليه من حبسه، وقد نعت الحجاج بالجبن مع تسلّق الجفنين وشبه عينيه عند تقليبه لهما حذرا وجبنا، بعيني بنت الماء، وهي ما يصاد من طير الماء، إذا نظرت إلى
الصقور فقلبت حماليقها حذرا منها، قال الجاحظ: لأن طير الماء لا يكون أبدا إلا منسلق الأجفان، وفي وصف الحجاج بالجبن، هجاء بغير ما هو فيه، والشاهد: «عيني بنت ماء» نصب «عيني» على الذمّ بتقدير فعل محذوف تقديره «أذمّ» ولو رفع لجاز. [سيبويه/ ١/ ٢٥٤].
٢٠٣ - وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنّه ... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
.. البيت لعمر بن أبي ربيعة. وقد رواه ابن هشام كما ترى للاستشهاد به على أنّ «كما» إذا كانت بمعنى التعليل نصبت الفعل المضارع، مثل «كيما»، والحقّ أنّ بعض النحويين، يقع لهم بيت الشعر الملفق، فيبنون عليه قاعدة ولا يرجعون إلى أصل البيت، ولا يسألون إن كان للبيت قصيدة ينتمي إليها، فأكثر ما ينظرون في البيت المفرد، مع أنّ معنى البيت المرويّ لا يستقيم ولا يؤدي غرض الشاعر، فهي لا تطلب من صاحبها أن يحبس نظره لأن حبسه، ليس فيه إيهام يتناسب مع الشطر الثاني، وإنما تطلب منه أن ينظر إلى جهة غير الجهة التي هي فيها ليضلّل الناس ويحسبوه ينظر إلى غيرها ولا يقصدها وهي رواية البيت المشهورة:
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا ... لكي يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
стр. 448
[الإنصاف/ ٣٤٤، والأشموني/ ٣/ ٢٨١، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ١١٧].
٢٠٤ - ذكرتك والخطيّ يخطر بيننا ... وقد نهلت منّا المثقّفة السّمر
البيت لأبي عطاء السندي، مرزوق، أو أفلح بن يسار، شاعر أموي جملة: والخطيّ يخطر: حال، وجملة (وقد نهلت ..) بدل من قوله والخطيّ يخطر. [شرح المفصل/ ٢/ ٩٧، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ٣٠١].
٢٠٥ - لقد أذهلتني أمّ عمرو بكلمة ... أتصبر يوم البين أم لست تصبر
... مجهول القائل، وذكره ابن هشام شاهدا على وقوع البدل جملة.
[شرح أبيات المغني/ ٧/ ٣].
٢٠٦ - أسكران كان ابن المراغة إذ هجا ... تميما بجوّ الشام أم متساكر
البيت للفرزدق، يهجو جريرا، وابن المراغة: هو جرير، والمراغة: أمه، لقب أطلقه الأخطل على أم جرير. وقيل غير ذلك، وجوّ الشام: داخلها، ويروى: بجوف الشام، والخلاف واقع في «أسكران كان ابن المراغة أم متساكر» فقد ورد لفظ «سكران» بالرفع، وكذلك «ابن المراغة» فقال قوم: كان: شأنية، فيها ضمير الشأن اسمها، «وابن المراغة
سكران» مبتدأ وخبر، خبر كان، ورفض هذا الإعراب ابن هشام، وقال: «كان» زائدة، لأن ضمير الشأن يعود على ما بعده لزوما، ولا يجوز للجملة المفسّرة له أن تتقدم هي، ولا شيء منها عليه، قال: والأشهر في إنشاد البيت، نصب (سكران) ورفع ابن المراغة على أنّ سكران، خبر مقدم، وابن المراغة: اسم كان. وارتفاع متساكر في آخر البيت على أنه خبر ل هو، محذوفا، ويروى: برفع سكران ونصب (ابن المراغة) وحينئذ تكون جملة كان، خبر «سكران». [سيبويه/ ١/ ٢٣، والخصائص/ ٢/ ٣٧٥، والهمع/ ١/ ٦٧، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٦٩، والخزانة/ ٩/ ٢٨٨].
٢٠٧ - نبّئت نعما على الهجران عاتبة ... سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري
للنابغة الذبياني، والشاهد: سقيا ورعيا، والتقدير: سقاه الله سقيا، ورعاه الله رعيا، ومثله: تبا لهم وسحقا، وتربا له وجندلا، أي: لقّاه الله تربا وجندلا.
