Полный текст (1 332 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
البيت وما يليه للشاعر متمم بن نويرة، من قصيدة يرثي فيها أخاه مالكا، الذي قتل في حرب الردّة. والوجد: الحزن. والأظآر: جمع ظئر، وهنّ نوق يعطفن على حوار واحد، فيرضع من اثنتين، ويتخلى أهل البيت بواحدة. والروائم: اللاتي يعطفن عليه، جمع رائمة، يقال: رئمته رئمانا، إذا شمته فأحبته. والحوار: ولد الناقة. والمجرّ: بضم الميم وفتح الجيم، مصدر ميمي بمعنى الإجرار، مصدر أجر لسان الفصيل، إذا شقه؛ لئلا يرتضع أمه. والمصرع: الهلاك. والبيت شاهد لتأنيث الظئر، بتذكير عدده، والظئر يكون في النساء والإبل، غير أنه في النساء أن ترضع ولد غيرها، وفي الإبل تعطف على الفصيل، لتدرّ. وجملة «أصبن»، صفة ثالثة لأظآر. يعني: كل واحدة منهن رأت إجرار حوارها، فهي ثكلى ترأم البوّ، والبيت الثاني، يتمم معنى البيت الأول «وما وجد أظآر ..
بأوجد مني». قال أبو أحمد: وقصة موت مالك بن نويرة أكثر المؤرخون فيها من الكذب، والصحيح أن مالكا مات
مرتدا مصرّا على ارتداده، والدليل على ذلك، أن عمر بن الخطاب سمع شعر متمم في رثاء أخيه مالك، فقال عمر بن الخطاب: لوددت لو أنك رثيت أخي زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك، ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته، وأراد متمم أن أخاه مالكا، قتل عن الردة غير مسلم، وأن زيد بن الخطاب، قتل شهيدا يوم اليمامة، والقصيدة بتمامها في المفضليات، وانظر شرح أبيات المغني ج ٦/ ١٣.
٢٠٤ - إن وجدت الصديق حقّا لإياك ... فمرني فلن أزال مطيعا
البيت بلا نسبة في الهمع ج ١/ ٦٣، قال السيوطي: ويتعين انفصال الضمير في صور، وذكر منها: أن يلي اللام الفارقة، وأنشد البيت. واللام الفارقة، هي التي تأتي بعد «إن» المهملة؛ للفرق بينها وبين العاملة.
٢٠٥ - حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقلّ لنجد عندنا أن تودعا
وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتني ... وجعت من الإضغاء ليتا وأخدعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدّعا
стр. 667
هذه الأبيات للشاعر الصّمّة بن عبد الله القشيري، شاعر إسلامي بدوي مقلّ، من شعراء الدولة الأموية، والشاعر وإن وصف بالمقلّ، فإنه والله مكثر بهذه القطعة فقط؛ لأنها تغني عن ديوان شعر في الحنين إلى الوطن، والتعلق به.
وقوله: حننت: الحنين: تألّم من الشوق وتشكّ. وريّا: اسم امرأة، وهي ابنة عمه التي أراد الزواج بها، فلم يكن له منها نصيب.
وقوله: ونفسك باعدت: الواو: للحال، ومعنى باعدت: بعّدت، كما يقال: ضاعفت وضعّفت، وفي القرآن: باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ١٩]. والمزار: اسم مكان الزيارة.
والشعب: بفتح الشين، شعب الحيّ، يقال: التأم شعبهم، أي: اجتمعوا بعد تفرّق، وشتّ شعبهم، إذا افترقوا بعد تجمّع.
وقوله: وشعباكما معا: الواو: واو الحال. والعامل في «ونفسك باعدت»: حننت.
وفي قوله: وشعباكما، باعدت، ومعنى «معا» مجتمعان ومصطحبان، وموضعه خبر المبتدأ.
وقوله: فما حسن، في حسن وجوه: يجوز أن يكون مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لاعتماده على النفي، و «أن تأتي» في موضع الفاعل لحسن، واستغنى بفاعله عن خبره، وطائعا: حال، من (أن تأتي). ويجوز: رفع «حسن» خبر مقدم، و «أن تأتي» مبتدأ.
وقوله: وتجزع أن داعي، أن: مخففة من الثقيلة. والمراد: وتجزع من أنّ داعي الصبابة أسمعك صوته ودعاك. ومعنى البيتين: شكوت شوقك إلى هذه المرأة، وأنت آثرت البعد عنها بعد أن كان حياكما معا مجتمعين، وليس بجميل اختيارك الأمر طائعا غير مكره، وجزعك بعده؛ لأن داعي الشوق والعائد منه إليك، أسمعك وحرّك منك.
وفي البيت الثالث يقول: ويقلّ لنجد وساكنه التوديع منا؛ لأنّ حقهما أعظم، ولكنا لا نقدر على غيره.
وفي البيت الرابع يقول: إنك وإن أفرطت في الجزع، فإن أوقات المواصلة بالحمى مع أحبابك لا تكاد تعود، ولكن أدم البكاء لها مع التوجع في إثرها، تجد فيه راحة.
وقوله: تدمعا: جواب الأمر «خلّ»، ولو قال: تدمعان، لكان حالا للعينين.
стр. 668
وفي البيت الخامس: يقول: أخذت في مسيري لمّا أبصرت حال نفسي في تأثير الصبابة فيها، ملتفتا إلى ما خلفته من الحيّ، وأرض نجد حتى وجدتني وجع «الليت»، واللّيت: بالكسر، صفحة العنق، وقيل: أدنى صفحتي العنق من الرأس عليهما، ينحدر القرطان.
والأخدع: هما أخدعان، وهما عرقان خفيان في موضع الحجامة من العنق.
قال المرزوقي: وقد قيل فيه: إن من رموزهم أنّ من خرج من بلد فالتفت وراءه، رجع إلى ذلك البلد. وانتصب «ليتا»؛ لأنه تمييز ملحوظ، محوّل عن الفاعل، ومثله:
تصببت عرقا، وقررت به عينا.
قال أبو أحمد: وقول المرزوقي إنّ من رموزهم كذا، هذا كلام واقع، وعليه شواهد من أيامنا، فما زلت أذكر آخر زيارة إلى أهلي في خان يونس حوالي سنة ١٩٧٨ م، وبعد أسابيع أمضيتها في مرابع الطفولة والصبا، حان وقت الرحيل، حيث انتهت المدة التي منحها لنا الأعداء؛ لزيارة أرضنا وأهلنا، وفي فجر يوم، جاءت السيارة التي تقلنا إلى الجسر المجاور لمدينة أريحا، فكان ساعتها مشهد المودعين يخلع القلب، ويقرح الجفون، ويصدع الأكباد، لم يبق طفل، أو شيخ، أو مخبأة إلا وقف للوداع، حتى ضاق الزقاق بالمودعين، وارتفعت الأصوات، واشتد النحيب،
ومن باب الدار إلى آخر الزقاق، ما يقارب مائة ذراع، قطعناها في ساعات نخطو خطوة، ثم نقف وما كنت أدري، أيوقفني الزحام، أم تشدني الديار، فلا أحب أن أصل إلى المركبة التي تحملني إلى ديار الغربة، وما زال يرنّ في أذني صوت أختي، أم سليمان، تقول لي: تلفّت خلفك، تعيدها مرات كلما خطوت خطوات، فألتفت، فأرى البيت والأهل، وكنت أظنّ أنها تطلب مني الالتفات؛ لوداع المشيعين، وليروا طلعة ابنهم، وأخيهم، وعمهم، وخالهم، وابن عمهم، و .. فلما قرأت ما كتبه المرزوقي، عرفت السبب في طلب الالتفات؛ وذلك تفاؤلا بالعودة إليهم، والعودة إلى الديار الحبيبة. قلت: سبحان الله، هذا رمز في نجد، قلب الجزيرة، ورمز في خان يونس، في أطراف جزيرة العرب، كيف اجتمعا؟ وكيف بقي مغروسا في النفوس عشرات القرون؟ فعددت هذا رمزا لوحدة العرب في جميع بقاعهم، إنه رابط من آلاف الروابط التي لا تنفصم، ومع ذلك يصرّ الأعداء على فصم عرى الأخوة، فقسموا أوطان العرب إلى دويلات، وزعموا أن لكل إقليم خصائص متفرّدة، وهم كاذبون، وإنما أرادوا اجتثاث جذور الوحدة؛ ليحلوا محلها عادات إقليمية حديثة، وما أظنهم يقدرون
стр. 669
على ذلك مهما قالت وسائل الإعلام، ومهما حاولت، ومهما حاول الجاهلون الإقليميون من تأصيل. فأما الزبد، فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس، فيمكث في الأرض.
[الحماسة بشرح المرزوقي ج ٣/ ١٢١٥، باب النسيب برقم ٤٥٤].
٢٠٦ - أكفّ يدي عن أن ينال التماسها ... أكفّ صحابي حين حاجاتنا معا
البيت لحاتم الطائي. وقوله: أكّف يدي: أي: أقبضها إذا جلسنا على الطعام إيثارا للضيوف، وخوفا أن يفنى الزاد. وأكف الثانية: جمع كف، مفعول ينال.
وقوله: حين حاجاتنا معا: «معا»، حال سدّت مسدّ خبر المبتدأ الذي هو المصدر، كقولك: قيامك ضاحكا، وشربك السويق ملتوتا. وقال التبريزي: حاجاتنا معا، أي: كلنا جائع، فحاجته إلى الطعام كحاجة صاحبه، ومعا: نصب على الحال، سدّ مسدّ الخبر؛ لأن المصادر إذا ابتدئ بها، وقعت الأحوال خبرا عنها. [شرح أبيات المغني ج ٥/ ٣٥١، والهمع/ ١/ ٢١٨].
٢٠٧ - إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها ... رفعن وأنزلن الحديث المقطّعا
البيت بلا نسبة في الهمع ج ١/ ٥٣، وأنشده السيوطي شاهدا لتقدير الفتحة على الواو في قوله «أن تلهو» قال: وهو ضرورة أو شاذ؛ لأن الفتحة تظهر على الواو والياء؛ لخفتها.
٢٠٨ - فإن يك غثّا أو سمينا فإننّي ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعا
البيت لمالك بن خريم الهمداني، يقول: إذا طرقني ضيف وذبحت له، ذهبت بالشاة؛ لتطبخ له على عينيه؛ لئلا يقول: أكلوا أطايب الشاة، وأتي بالرديء، فإذا رآه، فقد جعلت عينيه لنفسه مقنعا.
والشاهد: «لنفسه»، أراد لنفسهي، فلما لم يقم البيت، حذف الياء الناتجة عن مد الهاء. [كتاب سيبويه ج ١/ ١٠، وشرح أبيات سيبويه ص ٧، والإنصاف ص ٥١٧].
٢٠٩ - وزادني كلفا بالحبّ ما منعت ... وحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
البيت منسوب للأحوص الأنصاري في ديوانه، ومجنون ليلى في ديوانه، وأنشد السيوطي البيت في الهمع ج ٢/ ٦٦، شاهدا لحذف همزة التفضيل من «حبّ»، وأصله «أحبّ». وفي اللسان مادة «حبب» جاء البيت على صورة:
стр. 670
وزاده كلفا في الحبّ أن منعت ... وحبّ شيئا إلى الإنسان ما منعا
فقوله «حبّ» بفتح الباء، قال الأصمعي: حبّ بفلان، أي: ما أحبّه إليّ، وقال الفرّاء:
معناه حبب بفلان، بضم الباء، ثم أسكنت وأدغمت في الثانية، وأنشد الفراء (البيت) قال: وموضع «ما» رفع، أراد حبب فأدغم.
٢١٠ - إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنما ... يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفعا
رواية أخرى للبيت كما جاء في قافية العين المرفوعة (وينفع)، ومضى الكلام فيه.
٢١١ - ثلاث مئين قد مررن كواملا ... وها أنا هذا أشتهي مرّ أربع
قاله ابن حممه الدوسي، من المعمرين، وهو في شرح المفصّل ج ٦/ ٢٣.
