← Адаб

Адаб · id 17712

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية

محمد حسن شراب

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قافية السين ١ - خلا أنّ العتاق من المطايا ... حسين به فهنّ إليه شوس لأبي زبيد الطائي، والعتاق: جمع عتيق، وهو الأصيل. والمطايا: جمع مطية وهي الدابة. وحسين به: بفتح الحاء وكسر السين أو فتحها، وآخره نون جماعة الإناث، أصله حسن به فأبدل من ثاني المثلين ياء، تقول: حسست به، وحسيت به، بكسر السين فيهما، وحسيته بفتح السين، وأحسيت، وهذا كله من محوّل المضعّف، تقول: حسيت بالخبر وأحسيت به، والعامة اليوم تقول: حسّيت بالخبر بتشديد السين. وقوله: فهنّ شوس، والشوس: جمع أشوس، وهو الوصف من الشّوس، وهو النظر بمؤخر العين. والشاهد: خلا أنّ العتاق: حيث قدم المستثنى في أول الكلام، وهو من شواهد الكوفيين على ذلك، وقال الأعشى: خلا الله لا أرجو سواك وإنّما ... أعدّ عيالي شعبة من عيالكا [الخصائص/ ٢/ ٤٣٨، والإنصاف/ ٢٧٣، وشرح المفصل/ ١٠/ ١٥٤، واللسان «حسس - حسا»]. ٢ - اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسّوط قونس الفرس لطرفة بن العبد، وطارقها: من طرق يطرق إذا أتى ليلا. وقونس الفرس، بفتح القاف والنون: هو العظم الناتئ بين أذني الفرس. والشاهد: اضرب عنك، يروى الفعل بفتح الباء، وأصله: اضربن عنك، بنون توكيد خفيفة ساكنة، ثم حذف الشاعر نون التوكيد وهو ينويها، ولذلك أبقى الفعل على ما كان عليه وهو مقرون بها؛ لتكون هذه الفتحة مشيرة إلى النون المحذوفة، وهذا شاذ؛ لأن نون التوكيد الخفيفة إنما تحذف إذا وليها ساكن كقول الشاعر:

стр. 562

لا تهين الفقير علّك أن تركع ... يوما والدهر قد رفعه أصله (لا تهينن الفقير) ومثل بيت الشاهد قول الشاعر: خلافا لقولي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف تذكرا فقال «خالف» بفتح آخره، وهو فعل أمر، وأصله «خالفن» بنون التوكيد الخفيفة. [الخصائص/ ١/ ١٢٦، والإنصاف/ ٥٦٨، وشرح المفصل/ ٩/ ٤٤، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٣٥٨، والهمع/ ٢/ ٧٩، والأشموني/ ٣/ ٢٢٨]. ٣ - وبدّلت قرحا داميا بعد صحة ... لعلّ منايانا تحوّلن أبؤسا البيت لامرئ القيس من قصيدة يذكر فيها ما أصابه من مرض بعد عودته من عند قيصر الروم وقد استعداه على بني قومه بني أسد - قبّحه الله - وأظن أن قصته مع بنت القيصر موضوعة. والقرح، بالضم والفتح: الجرح. وأبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة. والفعل «تحول» من أخوات «صار». والشاهد: أنه يجوز أن يكون خبر «لعل» فعلا ماضيا. ويرى الحريري في «درة الغواص» أنّ «لعلّ» لتوقّع الرجاء، ولا يكون خبرها ماضيا؛ لأن فيه مناقضة. والبيت ينقض كلام الحريري، وجاء في الحديث «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». والحديث في البخاري،. فيه أنّ «لعلّ» بمعنى «ظنّ». [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١٧٧]. ٤ - فلم أر مثل الحيّ حيّا مصبّحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكرّ وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منّا بالسيوف القوانسا من قصيدة للعباس بن مرداس الصحابي، قالها في الجاهلية، وهي في الحماسة، وتعدّ قصيدته إحدى «المنصفات»؛ لأنه اعترف لأعدائه بالصبر على المكاره في الحرب، يقول: فلم أر مغارا عليه كالذين صبّحناهم، ولا مغيرا مثلنا يوم لقيناهم، و. نتصب «حيّا مصبّحا» على التمييز، وكذلك «فوارسا» ويجوز أن يكونا في موضع الحال. وقوله: أكرّ: من الكرّ، وهو الصولة على الأعداء. والحقيقة: ما يحقّ عليه حفظه من

стр. 563

الأهل والأولاد والجار، والمصراع الأول: ينصرف إلى أعدائه، والثاني إلى عشيرته. والقوانس: أعلى البيضة. وانتصب «القوانس» من فعل دلّ عليه قوله: «وأضرب منا»، ولا يجوز أن يكون انتصابه عن «أضرب»؛ لأن أفعل الذي يتمّ ب (من) لا يعمل إلا في النكرات، كقولك «هو أحسن منك وجها»، وأفعل هذا يجري مجرى فعل التعجب، ولذلك يعدى إلى المفعول الثاني باللام، فنقول: ما أضرب زيدا لعمرو. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٩٢]. ٥ - هذي برزت لنا فهجت رسيسا ... ثمّ انصرفت وما شفيت نسيسا مطلع قصيدة للمتنبي، مدح بها محمد بن زريق الطوسي. والرسيسا: ما رسّ في القلب من الهوى، أي: ثبت. والنسيس: بقية النفس بعد المرض والهزال، يقول: برزت لنا، فحركت ما كان في قلبنا من هواك ثم انصرفت ولم تشف بقايا نفوسنا التي أبقيت لنا بالوصال. والشاهد: «هذي». قال ابن جني: يا هذه، ناداها، وحذف حرف النداء ضرورة. وقال المعري: «هذي» موضوعة موضع المصدر، إشارة إلى البرزة الواحدة، كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا، كأنه يستحسن تلك البرزة الواحدة. ٦ - قد أصبحت بقرقرى كوانسا ... فلا تلمه أن ينام البائسا هذا رجز. رواه سيبويه، ولم ينسبه. وقرقرى: موضع. وقوله: كوانسا: جمع كانس، وكنس الظبي: أوى إلى كناسه، أي: بيته، وقد استعاره للإبل، وصف إبلا بركت بعد الشبع فنام راعيها؛ لأنه غير محتاج إلى رعيها. والشاهد: البائسا. قال الكسائي: يجوز أن يوصف الضمير للترحم عليه، والتوجع له. فالبائس: صفة لضمير المفعول به وهو الهاء في «لا تلمه». وعند سيبويه يجوز أن يكون بدلا من الهاء، وأن يكون منصوبا بعامل محذوف على الترحم. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٣٥١، وسيبويه/ ١/ ٢٥٥، والهمع/ ١/ ٦٦]. ٧ - إنّ سلمى من بعد يأسي همّت ... بوصال لو صحّ لم تبق لي بوسا عيّنت ليلة فما زلت حتى ... نصفها راجيا فعدت يؤوسا لم يعرف للبيتين قائل. والشاهد: في البيت الثاني قوله: حتى نصفها، حيث اشترطوا في مجرور «حتى» أن يكون آخر جزء فيما قبلها، كقولهم: (أكلت السمكة حتى رأسها)، أو ملاقي آخر جزء، كقوله

стр. 564

تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر: ٥]. والبيت الثاني في قوله «حتى نصفها» ينقض هذا الشرط، ويرون أنه إذا لم يكن ما بعد حتى جزءا - كما في المثال - نستخدم مكانها «إلى»؛ لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء الغاية. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٩٤، والهمع/ ٢/ ٣٢]. ٨ - أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم التّرحّل خامس البيت لأبي نواس الحسن بن هانئ، وبعده قوله: تدار علينا الراح في عسجديّة ... حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدرّيها بالقسيّ الفوارس والعسجدية: الكأس المصنوعة من العسجد، وهو الذهب. يصف الكأس التي شرب فيها ما ذكره، وأنها مزينة بالصور. والشاهد في البيت: أن الواو قد عطف ما حقه الجمع، فيقال: أقمنا أياما. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٨٣]. ٩ - آليت حبّ العراق الدهر أطعمه ... والحبّ يأكله في القرية السوس البيت للشاعر المتلمس (جرير بن عبد المسيح)، يخاطب عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان الشاعر قد هجاه، مع ابن أخته طرفة في القصة المشهورة التي قتل فيها طرفة، ونجا المتلمس، وهرب إلى الشام، ثم كلموا عمرو بن هند في رجوع المتلمس فحلف ألا يذوق حبّ العراق ما عاش عمرو بن هند، فقال يذكره، ويقول له: إن بالشام في الحبّ ما يغني عن حبّ العراق بدليل ما بعده. وقوله: أطعمه: آكله، و «لا» النافية مقدرة كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: ٨٥]، أي: لا تفتأ وأراد بالقرية: الشام. والشاهد: أن سيبويه جعل انتصاب «حبّ» في الشطر الأول على نزع الخافض وهو «على»، وخولف سيبويه في ذلك، وقالوا: إنما معناه: آليت أطعم حبّ العراق، أي: لا أطعم، فهو من باب الاشتغال، فلفظ «حبّ» منصوب بإضمار فعل. [سيبويه/ ١/ ١٧، والأشموني/ ٢/ ٩٠، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ٢٥٩].

стр. 565

١٠ - وأسلمني الزّمان كذا ... فلا طرب ولا أنس لم يعرف قائله. وذكره ابن هشام في «المغني» على أن «كذا» مركبة من الكاف و «ذا» وبهذا لا تكون هنا كناية عن شيء. وقال غيره: هي هنا كناية عن حال نكرة، والمعنى: خذلني الزمان حال كوني منفردا، وهو الأقرب؛ لأنه ليس في الكلام مشبه، ولا يعرف البيت الذي قبله حتى يعرف المشبه. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ١٦٧]. ١١ - وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس البيت لجرير. وابن اللبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية، سمّي بذلك، لأن أمه ولدت غيره، فصار لها لبن. واللبون: الناقة والشاة ذات اللبن. وقوله: لزّ، مبني للمجهول، أي: شدّ. ولزّ الشيء بالشيء إذا قرن به لزّا. والقرن، بفتحتين: الحبل الذي يشدّ به البعيران، فيقرنان معا. والصولة: الحملة. والبزل: جمع بازل، وهو البعير الذي دخل في السنة التاسعة. والقناعيس: جمع قنعاس بالكسر، وهو الجمل العظيم الجسم، الشديد القوة. وهذا البيت ضربه الشاعر مثلا لمن يعارضه ويهاجيه، يقول: من رام إدراكي كان بمنزلة ابن اللبون إذا قرن في قرن مع البازل القنعاس، إن صال عليه لم يقدر على دفع صولته ومقاومته. والشاهد: أن ابن لبون نكرة، فعرّف باللام. [ديوان جرير/ ١٢٨، وسيبويه/ ١/ ٢٦٥، وشرح المفصل/ ١/ ٣٥، واللسان «لزز»]. ١٢ - أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحرّ كالياس البيت للحطيئة من قصيدة يهجو بها الزبرقان بن بدر الصحابي، ومنها البيت المشهور: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وهي القصيدة التي سجن من أجلها الحطيئة زمن عمر بن الخطاب. وقوله: أزمعت، نقول: أزمعت الأمر، وأزمعت عليه: أجمعت. والشاهد: أن «من نوالكم» متعلقان بفعل محذوف تقديره «يئست من نوالكم» لا بالمصدر «يأسا»؛ لأنه لا يعمل بعد الوصف، ولكن هذا المانع مانع صناعي نحوي وليس