٢٠٨ - لعمرك ما خشيت على عديّ ... سيوف بني مقيّدة الحمار
стр. 449
ولكنّي خشيت على عديّ ... سيوف الروم أو إيّاك حار
الشعر لفاختة بنت عديّ، وعديّ: ملك غساني، وهو ابن أخت الحارث بن أبي شمر، وكان عديّ قد أغار على بني أسد، فلقيته بنو سعد بن ثعلبة وقتلته بعد حرب، قتله عمرو وعمير ابنا حذار، وأمهما تماضر يقال لها «مقيّدة الحمار» وقيل: مقيدة الحمار في هذا الشعر، الحرّة من الأرض، لأنها تعقل الحمار فكأنها قيد له.
والشاهد: أو إيّاك حار: حيث لم يقدر على الضمير المتصل، فاستعمل الضمير المنفصل، وحار: أراد «حارثا». [سيبويه/ ١/ ٣٨].
٢٠٩ - يقولون في حقويك ألفان درهما ... وألفان دينارا فما بك من فقر
قوله: ألفان درهما، وألفان دينارا، حقه أن يقول: ألفا درهم، وألفا دينار لأن تمييز الألف مفرد مجرور وكذلك تمييز ما ثني منه.
٢١٠ - قتلت فكان تباغيا وتظالما ... إنّ التّظالم في الصديق بوار
أفكان أوّل ما أثبت تهارشت ... أولاد عرج عليك عند وجار
البيتان لأبي مكعت الحارث بن عمرو، والمقتولة جارية لضرار بن فضالة اسمها أنيسة، واحترب الفريقان من أجلها، وبوار: على وزن «فعال» اسم للهلكة، ودار البوار، دار الهلاك، والعرج: جمع عرجاء، وهي الضبع، والعرج خلقة فيها، والعرب تجعل عرج معرفة لا ينصرف، تجعلها بمعنى الضباع بمنزلة القبيلة، ولا يقال للذكر أعرج
ويقال لها «عراج» معرفة لعرجها، والوجار: جحر الضبع.
والشاهد: «بوار» على وزن فعال، مبني على الكسر.
٢١١ - هما خطّتا إمّا إسار ومنّة ... وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر
البيت للشاعر تأبط شرا من قطعة أوردها أبو تمام في الحماسة، وقد مضت قصة الأبيات في شاهد سابق (فأبت .. تصفر) والبيت شاهد على حذف نون التثنية للضرورة في قوله «خطتا» إذا روينا «إسار ومنة» بالرفع، وإذا روينا إسار ومنة بالجرّ، فإنّ النون تحذف للإضافة، (وإمّا) زائدة بين المتضايفين وهو أيضا ضرورة، ويروى البيت «لكم خصلة ...» وعندئذ، لا مشكلة [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٣٦٠، والتصريح/ ٢/ ٥٨].
стр. 450
٢١٢ - تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما ... عليّ من الغيث استهلّت مواطره
البيت للفرزدق يمدح نصر بن سيار أمير خراسان لمروان بن محمد آخر الأمويين.
وقوله: تنظّرت: التنظر: الانتظار، وقصد به استعجال نصر بالعطاء. وأراد بالسماكين:
أحدهما، وهو السماك الأعزل، وهو الذي له نوء، وأما السماك الرامح فلا نوء له.
وقوله: أيهما: بسكون الياء: أيّ: الاستفهامية، مخففة والضمير في «أيهما» راجع إلى (نصر) وعلى السماكين، إجراء لهما مجرى الواحد، لأنه المراد، ولهذا وحّد الضمير في «مواطره» .. و «عليّ» متعلق ب: استهلت، والاستهلال كثرة الانصباب، والمواطر: جمع ماطرة، أراد السحب المواطر، وقد بالغ في ممدوحه بجعله معادلا للمطر في النفع العام.
والشاهد: أنّ «أي» الاستفهامية قد تخفف كما في البيت، وقد قرأ الحسن «أيما الأجلين». [القصص ٢٨] بتخفيف الياء.
وقد روى بعضهم البيت «تنظرت نسرا» بالسين، وقد ردّ عبد القادر البغدادي هذه الرواية، لأن «النسر» النجم المعروف معرف (بأل) ولأن النسر، ليس له نوء ومطر، وإنما النوء يختص بمنازل القمر، وليس النسر منها. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٢/ ١٤٦].
٢١٣ - ومن يك ذا عظم صليب رجا به ... ليكسر عود الدّهر فالدهر كاسره
البيت للشاعر الفارس المتيم توبة بن الحمير، صاحب ليلى الأخيلية، وهو شاهد على أنّ «اللام» زائدة في مفعول الفعل المتعدي المتأخر عن الفعل، فإنّ «رجا» فعل متعد، فكان القياس: رجا به أن يكسر عود الدهر، وهو في هذا
الموضع، ضرورة، ولكن البيت يروى أيضا:
ومن يك ذا عود صليب يعدّه ... ليكسر ...