والشاهد: «ثلاث مئين»، فقد جاءت على القياس، في أن تمييز الأعداد من ٣ - ١٠ يكون جمعا، ولكن المستعمل في التمييز إذا كان من لفظ المائة، أن يأتي مفردا، فتقول: «ثلاث مائة». قال ابن يعيش: وهذا وإن كان القياس، إلا أنه شاذ في الاستعمال، وقد يجوز قطعه عن الإضافه وتنوينه، ويجوز حينئذ في التفسير وجهان: أحدهما: الاتباع على البدل نحو:
«ثلاثة أبواب»، والنصب على التمييز نحو: «ثلاثة أبوابا»، وهو من قبيل ضرورة الشعر.
٢١٢ - حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
هو لحميد الأمجي، أو مالك بن حريم، أو مالك بن عمرو.
والشاهد: «حميد» حيث حذف منه التنوين، بدون علة مانعة من التنوين. [الخزانة ج ١١/ ٣٧٦، ومعجم البلدان «أمج»
واللسان «أمج»].
٢١٣ - وقد كنت في الحرب ذا تدراء ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
قاله العباس بن مرداس الصحابي. وذا تدراء، أي: صاحب عدّة وقوة على دفع الأعداء.
والشاهد: في «شيئا»، إذ أصله شيئا طائلا، فحذف الصفة، ولولا هذا التقدير، لتناقض مع قوله: «ولم أمنع».
٢١٤ - وما انتميت إلى خور ولا كشف ... ولا لئام غداة الرّوع أوزاع
стр. 671
بل ضاربين حبيك البيض إن لحقوا ... شمّ العرانين عند الموت لذّاع
البيتان لضرار بن الخطاب، وهما في [العيني ج ٤/ ١٥٧، والهمع ج ٢/ ١٣٦، ١٧٥]، وأنشدهما السيوطي في باب العطف بالحرف «بل»، وفي باب جمع التكسير.
٢١٥ - ومعرّص تغلي المراجل تحته ... عجلت طبيخته لقوم جيّع
قاله الحادرة، واسمه قطبة. ومعرّص: اللحم في العرصة للجفوف، ويروى:
ومغرّض: وهو اللحم الطري، ويروى: ومجيّش، من جاشت القدر، إذا غلت.
والمراجل جمع مرجل، وهو القدر من النحاس.
والشاهد: «جيّع»، فإن أصله «جوّع»، لأنه من الأجوف الواوي، فأبدلت الياء من الواو، وهو جمع جائع. [الأشموني ج ٤/ ٣٣٨، وعليه حاشية الصبان، والعيني].
٢١٦ - على جرداء يقطع أبهراها ... حزام السّرج في خيل سراع
البيت بلا نسبة في الهمع، وأنشده السيوطي في باب المثنى في عقب كلامه على «كلا، وكلتا»، وقال: قال ابن مالك: وندر هذا الاستعمال، أي: الإعراب كالمثنى في متمحض الإفراد، كقوله: (البيت) قال: ثنى الأبهر، وهو عرق مجازا، ولكن يفهم من كلام لسان العرب، أن الأبهر يثنى، مادة «بهر». [الهمع - ج ١/ ٤١].
٢١٧ - كرام حين تنكفت الأفاعي ... إلى أجحارهنّ من الصقيع
البيت غير منسوب. وتنكفت: ترجع إلى أجحارها، أي: هم كرام حين الشتاء والجدب، والبيت شاهد على جمع جحر على أجحار، جمع قلة. [سيبويه/ ٣/ ٥٧٧، هارون].
٢١٨ - وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلّي دلّ ماجدة صناع
البيت لرجل من نهشل من أهل الجاهلية، وقبل البيت:
ألا يا أمّ فارع لا تلومي ... على شيء رفعت به سماعي
وقوله: دلّي: بفتح الدال، من دلّت تدلّ، والدّلّ: قريب المعنى من الهدي، وهما من السكينة والوقار في الهيئة، والمنظر، والشمائل، وغير ذلك. والصّناع: الماهرة الحاذقة
стр. 672
بعمل اليدين، وقوله في سابقه: سماعي، أي: ذكري وحسن الثناء عليّ.
والشاهد: «كوني ... ذكريني»، على أنه جاء خبر كان جملة طلبية، والمعنى: كوني مذكرة بالمكارم. وعدوه من الشاذ؛ لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب كان. وقد أوّلوه تأويلات منها: تقديره: كوني ممن أقول له: ذكريني، إذا سهوت، فجرى هذا على الحكاية، وقال آخر: يجوز أن يكون الخبر محذوفا، و «ذكريني» أمرا مستأنفا، أي: كوني بالمكارم مذكّرة، ذكريني.
قال أبو أحمد: وإذا صحت نسبة الشعر إلى جاهلي، فإنه لم يخرج عن حدّ الكلام العربي المستعمل، وربما لم يصل إلى النحويين شيء كثير منه، فعدّوه من الشواذ، أو الضرورات، وفي كلام أهل البادية اليوم، ممن لم يختلطوا بالحاضرة كثير من هذا التركيب، فهم يقولون لمن جاء بخبر لا يسرّ: «كنت بشرني بشيء يسرّ»، وقد يجعلون الماضي محل الأمر «كنت بشرتني ...». [الخزانة ج ٩/ ٦٦، والهمع ج ١/ ١١٣، والمغني وشرح أبياته ج ٧/ ٢٢٧، وشرح الحماسة للمرزوقي ج ٢/ ٦٥٧]، وفيه شاهد آخر على وقوع الأمر موضع الخبر.
٢١٩ - سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها ... فنيطت عرى الآمال بالزّرع والضّرع
البيت بلا نسبة. والشاهد: (سهل وحزنها)، حيث حذف منه المضاف إليه، إذ أصله سهلها، بالنصب، بدل من الأرضين، بدل بعض من كلّ، وشرط ابن مالك للحذف فقال:
بشرط عطف وإضافة إلى ... مثل الذي له أضفت الأولا
[الأشموني ج ٢/ ٢٧٤، وعليه حاشيتا الصبّان والعيني].
٢٢٠ - بالله ربك إلّا قلت صادقة ... هل في لقائك للمشغوف من طمع
البيت بلا نسبة في الهمع ج ٢/ ٤٢، وأنشده السيوطي شاهدا لتصدر جواب القسم ب «إلا».
٢٢١ - ليس ينفكّ ذا غنى واعتزاز ... كلّ ذي عفّة مقلّ قنوع
البيت بلا نسبة في [الأشموني ج ١/ ٢٢٧، والهمع ج ١/ ١١١] ومعناه: لم يزل كل ذي عفاف، وإقلال، وقناعة، غنيا وعزيزا.
стр. 673
وقوله: ليس: أهمل هنا ولم يعمل، ويجوز أن تعمل؛ بأن يضمر فيها ضمير الشأن، ويكون اسمه، وما بعده خبره.
وينفكّ: من الأفعال الناقصة، وفيه الشاهد حيث أعمل عمل كان؛ لتقدم النفي عليها، و «كلّ ذي عفة» اسمه، و «ذا غنى» خبره مقدما.
وقوله: مقلّ قنوع، مجروران على الوصفية، وضبطهما أبو حيان برفع «قنوع» على الابتداء، و «مقلّ» مقدما خبره.
٢٢٢ - لقد آليت أغدر في جداع ... ولو منّيت أمّات الرّباع
لأنّ الغدر في الأقوام عار ... وإن الحرّ يجزأ بالكراع
البيتان لأبي حنبل جارية بن مرّ، مجير الجراد من أهل الجاهلية. وزعم بعضهم أنها لامريء القيس، وليس بصحيح؛ لأنّ شعر امريء القيس الذي وصلنا، يصور امرأ القيس رجلا خبيث النفس، وليس من شيمته أن يقول في معنى البيتين، ولو كانت عنده ذرة وفاء، ما استعان بالروم لقتل قومه.
وقوله: آليت أغدر، حذف حرف النفي، والتقدير: «لا أغدر». والرّباع: جمع ربع، وهو ما ولد من الإبل في الربيع. والأمّات: جمع أم من البهائم. والجداع: السنة الشديدة. ويجزأ: يقنع ويكتفي. والكراع: من الدواب ما دون الكعب، والجمع أكارع والعامة اليوم تقول «الكوارع»، وفي بعض أقاليم العرب يقولون «مقادم» جمع قدم، وهي أكلة لذيذة، يثرد في مرقها، ويوضع عليه اللبن والثوم، وقد يجمع معها عادة المعدة، معدة الغنم بخاصة بعد تقطيعها أوصالا وحشوها بالأرز. [شرح المفصل ج ٤/ ٦٠، اللسان «جزأ»، والشعر والشعراء، ترجمة امرئ القيس].
والشاهد: «جداع»، مبني على الكسر.
٢٢٣ - ألكني إلى سلمى بآية أومأت ... بكفّ خضيب تحت كفّة مدرع
البيت بلا نسبة في الهمع ج ٢/ ٥١.
وقوله: ألكني: أرسلني، والآية: العلامة، وفيها الشاهد حيث أضيف لفظ آية إلى الفعل، تشبيها لها بالظرف، وقيل: هو على حذف «ما المصدرية»، والإضافة إلى المصدر
стр. 674
المؤول. وكفّه القميص: ما استدار حول الذيل. والمدرع: الثوب.
٢٢٤ - فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
البيت لقطري بن الفجاءة، والخطاب لنفسه.
والشاهد: «فصبرا»، و «صبرا» حيث حذف منه فعله وهو الطلب، أي: اصبري يا نفس صبرا؛ وذلك لأنه وقع مكررا على ما زعم ابن عصفور؛ لأنه شرط في وجوب الحذف التكرار، وأطلقه ابن مالك، إذا وقع في الطلب، أمرا أو نهيا؛ و «الفاء» جواب الشرط؛ لأن التقدير: إذا لم تطاعي يا نفس في سؤالك بقاء يوم على الأجل المقدر، فاصبري في مجال الموت، و «صبرا» تأكيد للأول. [الأشموني ج ٢/ ١١٧].
٢٢٥ - دهم الشتاء ولست أملك عدّة ... والصبر في الشّتوات غير مطيعي
البيت بلا نسبة في الهمع ج ١/ ٢٤٦، وأنشده السيوطي شاهدا على إنفراد الواو رابطا في جملة الحال المصدرة ب «ليس»، والأكثر اجتماع الواو والضمير كقوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ [البقرة: ٢٦٧].
٢٢٦ - بكاللّقوة الشّغواء جلت فلم أكن ... لأولع إلا بالكميّ المقنّع
البيت غير منسوب. واللقوة: العقاب، وهو يصف فرسا، أي: بفرس كاللقوة.
والشغواء: المعوجة المنقار.
وقوله: لأولع: منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود. والمقنّع: الفارس المغطى رأسه بالبيضة.
والشاهد: «بكاللّقوة»، حيث جاءت الكاف فيه اسما؛ لأنه مجرور بالباء، وحروف الجرّ لا تدخل على بعضها البعض. [الأشموني ج ٢/ ٢٢٥، والهمع ج ٢/ ٣١].
٢٢٧ - أتبيت ريّان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع
البيت للشريف الرضي، في ديوانه، وقال أبو حيّان: ولا أدري أهو مسموع، أم مصنوع.
والشاهد: «أتبيت ... وأبيت» بنصب الفعل المضارع بعد واو المعية المسبوقة باستفهام، وهو قوله أتبيت؟ وشبه الكرى (النوم) بالماء، في أن بكلّ راحة النفس، واستعاره له
стр. 675
بالكناية. و «الباء» في قوله: (بليلة)، بمعنى (في). وليلة الملسوع، كناية عن السهر.
[الأشموني ج ٣/ ٣٠٧، والهمع ج ٢/ ١٣].
٢٢٨ - وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له فأكويه وقاع
البيت للشاعر عوف بن الأحوص، ونسبه الأزهري - كما في اللسان - لقيس بن زهير.
والشاهد: في البيت «وقاع»، مبني على الكسر، استعمله علما على تلك الكيّة المخصوصة. [شرح المفصل ج ٤/ ٦٢].
٢٢٩ - قوّال معروف وفعّاله ... عقّار مثنى أمّهات الرّباع
البيت من قصيدة في المفضليات برقم ٩٢، للسّفّاح بن بكير اليربوعي، قالها يرثي يحيى بن شدّاد، وقيل: هي لرجل
من بني قربع، يرثي يحيى بن ميسرة، صاحب مصعب ابن الزبير، وكان وفى له، حتى قتل معه. وأولها:
صل على يحيى وأشياعه ... ربّ غفور وشفيع مطاع
وهي قصيدة باردة، لا حياة فيها، لا يحسن نظمها في عقد المفضليات. والربّاع:
بالكسر، جمع ربع، بضمّ ففتح، وهو ما ينتج في أول نتاج الإبل، وخصّ أمهات الرباع؛ لأنها عزيزة.
