Полный текст (1 332 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
البيت غير منسوب. وقوله: فانبعثت: ثارت، ومضت ذاهبة في طريقها. واجفات:
أراد بها دواعي الشوق وأسبابه التي بعثته على الذهاب إليه. وهي جمع واجفة، وهي مؤنث اسم فاعل من الوجيف، وهو ضرب من السير السريع.
والشاهد: «علمتك الباذل»، فإن الفعل «علم» دال على اليقين، وقد نصب مفعولين، أحدهما: الكاف، والثاني: «الباذل».
وقوله: «المعروف»، يجوز فيه النصب على أنه مفعول به ل الباذل، ويجوز جرّه بالإضافة. [العيني/ ٢/ ٤١٦، والأشموني/ ٢/ ٢٢٠].
٦٠ - دعاني الغواني عمّهنّ وخلتني ... لي اسم، فلا أدعى به وهو أوّل
قاله النمر بن تولب العكلي.
والشاهد: و «خلتني لي اسم»، فإن «خال» فيه بمعنى اليقين. وليس هو بمعنى فعل الظنّ؛ لأنه لا يظنّ أنّ لنفسه اسما، بل هو على اليقين من ذلك. وقد نصب بها مفعولين، أولهما: ضمير المتكلم، وهو «الياء». وثانيهما: جملة «لي اسم» من المبتدأ والخبر. والفعل «دعا» في أول البيت، نصب مفعولين، أولهما: الياء، والثاني: عمّهنّ.
[الهمع/ ١/ ١٥٠، والأشموني/ ٢/ ٢٠، والعيني/ ٢/ ٣٩٥].
٦١ - حسبت التّقى والجود خير تجارة ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
قاله لبيد بن ربيعة العامري. والرباح: الربح. والثاقل: الميت؛ لأن البدن يثقل إذا فارقته الروح.
والشاهد: «حسبت التقى خير تجارة»، حيث استعمل «حسب» بمعنى «علم»، ونصب به مفعولين، أولهما: «التقى»، والثاني «خير». [الهمع/ ١/ ١٤٩، والأشموني/ ٢/ ٢١، والعيني/ ٢/ ٣٨٤].
٦٢ - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
قاله أبو ذويب الهذلي. والجهل: هو الخفة والسفه. والحلم: التؤدة والرزانة.
والشاهد: «تزعميني كنت أجهل»، حيث استعمل المضارع من «زعم»، بمعنى فعل
стр. 772
الرجحان، ونصب به مفعولين، أحدهما: ياء المتكلم، والثاني: جملة «كان» ومعموليها.
[سيبويه/ ١/ ٦١، والهمع/ ١/ ١٤٨، وشرح أبيات المغني ٦/ ٢٦٧].
٦٣ - أرجو وآمل أن تدنو مودّتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
من قصيدة كعب بن زهير التي مدح بها سيدنا رسول الله ﷺ ، التي مطلعها: «بانت سعاد».
والشاهد: «وما إخال لدينا منك تنويل»، فإن ظاهره أنه ألغى «إخال» مع كونها متقدمة، وليس هذا الظاهر مسلما، فإن مفعولها الأول مفرد محذوف، هو ضمير الشأن، ومفعولها الثاني، جملة «لدينا منك تنويل»، والتقدير: «وما إخاله لدينا منك تنويل».
[الهمع/ ٥٣، والأشموني/ ٢/ ٢٩].
٦٤ - يلومونني في اشتراء النخي ... ل أهلي فكلّهم يعذل
وأهل الذي باع يلحونه ... كما لحي البائع الأوّل
الشاهد: «يلومونني أهلي»، حيث وصل واو الجماعة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعد الفعل. وهذه لغة طيئ، وقيل لغة أزذ شنوءة، وفي هذا المعجم شواهد كثيرة على هذه اللغة. وعليها تأولوا قوله تعالى في سورة الأنبياء: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. [آية ٢١]، وقوله تعالى في سورة المائدة: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
[الآية ٧١]. وقد سماها النحويون بلغة «أكلوني البراغيث»، وهذا غير لائق؛ لأنها موجودة في القرآن. وأحسن ابن مالك صاحب الألفية عند ما سماها لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة»، إشارة إلى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومالك بهذا اللفظ، وزعم بعضهم أن الإمام مالك روى الحديث ناقصا، وأنّ الرواية: «لله ملائكة يتعاقبون فيكم» ملائكة بالليل .. الحديث، وليس الأمر كما قالوا، فالحديث مروي في البخاري بطرق متعددة، كما رواه الإمام مالك.
والبيت الشاهد، للشاعر أحيحة بن الجلاح الأوسي (.. نحو ١٣٠ ق هـ - نحو ٤٩٧ م).
والبيت من قطعة في بيان فضل النخيل، حيث يقول بعد البيتين:
هي الظلّ في الحرّ حقّ الظليل ... والمنظر الأحسن الأجمل
стр. 773
تعشّى أسالفها بالجبوب ... وتأني حلوبتها من عل
وتصبح حيث تبيت الرّعاء ... وإن ضيعوها وإن أهملوا
فعمّ لعمّكم نافع ... وطفل لطفلكم يؤمل
وقوله: «تعشّى»، أي: تتعشى من أسفل، أي: تشرب الماء. وتأني، أي: تدرك:
وفي رواية «تأتي»، يريد أنها تشرب الماء من الأرض، وتعطي الغذاء من الأعلى، وشبهها بالناقة، وجعل ثمرها يمنزلة اللبن. والرعاء: حفظة النخل، شبههم برعاة الإبل، يقول:
إذا غفل الفلاح عن النخلة، فإنها لا تهرب كما تهرب الإبل، ويستيقظ راعي النخل، فيجد النخل في مكانه، ولا يحتاجون إلى البحث عنها في القبائل. وقوله: فعمّ، أي:
النخل الكبير، يريد أن يقول: إن النخل الكبير ينتفع به كبار الناس، والصغير منه يؤمل للأطفال في مستقبل حياتهم. وللشاعر أبيات أخرى في وصف النخيل (انظر ديوانه)، قلت: ولأحمد شوقي قصيدة في وصف النخيل من وزن هذه الأبيات (المتقارب)، وفي أبيات أحمد شوقي شبهها بالشاة، (وأنتن في البيد شاة المعيل)، فهل اطلع أحمد شوقي على هذه المقطوعة الجاهلية، ولكن أحمد شوقي يزعم في قصيدته أن الشعراء لم يصفوا النخل، وأن الكتب خلت من ذكر فضائله، فإما أن يكون أحمد شوقي، قرأ قطعة أحيحة، وتأثر بها، ثم زعم أنه أتى بما لم يأت به الأوائل، وإما أن يكون جاهلا بما في كتب الأدب من شعر في وصف النخل. وقد جمعت قطعة أحيحة من المعاني - على وجازتها - ما لم يستطع أحمد شوقي جمعه في قصيدة مطولة، بل كان أحمد شوقي فاسد الذوق عند ما شبه النخيل بالمآذن (مآذن قامت هنا أو هناك)، ثم استدرك قائلا:
وليس يؤذن فيها الرجال ... ولكن تصيح عليها الغرب
فأفسد جمال الصورة بجعل الغرب تصيح عليها، والمعروف أن صياح الغراب نذير الخراب، ولو قال: «ولكن تسبّح»، لكان أجمل؛ ليخفف من وقع ذكر الغراب على نفس القارئ، بل إن البيت كله لا فائدة منه؛ لأن ما نفاه يعرفه القارئ، ولا يلتبس عليه، ولعلّ الشاعر ذكر الغربان، إيذانا بزوال ملك سادته من أسرة محمد علي باشا؛ لأنه كان يصف نخيل حدائق القصور التي يسكنها حكام مصر.
٦٥ - فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
قاله عامر بن جوين الطائي. والمزنة: السحابة المثقلة بالماء. والودق: المطر.
стр. 774
وأبقل: أنبت البقل، وهو النبات. لا مزنة: لا: عاملة عمل ليس، مزنة: اسمها. وجملة «ودقت»: خبرها. ولا أرض: لا النافية للجنس، أرض: اسمها مبني على الفتح. وجملة «أبقل»: خبرها. وإبقال: مفعول مطلق.
والشاهد: «ولا أرض أبقل»، حيث حذف «تاء» التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث، وهذا الفعل هو «أبقل»، وهو مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الأرض، وهي مؤنثة مجازية التأنيث. [سيبويه/ ١/ ٢٤٠، والخصائص/ ٢/ ٤١١، وشرح المفصل/ ٥/ ٩٤، والهمع/ ٢/ ١٧١، والأشموني/ ٢/ ٥٣، وشرح أبيات المغني/ ٨/ ١٧].
٦٦ - مالك من شيخك إلّا عمله ... إلّا رسيمه وإلّا رمله
لراجز مجهول. والرسيم والرمل: ضربان من السير.
والشاهد: «إلا رسيمه وإلا رمله» حيث تكررت «إلا» في البدل والعطف، ولم تفد غير مجرد التوكيد، وقد ألغيت. [سيبويه/ ١/ ٣٧٤، والهمع/ ١/ ٢٢٧، والأشموني/ ٢/ ١٥١].
٦٧ - رأيت الناس ما حاشا قريشا ... فإنّا نحن أفضلهم فعالا
منسوب للأخطل، غوث بن غياث. رأيت: ينصب مفعولين، الأول: «الناس»، والثاني: محذوف، أو جملة الشطر الثاني.
والشاهد: «ما حاشا قريشا»، حيث دخلت «ما» المصدرية على «حاشا» وذلك قليل، والأكثر أن تتجرد منها. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٨٥].
٦٨ - فأرسلها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدّخال
قاله لبيد بن ربيعة العامري، يصف حمارا وحشيا أورد أتنه الماء لتشرب. والعراك:
ازدحام الابل حين ورود الماء. يذدها: يطردها. يشفق: يرحم. نغص: مصدر نغص الرجل - بكسر الغين، إذا لم يتم مراده، ونغص البعير، إذا لم يتم شربه. والدخال: أن يداخل بعيره الذي شرب مرة، مع الإبل التي لم تشرب، حتى يشرب معها ثانية؛ وذلك إذا كان البعير كريما أو شديد العطش.
والشاهد: «العراك»، حيث وقع حالا مع كونه معرفة، والحال لا يكون إلا نكرة، وإنما
стр. 775
ساغ ذلك؛ لأنه مؤول بالنكرة، أي: أرسلها معتركة، يعني: مزدحمة.
[سيبويه/ ١/ ١٨٧، والمقتضب/ ٣/ ٢٣٧، والإنصاف/ ٨٢٢، وشرح المفصل/ ٢/ ٦٢، ٤/ ٥٥، والعيني ٣/ ٢١٩، والهمع/ ١/ ٢٣٩].
٦٩ - يا صاح هل حمّ عيش باقيا فترى ... لنفسك العذر في إيعادها الأملا
لرجل من طيئ لم يعينه أحد. يا صاح: منادى مرخم على غير قياس؛ لأنه غير علم، وقياس الترخيم أن يكون في الأعلام. هل: الاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي.
وحمّ: قدّر.
والشاهد: «باقيا»، حيث وقع حالا من النكرة، وهو قوله: «عيش»، والذي سوغ مجيء الحال من النكرة، وقوعها بعد الاستفهام الإنكاري، الذي يؤدّي معنى النفي.
[الهمع/ ١/ ٢٤٠، والعيني/ ٣/ ١٥٣، والتصريح/ ١/ ٣٧٧].
٧٠ - فإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال
قاله طليحة بن خويلد الأسدي، المتنبي، أيام حرب الردّة، والأذواد: جمع ذود، وهو من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر. فرغا، أي: هدرا لم يطلب به. حبال: بزنة كتاب، ابن الشاعر. وكان المسلمون قد قتلوه في حرب الردّة، يقول: لئن كنتم قد ذهبتم ببعض إبل أصبتموها، وبجماعة من النساء سبيتموهن، فلن تذهبوا بقتل حبال كما ذهبتم بالإبل والنساء.
والشاهد قوله: «فرغا»، حيث وقع حالا من «قتل»، المجرور ب «الباء» وتقدم عليه، وهذا مذهب ابن مالك، والجمهور يمنعه. [الأشموني/ ٢/ ١٧٧، والعيني/ ٣/ ١٥٤].
٧١ - ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا
ليس له قائل معروف. وقوله: وشيبا: تمييز متقدم على عامله «اشتعل». ورأسي:
مبتدأ، وجملة «اشتعل»: خبره.
والشاهد: تقديم التمييز على عامله المتصرف، وهو قليل، ومثله:
أنفسا تطيب بنيل المنى ... وداعي المنون ينادي جهارا
[الأشموني/ ٢/ ١٠١، والعيني/ ٣/ ٢٤٠، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٥].
