← Адаб

Адаб · id 17712

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية

محمد حسن شراب

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

١٥٠ - فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط ذلول انظر البيت في حرف الباء (نجيب)، فقد ذكره النحويون في حرف الباء. ١٥١ - قلّما عرّس حتى هجته ... بالتباشير من الصّبح الأول هذا البيت من شعر لبيد بن ربيعة. وهو شاهد على أنّ «قلّما» قد تجيء بمعنى إثبات الشيء القليل، كما في هذا البيت. والكثير أن تكون للنفي الصرف. [الخزانة/ ٣/ ٣٦٣]. ١٥٢ - تزال حبال مبرمات أعدّها ... لها ما مشى يوما على خفّه جمل منسوب لامرأة سالم بن قحفان في قصة كرم، وقصة المثل: «عليّ الجمال وعليك الحبال». وهو شاهد على أن «تزال» جواب قسم، وحذف منه حرف النفي، أي: «لا تزال»، والقسم في بيت قبله، وهو: حلفت يمينا يا ابن قحفان بالذي ... تكفّل بالأرزاق في السهل والجبل تزال ... فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل ... فعندي لها عقل وقد زاحت العلل فجملة «تزال» بتقدير «لا»: جواب القسم. ومبرمات: محكمات. وضمير «لها»: للإبل، في شعر قاله سالم بن قحفان قبل هذا. و «ما»: مصدرية ظرفية. وعقل: جمع عقال، وهو ما يربط به ركبة البعير. وزاحت: زالت. وقصة هذه الأبيات، أن سالم بن قحفان جاء إليه أخو امرأته زائرا، فأعطاه بعيرا من إبله، وقال لامرأته: هاتي حبلا يقرن به ما أعطيناه إلى بعيره، ثم أعطاه ثانيا وثالثا، فقالت: ما بقي عندي حبل، فقال: «عليّ الجمال وعليك الحبل»، وأنشأ يقول: لقد بكرت أم الوليد تلومني ... ولم أجترم جرما فقلت لها مهلا فلا تعذليني بالعطاء ويسّري ... لكل بعير جاء طالبه حبلا فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن ... ولا مثل أيام الحقوق لها سبلا

стр. 807

فرمت إليه خمارها وقالت: صيره حبلا لبعضها، وأنشدت تقول الأبيات. [الخزانة/ ٩/ ٢٤٦]. ١٥٣ - ومتى أهلك فلا أحفله ... بجلي الآن من العيش بجل البيت من قصيدة للشاعر لبيد بن ربيعة، ذكر فيها أيامه ومشاهده، وما جرى له عند النعمان بن المنذر ملك الحيرة، والتأسّف على موته. قال القصيدة قبل إسلامه. والبيت شاهد على أن «بجل» كان في الأصل مصدرا بمعنى الاكتفاء، ثم صار اسم فعل بمعنى الأمر. فإن اتصلت به الكاف، كان معناه: «اكتف»، وإن اتصل به الياء، كان معناه: «لأكتف»، أمر متكلم نفسه. [الخزانة/ ٦/ ٢٤٦]. ١٥٤ - يتمارى في الذي قلت له ... ولقد يسمع قولي حيّهل البيت للشاعر لبيد، يذكر صاحبا له في السفر، كان أمره بالرحيل. وهو شاهد على أن لبيدا سكّن «اللام» للقافية، ولا يجوز تسكين «اللام» في «حيّهلا» في غير الوقف. [الخزانة/ ٦/ ٢٥٨]. ١٥٥ - أتعرف أم لا رسم دار معطّلا ... من العام يغشاه ومن عام أوّلا قطار وتارات خريق كأنّها ... مضلّة بوّ في رعيل تعجّلا البيتان للشاعر القحيف العقيلي، من شعراء الجاهلية. معطلا: صفة رسم، أي: خاليا من السكان. من العام. أي: هذا العام. ومن عام أول: العام السابق. قطار: فاعل يغشاه، والقطار: جمع قطر، وهو المطر. وتارات: جمع تارة، بمعنى مرة. والخريق: الريح الباردة الشديدة الهبوب. شبه الريح العاصفة في رسم الدار بناقة أضاعت ولدا في جمع خيل أسرع ومضى، فهي والهة تريد اللّحاق إليه، فتسرع بأشدّ ما يمكنها. والبوّ: جلد الحوار، أي: ولد الناقة يحشى إذا مات، فتعطف عليه الناقة فتدرّ. والرعيل: الجماعة من الخيل. وفي البيتين شاهد على أن الشاعر قد فصل بالظرف (تارات) بين العاطف، وهو «الواو»، وبين المعطوف، وهو «خريق»، والأصل: قطار وخريق تارات. [الخزانة/ ٥/ ١٣١، وحاشية ياسين على التصريح ج ٢/ ١٦٣، ونوادر أبي زيد/ ٢٠٨].