والشاهد: استعمال «أمّات» بالهاء، جمعا لأمّ في غير الأناسي، والأكثر بدون هاء في البهائم، ولكن الشطر يروى أيضا:
«عقّار أمّات الرّباع الرتاع». [شرح المفصل ج ١٠/ ٤، والخزانة ج ٦/ ٩٧، والمفضليات].
٢٣٠ - ويحيّيني إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمي رتع
البيت للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكريّ، من قصيدته الرقيقة المطلع، حيث يقول:
بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها ما اتّسع
حرّة تجلو شتيتا واضحا ... كشعاع الشمس في الغيم سطع
وما أجمل قوله، يصف رابعة:
تمنح المرآة وجها واضحا ... مثل قرن الشمس في الصّحو ارتفع
стр. 676
أرأيت؟ المرآة، مفعول به، فهي التي تمنح المرأة الوجه الجميل، والقصيدة في المفضليات برقم (٤٠)، والبيت الشاهد في مجموعة أبيات من القصيدة، يصور فيها صورة رائعة للعداوة القاتلة، يكنها له صاحبه المنافق، وكيف يكبته ويقمعه، يبدأ بالبيت الشاهد:
ربّ من أنضجت غيظا قلبه ... قد تمنى لي موتا لم يطع
٢٣١ - ارحم أصيبيتي الذين كأنّهم ... حجلى تدرّج في الشّربّة وقّع
البيت لعبد الله بن الحجاج الثّعلبي، من قطعة يخاطب بها عبد الملك بن مروان، ويعتذر إليه من صحبته لعبد الله بن الزبير، وكان قد خرج معه، شبه صبيتهم - لضعفهم عن الكسب - بحجل يتدرج من أماكنه ولا يطير؛ لعجزه عن الطيران. والشرّبّة: موضع.
والشاهد: «حجلى» جمع الحجلة، وهو طائر معروف، وفيه «أصيبية» تصغير «أصبية»، وقياس فعل أن يجمع على أفعله، مثل رغيف وأرغفة، لأنهم قالوا في جمع «صبيّ»:
«صبية» فلما صغّر ردّ إلى أصله فصغره على «أصبية» ومثله غلام وغلمة، يصغر «أغيلمة»، وجمع القلة من
جموع التكسير، يصغّر لفظه، ولا يرد إلى مفرده. [شرح المفصل ج ٥/ ٢١، و ١٣٤، واللسان «حجل»].
ورووا أن الشاعر لما قال لعبد الملك، بعد البيت السابق:
أدنو لترحمني وتقبل توبتي ... وأراك تدفعني، فأين المدفع
قال عبد الملك: إلى النار. قال أبو أحمد: إن صحت الرواية: فقد أخطأ فيما قال عبد الملك. إن كان يريد نار الآخرة، فهذه لا يملكها، كما لا يملك لنفسه الجنة. وإن كان يريد نار الدنيا، والعذاب الذي يلاقيه منه، فهو مخطئ، فلو أنّ سلاطين العرب قتلوا كلّ من خالفهم في الفتنة، لفنى العرب. والمعروف أن الفتن التي تمت في تاريخ العرب، لم ينتصر فيها من كان على حقّ كامل، وإنما انتصر فيها من انتصر، إما لضعف خصمه العسكري، وإما لأن ناسا من أهل الحكمة رأوا حقن دماء المسلمين، فلا يغترنّ سلطان بسلطانه، وليكن واسع الصدر مع من ولّاه الله عليهم، ولينظر بعين للآخرة التي لا يستطيع فيها أن يكذب على ربّه، ولينظر بعين أخرى إلى التاريخ الذي سيكتب عنه، وهو الذّكر الذي يخلد به في الدنيا، وليعلم أنّ الذين يذكرون محامده في حياته خوفا، لن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك بعد موته.
стр. 677
حرف الغين المعجمة
١ - أخاك الذي إن تدعه لملّمة ... يجبك كما تبغي ويكفك من يبغي
وإن تجفه يوما فليس مكافئا ... فيطمع ذو التزوير والوشي أن يصغي
لم ينسبهما أحد.
والشاهد: أخاك، حيث يجوز أن يكون منصوبا، وأن يكون نصبه على الاغراء، من غير أن يكون مكررا. [شذور الذهب].
٢ - ولكن ببدر سائلوا عن بلائنا ... على النّاد والأنباء بالغيب تبلغ
لكعب بن مالك الأنصاري. وبدر: أراد به، موقع غزوة بدر.
والنّاد: وهو هنا: القوم، وأصله المكان الذي يجتمعون فيه.
والشاهد: (الناد)، فإنه يريد (على النادي)، فحذف الياء مجتزئا بالكسرة قبلها.
[الإنصاف/ ٣٨٩].
стр. 678
حرف الفاء
١ - فما بالنا أمس أسد العرين ... وما بالنا اليوم شاء النّجف
هذا البيت، أحد أربعة أبيات منسوبة إلى أحد أصحاب علي بن أبي طالب، يوم صفّين، وذكروا حولها قصة ليس فيها سند، وإنما هي من اختراعات المؤرّخين والأدباء، والبيت لا يصحّ الاستشهاد به في النحو؛ لأنه مجهول القائل، وربما كان ناظمه من أهل العصر العباسي. وقد ذكروا البيت على أنّ «أسد العرين»، و «شاء النجف»، حالان إما على تقدير «مثل»، وإما على تأويلهما بوصف، أي: شجعانا وضعافا، والعامل في الحال لفظ «البال»؛ لكونه بمعنى الفعل، ومجيء الحال بعد «ما بال» أكثري، وقد يأتي التركيب بدون الحال، كقوله تعالى: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [طه: ٥١]. وقد وردت الحال بعد «ما بال» على وجوه:
منها: مفردة: كالبيت الشاهد، وقول الشاعر: «ما بال النجوم معلقات». ومنها:
ماضية مقرونة ب «قد»، كقول العامري:
ما بال قلبك يا مجنون قد هلعا ...
ومنها: ماضية مقرونة ب «قد» و «الواو»، كقول الشاعر:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
ويأتي بدون «قد»، كقول الشاعر:
فما بال قلبي هدّه الشوق والهوى ... وهذا قميصي من جوى الحزن باليا
وتأتي مضارعية مثبتة، كقول أبي العتاهية:
ما بال دينك ترضى أن تدنّسه ... وثوب دنياك مغسول من الدنس
стр. 679
وتأتي منفية كقوله:
وقائلة ما باله لا يزورها ...
ومنها: اسمية غير مقترنة ب «واو»، كقول ذي الرّمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب ...
[الخزانة/ ٣/ ٢٠١].
٢ - وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلّف
البيت للفرزدق. والمسحت: الذي لم يبق منه بقية. والمجلّف: الذي ذهب معظمه، وبقي منه شيء يسير.
قال الزمخشري: هذا البيت ما تزال الرّكب تصطكّ في تسوية إعرابه.
وقال ابن قتيبه: رفع الفرزدق آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا منه بشيء يرتضى.
وأحسن ما قرأت في توجيهه، أن رواية البيت:
وعضّ زمان يا ابن مروان ما به ... من المال إلا مسحت أو مجلّف
انظر [الخزانة/ ٥/ ١٤٤].
٣ - أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشؤون وكيف
البيت للحطيئة من قصيدة يمدح بها سعيد بن العاص الأموي. والرسم هنا: مصدر رسم المطر الدار، أي: صيرها رسما بأن عفّاها، ولا يراد بالرسم ما شخص من آثار الدار.
والبيت شاهد على أن «رسم دار» مصدر مضاف إلى مفعوله، ومربع: فاعله.
[الخزانة/ ٨/ ١٢١، وشرح المفصل/ ٦/ ٦٢، وديوان الحطيئة].
٤ - كفى بالنأي من أسماء كافي ... وليس لنأيها إذ طال شافي
هذا مطلع قصيدة لبشر بن أبي خازم.
стр. 680
وهو شاهد على أنّ الوقف على المنصوب بالسكون لغة، فإنّ «كافيا» مفعول مطلق، وهو مصدر مؤكّد لقوله: «كفى»، وكان القياس أن يقول: كافيا، لكن حذف تنوينه، ووقف عليه بالسكون، والمنصوب حقّه أن يبدل تنوينه ألفا، وكاف: من المصادر التي جاءت على وزن اسم الفاعل. [الخزانة/ ٤/ ٤٣٩، والخصائص/ ٢/ ٢٦٨، وشرح المفصل/ ٦/ ٥١، والأشموني/ ٢/ ٣١٠، والمرزوقي/ ٢٩٤، ٩٧٠].
٥ - إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف
أنشده الأنباري في «الإنصاف». جرى: أسرع. وخالف: مفعوله محذوف للعلم به، والتقدير: خالف زاجره. وجملة: والسفيه إلى خلاف للتذييل، بمعنى أنها استئنافية، والمعنى: ومن شأن السفيه وطبعه مخالفة ناصحه.
والشاهد: «جرى إليه»، فإن مرجع الضمير في «إليه»، لم يتقدم صريحا في الكلام، ولكن تقدم الوصف الدال عليه،
وهو قوله: «السفيه»، فهذه الكلمة دالة على الذات والحدث الذي تتصف به، وهو السّفه، فاكتفى الشاعر بتقدم المرجع في ضمن الوصف.
ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧]، أي: يرض الشكر لكم، ولم يتقدم ذكر الشكر صراحة. [الإنصاف/ ١٤٠، والهمع/ ١/ ٦٥].
وتقدير الكلام في البيت الشاهد: جرى هو، أي: السفه المفهوم من لفظ السفيه، فحذف مفسّر الضمير للعلم به.
٦ - فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنّف
قاله أبو الأخزر الحمّانيّ. قال ابن منظور: إنه يصف ناقتين طأطأتا رأسيها من الإعياء، فشبّه رأس الناقة في تطأطئها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وقوله: أسجد رأسها: لغة في سجد رأسها، تقول: أسجد الرجل، إذا طأطأ رأسه وانحنى. والنصرانة:
واحدة النصارى، والمذكر عند الخليل، نصران، ولكن المستعمل نصرانيّ، ونصرانية.
وقوله: لم تحنّف، أي: لم تختتن، وتأتي تحنف بمعنى: اعتزل الأصنام.
والشاهد: «كلتاهما خرّت»، حيث أعاد الضمير على «كلتا» مفردا في قوله: «خرّت».
[سيبويه/ ٢/ ٢٩، والإنصاف/ ٤٤٥، واللسان/ نصر].
٧ - تعلّق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف
стр. 681
قاله مسكين الدارمي. والسواري: جمع سارية، وهي العمود. شبه أنفسهم بالسواري لطول أجسامهم، والطول مما تتمدح به العرب. والغوط: بضم الغين، جمع غائط، وهو المطمئن من الأرض. ونفانف: جمع نفنف بوزن جعفر، وهو الهواء بين الشيئين، وكل شيء بينه وبين الأرض مهوى فهو نفنف، وهذا يشبه قولهم في وصف رقبة المرأة بالطول: «بعيدة مهوى القرط».
والشاهد: ف «ما بينها والكعب»، حيث عطف الكعب ب «الواو» على الضمير المتصل المخفوض بإضافة الظرف، وهو قوله: «بين» إليه، من غير أن يعيد العامل في المعطوف عليه مع المعطوف، ومثله قول الشاعر:
بنا أبدا لا غيرنا تدرك المنى ... وتكشف غمّاء الخطوب الفوادح
عطف «غيرنا» ب «لا» على الضمير المجرور من غير أن يعيد العامل.
[الإنصاف/ ٤٦٥، وشرح المفصل/ ٣/ ٧٩، والأشموني/ ٣/ ١١٥].
٨ - ومن قبل نادى كلّ مولى قرابة ... فما عطفت مولى عليه العواطف
غير منسوب. يصف الشاعر شدة من الشدائد، أذهلت كل واحد عن أقربائه وذوي نصرته.