стр. 776
٧٢ - ولا ترى بعلا ولا حلائلا ... كه ولا كهنّ إلا حاظلا
من أرجوزة لرؤبة بن العجاج، يصف حمارا يمنع أتنه من أن يقربها الفحول.
والشاهد: «كه، كهن»، حيث جرّ الضمير في الموضعين بالكاف، وهو شاذ. وقوله:
كه: الجار والمجرور صفة لبعل، و «كهنّ» الجار والمجرور صفة «حلائلا»، وحاظلا:
مفعول ثان ل «ترى»، والحاظل: المانع. [سيبويه/ ٣٩٢، والعيني/ ٣/ ٢٥٦، والهمع/ ٢/ ٣٠، والأشموني/ ٢/ ٢٠٩].
٧٣ - أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
للأعشى من قصيدته اللامية (ودع هريرة). والمعنى: لا ينهى الجائرين عن جورهم، ولا يردع الظالمين عن ظلمهم، مثل الطعن البالغ الذي ينفذ إلى الجوف فيغيب فيه، وأراد أنه لا يكفهم عن ظلمهم سوى الأخذ بالشدة.
والشاهد: «كالطعن»، فإن «الكاف» اسم بمعنى «مثل»، وهي فاعل لقوله: «ينهى».
[شرح المفصل/ ٨/ ٤٣، والهمع/ ٢/ ٣١، والخزانة/ ٩/ ٤٥٣].
٧٤ - غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها ... تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل
قاله مزاحم العقيلي، يصف قطاة. وغدت: بمعنى صارت، ظمؤها: زمان صبرها عن الماء. تصلّ: تصوّت، وإنما يصوّت حشاها.
والقيض: قشر البيضة الأعلى، زيزاء: هو ما ارتفع من الأرض.
المجهل: الذي ليس له أعلام يهتدى بها. يقول: إن هذه القطاة انصرفت من فوق فراخها بعد ما تمت مدة صبرها عن الماء، حال كونها تصوت أحشاؤها لعطشها، وطارت عن بيضها الذي وضع بمكان مرتفع خال من الأعلام التي يهتدى بها.
والشاهد: «من عليه»، حيث ورد «على» اسما بمعنى فوق، بدليل دخول حرف الجر عليه. وغدت: فعل ناقص، اسمه مستتر، وخبره «من عليه» الجار والمجرور. بعد ما تم: ما: مصدرية، وجملة: «تصلّ» حالية. [سيبويه/ ٢/ ٣١٠، وشرح المفصل/ ٨/ ٣٧، والأشموني/ ٢/ ٢٢٦، وشرح أبيات المغني/ ٣/ ٢٦٥].
стр. 777
٧٥ - رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جلله
لجميل بن معمر العذري. وقوله: من جلله، أي: من أجله، أو بمعنى: من عظمه في نفسي.
والشاهد: «رسم دار» في رواية الجر، حيث جره ب «ربّ» المحذوفة من غير أن يكون مسبوقا، ب «الواو»، أو «الفاء»، أو «بل»، وهي التي تحذف «ربّ» بعدها. رسم: مبتدأ مجرور لفظا. وجملة «وقفت»: صفة له وجملة «كدت» خبره. [الخصائص/ ١/ ٢٨٥، والإنصاف/ ٣٧٨، وشرح المفصل/ ٣/ ٢٨، والهمع/ ١/ ٢٥٥، والأشموني/ ٢/ ٢٣٣].
٧٦ - إنّ للخير وللشرّ مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
قاله عبد الله بن الزبعري، أحد شعراء قريش، وكان يهجو المسلمين ثم أسلم، والبيت قاله يوم أحد وهو مشرك، ومعنى «قبل»: المحجّة الواضحة. يقول: إن للخير وللشرّ غاية ينتهي إليها كل واحد منهما، وأن ذلك أمر واضح لا يخفى على أحد.
والشاهد: «وكلا ذلك»، حيث أضاف «كلا» إلى مفرد لفظا وهو «ذلك»؛ لأنه مثنى في المعنى؛ لعوده على اثنين، وهما: الخير والشر. [شرح المفصل/ ٣/ ٢، والهمع/ ٢/ ٥٠، والأشموني/ ٢/ ٤٣].
٧٧ - أقبّ من تحت عريض من علي ...
لأبي النجم العجلي، يصف بعير السانية، من أرجوزة يصف فيها أشياء كثيرة أولها:
الحمد لله العليّ الأجلل ... الواسع الفضل الوهوب المجزل
وقوله: أقبّ، صفة البعير. والقبب: الضّمر، يعني أن خصره ضامر، وأنّ متنه عريض، وأقبّ: مجرور بالفتحة؛ لأنّ صفات البعير الموصوف مجرورة، وكذلك قوله: «عريض».
والشاهد: «من تحت»، بني الظرف على الضمّ، حيث حذف ما يضاف إليه، ونوى معناه دون لفظه.
وقوله: «من علي»، مبني أيضا؛ لأنه معرفة، يريد أعلى البعير، حيث قرنه بالمعرفة «تحت» وإنما تعرب «عل» إذا كانت نكرة، كقولهم في النكرة: من فوق ومن عل، إذا لم
стр. 778
ترد أمرا معلوما، والبناء على ضمّ مقدر على «الياء» في «علي»، وقد تكتب ب «الياء»، وقد تكتب بدون «ياء» «عل»، وتكون كسرتها ككسرة «زاي» «غاز». وفي «عل» عشر لغات، تقول: أتيته من عل، ومن عل، ومن علي، ومن علا، ومن علو، ومن علو، ومن علو، ومن علو، ومن عال، ومن معال.
قال ابن قتيبة في كتاب «الشعر والشعراء»: أنشد أبو النجم هذه الأرجوزة هشام بن عبد الملك - وهي أجود أرجوزة للعرب، وهشام يصفق بيديه استحسانا لها، حتى إذا بلغ قوله في صفة الشمس:
حتّى إذا الشمس جلاها المجتلي ... بين سماطي شفق مرعبل
صغواء قد كادت ولمّا تفعل ... فهي على الأفق كعين الأحول
أمر هشام بوجء عنقه وإخراجه، وكان هشام أحول.
وقوله: مرعبل: مقطّع. وصغوا: بالغين المعجمة، مائلة للغروب. أقول: والبيت الثاني ترويه كتب النقد الأدبي هكذا (من بحر الكامل):
صفراء قد كادت ولما تفعل ... وكأنّها في الأفق عين الأحول
هكذا: صفراء، من اللون الأصفر. [الخزانة/ ٢/ ٣٩٠ - ٤٠٠].
٧٨ - كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهوديّ يقارب أو يزيل
لأبي حية النميري، يصف رسم دار، يشبه ما بقي متناثرا من رسوم الديار هنا وهناك، بكتابة اليهودي كتابا جعل بعضه متقاربا، وبعضه متفرقا.
والشاهد: «بكفّ يوما يهوديّ»، حيث فصل بين المضاف وهو «كفّ»، والمضاف إليه وهو «يهودي»، بأجنبي من المضاف وهو «يوما»؛ لأنه معمول ل «خطّ».
[سيبويه/ ١/ ٩١، والإنصاف/ ٤٣٢، وشرح المفصل/ ١/ ١٠٣].
٧٩ - بضرب بالسيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهنّ عن المقيل
قاله المرّار بن منقد التميمي. المقيل: أصله موضع النوم في القائلة، فنقل من هذا الموضع إلى موضع الرأس؛ لأن الرأس يستقر في النوم حين القائلة. يصف قومه بالقوة
стр. 779
والجلادة، قوله: بضرب: متعلقان ب «أزلنا».
والشاهد: «بضرب رؤوس»، حيث نصب ب «ضرب» وهو مصدر منون مفعولا به، كما ينصبه بالفعل. [سيبويه/ ١/ ٦٠، وشرح المفصل/ ٦/ ٦١، والأشموني/ ٢/ ٣٨٤].
٨٠ - الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجّي بينها أطفالها
قاله الأعشى، ميمون بن قيس. الهجان: البيض، وخصها؛ لأنها أكرم الإبل. عوذا:
جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت وقوي ولدها. تزجّي: تسوق. المائة: مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. الهجان: بالجرّ، بإضافة «المائة» إليه على مذهب الكوفيين الذين يرون تعريف اسم العدد، وتعريف المعدود معا، أو نعت له على اللفظ.
وعبدها: يروى بالنصب والجرّ، فأما الجرّ، فعلى العطف على لفظ المائة وأما النصب، فعلى العطف على محله. عوذا: نعت للمائة، وهو تابع للمحل. [سيبويه/ ١/ ٩٤، والهمع/ ٢/ ٤٨، والخزانة/ ٤/ ٢٥٦].
٨١ - فقلت: اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحبّ بها مقتولة حين تقتل
للأخطل التغلبي، من قصيدة يمدح فيها خالد بن عبد الله بن أسد. وحبّ بها: حبّ:
فعل ماض للمدح. بها: الباء زائدة، و «ها» فاعل. مقتولة: تمييز، أو حال.
والشاهد: «حبّ بها»، فإنه يروى بفتح الحاء من (حبّ) وضمها، ويجوز فيها الفتح والضم، إذا كان فاعلها غير «ذا»، فإذا كان فاعلها «ذا» «حبذا»، فالفتح فقط.
[الخزانة/ ٩/ ٤٢٧، وشرح المفصل/ ٧/ ١٢٩].
٨٢ - دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا ... فظلّ فؤادي في هواك مضلّلا
مجهول. وأجملا: أكثر جمالا من البدر، وهو من معمولات «دنوت»، أي: دنوت حال كونك أجمل من البدر، وقد خلناك مثل البدر. وجملة «وقد خلناك»: حالية. أجملا:
حال ثانية من «التاء».
والشاهد: حيث حذف «من» الجارة للمفضول عليه مع مجرورها، وأصل الكلام:
أجمل منه. [العيني/ ٤/ ٥٠، والتصريح/ ٢/ ١٠٣، والأشموني/ ٣/ ٤٦].
٨٣ - انّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
стр. 780
للفرزدق يفخر فيه على جرير.
والشاهد: «أعزّ وأطول»، حيث استعمل صيغتي التفضيل في غير التفضيل؛ لأنه لا يعترف بأن لجرير بيتا دعائمه عزيزة طويلة، حتى تكون دعائم بيته أكثر عزة وأشد طولا، ولو بقي «أعز وأطول» على معنى التفضيل، لتضمن اعترافه بذلك. [الخزانة/ ٨/ ٢٤٢].
٨٤ - ولا عيب فيها غير أنّ سريعها ... قطوف وأن لا شيء منهنّ أكسل
قاله ذو الرمة، يصف نساء بالسمن والعبالة، وكنى عن ذلك بأنهن بطيئات السير كسالى. وقطوف: بطيء متقارب الخطو. يقول: لا عيب في هؤلاء النساء إلا أنّ أسرعهن شديدة البطء متكاسلة، وهذا مما يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، والعرب تمدح النساء بذلك؛ لأن هذا عندهم يدل على النعمة وعدم الامتهان في العمل. وغير: منصوبة على الاستثناء، والمصدر المؤول بعدها: مضاف إليه. وأن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. لا شيء: لا واسمها، أكسل: خبرها.
والشاهد: «منهنّ أكسل»، قدم الجار والمجرور المتعلق ب «أكسل» (أفعل التفضيل) مع كون المجرور ليس استفهاما، ولا مضافا إلى استفهام، وذلك شاذ. [العيني/ ٤/ ٤٤، والأشموني/ ٣/ ٥٢، وديوان الشاعر].
٨٥ - قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الفلا تعسّفن رملا
لعمر بن أبي ربيعة المخزومي. وزهر: جمع زهراء، وهي المرأة الحسناء البيضاء.
تهادى: تتهادى، أي: تتمايل. النعاج: بقر الوحش. الفلا: الصحراء. تعسفن: أخذن على غير الطريق، وملن عن الجادة.
والشاهد: «أقبلت وزهر»، حيث عطف «زهر» على الضمير المستتر في «أقبلت» المرفوع بالفاعلية من غير أن يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالضمير المنفصل، أو بغيره، وذلك ضعيف عند جمهرة العلماء. [سيبويه/ ١/ ٣٩٠، والخصائص/ ٢/ ٢، والإنصاف/ ٤٧٥، وشرح المفصل/ ٣/ ٧٤، والأشموني/ ٣/ ١١٤].
٨٦ - ذا ارعواء فليس بعد اشتعال الرّ ... أس شيبا إلى الصّبا من سبيل
стр. 781
مجهول. وقوله: ليس بعد: ليس ... وبعد: خبر مقدم. من سبيل: الباء زائدة، وسبيل: اسم ليس مؤخر. وشيبا: تمييز.
والشاهد: قوله: «ذا»، وأصله: ياذا، حيث حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، وهو قليل. [العيني/ ٤/ ٢٣٠، والأشموني/ ٣/ ١٣٦].