стр. 808

فائدة: الفرق بين العام والسنة؟ قال البغدادي في خزانة الأدب ج ٥/ ١٣٢، قال ابن الجواليقي: السنة: من أيّ يوم عددته إلى مثله. والعام: لا يكون إلا شتاء وصيفا. وفي «التهذيب» العام حول يأتي على شتوة وصيفة، وعلى هذا، فالعام أخصّ من السنة، وليس كل سنة عاما. أقول: وقد تكون السنة عاما إذا تضمنت الشتوة والصيفة. قال: وإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف ونصف الشتاء، والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء متواليين، اه. أقول: وفي هذا إشكال لم أفهمه: لأنني أفهم من هذا، أنّ التواريخ التي نعدها لا تكون إلا سنوات، سواء أكانت بالتقويم الهجري، أم بالتقويم الميلادي؛ لأن السنة الهجرية ليس لها بداية ثابتة. والسنة الميلادية تبدأ في كانون الثاني، وهو في منتصف الشتاء. ومعنى هذا أن التقويم الشمسي لا يكون إلا سنة، لأنه لا يكون فيه شتاء كامل، ويكمل فيه الربيع والصيف والخريف فقط، أما السنة الهجرية فقد تصادف أول الشتاء، فيكون فيها صيف وهذا نادر؛ ولهذا لا يكون فيما نقوم به إلا «السنة»، ونقول: «العام»، إذا تحدثنا عن عام زراعة، أو مناخ، أو تجارة ... الخ. وبناء على هذا كيف نفسر قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً؟ [العنكبوت: ١٤]. ١٥٦ - ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أمرا أغرّ محجّلا البيت للنابغة الجعدي، من أبيات في هجاء ليلى الأخيليّة. وقوله: حييا ليلى، أي: أبلغاها تحيتي على طريق الهزء والسخرية. وقوله: فقد ركبت: أراد أنها ركبت بسبب التعرض لي أمرا واضحا ظاهرا لا يخفى، وهذا يقال في كل شيء ظاهر عرف كما يعرف الفرس الأغرّ المحجل. والشاهد: «هلا» بمعنى: اسكني، اسم فعل أمر، وقد تكون اسم صوت؛ لزجر الدابة،

стр. 809

والخيل، والناقة. وقصة ليلى الأخيلية دخلها الكثير من الوضع والكذب، فلا تصدقنّ كل ما قيل فيها. [الخزانة/ ٦/ ٢٣٨]. ١٥٧ - سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا البيت للشاعر ذي الرّمة من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. وصيدح: اسم ناقة ذي الرمّة. والبيت شاهد على أن الفعل التالي لاسم العين بعد «سمع» يجوز أن لا يكون بمعنى النطق، كما في البيت، فإن الانتجاع، هو التردد في طلب العشب والماء، وليس قولا، والمسموع: مطلق الصوت، سواء أكان قولا أم حركة، فإن المشي فيه صوت تحريك أقدام، وكذا الانتجاع. [الخزانة/ ٩/ ١٦٧]. ١٥٨ - أبو موسى فحسبك نعم جدّا ... وشيخ الحيّ خالك نعم خالا من قصيدة لذي الرّمة، يمدح بلال بن أبي بردة. وهو شاهد على أنه قد يكون فاعل «نعم» ضميرا مفسّرا بنكرة مع تقدم المخصوص بالمدح، فإن «أبو موسى» هو المخصوص، وفاعل نعم ضمير فسّره بقوله: «جدّا»، وكذا المصراع الثاني، فإن «شيخ الحيّ» هو المخصوص، و «خالك» بدل منه. [الخزانة/ ٩/ ٣٩٠]. ١٥٩ - بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا البيت للمتنبي. وهو شاهد على أن «قمرا» وما بعده من المنصوبات، أحوال مؤولة بالمشتق، أي: بدت مضيئة كالقمر، ومالت منثنية، وفاحت طيّبة، ورنت مليحة. [الخزانة/ ٣/ ٢٢٢]. ١٦٠ - وكلّ أبيّ باسل غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل البيت للشاعر الشّنفرى، من قصيدته المشهورة التي تسمى لامية العرب، ومطلعها: أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل وقوله: أقيموا صدور مطيكم، أي: جدوا في السير، أو جدوا في أموركم كلها، يؤذن قومه بالرحيل، وأن غفلتهم عنه توجب مفارقتهم. وقوله: أميل، أي: مائل، وقوله في