فتكون اللام للتعليل، لا زائدة. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٠٥].
٢١٤ - وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
البيت لتوبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية، شاعر إسلامي، توفي سنة ٧٦ هـ.
والشاهد في البيت أن «أو» فيه للجمع المطلق كالواو، والشواهد على هذا المعنى
стр. 451
كثيرة. [الهمع/ ٢/ ١٣٤، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ٢٣].
٢١٥ - وتالله ما إن شهلة أمّ واحد ... بأوجد منّي أن يهان صغيرها
البيت لساعدة بن جؤيّة، وشهلة: امرأة كبيرة، أوجد: أشدّ وجدا مني، وصغيرها:
ولدها، وبعد البيت مما يتضح به الكلام:
رأته على يأس وقد شاب رأسها ... وحين تصدّى للهوان عشيرها
فشبّ لها مثل السّنان مبرّأ ... إمام لنادي دارها وأميرها
صغيرها: ولدها، وتصدى: تعرّض لهوانها زوجها، كبرت فهانت عليه، والبيت شاهد عند ابن جني على أنّ «أن» الناصبة للمضارع، تشارك «ما» في النيابة عن الزمان، والتقدير «وقت أن يهان صغيرها» وتبعه الزمخشري، وحمل عليه بعض الآيات منها. أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ. [غافر: ٢٨]، ويرى ابن هشام أن المعنى تعليل. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٤٤ وشرح أشعار لهذليبين/ ١١٧٥، ١١٧٨].
٢١٦ - إذا مات منهم ميّت شرف ابنه ... ومن عضة ما ينبتنّ شكيرها
البيت من أمثال العرب. والعضة: واحدة العضاة وهو كل شجر يعظم، وشكرت الشجر، تشكر شكرا، من باب فرح، أي: خرج منها الشكير وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها، والمعنى: إنما ينبت الشكير من العضة فهذا الفرع من ذلك الأصل: ويريدون أن الابن يشبه أباه، فمن رأى هذا، ظنّه هذا، ويروى البيت (سرق ابنه) بالبناء للمفعول بالسين المهلمة، فكأن الابن مسروق من أبيه. ويروى مبنيا للمعلوم «سرق» على تقدير:
سرق ابنه صورته وشمائله. والمثال شاهد على أنه يجوز توكيد المضارع الواقع بعد «ما» الزائدة لأن «ما» هنا زائدة، والمثل يستعمل في الاثبات، ومثله «بجهد ما تبلغنّ» وقولهم:
بعين ما أرينّك. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٤٤ واللسان، عضة. وشرح المفصل/ ٧/ ١٠٣].
٢١٧ - وإني لرام نظرة قبل التي ... لعلّي - وإن شطت نواها - أزورها
البيت للفرزدق من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة، ولكن القصيدة التي منها البيت لاميّة، ويروى الشطر الثاني (لعلي وإن شقّت عليّ أنالها) والبيت شاهد على أنّ جملة (وإن شطت نواها) معترضة بين لعلي وخبرها. والصلة محذوفة والتقدير: التي أقول
стр. 452
لعلي .. الخ، والوجه أنّ «أزورها» خبر لعلّ سدّت مسدّ الصلة، ويقال: خبر لعلّ محذوف، وجملة أزورها: صلة، والفصل بين الصلة والموصول جائز. [الخزانة/ ٥/ ٤٦٤، والدرر/ ١/ ٦٢، والهمع/ ١/ ٨٥، والأشموني/ ١/ ١٦٣، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ١٩١].
٢١٨ - فلا تجزعن من سنّة أنت سرتها ... فأوّل راض سنّة من يسيرها
البيت من قصيدة لخالد بن زهير الهذلي، يقولها لأبي ذؤيب الهذلي، وكان خاله أو ابن عمه، فأرسله أبو ذؤيب رسولا إلى امرأة، فعشقته هذه المرأة وتركت خاله أبا ذؤيب، فعاتبه أبو ذؤيب في ذلك، فردّ عليه خالد يقول له: أنت أول من سنّ هذه السيرة، حيث كان أبو ذؤيب فعل كذلك برجل يقال له «مالك»، والبيت من شواهد المغني، ذكره لينقضه، ويبطل قول أبي علي أن التضعيف في الفعل «يسيّر» للمبالغة، لا للتعدية، لقولهم «سرت زيدا» وذكر البيت. ويرى ابن هشام أنّ البيت على إسقاط الباء توسعا، والأصل «يسير بها» وأبو علي يرى أن «سار» يتعدى بنفسه ولكن البغدادي يروي البيت:
فلا تجزعن من سنّة قد أسرتها ... وأول راض سنة من يسيرها
بضم الفعل «يسير» في أوله، مضارع أسار. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ١٣٤].