стр. 566

معنويا، فالمعنى لا يأبى تعلقه ب «يأسا». [الخصائص/ ٣/ ٢٥٨، والهمع/ ٢/ ٩٣، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٣٦]. ١٣ - أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما ... أفنان رأسك كالثّغام المخلس البيت للمرار الفقعسي. والعلاقة: مصدر علق الرجل المرأة من باب فرح، إذا أحبها. والعلاقة: الحب، وتكون أيضا في الأمور المعنوية وهي بالفتح. والعلاقة بالكسر: علاقة السيف ونحوه من الأمور الحسّية. والوليّد: بالتصغير. والأفنان: أراد بها ذوائب شعره على سبيل الاستعارة. والثغام: نبات ترعاه الإبل، إذا جفّ ابيضّ، ويشبه به الشيب. والبيت شاهد أنّ «ما» كافة ل «بعد» عن الإضافة. وقيل: (ما) مصدرية، والجملة بعدها في تأويل مصدر، وما بعدها مضاف إلى (بعد). والمخلس: الذي خالطه السواد. وفيه شاهد آخر: وهو إعمال المصدر «علاقة» عمل الفعل ونصب أم الوليد ب (علاقة). [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٦٩، وسيبويه/ ١/ ٦٠، وشرح المفصل/ ٨/ ١٣١]. ١٤ - عددت قومي كعديد الطّيس ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي البيت منسوب إلى رؤبة بن العجاج. ويروى الشطر الأول: «عهدي بقومي كعديد الطيس»، وهو الأقوم. والعديد: كالعدد. والطيس: كل خلق كثير النسل نحو النمل والذباب. وقيل: الكثير من الرمل. وقوله: كعديد، التقدير: عددتهم عدا كعديد، جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف. وفي البيت شاهدان في «ليسي»: الأول: أتى بخبر ليس ضميرا متصلا، ولا يجوز عند جمهرة النحاة أن يكون إلا منفصلا، فكان عليه القول: ليس إياي. والثاني: حذف نون الوقاية من «ليس» مع اتصالها بياء المتكلم، وذلك شاذ عند الجمهور الذين ذهبوا إلى أن «ليس» فعل. [شرح المفصل/ ٣/ ١٠٨، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ٨٥، والهمع/ ١/ ٦٤]. ١٥ - فأين إلى أين النجاة ببغلتي ... أتاك أتاك اللّاحقون احبس احبس

стр. 567

ليس له قائل معروف، وهو شاهد على التوكيد اللفظي بتكرار أين، وأتاك، واحبس. [الخزانة/ ٥/ ١٥٨، والهمع/ ٢/ ١١١، والأشموني/ ٢/ ٩٨]. ١٦ - أطريفة بن العبد إنك جاهل ... أبساحة الملك الهمام تمرّس ألق الصحيفة لا أبالك إنه ... يخشى عليك من الحباء النّقرس الشعر للمتلمس يخاطب طرفة بن العبد، ويطلب منه أن يمزق الصحيفة التي أوهمه ملك الحيرة أنه كتب له فيها عطاء يأخذه من والي البحرين، فكان فيها الموت. وتمرس: تحكك. والحباء: العطاء. والنقرس هنا: المكر والداهية. وقوله: النقرس بالرفع: معناه العالم، ورفع النقرس، أراد: أنا العالم. يقال: رجل نقريس نطّيس. وقوله: لا أبالك: كلام جرى مجرى المثل، فإنك لا تنفي أباه في الحقيقة وإنما تخرجه مخرج الدعاء، أي: أنت عندي ممن يستحق أن يدعى عليه بفقد أبيه، فهو خبر في اللفظ دعاء في المعنى، وهو كلام جرى مجرى المثل. [شرح أبيات المغني ج ٢/ ٢٦٦]. ١٧ - أبا حسن ما زرتكم مذ سنيّة ... من الدّهر إلا والزّجاجة تقلس كريم إلى جنب الخوان وزوره ... يحيّا بأهلا مرحبا ثم يجلس رواها ابن منظور عن أبي الجراح يقولها في أبي الحسن الكسائي. وقلس الإناء يقلس: إذا فاض، وقلست الكأس: إذا قذفت بالشراب لشدة الامتلاء. والشاهد: مذ سنيّة. رواها صاحب «الجمل» في النحو، «سنيّة» بالرفع؛ لأنّ الاسم بعد «مذ» يرفع إذا دلّ على الزمن الماضي. وفي «اللسان» جاءت مجرورة. قلت: لم أعرف من أبو الجرّاح قائل البيتين، ويكثر ذكر «أبو الجراح العقيلي» و «أبو الجرّاح الأنفي» بين رواة الشعر. ويظهر من البيت الأول أنه يرمي الكسائي بشرب الخمر، فإن صحّ ما ظننته في تفسير البيت، فإن الشاعر كاذب؛ لأن الكسائي أبا الحسن النحوي المقرئ رجل موثوق، ولا يتهم بشرب الخمر، وإنما وصمه بذلك حاسدوه؛ لمكانته من الرشيد، كما شوّه صورته البصريون بسبب قصته المزعومة مع سيبويه في المسألة الزنبوريّة، ولو كان قد ابتلي بشيء مما ذكروا ما أظهره لجلّاسه وضيوفه، وكيف يظهر للناس شاربا الخمر وهو يجلس في المسجد يقرئ الناس القرآن. اه.

стр. 568

١٨ - لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالي خمسا يأكلن ما في رحلهن همسا ... لا ترك الله لهنّ ضرسا ولا لقين الدّهر إلا تعسا يقول: إنه رأى عجبا في اليوم الذي قبل يومه، وقد بيّن هذا العجب بأنه خمس نساء عجائز يشبهن الغيلان، ويأكلن ما في رحالهن من الطعام أكلا خفيّا، ثم دعا عليهن بأن يقلع الله جميع أضراسهن. لقد: اللام واقعة في جواب قسم محذوف، والتقدير: والله لقد رأيت. وعجبا: أصله رأيت شيئا عجبا، حذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه، وأخذ إعرابه. و «مذ» حرف جر، (أمس) مجرور علامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعدل عن الأمس، عجائزا: بدل من «عجبا» وصرفه للضرورة، و «خمسا» بدل من «عجائزا» أو صفة له، وهمسا: مفعول مطلق، وأصله صفة لمصدر محذوف (أكلا همسا). والشاهد: «مذ» فإنها جاءت مفتوحة بدليل قوافي بقية الأبيات، مع أنها مسبوقة بحرف الجر «مذ»، فدل ذلك أن هذه الكلمة تعرب بالفتحة نيابة عن الكسرة عند جماعة من العرب، وقد جاءت مرفوعة أيضا في شاهد آخر وهو: اعتصم بالرجاء إن عنّ بأس ... وتناس الذي تضمن أمس أمس: فاعل مرفوع بالضمة. [سيبويه/ ٢/ ٤٤، والشذور/ ٩٩، والهمع/ ١/ ٢٠٩]. ١٩ - منع البقاء تقلّب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي وطلوعها حمراء صافية ... وغروبها صفراء كالورس اليوم أعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس هذه الأبيات، لتبّع بن الأقرن، أو لأسقف نجران، وقوله: بفصل قضائه، أراد بقضائه الفاصل، أي: القاطع، فالمصدر بمعنى اسم الفاعل، وإضافته لما بعده من إضافة الصفة إلى الموصوف، يقول: إن الخلود في هذه الدنيا ممتنع والدليل، ما نشاهده من تقلبات الأحوال التي نراها في الشمس، ومنه أن ما حدث بالأمس منّي ومن غيري لا يمكن لي أن أرده؛ لأنه قد ذهب وانقطع، ومن لا حيلة له كيف يأمل الخلود. والشاهد: قوله «أمس» فإن هذه الكلمة قد وردت مكسورة الآخر بدليل قوافي الأبيات، وهو فاعل ل (مضى)، ومن هنا نعلم أن الكلمة مبنية على الكسر في محل رفع، وبناء

стр. 569

«أمس» على الكسر، هو لغة أهل الحجاز. وهم يبنون «أمس» على الكسر إذا أريد به معينا، ولم يضف ولم يعرف بأل ولم يصغر فإن فقد شرطا أعربوه، ومعنى قولهم «معيّنا» أي: اليوم الذي قبل يومك. [الشذور/ ٩٨، والهمع/ ١/ ٢٠٩، والعيني/ ٤/ ٣٧٣]. ٢٠ - يا صاح يا ذا الضامر العنس ... والرّحل ذي الأنساع والحلس هذا الشاهد من كلام ابن لوذان السدوسي، هكذا نسبه سيبويه. وفي الأغاني (١٥/ ١٢ / بولاق) أنه من كلام خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد. والعنس: أصله الناقة الشديدة. والأنساع: جمع نسع، وهو سير يربط به الرحل. والحلس: كساء يوضع على ظهر البعير تحت الرحل. يا صاح: منادى مرخم، وأصله: يا صاحبي. والضامر: نعت ل (ذا) المنادى، إما مرفوع تبعا للفظه المقدر. أو منصوب تبعا لمحله. والعنس: مضاف إليه. الشاهد: يا ذا الضامر العنس، فإن «ذا» منادى مبني، والضامر العنس: نعت مقترن بأل ومضاف، وقد روي برفع هذا النعت ونصبه، فدلّ مجموع الروايتين على أن نعت المنادى إذا كان كذلك جاز فيه وجهان. [سيبويه/ ١/ ٣٠٦، وشرح المفصل/ ٢/ ٨، والخصائص/ ٣/ ٣٠٢]. ٢١ - يا مرو إنّ مطيّتي محبوسة ... ترجو الحباء وربّها لم ييأس البيت للفرزدق، ومرو: مروان. والشاهد: يا مرو: أصله يا مروان حيث رخّمه بحذف آخره وهو النون، ثم أعقب هذا الحذف حذفا آخر، فحذف الحرف الذي قبل النون، وهو الألف لكونه حرفا ساكنا زائدا معتلا وقبله ثلاثة أحرف، ومروان: هو مروان بن الحكم. [سيبويه/ ١/ ٣٣٧، وشرح التصريح/ ٢/ ١٨٦، والأشموني/ ٣/ ١٧٨، والخزانة/ ٦/ ٣٤٦]. ٢٢ - مرّت بنا أوّل من أموس ... تميس فينا ميسة العروس البيت غير منسوب، وقوله: أول: ظرف منصوب وأصل الكلام: مرّت بنا وقتا أول. والشاهد: «أموس» فإنه جمع أمس، وهو معرب، لأنه مجرور بالكسرة، والجمع من خصائص الأسماء، وخصائص الأسماء علة قادحة في البناء إذا وجدت منعت منه. والخلاصة: أن أمس: إذا أريد به يوم من الأيام الماضية، أعرب نحو «فعلت ذلك

стр. 570

أمسا»، أي في يوم ما من الأيام الماضية، وكذلك في الجمع كما في الشاهد، وكذلك إذا أضيف نحو «ما كان أطيب أمسنا». [شرح شذور الذهب/ ١٠٠، والدرر/ ١/ ١٧٦، والهمع/ ١/ ٢٠٩، واللسان «أمس»]. ٢٣ - وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس هذا الرجز لعامر بن الحارث (جران العود) ورواية الجزء الأول في ديوانه «بسابسا ليس به أنيس»، والضمير يعود إلى المنزل، وبلدة: الواو: واو ربّ، بلدة: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة. وجملة (ليس بها أنيس) صفة لبلدة، والخبر محذوف تقديره «سكنتها». إلا: أداة استثناء. واليعافير: بدل من أنيس. والشاهد: إلا اليعافير، وإلا العيس، حيث رفع اليعافير والعيس على أنهما بدلان من قوله «أنيس»، مع أنهما ليسا من جنس الأنيس، أي: الذي يؤنس به، وجاز ذلك على التوسع في معنى «أنيس»، فكأنه قال: ليس بها شيء إلا اليعافير. واليعافير: جمع يعفور: وهو الظبي الأعفر، أي: الذي لونه لون التراب. والعيس: الإبل. [الشذور/ ٢٦٥، وشرح التصريح/ ١/ ٣٥٣، والدرر/ ١/ ١٩٢، وسيبويه/ ١/ ١٣٣]. ٢٤ - ومرّة يحميهم إذا ما تبدّدوا ... ويطعنهم شزرا فأبرحت فارسا يمدح مرّة، بأنه إذا تبددت الخيل، ردّها وحماها، والطعن الشزر هو ما كان في جانب، وكان أشدّ لأن مقاتل الإنسان في جانبيه. وأبرحت: تبيّن فضلك، كما يتبين البراح من الأرض، والبيت لعباس بن مرداس. والشاهد: نصب «فارسا» على التمييز للنوع الذي أوجب له فيه المدح، وهو مثل ويحه رجلا، ولله درّه فارسا، وحسبك به رجلا. [سيبويه/ ١/ ٢٩٩، والدرر/ ٢/ ١١٩، والهمع/ ٢/ ٩٠، والأصمعيات/ ٢٠٦]. ٢٥ - أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس البيت لزيد الخير (الخيل)، وقوله «مقاتلا» أي: قتالا، والمعنى: أقاتل حتى لا أرى موضعا للقتال لغلبة العدو وظهوره، أو لتزاحم الأقران وضيق المعترك عند القتال. والمكيّس: المعروف بالكيس، وهو العقل والتوقد.