стр. 810

الشاهد: «وكلّ أبيّ»، يريد الوحوش التي فضّل صحبتها على الأهل في بيت سابق. وباسل: شجاع. وأبسل: اسم تفضيل. والبيت شاهد على أن «غير»، تستعمل في الاستثناء المتصل. [الخزانة/ ٣/ ٣٤٠]. ١٦١ - لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل البيت لأبي تمام، من أبيات يصف بها القلم، ويمدح محمد بن عبد الملك الزيات، وفي الشطر الأول يصف أثر القلم في الأعداء، وفي الشطر الثاني يبين أثره في الأصدقاء. والبيت شاهد على أنّ المبتدأ والخبر إذا تساويا تعريفا وتخصيصا، يجوز تأخير المبتدأ، إذا كان هناك قرينة معنوية على تعيين المبتدأ. والتقدير في البيت: لعابه مثل لعاب الأفاعي. [الخزانة/ ١/ ٤٤٥]. هذا، والإمام الرضيّ، صاحب شرح الكافية، يرى جواز الاستشهاد بشعر أبي تمام في المسائل النحوية واللغوية، فهو يرى تبعا للزمخشري، أن ما يقوله أبو تمام، بمنزلة ما يرويه، وقد وثّق العلماء مروياته في كتاب الحماسة، واعتمدوا عليها في كتب النحو واللغة، وهو رأي وجيه ومقبول، ولكنّ علماء آخرين رفضوا هذا الرأي؛ لئلا يتسع الاستشهاد بأشعار من أسموهم المولدين، وليسوا مستوين في الفصاحة. ١٦٢ - أكرم بها خلّة لو أنّها صدقت ... موعودها أو لو أنّ النّصح مقبول لكعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد». والشاهد في: «لو» الثانية فإنّ خبر «أنّ» بعدها وصف مشتق، لا فعل، وجاء خبر «أنّ» في الشطر الأول، فعلا ماضيا مع فاعله. وأكرم: فعل تعجب، و «به»: فاعل، والباء. زائدة. خلة: تمييز. وصدق: يأتي متعديا كما في هذا البيت، حيث نصب المفعول «موعود». هذا، وقصة لقاء كعب رسول الله ﷺ ، ومدحه بهذه القصيدة لم تثبت، وليس فيها سند صحيح. [الخزانة/ ١١/ ٣٠٨]. ١٦٣ - أأبكاك بالعرف المنزل ... وما أنت والطلل المحول وما أنت ويك ورسم الديار ... وستّوك قد كربت تكمل

стр. 811

البيتان للكميت بن زيد. والعرف: مكان. وما أنت: استفهام توبيخي. والمحول: الذي مضى عليه حول. ويك: كلمة تفجّع، أصلها ويلك. وكرب: من أخوات كاد. والشاهد في البيت الثاني، أنّ العدد الذي آخره النون، يضاف إلى صاحبه، أكثر من إضافته إلى المميز، أي: قرب أن يكمل ستون سنة من عمرك. [الخزانة/ ٣/ ٢٦٧]. ١٦٤ - كلانا إذا نال شيئا أفاته ... ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل هذا البيت، نسبه بعضهم لامرئ القيس من معلقته، ورواه الأكثرون للشاعر تأبط شرّا، والأقوى أنه للأخير؛ لأنه رابع أربعة أبيات تحكي قصة لقاء الشاعر مع الذئب. قال البغدادي في «الخزانة»: وهذا الشعر أشبه بكلام اللص والصعلوك، لا بكلام الملوك. وقصة لقاء الشعراء بالذئب تتعدد في الشعر العربي. فالفرزدق له أبيات في قصته مع الذئب، والبحتري له قصة طريفة، مثبتة في ديوانه. وقبل البيت: وواد كجوف العير قفر قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المعيّل فقلت له لما عوى إنّ شأننا ... قليل الغني إن كنت لمّا تموّل وجوف العير: مثل لما لا ينتفع منه بشيء. والخليع: الذي خلعه أهله لجناياته. والمعيّل: الكثير العيال. ولما تموّل: لما النافية التي تجزم المضارع. ومعنى البيت الشاهد: من طلب مني ومنك شيئا، لم يدرك مراده. وقيل معناه: من كانت صناعته وطلبته مثل طلبتي وطلبك في هذا الموضع، مات هزالا؛ لأنهما كانا بواد لا نبات فيه ولا صيد. والشاهد: «أنّ كلا، وكلتا» لو كانتا مثنيين حقيقة، لم يجز عود ضمير المفرد إليهما، كما عاد ضمير «نال» المفرد إلى «كلا» في هذا البيت، فلما عاد إليها الضمير المفرد، علم أنها مفردة لفظا مثناة معنى، فعاد إليها باعتبار اللفظ، وهو الكثير. ويجوز أن يثنى الضمير العائد إليها باعتبار المعنى. [الخزانة/ ١/ ١٣٤]. ١٦٥ - وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل البيت من معلقة امرئ القيس. وهو شاهد على أنه يخرج عن تعريف الحال (كونه يبين الهيئة)، الحال التي هي جملة بعد عامل وليس معه ذو حال، فجملة (والطير في