٢١٩ - إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلا ... فالله يكلأ ما تأتي وما تذر
.. البيت مجهول القائل. يروى البيت بكسر همزة «إما» الأولى. وهي مكونة من إن الشرطية، و «ما» الزائدة، وفتح «أمّا» الثانية، مكونة من (أن) الناصبة، و «ما» الزائدة، ويرى ابن هشام أنّ (أن) الناصبة للمضارع، تأتي بمعنى (إن) الشرطية، ومن أدلته على ذلك عطفها على (إن) المكسورة في هذا البيت، فلو كانت المفتوحة مصدرية لزم عطف المفرد على الجملة. [شرح المفصّل/ ٢/ ٩٨، والخزانة/ ٤/ ١٩، وشرح أبيات المغني/ ١/ ١٧٨].
٢٢٠ - لو كان غيري سليمى الدهر غيّره ... وقع الحوادث إلا الصارم الذّكر
البيت من شعر لبيد بن ربيعة العامري، قال ابن هشام من معاني «إلا» أن تكون صفة، بمنزلة غير فيوصف بها، وبتاليها جمع منكر أو شبهه، وفي شبه الجمع ذكر هذا البيت، فقوله: إلا الصارم، صفة لغيري. قال سيبويه: كأنه قال: لو كان غيري غير الصارم
стр. 453
الذكر، لغيّره وقع الحوادث إذا جعلت «غير» الآخرة، صفة للأولى، والمعنى: أراد أن يخبر أن الصارم الذكر لا يغيّره شيء. [سيبويه/ ٣٧٠، والأشموني/ ٢/ ١٥٦، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ١٠٢].
٢٢١ - وما أعيد لهم حتى أتيتهم ... أزمان مروان إذ في وحشها غرر
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
البيتان للشاعر الفرزدق من قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز لما كان واليا على المدينة، في خلافة الوليد بن عبد الملك. يقول: إنّ المدينة عاشت حياة ضيق بعد أيام مروان بن الحكم، حتى أتيت أنت، أزمان: نائب فاعل ل: أعيد، والضمير في «وحشها» يعود إلى المدينة. والغرر: بكسر الغين، جمع غرّة بكسرها أيضا، وهي الغفلة. يريد أن وحشها لا يذعرها أحد، فهي في غرّة من عيشها، يقال: هو في غرّة من العيش، إذا كان في عيش لا كدر فيه ولا خوف، قوله: فأصبحوا .. يقول: ما أعيد لأهل المدينة ولمن بها من قريش أزمان مثل أزمان مروان في الخصب والسّعة، حتى وليت أنت عليهم فعاد عليهم مثل ما كانوا فيه من الخير حين كان مروان واليا عليهم .. والبيتان شاهد تاريخي على حال أهل المدينة، وجواب عن دعوى المؤرخين في العصر الحديث الذين أشاعوا أنّ الأمويين أغرقوا المدينة بالأموال لإبعادهم عن السياسة، ولإغراقهم في الترف، فكان من ذلك - زعموا - سيادة مجتمع الغناء والخمر في العصر الأموي .. وحال النعمة التي يتحدث عنها الشاعر في زمان مروان، لم تكن بسبب الأموال المتدفقة على أهل المدينة ولكنها كانت بسبب ما ورثه الناس من أموال أيام كان العدل هو السائد في الحياة، فكان كلّ مسلم يأخذ حقّه من العطاء في عهد الخلفاء الراشدين حيث كان في المدينة جملة الصحابة الذين كانوا قد وسّع الله عليهم بالتجارة والعمل، وورث أبناؤهم أموالا كثيرة ..
ثم كشّر الزمان عن نابه لهم وأخذ العيش يضيق حتى وصل إلى درك العسر، بعد ظهور طبقة المعارضة في المدينة، وبخاصة بعد ولاية العهد ليزيد بن معاوية، في أواخر خلافة معاوية، وفي أيام خلافة مروان، وابنه عبد الملك، حيث كان السلطان من ٦٣ - ٧٣ هـ.
لابن الزبير، وكانت أيامه أيام فتنة وحرب، ولم يكن يحصل أهل المدينة من عيشهم إلا على الكفاف - انظر قصة
الإمام الزهري - وعند ما عاد سلطان بني أمية إلى الحجاز، بقي الحقد السياسي يوزع على الناس الحرمان. مرة يتهمون أنهم قتلة عثمان، ومرة يوصفون أنهم أتباع ابن الزبير، وحرم الناس حقهم في بيت المال. وفي زمان ولاية عمر على
стр. 454
المدينة، بدأ وجه الحياة يبتسم للناس، لأنه ولّي لتهدئة النفوس الثائرة، حيث أخواله آل الخطاب في المدينة، ولأنه شرط على الوليد ألا يسأله عن المال، كم جنيت وكم بقي ..