٨٧ - يا زيد زيد اليعملات الذّبّل ... تطاول الليل عليك فانزل
قاله عبد الله بن رواحة الأنصاري، لزيد بن أرقم، وكان يتيما في حجره يوم غزوة مؤتة. واليعملات: بفتح الياء والميم: الإبل القوية على العمل. الذبّل: جمع ذابلة، أي:
ضامرة من طول السفر، وأضاف زيدا إليها؛ لحسن قيامه عليها، ومعرفته بحدائها.
وقوله: تطاول الليل عليك، يريد: انزل عن راحلتك واحد الإبل، فإن الليل قد طال، وحدث للإبل الكلال، فنشطها بالحداء، وأزل عنها الإعياء.
والشاهد: «يا زيد زيد اليعملات»، حيث تكرر لفظ المنادى، وأضيف ثاني اللفظين، ويجوز في الأول الضمّ على أنه منادى مفرد، والنصب على أنه منادى مضاف، وفي الثاني النصب فقط.
فإن ضمّ الأول: كان الثاني منصوبا على التوكيد، أو على إضمار أعني، أو على البدلية، أو على النداء.
وإن نصب الأول: فمذهب سيبويه أنه مضاف إلى ما بعد الاسم الثاني، وأن الثاني مقحم بين المضاف والمضاف إليه، ومذهب المبرد أنه مضاف إلى محذوف مثل ما أضيف إليه الثاني، والتقدير: يا زيد اليعملات زيد اليعملات. [سيبويه/ ١/ ٣١٥، وشرح المفصل/ ٢/ ١٠، والهمع/ ٢/ ١٢٢، والأشموني/ ٣/ ١٥٣، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ١٠].
٨٨ - تدافع الشّيب ولم تقتّل ... في لجّة أمسك فلانا عن فل
من أرجوزة لأبي النجم العجلي. واللجّة: بفتح اللام وتشديد الجيم، الجلبة، واختلاط الأصوات في الحرب. والمعنى: شبّه تزاحم الإبل، ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجّة وشرّ يدفع بعضهم بعضا، فيقال: أمسك
فلانا عن فلان، أي: احجز بينهم. وخصّ الشيوخ؛ لأن الشبان فيهم التسرع إلى القتال. وتقتل: أصلها: تقتتل.
стр. 782
والشاهد: «عن فل»، حيث استعمل «فل» في غير النداء وجرّه بالحرف، وذلك ضرورة؛ لأن من حقّ استعمال هذا اللفظ ألا يقع إلا منادى، إلا إذا ادعينا أنه مقتطع من «فلان»، بقرينة قوله قبل ذلك: «أمسك فلانا»، وربما رخّمه الشاعر في غير النداء ضرورة.
[سيبويه/ ١/ ٢٣٣، والمقتضب/ ٤/ ٢٣٨، والعيني/ ٤/ ٢٢٨، والهمع/ ١/ ١٧٧، والأشموني/ ٣/ ١٦١، واللسان «لجج، فلن»، والخزانة/ ٢/ ٣٩٠].
٨٩ - وضجيع قد تعلّلت به ... طيّب أردانه غير تفل
صعدة نابتة في حائر ... أينما الرّيح تميّلها تمل
لكعب بن جعيل. والصعدة: القناة تنبت مستوية، فلا تحتاج إلى تقويم، وامرأة صعدة: مستقيمة القامة. حائر: هو المكان الذي يكون وسطه مطمئنا منخفضا، وحروفه مرتفعة عالية، وإنما جعل الصعدة في هذا المكان؛ لأنه يكون أنعم لها. شبه امرأة بقناة مستوية لدنة، قد نبتت في مكان مطمئن، والريح تعبث بها وتميلها، وهي تميل مع الريح.
والشاهد: «أينما الريح تميلها تمل»، أينما: اسم شرط، والريح: فاعل لفعل الشرط المحذوف يفسره الموجود، وتمل: جواب الشرط. [سيبويه/ ١/ ٤٥٨، والإنصاف/ ٦١٨، وشرح المفصل/ ٩/ ١٠، والخزانة/ ٣/ ٤٧، والهمع/ ٢/ ٥٩، والأشموني/ ٤/ ١٠].
٩٠ - لئن منيت بنا عن غبّ معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم تنتفل
للأعشى من معلقته (ودع هريرة)، والخطاب ليزيد بن مسهر الشيباني. عن غبّ، عن:
بمعنى بعد. وغبّ كذا، أي: عقبه. ننتفل: نتخلص، وننتفي.
والشاهد: «لا تلفنا»، حيث أوقعه جواب الشرط مع تقدم القسم عليه، وحذف جواب القسم، لدلالة جواب الشرط عليه؛ ولو أنه أوقعه جوابا للقسم، لجاء به مرفوعا، والأكثر الاستغناء بجواب القسم عن جواب الشرط عند تقدم القسم. [العيني/ ٣/ ٢٨٣، والأشموني/ ٤/ ٢٩، والخزانة/ ١١/ ٣٢٧].
٩١ - وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل
قاله لبيد بن ربيعة يذكر الموت.
стр. 783
والشاهد: «دويهية»، فالتصغير هنا للتعظيم والتهويل. [شرح المفصل/ ٥/ ١١٤، والأشموني/ ٤/ ١٥٧، والإنصاف/ ١٣٩].
٩٢ - ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
لبيد بن ربيعة. يحاول: من المحاولة، وهو استعمال الحيلة، وهي الحذق في تدبير الأمور. والنحب: النذر. يقول: اسألوا هذا الحريص على الدنيا عن هذا الذي هو فيه، أهو نذر نذره على نفسه، فرأى أنّه لا بدّ من فعله، أم هو ضلال وباطل من أمره.
والشاهد: أنّ «ما» استفهامية مبتدأ، و «ذا» اسم موصول خبره. و «يحاول» صلته بدليل قوله: أنحب. ولو كانت «ماذا» كلمة واحدة، لكان «ماذا» منصوبا ب «يحاول»، وكان مفسّره الذي هو «نحب» منصوبا؛ لأنه استفهام مفسّر للاستفهام الأول.
[سيبويه/ ١/ ٤٠٥، وشرح المفصل/ ١/ ١٣٩، والأشموني/ ١/ ١٩٥، والخزانة/ ٦/ ١٤٥].
٩٣ - إذا لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلتزعك العواذل
قاله لبيد بن ربيعة، وقبله:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ... لعلّك تهديك القرون الأوائل
يقول: إن لم تصدقك نفسك عن هذه الأخبار، فانتسب، أي: قل: ابن فلان ابن فلان، فإنك لا ترى أحدا بقي، لعلك ترشدك هذه القرون. وتزعك: تكفّك. يقول: لم يبق لك أب حتى إلى عدنان، فكف عن الطمع في الحياة؛ فإن غاية الإنسان الموت.
والعواذل: حوادث الدهر وزواجره.
والبيت شاهد على أن «دون» في الشطر الثاني، معطوف على موضع «من دون».
[الخزانة/ ٢/ ٢٥٢، وسيبويه/ ١/ ٣٤، وشرح التصريح/ ١/ ٢٨٨].
٩٤ - رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتّى إذا أنبت البقل
لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة مدح بها سنان بن أبي حارثة المري. والقطين:
القاطن، وهو الساكن في الدار، يعني: أن الفقراء يلزمون بيوت هؤلاء يعيشون في أموالهم حتى يخصب الناس، وينبت البقل، وهو كل نبات اخضرت به الأرض، وهو شاهد على أن «أنبت» بمعنى «نبت». [شرح أبيات مغني اللبيب ج ٢/ ٢٩٣].
стр. 784
٩٥ - كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
قاله المتنبي، من قصيدة مدح بها شجاع بن محمد المنبجي. وثعل: رهط الممدوح، وهم بطن من طيئ، وصرفه للضرورة؛ إذ فيه العدل والعلمية مثل عمر. وهذا البيت من أبيات المتنبي التي سهر الناس جرّاها، وانشغلوا، ونام هو ملء جفونه، ومع أنّ المتنبي من المتأخرين ممن لا يستشهد أهل النحو بشعرهم، إلا أنهم شغلوا به، وقلّ أن تجد من تجرأ على القول بنسبته إلى اللحن عند ما يخالف قاعدة نحوية، وهذا يدلك على ثقتهم بشعره؛ لأنه لقن العربية عن أهلها في البادية، بل عاش سنوات طويلة في البادية عند ما اجتمع الأعراب عليه، واعتقدوا به.
والخلاف بين أهل النحو في: «بأنك منهم»، فالفعل «كفى» هنا، بمعنى أجزأ وأغنى، وتتعدى إلى واحد، ولا تزاد «الباء» على فاعلها، ولكن المتنبي زادها؛ لأنّ «أنك منهم» فاعل «كفى»، وجوّز ابن الشجري في «دهر» ثلاثة أوجه:
أحدها: مبتدأ، حذف خبره، أي: يفخر بك، وصح الابتداء بالنكرة؛ لأنه وصف بأهل.
والثاني: كونه معطوفا على فاعل كفى، أي: أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه؛ لنضارة أيامه.
والثالث: أن تجرّه بعد أن ترفع فخرا على تقدير كونه فاعل «كفى»، و «الباء» متعلقة ب «فخر»، لا زائدة، وحينئذ تجر الدهر بالعطف، وتقدر «أهل» خبرا ل «هو» محذوفا.
٩٦ - فما زالت القتلى تمجّ دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل، وذكر ما أوقعه الجحّاف ببني تغلب. وأشكل:
من الشكلة، كالحمرة، وزنا ومعنى، لكن يخالطها بياض، وهو مأخوذ من أشكل الأمر، أي: التبس.
والشاهد: أنّ «حتى» فيه ابتدائية. [الخزانة/ ٩/ ٤٧٩، وشرح المفصل/ ٨/ ١٨، والأشموني/ ٣/ ٣٠٠، والهمع/ ١/ ٢٤٨].
٩٧ - لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
البيت لجرير، من قصيدة هجا بها الأخطل النصراني، وذكر ابن هشام البيت على أن
стр. 785
«اللام» في «لكم»، بمعنى «من» لأن أفعل إنما يتعدى ب «من»، وفيه نظر؛ لأنّ الشاعر لا يريد أنّ قومه أفضل من قوم الأخطل يوم القيامة؛ لأن إثبات الفضل العالي لقوم جرير، يثبت الفضل النازل لقوم الأخطل، وهذا لا يكون؛ لأن النصراني الذي شهد الإسلام لا فضل له يوم القيامة، حيث كفر بالإسلام فلا ينال التفاضل مع المؤمنين بالإسلام، وإنما مراد الشاعر إثبات الفضل الزائد له ولقومه يوم القيامة، والمعنى: نحن أفضل مفاخرين لكم يوم القيامة.
فالجار والمجرور في موضع الحال. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٢٩٣، والأشموني/ ٢/ ٢١٨، والدرر/ ٢/ ٣١].
٩٨ - يميد إذا مادت عليه دلاؤهم ... فيصدر عنها كلّها وهو ناهل
معزوّ إلى كثير عزّة. وماد: تحرك. والناهل: العطشان، والريّان من الأضداد.
والشاهد: أن مجيء «كلّ» المضافة إلى الضمير فاعله قليل. [الهمع/ ٢/ ٧٣، والدرر/ ٢/ ٩٠، والأشموني/ ٣/ ٨٥].
٩٩ - إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
مطلع قصيدة في حماسة أبي تمام، لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، وتروى للسموأل اليهودي، وليس جديرا أن تكون له. والدنس: الوسخ. يقول: إذا المرء لم يتدنس باكتساب اللؤم واعتياده، فأي ملبس يلبسه بعد ذلك كان جميلا. والرداء هنا مستعار للفعل نفسه، أي: أي عمل عمله بعد تجنب اللؤم كان حسنا.
والشاهد: أن «الهاء» في «يرتديه»، والمستتر في «جميل»، كل منهما راجع إلى «كل»؛ لأنها بحسب ما تضاف إليه، وقد أضيفت هنا إلى مذكر؛ ولهذا رجع إليها ضمير المذكر.
[شرح أبيات المغني/ ٤/ ٢٠٢، والمرزوقي/ ١١٠].
١٠٠ - فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها ... ولا الضّيف منها إن أناخ محوّل
من قصيدة للشاعر النمر بن تولب الصحابي، أخبر عن نوقه أن الجار لا يذمّها، وأن الضيف لا يحوّل عنها، وخصّ الجارة القريبة (الدنيا) دون الجار؛ لأنه الأغلب، حيث أراد الأرامل والعجائز، ووصفها بالقريبة؛ لأن البعيدة ربما تستغني بكريم آخر، وربما لا يعلم حالها. فالجارة: مبتدأ، والدنيا: صفة، وجملة تلحينها: خبر. واللحي: اللوم. وفيه
стр. 786
الشاهد، حيث أكد الفعل ب «النون» بعد «لا» النافية. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٧، والأشموني/ ٣/ ٢١٨].