стр. 812

وكناتها): حال، وعاملها «أغتدي»، ولكن فاعل «اغتدي» ليس صاحب الحال؛ لأن جملة الحال لا تبيّن هيئته. [الخزانة/ ٣/ ١٥٦]. ١٦٦ - كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل من معلقة امرئ القيس. قوله: كدأبك: الدأب، العادة، وأصلها متابعة العمل والجدّ في السعي. والكاف تتعلق بقوله: «قفا نبك»، في البيت الأول، كأنه قال: قفا نبك كدأبك في البكاء، فهي موضع مصدر، والمعنى: بكاء مثل عادتك. ويجوز أن تتعلق بقوله: «وإنّ شفائي عبرة»، والتقدير: كعادتك في أن تشفى من أم الحويرث. والباء في قوله: بمأسل، متعلق بدأبك، كأنه قال: كعادتك بمأسل، وهو جبل. وقوله: «كعادتك» خبر مبتدأ محذوف. والتقدير: عادتك في حبّ هذه كعادتك في تينك. [الخزانة/ ٣/ ٢٢٣]. ١٦٧ - فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرّة لم تزيّل البيت لامرئ القيس، يصف سرعة فرسه وقد لحق بمقدمة السرب. وهو شاهد على أن قوله: «ودونه جواحرها» جملة حالية لا الظرف وحده. ولو كانت الحال الظرف فقط، لامتنعت الواو، فإنها لا تكون مع الحال المفردة. [الخزانة/ ٣/ ٢٤١]. ١٦٨ - كأنّ ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمّل من معلقة امرئ القيس. وثبير: جبل عند مكة. يقول: كأنّ ثبيرا في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس ملتف بكساء مخطط. والبيت شاهد على أن قوله: «مزمل» انجرّ لمجاورته ل «أناس» تقديرا لا ل «بجاد»؛ لتأخره عن «مزّمل في الرتبة». وأصله: كبير أناس مزمل في بجاد. وقيل: هو صفة حقيقية ل «بجاد»، والأصل: بجاد مزمّل فيه. ثم حذف حرف الجر، فارتفع الضمير واستتر في اسم المفعول. [الخزانة/ ٥/ ٩٨]. ١٦٩ - فو الله لولا أن أجيء بسبّة ... تجرّ على أشياخنا في القبائل

стр. 813

لكنّا اتبعناه على كلّ حالة ... من الدّهر جدّا غير قول التهازل هذان البيتان من القصيدة المنسوبة لأبي طالب عم النبي ﷺ ، قالها في الشّعب لما اعتزل مع بني هاشم وبني المطلب، ومنها أبيات في مدح النبي ﷺ . وقلت: منسوبة؛ لأن المروي في كتب السيرة والتاريخ يزيد على مائة بيت، ويظهر أن أصلها أقلّ من هذا العدد. قال ابن سلام في «الطبقات»: «وكان أبو طالب شاعرا جيد الكلام، وأبرع ما قال، قصيدته التي مدح فيها النبيّ ﷺ وهي: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل وقد زيد فيها وطولت. وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها، وسألني الأصمعي عنها، فقلت: صحيحة جيدة. قال: أتدري أين منتهاها، قلت: لا أدري. والشاهد في البيت الثاني أن المصدر المؤكد لغيره يكون في الحقيقة مؤكدا لنفسه؛ لأنه إما مع صريح القول، كقوله تعالى: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ. [مريم: ٣٤]، أو ما هو في معنى القول، كما في هذا البيت. فإن قوله: «جدّا». مصدر مؤكد لما يحتمل غيره، فإن قوله: «اتبعناه»، يحتمل أن يكون قاله على سبيل الجدّ، وهو المفهوم من اللفظ، وأن يكون قاله على طريق الهزل، وهو احتمال عقلي. فأكد المعنى الأول، بما هو في معنى القول؛ لأنه أراد به «قولا جدا»، والقرينة عليه ما بعده، فإن قول التهازل، يقابل قول الجد، فكان الأولى أن يقول: قول جدّ، بالإضافة؛ ليناسب ما بعده، فيكون لما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه. وغير: بالنصب، صفة لقوله: «جدا». وقوله: «لكنا اتبعناه»، جواب القسم، ويروى: «إذن لاتبعناه»، والضمير في «اتبعناه» راجع للنبي ﷺ . [الخزانة/ ٢/ ٥٦]. ١٧٠ - وأهلة ودّ قد تبرّيت ودّهم ... وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي البيت للشاعر أبي الطمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشّرقيّ، أدرك النبي ﷺ ، وأسلم ولم يره، وهو صاحب أمدح بيت قيل في الجاهلية، وهو:

стр. 814

أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه وقوله: تبرّيت ودّهم، أي: تعرضت له لأختبره، أو كشفت وفتشت. يريد أنه فتش عن صحة ودّهم؛ ليعلمه فيجزيهم به. وأبليتهم: أوصلتهم ومنحتهم. والبليّة: المنحة تارة، والمحنة أخرى. والجهد: بفتح الجيم وضمها: الوسع والطاقة. والبيت شاهد على أن «أهل» الوصف، يؤنث ب «التاء» كما في البيت، حيث قال: «وأهلة»، وأهلة ودّ: صفة لموصوف محذوف، أي: جماعة مستأهلة للود، أي: مستحقة له. هذا وقد أنكر بعضهم «استأهل» بمعنى: «استحقّ»، ولكن الأزهري في «التهذيب» أثبته وقال: إنه سمعه من أعرابي. والعامة تقول: أنا «أستاهل»، بالتسهيل دون همز، وهو «يستاهل». [الخزانة/ ٨/ ٩١]. ١٧١ - فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت (فذلّت) صعبة أيّ إذلال البيتان لامرئ القيس الفاسق الكاذب؛ لأنّ من يقرأ شعره يظنّ أن بنات العرب كنّ طوع بنانه، ورهن إشارة منه. فإما أن يكون هذا من خيال الشاعر وأحلامه التي لم تتحقق، وإما أن يكون الشعر مصنوعا مكذوبا عليه، فالعربيات كنّ عفيفات، لا ينقدن لغير بعولتهن، ويؤخذ هذا من حديث مبايعة النساء رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، عند ما قال رسول الله: «ولا يزنين»، فقالت هند بنت عتبة متعجبة: أو تزني الحرّة؟! والشاهد في البيت الثاني: أنّ «صار»، تامة و «نا» فاعلها، أي: رجعنا. ورضت، أي: ذللت. وصعبة: مفعوله. وقوله: أيّ إذلال: مفعول مطلق، عامله: رضت؛ لأنه بمعنى: أذللت. [الخزانة/ ٩/ ١٨٧]. ١٧٢ - لله درّ أنو شروان من رجل ... ما كان أعرفه بالدّون والسّفل