стр. 571

والشاهد: في «مقاتلا» أنها مصدر ميمي، أو اسم مكان للقتال، وكلاهما يجيء في وزن واحد. [سيبويه/ ٢/ ٢٥٠، وشرح المفصل/ ٦/ ٥٠، والخصائص/ ١/ ٣٦٧]. ٢٦ - هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم ... وللعزب المسكين ما يتلمّس لأبي الغطريف الهدادي، ويعني بأرباب البيوت، ذوي الزوجات. والعزب: الذي لا زوج له، والأنثى عزبة وعزب أيضا. والشاهد: هنيئا، ويعرب حالا، والتقدير: ثبت لك الخير هنيئا، ويحذف عامل الحال هنا سماعا. وبيوتهم: فاعل هنيئا؛ لأنه صفة مشتقة، ومثله «مريئا» تقول: هذا شيء هنيء مريء، فهما ليسا بمصدرين، ولكنهما أجريا مجرى المصادر التي يحذف فعلها للدعاء. [سيبويه/ ١/ ١٦٠، والدرر/ ١/ ٧، والهمع/ ١/ ١١٢، ورواية الشطر الثاني «وللآكلين التمر مخمس مخمسا»]. ٢٧ - إذا شقّ برد شق بالبرد مثله ... دواليك حتى ليس للبرد لابس البيت للشاعر سحيم عبد بني الحسحاس، وكان العرب يزعمون أن المتحابين إذا شق كل واحد منهما ثوب صاحبه دامت المودة بينهما، وفي البيت إقواء لأنه من أبيات مكسورة الروي، وروي (حتى كلنا غير لابس) وعلى هذه فلا إقواء. والشاهد: دواليك، مصدر مثنى منتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره. ويعرب مفعولا مطلقا. إلا أن سيبويه يرى إمكان وقوع «دواليك» في هذا البيت حالا، والكاف للخطاب، لا يتعرف بها ما قبلها، فلذا صح وقوعه حالا، وثني لأن المداولة من اثنين. [سيبويه/ ١/ ١٧٥، وشرح المفصل/ ١/ ١١٩ / والخزانة/ ٢/ ٩٩]. ٢٨ - لله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشخرّ به الظيّان والآس البيت للشاعر أمية بن أبي عائذ، شاعر إسلامي مخضرم. قوله: لله: اللام، للقسم والتعجب، ويبقى: لا يبقى، حذف حرف النفي بعد القسم. وقوله: حيد: يروى بفتح الأول والثاني، مصدر بمنزلة العوج والأود، وهو اعوجاج يكون في قرن الوعل. ويروى بكسر الأول: جمع حيدة على وزن حيضة، وهي العقدة في قرن الوعل. والمشمخرّ: الجبل العالي. والباء: بمعنى في. والظيّان، ياسمين البرّ.

стр. 572

والآس: الريحان، وإنما ذكرهما إشارة إلى أن الوعل في خصب، فلا يحتاج إلى أن ينزل إلى السهل فيصاد. والشاهد: (لله) دخول اللام على لفظ الجلالة في القسم بمعنى التعجب، ولا تكون اللام للقسم إلا إذا كانت دالة على معنى التعجب. ويروى البيت (يا ميّ لا يعجز الأيام ذو حيد)، ولا شاهد فيه. [شرح أبيات المغني ج ٤/ ٢٩٩، وسيبويه/ ٢/ ١٤٤، وشرح المفصل/ ٩/ ٩٨، والهمع/ ٢/ ٣٢]. ٢٩ - يا ميّ إن تفقدي قوما ولدتهم ... أو تخلسيهم فإن الدّهر خلّاس عمرو وعبد مناف والذي عهدت ... ببطن عرعر آبي الضّيم عبّاس البيتان لأميّة بن أبي عائذ، وقيل لغيره، والشاعر يقول هذا لامرأته وقد فقدت أولادها فبكت. وتخلسيهم: مبني للمجهول، أي: يؤخذون منك بغتة، فإنّ الدهر من دأبه أن يؤخذ فيه الشيء بغتة وفجأة. وعمرو: هو هاشم بن عبد مناف. وقوله: والذي عهدت: التفات من الخطاب إلى الغيبة. وعرعر: اسم مكان، ويروى: ببطن مكة. وعباس: هو ابن عبد المطلب، وبين هذيل وقريش قرابة في النسب والدار؛ لأنهم كلهم من ولد مدركة ابن الياس. والشاهد: قطع عمرو، وما بعده مما قبله ورفعه على الابتداء، ولو نصب على البدل من «قوما» لجاز. [سيبويه/ ٢/ ٢٥، والخزانة/ ٥/ ١٧٤]، ويروى البيتان لمالك بن خالد الخناعي، أو الفضل بن العباس، أو أبي ذؤيب الهذلي. ٣٠ - تالله لا يعجز الأيام مبترك ... في حومة الموت رزّام وفرّاس يحمي الصريمة أحدان الرجال له ... صيد ومجترئ بالليل همّاس لأمية بن أبي عائذ، أو لغيره، والأيام هنا: الموت. والمبترك: الأسد. والرزّام: المصوّت، وإذا برك الأسد على فريسته رزم. وفرّاس: يدقّ ما يصيبه، أي: يدقّ عنقه. والصريمة: رملة فيها شجر. وحماها: منع الناس دخولها من خوفه. أحدان الرجال: الذين يقول أحدهم: أنا الذي لا نظير له في الشجاعة. يقول: إن هذا الأسد يصيد هؤلاء الذين يدلّون بالشجاعة، وهو مع ذلك لا ينجو من الموت. وأحدان: جمع أحد بمعنى واحد، وأحدان: بالنصب، مفعول ثان ليحمي، أي: يحمي الصريمة من أحدان الرجال

стр. 573

كما تقول: حميت الدار اللصّ، فما بعده كلام مستأنف، ويرفع أحدان على الابتداء، أي: أحدان الرجال صيد له واحدا بعد واحد، وهمّاس: مبالغة من الهمس، وهو صوت المشي الخفيّ، وذلك من صفة الأسد. والشاهد: جري الصفات على ما قبلها مع ما فيها من معنى التعظيم، ولو نصبت لجاز. [سيبويه/ ١/ ٢٥٥، وشرح المفصل/ ٦/ ٣٢، واللسان «وحد»]. ٣١ - إذ ما أتيت على الرسول فقل له ... حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس قاله العباس بن مرداس في غزوة حنين يذكر بلاءه وإقدامه مع قومه في تلك الغزوة وغيرها من الغزوات، و «حقا» منصوب على المصدر المؤكّد به، أو نعتا لمصدر محذوف، والمقول فيما بعد البيت الشاهد، والمجلس: الناس، أو أهل المجلس. والشاهد في البيت: المجازاة ب «إذما» بدليل وقوع الفاء في الجواب. [سيبويه/ ١/ ٤٣٢، والخزانة/ ٩/ ٢٩، والخصائص/ ١/ ١٣١]. ٣٢ - أحقا بني أبناء سلمى ابن جندل ... تهدّدكم إياي وسط المجالس قاله الأسود بن يعفر، لقومه، والشاهد فيه: نصب «حقا» على الظرف، والتقدير: أفي حقّ تهدّدكم إياي. وجاز وقوعه ظرفا وهو مصدر في الأصل لما بين الفعل والزمان من المشابهة، وكأنه على حذف الوقت وإقامة المصدر مقامه كما تقول: أتيتك خفوق النّجم، أي: وقت خفوقه، فكأن تقديره «أفي وقت حق توعدتموني». [سيبويه/ ١/ ٤٦٨، والخزانة/ ١/ ٤٠١]. ٣٣ - سلّ الهموم بكلّ معطي رأسه ... ناج مخالط صهبة متعيّس مغتال أحبله مبين عنقه ... في منكب زبن المطيّ عرندس البيتان قالهما المرّار الأسدي، يقول في الأول: سلّ همّك اللازم لك بفراق من تهوى، ونأيه عنك بكل بعير ترتحله للسفر هذا نعته ومعطي رأسه: منقاد، يعني البعير. ناج: سريع، والصهبة: بياض يضرب إلى الحمرة، والمتعيس والأعيس: الأبيض تخالطه شقرة. والشاهد في البيت: إضافة «معطي» إلى الرأس، مع نيّة التنوين والنصب والدليل عليه إضافة «كلّ» إليه، لأن كلا هنا، لا تضاف إلا إلى نكرة. وقوله في البيت الثاني: مغتال،

стр. 574

من اغتال الشيء: ذهب به، والمراد: استوفى الحبال التي يشدّ بها رحله لعظم جوفه. والمبين: البيّن الطول. وزبن المطيّ: دفعها. والعرندس: الشديد. والشاهد في البيت الثاني: «مغتال أحبله»: حيث وقع صفة للنكرة، لأنه لم يكتسب من الإضافة تعريفا. [سيبويه/ ١/ ٢١٢، واللسان «عردس»]. ٣٤ - إذا حملت بدني على عدس ... على الذي بين الحمار والفرس فلا أبالي من عدا ومن جلس لا أعرف قائل هذا الرجز، والشاهد فيها «عدس» فهو في الأصل اسم صوت لرجز البغل، ثم سمي به صاحب الصوت، فحكي على بنائه، ويجوز إعرابه بالحركات إذا سمّي به، لوقوعه موقع المعرب. فتقول: ركبت على عدس واشتريت عدسا. [شرح المفصل/ ٤/ ٢٤، ٧٩، والخزانة/ ٦/ ٤٨]. ٣٥ - دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي .. قاله الحطيئة في هجاء الزبرقان بن بدر الصحابي، وحبسه عمر بن الخطاب من أجله. والشاهد فيه: «الطاعم الكاسي» اسم الفاعل جاء بمعنى المفعول كقوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [القارعة: ٧] وفي البيت بمعنى «المطعم المكسو» بدليل أول البيت، ولذلك عدّ من أقذع الهجاء في العرف العربي الأصيل. ٣٦ - لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلّى يومه لا ابن أمسه وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه لم أعرف القائل، والبيتان دعوة إلى العمل، وترك الفخر بالآباء. والشاهد: لعمرك: مبتدأ، حذف خبره وجوبا. لأن لفظ المبتدأ صريح في القسم. ٣٧ - اعتصم بالرجاء إن عنّ يأس ... وتناس الذي تضمّن أمس الشاهد: (تضمّن أمس) حيث أعربت «أمس» إعراب الممنوع من الصرف فجاءت هنا فاعلا. [العيني/ ٤/ ٣٧٢، والهمع/ ١/ ٢٠٩، والأشموني/ ٣/ ٢٦٨]. ٣٨ - في حسب بخّ وعزّ أقعسا