فكان عمر يجمع الصدقات من ولايته، ويوزعها على المحتاجين إليها، ولو لم يبعث إلى بيت المال - في دمشق - درهما واحدا.
وقد ذكر النحويون البيت الثاني فقط، وذكرت الأول ليفهم الكلام .. والشاهد في البيت الثاني: على أنّ (إذ) في الموضعين للتعليل. واستشهد سيبويه بالبيت أيضا على أنّ بعض الناس ينصب «مثلهم» خبرا ل (ما) الحجازية وبشر اسمها، قال: وهذا، لا يكاد يعرف .. وفي رواية النصب تأويلات أخرى لم أذكرها ويروى أيضا بالرفع على أن «ما» تميمية، غير عاملة.
٢٢٢ - حسب المحبين في الدنيا عذابهم ... تالله لاعذّبتهم بعدها سقر
البيت لشاعر اسمه المؤمّل - اسم مفعول - بن أميل بن أسيد المحاربي، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية.
قال ابن هشام في باب «لا» فإن كان ما بعدها جملة اسمية صدرها معرفة، أو نكرة ولم تعمل فيها، أو فعلا ماضيا لفظا وتقديرا وجب تكرارها، قال: ومثال عدم وجوب التكرار بعدم قصد الماضي، إلا أنه ليس دعاء قول الشاعر .. وذكره، فالفعل «عذّبتهم» مستقبل في المعنى، لأن التقدير «لا تعذبهم في الآخرة» بدليل قوله «في الدنيا».
وروى صاحب الأغاني قال: رأى المؤمّل في نومه قائلا يقول له: أنت المتألي - الحالف - على الله أنه لا يعذب المحبين حيث يقول: (وذكر البيت) .. فقال: نعم، فقال: كذبت يا عدوّ الله، ثم أدخل أصبعيه في عينيه وقال له: أنت القائل؛ [من القصيدة نفسها].
شفّ المؤمّل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمّل لم يخلق له بصر
هذا ما تمنيت، فانتبه فزعا فإذا، هو قد عمي. أقول: ومع أنّ الأصبهاني يكذب في أكثر قصصه، إلا أنني لا أستبعد حصول هذا الأمر، لأن الشاعر أرخى الحبل للعابثين، لكي يستمروا في عبثهم، فجعله الله عبرة لهم. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٩١، والخزانة/ ٨/ ٣٣٢].
стр. 455
٢٢٣ - إنّ ابن ورقاء لا تخشى بوادره ... لكن وقائعه في الحرب تنتظر
البيت لزهير بن أبي سلمى من قصيدة مدح بها الحارث بن ورقاء. والبيت شاهد على أن (لكن) هنا، خفيفة بأصل الوضع، وهي حرف ابتداء لإفادة الاستدراك. [الهمع/ ٢/ ١٣٧، والأشموني/ ٣/ ١١٠، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٠٢].
٢٢٤ - ومن تكرّمهم في المحل أنّهم ... لا يعرف الجار فيهم أنه الجار
حتى يكون عزيزا من نفوسهم ... أو أن يبين جميعا وهو مختار
البيتان ليزيد بن حمار السكوني من أبيات قالها يوم ذي قار، وهي في الحماسة ..
وقوله: ومن تكرّمهم: يريد بني شيبان .. ولا يعرف الجار فيهم أنه الجار: لأنهم يجرونه مجرى أنفسهم حتى يقدر أنه منهم .. وقوله: حتى يكون. أي: ما دام مقيما فيهم كأنه واحد منهم، أو أن يبين جميعا، أي: يفارق مجتمعة أسبابه وهو مختار، أي: لا يخرج كرها. ونصب جميعا على الحال، أي: يبين بجميع أسبابه .. وقوله: أو أن يبين: (أن) زائدة. ونصب الفعل بالعطف لا، بأن. [الحماسة/ ٣٠١، وشرح أبيات المغني/ ٨/ ٩٨].
٢٢٥ - مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوءاتهم هجر
البيت للأخطل النصراني من قصيدة هجا بها جريرا. شبّه قوم جرير بالقنافذ لمشيهم بالليل للسرقة والفجور. والهدجان: مشي في ارتعاش، والبيت شاهد على إعطاء الفاعل حركة المفعول، والمفعول حركة الفاعل، عند أمن اللبس، كما في قولنا «خرق الثوب المسمار» فمن حقّ نجران وهجر النصب، والسوءات الرفع ولكنه خالف ذلك، ولعلّ ذلك للضرورة. [شرح أبيات المغني/ ٨/ ١٢٥].