стр. 815

مجهول القائل. وأنو شروان: أشهر ملوك الفرس. في أيامه ولد النبي ﷺ ، وهو الذي قتل مزدك الزنديق، وبنى الإيوان المشهور، الذي انشقّ؛ لولادة النبي ﷺ . وقوله: ما كان أعرفه: كان زائدة، بين «ما» وفعل التعجب. والدون: الرديء. والسّفل: بكسر السين، وفتح الفاء، جمع سفلة، بكسر الأول وسكون الثاني. والبيت شاهد على أنّ قوله: «من رجل»، تمييز عن النسبة الحاصلة بالإضافة. [الخزانة/ ٣/ ٢٨٥]. ١٧٣ - يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرحيق السّلسل البيت لحسان بن ثابت، يمدح الغساسنة في الجاهلية. وهو شاهد على أنه قد يقوم المضاف إليه مقام المضاف في التذكير؛ لأنه أراد «ماء بردى»، ولو لم يقم مقامه في التذكير، لوجب أن يقال تصفق ب «التاء» للتأنيث؛ لأن بردى من صيغ المؤنث، فأرجع الشاعر ضمير يصفق إلى ماء بردى المحذوف. وهذا من أوهامهم التي يبنونها على رواية لها أخت تنقضها، ولكنهم لم يطلعوا عليها، فقد روي البيت: «كأسا تصفّق بالرحيق السلسل»، وليس كلّ الغساسنة كانوا يشربون من نهر بردى، وربما كانوا بعيدين عنه، فالغساسنة كانوا يسكنون أراضي حوران والجولان، وأما دمشق، فقد كانت عند الفتح الاسلامي بيد الروم. وفي السيرة أن رسول الله ﷺ كتب إلى ملك غسّان في بصرى، ولا يصل نهر بردى إلى ديار بصرى. ١٧٤ - ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما يردّ سؤالي مطلع قصيدة للأعشى، وهو شاهد على أنّ «الباء» «بالأطلال» للظرفية، أي: في الأطلال، وأراد بالكبير: نفسه، وعذلها بالوقوف على الأطلال وسؤاله إيّاها، ثم رجع وقال: وما يردّ سؤالي؟ يقول: ما بكاء شيخ كبير مثلي في طلل، ويبدو أن البيت مضمّن في البيت التالي، وهو: دمنة قفرة تعاورها الصّي ... ف بريحين من صبا وشمال والدمنة: ما اجتمع من التراب والأبعار وغير ذلك، فتعاوره الصيف بريحين مختلفين، وهما الصبا، ومهبها من ناحية الشرق، والشّمال، ومهبها من القطب الشمالي إلى

стр. 816

الجنوب، والجنوب من رياح اليمن، وفي قوله في نهاية البيت الأول: «وما يردّ سؤالي»، و «دمنة»، في مطلع البيت الثاني، أقوال لا بأس بإيجازها؛ لما فيها من التدريب للعقل على التفسير والربط. نقل البغدادي في خزانته/ ٩/ ٥١٢، عن كتاب الشعر لأبي علي قوله: فأما قوله: «وما يردّ سؤالي دمنة قفرة»، فإنّ «ما» تحتمل ضربين: أحدهما: أن تكون استفهاما في موضع نصب، كأنه قال: أيّ يرجع عليك سؤالك من النفع. وقد يقال: عاد عليّ نفع من كذا، وردّ علي كذا نفعا، ورجع عليّ منه نفع، ويكون «دمنة»، منتصبا بالمصدر الذي هو «سؤالي»، والبيت على هذا مضمّن. والآخر: أن يكون «ما» نفيا، كأنه قال: ما يردّ سؤالي، أي: جواب سؤالي، «دمنة» ف «الدمنة» فاعل «يرد»، والتقدير: «وما يردّ جواب سؤالي دمنة» والبيت على هذا مضمّن أيضا؛ لأن الفاعل الذي هو «دمنة»، فعله في البيت السابق، فيجوز أن يقول: «وما تردّ»، فيؤنث على لفظ «دمنة»، ويذكّر على المعنى. وقال ابن السّيد البطليوسي في «شرح أدب الكاتب»: وسؤالي فهل تردّ سؤالي، ويروى: «فما تردّ»، و «لا تردّ»، ويروى بالتاء والياء، فمن روى: «فهل تردّ»، على لفظ التأنيث، رفع «دمنة»، وجعلها فاعلا، وجعل «سؤالي» مفعولا بتقدير مضاف، أي: فهل تردّ جواب سؤالي دمنة. ومن روى: «فهل يردّ»، بلفظ التذكير، نصب «دمنة» مفعولا، وجعل «سؤالي» فاعلا، ومعناه: إنّ سؤالي لا يردّ الدمنة إلى ما كانت عليه، ومن روى: «ما» واعتقد أنها نفي، جاز أن يقول: «تردّ» بلفظ التأنيث، ويرفع دمنة لا غير، وجاز أن يقول: «يردّ»، بلفظ التذكير، وينصب دمنة إن شاء، ويرفعها إن شاء. وإن اعتقد أن «ما» استفهام، قال: «يردّ»، على لفظ التذكير، وجعل «ما» في موضع نصب ب «يرد»، و «سؤالي» في موضع رفع، ونصب «دمنة» بسؤالي لا غير. ومن روى: «ولا يردّ سؤالي»، على لفظ التذكير، نصب «دمنة»، وإن شاء رفعها. ومن روى: «ولا تردّ»، على لفظ التأنيث، رفع دمنة لا غير. قلت: وهذه التأويلات التي ذكرها العلماء، تقدم لنا ذخيرة من الأساليب التعبيرية، ولكنها لا تضع يدنا على ما قاله الشاعر. فالأعشى نطق بواحد من هذه الأساليب، وأراد