стр. 575

رجز للعجاج، وقوله بخّ: كلمة تقال عند تعظيم الإنسان، وعند التعجب من الشيء، وعند المدح والرضا، والأقعس: الثابت الذي لا يتّضع ولا يذل، وأصل القعس: دخول الظهر وخروج الصدر، ويلزم منه رفع الرأس. والشاهد: تشديد «بخّ»، والاستدلال به على أنّ المخففة أصلها المشددة، فإذا سمي بها وحقّرت، ردّت لامها المحذوفة فيقال: بخيخ. [سيبويه/ ٢/ ١٢٣، وشرح المفصل/ ٤/ ٧٨]. ٣٩ - فأصبحت بقرقرى كوانسا ... فلا تلمه أن ينام البائسا قرقرى: موضع مخصب، كوانسا: يقال: كنس الظبي وبقر الوحش دخل كناسه، أي: بيته، فاستعاره هنا للإبل، فهو ينعت إبلا بركت بعد أن شبعت فلذا نام راعيها؛ لأنها غير محتاجة إلى الرعي وأصل البائس: الفقير، فجعله هنا لمن أجهده العمل على معنى الترحم. والشاهد: نصب «البائسا» بإضمار فعل على معنى الترحم، وهو فعل لا يظهر، كما لا يظهر فعل المدح والذم. [سيبويه/ ١/ ٢٥٥، وشرح المغني/ ٦/ ٣٥١]. ٤٠ - محتبك ضخم شؤون الرأس رجز للعجاج، يصف بعيرا، والمحتبك: الشديد وشؤون الرأس: قبائله، وملتقى أجزائه، وإذا ضخمت كانت أشدّ له، وأعظم لهامته. والشاهد: نصب «شؤون» بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهي «ضخم». [سيبويه/ ١/ ١٠٠]. ٤١ - فمن طلب الأوتار ما حزّ أنفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس نعامة لمّا صرّع القوم رهطه ... تبيّن في أثوابه كيف يلبس البيتان للمتلمّس (جرير بن عبد المسيح) من قصيدة أورد بعضها أبو تمام في الحماسة، وقبل البيتين: ألم تر أنّ المرء رهن منيّة ... صريع لعافي الطير أو سوف يرمس فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة ... وموتن بها حرّا وجلدك أملس وقوله: وجلدك أملس: نقيّ من العار سليم من العيب، يريد أن الموت نازل بك على كلّ حال فلا تتحمل العار خوفا منه.

стр. 576

وقوله: فمن طلب، من: للتعليل. وقوله: ما حزّ، إما: ما زائدة، وإما مصدرية. والأوتار: جمع وتر، وهو الثأر، وقوله: ما حزّ قصير، يشير إلى قصة المثل: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، وبيهس الملقب «نعامة»، رجل قتل له سبعة إخوة فجعل يلبس القميص مكان السراويل والسراويل مكان القميص؛ يريد أنه افتضح بقتلهم، وأنه إن لم يثأر بهم، فهو كالمقنّع رأسه واسته مكشوفة. والشاهد: أن الشاعر أتبع اللقب الاسم، فإن بيهسا اسم رجل، ونعامة لقبه وهو عطف بيان لبيهس، والغالب إضافة العلم إلى اللقب، إذا كانا مفردين بلا أل. [الخزانة ج ٧/ ٢٩٠، والحماسة بشرح المرزوقي ٦٥٩]. ٤٢ - بثوب ودينار وشاة ودرهم ... فهل أنت مرفوع بما ها هنا رأس البيت في [الهمع ج ٢/ ٩٩]، غير منسوب. وضربه السيوطي مثالا لصحة القول «حسن وجه» في باب الصفة المشبهة، ويشبهه في البيت (أنت مرفوع رأس). ٤٣ - أفي حقّ مواساتي أخالكم ... بمالي ثم يظلمني السّريس البيت لأبي زبيد الطائي، واسمه حرملة بن المنذر، عاش في الجاهلية والإسلام، قيل: إنه مات على نصرانيته، وقال الطبري في حوادث سنة ٣٠ هـ: إنه أسلم واستعمله عمر على صدقات قومه، ولم يستعمل نصرانيا غيره. وقوله: مواساتي: مصدر آسيته بمالي مواساة، أي: جعلته أسوة لي. والسريس: العنّين، يريد أن الذي ظلمه ليس بكامل من الرجال، والشاهد «أفي حقّ» فإن مجيء «في» مع «حقّ» يدل على أن «حقّا» إنما نصبت على الظرفية بتقدير «في». [الخزانة ١٠/ ٢٨٠، وشرح الحماسة للمرزوقي ٩٨٣، واللسان «سرس»]. ٤٤ - من فوقه أنسر سود وأغربة ... وتحته أعنز كلف وأتياس منسوب لأبي ذؤيب الهذلي في [شرح أشعار الهذليين ١/ ٢٢٨، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٩٠]. ٤٥ - ليث هزبر مدلّ عند خيسته ... بالرّقمتين له أجر وأعراس منسوب إلى أبي ذؤيب الهذلي وإلى مالك بن خالد الخناعي، وهو في [شرح أشعار

стр. 577

الهذليين ج ١/ ٤٤٢، ج ١/ ٢٢٨، وشرح المفصل ج ٤/ ١٢٣، وج ٥/ ٣٥، وج ١٠/ ٢٣]. والهزبر: الأسد الضخم الزّبرة، وهو الشعر المجتمع للأسد على كاهله. والخيسة: أجمة الأسد، ويروى (عند غابته). ورقمة الوادي: حيث يجتمع الماء، ويقال: الرقمة الروضة. وأجر: حمع جرو، وهو ولد الأسد هنا. وقوله: وأعراس، قال ابن منظور: ولبؤة الأسد: عرسه، وقد استعاره الهذلي للأسد وذكر البيت، والعرس: جمعه أعراس. والشاهد في البيت: «أجر» في جمع جرو، وأصله «أجرو» مثل كلب وأكلب، ولا نظير لهذه الحال في الأسماء المتمكنة فقلبوا الواو لتطرفها ياء، ثم قلبوا الضمة كسرة؛ لتناسب، الياء ثم حذفوا هذه الياء كما يحذفونها في غاز وقاض، ومثله توجيه «أيدي جمع يد»، وقبل البيت مما يفهم معنى الشاهد ومناسبته: يا ميّ لا يعجز الأيام مجتريء ... في حومة الموت رزّام وفرّاس والرزّام: الذي له رزم، وهو الزئير. والفرّاس: الذي يدقّ عنق فريسته، ويسمّى كل قتل «فرسا». ٤٦ - معاود جرأة وقت الهوادي ... أشمّ كأنّه رجل عبوس البيت منسوب لأبي زبيد الطائي، وفي شواهد العيني جعل عجزه صدره فتكون قافيته داليه، وكذلك في الهمع. والهوادي: جمع هاد، وهو عنق الخيل، يقال: أقبلت هوادي الخيل، إذا بدت أعناقها. يصف رجلا بأنه يظهر الكبر ويعاود الحرب وقت ظهور الهوادي. لأجل جرأته في الحرب، وقد نقلت هذا الشرح من حاشية الصبان على الأشموني ومن العيني، وأنا لست راضيا عن هذا الشرح، فالهوادي: لا معنى لكونها الأعناق، وإنما هي أوائل الخيل، لتقدمها تقدم الأعناق، قال امرؤ القيس: فألحقنا بالهاديات ودونها ... جواحرها في صرّة لم تزلّل وقولهم: إنه يصف رجلا ليس صحيحا، فلا معنى لوصف الرجل الشجاع، بأنه كالرجل العبوس، والصحيح أن البيت في وصف الأسد؛ لأن البيت من قصيدة سينية، يصف فيها أبو زبيد الأسد، ومنها قبل البيت الشاهد: إلى أن عرّسوا فأغبّ عنهم ... قريبا ما يحسّ له حسيس

стр. 578

خلا أنّ العتاق من المطايا ... حسين به فهنّ إليه شوس والبيت استشهد به السيوطي على جواز الفصل بين المتضايفين بالمفعول له، واستشهد به أبو حيان على هذه المسألة، وقال: أي: معاود وقت الهوادي جرأة، ففصل بالمصدر الذي هو مفعول من أجله. قال الشنقيطي: وروياه «وقت»، والرواية المشهورة «وفق» بالفاء الساكنة والواو المفتوحة، ويقال: جاء القوم وفقا، أي: متوافقين، ويقال: أتيته وفق طلعت الشمس، أي: ساعة طلعت. قلت: ولعلّ الرواية الصحيحة هي: «يعاود جرأة وفق الهوادي»، يعاود: فعل مضارع، وجرأة: مفعول لأجله، يريد أن يقول: إنه يعاود الهجوم، متوافقا هجومه مع بروز الهوادي من الخيل، وبهذا التقدير، لا يكون فصل، ولا يكون في البيت مضاف ومضاف إليه. [الهمع/ ٢/ ٥٣، والأشموني/ ٢/ ٢٨٠، وعليه حاشية الصبان والعيني]. ٤٧ - تقول: ودقّت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرّحى المتقاعس قاله الهذلول بن كعب العنبري، وفي الحماسة: وقال الهذلول حين رأته امرأته يطحن للأضياف، فقالت: أهذا بعلي؟ قوله: ودقت صدرها، يبدو أن الضرب على الصدر عند وقوع الدهشة عادة موروثة عند المرأة، فلا زالت النسوة تفعل هذا عند المفاجأة. وقد ينوب عنها لطم الوجه، ففي القرآن: فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ. [الذاريات: ٢٩] وقوله: أبعلي: الهمزة للاستفهام الإنكاري، و «بعلي»: مبتدأ، و «هذا» خبر والمتقاعس: عطف بيان، أو «هذا» صفة لبعلي، والمتقاعس: خبر، والمتقاعس: بناء لما يفعل تكلفا، ومثله «المتعامي» وهو من القعس، وهو دخول الظهر وخروج الصدر. وقوله: بالرحى، من رحيت، ومن رحوت، فتكتب بالألف وتكتب بالياء، والياء أكثر، وفي تعلّق الباء قولان، قال المرزوقي: لا يجوز أن يتعلق بالمتقاعس؛ لأنه في تعلقه به يصير من صلة الألف واللام، وما في الصلة لا يتقدم على الموصول، ولكن تجعله تبيينا، وتتصور «المتقاعس» اسما تاما، ويصير موقع «بالرحا» بعده موقع «بك» بعد مرحبا، و «لك» بعد سقيا وحمدا، وإذا كان كذلك جاز تقديمه عليه، كما جاز أن تقول: بك

стр. 579

مرحبا ولك سقيا، قال: وللمازني في مثل هذا طريقة أخرى، وهو أن يجعل الألف واللام من المتقاعس، للتعريف فقط، ولا يؤدي معنى الذي كما تقول: نعم القائد زيد، وإذا كان كذلك، لم يحتج إلى الصلة، فجاز وقوع «بالرحا» مقدما عليه ومؤخرا بعده، وبعده البيت المشهور: فقلت لها لا تعجلي وتبيّني ... بلائي إذا التفت عليّ الفوارس [الحماسة ص ٦٩٦ ج ٢، والخصائص ج ١/ ٢٤٥]. ٤٨ - إذا أرسلوني عند تعذير حاجة ... أمارس فيها كنت نعم الممارس قاله يزيد بن الطثرية. وتعذير حاجة: تعذرها وتعسرها. وأمارس فيها، أي: أتحيل في قضائها، والشاهد: كنت نعم الممارس، حيث دخلت كان الناسخة على مخصوص نعم، وهو «التاء»، وقدّم على «نعم». [الأشموني ج ٣/ ٣٨، والهمع ج ٢/ ٨٨]. ٤٩ - هل من حلوم لأقوام فتنذرهم ... ما جرّب الناس من عضّي وتضريسي البيت لجرير وهو في اللسان (حلم)، والحلم: الأناة والعقل، قال ابن سيده: وهذا أحد ما جمع من المصادر، وقوله: فتنذرهم: منصوب بأن مضمرة بعد الفاء. والتضريس: القطع بالضّرس، ويريد به ما يلحق بعدوّه من الأذى، قال زهير: ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم [ديوان جرير/ ١٢٨]. ٥٠ - إذا هبطن سماويّا موارده ... من نحو دومة خبت قلّ تعريسي البيت لجرير، وسماويّا: نسبة إلى «السماوة» مكان بعينه في أرض العرب. ودومة خبت: موضع بعينه. والتعريس: نزول المسافر آخر الليل. يقول: إذا هبطت الإبل مكانا من السماوة، وردت ماءه لم أقم فيه، شوقا إلى أهلي وحرصا على اللحاق بهم. والشاهد: «سماويا» نسبة إلى السماوة، فحذفت التاء وبقيت الواو على حالها. [شرح المفصل ج ٥/ ١٥٧، وكتاب سيبويه ج ٢/ ٧٦]. ٥١ - مطاعين في الهيجا مطاعيم للقرى ... إذا اصفرّ آفاق السماء من القرس قاله أوس بن حجر، والمطاعين: جمع مطعان، لكثير الطعن. ومطاعيم: جمع مطعم