والشاهد: «من قبل»، فإن الرواية بجر «قبل» بدون تنوين؛ وذلك لأنه حذف المضاف إليه ونوى لفظه، وأصل الكلام: ومن قبل ذلك، حدث كيت وكيت، واسم الإشارة هو المضاف إليه الذي حذفه من الكلام، مع أنه يقصده. وقرئ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم: ٤] بالخفض دون تنوين، على نية وجود المضاف إليه. [العيني/ ٣/ ٤٤٣، والهمع/ ١/ ٢١٠، والأشموني/ ٢/ ٢٦٩].
٩ - ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف
لميسون بنت بحدل، زوج معاوية بن أبي سفيان، وكانت بدوية، فحنت إلى مرابع أهلها، وفضّلتها على سكنى القصور والملابس الناعمة.
والشاهد: «وتقرّ»، حيث نصب المضارع ب «أن» مضمرة بعد واو عاطفة على اسم خالص من التقدير بالفعل، وهو «لبس»، وهذا الإضمار جائز، وسبب النصب ب «أن»؛
стр. 682
لئلا يصار إلى عطف فعل على اسم. [سيبويه/ ١/ ٤٢٦، والمفصل/ ٧/ ٢٥، والشذور/ وشرح المغني/ ٥/ ٦٤].
١٠ - بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم الخزف
لم أعرف قائله. والصريف: الفضة. والخزف: الفخار.
والشاهد: «ما إن أنتم ذهب»، حيث أهمل «ما» النافية فلم يعملها، بسبب وجود (إن) الزائدة بعدها، وهناك رواية بنصب «ذهبا» على إعمال «ما»، وتقدر «إن» نافية مؤكدة.
[الخزانة/ ٤/ ١١٩].
١١ - تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدّراهيم تنقاد الصياريف
قاله الفرزدق يصف ناقته. وتنفي: تدفع. والدراهيم: الدراهم، أشبع الكسرة، وقيل:
مفرده درهام، كقرطاس. والصياريف: جمع صيرفيّ. وتنقاد: من نقد الدراهم، وهو التمييز فيها.
والشاهد: «نفي الدراهيم تنقاد»، حيث أضاف المصدر، وهو «نفي» إلى مفعوله «الدراهيم»، ثم أتى بالفاعل مرفوعا «تنقاد»، وأصل الكلام:
«نفي الصياريف الدراهيم تنقدها». [الخزانة/ ٤/ ٤٢٦].
١٢ - وقالوا: تعرّفها المنازل من منى ... وما كلّ من وافى منى أنا عارف
هذا البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي. تعرفها: اسأل الناس عنها.
تعرفها: فعل أمر، المنازل: منصوب على نزع الخافض، والأصل: تعرفها بالمنازل.
والشاهد: «ما كل من وافى منى أنا عارف»، بنصب «كلّ» مفعول به لاسم الفاعل «عارف»، وتكون «ما» مهملة؛ لتقدم معمول خبرها «عارف»، وهو «كلّ». ويجوز رفع «كلّ» اسم «ما» الحجازية، وجملة «أنا عارف» خبرها.
والرابط ضمير محذوف (عارفه)، وجاز إعرابها مبتدأ، وتكون «ما» ملغاة. [سيبويه/ ٣، والشذور، وشرح المغني/ ٨/ ١٠٩، والأشموني/ ١/ ٢٤٩].
١٣ - نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
стр. 683
لقيس بن الخطيم، أحد فحول الجاهلية من قصيدة أولها.
ردّ الخليط الجمال فانصرفوا ... ماذا عليهم لو أنهم وقفوا
والشاهد: «نحن بما عندنا»، حيث حذف الخبر، قصدا للاختصار مع ضيق المقام، والذي جعل حذفه سائغا، دلالة خبر المبتدأ الثاني عليه. والتقدير: «نحن راضون».
والحذف من الأول لدلالة الثاني عليه شاذ، والأصل الغالب هو الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. [سيبويه/ ١/ ٣٨، والإنصاف/ ٩٥، وشرح المغني ٧/ ٢٩٩].
١٤ - من نثقفن منهم فليس بآيب ... أبدا وقتل بني قتيبة شافي
قالته بنت مرة بن عاهان، من قطعة ترثي أباها بها.
والشاهد: «نثقفن»: حيث أكّد الفعل المضارع الواقع بعد أداة الشرط، من غير أن تتقدم على المضارع (ما) الزائدة المؤكدة ل «إن» الشرطية، وهو ضرورة شعرية.
[سيبويه/ ٢/ ١٥٢، والخزانة/ ١١/ ٣٩٩].
١٥ - أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخطّ مختلف
تكتّبان في الطريق لام الف
هذا رجز لأبي النجم العجلي، يصف خروجه من عند صديق له يسمى زيادا، وقد سقاه خمرا. وقال ابن جني: إنما أراد كأنهما تخطان حروف المعجم، لا يريد بعضها دون بعض، أو أنه أراد بقوله: «لام ألف»، شكل «لا»، ولا يريد حرف الألف، لأنه من الخطأ تسمية حرف الألف اللينة التي قبل الياء ب (لام ألف)، وصواب النطق به (لا)، وإنما لا يصح أن تفرد الألف اللينة من اللام كسائر الحروف؛ لأنها لا تكون إلا ساكنة تابعة للفتحة، والساكن لا يمكن
ابتداؤه، فدعمت باللام؛ ليقع الابتداء، وذلك من باب التقارض؛ لأنّهم لما احتاجوا إلى النطق بلام التعريف الساكنة، أتوا قبلها بالهمزة فقالوا:
الغلام، وعند ما احتاجوا إلى نطق الألف، اقترضوا اللام.
واستشهد سيبويه بالرجز على أنّ الشاعر ألقى حركة ألف، على ميم لام. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٦/ ١٥١، والخصائص/ ٣/ ٢٩٧، والهمع/ ٢/ ٦٩].
١٦ - كأنّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا
стр. 684
البيت للشاعر محمد بن ذؤيب العماني، من مخضرمي الدولتين، عاش مائة وثلاثين سنة، قالوا: ولم يكن الشاعر من أهل عمان، وإنما نظر إليه أحدهم فقال: من هذا العماني؟ وذلك أنه كان مصفرا مطحولا، وكذلك كان أهل عمان في قديم الزمان، والعهدة على الرواة، فلا يغضب أهل عمان، قال الشاعر:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع
وكانوا يعدون «عمان» من البحرين، فيقولون: بلد على شاطئ البحرين بين البصرة وعدن.
والبيت في وصف فرس، وقوله: تشوفا: تشوّف: تطلع، والمراد نصب الأذن للاستماع، وفي الفعل خروج على القاعدة، وكان من حقه أن يقول: تشوفتا؛ لأن الضمير للأذنين، والأذن مؤنثة مجازية، فكان حق الفعل التأنيث؛ لإسناده إلى ضمير، المؤنث سواء أكان حقيقيا أم مجازيا.
والقادمة: إحدى قوادم الطير، وهي قادمة ريشه. والقلم: آلة الكتابة.
والمحرّف: المقطوط لا على جهة الاستواء.
وذكر ابن هشام (في المغني) البيت على أنّ «كأنّ» قد نصب بعدها الاسم والخبر.
وقال المبرّد في (الكامل): أنشد العماني الرشيد في صفة الفرس «كأنّ أذنيه ..» الخ، فعلم القوم كلهم أنه قد لحن، ولم يهتد أحد منهم لإصلاح البيت إلا الرشيد، فإنه قال له: قل: «تخال أذنيه». والوزن صحيح على الرجز. [الخصائص/ ٢/ ٤٣٠، والهمع/ ١/ ١٣٤، والأشموني/ ١/ ٢٧٠، وشرح أبيات مغني اللبيب، ج/ ٤/ ١٧٧].
١٧ - أخالد قد والله أوطئت عشوة ... [وما قائل المعروف فينا يعنّف]
هذا البيت ملفّق من بيتين لشاعرين، أما الشطر الأول، فهو لأخي يزيد بن بلال البجلي. والثاني للفرزدق. وحقّ الشطر الأول أن يكون في حرف القاف؛ لأن روايته هكذا:
أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المسكين فينا بسارق
وأما بيت الفرزدق فهو:
وما حلّ من جهل حبا حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنّف
стр. 685
وقصة البيت الأول: أن خالدا القسري (والي العراق)، أخذت شرطته يزيد بن بلان بتهمة السرقة، فقطع يده، وما كان سارقا، وإنما وجد في دار قوم؛ للالتقاء بصاحبته، فادّعي عليه السرقة، وأقرّ بها، خوفا من الفضيحة، فقال أخوه أبياتا منها البيت المذكور.
ومعنى «أوطئت عشوة» عشوة: بكسر العين، الظلمة، ومعنى التركيب أخبرت بباطل.
والبيت شاهد: على أنه فصل بين «قد» والفعل، بجملة القسم، و «قد» مع الفعل كالجزء لا يفصل عنها إلا بالقسم. [سيبويه/ ٢/ ٢٦٠، والهمع/ ١/ ٢٤٨، والخصائص/ ٢/ ٤٤٨، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ٨٦].
١٨ - قد يكسب المال الهدان الجافي ... بغير لا عصف ولا اصطراف
رجز قاله العجّاج، وينسب أيضا إلى ابنه رؤبة. والهدان: بكسر الهاء، الأحمق، الثقيل في الحرب. والجافي: الغليظ. والعصف، والاعتصاف: الطلب والحيلة.
والاصطراف: بمعنى العصف. وهذا البيت من شواهد الكوفيين على أنّ الكلمتين إذا كان معناهما واحدا جاز أن نؤكد إحداهما بالأخرى، كما أكّد الراجز «غير» ب «لا». وبالتالي فإنهم يرون أن «أن» المصدرية، إذا وقعت بعد «كي» المصدرية، تكون «أن» توكيدا لكي؛ لأنهما بمعنى واحد، مثل البيت:
أردت لكيما أن تطير ... ... بلقع (انظره في حرف العين)
[الخصائص/ ٢/ ٢٨٣، والإنصاف/ ٥٨١، واللسان (صرف) وعصف].
١٩ - عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف
هذا البيت لمطرود بن كعب الخزاعي، من كلمة يمدح فيها هاشم بن عبد مناف، ورواه ابن دريد في الاشتقاق. وكان هاشم يسمّى عمرا، فسمّوه هاشما؛ لأنه كان يهشم الثريد لقومه، ويطعمهم في المجاعات.
والشاهد: «عمرو»، حيث حذف الشاعر التنوين؛ للتخلص من التقاء الساكنين، التنوين وسكون اللام في الذي وهي ضرورة شعرية. [الانصاف/ ٦٦٣، وشرح المفصل/ ٩/ ٣٦، والعيني/ ٤/ ١٤٠، واللسان «سنت والسيرة»].
٢٠ - فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
стр. 686
قالته حرقة بنت النعمان بن المنذر. وقولها: ليس ننصف، أي: نخدم.
والشاهد: «بينا» قيل: «الألف» فيها كافة عن الإضافة، أو هي بعض «ما» الكافة عن الإضافة، وقيل: هي للإشباع و «بين» مضافة إلى الجملة. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٧٣، والمرزوقي/ ١٢٠٣، والدرر/ ١/ ١٧٨، واللسان «نصف»].
٢١ - أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف
البيت قالته الفارعة بنت طريف، من قصيدة ترثي أخاها الوليد بن طريف، وكان قد خرج أيام الرشيد في الجزيرة الفراتية.
والخابور: نهر في الجزيرة. وقولها: مالك مورقا: توبيخ للشجر أنه أورق، وهذا من تجاهل العارف؛ لأنها تعلم أنّ الشجر لم يجزع على ابن طريف، ولكنها تجاهلت، فاستعملت لفظ «كأنّ» الدال على الشك، وبهذا يعلم أنه ليس بواجب في «كأنّ» أن تكون للتشبيه، وهذا ما ذكره القدماء في تفسيره، وبخاصة أهل البلاغة، وأقصد أهل علم البلاغة الذين يتناولون الكلام تناولا جامدا، يتعاملون مع ألفاظه ومصطلحات البلاغة بعيدا عن الروح الأدبية. والحق أنّ البيت من أجمل الشعر وأرقه، حيث امتزجت الشاعرة بالطبيعة من حولها، وأرادت أن يحزن الكون كله لحزنها، ويشاركها الشجر في ذلك؛ لأنّ خضرة الشجر والأرض عند العرب، عنوان الفرح والسعد، فكيف تسعد الأرض والناس حولها في حزن، بل في البيت من المعاني ما لا يدرك إلا بالشعور والترنم به.