١٠١ - وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المنخّل
قاله النمر بن تولب الصحابي. وقولي: معطوف على كلام سابق في القصيدة، ومقول القول: تلاقونه، على تقدير: «لا تلاقونه»، «لا» المحذوفة، أي: لا تلاقون البعير بعد إطلاقكم إياه حتى يعود المنخّل، والمنخل: هو الحارث بن قيس، شاعر، كان النعمان قد اتهمه وحبسه، ولم يعلم الناس له خبرا، فضرب العرب المثل به في فقدان الشيء، وعدم عودته.
والشاهد: إضمار أو حذف «لا» النافية في غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب القسم، فقوله: «لا تلاقونه»،
ليس جواب قسم، وأضمر «لا» قبله. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٣٣، والخزانة/ ١٠/ ٩٩].
١٠٢ - ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه ... بعدّته ينزل به وهو أعزل
قاله أمية بن أبي الصلت. وينوبه: يصيبه من النائبة. والعدة: ما يهيئه الإنسان لحوادث الدهر. و «الباء» متعلقة ب «يلق»، والضمير في «به» ل «من». والأعزل: الذي لا سلاح له. يقول: من لم يستعد لما ينوبه من الزمان قبل حلوله، ضعف عنه عند نزوله.
والشاهد: أن اسم «لكن» محذوف، وهو ضمير الشأن. [سيبويه/ ١/ ٥٤٩، والإنصاف/ ١٨١، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٠١].
١٠٣ - فتلك ولاة السوء قد طال مكثها ... فحتام حتام العناء المطوّل
هذا البيت للكميت، من إحدى هاشمياته. وتلك: مبتدأ، ولاة: بدل، وجملة «طال»:
خبرها. حتام: الجار والمجرور خبر مقدم، والعناء: مبتدأ مؤخر.
والشاهد: أن «ما» الاستفهامية يحذف «ألفها» إذا جرّت بحرف جرّ، كما في قوله:
حتام حتام. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢١٥، والأشموني/ ٣/ ٨٠].
١٠٤ - وقد أدركتني والحوادث جمّة ... أسنّة قوم لا ضعاف ولا عزل
стр. 787
قاله جويرية بن زيد.
والشاهد: أنّ جملة «الحوادث جمة»، معترضة بين الفعل «أدركتني»، والفاعل «أسنة». [الخصائص/ ١/ ٣٣١، والهمع/ ١/ ٢٤٨، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ١٨٣].
١٠٥ - ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني ... كريم على حين الكرام قليل
وأنّي لا أخزى إذا قيل مملق ... سخيّ وأخزى أن يقال بخيل
ينسبان إلى مبشّر بن هذيل الفزاري. والمملق: الفقير، مشتق من الملقة، وهي الصخرة الملساء. وقوله: يا عمرك، «الكاف»: ضمير العاذلة، ويا: للنداء، والمنادى محذوف، وعمرك الله: منصوبان بفعل محذوف تقديره: سألت الله تعميرك.
والشاهد: «على حين»، على أن «حين» بني على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة الاسمية. [العيني/ ٣/ ٤١٢، والهمع/ ١/ ٢١٢، والأشموني/ ٢/ ٢٥٧].
١٠٦ - وقلن ألا البرديّ أوّل مشرب ... أجل جير إن كانت رواء أسافله
قاله طفيل الغنوي، الملقب ب «طفيل الخيل»؛ لأنه كان من أوصف العرب للخيل.
وقلن: يريد: الرواحل. والبرديّ: ماء يسمى أيضا الفردوس. وقوله: ألا: الهمزة للاستفهام عن النفي، والتقدير: أليس البرديّ أول مشرب؟ فقل لهن: نعم إن كان سقي بالمطر، والبردي: مبتدأ، أوّل: خبر، والجملة مقول القول. ورواء: بالكسر، جمع ريّان، وريّا، كعطاش، جمع عطشان وعطشى. وأسافل: جمع أسفل، وهو المكان المنخفض، يريد: إن اجتمع الماء في مواضعه المنخفضة حتى صار غديرا، فالبردي أول مشرب.
والشاهد: «أجل جير»، أكّد «أجل» ب «جير»، وأجل حرف، إذن «جير» حرف.
والبيت مرويّ بقافية أخرى هي: «أجل جير، إن كانت أبيحت دعاثره»، وهو من قصيدة لمضرّس بن ربعي. والدعثور: الحوض المتثلم، والمعنى: قالت النساء: ستكون أول استراحة لنا عند الفردوس، فأجابهن الشاعر: «أجل»، وفي «جير» أقوال أخرى غير الحرفيّة. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٥٨، والهمع/ ٢/ ٤٤].
١٠٧ - إذا ريدة من حيث ما نفحت له ... أتاه بريّاها خليل يواصله
قاله أبو حيّة النميري، يصف حمارا. وقوله: «إذا ريدة»: بفتح الراء وسكون الياء، ريح
стр. 788
لينة الهبوب. و «ما» من قوله: حيث ما، زائدة. ونفحت: هبت. والريّا: الرائحة التي تملأ الأنف. وأبو حية النميري شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية.
والشاهد: أنّ الجملة التي تضاف إليها «حيث» محذوفة، والتقدير: إذا ريدة نفحت له من حيث هبّت؛ وذلك لأن «ريدة»، فاعل بفعل محذوف يفسره: «نفحت» فلو كان «نفحت» مضافا إلى «حيث»، لزم بطلان التفسير؛ إذ المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، فلا يفسر عاملا فيه. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ١٤٨، والهمع/ ١/ ٢١٢].
١٠٨ - وابأبي ثغرك ذاك المعسول ... كأنّ في أنيابه القرنفول
يريد الراجز أن يصف ثغر هذه الجارية الناعمة التي يتغزل فيها، بأنه طيب الريح، جميل النكهة.
ومحل الشاهد: «القرنفول» فإن أصل الكلمة: القرنفل، فلما اضطر إلى «الواو»؛ لإقامة الوزن، أشبع ضمة «الفاء»، فنشأت «الواو». [الخصائص/ ٣/ ١٢٤، والإنصاف/ ٢٤، و ٧٤٩، واللسان «قرنفل»].
١٠٩ - أقول إذ خرّت على الكلكال ... يا ناقتا ما جلت من مجال
الكلكال: هو الكلكل، وهو الصدر من كل شيء، وقيل: باطن الزور. وقوله: يا ناقتا: هو ناقة مضاف ل «ياء» المتكلم،
وقد قلب الكسرة التي قبل «الياء» فتحة، ثم قلب «الياء» ألفا.
والشاهد: «الكلكال» فإن أصله الكلكل، ولكن الراجز أشبع فتحة «الكاف» الثانية، فنشأت ألف. [الإنصاف/ ٢٥، ٧٤٩، واللسان «كلل»].
١١٠ - كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... على عجل منّي أطاطئ شيمالي
البيت لامرئ القيس، وفتخاء الجناحين: هي العقاب اللينة الجناح، وذلك أسهل لطيرانها. ولقوة: بفتح اللام وكسرها مع سكون القاف، هي الخفيفة السريعة، يصف ناقته التي ارتحلها بالسرعة، فشبهها بالعقاب.
والشاهد: «شيمالي»، وأصلها: «شمالي»، أشبع كسرة الشين؛ لإقامة الوزن، فتولدت «ياء». ويروى: شملالي، لغة في الشمال، بل قوله: «شيمالي»، لغة في الشمال؛ لأن امرأ القيس وأمثاله هم الذين صنعوا الشعر، ووضعوا أصوله، فلا يقال إنهم لجؤوا إلى
стр. 789
الضرورات الشعرية. [الإنصاف/ ٢٨، والهمع/ ٢/ ١٥٦، واللسان «شمل»].
١١١ - لما نزلنا نصبنا ظلّ أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
للشاعر عبدة بن الطبيب، والأخبية: جمع خباء، بوزن كساء وأكسية. والمراجيل:
جمع مرجل، وهو القدر التي يطبخ فيها الطعام. يقول: إنهم حين حطوا رحالهم، أسرعوا فنحروا الذبائح، وأوقدوا عليها، ففارت قدورهم باللحم، يصف أنفسهم بالكرم.
والشاهد: «المراجيل»، فإن أصله «المراجل»، فأشبع كسرة «الجيم» فتولدت «ياء»، وهي ليست ضرورة، وإنما هي لغة. [الإنصاف/ ٢٩، والمفضليات/ ١٤١].
١١٢ - وما الدنيا بباقية بحزن ... أجل، لا، لا، ولا برخاء بال
الشاهد: «لا، ولا برخاء بال»، عطف نفيا على نفي ب «الواو»، والبيت من شواهد البصريين أنّ النفي يعطف عليه ب «ولا»: وهم في ذلك ينقضون قول الكوفيين القائلين:
إن الاسم بعد «لولا» مرفوع بها، فقولك: «لولا زيد، لأكرمتك»، تقدير الكوفيين: «لو لم يمنعني زيد، لأكرمتك» حيث يرون أن «لولا» مركبة من «لو»، و «لا»، فقال البصريون:
لو صح هذا التقدير، لصح العطف عليه ب «ولا» وقلنا في المثال: (لولا أخوك، ولا أبوك).
وتأويلات البصريين في هذا المكان باردة، مصدرها العناد. [الإنصاف/ ٧٥].
١١٣ - لا همّ إن الحارث بن جبله ... زنى على أبيه ثم قتله
وكان في جاراته لا عهد له ... وأيّ أمر سيّئ لا فعله
رجز منسوب لشهاب بن العيف. وقوله: زنى على أبيه، أي: ضيّق.
والشاهد في قوله: «لا فعله»، حيث دخلت «لا» النافية على الفعل الماضي لفظا ومعنى ولم تكرر، ويريدون بالماضي لفظا ومعنى أنه ماض في اللفظ، وماض في المعنى، أي: إن حدوثه كان في الزمن الماضي، ودخول «لا» النافية على الماضي لفظا ومعنى يوجب تكرارها عند النحويين، فإذا وجدوها غير مكررة كما في الشاهد، التمسوا لها تخريجا، فقالوا: إنها مكررة في المعنى، فقال الزمخشري في قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] إن التقدير: ولا أطعم مسكينا، أو أنها مع الماضي تكون بمعنى «لم»، فقوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي: لم يقتحم العقبة.
стр. 790
أما إذا كان الفعل الماضي مستقبلا في المعنى، فلا يجب التكرار، كقول الشاعر:
حسب المحبين في الدنيا عذابهم ... تالله لا عذّبتهم بعدها سقر
فإنّ عذاب سقر في المستقبل، وقال الشاعر:
لا بارك الله في الغواني هل ... يبتن إلا لهنّ مطّلب
أقول: إن الشواهد على التكرار، وعدم التكرار، كثيرة؛ ولهذا فهي جائزة في الصورتين. [اللسان «زنا»، والإنصاف/ ٧٧، وشرح المفصل ج ١/ ١٠٩، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٩٢].
١١٤ - فردّ على الفؤاد هوى عميدا ... وسوئل لو يبين لنا السؤالا
وقد نغنى بها ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخدالا
البيتان للمرّار الأسدي. والهوى: العشق. وعميد: أي: فادح، يبهظ صاحبه ويسقمه، وأصله قولهم: عمده المرض، أي: أضناه وأوجعه. ويبين: يجيب، وهو يصف منزلا، وقوله: نغنى: مضارع غني بالمكان، أي: أقام فيه، ومنه سمي منزل القوم «المغنى».
والخرد: بضم الخاء والراء، جمع خريدة، وهي المرأة الحيية الطويلة السكوت، أو هي البكر التي لم تمس. والخدال: بكسر الخاء، جمع خدله، بفتح فسكون، وهي الغليظة الساق المستديرتها.
وقوله: نغنى بها، أي: بالمنزل، أنثه؛ لأنه معنى الدار. والعصور: الدهور: نصبه على الظرف. ويقتدننا: يملن بنا إلى الصّبا.
والشاهد في البيت الثاني: «ونرى يقتدننا الخرد الخدالا»: حيث كانت هذه العبارة من باب التنازع؛ لتقدم فعلين هما:
«نرى» و «يقتاد»، وتأخر معمول وهو «الخرد الخدالا»، وقد أعمل الشاعر الفعل الأول في هذا المعمول، بدليل أنه نصبه وأتى بضميره معمولا للفعل الثاني، وهو «نون النسوة»، والقوافي منصوبة، بدليل البيت السابق، ولو أنه أعمل الفعل الثاني، لقال: «نرى يقتادنا الخرد الخدال»، فيرفع المعمول على أنه فاعل ل «يقتاد»، ويحذف ضميره؛ لكون الأول يطلب معمولا فضلة، وهذا يدل على أن إعمال العامل الأول أولى، وهو مذهب الكوفيين. والحقّ أن إعمال الأول جائز، وكذلك إعمال الثاني، بدون مفاضلة. [سيبويه/ ١/ ٤٠، والمقتضب/ ٤/ ٧٦ - ٧٧، والإنصاف/ ٦٥ - ٨٦].