٢٢٦ - لقد بدّلت أهلا بعد أهل ... فلا عجب بذاك ولا سخار
فإنّك لا يضيرك بعد عام ... أظبي كان أمّك أم حمار
البيتان للشاعر ثروان بن فزارة بن عبد يغوث العامري. وهو صحابي وفد على النبي ﷺ ومدحه، وقد اختلفوا في معنى البيت الثاني، فقال الأعلم في شرح شواهد سيبويه:
وصف في البيت تغيّر الزمان واطراح مراعاة الأنساب، لقوله في بيت لاحق:
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج اللؤم واختلط النّجار
стр. 456
فيقول: لا تبالي بعد قيامك بنفسك واستغنائك عن أبويك، من انتسبت إليه من شريف أو وضيع، وضرب المثل
بالظبي والحمار، وجعلهما أمّين، وهما ذكران، لأنه مثل لا حقيقة، أو لأن الأمّ معناه الأصل. وذكر الحول لذكر الظبي والحمار لأنّهما يستغنيان بأنفسهما بعد الحول، فضرب المثل بذكره للإنسان لما أراد من استغنائه بنفسه.
أقول: وإذا صح أن الشاعر يريد هذا المعنى، فإن الأبيات تكون مكذوبة على صاحبها لأن ما وصفه من تقلب الزمان على الهيئة التي قالها إنما هو من الأحوال المتأخرة التي كانت في الحواضر. وفي البيتين رائحة الشعوبية.
والشاهد في البيت الثاني: وقد ذكره ابن هشام ليردّ أوهام النحويين فيه، فقد قالوا:
ظبيّ: اسم «كان» بعده، والصواب عنده: أنه اسم لكان محذوفة مفسّرة بكان المذكورة، أو مبتدأ، والأول أولى لأنّ همزة الاستفهام بالجمل الفعلية أولى منها بالاسمية، وعليهما فاسم كان - الثانية - ضمير راجع إليه، وأمّك: بالنصب: خبر كان، وقول سيبويه «أنه أخبر عن النكرة بالمعرفة واضح على الأول» لأن ظبيا المذكور اسم كان. وخبره أمّك.
وأما على الثاني: فخبر (ظبي) إنما هو الجملة، والجمل نكرات. ولكن يكون محلّ الاستشهاد قوله: (كان أمّك) على أنّ ضمير النكرة عنده نكرة، لا على أنّ الاسم مقدم.
[شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٤١].
٢٢٧ - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن ... عارا عليك وربّ قتل عار
البيت للشاعر ثابت بن كعب، وهو ثابت قطنة، شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأموية، ولقّب قطنة، لأن عينه ذهبت في المعارك فحشاها قطنة. والبيت من قصيدة يرثي بها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وكان - يزيد - قد خلع يزيد بن عبد الملك، ورام الخلافة لنفسه في البصرة.
والكوفيون يستشهدون بالبيت على اسمية «ربّ» وأن «عار» خبر عنها، وردّ هذا ابن هشام، وقال: عار: خبر لمحذوف، والجملة صفة للمجرور أو خبر للمجرور، إذ هو في موضع مبتدأ. [شرح أبيات المغني/ ١/ ١٢٦].
٢٢٨ - لهفي عليك للهفة من خائف ... يبغي جوارك حين ليس مجير
البيت لشمردل بن شريك الليثي في الرثاء، والمعنى: أتلهف عليك من أجل لهفة
стр. 457
الخائف الذي يبغي جوارك حين ليس له مجير، ولكنه لا يجدك، والبيت شاهد على حذف خبر ليس، والتقدير: ليس له مجير. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٣١٦].
٢٢٩ - قلت لبوّاب لديه دارها ... تئذن فإني حمؤها وجارها
هذا رجز لمنظور بن مرثد الأسدي ... وهو شاهد على حذف اللام الجازمة، وكسر حرف المضارعة في قوله «تئذن». [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٤٠].
٢٣٠ - أرواح مودّع أم بكور ... أنت فانظر لأيّ ذاك تصير
البيت لعدي بن زيد العبادي، الجاهلي، وهو مطلع قصيدة. والبيت شاهد على زيادة الفاء على الخبر إذا كان أمرا. أنت: مبتدأ، وجملة: انظر خبره، والفاء: زائدة، ولسيبويه رأي غير ما ذكرت. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٩].