ولم يذكروا البيت لشاهد نحوي. وانظر قصيدة البيت في [شرح أبيات مغني اللبيب ج ١/ ٢٧٧، والدرر/ ١/ ١١١، والأغاني/ ١٢/ ٥٨، والوحشيات/ ١٥٠].
٢٢ - أرى محرزا عاهدته ليوافقن ... فكان كمن أغريته بخلاف
مجهول. والشاهد: أن جملة «ليوافقن»، جواب ل «عاهدته» المنزل منزلة القسم، وجملة عاهدته: مفعول ثان لأرى. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٦/ ٢٤٠].
٢٣ - لقد زاد الحياة إليّ حبّا ... بناتي أنهنّ من الضّعاف
مخافة أن يرين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف
اختلفوا في نسبتها، فذكروا أربعة شعراء، ويظهر أن واحدا قالها، وتمثل بها الباقون.
стр. 687
والشاهد في البيت الثالث، وإنما ذكرت الثلاثة؛ لحسنها. وقوله: تنبو: تتباعد، والكرم: الأصالة والنسب الشريف. والعجاف: الهزيل. ووصف الكرم بالجمع؛ للمبالغة. وأراد بالعين: أعين الناس، يعني: فلا يرغب أحد في نكاحهن؛
لشدّة فقرهن، وإن كنّ أصيلات نسيبات. والبيت الأخير، أنشده ابن هشام شاهدا على أن «كسي» - بفتح الكاف وكسر السين - فعل لازم، أي: صرن ذات كسوة، وفي القاموس ما يخالف ذلك.
[شرح أبيات المغني/ ٧/ ١٣٨، واللسان «كرم»، والأغاني ترجمة عمران بن حطان].
٢٤ - يا ليت حظّي من نداك الضافي ... والفضل أن تتركني كفاف
من أرجوزة لرؤبة بن العجّاج، يعاتب بها أباه؛ لأنه أخذ منه قصيدة وأنشدها سليمان ابن عبد الملك، ولم يعطه نصيبه من المال.
والشاهد: «كفاف» فهو اسم فعل؛ لأنه جاء على بابه، وزن فعال، ومعناه: كفّ عني، وأكفّ عنك. [المغني/ ٨/ ٥٨].
٢٥ - فحالف فلا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل عارف
من شواهد سيبويه المجهولة القائل. والتلعة من الأضداد، يقول: حالف من تعتزّ بحلفه، وإلا عرفت الذل حيث توجهت من الأرض.
والشاهد: حذف «لا» بعد القسم؛ لعدم الإشكال؛ لأن الفعل الموجب بعد القسم؛ تلزمه اللام والنون، فترك اللام والنون، دليل على أن الفعل منفي. [سيبويه/ ١/ ٤٥٤].
٢٦ - فقالت: حنان ما أتى بك ها هنا ... أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف
قاله المنذر بن درهم الكلبي. والحنان: الرحمة. سألته عن علة مجيئه، أله قرابة بها، أم له معرفة بحيّها، قالت هذا حين فاجأها فأنكرته، أو تظاهرت بإنكاره.
والشاهد: رفع «حنان»، بتقدير مبتدأ، أي: أمرنا حنان، وهو نائب عن المصدر الواقع بدلا من الفعل. [سيبويه/ ١/ ١٦١، وشرح المفصل/ ٨/ ١١، والهمع/ ١/ ١٨٩، والخزانة/ ٢/ ١١٢].
٢٧ - بحيّلا يزجون كلّ مطيّة ... أمام المطايا سيرها المتقاذف
стр. 688
للنابغة الجعدي. حيهلا: اسم فعل، معناه الأمر بالعجلة، أي: لعجلتهم يزجون المطايا بقولهم: حيهل، مع أنها متقدمة في السير متقاذفة فيه، أي: مترامية.
والشاهد: «حيّهلا»، حيث تركه على لفظه محكيا. [سيبويه/ ٢/ ٥٢، وشرح المفصل/ ٤/ ٣٦، والخزانة/ ٦/ ٢٦٨].
٢٨ - وما سجنوني غير أنّي ابن غالب ... وأني من الأثرين غير الزّعانف
قاله الفرزدق: من قصيدة يمدح بها هشاما، ويذكر حبس خالد بن عبد الله القسري له، ويستعدي عليه هشاما،
وجعله سجنه غير معدود عنده سجنا؛ لأنه لم ينقصه، ولا حط من شرفه؛ لأنّ عزّه في انتسابه إلى أبيه غالب، لا يدانيه عزّ. والأثرين: الأكثر عددا.
والزعانف: الأدعياء، وأصلها أجنحة السمك.
والشاهد: نصب «غير»، على الاستثناء المنقطع. ويرى المبرد أنّه منصوب على المفعول له. والمقصود «غير» الأولى. [سيبويه/ ١/ ٣٦٧].
٢٩ - بينما المرء في فنون الأماني ... فإذا رائد المنون موافي
الشاهد: مجيء «إذا» الفجائية بعد «بينما».
٣٠ - تهدي كتائب خضرا ليس يعصمها ... إلا ابتدار إلى موت بأسياف
اختلفوا في «ليس»، حرف هي أم فعل، وقال بعضهم: تكون حرفا مثل «ما» النافية، إذا دخلت على الجملة الفعلية، كما في البيت.
٣١ - كأنّها يوم صدّت ما تكلّمنا ... ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف
الشاهد: «ما تكلمنا» من المواضع التي تمتنع فيها واو الحال؛ لأنها جملة مضارعية منفية ب «ما» وتربط بالضمير وحده. وأجاز السيوطي في «همع الهوامع» مجيء واو الحال وحذفها، نحو: (جاء زيد وما يضحك)، أو: ما يضحك.
٣٢ - بعشرتك الكرام تعدّ منهم ... فلا ترين لغيرهم ألوفا
العشرة: اسم مصدر بمعنى المعاشرة، وهو هنا شاهد على جواز عمل اسم المصدر عمل الفعل الذي بمعناه، فنصب هنا المفعول به (الكرام)، وأضيف إلى الفاعل.
стр. 689
٣٣ - نحن بغرس الوديّ أعلمنا ... منّا بركض الجياد في السّدف
البيت منسوب إلى قيس بن الخطيم، وإلى سعد القرقورة، أخي النعمان بن المنذر من الرضاعة. والوديّ: بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء: النخلة الصغيرة تقلع من جنب أمّها، وتغرس في موضع آخر، وهو الفسيل أيضا. والسّدف: الضوء في لغة قيس، والظلمة في لغة تميم. وقيل: السّدف: اختلاط الضوء بالظلام، مثل ما بين صلاة الصبح إلى الفجر. فالشاعر يقول: إننا أهل زراعة، ونحن بارعون في زراعة النخل لا في ركوب الخيل. وهذا القول، لا يصدر عن قيس بن الخطيم؛ لأنه فارس شجاع، وإنما هو من قول سعد القرقورة، لأن قصة البيت المرويّة تناسب
حاله، ولعلّ الذي جعلهم ينسبونه إلى قيس بن الخطيم، كونه من أهل المدينة، وأهل المدينة مشهورون بزراعة النخيل، ولكن سعد القرقورة من أهل هجر (الاحساء)، وهي مشهورة بزراعة النخيل أيضا. والبيت ذكره ابن هشام في المغني على أن ابن جني ادّعى أنّ «نا»، مؤكدة للضمير المستتر في «أعلم» وخرجه ابن عصفور في كتاب «الضرائر» على غير هذا، فقال: ومنه تأكيد الاسم المخفوض بالإضافة، باسم مخفوض ب «من»، حملا على المعنى، ولكن البيت مرويّ هكذا: [وهو من وزن المنسرح].
نحن بغرس الوديّ أعلم ... منا بقياد الجياد في السّدف
وعليه، فلا ضرورة فيه، ولا شاهد، وانظر قصة البيت في [شرح أبيات مغني اللبيب ج ٦/ ٣٣٦ للبغدادي، واللسان «سدف»، والأشموني/ ٣/ ٤٧].
٣٤ - وما قام منّا قائم في نديّنا ... فينطق إلا بالتي هي أعرف
البيت للفرزدق، والنديّ: مجلس القوم.
والشاهد: «فينطق»، رواه بعضهم بالرفع، وقالوا: إن النفي في البيت ليس خالصا؛ لأنه منقوض ب «إلّا»، ورواه بعضهم بالنصب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وقالوا: إن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء، جاز النصب، وكذلك قال سيبويه. [الأشموني ج ٣/ ٣٠٤، والخزانة ج ٨/ ٥٤٠، وكتاب سيبويه ج ١/ ٤٢٠].
قلت: ولماذا الخلاف في لفظ الفعل، وقد مات الفرزدق في بداية القرن الثاني، وكان ينشد شعره في المربد، والرواة أيامه كانوا كثيرين.
стр. 690
٣٥ - فأصبح في حيث التقينا شريدهم ... طليق ومكتوف اليدين ومزعف
البيت للفرزدق، من قصيدة افتخارية. والشريد: الطريد. والطليق: الأسير الذي أطلق عند إساره. والمزعف: اسم مفعول من أزعفته، إذا قتلته مكانه.
والشاهد: «طليق إلى آخر البيت» على أنه يجوز القطع إلى الرفع في خبر النواسخ، فإنّ «أصبح» من أخوات كان، و «شريدهم» اسمها. و «طليق» وما بعده كان في الأصل منصوبا على أنه خبر «أصبح» فقطع عن الخبرية، ورفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: منهم طليق، ومنهم مكتوف، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: بعض الشريد طليق، والجملة في محل نصب على أنها خبر أصبح، ويجوز أيضا النصب، فيقال: طليقا ومكتوفا. [كتاب سيبويه ج ١/ ٢٢٢، والخزانة ج ٥/ ٣٦].
٣٦ - جزيت ابن أروى بالمدينة قرضه ... وقلت لشفّاع المدينة أوجف
البيت لتميم بن مقبل. وابن أروى: عثمان بن عفان، أو الوليد بن عقبة، وكان أخا عثمان لأمّه، وجزيته قرضه، أي: صنعت به مثل ما صنع، والقرض: ما أسلفته من إحسان، أو إساءة. أوجفوا: أسرعوا.
والشاهد: حذف «الواو» من «أوجفوا»، والاكتفاء بالضمة. ويرويه سيبويه بسكون الفاء. [سيبويه/ ٤/ ٢١٢].
٣٧ - ما كان من بشر إلّا وميتته ... محتومة لكن الآجال تختلف
البيت بلا نسبة في الهمع ج ١/ ١١٦، وأنشده السيوطي شاهدا لدخول «الواو» على خبر كان المنفية، إذا كان جملة، بعد «إلّا».
٣٨ - وإلى ابن أمّ أناس أرحل ناقتي ... عمرو فتبلغ حاجتي أو تزحف
ملك إذا نزل الوفود ببابه ... عرفوا موارد مزبد لا ينزف
البيتان من شعر بشر بن أبي خازم، في مدح عمرو بن حجر الكندي. ورحل الناقة:
وضع عليها الرحل. وقوله: تبلغ: حذف المفعول الأول، والتقدير: تبلغني. وحاجتي:
المفعول الثاني. وتزحف: أي: تعيا. والمزبد: البحر. لا ينزف: لا ينفد.
والشاهد: في البيت الأول «أناس» منعه من الصرف، فجرّ بالفتحة، وليس فيه إلا
стр. 691
العلمية، وهو في الحقيقة حذف التنوين للضرورة، وفي البيت الثاني «ملك» نكرة غير موصوفة، جاء بدلا من «عمرو» المعرفة. [الإنصاف ج ٢/ ٤٩٦، والهمع ج ٢/ ١٢٧، والخزانة ج ١/ ١٤٩].
٣٩ - وإلى ابن أمّ أناس تعمد ناقتي ... عمرو لتنجح ناقتي أو تتلف
رواية ثانية للبيت الأول من البيتين السابقين.