стр. 791
١١٥ - ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل
من قصيدة لعبدة بن الطبيب في المفضليات، يقول في مطلعها:
هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
والشاعر مخضرم، أدرك الاسلام فأسلم، وشهد مع المثنى بن حارثة قتال هرمز سنة ١٣ هـ، والقصيدة قالها بعد وقعة القادسية، وكان عبدة أسود، وهو الذي رثى قيس بن عاصم المنقري بقصيدة يقول فيها:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما
قال أبو عمرو بن العلاء: هذا أرثى بيت قيل، وقال ابن الأعرابي: هو قائم بنفسه، ماله نظير في الجاهلية ولا الإسلام.
والجرد: الخيل القصار الشعر. والمسومة: المعلمة. مناديل: يريد أنهم يمسحون أيديهم من وضر الطعام بأعرافها. وقال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: أيّ المناديل أشرف؟ فقال قائل منهم: مناديل مصر، وقال آخرون: مناديل اليمن، فقال عبد الملك:
مناديل أخي بني سعد، عبدة بن الطبيب، وذكر هذا البيت.
والشاهد في البيت: «ثمّت»، حيث اتصلت «تاء التأنيث» ب «ثمّ» وبعض الكوفيين ينشد هذا البيت؛ لنقض دليل البصريين على أن «نعم وبئس» فعلان؛ لاتصال «تاء التأنيث» بهما، وهذه «التاء» من علامات الأفعال. فقال الكوفيون: إن هذه «التاء» تدخل على الحروف:
ثم، وربّ، ولا، فنقول: ثمت وربّت، ولات. ولكن دليل الكوفيين هنا واه؛ للفرق بين «التاء» التي تدخل على الحرف، و «التاء» التي تدخل على الفعل، انظر [الإنصاف/ ١٠٦].
١١٦ - ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممّن داره صول
الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الرّبع فيه وهو مأهول
من قطعة في الحماسة رقم ٨٢٧، قالها حندج بن حندج المريّ. وقوله: ما أقدر الله، لفظه التعجب، ومعناه الطلب والتمني. وكان الواجب أن يقول: ما أقدر الله على أن ...
فحذف الجار. والشحط: بفتحتين، البعد، وحقه سكون الوسط.
والحزن: موضع بعينه. وصول: مدينة من بلاد الخزر، لعلّ الصولي، منسوب إليها،
стр. 792
والبساط: بفتح «الباء»، الأرض الواسعة. وقوله: يرى الربع منه: يعني بالربع، الحزن، ممن هو مقيم بصول. والبيت من شواهد الكوفيين على إبطال قول البصريين في «أفعل» في التعجب، فالبصريون يرون أنه فعل في قولنا: ما أجمل السماء! فأجمل: فعل ماض تحمل ضميرا، والسماء: مفعوله، والتقدير عندهم: شيء جمّل السماء، وهو المذهب الذي أخذ به العرب اليوم في التعليم. وأما الكوفيون، فيرون أنّ «أفعل» التعجب اسم مبني على الفتح، قال الكوفيون: ولو كان التقدير كما زعم البصريون، لكان التقدير في قولنا: «ما أعظم الله»، شيء أعظم الله، وهذا باطل؛ لأن الله عظيم لا بجعل جاعل، واستشهد الكوفيون بالبيت. وكل تخريجات البصريين التي نقضوا بها أقوال الكوفيين يمكن قبولها، إلا في هذا الموطن، فقد أمسك الكوفيون البصريين من مقتل، وأوقعوهم في حيص بيص، فأخذوا يأتون بالتأويلات الخاصة بعبارات التعجب من صفات الله خاصة، فقال البصريون: معنى قولهم: «شيء أعظم الله» أي: وصفه بالعظمة، كما يقول الرجل إذا سمع الأذان: كبّرت كبيرا، وعظمت عظيما، أي: وصفته بالكبرياء والعظمة، لا صيّرته عظيما، فما يقدّر في حال المخلوقين، ليس هو الذي يقدّر في حال الخالق. وتأويلات البصريين في رأيي غير مقنعة؛ لأن العرب لم يخصوا آلهتهم بشيء من لغتهم، وفي الإسلام اشترك الخالق والمخلوق في الألفاظ، وكان الفرق فقط في الكيفية، فالله يسمع، والمخلوق يسمع، ولكن سمع الخالق لا تعرف له هيئة، والله له يد، والعبد له يد، ولكن يد الله لا يمكن تصورها، وهكذا، والتقدير في مسألة التعجب، لا تشابه هذا التأويل؛ لأنها جعلت تقديرا للتعجب من صفات الخالق، وتقديرا للتعجب في صفات المخلوق، وهذا يوجد الالتباس عند الذين يأخذون العربية بالتعليم لا بالسليقة. [الإنصاف/ ١٢٨].
١١٧ - ألا فتى من بني ذبيان يحملني ... وليس حاملني إلا ابن حمّال
رواه المبرد في الكامل، وقال: أنشدنا أبو محلم السعدي. ألا: أداة عرض، فتى:
منصوب لفعل محذوف تقديره: (ألا ترونني فتى). يحملني: أراد: يعطيني دابة تحملني إلى المكان الذي أقصده.
و (حمّال): صيغة مبالغة، لحامل.
والشاهد: «حاملني»، حيث لحقت «نون الوقاية» الاسم عند الإضافة إلى «ياء» المتكلم، وذلك شاذ؛ لأن هذه «النون» من خصائص الأفعال؛ لتقي آخر الفعل من الكسر. [الإنصاف/ ١٢٩، والخزانة/ ١١/ ٢٩٤].
стр. 793
١١٨ - ولقد أغتدي وما صقع الديك ... على أدهم أجشّ الصّهيلا
من شواهد الإنصاف للأنباري. وصقع الديك: صاح، وهو تأكيد لقوله: أغتدي، كقول امرئ القيس: «وقد أغتدي والطير في وكناتها». على أدهم، أي: فرس أدهم، ولونه قريب من الأسود. أجشّ: الغليظ الصوت من الإنسان والخيل.
ومحل الشاهد: «أجش الصهيلا»، حيث نصب الصهيل بقوله: «أجشّ»، و «أجش» صفة مشبهة، ومعمولها مقترن بالألف واللام، وبه استدل الكوفيون على أنه يجوز أن ينتصب بعد «أفعل» كل من المعرفة والنكرة؛ لأنهم يرون مجيء التمييز معرفة، أو مقترنا ب «أل». أما البصريون، فيرون أن المعرفة، أو المعرف ب «أل» بعد الصفة المشبهة، ينصب على شبه المفعولية، فرارا من القول بمجيء التمييز معرّفا ب «أل»، وإذا جاء التمييز معرفا ب «أل»، جعلوا «أل» زائدة، لا تفيد التعريف. [الإنصاف/ ١٣٤].
١١٩ - ولما دعاني السمهريّ أجبته ... بأبيض من ماء الحديد صقيل
من شواهد «الإنصاف» للأنباري. والسمهري هنا: اسم رجل، وليس الرمح السمهري، وقد يكون الرمح، إذا جعلنا الرمح هو الذي دعاه إلى الحرب، فأجابه بالسيف الأبيض؛ لأن المنازلة بالسيف أدلّ على الشجاعة.
والشاهد: «أبيض»، والبيت شاهد لأنصار البصريين الذين يرون منع مجيء التفضيل من البياض، وتخريج ما جاء على وزن التفضيل، بأنه الصفة المشبهة، الذي مؤنثه فعلاء.
[الإنصاف/ ١٥٤، وشرح المفصل/ ٧/ ١٤٧].
١٢٠ - فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة ... فبتنا على ما خيّلت ناعمي بال
لعدي بن زيد.
والشاهد: «فليت دفعت الهمّ»، حيث وقع الفعل بعد «ليت» و «ليت» تدخل على الأسماء؛ ولذلك جعل النحاة اسم «ليت» في هذا البيت محذوفا، وتقدير الكلام: «فليتك دفعت الهم»، وتكون جملة الفعل خبر ليت. ويجوز أن يكون الضمير المحذوف ضمير الشأن، وتقديره: (فليته). [الإنصاف/ ١٨٣، والهمع/ ١/ ١٣٦، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ١٨٤].
стр. 794
١٢١ - لهنّك من عبسيّة لوسيمة ... على هنوات كاذب من يقولها
ويسبقه في «لسان العرب»:
وبي من تباريح الصبابة لوعة ... قتيلة أشواقي وشوقي قتيلها
والشاهد: «لهنّك»، وللعلماء في تخريج هذه الكلمة آراء، أذكر ههنا أقربها: وهو أنها في الأصل: «لأنك» ب «لام» توكيد مفتوحة، ثم «إنّ» المكسورة الهمزة المشددة النون.
والأصل أن «لام» التوكيد التي تدخل على «إنّ» المكسورة، تتأخر عن «إنّ» وما يليها فتدخل على خبرها مثل: «إنّ زيدا لمنطلق»، أو على اسمها بشرط أن يتأخر عن الخبر، كقوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً*. [النحل: ٦٦، والمؤمنون: ٢١]، أو على ضمير الفصل الواقع بين اسمها وخبرها نحو: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ. [آل عمران: ٦٢]، ولا يجوز أن تقترن «اللام» ب «إنّ»، لكنه لما أبدل الهمزة من «إنّ» هاء، توهم أنها كلمة أخرى غير «إنّ». و «اللام» في «لوسيمة» زائدة. ويذكر الكوفيون هذا البيت شاهدا على جواز زيادة «لام» التوكيد على خبر (لكن) لأنّ أصلها في التركيب «إنّ» زيدت عليها «لا» و «الكاف»، فصارتا حرفا واحدا، كما زيدت على «إنّ» «اللام» و «الهاء» في قول الشاعر. [الإنصاف/ ٢٠٩، والهمع/ ١/ ١٤٩، واللسان: لهن].
١٢٢ - دعيني أطوّف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي الحقّ محمل
لعروة بن الورد، المعروف بعروة الصعاليك.
والشاهد: «لعلني»، حيث وصل «نون» الوقاية ب «لعلّ»، حين أراد أن يعملها في «ياء» المتكلم، وقد زعم الأنباري في «الإنصاف» أن ذلك قليل، وأن الكثير «لعلي»، وليس كما قال .. نعم: إن حذف النون أعرف وأشهر. وبه وحده ورد القرآن الكريم لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. [غافر: ٣٦] [الإنصاف/ ٢٢٧].
١٢٣ - وإن كان ما بلّغت عنّي فلامني ... صديقي وشلّت من يديّ الأنامل
وكفّنت وحدي منذرا في ردائه ... وصادف حوطا من أعاديّ قاتل
قاله معدان بن جوّاس الكندي. وكفنت وحدي منذرا: يقول أصبحت فريدا لا معين لي على القيام بواجب تجهيزه، وأصبحت فقيرا لا أملك ما أكفنه فيه غير ردائه. أو يكون المعنى: قتله أعداؤه وليس معه غيري، وأعجلت عن تكفينه حسب العادة.
стр. 795
والشاهد في البيتين: «فلا مني صديقي»، و «شلّت»، و «كفنت»، و «صادف حوطا»، فإن كل واحدة من هذه الجمل
خبرية لفظا إنشائية معنى؛ لأن المقصود بها الدعاء. والبيتان من شواهد البصريين على منع مجيء الفعل الماضي حالا، وأن الأفعال الماضية التي استشهد بها الكوفيون خبرية لفظا إنشائية معنى، كما في البيتين، والإنشاء لا يكون حالا في زعمهم.
ولا يجيز البصريون مجيء الماضي حالا إلا إذا سبقته (قد)، إما لفظا، أو تقديرا.
[الإنصاف/ ٢٥٦، والحماسة/ ١٥٢].
١٢٤ - أزهير إن يشب القذال فإنّه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل
من شعر أبي كبير الهذلي، واسمه عامر بن حلس.
وقوله: أزهير: النداء لابنه. والقذال: ما بين نقرة القفا وأعلى الأذن، وهو آخر موضع من الرأس يشيب شعره. وربما أطلق القذال وأريد الرأس كله من باب إطلاق الجزء على الكل.
والهيضل: بزنة جعفر، الجماعة من الناس. ولجب: كثير الجلبة مرتفع الأصوات.
وقوله: لففت: معناه جمعت، ويروى لفقت، ومعناه أيضا جمعت. يريد أنه جمع جيشا بجيش؛ للحرب والطعان.