стр. 580

للكثير الإطعام. والقرى: الضيافة. والقرس: أبرد الصقيع وأكثره وأشدّ البرد، ويوم قارس: بارد. [اللسان قرس]. ٥٢ - إمّا شربت بكأس دار أوّلها ... على القرون فذاقوا جرعة الكاس البيت لعمران بن حطان الخارجي في رثاء مرداس بن أديّة. وبعد البيت وفيه جواب الشرط: فكلّ من لم يذقها شارب عجلا ... منها بأنفاس ورد بعد أنفاس [الخزانة ج ٥/ ٣٦٠، وكامل المبرد في شعر الخوارج]. ٥٣ - كي لتقضيني رقيّة ما ... وعدتني غير مختلس البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وقبله: ليتني ألقى رقيّة في ... خلوة من غير ما أنس قوله: من غير ... الخ، ما: زائدة، والأنس: بفتحتين، وهو الإنس بكسر الهمزة وسكون النون، وفيه مضاف محذوف تقديره من غير حضور أنس. وقوله: لتقضيني: علة لقوله: ألقى. والقضاء: الأداء. ورأى البغدادي أنه يتعدى لمفعول واحد، و «ما» بدل اشتمال من الياء. وكون «ما» موصوفة، أحسن من كونها موصولة. وقال العيني: ما: مفعول ثان لتقضي، ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: لتقضيني وعدها، والمختلس: مصدر ميمي من «اختلس» أي خطف الشيء بسرعة على غفلة، و «غير» مفعول مطلق، أي: لتقضي قضاء غير اختلاس، والمراد: لأنال من وصلها في أمن من الرقباء. والبيت شاهد على أن الأخفش يعتذر لتقدم اللام على «كي» في «لكيما»، وتأخرها عنها في «كي لتقضي»، أنّ المتأخر بدل المتقدم، وهذا يرد على الكوفيين في زعمهم أنّ «كي» ناصبة دائما، لأن لام الجر لا تفصل بين الفعل وناصبه، ويرى البصريون أن النصب بأن مضمرة وكي جارة تعليليّة، أكدت بمرادفها وهي اللام. [الخزانة ج ٨/ ٤٨٨، والأشموني ج ٣/ ٢٨١، والهمع ج ١/ ٥٣]. قلت: وهذا الشاعر فاسق ومنافق، فهو فاسق؛ لأنه يتمنى أن يلقى حبيبته في خلوة،

стр. 581

وهذه ليست من صفات المحبّ الصادق، وهو منافق كاذب؛ لأنه تمنى في مكان سابق أن تشمل الشام غارة شعواء في قوله: كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء وكيف يتمنى محبّ لقومه أن تشمل الأرض التي بارك الله فيها وحولها، غارة شعواء؟! لقد خيب الله أمنيته، وبقيت الشام أرض خير، وسوف تبقى تردّ كيد الكائدين، إن شاء الله. ٥٤ - تنادوا بالرحيل غدا ... وفي ترحالهم نفسي لم يعرف قائله، والشاهد: ب «الرحيل غدا» على أن جملة «الرحيل غدا» من المبتدأ والخبر محكية بقول محذوف عند البصريين، والتقدير: تنادوا بقولهم: الرحيل غدا، وعند الكوفيين محكية ب «تنادوا» فإنه يجوز عندهم الحكاية بما في معنى القول، فإنّ تنادوا معناه نادى كلّ منهم الآخر ورفع صوته بهذا اللفظ، وهو الرحيل غدا، وأجاز أبو علي فيها ثلاثة أوجه: بالرحيل غدا: بالجرّ، و «الرحيل غدا» بالرفع، والنصب: الرحيل غدا، بتقدير نرحل الرحيل غدا، أو نجعل الرحيل غدا. [الخزانة/ ٩/ ١٨٢]. ٥٥ - لما تذكرت بالدّيرين أرّقني ... صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس البيت لجرير، والديران: موضع قرب دمشق. والبيت شاهد على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث؛ لأنه إنما أراد هنا، صوت الديكة خاصة. وقال الأصمعي: أراد بالديرين، ديرا واحدا، وقال شارح ديوان جرير، يقول: أرقني انتظاري صوت الديك والنواقيس، وإنما يكون ذلك عند الصباح. [ديوان جرير/ ١٢٦، وشرح أبيات المغني/ ١ / ٣٢٤، وج ٥/ ٢٢٩].

стр. 582

قافية الشين ١ - فإن أهلك فسو تجدون فقدي ... وإن أسلم يطب لكم المعاش البيت لعدي بن زيد، والشاهد «سو» بحذف الفاء لغة في «سوف». [الهمع/ ٢/ ٧٢، والدرر/ ٢/ ٨٩]. ٢ - وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سمّيت قريش قريشا قاله المشمرج بن عمرو الحميري. والبيت يروى في سبب تسمية قريش، فنسبوا إلى ابن عباس أنه قال: سميت بدابة في البحر تسمّى قريشا، لا تدع دابة إلا أكلتها، فدواب البحر كلها تخافها، قال المشمرج ولعله سمك «القرش»، وهذا أحد الأقوال في سبب الاسم، وبقيت ستة، وهي: ١ - سموا قريشا؛ لتجمعهم إلى الحرم. ٢ - وأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشترونها. ٣ - أنه جاء النضر بن كنانة في ثوب له، يعني: اجتمع في ثوبه، فقالوا: قد تقرش في ثوبه. ٤ - قالوا: جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه حمل قريش، أي: شديد. ٥ - قال عبد الملك بن مروان: سمعت أن قصيا كان يقال له: القرشي، لم يسمّ قرشي قبله. ٦ - أنهم كانوا يفتشون الحاج عن خلّتهم، فيسدّونها. [الخزانة/ ١/ ٢٠٣]. ٣ - تضحك منّي أن رأتني أحترش ... ولو حرشت لكشفت عن حرش

стр. 583

رجز جاء في كتب النوادر. ومعنى احترش: أصيد الضبّ، والاحتراش: صيد الضبّ خاصة، وهو أن يحرك يده على جحر؛ ليظنّه حية فيخرج ذنبه ليضربها، فيأخذه. وقيل: أن يؤتى إلى باب جحر الضبّ بأسود الحيات، فيحرك عند فم الجحر، فإذا سمع الضبّ حسّ الأسود خرج إليه ليقتله، فيصاد. وقوله: ولو حرشت: التفات من الغيبة إلى الخطاب، يعني: لو كنت تصيدين الضبّ، لأدخلته في فرجك دون فمك إعجابا به وإعظاما للذّته. فقوله «حرش» في آخر الرجز، يعني: «حرك» والحر، بالكسر: فرج المرأة، وأصله «حرح» بسكون الراء، فحذفت الحاء الأخيرة منه، واستعمل استعمال «يد، ودم»؛ ولذلك يصغّر على (حريح)، ويجمع على (أحراح)، وقد يعوض من المحذوف راء، فيقال: حرّ، بتشديد الراء. والشاهد في الرجز: أن ناسا من تميم ومن أسد يجعلون مكان الكاف المؤنثة شينا في الوقف، كما في «حرش»، وأصله «حرك»، وربما فعلوا هذا في الكاف الأصلية المكسورة في الوصل أيضا، فرووا بيتا للمجنون يقول: فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أن عظم الساق منش دقيق يريد: فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق يشبه صاحبته بالظبية، وتسمى هذه اللغة: «الكشكشة»، ولكن بيت المجنون يروى بالكاف في «ديوانه» وفي مجموعات الشعر؛ ولذلك ربما كانت أكثر قصصهم في لغات العرب موضوعة، فقد نقل البغدادي في «الخزانة» ج ١١/ ٤٦٦: أن من لهجات العرب «تلتلة» بهراء، فهم يكسرون حروف المضارعة، فيقولون: «أنت تعلم» بكسر التاء، وروى أن ليلى الأخيلية كانت تتكلم بهذه اللغة، وأنها استأذنت ذات يوم على عبد الملك بن مروان وبحضرته الشعبيّ، فقال له: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أضحكك منها؟ قال: افعل، فلما استقرّ بها المجلس، قال لها الشعبي: يا ليلى، ما بال قومك لا يكتنون، فقالت له: ويحك أما (نكتني)؟ فقال: لا والله، ولو فعلت لاغتسلت، فخجلت عند ذلك، واستغرق عبد الملك في الضحك. قال أبو أحمد، غفر الله له: أقسم بالله أن القصة موضوعة؛ لأنها مروية بدون إسناد،

стр. 584

وربما كانت من صنع الحريري في «درّة الغواص»؛ ذلك أن الشعبي فقيه، وثقة في رواية الحديث، ولا يخرج منه هذا الكلام. ثم إنّ القصة غير محبوكة، وإنما صنعت لتعليم الصبية أحكام اللغة والفقه، وما الذي أدرى الشعبي أنها ستقول في الجواب: «أما نكتني»؛ ليكون كلامها مضحكا؟ أما يمكن أن تقول: ومن الذي قال لك ذلك؟ أو غيره من الأجوبة التي لا يوجد فيها هذا الفعل، ثم إن قوله المزعوم لها: «لا والله، ولو فعلت، لاغتسلت» جواب في غير محله، فقوله: «لو فعلت، لاغتسلت»، كان حقه أن يقول: وكيف أفعل وأنت لست زوجة لي، أو يقول: لو فعلت لرجمت، لأن ليلى محصنة، والشعبي محصن. وبعد: فلا تلتفتنّ أيها القارئ إلى مضمون قصص الأدب التاريخي؛ لأن أكثرها مصنوع لهدف القصة والتسلية، أو للتعليم. ٤ - أيا أبتي لا زلت فينا فإنّما ... لنا أمل في العيش ما دمت عائشا لا يعرف قائله، والشاهد في «: أبتي»، حيث جمع فيه بين العوض، والمعوض، وهما: التاء وياء المتكلم؛ لأن التاء عوض عن ياء المتكلم في قوله: «يا أبت»، وهذا لا يجوز إلا في الضرورة، وأجازه الكوفيون مطلقا. [شرح التصريح/ ٢/ ١٧٨، والأشموني/ ٣/ ١٥٨].