٤٠ - اللذ بأسفله صحراء واسعة ... واللذ بأعلاه سيل مدّه الجرف
البيت بلا نسبة في الإنصاف ص ٦٧١. وأنشد الأنباريّ البيت شاهدا للكوفيين على أنّ أصل ذال «الذي»، السكون. ونظيره في «التي». قول الأقيشر بن ذهيل العكلي:
وأمنحه اللت لا يغيب مثلها ... إذا كان نيران الشتاء نوائما
وقول الآخر:
فقل للت تلومك إن نفسي ... أراها لا تعوّذ بالتميم
والتميم: جمع تميمة.
٤١ - تسقي امتياحا ندى - المسواك - ريقتها ... كما تضمّن ماء المزنة الرّصف
البيت لجرير، من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك. وقوله: تسقي: الضمير يعود إلى امرأة مذكورة في المقدمة.
وقوله: امتياحا، قال العيني: حال بمعنى ممتحة، أي: متسوكة، أو منصوب بنزع الخافض، أي: عند الامتياح، أي: الاستياك. والرصف: جمع رصفة، وهي حجارة مرصوف بعضها إلى بعض، وماء الرصف أرق وأصفى. جعل ريق المرأة في السواك، كماء سحابة اختزن في حجارة مرصوفة، فهو عذب طيب. وهو بيت عذب رقيق في مضمونه، وصورته الفنية، ولكنه أفسده بهذه التركيبة العجيبة في الشطر الأول. فأصله: تسقي ندى ريقتها المسواك. ندى: مفعول أول. والمسواك: مفعوله الثاني، ولكنه فصل بين المضاف «ندى»، و «ريقتها» المضاف إليه، بالمفعول الثاني «المسواك»، وإذا كان الفصل بين المتضايفين جائزا في بعض حالاته، فإن مثل هذا الفصل لا يصحّ وجوده، لا اختيارا
стр. 692
ولا ضرورة؛ لأنه مفسد للكلام، ولو خرجنا هذا البيت بإضافة «ندى» إلى المسواك، يكون أجمل وأحسن. [الأشموني ج ٢/ ٢٧٦، والهمع ج ٢/ ٥٢، والديوان/ ١/ ١٧١].
٤٢ - وما زوّدوني غير سحق عباءة ... وخمس ميء منها قسيّ وزائف
البيت لمزرّد بن ضرار في ديوانه، واللسان «سحق»، والمرزوقي ج ١/ ٣٦٤.
والسحق: الثوب الخلق البالي. و «ميء»: لغة في «مئة» وقالوا: أصلها «مئي» وقيل «مئيّ» بالتشديد. وقسيّ: على وزن صبيّ، ودرهم قسيّ: رديء، والجمع قسيان. وفي حديث عبد الله بن مسعود: أنه باع نفاية بيت المال، وكانت زيوفا وقسيانا. وقد فسّرت أيضا: الزائف، ويبدو أنه أعلى مرتبة من الزائف؛ لأنه أراد أن يقسّم، ويذكر أنواع الخمسمائة التي نالها. وقال المرزوقي: سمعت أبا علي الفارسي يقول: كلّ صفتين تتنافيان وتتدافعان، فلا يصحّ اجتماعهما لموصوف، لا بدّ لإضمار «من» معهما، إذا فصّل جملة بهما، متى لم يجئ ظاهرا، ثم أنشد البيت وقال: يريد ومنها زائف.
٤٣ - وإنّا من اللائين إن قدروا عفوا ... وإن أتربوا جادوا وإن تربوا عفّوا
البيت بلا نسبة في الهمع ج ١/ ٨٣، وأنشده السيوطي شاهدا لاستعمال «اللائين» بمعنى الذين، قال: وقد تعرب، فيقال: «اللاؤون»، وأنشد: «هم اللاؤون فكوا الغلّ عنّي».
وأتربوا: كثر مالهم، وتربوا: قل مالهم، يعني أنهم يعطون على الغنى ويعفّون عند الفقر.
٤٤ - ووجدي بها وجد المضلّ بعيره ... بنخلة لم تعطف عليه العواطف
البيت للشاعر مزاحم بن الحارث العقيلي، وينسب للنابغة الجعدي.
والوجد: ما يجده الانسان من العشق. والمضل: اسم فاعل، من أضلّه. ونخلة: اسم مكان بالقرب من مكة، وعليها يأخذ الحاج بعد انقضاء حجهم؛ ولذلك قال: لم تعطف؛ لأنهم آخذون في الانصراف. وجملة «لم تعطف» حال من المضل. ولم تعطف العواطف: جمع عاطفة، أي: لم ترقّ له، ولم يحمله على بعير من إبله، والمعنى: أنه وجد بمفارقته لها كما وجد الذي ضلّ بعيره في هذا الموضع. والبيت من شواهد سيبويه، ومحل الشاهد أنه جعل «وجدي» مبتدأ، و «وجد المضل» خبره لا يستغنى عنه، فلم يجز نصبه على المصدرية، وأصله: وجدي بها وجد مثل وجد المضلّ بعيره. [كتاب سيبويه ج ١/ ١٨٤، والخزانة ج ٦/ ٢٦٩].
стр. 693
٤٥ - فأمهله حتى إذا أن كأنّه ... معاطي يد ... غارف
من قصيدة للشاعر أوس بن حجر، وقد أنشده صاحب المغني بقافية الراء (غامر)، وهو من قصيدة فائية، وهو يحكي قصة حمار وحشي مع صيّاد. و «إذا» ظرفية فعلها محذوف، و «أن» بعد «إذا»، زائدة، وجواب الشرط في بيت لاحق. وقد مضى الكلام على البيت في حرف الراء. [شرح أبيات المغني ج ١/ ١٦٤، والهمع ج ٢/ ١٨، وديوان أوس].
٤٦ - تواهق رجلاها يديه ورأسه ... له نشز فوق الحقيبة رادف
البيت آخر بيت قصيدة لأوس بن حجر. تغزّل في أولها، ثم تحدّث عن ناقته، ويشبهها بحمار وحشي كمن له صياد عند الماء، فأرسل عليه سهما لم يصب مقتلا منه، فهرب الحمار مع أتانه مسرعا. والمواهقة: المسايرة، وهي المباراة. ونشز: أي:
ارتفاع. والحقيبة: كناية عن الكفل.
وقوله: رادف: أي: كما يردف الرجل حقيبته، والصورة الفنيّة التي رسمها تقول: إنّ الحمار يقدّم أتانه بين يديه، ثم يسير خلفها، يعني: أن يديه تعملان كعمل رجلي الأتان، ورأسه فوق عجز الأتان، كالقتب الذي يكون على ظهر البعير.
قلت: وفي تقديم الحمار أتانه، نكته حضارية. فالناس اليوم يقدمون النساء، في الدخول والخروج، ويعدون ذلك مظهرا حضاريا مقتبسا من أوربة، ولكن الحمار سبقهم إلى هذه البدعة، وهؤلاء الذين يقدمون النساء، يتقدمونهم
هربا إذا نزل الخطب، وبهذا كان حمار أوس بن حجر، أغير على أنثاه من أهل المدنية اليوم؛ ذلك أنه لم يشأ أن يهرب وحده من سهام الصيّاد، ولكنه ساق أتانه أمامه اه.
ورواية البيت في شعر أوس: «تواهق رجلاها يديه»، بنصب «يديه» مفعول به ل «تواهق». والمعنى يوجب أن تكون اليدان مضافة إلى ضمير مذكر، وهو ضمير الحمار؛ ذلك أن المواهقة هي المسايرة، وهي المواعدة.
ولكن رواية سيبويه «تواهق رجلاها يداها» برفعهما، على أن اليدين مضافة إلى ضمير المؤنث، وهي ضمير الأتان.
والشاهد: أنه رفع «يداها» بإضمار فعل، ولم يجعلهما مفعولا، فكأنه قال بعد قوله:
«تواهق رجلاها» تواهقهما يداها، محمول على المعنى؛ لأنه إذا واهقت الرجلان اليدين،
стр. 694
فقد واهقت اليدان الرجلين. وقال النحاس: رفع الرجلين واليدين؛ لأن كلّ واحد منهما قد واهق الآخر، فهما الفاعلان. ولكن سيبويه جعل المواهقة بين رجلي ويدي الأتان، والمواهقة في البيت بين رجليها، ويدي الحمار؛ لأن يديه، تواهق رجليها، وكأنه يضع قدميه، حيث كانت رجلاها؛ ليساير الحمار أتانه. وقد نقله ابن منظور في اللسان كما رواه سيبويه، ولكنه جاء هكذا: «تواهق رجلاها يداه»، فجعل المواهقة بين الحمار والأتان.
وقد اعتذر خدام كتاب سيبويه له، فنقل البغدادي عن ابن خلف قوله: احتج سيبويه بما سمع من إنشاد بعض العرب بالرفع فيهما، وإذا أنشد العربي الذي يحتج بشعره وكلامه بيتا متقدما على ضرب ولفظ غير الضرب المشهور، فقول العربي الراوي حجة، كما أن قول الشاعر الذي قال الشعر في الأصل حجة. قلت: وهذا الاعتذار، يقدمونه عند كل رواية لسيبويه، تخالف المشهور من شعر الشاعر، وهو اعتذار غير مقبول، ولا يضير سيبويه أن نقول إنه أخطأ، أو سها، أو وهم، وإنما نعتذر له بقول القائل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
[اللسان «وهق» وشرح أبيات المغني ج ١/ ١٧١، وكتاب سيبويه ج ١/ ١٤٥، وشرح أبيات سيبويه للنحاس ص ١٣١].
٤٧ - وذبيانيّة أوصت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف
البيت من قصيدة للشاعر معقّر بن أوس بن حمار البارقي، مدح بها بني نمير، وذكر ما فعلوا ببني ذبيان بشعب جبلة، وهو من أيام العرب، وكان معقر حليفا لبني نمير.
والقراطف: جمع قرطف، على وزن جعفر، وهو القطيفة، أي: كساء مخمل.
والقروف: جمع قرف: بفتح فسكون، وهو وعاء من جلد يدبغ بقشر الرّمان، ويجعل فيه لحم يطبخ بالتوابل، ويتزود به في الأسفار، وفي أيامنا يسمون هذا اللحم «القاورما»، وقد مضت أيامه؛ لأن التبريد حلّ محله، وكانوا يذبحون الخروف ويقلبونه على النار في دهنه، ويضعون عليه البهارات والتوابل، ويخزنونه في صفيحة، يأكلون منه فصل الشتاء كله، ويحمل منه الحاجّ في سفره إلى مكة والمدينة.
وقوله: وذبيانية: «الواو»، واو ربّ، يقول: ربّ امرأة ذبيانية أمرت بنيها أن يستكثروا من نهب هذين الشيئين، إذا ظفروا بعدوّهم، وغنموا؛ وذلك لحاجتهم، وقلة مالهم.
стр. 695
والشاهد: (كذب) فإنه يستعمل إذا قصدوا الإغراء، بشيء، فيقولون: كذب عليك، أي: عليك به. وقال أبو علي الفارسي: هذه كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم ولذلك لم تصرّف، ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلا ماضيا معلقا بالمخاطب ليس إلا وهي في معنى الأمر، والمراد بالكذب، الترغيب والبعث، من قول العرب «كذبته نفسه» إذا منته الأماني وخيلت إليه الآمال مما لا يكاد يكون، وذلك ما يرغب الرجل في الأمور ويبعثه على التعرض لها. ومنهم من ينصب ب (كذب) على الأمر والإغراء. ومنهم من يرفع بها، قال ابن السكيت: أهل اليمن يرفعون المغرى به. [الخزانة ج ٥/ ١٥، واللسان (كذب) و (قرطف)].
٤٨ - نبا الخزّ عن روح وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف
من شواهد سيبويه ج ٢/ ٢٥.
والشاهد: «جذام» اسم قبيلة، فلم يصرفه، للعلمية والتأنيث، ولو أمكنه تذكيره وصرفه على معنى الحي لجاز. وروح في البيت، هو روح بن زنباع، وكان سيّد جذام، كان أحد ولاة فلسطين أيام يزيد، يذكر تمكن روح عند السلطان ولبسه الخز وأنه لم يكن أهلا لذلك، فالخز ينبو عن جلده وينكره، كما تضج المطارف حين تلبسها جذام.
٤٩ - كأنّ حفيف النّبل من فوق عجسها ... عوازب نحل أخطأ الغار مطنف
البيت للشنفرى، عمرو بن مالك. وحفيف النبل: دوي ذهابه، ومن فوق: حال من النبل، والعجس: مقبض القوس. وعوازب: خبر كأن، جمع عازبة. ومطنف: هو الذي يعلو الطّنف، وهو رأس الجبل، ومطنف: فاعل أخطأ. وكأنّ المعنى: أخطأ غارها مطنفها.