والشاهد: «رب» حيث جاءت مخففة بباء واحدة، ومنهم من يجعلها ساكنة؛ لأن أول المشدد ساكن، فحذف الباء الثانية. ومنهم من يجعلها مفتوحة. ويستقيم وزن البيت بالروايتين. [الإنصاف/ ٢٨٥، وشرح المفصل/ ٥/ ١١٩ و ٨/ ٣١، والخزانة/ ٩/ ٥٣٥].
١٢٥ - رددنا لشعثاء الرسول ولا أرى ... كيومئذ شيئا تردّ رسائله
شعثاء: اسم امرأة .. والرسول: الرسالة.
والشاهد: «كيومئذ»، فإن الرواية بفتح «يوم»، مع أنه مدخول حرف الجرّ. فدلّ ذلك على أنه بناه؛ لإضافته إلى المبني وهو «إذ». وتنوين «إذ» في التركيب، تنوين عوض من الجملة التي من حقّ «إذ» أن يضاف إليها. ويجوز فيها البناء بالفتح والإعراب. إن فتح، فهو منصوب، وإن سبقه حرف جر، أو مضاف، فهو مجرور بالحركة. [الإنصاف/ ٢٨٩].
стр. 796
١٢٦ - لقد خفت حتّى لا تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل
للنابغة الذبياني. والوعل: بفتح الواو وكسر العين أو سكونها، تيس الجبل.
والمطارة: قال ياقوت: يجوز أن تكون الميم زائدة فيكون من طار يطير، أي: البقعة التي يطار منها، وهو اسم جبل
ويضاف إليه «ذو» وعاقل، أي: متحصّن.
والشاهد: «لا تزيد مخافتي على وعل»، فإن الكلام على تقدير مضاف، أي: لا تزيد مخافتي على مخافة وعل، ألا ترى أن مخافته لا تشبه بالوعل نفسه، وإنما تشبه بمخافة الوعل، وقد قالوا: إن الكلام على القلب، فإن الأصل: لا تزيد مخافة الوعل المعتصم بالجبل على مخافتي، فقلب.
والتوجيه الثاني في البيت: أن تكون «لا» زائدة في قوله: «لا تزيد مخافتي»، وكأنه قال: «حتى تزيد مخافتي». [الإنصاف/ ٣٧٢].
١٢٧ - أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك؟ وكلّا ليس منك قليل
قاله ابن الطّثريّة، واسمه يزيد بن سلمة، والطّثرية أمه، وهي من الطّثر، حيّ من اليمن، كان من شعراء بني أمية، توفي سنة ١٢٦ هـ. والبيت من قطعة اختارها أبو تمام في الحماسة، ومطلعها:
عقيليّة أمّا ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل
تقيّظ أكناف الحمى ويظلّها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل
ويفسّر معنى البيت الشاهد: قول الآخر:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروّى الظّما ويشفى الغليل
إنّ ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثير ممّن يحبّ القليل
وفي البيت الشاهد يقول: أليس قليلا نظرة منك إذا حصلت لي، ثم استدرك على نفسه ناقضا لما اعتقده فقال: كلّا، لا قليل منك. وموطن الشاهد: «كلّا»، فقد رأى الأنباري في الإنصاف أن «كلّا» بمعنى «حقّا»، وهذا المعنى قاله الكسائي ومن تابعه.
[الإنصاف/ ٤٠٢، والحماسة/ ١٣٤١].
١٢٨ - فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل
стр. 797
إذا قلت هاتي نوّليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل
البيتان لامرئ القيس، حامل لواء الشّعراء في النار، لما أذاعه في الشعر من فسق، ولخروجه على قومه، واستعانته بالروم على العرب، فسنّ سنة سيئة نال جزاءها بما أرسل الله عليه من القروح. وقوله: أجزنا: قطعنا. وانتحى: اعترض. والحقف: ما اعوج وتثنىّ من الرمل. والقفاف: جمع قف بالضم، وهو ما ارتفع من الأرض وغلظ، ولم يبلغ أن يكون جبلا. والعقنقل: بوزن سفرجل، المنعقد الداخل بعضه في بعض.
وليس في البيت الثاني شاهد، وإنما ذكرته؛ لأن الشاهد في البيت الأول لا يتضح إلا به، ففي أول البيت «لمّا» وتحتاج إلى جواب، أما الكوفيون فقالوا: جوابها، وانتحى، والواو مقحمة. وأما البصريون فقالوا: إن الجواب محذوف، والتقدير: لما قطعنا ساحة الحيّ وفارقناها، أمنّا من ترصّد الوشاة، أو نلنا ما كنا تمنيناه، وهذا الخلاف جار إذا كان البيت التالي ما ذكرته، ومنهم من يجعل الجواب في بيت تال للأول، وهو قوله:
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل
فيكون جواب «لما» هصرت. [الشذور/ والإنصاف/ ٤٥٧].
١٢٩ - ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا
البيت لجرير يهجو الأخطل.
والشاهد: «يكن وأب له»، حيث عطف قوله: «أب» بالواو على الضمير المرفوع المستتر في «يكن» وهو مذهب الكوفيين، ويرى البصريون أنه يجوز في ضرورة الشعر، فإذا كان هناك توكيد أو فصل، يجوز معه العطف من غير قبح، فتقول: اذهب أنت وأخوك، ولا تقول: اذهب وأخوك. [الإنصاف/ ٤٧٦، والعيني/ ٤/ ١٦٠، والهمع/ ٢/ ١٣٨، والأشموني/ ٣/ ١١٤].
١٣٠ - نصروا نبيّهم وشدّوا أزره ... بحنين يوم تواكل الأبطال
البيت لحسان بن ثابت. وحنين: اسم واد بين مكة والطائف، كانت به المعركة المشهورة التي ذكرها القرآن وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ. [التوبة: ٢٥]، قال الجوهري: حنين: موضع يذكر ويؤنث، فإذا قصدت به الموضع، ذكرته وصرفته، كما في
стр. 798
الآية. وإن قصدت به البقعة، أنثته ولم تصرفه، وبيت حسان على هذا المعنى، فهو لم يصرفه؛ لأنه لاحظ فيه معنى البقعة، ففيه العلمية والتأنيث. وكونه صرف في قراءات القرآن، فليس معناه أنه لا يمنع من الصرف، ولكن القراءة سنة متبعة، وهي لا تخالف العربية، ولكن ليس معنى هذا أن كل ما جاز في العربية جازت القراءة به، ولكن معناه أن كل ما قرئ به فهو جائز في العربية، وفرق بين الكلامين. [الإنصاف/ ٤٩٤].
١٣١ - قالت أميمة ما لثابت شاخصا ... عاري الأشاجع ناحلا كالمنصل
شاخصا: من شخص بصر فلان فهو شاخص، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف، ويكون ذلك عند الذهول أو مشارفة الموت. وقد يكون شخص بمعنى سار من بلد إلى بلد.
وعاري الأشاجع: هزل وضعف. والمنصل: السيف.
والشاهد: «ثابت»، حيث منعه من الصرف، وليس فيه إلا علة العلمية، وهو ضرورة شعرية.
وشاهد آخر: «عاري الأشاجع»، فإن «عاري» حال من «ثابت»، مثل قوله:
«شاخصا». وقد عامل الشاعر الاسم المنقوص في حال النصب معاملة الاسم المنقوص المرفوع والمجرور، فلم يظهر الحركة على آخره. [الإنصاف/ ٤٩٩].
١٣٢ - لي والد شيخ تهضه غيبتي ... وأظنّ أنّ نفاد عمره عاجل
تهضه: مضارع هاض العظم يهيضه هيضا، إذا كسره بعد ما كاد ينجبر، وكل وجع على وجع فهو هيض. وقد عامل الشاعر «تهضه» معاملة المجزوم وإن لم يسبقه جازم، وكان من حقّ العربية عليه أن يقول: تهيضه، إلا أنه حذف الياء للضرورة.
والشاهد أيضا: «عمره»، فقد اختلس كسرة الهاء ولم يشبعها؛ وأظن ذلك لضرورة الوزن. [الإنصاف/ ٥١٩].
١٣٣ - لتبعد إذ نأى جدواك عنّي ... فلا أشقى عليك ولا أبالي
قوله: لتبعد: أراد، لتهلك، فما في حياتك خير. والجدوى: العطية. ونأى: بعد.
وقوله: فلا أشقى عليك ولا أبالي يريد: أن هلاكك يذهب عني ما أنا فيه من الشقاء بحياتك.
стр. 799
ومحل الشاهد: «لتبعد»: حيث أمر المخاطب بالفعل المضارع المبدوء ب «تاء» المضارعة المقرون ب «لام» الأمر. وهو الأصل في الفعل الأمر؛ ولذلك قال الكوفيون: إن فعل الأمر معرب مجزوم. [الإنصاف/ ٥٢٧].
١٣٤ - فدعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
للشاعر ربيعة بن مقروم الضبي. قال ابن منظور: وصف فرسه بحسن الطراد فقال:
وعلام أركبه إذا لم أنازل الأبطال عليه. فهذا بمعنى المنازلة في الحرب والطراد لا غير، ويدل على أن «نزال» «فدعوا نزال» بمعنى المنازلة، دون النزول إلى الأرض: قوله «وعلام أركبه إذا لم أنزل»، أي: لماذا أركبه إذا لم أقاتل عليه، أي: في حين عدم قتالي عليه.
والشاهد: «فدعوا نزال»، حيث أوقع لفظ «نزال» في موقع المفعول به؛ لأنه أراد هذا اللفظ. [الإنصاف/ ٥٣٦، وشرح المفصل/ ٤/ ٢٧، والحماسة/ ٦٢].
١٣٥ - نعاء أبا ليلى لكلّ طمرّة ... وجرداء مثل القوس سمح حجولها
لجرير بن عطية. ونعاء: اسم فعل أمر معناه، انع، أي: اذكر خبر موته والفجيعة فيه.
والطمّرة: بكسر الطاء والميم وتشديد الراء المفتوحة، الخفيفة السريعة من الخيل.
والجرداء: القصيرة الشعر، وشبهها بالقوس؛ لانطوائها من الهزال. يريد أنه كان يجهدها في الحرب حتى هزلت. وقوله: سمح حجولها: الحجل: القيد. يريد أنها مذللة خاضعة للتقييد.
والشاهد: «نعاء أبا ليلى»، حيث استعمل اسم الفعل المأخوذ من مصدر الفعل الثلاثي المتصرف، وهو «نعى»، وجاء به على وزن (فعال) وبناه على الكسر، وأضمر فيه فاعلا، ونصب المفعول به بعده؛ لأن الفعل الأمر بمعناه يصل إلى المفعول به بنفسه.
[سيبويه/ ٢/ ٣٧، والإنصاف/ ٣٥٨].
١٣٦ - نعاء ابن ليلى للسماحة والندى ... وأيدي شمال باردات الأنامل
ونعاء ابن ليلى: أي: انع ابن ليلى. قوله: وأيدي شمال: الواو للحال، والجملة الاسمية من (أيدي ... باردات): حال. أي: اذكر خبر موت ابن ليلى للجود والكرم في حال كون أيدي الشمال باردات الأنامل. وخص ريح الشمال؛ لأنها أبرد الرياح، ولأنها
стр. 800
هي التي يأتي معها القحط. وخصّ الأنامل، وهي أطراف الأصابع؛ لأن البرد يسرع إليها.
والشاهد: «نعاء ابن ليلى»: اسم فعل أمر بمعنى «انع»، رفع فاعلا ونصب مفعولا.
[سيبويه/ ٢/ ٣٧، والإنصاف/ ٥٣٨].
١٣٧ - نعاء جذاما غير موت ولا قتل ... ولكن فراقا للدعائم والأصل
هذا البيت للكميت بن زيد. والدعائم: جمع دعامة، وهو ما يدعم به المائل. وسموا سيد القوم دعامة من ذلك؛ لأنه الذي يقيم ما اعوج من أمورهم. يقول: انع هؤلاء القوم، واذكر الفجيعة فيهم، ولكن لا تذكر ذلك؛ لأنهم ماتوا أو قتلوا، ولكن لأنهم فارقوا سادتهم وأهل الخطر منهم، فتبدد أمرهم، وانصدع شملهم.
ومحل الشاهد: «نعاء جذاما»، نعاء: اسم فعل أمر بمعنى انع، رفع فاعلا ونصب مفعولا. [سيبويه/ ١/ ١٣٩، والإنصاف/ ٥٣٩، وشرح المفصل/ ٤/ ٥].
١٣٨ - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
منسوب إلى عدي بن زيد العبادي الجاهلي، وتبدو في البيت الصنعة.
والشاهد: «كما يوما تحدثه»، بنصب «تحدثه» والذي عمل فيه النصب «كما»، في مذهب الكوفيين. وفي الشاهد
أيضا: أنه لا يضرّ الفصل بين «كما» والفعل، فيبقى الفعل منصوبا. [الإنصاف/ ٥٨٨، واللسان «كيا»]. و «كما» هنا، أصلها: كي ما، أو كيما، حذفت منها الياء، و «ما» زائدة غير كافة.