٢٣١ - هوّن عليك فإنّ الأمور ... بكفّ الإله مقاديرها
البيت للشاعر الأعور الشنّي بشر بن منقذ، عاصر الإمام عليا ﵁، والبيت شاهد على أنّ مجرور «على» وفاعل متعلقها الذي هو «هوّن» ضميرا مخاطب واحد.
[شرح أبيات المغني/ ٣/ ٢٦٩ والهمع/ ٢/ ٢٩ /، والجنى الداني/ ٤٧١].
٢٣٢ - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر
البيت لأبي الجراح الأسود بن يعفر، شاعر جاهلي كان ينادم النعمان بن المنذر ..
وفي البيت شاهد على أن الهمزة المقدرة مع «أم» لطلب التعيين وليست الهمزة فيه للتسوية، وإن تقدم عليها «ما أدري» وأنّ المعنى: ما أدري أيّ النسبين هو الصحيح.
[شرح أبيات المغني/ ١/ ٢٠٨ وسيبويه/ ١/ ٤٨٥. والصبّان/ ٣/ ١٠١].
٢٣٣ - فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري
القائل: نصيب بن رباح الأكبر، شاعر أموي. وفيه رواية أخرى:
فقال فريق: لا وقال فريقهم ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري
وهذه الرواية مشهورة عند أهل البلاغة، فقال ابن رشيق في العمدة ومن التقسيم الجيد قول نصيب، لم يبق جواب سائل إلا أتى به، فاستوفى جميع الأقسام، أما الرواية
стр. 458
الأولى: فهي شاهد على أن قوله «ليمن الله» يردّ على الكوفيين في زعمهم أنّ ألف «أيمن» ألف قطع، وسقوط الألف في هذه الرواية دليل على أنها ألف وصل فتسقط لاتصالها بما قبلها. [شرح أبيات المغني/ ٢/ ٢٦٨ وسيبويه/ ٢/ ١٤٧].
٢٣٤ - إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
البيت للشاعر ذي الرّمة من قصيدة مدح بها بلال بن أبي موسى الأشعري، والممدوح أمير البصرة وقاضيها في العصر الأموي توفي سنة ١٢٠ هـ، وقوله: فقام: جواب إذا، ودخلت الفاء على الفعل الماضي لأنه دعاء، كما تقول: إن أعطيتني فجزاك الله خيرا، ولو كان خبرا لم تدخل عليه الفاء. وجازر: من جزرت الناقة إذا نحرتها.
والشاهد: أنه روي برفع «ابن» فيقدر له فعل رافع له على النيابة عن الفاعل تقديره «بلغ» وقوله: «بلالا» بالنصب .. يروى بالرفع وهو الأثبت لأنه بدل من «ابن» أو بيان له، ويقدرون لرواية النصب فعلا محذوفا تقديره «بلغت بلالا بلغته، وهو تكلّف». [سيبويه/ ١/ ٤٢، وشرح المفصل/ ٢/ ٣٠، والخزانة/ ٣/ ٣٢].
٢٣٥ - فلو كنت ضبيّا عرفت قرابتي ... ولكنّ زنجي عظيم المشافر
البيت للفرزدق من قصيدة في هجو رجل من ضبّة، نفاه عن ضبّة ونسبه إلى الزّنج، واسم المهجوّ: أيوب بن عيسى الضبيّ. ولكن قافية القصيدة التي منها البيت: «ولكنّ زنجي غليظ مشافره»، والرواية السابقة مشهورة عند النحويين وهم لا يرجعون إلى القصيدة التي منها الشاهد.
والشاهد: أن اسم لكنّ محذوف، تقديره «ولكنك». [الخزانة/ ١٠/ ٤٤٤].
٢٣٦ - إن العقل في أموالنا لا نضق به ... ذراعا وإن صبرا فنصبر للصبر
القائل: هدبة بن خشرم، من قصيدة يقولها لمعاوية بن أبي سفيان ﵁.
والعقل: الدية، سميت عقلا باسم المصدر لأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي القتيل، والمال عند العرب: الإبل. والصبر: القتل موثقا، وضاق بالأمر ذرعا وذراعا: عجز عن احتماله.
والشاهد: أنّ فعل الشرط محذوف تقديره: إن يكن العقل، وإن نحبس حبسا،
стр. 459
والمحذوف من الثاني، جملة الشرط من الفعل والفاعل، ويكون الصبر بمعنى: الحبس، ويروى الشطر الثاني: برفع «صبر» على تقدير: إن وقع صبر. [سيبويه/ ١/ ١٣١، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٣٤].