يشبه صوت النبل، بصوت نحل تاه عن الغار؛ لأن النحل إذا تاه عن محله عظم دويّه.
والشاهد: «أخطأ الغار» فهذه الجملة صفة للنحل، خلت من الضمير الرابط؛ ولكن «الألف» و «اللام» في «الغار»، أغنت عن الضمير العائد إلى الموصوف، والتقدير أخطأ غارها. [الأشموني ج ٣/ ٦٣، وعليه حاشية العيني، واللسان «طنف»].
٥٠ - والحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائنا الوكف
وقبل البيت مما يفهم به:
نحن المكيثون حيث نحمد بال ... مكث ونحن المصالت الأنف
стр. 696
وهما من قصيدة للشاعر عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، من أهل الجاهلية، وهو جدّ عبد الله بن رواحة، وقوله: «نحن المكيثون»: جمع مكيث، فعيل، من المكث، وهو الانتظار واللّبث. أراد به هنا الصبر والرزانة. والمصالت: جمع مصلت، وهو الماضي في الأمور، لا يهاب شيئا. والأنف: جمع آنف، من الأنفة، وهي الحميّة.
وقوله: والحافظو: معطوف على المصالت، أي: نحن نحفظ عشيرتنا من أن يصيبهم ما يعابون به. والعورة: المكان الذي يخاف منه العدو. والوكف: بفتح الواو والكاف، هو العيب والإثم.
والشاهد: «الحافظو عورة العشيرة»، بنصب «عورة» على أنه مفعول اسم الفاعل، مع حذف النون من «الحافظون». قالوا: وهذا جائز في الوصف (المشتق) المحلى بالألف واللام، المثنى والمجموع. فيحتمل أن يكون ما بعده مجرورا على الاضافة، أو منصوبا، كما يجوز القول: الضاربا زيدا، والضاربو عمرا، ويجوز الجرّ. وجوزوا حذف النون مع النصب لطول الاسم، أو لأن الوصف في قوة صلة الموصول ل «أل»، فكأنك قلت: الذين حفظوا عورة. [كتاب سيبويه ج ١/ ٩٥، والهمع ج ١/ ٤٩، والأشموني ج ٢/ ٢٤٧، وحاشية الصبّان].
٥١ - والحافظو عورة ... ... يأتيهم ... النّطف
رواية أخرى لقافية البيت السابق. والنطف: بفتح النون والطاء، العيب، أو التلطخ بالعيب.
٥٢ - عودا أحمّ القرا إزمولة وقلا ... يأتي تراث أبيه يتبع القذفا
البيت لتميم بن مقبل، يصف وعلا. والعود: المسنّ. والأحم: الأسود. والقرا:
الظهر. والإزمولة: الخفيف والشديد الصوت. والوقل: الصاعد في الجبل. ويأتي تراث أبيه، أي: ما عوّده أبوه من الإقامة بشواهق الجبال. والقذفا: جمع قذفة بالضم، وهي ما علا من نواحي الجبل.
والشاهد: في «إزمولة»، والوصف به، فدلّ على أن أفعولا يكون صفة. [سيبويه/ ٤/ ٢٤٦، هارون، والخصائص/ ١/ ٨، واللسان «زمل»].
٥٣ - ألا يا فابك تهياما لطيفا ... وأذري الدّمع تسكابا وكيفا
стр. 697
البيت، أو صدره في الهمع ج ١/ ١٤٧. وقال السيوطي: كقول النخيعة تخاطب أمتها لطيفة، وقال: وقد يفصل بين حرف النداء والمنادى، بفعل أمر كقول النخيعة، أرادت يا لطيفة فرخمت وفصلت. ولكن قولها: «فابك»، أمر لمذكّر، ولو كان المأمور مؤنثا، لقالت: فابكي، كما قالت في الشطر الثاني: «وأذري»، فهذه الياء، ياء المؤنثة المخاطبة، ويستقيم الوزن بدون ياء المؤنثة. ويروى الشطر الأول: «فابك تهتانا»، والتهتان: ما هو فوق الطلّ، أو مطر ساعة، ثم يفتر، ثم يعود. وسموا الشاعرة: حذام بنت خالد، أو جداية بنت خالد. [الهمع/ ١/ ١٧٤].
٥٤ - يا مال والحقّ عنده فقفوا ... تؤتون فيه الوفاء معترفا
هكذا أنشده سيبويه في كتابه ج ١/ ٣٣٥، ٤٥٠، بقافية منصوبة للأنصاري.
والشاهد: ترخيم «مالك»، فقال «يا مال».
والحقّ أنّ هذا البيت ملفق من بيتين، في قصيدة قافيتها مرفوعة، وهي لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، جدّ عبد الله بن رواحة، وهذا الشعر في يوم سمير بين الأوس والخزرج، وكان سمير من الأوس قتل مولى لمالك بن العجلان اسمه بجير، فطلب مالك أن يبعثوا إليه سميرا؛ لقتله بمولاه فقالوا: نعطيك دية القتيل، نصف دية الصريح، فأبى إلا دية كاملة، فقامت الحرب سنوات، ثم طلب أهل الرأي التحكيم، فحكّموا عمرو بن امرئ القيس، فقضى لمالك بديه المولى، فأبى مالك، وآذن بالحرب، وقال شعرا على قافية الفاء المرفوعة، فأجابه عمرو بن امرئ القيس بقصيدة على قافية الفاء المرفوعة، مطلعها:
يا مال والسيّد المعمّم قد ... يطرأ في بعض رأيه السّرف
وجاء منها:
لا ترفع العبد فوق سنّته ... والحقّ نوفي به ونعترف
إنّ بجيرا مولى لقومكم ... (يا مال والحقّ عنده فقفوا)
(أوتيت فيه الوفاء معترفا) ... بالحقّ فيه فلا تكن تكف
هكذا ترى أنه جعل الشطر الأول من أحد البيتين قافية، وجعل القافية شطره الأول، ولعلّ سيبويه نسب البيت للأنصاريّ، ولم يحدّد الشاعر؛ لأنّ الشعر الذي قيل في يوم
стр. 698
سمير، شارك فيه عدد من الشعراء، وجاء جلّه على نظام المعارضة، في القافية والبحر:
فمالك بن العجلان، قال قطعة فائية مرفوعة القافية.
وقال درهم بن زيد أخو سمير، شعرا بالقافية نفسها.
وقال قيس بن الخطيم قصيدة، بالقافية نفسها، ولم يكن حضر الوقعة.
وقال حسان بن ثابت شعرا يردّ على قيس بن الخطيم.
وقد دخلت هذه الأشعار في بعضها البعض. ولكن قول سيبويه: للأنصاري، فيه توسّع؛ لأن عمرو بن امرئ القيس لم يحضر الإسلام، فكان قومه من الأنصار، ولم يكن هو أنصاريا. [الخزانة ج ٤/ ٢٧٢ - ٢٨٣].
٥٥ - فإني قد رأيت بدار قومي ... نوائب كنت في لخم أخافه
البيت غير منسوب.
والشاهد: «أخافه»، بفتح الفاء، وسكون الهاء، وأصلها: أخافها، بضم الفاء، وبضمير المؤنثة الغائبة، العائد إلى «نوائب»، فأراد الشاعر الوقف بنقل الحركة، فحذف «الألف»، ثم ألقى حركة «الهاء» على «الفاء»، بعد أن أسقط حركة «الفاء» الأصلية.
[الإنصاف ٥٧٨، والأشموني ج ٤/ ٢١١].
٥٦ - يا لهف نفسي إن كان الذي زعموا ... حقّا وماذا يردّ اليوم تلهيفي ؟
البيت لأبي زبيد الطائي، من قصيدة يرثي فيها عثمان بن عفّان ﵁.
والشاهد: «زعم»، على أن الزّعم يأتي بمعنى «القول»؛ ذلك أن الشاعر سمع من يقول حمل عثمان على النعش إلى قبره، وهذا ليس فيه معنى الظنّ. قلت: إنما هو زعم في زعم الشاعر؛ لأنه تمنى ألا يكون وقع. [الخزانة ج ٩/ ١٣١، واللسان «أمر» و «نجف»].
٥٧ - غضبت عليّ وقد شربت بجزّة ... فلإذ غضبت لأشربن بخروف
البيت لأعرابيّ، اشترى خمرا بجزة صوف، فغضبت عليه امرأته، فقال قطعة منها هذا البيت. والجزّة: صوف شاة في السنة. وهو يتهددها بأنه سوف يشرب بثمن خروف.
стр. 699
والشاهد: «فلإذ»، على أنّ اللام الموطئة دخلت على «إذ»، تشبيها لها ب «إن» الشرطية، ولكن البيت يروى أيضا: «فلئن». [الخزانة ج ١١/ ٣٣٨، والمغني وشرحه ج ٤/ ٣٦٥، والهمع ج ٢/ ٤٤].
٥٨ - عليه من اللؤم سروالة ... فليس يرقّ لمستعطف
البيت قيل: مصنوع، وقيل: قائله مجهول. واستشهد به بعضهم على أنّ «السراويل» عربي، وهو جمع سروالة، والسروالة: قطعة خرقة. والجمهور على أن «سراويل»، أعجمي مفرد، وأن «سروالة»، إن ثبتت، لغة فيه. و «سروالة» في البيت مبتدأ مؤخر، و «عليه» خبر مقدم، و «من اللؤم»، كان في الأصل صفة لسروالة، فلما قدم عليه، صار حالا منه. [الخزانة ج ١/ ٢٣٣، وشرح المفصل ج ١/ ٦٤، والهمع ج ١/ ٢٥].
٥٩ - بما في فؤادينا من الهمّ والهوى ... فيبرأ منهاض الفؤاد المشعّف
البيت للفرزدق، في سياق أبيات يتمنى فيها أن يعمى زوج صاحبته، وأن يكون طبيبه، فيلازمه سنتين ليرى صاحبته. والمنهاض: أصله الذي انكسر بعد الجبر، وهو أشد الكسر، ولا يكاد يبرأ. والاستشهاد بالبيت بقوله: فؤادينا، جاء بالمضاف مثنى على الأصل، والمطرد فيه أن يخرج مثناه إلى لفظ الجمع؛ لقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما. [التحريم: ٤]. [شرح المفصل/ ٤/ ١٥٥، والهمع/ ١/ ٥١].
٦٠ - صبحناهم بألف من سليم ... وسبع من بني عثمان واف
البيت منسوب للشاعر بجير بن زهير، وذكروه شاهدا على أن معنى «صبحت فلانا»:
بدون تشديد، أتيته صباحا. [شرح أبيات المغني ج ٦/ ٢٥٥].
٦١ - إلا حبّذا غنم وحسن حديثها ... لقد تركت قلبي بها هائما دنف
البيت مجهول، وهو في الهمع ج ٢/ ٢٠٥، وأنشده السيوطي شاهدا لحذف تنوين النصب، من غير إبداله بالألف، قال: وهي لغة ربيعة. والشاهد في لفظ «دنف»، وحقه أن يقال: «دنفا»، والدنف: المريض.
٦٢ - يا ليت شعري عنكم حنيفا ... أشاهرنّ بعدنا السّيوفا
رجز منسوب لرؤبة بن العجّاج.
стр. 700
وقوله: يا ليت، «يا» الداخلة على ليت حرف تنبيه. وليت شعري: ليت علمي. والتزم حذف الخبر في «ليت شعري» مردفا باستفهام، وهذا الاستفهام مفعول «شعري»، أي:
ليت علمي بما يسأل عنه بهذا الاستفهام حاصل. وعنكم: متعلق بشعري، وعن: بمعنى الباء؛ لأنه يقال: شعري به.
وحنيفا: بلا تنوين، منادى مرخم من حنيفة، وحرف النداء محذوف، والألف للاطلاق، وحنيفة: أبو قبيلة.
والشاهد: «أشاهرنّ»، حيث لحقت نون التوكيد اسم الفاعل، تشبيها له بالمضارع، وأصله: أشاهرون، فلما أكد صار: أشاهروننّ، حذفت «نون» الجمع؛ لتوالي الأمثال، وحذفت «الواو»؛ لاجتماعها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلا عليها.