١٣٩ - يقلّب عينيه كما لأخافه ... تشاوس رويدا إنني من تأمّل
قوله: تشاوس: يقال: فلان يتشاوس في نظره، إذا نظر نظرة ذي نخوة وكبر، أو هو أن ينظر بمؤخر عينه ويميل وجهه في شقّ العين التي ينظر بها، يكون ذلك خلقة، ويكون من الكبر والتيه والغضب. ورويدا: أصله تصغير الإرواد، تصغير ترخيم، وقالوا: أرود فلان في سيره إروادا، يريدون أنه تمهل في سيره وترفق. وسيبويه يرى أن «رويدا» إنما يستعمل استعمال المصادر التي تنوب عن الأفعال، تقول: رويد عليا، أي: أمهله، وتكون اسم فعل، تقول: رويدك، أي: أمهل. ويرى أيضا أنه قد يقع صفة فتقول: سار
стр. 801
سيرا رويدا، وإنك قد تذكر الموصوف كما في المثال، وقد تحذفه فتقول: سار رويدا. قال سيبويه: «هذا باب متصرف رويد»، تقول: رويد زيدا، وإنما تريد: أرود زيدا. وسمعنا من العرب من يقول: والله لو أردت الدراهم، لأعطيتك، رويد، ما الشعر. يريد: أرود الشعر، كقول القائل: لو أردت الدراهم، لأعطيتك فدع الشعر، فقد تبين لك أن «رويد» في موضع الفعل. ويكون «رويد» أيضا صفة، كقولك: سار سيرا رويدا. ويقولون أيضا:
ساروا رويدا، فيحذفون السير ويجعلونه حالا، به وصف كلامه، اجتزاء بما في صدر حديثه من قوله «ساروا» عن ذكر السّير. ومن ذلك قول العرب: «ضعه رويدا»، أي:
وضعا رويدا. ومن ذلك قولك للرجل، تراه يعالج شيئا: «رويدا» إنما تريد علاجا رويدا، فهذا على وجه الحال إلا أن يظهر الموصوف، فيكون على الحال وعلى غير الحال. اه.
وعلى هذا يكون قول الشاعر في البيت الشاهد: «رويدا»، حالا من الضمير الواجب الاستتار في قوله: تشاوس.
وقوله: إنني من تأمّل: أي: أنا ذلك الذي تتأمله وتنظر إليه، ومتى عرفتني، عرفت أنه ليس لك أن تنظر لي نظر الكبر والغضب.
والشاهد في البيت: «كما لأخافه»، حيث زعم الكوفيون أن الفعل المضارع الذي هو «أخافه» منصوب ب «كما»، التي هي في الأصل: «كيما»، وليس هذا البيت حجة للكوفيين؛ لأنه:
أولا: مروي بصورة «لكيما أخافه».
وثانيا: لأن الناصب هو «اللام» في قوله: «لأخافه»؛ لأنها «لام» التعليل، وهي تنصب بنفسها عندهم، أو ب «أن» مضمرة عند البصريين، والقول بزيادة «اللام» لا دليل عليه.
والثالث: أنهم يقولون: إن «كي» لا تكون إلا مصدرية مثل «أن»، فمجيء «اللام» بعدها ينقض هذه المقالة؛ لأننا لو جعلنا «اللام» توكيدا ل «كي»، لم يصح؛ لاختلاف معناهما، ف «كي» مصدرية و «اللام» للتعليل، ولو جعلنا اللام بدلا من «كي»، كانت كما في حكم الساقط من الكلام؛ لأن المبدل منه على نية الطرح من الكلام، ويكون العمل للبدل، الذي هو «اللام»، فيتعين عندهم أن تكون زائدة، وهذا ما لم يقم عليه دليل.
[الإنصاف/ ٥٨٩، والحماسة/ ٧٤٥، والبيت لأوس بن حجر].
стр. 802
١٤٠ - ركاب حسيل أشهر الصّيف بدّن ... وناقة عمرو ما يحلّ لها رحل
ويزعم حسل أنه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل
الركاب: الإبل، ولا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها: راحلة. وأشهر الصيف:
مركب إضافي صدره منصوب على الظرفية. والبدّن: جمع بادن، وهو الكثير اللحم، العظيم البدن، ويقال: بادن، للمذكر والمؤنث، وربما قيل للمؤنثة: بادنة، وكنى بكون ركابه بدّنا، عن أنها لا تعمل، وقابله بقول: ما يحلّ لها رحل، أي: أنها على سفر دائما. وحسل: اسم رجل، وأصله ولد الثعلب. وحسيل: تصغيره.
والشاهد: «وما أنت فرع ولا أصل»، حيث أهمل «ما» النافية، فلم يرفع بها الاسم وينصب الخبر، وإهمالها لغة تميم، وإعمالها لغة أهل الحجاز، وهي التي وردت في القرآن: ما هذا بَشَراً. [يوسف: ٣١]، ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ. [المجادلة: ٢]، وقد نزل القرآن بلغة أهل الحجاز. وعدم وجود لغة أخرى فيه، لا يدل على ضعف هذه اللغة المتروكة، ولا على أنه لا يجوز التكلم بها، مع أن الفصيح في الاستعمال، ما جاء في الكتاب الكريم. [الانصاف/ ٦٩٤].
١٤١ - لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
هذا البيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي أولها:
أساءلت رسم الدار أم لم تسائل ... عن السكن أم عن عهده بالأوائل
وقوله: أكرم: فعل مضارع من أكرم. والأفياء: جمع فيء، وهو الظلّ. والأصائل:
جمع الأصيل، وهو الوقت الذي قبل غروب الشمس.
والشاهد: «لأنت البيت أكرم أهله»، فإن الكوفيين يزعمون أن جملة «أكرم أهله» لا محل لها، صلة للبيت. وعندهم أن الاسم الجامد المحلى ب «أل»، مثل: البيت، والدار، والفرس، مثل الأسماء الموصولة، ك «التي والذي» في الحاجة إلى الصلة.
والبصريون ينكرون ذلك لأسباب:
لأن الاسم المحلى ب «أل» يدل على معنى خاص في ذاته، والاسم الموصول لا يدل على ذلك.
стр. 803
وخرجوا البيت على وجهين: الأول: «أنت»، مبتدأ. و «البيت». خبره الأول، وجملة أكرم: خبره الثاني. وتكون «أل» الداخلة على البيت؛ لاستغراق الصفات كالتي في قولهم: أنت الرجل، يريدون أنت الجامع لكل صفات الكمال التي في الرجال. وكأن الشاعر قال: أنت البيت الجامع لكل الصفات المحببة، ثم أخبر عنه مرة أخرى بقوله:
«أكرم أهله». والوجه الثاني: البيت: خبر «لأنت». وأكرم أهله: صفة للبيت، وتكون «أل» الداخلة على البيت، جنسية، والمحلى ب «أل» الجنسية قريب من النكرة.
وقد تكون جملة «أكرم أهله» صلة لموصول محذوف يقع صفة للبيت، والتقدير:
لأنت البيت الذي أكرم أهله [الإنصاف/ ٧٢٣، والهمع/ ١/ ٨٥، والخزانة/ ٥/ ٤٨٤].
١٤٢ - أرتني حجلا على ساقها ... فهشّ الفؤاد لذاك الحجل
فقلت ولم أخف عن صاحبي ... ألا بأبي أصل تلك الرّجل
هذان البيتان من المتقارب. والحجل: الخلخال.
والشاهد: «الحجل، والرّجل». فإن أصل الكلمة الأولى، بكسر الحاء وسكون الجيم، وهاتان حركة وسكون البنية، وبكسر اللام وهذه حركة الإعراب، فلما أراد الشاعر الوقف، نقل كسرة اللام إلى الجيم الساكنة قبلها فصارت بزنة (الإبل)، وكذلك الكلمة الثانية. [الإنصاف/ ٧٣٣، وشرح المفصل/ ٩/ ٧١، والهمع/ ٢/ ٢٠٨].
١٤٣ - علّمنا إخواننا بنو عجل ... شرب النبيذ واصطفافا بالرّجل
هذا بيت من الرجز المشطور، والقول فيه كالقول في سابقيه. [الإنصاف/ ٧٣٤، والأشموني/ ٤/ ٢٤٠].
١٤٤ - لم نرحّب بأن شخصت ولكن ... مرحبا بالرّضاء منك وأهلا
شخص الرجل: إذا ذهب من بلد إلى بلد. والرضاء: ضد السخط.
والشاهد في البيت: «الرّضاء»، فإن أصله «الرضا» مقصورا فمدّه الشاعر؛ لإقامة الوزن. وقيل: الرضاء هو الاسم من رضي، وهو ممدود أصلا، وأما المصدر فهو «رضا» مقصورا. [الإنصاف/ ٧٤٨].
١٤٥ - حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
стр. 804
البيت لحسان بن ثابت، يقوله في أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها.
والحصان: العفيفة. والرّزان، أي: ذات ثبات ووقار، وعفاف. ما تزنّ: بالبناء للمجهول، أي: ما تتهم. وغرثى: وصف المؤنث من «الغرث» بالتحريك وهو الجوع.
والغوافل: جمع غافلة، يعني أنها لا تغتاب أحدا.
والشاهد: مجيء هذه الصفات: حصان، رزان من غير «تاء» التأنيث، مع أنها جارية على مؤنث، بسبب كونها غير جارية على فعل، أي جارية مجرى النسب، بمعنى ذات حصان وذات رزان، وهذا رأي البصريين. أما الكوفيون فيرون أن حذف «التاء» إنما يكون لاختصاص المؤنث به. [الإنصاف/ ٧٥٩].
١٤٦ - إنّ الأمور إذا الأحداث دبّرها ... دون الشيوخ ترى في بعضها خللا
الأحداث: جمع حدث، وهو الشاب الفتيّ السن.
والشاهد: «إذا الأحداث دبّرها»، حيث جرد الفعل «دبرها» من «تاء» التأنيث، مع أن فاعله يعود إلى جمع تكسير، وجمع التكسير يصح أن ينظر إليه على أنه جمع، فيكون مذكرا ولو كان مفرده مؤنثا، وأن ينظر إليه على أنه جماعة، فيكون مؤنثا. ولو كان مفرده مذكرا، والوجهان جائزان في سعة الكلام. [الإنصاف/ ٤٨٧].
١٤٧ - ويلمّه رجلا تأبى به غبنا ... إذا تجرّد لا خال ولا بخل
البيت للمتنخل الهذلي، من قصيدة في ديوان الهذليين.
وقوله: ويلمه رجلا: كلمة يتعجب بها، ولا يراد بها الدعاء. والخال: المخيلة، أي:
الخيلاء. والبخل: بفتح الباء والخاء هنا، مثل البخل بضم فسكون.
والشاهد: و «يلمه»، فإن أصل الكلمة: «ويل أمه»، بهمزة قطع من أصول الكلمة، فحذفوا الهمزة بقصد التخفيف؛ لكثرة الاستعمال. ولذلك لا يقاس عليها فلا تحذف مثل: «ويل أبيه»، و «ويل أخته». والخطيب التبريزي يرى أن أصل «ويلمه»: «ويل لأمه»، فالمصدر مبتدأ، والجار والمجرور خبره، وقد حذف شيئان: اللام من «ويل»، والهمزة من «أم»، قال: لفظة «ويل» إذا أضيفت بغير اللام، فالوجه فيها النصب، فتقول: «ويل زيد»، والمعنى: «ألزم الله زيدا الويل». فإذا أضيفت باللام فقيل: «ويل لزيد»، فحكمه أن يرفع فيصير ما بعده جملة ابتدئ بها، وهي نكرة؛ لأن معنى الدعاء منه مفهوم، والمعنى:
стр. 805
الويل ثابت لزيد. [الإنصاف/ ٨٠٩].
١٤٨ - ويلمّه مسعر حرب إذا ... ألقي فيها وعليه الشّليل
قالته الخنساء. ويلمه .. انظر الشاهد السابق. (ويلمه ... ولا بخل).
وأصل المسعر: بزنة المنبر، والمسعار: ما أججت به النار، أو ما تحرك به النار من حديد أو خشب. وقالوا: فلان مسعر حرب: إذا كان يؤرّثها، والشليل: بفتح الشين، الغلالة التي تلبس فوق الدرع. وقيل: هي الدرع الصغيرة القصيرة تكون تحت الكبيرة.
وقيل: هي الدرع ما كانت. وجمعها أشلّة.
والشاهد: «ويلمه»، والكلام فيها كسابقها. ومثله قول ذي الرمة:
ويلمها روحة والريح معصفة ... والغيث مرتجز والليل مقترب
ومثله قول علقمة بن عبده، وهو في الحماسة:
فويلمّ أيام الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاه الفتى المتلف النّدى
وروحة ومعيشة في البيتين تمييز.