стр. 585

قافية الصاد ١ - جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين ... وإذا أتاك فلات حين مناص لم أعرف قائله. وقوله: جشأت نفسه: إذا ارتفعت من فزع أو حزن. واللّذ: لغة في الذي، وإذا حذفت ياؤها، ترسم بلامين. ولات: بمعنى ليس، اسمها محذوف، وحين: خبرها. والمناص: التأخر والفرار. والتقدير: إذا أتاك ما تخشينه، فليس الحين حين فرار، فلا بدّ من وقوعه عليك. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٤٥]. ٢ - أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص ينسب لعديّ بن زيد. ومعنى أكاشره: أضاحكه، ويقال: كشّر عن نابه؛ إذا كشف عنه. والشاهد: حذف الضمير من (أن) المخففة، وابتداء ما بعدها على نيّة إثبات الضمير. [سيبويه/ ١/ ٤٤٠، وشرح المفصل/ ١/ ٥٤، والإنصاف/ ٢٠١]. ٣ - قد كنت خرّاجا ولوجا صيرفا ... لم تلتحصني حيص بيص لحاص قاله أمية بن أبي عائذ. والخرّاج الولّاج: الحسن التصرف في الأمور المتخلص منها. وكذا الصيرف. تلتحصني، أنشب فيها، أو معناه: تثبطني. وحيص بيص: كناية عن الضيق والشدّة، حاص: عدل عن الشيء وجار، وباص يبوص: تقدّم وفات. ولحاص: اسم الداهية معدول عن «لاحصة». والشاهد: حيص بيص؛ إذ بنيت على الفتح؛ لما تضمنته من معنى الكناية عن الشدة. [سيبويه/ ٢/ ٥١، وشرح المفصل/ ٤/ ١١٥، واللسان «لحص» وحيص]. ٤ - كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص

стр. 586

لم يعرف قائله. ويقال: أكل في بعض بطنه، إذا كان دون الشبع، وأكل في بطنه، إذا امتلأ وشبع. والخميص: الجائع، أي: زمان جدب، ومخمصة. والشاهد: استعمال «بطن» بمعنى الجمع، أي: بعض بطونكم. [سيبويه/ ١/ ١٠٨، وشرح المفصل/ ٦/ ٢٢، والهمع/ ١/ ٥٠، والدرر/ ١/ ٢٥]. ٥ - كلا أخويكم كان فرعا دعامة ... ولكنّهم زادوا وأصبحت ناقصا نسبه ابن منظور للأعشى. وأصل الفرع، بفتح الفاء وسكون الراء: القوس يكون خير القسّي، ومنه قالوا: فرع فلان فلانا، أي: فاقه. والّدعامة، بالكسر: سيد القوم ورئيسهم، وقالوا: فلان دعامة عشيرته، يريدون أنه سيدها. والشاهد: كلا أخويكم كان فرعا، حيث أعاد الضمير من «كان» على «كلا» وهو ضمير المفرد الغائب، فدل على أن في «كلا أخويكم» جهة إفراد، وهي جهة اللفظ. [الإنصاف/ ٤٢٢، والخصائص/ ٣/ ٣٣٥]. ٦ - لدن غدوة حتى ألان بخفّها ... بقيّة منقوص من الظّل قالص البيت بلا نسبة في «شرح المفصل» ج ٤/ ١٠٠، وذكره ابن يعيش شاهدا على أن العرب نصبت ب (لدن) غدوة، خاصة تشبيها لنونها بالتنوين، لما رأوا النون تنزع عنها وتثبت، فيقال: «لدن، ولد». ٧ - أتاني وعيد الحوص من آل جعفر ... فيا عبد عمرو لو نهيت الأحاوصا البيت للأعشى، من قصيدة نفّر فيها عامر بن الطفيل على ابن عمّه علقمة بن علاثة، أي: حكم لعامر بالغلبة على ابن عمه. والوعيد: التهديد والتخويف. والحوص والأحاوص: أولاد الأحوص بن جعفر. والحوص: ضيق في مؤخر العين، والرجل أحوص، والمرأة حوصاء. وعبد عمرو هو عبد عمرو بن الأحوص، ووجه الخطاب إليه؛ لأنه كان رئيسهم حينئذ. وجواب «لو» محذوف، أي: لو نهيتهم، لكان خيرا لهم، ويجوز أن تكون للتمني، على سبيل التهكم. والشاهد: الحوص والأحاوص، على أن الأحوص يجمع على هذين الجمعين: أحدهما: «فعل»، ولا يجمع هذا الجمع إلا أفعل صفة، وشرطه أن يكون مؤنثه على

стр. 587

«فعلاء». والثاني: أفاعل، ولا يجمع على هذا إلا «أفعل» اسما، أو أفعل التفضيل. [شرح المفصل ج ٥/ ٦٢، والخزانة ج ١/ ١٨٣]. ٨ - فإن تتّعدني أتّعدك بمثلها ... وسوف أزيد الباقيات القوارصا البيت للأعشى، من قصيدة البيت السابق، ومناسبتها أن علقمة كان قد توعّد الأعشى. والقوارص: الكلمات المؤذية، يريد: إن تتوعدني، فإنني أتوعدك، وأزيدك على الإيعاد بقصائد الهجاء. قلت: وعلقمة عندنا أفضل من عامر؛ لأن الأول أسلم، وصار صحابيا، أما عامر فقد مات على كفره. والشاهد: «تتعدني، وأتعدك»، وهما مضارع «اتّعد» على وزن افتعل، من الوعد، وأصلهما: توتعدني، وأوتعدك، فقلبت الفاء وهي الواو تاء، ثم أدغمت التاء في التاء. [شرح المفصل ج ١٠/ ٣٧، والخزانة ج ١/ ١٨٣]. ٩ - يا عبد هل تذكرني ساعة ... في موكب أو رائدا للقنيص البيت لعدي بن زيد العبادي، ينادي عبد هند اللخمي، و «عبد هند» علم عليه. والموكب: ضرب من السير. والرائد: من الرود، وهو الطلب. والقنيص: الصيد. والبيت شاهد على حذف المضاف إليه في الترخيم في قوله «يا عبد»، وأصله: «يا عبد هند» قال الأشموني: وهو نادر جدا. قال أبو أحمد: إنه ليس نادرا، بل هو كثير، والدلالة على كثرته أن أهل فلسطين بعامّة، ينادون عبد الله، وعبد الرحمن، الخ، فيقولون: يا عبد، ولعلها لغة موروثة من العهد الجاهلي، حيث سكنت قبيلتا لخم وجذام اليمنيتان فلسطين، قبل الإسلام بمثات السنين، والله أعلم. [الأشموني ج ٣/ ١٧٦، والعيني على حاشية الأشموني]. ١٠ - أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص البيت للفرزدق، في هجاء عمر بن هبيرة، ويروى مطلعه «أوليت العراق». وقوله: أحذّ، أي: سريع اليد خفيفها، يصفه بالغلول وسرعة اليد، أي: السرقة. والشطر الثاني ذكره نقّاد الأدب القدماء شاهدا على الشعر المتكلف، فقال ابن قتيبة: يريد: أوليها خفيف اليد، يعني: في الخيانة، فاضطرته القافية إلى ذكر القميص. وفي لسان العرب: وقوله: أحذّ يد القميص، أراد أحذّ اليد، فأضاف إلى القميص لحاجته. وقال الأستاذ

стр. 588

محمود شاكر في حاشية تحقيق الطبقات: رجل أحذّ، سريع اليد خفيفها في إخفاء السرقة، وأضاف اليد إلى القميص لسرعته في إخفاء ما يسرق، كما يخفي السارق ما سرق في كمه. ويقولون: الأحذّ: المقطوع اليد، كأنه أراد أنه مشهور بالسرقة، كأنه حدّ فيها وقطعت يده، وإن لم يكن هناك قطع على الحقيقة. وقال ابن برّي: يريد أنه قصير اليد عن نيل المعالي، فجعله كالأحذ الذي لا شعر لذنبه، وهو لا يحبّ لمن هذه صفته أن يولّى العراق. قال أبو أحمد: والقول بتكلف الفرزدق في هذا البيت، ليس متفقا عليه، ويؤخذ من تفسير ابن برّي، أن الشاعر يصف ابن هبيرة باللؤم والضعف عن نيل المعالي، واليد أداة نيل المعالي، فإذا كانت حذّاء، فصاحبها لا يظهرها لطلب المجد، وكأنه يخفيها في كمّه جبنا. والله أعلم. واستشهد السيوطي في «الهمع» بالشطر الأول على جواز استخدام المثنى بدل المفرد سماعا، وقال في عقبه: أي: رافده، لأن العراق ليس له إلا رافد واحد، قال أبو أحمد: وهذا كلام لا يصح، فالعراق له رافدان، هما دجلة والفرات. والمخاطب في قوله «أوليت» أحد خلفاء بني أمية. [الهمع: ج ١/ ٥٠، والشعر والشعراء ص ٣٢، من المقدمة، واللسان (حذّ)].

стр. 589

قافية ضاد العرب ١ - وليس دين الله بالمعضّى ... هذا من أرجوزة طويلة لرؤبة بن العجاج أولها: داينت أروى والدّيون تقضى ... فمطلت بعضا وأدّت بعضا والمعضّى: اسم مفعول من «عضّاه» بتشديد الضاد، إذا جزأه وفرّقه. والشاهد: المعضّى: فإن هذه الكلمة اسم مفعول من معتل اللام المضعّف الوسط، مثل زكّى، ووفّى، ويريدون بهذا الاستدلال على أن «عضة» بكسر العين وفتح الضاد، التي هي مفرد «عضين» في قوله تعالى: جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، [الحجر: ٩١] مأخوذ من التعضية؛ لأن المعنى فيهما واحد، حيث فسرت الآية بأنهم جزأوا القرآن أجزاء، وعلى هذا يكون أصلها «عضو»؛ فحذفوا الواو ثم عوضوا منها الهاء، وهناك رأي على أن «عضة» مأخوذ من العضة، وهو السحر والكهانة أو البهتان، بدليل جمع عضة على عضاه، مثل شفاه، وتصغيرها على عضيهة، والجمع والتصغير يردّان الأشياء إلى أصولها. [شذور الذهب/ ٦٠، وشرح التصريح/ ١/ ٧٣، والأشموني/ ١/ ٨٤]. ٢ - فو الله لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض على أنّها تعفو الكلوم وإنّما ... يوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي البيتان لأبي خراش الهذلي، أحد فرسان العرب، أسلم وهو شيخ كبير، وحسن إسلامه، ولم يثبت التقاؤه النبيّ ﷺ . قوسى: اسم مكان. يقول: إنما نحزن على الأقرب فالأقرب، ومن مضى نسيناه ولو عظم ما مضى.

стр. 590

والشاهد: أن «على» في قوله: «على أنها» للاستدراك والإضراب، وفي هذه الحال لا تحتاج إلى متعلق كحرف الجرّ الشبيه بالزائد. [شرح المفصل/ ٣/ ١١٧، والخصائص/ ١/ ٧١، والمرزوقي/ ٧٨٥، والخزانة/ ٥/ ٤٠٥]. ٣ - طول الليالي أسرعت في نقضي ... نقضن كلّي ونقضن بعضي هذا الرجز للأغلب العجلي بن عمرو، أحد المعمرين عمّر في الجاهلية عمرا طويلا، وأدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وهاجر وتوجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص، فاستشهد في وقعة نهاوند، وهو من أرجز الرجّاز. والشاهد: أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، ولهذا قال: «أسرعت»، ولم يقل «أسرع». [سيبويه/ ١/ ٢٦، وشرح التصريح/ ٢/ ٣١، والخصائص/ ٢/ ٤١٨، والأشموني/ ٢/ ٢٤٨]. ٤ - لقد أتت في رمضان الماضي ... جارية في درعها الفضفاض تقطّع الحديث بالإيماض ... أبيض من أخت بني أباض هذا الرجز لرؤبة بن العجاج، وقوله: «في رمضان». كان الربيع جميعهم في ذلك الوقت. وقوله: «تقطع الحديث بالإيماض»، أي: إذا ظهرت أو ابتسمت، ترك الناس حديثهم ونظروا إليها. وبنو أباض: قوم شهروا ببياض نسائهم. وفي الرجز ثلاثة شواهد: الأول: ذكره ابن هشام في المغني، أنهم يعبرون عن الماضي والآتي كما يعبرون عن الشيء الحاضر. والثاني: استخدام رمضان بدون شهر، ومثله: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». [في البخاري ومسلم]. قالوا: والأفصح مع الشهر؛ لقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥]. الثالث: في قوله: «أبيض»، حيث جاء بأفعل التفضيل من البياض، وهو يشهد للكوفيين الذين يرون مجيء اسم التفضيل، وصيغتي التعجب من البياض والسواد دون سائر الألوان، والبصريون يمنعون ذلك، ويجعلون مجيئه شاذا، أو أنه صفة مشبهة لا أفعل تفضيل، وجاء