٢٣٧ - أليس أميري في الأمور بأنتما ... بما لستما أهل الخيانة والغدر
.. لم أعرف قائله، وهو شاهد على أنّ وصل «ما» المصدرية بالفعل الجامد نادر، ويرى قوم أنّ «ما» قبل ليس هنا، نكرة موصوفة، أو موصولة اسمية. [العيني/ ٤/ ٤٧٥، والأشموني/ ٤/ ١٥].
٢٣٨ - فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوي من سفاهته كسري
ينسب هذا البيت إلى عدد من الشعراء، منهم: وعلة بن الحارث الجرمي الجاهلي، ومنهم: ابن الذئبة ربيعة بن عبد يا ليل، وهو شاعر فارسي جاهلي، ما بال: ما: مبتدأ، بال: خبر، وقيل: العكس، حفاظا: مفعول لأجله.
والشاهد: أنّ الواو في قوله «وينوي» زائدة، لأن جملة ينوي حال من «من» والجملة المضارعة المثبتة أو المنفية ب «لا» إذا وقعت حالا استغنت بالضمير عن الواو، وقيل: إنّ الواو للحال، والتقدير «وهو ينوي». [شرح أبيات المغني/ ٦/ ١١٩].
٢٣٩ - وما راعني إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قينا يسير بكير
البيت لرجل من بني أسد يقال له: معاوية بن خليل النصري، يهجو رجلا يلقب فرّوجا، واسمه إبراهيم بن حوران.
وقوله: راعني: قد يكون بمعنى: أفزعني، أو من راعني بجماله، أي: أعجبني ويكون هذا على التهكم، والشرطة: على وزن غرفة، وصاحب الشرطة: الحاكم، والشّرطة:
الجند، والجمع: شرط، كرطب، وهم أعوان السلطان لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، الواحد شرطة، مثل غرف وغرفة، وإذا نسبت إلى هذا قلت: شرطي بالسكون، ردا إلى واحده، والقين: الحداد، وهو في الأصل كلّ صانع، وقوله: يسير:
يروى: يفشّ، والفش: إطلاق الريح المحبوسة ونحوها، والكير: بكسر الكاف، المنفخ، وأما كانونه الذي يوقد فيه الفحم فهو: الكور بضم الكاف.
стр. 460
والبيت شاهد على أنّ جملة «يسير» فاعل راعني، وخرّج على أن الأصل «إلا أن يسير» فإن والفعل في تأويل مصدر مرفوع، فاعل راعني، ولما حذفت (أن) ارتفع الفعل، وبعد ذهاب أثرها وهو النصب، لوحظت مع الفعل فصار مصدرا فاعلا لراعني، بملاحظتها، وهذا خاص بضرورة الشعر، وقد يقدر الفاعل مستترا، والجملة تكون حالا، والتخريج الأول له شواهد مسموعة، كقولهم «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه»، ورواية «ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوعي» بنصب أحضر. [شرح المغني/ ٦/ ٣٠٤].
٢٤٠ - بعيشك - يا سلمى - ارحمي ذا صبابة ... أبى غير ما يرضيك في السرّ والجهر
البيت مجهول القائل، وهو شاهد على أنّ جملة «ارحمي ذا صبابة» جواب للقسم الاستعطافي، وجملة النداء معترضة بين القسم وجوابه، وأبى هنا بمعنى كره.
[الهمع/ ٢/ ٤١، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٢٥].
٢٤١ - يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنّة أيما إلى نار
البيت لرجل اسمه سعد بن قرط، ويلقّب النّحيف - من أهل البصرة - كان شريرا، وعاقا لأمه، فقال - لعنه الله - يهجوها، وقوله: يا ليتما: يا: حرف تنبيه، وأمنا: اسم ليت، وجملة: شالت: خبرها، ومعنى شالت: ارتفعت، والنعامة: الشخص، وشخص كل شيء، نعامته: وهذا كناية عن الموت، ويقال: شالت نعامتهم، بمعنى: ذهب عزّهم واختلفت كلمتهم، والنعامة في اللغة: باطن القدم. [شرح المفصل/ ٦/ ٧٥، والهمع/ ٢/ ١٣٥، والأشموني/ ٣/ ١٠٩، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ٣].
ومن مات، فقد شالت رجله، أي: ارتفعت وظهرت نعامته، وقوله: أيما بفتح الهمزة، بعدها ياء لغة في «أمّا»، وكأن (أمّا) المفتوحة لغة في (إما) المكسورة.
والشاهد في البيت: على أن (أما) الثانية قد تكون بغير واو العطف.
٢٤٢ - ألا طعان ألا فرسان عادية ... إلّا تجشّؤكم حول التّنانير
البيت لحسان بن ثابت ﵁ من قصيدة يهجو فيها بني الحارث بن كعب وهم بنو عبد المدان بن الديان، ومنها قوله المشهور:
следующие страницы →