[الخزانة/ ١١/ ٤٢٧، واللسان «شهر» والأشموني/ ١/ ٤١، والعيني/ ١/ ١٢٢]. وقد كتب العيني في شرحه وإعرابه ما يدل على قصر باعه في فهم الشعر، فالذي يظهر أن العيني كان جهده منصبا على النظر في المجموعات الشعرية، ونسبة البيت إلى صاحبه، ولم يكن يقرأ ما كتبه العلماء السابقون في شرح الشاهد؛ ولذلك وقع في مزالق كثيرة جعلته - عندي - غير جدير بالثقة فيما يكتب من المعاني والإعراب، ولم أنقل للقارئ ما قاله العيني؛ لئلا يتشوش فكره، فإن أحبّ قراءة ما كتبه، لاختبار صحة ما أقول، فليرجع إليه القارئ في موضعه.
٦٣ - إنّ الربيع الجود والخريفا ... يدا أبي العباس والصّيوفا
رجز للعجاج، أو لابنه رؤبة، في مدح أبي العباس السّفاح، أول خلفاء بني العباس.
وأراد بالربيع، والخريف، والصيوف (جمع صيف)، ما فيهم من المطر. والجود: أغزر المطر. مدح أبا العباس بالكرم، فجاء بالتشبيه المقلوب، فجعل المطر في هذه الفصول مشبها جود أبي العباس؛ للمبالغة.
واستشهدوا بالرجز على أن نصب المعطوف على اسم «إنّ» بعد استكمالها خبرها يجوز، وهو المثال، حيث عطف الصيوف بالنصب على اسم «إنّ» المنصوب، ولو رفع حملا على الموضع، أو على الابتداء وإضمار الخبر، لجاز. [سيبويه/ ١/ ٢٨٥، وشرح التصريح/ ١/ ٢٢٦، والهمع/ ٢/ ١٤٤، والدرر/ ٢/ ٢٠٠]. قال أبو أحمد: والشاعر هنا كاذب؛ لأن أبا العباس لم يكن كريما. فالكرم كرمان: كرم النفس، وكرم اليد. ولم يكن أبو العباس كريم النفس؛ لأنه قتل آلافا من غير ذنب، وغدر برفقاء الطريق. ولم يكن كريم اليد؛
стр. 701
لأنه كان يسرق حقّ الناس في بيت المال، ويعطيه من لا يستحقه من المداحين المنافقين، فالكريم من يكرم من ماله، وأبو العباس ليس له مال، إلا ما يسدّ به الرمق.
٦٤ - ناج طواه الأين ممّا وجفا ... طيّ الليالي زلّفا فزلّفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
رجز للعجاج، يصف بعيرا أضمره دؤوب السير حتى اعوج من الهزال، كما يرجع البدر بمرور الليالي عليه هلالا محقوقفا معوجا. والناجي: السريع. والأين: الإعياء.
والمراد: السير الذي أفضى به إلى الإعياء. وجف: من الوجيف، وهو سير سريع.
والزّلف: الساعات المتقاربة، واحدها، زلفة.
وسماوة الهلال: أعلاه، وهو مفعول «طيّ»، وكان حقه أن يقول: سماوة البدر، ولكنه سماه هلالا؛ لما يؤول إليه.
والشاهد: في «طيّ الليالي»، نصب على المصدر المشبه به دون الحال؛ لأنه معرفة بالإضافة. [سيبويه/ ١/ ٣٥٩، هارون، واللسان «وجف»، «زلف»، «سما»].
стр. 702
قافية القاف
١ - إذا العجوز غضبت فطلّق ... ولا ترضّاها ولا تملّق
لرؤبة بن العجاج. وقوله: ولا ترضّاها: أي: لا تطلب رضاها. وقوله: ولا تملّق:
أصله: لا تتملق، فحذف إحدى التائين، ومعناه: لا تتكلف الملق.
والشاهد: «ولا ترضاها»، فحقه: «ولا ترضّها»؛ لأنه مسبوق ب «لا» الناهية، وعلامة جزمه حذف الألف. ويخرج على هذه الألف لام الكلمة التي يجب عليه حذفها للجزم، واكتفى بحذف الحركة كما يحذفها عن الصحيح الآخر، أو أنّ لام الفعل حذفت، وهذه الألف ناشئة عن إشباع فتحة الضاد. ومثله الشاهد: «وتضحك ... يمانيا»، انظره.
والشاهد: «ألم يأتيك .. زياد». [الانصاف/ ٢٦، وشرح المفصل/ ١٠/ ١٠٤، والدرر/ ١/ ٢٨، والهمع/ ١/ ٥٢، وشرح التصريح/ ١/ ٨٧، والخزانة/ ٨/ ٣٥٩].
٢ - وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي دعاءه ... وأن تعلمي أنّ المعان موفّق
البيتان للأعشى ميمون بن قيس. والموماة، والبيداء: الصحراء. وسملق: قفر لا نبات فيها.
وقوله: لمحقوقة، أي: أنت جديرة وخليقة، والمراد: يلزمه فعله.
والشاهد: «لمحقوقة»، فهو خبر «إنّ» في أول البيتين، وهو وصف لغير المبتدأ. ولم يبرز الضمير بعده، ولو أبرزه، لقال: «محقوقة أنت»، وقد تعرب «محقوقة» مبتدأ، والمصدر المؤول بعده خبر، والجملة خبر «إنّ» أو يعرب المصدر المؤول نائب فاعل ل «محقوقة» أغنى عن خبره. [الإنصاف/ ٥٨، والخزانة ج ٨/ ٥٢٤، منسوب إلى جميل بن معمر].
стр. 703
٣ - أتته بمجلوم كأنّ جبينه ... صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا
البيت للفرزدق. وهو شاهد على أنّ «وسط» ساكنة السين، قد تتصرف وتخرج عن الظرفية كما في هذا البيت. فوسطها: مرفوع على أنه مبتدأ، وجملة قد تفلق: خبره.
[الخزانة/ ٣/ ٩٢]. والمجلوم: المقطوع، أو المحلوق. والصلاءة: الحجر الأملس.
والبيت من الهجاء المقذع. [الخصائص/ ٢/ ٣٦٩، والهمع/ ١/ ٢٠١].
٤ - وهم قريش الأكرمون إذا انتموا ... طابوا فروعا في العلا وعروقا
لم يعرف قائله. وهو شاهد على أنّ الأب ربما جعل مؤولا بالقبيلة، فمنع من الصرف، كما منع قريش الصرف؛ لتأويله بالقبيلة. والأكرمون: صفة قريش.
[الخزانة/ ١/ ٢٠٢].
٥ - وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا ... سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق
البيت لجميل العذري. وهو شاهد على أنّ «ذا»، من «ماذا»، قيل: إنها زائدة، لا موصولة. [الخزانة/ ٦/ ١٥٠، والمرزوقي/ ١٣٨٣، والأشموني/ ١/ ١٦٣].
٦ - وأكفيه ما يخشى وأعطيه سؤله ... وألحقه بالقوم حتّاه لاحق
لم نعرف له قائلا. وقد زعم المبرد أنّ «حتى» هنا جرّت الضمير، وليس كذلك، وإنما «حتى» هنا ابتدائية، والضمير أصله «هو»، فحذف الواو ضرورة، كما في قول الآخر: «فبيناه يشري رحله قال قائل»، أي: بينما هو يشري، ف «حتى»: حرف ابتداء داخلة على الجملة، و «هو»: الضمير المحذوف واوه، ضرورة، في محل رفع على الابتداء، ولاحق خبره. ولو كانت حرف جرّ، لم يكن لذكر «لاحق» بالرفع وجه.
[الخزانة/ ٩/ ٤٧٢].
٧ - فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أنّ عظم الساق منش دقيق
يريد:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أنّ عظم الساق منك دقيق
قال ابن جني: ومن العرب من يبدل كاف المؤنث في الوقف شينا حرصا على البيان؛
стр. 704
لأن الكسرة الدالة على التأنيث فيها، تخفى في الوقف، فاحتاطوا للبيان، بأن أبدلوها شينا، فقالوا:
عليش، ومنش، ومرت بش، وتحذف في الوصل، ومنهم من يجري الوصل مجرى الوقف، فيبدل فيه أيضا، وأنشدوا للمجنون (البيت السابق). وإذا صح ما قاله ابن جني وغيره، فإنه قد يكون في غير هذا البيت؛ ذلك أن البيت رواه المبرّد بكافات من غير إبدال، وهذه لغة تسمّى: «الكشكشة»، وتنسب إلى تميم، وليست لغة عذرة، كذلك.
[الخزانة/ ١١/ ٤٦٤].
٨ - مع ابن المصطفى نفسي فداه ... فيا لله من ألم الفراق
هذا البيت من شعر لعبيد الله بن الحرّ الجعفي، رثى به الحسين بن علي ﵄. وهو شاهد على أن المستغاث له قد يجرّ ب «من»، كما يجرّ باللام.
[الخزانة/ ٢/ ١٥٥].
٩ - ألمّت فحيّت ثم قامت فودّعت ... فلما تولّت كادت النفس تزهق
قاله جعفر بن علبة، من مخضرمي الدولتين، ومن شعراء الحماسة.
والشاهد: الأفعال الماضية «ألمت»، «فحيّت»، حيث اتصلت بها تاء التأنيث، وهي دليل على أن الفعل ماض. [الشذور، والحماسة/ ٥٣].
١٠ - ضربت صدرها إليّ وقالت ... يا عديّا لقد وقتك الأواقي
ينسب إلى مهلهل بن ربيعة؛ لأن اسمه «عديّ»، والمهلهل لقبه.
الشاهد: «يا عديا»، فهو علم مفرد، وكان من حقّه أن يبنى على الضم، فاضطر إلى تنوينه، وعدل عن ضمّه إلى نصبه، فشابه به النكرة غير المقصودة.
١١ - وطئنا ديار المعتدين فهلهلت ... نفوسهم قبل الإمالة تزهق
غير منسوب.
والشاهد: «هلهلت نفوسهم، تزهق»، فإنّ «هلهل» فعل من أفعال الشروع، يعمل عمل كان، فرفع الاسم (نفوسهم)، ونصب الخبر «تزهق». [شرح المفصل/ ١٠/ ٨، وشذور
стр. 705
الذهب/ ١١٢].
١٢ - يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يوافقها
قاله أمية بن أبي الصلت، أحد شعراء الجاهلية.
والشاهد: «يوافقها»، حيث أتى بخبر «يوشك» فعلا مضارعا مجردا من «أن» المصدرية، وذلك نادر في خبر هذا الفعل. [سيبويه/ ١/ ٩ / ٤٧، وشرح المفصل/ ٧/ ١٢٦، والشذور، والهمع/ ١/ ١٢٩].
١٣ - ألم تسأل الرّبع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
قاله جميل بن معمر العذري. والقواء: الخالي. وسملق: الأرض التي لا تنبت شيئا.
والشاهد: «فينطق»، حيث رفع الفعل المضارع بعد «الفاء» مع كون «الفاء» مسبوقة بالاستفهام؛ لأن الفاء ليست دالة على السببية، وإلّا لنصب الفعل بعدها، وليست عاطفة وإلا لجزم، وإنما هذه «الفاء» استئنافية. [سيبويه/ ١/ ٤٢٢، وشرح المفصل/ ٧/ ٦٣، والشذور، والهمع/ ٢/ ١١، وشرح أبيات المغني ج ٤/ ٥٥].
١٤ - من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السماحة منه والنّدى خلقا
من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، يمدح هرم بن سنان. وقوله: على علاته، أي: على كل حال.
والشاهد: في «علاته»، ف «الهاء»: ضمير غيبة يعود على هرم، وهو متأخر في اللفظ عن الضمير، وهذا يدل على أن العرب ما كانوا يرون بأسا في الإتيان بضمير الغيبة قبل مرجعه، وجاء ذلك في النثر أيضا، ومنه: «في بيته يؤتى الحكم» وقولهم: «في أكفاته لفّ الميت». [الإنصاف/ ٦٨].
١٥ - فما الدنيا بباقاة لحيّ ... ولا حيّ على الدنيا بباق
قوله: بباقاة: أراد بباقية، فأبدل من الكسرة فتحة، فانقلبت «الياء» ألفا، وهي لغة طيّئ.
следующие страницы →