يمدح علقمة أيام الشباب، وقد طاع لصاحبه الكثر، وهو كثرة المال، فاجتمع الغنى والشباب له، وهو سخيّ مبذر فيما يكسبه ذكرا جميلا وصيتا عاليا. والبيت الشاهد للخنساء. [الإنصاف/ ٨١٠، والحماسة/ ١٧٩٨].
١٤٩ - إذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء هاج بينهم جدال
البيت ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، يهجو به النحويين يعني أنهم إذا اجتمعوا للبحث عن إعلال حروف العلة، ثار بينهم جدال.
والشاهد فيه: «على ألف وواو وياء»، على أن أسماء حروف المعجم تعرب إذا ركبت مع العامل، وذكر اسمها لا لفظها، وإن كان بناؤها أصليا. والشاعر من قوم الحجاج، ومن معاصريه. وهذا يدل على أن الاشتغال بعلم النحو قديم بدأ في العصر الأموي؛ لأن الحجاج تولى العراق بعد سنة ٧٤ هـ، وكان الشاعر على صلة به، بل كان الشاعر من مدّاحي سليمان بن عبد الملك أيام ولايته العهد. [شرح المفصل/ ٦/ ٣٩، والخزانة/ ١/ ١١٠].
стр. 806
١٥٠ - فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط ذلول
انظر البيت في حرف الباء (نجيب)، فقد ذكره النحويون في حرف الباء.
١٥١ - قلّما عرّس حتى هجته ... بالتباشير من الصّبح الأول
هذا البيت من شعر لبيد بن ربيعة. وهو شاهد على أنّ «قلّما» قد تجيء بمعنى إثبات الشيء القليل، كما في هذا البيت. والكثير أن تكون للنفي الصرف. [الخزانة/ ٣/ ٣٦٣].
١٥٢ - تزال حبال مبرمات أعدّها ... لها ما مشى يوما على خفّه جمل
منسوب لامرأة سالم بن قحفان في قصة كرم، وقصة المثل: «عليّ الجمال وعليك الحبال». وهو شاهد على أن «تزال» جواب قسم، وحذف منه حرف النفي، أي: «لا تزال»، والقسم في بيت قبله، وهو:
حلفت يمينا يا ابن قحفان بالذي ... تكفّل بالأرزاق في السهل والجبل
تزال ...
فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل ... فعندي لها عقل وقد زاحت العلل
فجملة «تزال» بتقدير «لا»: جواب القسم. ومبرمات: محكمات. وضمير «لها»:
للإبل، في شعر قاله سالم بن قحفان قبل هذا. و «ما»: مصدرية ظرفية. وعقل: جمع عقال، وهو ما يربط به ركبة البعير. وزاحت: زالت.
وقصة هذه الأبيات، أن سالم بن قحفان جاء إليه أخو امرأته زائرا، فأعطاه بعيرا من إبله، وقال لامرأته: هاتي حبلا يقرن به ما أعطيناه إلى بعيره، ثم أعطاه ثانيا وثالثا، فقالت: ما بقي عندي حبل، فقال: «عليّ الجمال وعليك الحبل»، وأنشأ يقول:
لقد بكرت أم الوليد تلومني ... ولم أجترم جرما فقلت لها مهلا
فلا تعذليني بالعطاء ويسّري ... لكل بعير جاء طالبه حبلا
فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن ... ولا مثل أيام الحقوق لها سبلا
стр. 807
فرمت إليه خمارها وقالت: صيره حبلا لبعضها، وأنشدت تقول الأبيات.
[الخزانة/ ٩/ ٢٤٦].
١٥٣ - ومتى أهلك فلا أحفله ... بجلي الآن من العيش بجل
البيت من قصيدة للشاعر لبيد بن ربيعة، ذكر فيها أيامه ومشاهده، وما جرى له عند النعمان بن المنذر ملك الحيرة، والتأسّف على موته. قال القصيدة قبل إسلامه.
والبيت شاهد على أن «بجل» كان في الأصل مصدرا بمعنى الاكتفاء، ثم صار اسم فعل بمعنى الأمر. فإن اتصلت به الكاف، كان معناه: «اكتف»، وإن اتصل به الياء، كان معناه: «لأكتف»، أمر متكلم نفسه. [الخزانة/ ٦/ ٢٤٦].
١٥٤ - يتمارى في الذي قلت له ... ولقد يسمع قولي حيّهل
البيت للشاعر لبيد، يذكر صاحبا له في السفر، كان أمره بالرحيل.
وهو شاهد على أن لبيدا سكّن «اللام» للقافية، ولا يجوز تسكين «اللام» في «حيّهلا» في غير الوقف. [الخزانة/ ٦/ ٢٥٨].
١٥٥ - أتعرف أم لا رسم دار معطّلا ... من العام يغشاه ومن عام أوّلا
قطار وتارات خريق كأنّها ... مضلّة بوّ في رعيل تعجّلا
البيتان للشاعر القحيف العقيلي، من شعراء الجاهلية. معطلا: صفة رسم، أي: خاليا من السكان. من العام. أي: هذا العام. ومن عام أول: العام السابق. قطار: فاعل يغشاه، والقطار: جمع قطر، وهو المطر. وتارات: جمع تارة، بمعنى مرة. والخريق: الريح الباردة الشديدة الهبوب. شبه الريح العاصفة في رسم الدار بناقة أضاعت ولدا في جمع خيل أسرع ومضى، فهي والهة تريد اللّحاق إليه، فتسرع بأشدّ ما يمكنها. والبوّ: جلد الحوار، أي: ولد الناقة يحشى إذا مات، فتعطف عليه الناقة فتدرّ. والرعيل: الجماعة من الخيل.
وفي البيتين شاهد على أن الشاعر قد فصل بالظرف (تارات) بين العاطف، وهو «الواو»، وبين المعطوف، وهو «خريق»، والأصل: قطار وخريق تارات. [الخزانة/ ٥/ ١٣١، وحاشية ياسين على التصريح ج ٢/ ١٦٣، ونوادر أبي زيد/ ٢٠٨].
стр. 808
فائدة: الفرق بين العام والسنة؟
قال البغدادي في خزانة الأدب ج ٥/ ١٣٢، قال ابن الجواليقي:
السنة: من أيّ يوم عددته إلى مثله.
والعام: لا يكون إلا شتاء وصيفا.
وفي «التهذيب» العام حول يأتي على شتوة وصيفة، وعلى هذا، فالعام أخصّ من السنة، وليس كل سنة عاما. أقول: وقد تكون السنة عاما إذا تضمنت الشتوة والصيفة.
قال: وإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف ونصف الشتاء، والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء متواليين، اه.
أقول: وفي هذا إشكال لم أفهمه: لأنني أفهم من هذا، أنّ التواريخ التي نعدها لا تكون إلا سنوات، سواء أكانت بالتقويم الهجري، أم بالتقويم الميلادي؛ لأن السنة الهجرية ليس لها بداية ثابتة. والسنة الميلادية تبدأ في كانون الثاني، وهو في منتصف الشتاء. ومعنى هذا أن التقويم الشمسي لا يكون إلا سنة، لأنه لا يكون فيه شتاء كامل،
ويكمل فيه الربيع والصيف والخريف فقط، أما السنة الهجرية فقد تصادف أول الشتاء، فيكون فيها صيف وهذا نادر؛ ولهذا لا يكون فيما نقوم به إلا «السنة»، ونقول: «العام»، إذا تحدثنا عن عام زراعة، أو مناخ، أو تجارة ... الخ.
وبناء على هذا كيف نفسر قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً؟ [العنكبوت: ١٤].
١٥٦ - ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أمرا أغرّ محجّلا
البيت للنابغة الجعدي، من أبيات في هجاء ليلى الأخيليّة.
وقوله: حييا ليلى، أي: أبلغاها تحيتي على طريق الهزء والسخرية.
وقوله: فقد ركبت: أراد أنها ركبت بسبب التعرض لي أمرا واضحا ظاهرا لا يخفى، وهذا يقال في كل شيء ظاهر عرف كما يعرف الفرس الأغرّ المحجل.
والشاهد: «هلا» بمعنى: اسكني، اسم فعل أمر، وقد تكون اسم صوت؛ لزجر الدابة،
стр. 809
والخيل، والناقة. وقصة ليلى الأخيلية دخلها الكثير من الوضع والكذب، فلا تصدقنّ كل ما قيل فيها. [الخزانة/ ٦/ ٢٣٨].
١٥٧ - سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
البيت للشاعر ذي الرّمة من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.
وصيدح: اسم ناقة ذي الرمّة.
والبيت شاهد على أن الفعل التالي لاسم العين بعد «سمع» يجوز أن لا يكون بمعنى النطق، كما في البيت، فإن الانتجاع، هو التردد في طلب العشب والماء، وليس قولا، والمسموع: مطلق الصوت، سواء أكان قولا أم حركة، فإن المشي فيه صوت تحريك أقدام، وكذا الانتجاع. [الخزانة/ ٩/ ١٦٧].
١٥٨ - أبو موسى فحسبك نعم جدّا ... وشيخ الحيّ خالك نعم خالا
من قصيدة لذي الرّمة، يمدح بلال بن أبي بردة. وهو شاهد على أنه قد يكون فاعل «نعم» ضميرا مفسّرا بنكرة مع تقدم المخصوص بالمدح، فإن «أبو موسى» هو المخصوص، وفاعل نعم ضمير فسّره بقوله: «جدّا»، وكذا المصراع الثاني، فإن «شيخ الحيّ» هو المخصوص، و «خالك» بدل منه. [الخزانة/ ٩/ ٣٩٠].
١٥٩ - بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
البيت للمتنبي.
وهو شاهد على أن «قمرا» وما بعده من المنصوبات، أحوال مؤولة بالمشتق، أي:
بدت مضيئة كالقمر، ومالت منثنية، وفاحت طيّبة، ورنت مليحة. [الخزانة/ ٣/ ٢٢٢].
١٦٠ - وكلّ أبيّ باسل غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
البيت للشاعر الشّنفرى، من قصيدته المشهورة التي تسمى لامية العرب، ومطلعها:
أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
وقوله: أقيموا صدور مطيكم، أي: جدوا في السير، أو جدوا في أموركم كلها، يؤذن قومه بالرحيل، وأن غفلتهم عنه توجب مفارقتهم. وقوله: أميل، أي: مائل، وقوله في
стр. 810
الشاهد: «وكلّ أبيّ»، يريد الوحوش التي فضّل صحبتها على الأهل في بيت سابق.
وباسل: شجاع. وأبسل: اسم تفضيل. والبيت شاهد على أن «غير»، تستعمل في الاستثناء المتصل. [الخزانة/ ٣/ ٣٤٠].
١٦١ - لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل
البيت لأبي تمام، من أبيات يصف بها القلم، ويمدح محمد بن عبد الملك الزيات، وفي الشطر الأول يصف أثر القلم في الأعداء، وفي الشطر الثاني يبين أثره في الأصدقاء.
والبيت شاهد على أنّ المبتدأ والخبر إذا تساويا تعريفا وتخصيصا، يجوز تأخير المبتدأ، إذا كان هناك قرينة معنوية على تعيين المبتدأ. والتقدير في البيت: لعابه مثل لعاب الأفاعي. [الخزانة/ ١/ ٤٤٥].
هذا، والإمام الرضيّ، صاحب شرح الكافية، يرى جواز الاستشهاد بشعر أبي تمام في المسائل النحوية واللغوية، فهو يرى تبعا للزمخشري، أن ما يقوله أبو تمام، بمنزلة ما يرويه، وقد وثّق العلماء مروياته في كتاب الحماسة، واعتمدوا عليها في كتب النحو واللغة، وهو رأي وجيه ومقبول، ولكنّ علماء آخرين رفضوا هذا الرأي؛ لئلا يتسع الاستشهاد بأشعار من أسموهم المولدين، وليسوا مستوين في الفصاحة.
١٦٢ - أكرم بها خلّة لو أنّها صدقت ... موعودها أو لو أنّ النّصح مقبول
لكعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد».
والشاهد في: «لو» الثانية فإنّ خبر «أنّ» بعدها وصف مشتق، لا فعل، وجاء خبر «أنّ» في الشطر الأول، فعلا ماضيا
مع فاعله. وأكرم: فعل تعجب، و «به»: فاعل، والباء.
زائدة. خلة: تمييز.
وصدق: يأتي متعديا كما في هذا البيت، حيث نصب المفعول «موعود».
هذا، وقصة لقاء كعب رسول الله ﷺ ، ومدحه بهذه القصيدة لم تثبت، وليس فيها سند صحيح. [الخزانة/ ١١/ ٣٠٨].
١٦٣ - أأبكاك بالعرف المنزل ... وما أنت والطلل المحول
وما أنت ويك ورسم الديار ... وستّوك قد كربت تكمل
следующие страницы →