стр. 591

عليه قول المتنبي، وهو كوفي المذهب: ابعد، بعدت، بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظّلم [شرح المفصل/ ٦/ ٩٣، والإنصاف/ ١٤٩، واللسان «بيض»]. ٥ - أفي كلّ عام مأتم تبعثونه ... على محمر ثوّبتموه وما رضا قاله زيد الخير (الخيل). والمأتم: النساء يجتمعن في الخير والشرّ، وأراد هنا للشرّ. والمحمر: وزن منبر: الفرس الهجين، أخلاقه كأخلاق الحمير. ثوبتموه: جعلتموه لنا ثوابا، أي: جزاء على يد قدّمت. ورضا: بمعنى: رضي، في لغة طيئ، يكرهون مجيء الياء متحركة بعد كسرة، فيفتحون ما قبلها؛ لتنقلب إلى الألف لخفتها، ويقولون في «بقي» بقى، وفي «رضي» رضى، يقول الشاعر: ندمتم على ما أهديتم لنا من ذلك الفرس ثوابا منكم على يد قدمناها إليكم، وحزنتم حزن من فقد حميما، فجمع له مأتما، مع أن فرسكم لم يكن مرضيا لنا. والشاهد: رفع «مأتم»؛ لأنّ الفعل بعده «تبعثونه» في موضع الصفة، فلا يعمل فيه؛ لأن النعت من تمام المنعوت، كالصلة من تمام الموصول، وما لا يعمل لا يفسّر عاملا. وخبر «مأتم» الجار والمجرور قبله. [سيبويه/ ١/ ٦٥، والشعر والشعراء ترجمة زيد الخيل، والخزانة/ ٩/ ٤٩٣]. ٦ - أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض لطرفة بن العبد. وأبو منذر: كنية عمرو بن هند، يخاطبه حين أمر بقتله، وذكر قتله لمن قتل من قومه. والشاهد: نصب «حنانيك» على المصدر النائب عن الفعل، وقد ثنى «حنانيك»؛ لإرادة التكثير؛ لأن التثنية أول مراتب التكثير. [سيبويه/ ١/ ١٧٤، والهمع/ ١/ ١٩٠، والدرر/ ١/ ١٦٣، واللسان «حنن»]. ٧ - هجوم عليها نفسه غير أنّه ... متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض قاله ذو الرّمة، يصف ظليما - ذكر النعام - يقول: يهجم نفسه على البيض، أي: يلقيها عليه حاضنا له، فإذا فوجئ بشبح أي شخص فارق بيضه، ونهض هاربا. والشبح: بسكون

стр. 592

الباء، لغة في الشبح بفتحها. والشاهد: إعمال «هجوم» مبالغة «هاجم»، فنصب «نفسه». [سيبويه/ ١/ ٥٦، والخزانة/ ٨/ ١٥٧]. ٨ - عذير الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض قاله ذو الإصبع العدواني، ذكر تفرق قومه، وتشتتهم في البلاد مع كثرتهم وعزتهم، وبعد أن كانوا يخشون، كما تحذر الحية المنكرة، يقال: فلان حيّة الوادي، إذا كان شديد الشكيمة حاميا لحوزته. والشاهد: عذير: أي: هات عذرا لحيّ عدوان. فقوله: عذير: مصدر نائب عن فعله، يكون منصوبا مثل رويدك. [سيبويه/ ١/ ١٣٩، والشعر والشعراء ترجمة الشاعر]. ٩ - إذا أكلت سمكا وفرضا ... ذهبت طولا وذهبت عرضا لرجل من عمان، والفرض: ضرب من التمر صغار، لأهل عمان من أجود تمرهم. والطول والعرض: كناية عن جميع الجسد. وشاهده: نصب «طولا» و «عرضا» على التمييز؛ لأن المعنى: ذهب طولي وعرضي، أي: اتسعا. [سيبويه/ ١/ ٨٢، واللسان «فرض»]. ١٠ - أمسلم يا اسمع يا بن كلّ خليفة ... ويا سائس الدنيا ويا جبل الأرض نسبه ابن منظور إلى أبي نخيلة، وقوله: أمسلم: الهمزة لنداء القريب، ومسلم: بفتح الميم الأولى، مرخم مسلمة. وقوله: يا جبل الأرض: أراد به أنه الذي يحفظ توازن هذه الأرض من أن ترجف بها الراجفة. والشاهد: «يا اسمع»، فإن حرف النداء دخل على الفعل «اسمع»، والفعل لا ينادى، فتقدر اسما محذوفا تقديره «يا هذا اسمع». [الانصاف/ ١٠٢]. ويظهر أن رواية البيت مصنوعة لهدف نحوي؛ لأن الرواية المشهورة: أمسلم إني يا بن خير خليفة ... ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي

стр. 593

١١ - فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا ... هلمّ فإنّ المشرفيّ الفرائض لقوّال الطائي، ذكره أبو تمام في الحماسة مع بيتين، يقولها في ساع جاء يطلب إبل الزكاة، والشاعر إسلامي عاصر مروان بن محمد، والساعي: الذي يلي جمع الزكاة من أربابها. وهلمّ: اسم فعل أمر، معناه أقبل وتعال. والمشرفي: السيف. والفرائض: جمع فريضة: وهي ما يؤخذ من السائمة في الزكاة. والشاعر يتهكم بالساعي الذي جاءهم يطلب الذي عليهم من زكاة أموالهم، وكان قومه قد امتنعوا عن دفع الزكاة. والشاهد: «ذو جاء»، فإن «ذو» هنا اسم موصول بمعنى الذي، وهو صفة للمرء. [الأشموني/ ١/ ١٥٧، والإنصاف/ ٣٨٣، والمرزوقي/ ٦٤٠، والخزانة/ ٥/ ٢٨، وج ٦/ ٤١]. ١٢ - أظنّك دون المال ذو جئت تبتغي ... ستلقاك بيض للنفوس قوابض يتبع الشاهد السابق، لقوّال الطائي، والبيض: جمع أبيض، وهو السيف. والشاهد: «ذو جئت»، فإن ذو اسم موصول بمعنى الذي، وهو صفة للمال، ومن هنا نعلم أن الطائيين يستعملون «ذو» في العقلاء، وفي غير العقلاء. [المرزوقي/ ٦٤٢، والانصاف/ ٣٨٣، والخزانة/ ٥/ ٢٩]. ١٣ - يغادر محض الماء ذو وهو محضه ... على إثره إن كان للماء من محض يروّي العروق الهامدات من البلى ... من العرفج النجديّ ذو باد والحمض البيتان في حماسة أبي تمّام من شعر ملحة الجرمي من طيئ. والمحض: أصله اللبن الحامض بلا رغوة، ثم استعمل في الحسب وغيره، يقول: يترك خالص الماء الذي هو خالصة السحاب وصافيته، ويخلفه في مسايل الأودية على إثره، وإنما يشير إلى ما تقطّع ورقّ من ماء المطر بنضد الأحجار، وأصول الأشجار، حتى صفا من شوائب الكدرة، وقرّ في المناقع وقرارات الأودية. وقوله: إن كان للماء من محض؛ لأن ماء المطر جنس واحد، إذا لم يختلط به غيره، لا يختلف. وقوله: يروي العروق الهامدات من البلى: يريد أنه أحيا ما أشرف على اليبس من عروق الشجر البالية، وأعادها غضة مرتوية.

стр. 594

والشاهد: في البيت الأول: «ذو وهو محضه»، فإن «ذو» اسم موصول بمعنى الذي، والجملة بعده صلته، و «ذو» صفة للماء، والهاء في محضه تعود إلى السحاب، يعني: يترك هذا السحاب محض الماء الذي هو، أي: الماء: خالصة السحاب وصافيته. والشاهد: في البيت الثاني: «ذو باد»، فإن «ذو» اسم موصول بمعنى الذي، وقد وقع صفة للعرفج النجديّ. [المرزوقي/ ٨٠٩، والإنصاف/ ٣٨٤]. ١٤ - ولا أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنّه قد سلّ عن ماجد محض لأبي خراش الهذلي، يقوله في أخيه عروة من أبيات رواها أبو تمام في الحماسة، قوله: ألقى عليه رداءه: كان من عادة العرب، أنّ الرجل يمرّ بالقتيل فيلقي عليه ثوبه يستره به. والشاهد: «ولا أدر»، فإنه يريد ولا أدري؛ لأن الفعل غير مجزوم، فحذف الياء مجتزئا بالكسرة التي قبلها؛ لأنها ترشد إليها، وروي البيت في الحماسة «ولم أدر»، ولا شاهد فيه. [الإنصاف/ ٣٩٠، والمرزوقي/ ٧٨٧]. ١٥ - قضى الله يا أسماء أن لست زائلا ... أحبّك حتى يغمض الجفن مغمض قاله الحسين بن مطير الأسدي، وقضى: أي: حكم أو قدّر. وأسماء: صاحبته. و «أن لست» مفعول قضى، أي: بأن لست، ويروى «بارحا» موضع «زائلا» وهو خبر ليس. وفيه الشاهد، فإنه أجراه مجرى فعله، والتقدير: لست أزال أحبك. [الأشموني وعليه العيني ج ١/ ٢٣١، والهمع ج ١/ ١١٤، واللسان - غمض]. ١٦ - بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها البيت لعمرو بن أحمر، والتيهاء: المفازة التي لا يهتدى فيها، من التيه: وهو التحيّر، يقال: تاه في الأرض، أي: ذهب متحيرا. وقوله بتيهاء: الجار يتعلق ببيت قبله، وهو: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... صحيح السّرى والعيس تجري غروضها والقطا: طائر سريع الطيران. والحزن: ما غلظ من الأرض، وأضاف القطا إليه؛ لأنه

стр. 595

يكون قليل الماء فتكون قطاه أكثر عطشا، فإذا أراد الماء، كان سريع الطيران، يريد أن يصف المطيّ بسرعة السير. والشاهد: «كانت فراخا بيوضها» على أن «كان» بمعنى: «صار»، وبها يصح المعنى؛ لأن القطا إذا تركت بيوضا، صارت فراخا تمشي بسرعة إلى فراخها. [الخزنة ج ٩/ ٢٠١، وشرح المفصل ج ٧/ ١٠٢، والأشموني ج ١/ ٢٣٠]. ١٧ - فق الناس في الخير لا سيّما ... ينيلك من ذي الجلال الرّضى البيت في «الهمع» ج ١/ ٢٣٥، بلا نسبة، وذكره السيوطي شاهدا على جواز أن يلي «لا سيّما» الفعل، و «فق»، أمر من «فاق». ١٨ - كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو كان من لهو الصّبابة ما مضى البيت بلا نسبة. في اللسان «كيد» وكاد، وكدت، معناه: أرادت، وأردت. ١٩ - فو الله ما أنسى قتيلا رزيته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض لأبي خراش الهذلي في رثاء أخيه عروة، وكان قد أسر وقتل، واسم أبي خراش خويلد ابن مرة، وهو شاعر مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، ونزل به قوم من اليمن حجاج، واضطروه أن يستقي لهم تحت الليل، فنهشته حية في طريقه، ثم سقاهم وأطعمهم، ولم يعلمهم بما أصابه، فأصبح وهو في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه، فلما بلغ عمر، غضب غضبا شديدا، وقال: لولا أن تكون سنّة، لأمرت ألا يضاف يمان أبدا، هذا ما رواه الأقدمون، ولم أحقق سند القصة. وقوسى: بضم القاف وفتحها، بلد في الجزيرة العربية، بالسراة، وقوله: ما مشيت على الأرض، «ما» مصدرية ظرفية، دلت مع الفعل بعدها على ظرف زمان. [المرزوقي/ ٧٨٥، وشرح المفصل/ ٣/ ١١٧، والخزانة/ ٥/ ٤٠٦]. ٢٠ - وممّن ولدوا عامر ... ذو الطّول وذو العرض هذا البيت لذي الإصبع العدواني، واسمه الحارث بن محرث بن حرثان، وعامر: هو عامر بن الظرب العدواني، الذي يقول فيه ذو الإصبع من كلمة الشاهد: ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي

стр. 596

وقوله: ذو الطول وذو العرض: كناية عن عظم جسمه، والعرب تتمدح بطول الأجسام، ومن ذلك قول الشاعر: تبيّن لي أنّ القماءة ذلّة ... وأنّ أعزّاء الرجال طيالها والقماءة: بفتح القاف، بزنة سحابة، قصر القامة، ومحل الاستشهاد بالبيت هنا، قوله: «عامر»، فقد جاء به مرفوعا من غير تنوين، فدلّ على أنه منعه من الصرف، مع أنه ليس فيه إلا علة واحدة، وهي العلمية، وقد منعه من الصرف، مع اعتباره اسم رجل؛ لأنه وصفه وقال: ذو الطول وذو العرض، ولو كانت قبيلة، لوجب أن يقول: ذات الطول وذات العرض. [شرح المفصل/ ١/ ٦٨، والانصاف/ ٥٠١]. ٢١ - وسنّ كسنّيق سناء وسنّما ... ذعرت بمدلاح الهجير نهوض البيت منسوب لامرئ القيس، والسنّ: بكسر السين وتشديد النون: الثور الوحشي. والسنيق: بضم السين وتشديد النون المفتوحة، قيل: الأكمة المرتفعة، وقيل: البيت المجصص. سناء: ارتفاعا. شبه الثور الوحشي، بأكمة أو بيت في علوّه وضخامة جسمه. وسنّم: بفتح السين، والنون المشددة، زعموا أنها البقرة الوحشية. وذعرت: أي أخفت فصدتهما. والمدلاح يروى بالحاء المهملة: زعموا أنه الفرس يختال بفارسه، ولا يتعبه، أو فرس كثير السير، أو الكثير العرق، ويروى «بمدلاج» بالجيم، من دلج، إذ مشى، وليس من أدلج، ويروى «بمزلاج» بالزاي والجيم، من الزلج، وهو السرعة في المشي. والهجير: من زوال الشمس إلى العصر، وشدة الحرّ، وإذا كان الفرس في ذلك الوقت يلعب ويسرع بفارسه من نشاطه، فما ظنك به في غير ذلك الوقت؟ ونهوض: صيغة مبالغة بمعنى كثير النّهوض، بضم النون، وهو الحركة، يريد أنه كان يركب هذا الفرس، واستطاع أن يصيد ثورا وبقرة. والشاهد: «وسن .. وسنما»، فالواو: واو ربّ، وسنّ: مجرور ومحلّ مجرور «ربّ» هنا، النصب ب «ذعرت»، وعطف «وسنما» على محل مجرور «ربّ»، والمعنى: ذعرت بهذا الفرس ثورا وبقرة. ومجرور ربّ فيه الحالات التالية: ١ - مبتدأ: إذا كان الفعل بعدها لازما، مثل: «ربّ رجل عالم قام»، وفي مثل ربّ رجل صالح عندي.

стр. 597

٢ - ونصب على المفعولية إذا كان الفعل متعديا، ولم يأخذ مفعوله نحو «ربّ رجل صالح لقيت». ٣ - والرفع والنصب، إذا أخذ الفعل مفعوله نحو: «ربّ رجل صالح لقيته». ٤ - النصب على الظرفية مع الفعل اللازم في مثل: «ربّ ليلة شاتية سافرت». ٥ - والرفع على الابتداء إذا كان الفعل شرطا، كحديث: «ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله، لأبرّه»، مجرور ربّ مبتدأ، وجملة الشرط خبره. قلت: ويظهر أن هذا البيت مصنوع؛ لأن ابن الأعرابي والأصمعي جهلا بعض ما فيه من الألفاظ، وقال أبو عمرو في هذا البيت: هذا بيت مسجديّ، يريد أنه من عمل أهل المسجد. [المغني، الشاهد ٢٣١، وشرح أبياته للبغدادي ج ٣/ ١٩٠، والهمع ج ٢/ ٢٧، والخزانة ج ٩/ ٥٦٧، واللسان (سنق)]. ٢٢ - أرجزا تريد أم قريضا ... أم هكذا بينهما تعريضا كلاهما أجيد مستريضا رجز للأغلب العجلي الراجز، شاعر مخضرم، وقوله: مستريضا: أي: متسعا، يقال: استراض المكان: فسح واتسع. والشاهد: حذف الضمير العائد إلى المبتدأ من جملة الخبر، كلاهما: مبتدأ، وجملة أجيد: خبره، والأصل: كلاهما أجيده فحذف الهاء. [الهمع ١/ ٩٧، والدرر/ ١/ ٩٧، واللسان «روض»].

стр. 598

قافية الطاء ١ - حتى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط هذا رجز لم يعرف قائله. وجنّ الظلام: ستر كلّ شيء، والمراد: أقبل. اختلط: كناية عن انتشاره واتساعه. والمذق: اللبن الممزوج بالماء، شبهه بالذئب لاتفاق لونهما؛ لأنّه فيه غبرة وكدرة. والمعنى: يصف الراجز قوما نزل بهم ضيفا، بالشّحّ والبخل، فانتظروا عليه طويلا حتى أقبل الليل بظلامه، ثم جاءوا بلبن مخلوط بالماء يشبه الذئب في لونه؛ لكدرته وغبرته، يريد أن الماء الذي خلطوه به كثير. وقطّ: استعمله بعد الاستفهام، مع أنّ موضع استعماله بعد النفي الداخل على الماضي. والذي سهّل هذا؛ أنّ الاستفهام قرين النفي في كثير من الأحكام، وهو ظرف زمان مبني على الضمّ في محل نصب متعلق ب «رأى»، وسكونه للوقف، وجملة «هل رأيت الذئب قط»، في محل نصب مفعول به، لقول محذوف يقع صفة لمذق، والتقدير: بمذق مقول فيه هل رأيت الذئب قط. والشاهد فيه: قوله: «بمذق هل رأيت» .. الخ، فإن ظاهر الأمر أنّ الجملة المصدرة بحرف الاستفهام قد وقعت نعتا للنكرة، وليس الأمر على ما هو الظاهر، بل النعت (قول) محذوف، وهذه الجملة معمولة له، والقول يحذف كثيرا ويبقى معموله. قال البغدادي: وهذا الرجز قيل: للعجاج، والله أعلم. [ابن عقيل/ ٢/ ٢٦٣، وشرح التصريح/ ٢/ ١١٢، والهمع/ ٢/ ١١٧، والخزانة/ ٢/ ٩٠٩ و ٥/ ٢٤]. ٢ - فلا والله نادى الحيّ ضيفي ... هدوّا بالمساءة والعلاط البيت للمتنخّل الهذلي، وهدوّا: بعد ساعة من الليل. والمساءة: مصدر سؤته سوءا. والعلاط: أصله وسم في عنق البعير، ويقال: علطه بشرّ، إذا وسمه ولطخه به. وهدوّا: ظرف لنادى؛ لأن غالب ضيوف العرب إنما يجيئون بعد دخول الظلام.

стр. 599

والشاهد: فلا والله نادى، حيث حذف النفي قبل الماضي، أي: فلا والله ما نادى، فحذف النافي استغناء عنه بالأول. [الهمع/ ٢/ ٤٤، والدرر/ ٢/ ٥١، والخزانة/ ١٠/ ٩٤، وشرح أشعار الهذليين/ ٣/ ١٢٦٩]. ٣ - كأنّي بك تنحطّ ... إلى اللّحد وتنغط وقد أسلمك الرهط ... إلى أضيق من سمّ هذا الكلام من قصيدة مسمّطة في المقامة الحادية عشرة، من مقامات الحريري. وتنحطّ: مصدره الانحطاط: وهو الانحدار من علو إلى سفل، يريد انتقاله من ظهر الأرض إلى بطنها، وهو لحد القبور. وتنغطّ: من غطه في الماء إذا غمسه فيه، يريد مواراته وتغطيته بالتراب. والرهط: قوم الرجل، وقوله: إلى أضيق، أي: إلى مكان أضيق. والسّمّ: الثقب، ومنه قول الشاعر: رحب الفلاة مع الأعداء ضيّقة ... سمّ الخياط مع الأحباب ميدان والحريري، منسوب إلى الحرير، لبيعه أو عمله، عاش ٤٤٦ - ٥١٦ هـ، والخلاف جار بين النحويين في «كأنّ» في هذا الأسلوب: أ - فقال قوم: أصله: كأني أبصرك تنحطّ، فحذف الفعل، وزيدت الباء «وكأنّ» معناها للتقريب. ب - وقال قوم: كأنّ، باقية على معنى التشبيه، والباء أصلية، والتقدير: كأنك تبصر بالدنيا، أي: تشاهدها، والجملة بعد المجرور بالباء حال، أي: كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة؛ لأنهم يقولون: كأني بالليل وقد أقبل، والواو لا تدخل على الجمل إذا كانت أخبارا لهذه الحروف، ويكون «بك» الخبر، و «تنحط» حال. ج - وقال الحسن البصري «كأنك بالدنيا لم تكن»، وتقديره: إن حالك في الدنيا يشبه حالك زائلا عنها. ويكون «بالدنيا» ظرفا، و «كان» تامّة، وهي خبر كأنّ، وإن كان الضمير للدنيا، فيحتمل أن يكون بالدنيا الخبر و «لم تكن» في موضع نصب على الحال من الدنيا. د - ويقولون: كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آت.

стр. 600

والتقدير: كأنك بالشتاء وهو مقبل، والمرفوع خبر مبتدأ محذوف مع واو الحال أو بدونها، والجملة الاسمية حال. ٤ - فما أنا والسير في متلف ... يبرّح بالذّكر الضابط هذا البيت لأسامة بن الحارث الهذلي، وهو إسلامي له ترجمة في الإصابة. والمتلف: القفر الذي يتلف فيه من سلكه، ويقال: برّح به: إذا جهده. والذّكر: الجمل. والضابط: القوي، يقول: ما أنا، وذا، أي: لست أبالي السير في مهلكة، أو أنه ينكر على نفسه السفر في مثل هذا المتلف الذي تهلك الإبل فيه، وذلك أن أصحابه سألوه أن يسافر معهم، وأبى وقال هذا الشعر. والشاهد: نصب «السير»، على تقدير: «ما كنت»، لاشتمال الكلام على معناه. فكأنه قال: فما كنت والسير في متلف. [شرح المفصل/ ٢/ ٥٢، وسيبويه/ ١/ ١٥٣، والأشموني/ ٢/ ١٣٧، والهمع/ ١/ ٢٢١، والدرر/ ١/ ١٩٠، وشرح أشعار الهذليين/ ٣/ ١٢٨٩]. ٥ - فإمّا تعرضنّ أميم عنّي ... وينزغك الوشاة أولو النّباط فحور قد لهيت بهنّ عين ... نواعم في المروط وفي الرّياط البيتان للشاعر المتنخّل الهذلي، وأميم: ترخيم أميمة. ينزغك: يوسوس بك. وأولو النباط: الذين يستنبطون الأخبار ويستخرجونها. والعين: الواسعات الأعين. والمروط: جمع مرط، وهو كساء يشتمل به. والرياط: جمع ريطة، وهي الملاءة. والشاهد: «فحور»: بالجر، جمع حوراء، فقد زعم بعضهم أن الاسم مجرور بالفاء، والأقوى أن يكون مجرورا ب «ربّ» المقدرة بعدها، والجملة بعدها جواب شرط. [شرح المفصل/ ٢/ ١١٨، والأشموني/ ٢/ ٢٣٢، وشرح أشعار الهذليين/ ٣/ ١٢٦٧]. ٦ - ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فرّاطا إلا الحمام الورق والغطاطا رجز قاله نقادة الأسدي، والمنهل: المورد. والتقاطا: يعني مفاجئا له، لم أقصد قصده، ولم أحتسبه؛ لأنه في فلاة مجهولة.
следующие страницы →