стр. 817

معنى معينا أوحت به عبارته التي نطق بها، فماذا قال الشاعر؟ وما المعنى الذي كان في نفسه؟ هذا الذي نريده؛ لأنه يربط بين المعنى والحال النفسية للشاعر، ويربط أيضا بين الشاعر والقارئ. وكلّ التأويلات التي ذكروها تنصّ على أن البيت الأول مضمّن في البيت الثاني، والتضمين يعدونه من عيوب الشعر، وقد استدل به بعضهم على أنّ العرب يرون أن البيت وحدة القصيدة؛ لأنهم يرون التضمين عيبا. قلت: وهذا استدلال لا يصحّ، وإنما عابوا التضمين؛ لأنه يفسد الإنشاد ويجبر القارئ على إنشاد بيتين متتاليين في نفس واحد؛ لإيصال المعنى، فهم يرون أن البيت الواحد يؤدي معنى جزئيا يمكن الوقوف عليه، ولكنه يحتاج إلى غيره، ويحتاج غيره إليه؛ لتكوين الصورة العامة للمعنى العام الذي يريد الشاعر أن يوصله عن طريق القصيدة كلها. والبيتان المذكوران من قصيدة الأعشى، ليس بينهما تضمين. فالشاعر في البيت الأول يريد أن يقول: إن بكاء الشيخ على الأطلال ليس مناسبا لحاله، فعليه أن ينشغل من الذكريات بغيره، ويتابع سؤاله الاستنكاري قائلا: وما سؤالي الأطلال عن ذكريات الصبا؟ وماذا ينفع سؤالي؟ والمسئول عنه هنا محذوف تقديره: وما سؤالي الأطلال؟ وماذا يفيدوني سؤال الأطلال؟ ثم يستأنف في البيت الثاني قائلا: دمنة قفرة، والتقدير: هي دمنة قفرة متبقية من آثار من كنت أعرف. فهو لا يريد أن يسأل الدمنة، ولا يريد أن يقول إن الدمنة لا ترد جواب سؤاله. وإنما أراد أن يخبر عن حال ما تبقى من الآثار. ولهذا الشاهد قصة أدبية طريفة، قد تصدق، وقد تكذب، ولكنها لا تخلو من فائدة أدبية: روى نقلة الأخبار، أن طليحة الأسدي (توفي حوالي ٢١ هـ) كان شريفا، وكان يفد على كسرى، فيكرمه ويدني مجلسه. قال طليحة: فوفدت على كسرى مرّة (لا نعلم أيّ كسرى) فوافقت عيدا من أعياد الفرس، فحضرت عند كسرى في جملة من حضر من أصحابه، فلما طعمنا وضع الشراب فطفقنا نشرب، فغنّى المغني:

стр. 818

لا يتأرّى لما في القدر يطلبه (١). فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ ففسره له، فقال كسرى: هذا قبيح، ثم غنّاه المغني: أتتك العيس تنفخ في براها (٢). فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ فقال: لا أدري، فقال بعض جلسائه: «شاهنشاه، أشتر أف أف»، معناه: يا ملك الملوك، هذا جمل ينفخ. وأشتر بلغتهم: الجمل. وأف، حكاية النفخ. قال طليحة: فأضحكني تفسيره العربية بالفارسية. [يلاحظ أن كسرى لم يعلق على معنى الغناء]. قال: ثم غناه المغني بشعر فارسيّ لم أفهمه، فطرب كسرى، وملئت له كأس، وقام فشربها قائما، ودارت الكأس على جميع الجلساء. قال طليحة: «وكان الترجمان إلى جانبي، فقلت له: ما هذا الشعر الذي أطرب الملك هذا الطرب؟ فقال: خرج يوما متنزها، فلقي غلاما حسن الصورة، وفي يمينه ورد، فاستحسنه وأمر أن يصنع له فيه شعر، فإذا غناه المغني ذلك الشعر طرب، وفعل ما رأيت. فقلت (طليحة): ما في هذا مما يطرب حتى يبلغ فيه هذا المبلغ؟ فسأل كسرى الترجمان عما حاورني فيه، فأخبره. فقال: قل له: إذا كان هذا لا يطرب، فما الذي يطربك أنت؟ فأدى إليّ الترجمان قوله، فقلت: قول الأعشى: ما بكاء الكبير بالأطلال ... البيت فأخبره الترجمان بذلك، فقال كسرى: وما معنى هذا؟ فقلت: هذا شيخ كبير مرّ بمنزل محبوبته فوجده خاليا قد عفا وتغيّر، وجعل يبكي. فضحك كسرى وقال:

стр. 819

وما الذي يطربك من شيخ واقف في خربة وهو يبكي؟ أو ليس الذي أطربنا نحن أولى بأن يطرب له. قال طليحة: فثقل عليه جانبي بعد ذلك» اه. [الخزانة/ ٩/ ٥١٤]. قلت: وعلى هذه القصة تعليقات وأسئلة؟ ١ - قوله: كسرى، ولا نعلم من كسرى الذي كان في هذه القصة، فإن كسرى لقب، وليس اسما، وكان كسرى نفق في العهد النبوي، وتولى ابنه شيرويه. فأيهما كان كسرى؟ ٢ - قوله: «فتغنىّ المغني ... الخ بشعر عربي في حضرة كسرى. فهل كان يغني المغنون في بلاط كسرى بالعربية. وفي عيد من أعياد الفرس؟ ٣ - طليحة الأسدي توفي سنة ٢١ هـ، وهو الذي قدم على النبي ﷺ سنة ٩ هـ وأسلم، ثم ارتد بعد رجوعه إلى موطنه. وعاد إلى الإسلام في زمن عمر، وشارك في معارك الفتح، واستشهد بنهاوند. ٤ - يبدو في القصة الفرق بين الذوق العربي في الغزل، والوقوف على الأطلال، والذوق الفارسي، أو الذوق المولّد في العصر العباسي الذي كان يهتم بالولدان. ٥ - ومهما كان من أمر هذه القصة، فهي قابلة للأخذ والردّ والنقد، وأترك للقارئ إعمال الفكر النقدي فيها. ١٧٥ - وأوقدت ناري كي ليبصر ضوؤها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله نسبوا البيت لحاتم الطائي، ونسب لأبي حية النميري، وهو بهذه الرواية ردّ على الكوفيين في زعمهم أن «كي» ناصبة دائما، فإنها لو كانت ناصبة، لما جاز الفصل بينها وبين الفعل ب «اللام»، وإنما هي هنا بمعنى «اللام»، وسهل ذلك اختلاف اللفظين، والنصب إنما هو ب «أن» المضمرة بعد «اللام» مثل قول الطرماح: كادوا بنصر تميم كي لتلحقهم ... فيهم فقد بلغوا الأمر الذي كادوا وخلاصة ما قالوه: أنّ «كي» في مثل هذا الموضوع تكون جارة، و «اللام» بعدها

стр. 820

مؤكدة، والظاهر أن مكان الشاهد مصنوع، ولو قلنا: «كي يبصّر ضوؤها»، لاستقام، وعلى كل حال، فإن البيت يروى في الحماسة بوجه آخر لا شاهد فيه، وهو: فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها ... وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله وأثقبت النار: أوقدتها حتى سطعت ولاحت. وإنما أخرج كلبه؛ لينبحه فيستدل بنبحه إليه. وقوله: وهو بالبيت: مبتدأ وخبر، وداخله: بدل من الجار والمجرور. [الأشموني/ ٣/ ٢٨٠، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ١٦٠]. ١٧٦ - أبى جوده «لا» البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله لم يعرفوا قائله. والبيت مدح لكريم، وأنه لا يلفظ كلمة «لا»، بل تسبقها كلمة «نعم» ولو كان في الجود قتله. وذكره ابن هشام على أن «لا» زائدة، على وجه من أوجه روايات كلمة «البخل». وفي البخل «وجهان»: النصب والجر. ومحصل ما قيل في النصب ثلاثة أقوال: الأول: كون «لا» زائدة، والبخل مفعول به. الثاني: كون «لا» اسما، والبخل بدل. الثالث: كون «لا» اسما، والبخل مفعول لأجله. وأما الجر «جرّ البخل» فتكون «لا» اسما أريد به اللفظ، وهو مضاف، والبخل مضاف إليه. ومعنى استعجلت به، أي: سبقت. وقوله: «لا يمنع الجود قاتله»، أراد إنّ الجود وإن قتله لا يمنع. ف «قاتله» منصوب على الحال، أي: لا يمنع الجود في حال قتله إياه؛ لأن الجود يفقره. ويجوز أن ينصب «قاتله» على أنه مفعول، أي: لا يمنع من يريد أن يقتله الجود. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٠]. ١٧٧ - وقائلة تخشى عليّ أظنّه ... سيودي به ترحاله وجعائله البيت للشاعر ذي الرّمة. ولكن قافية البيت في شعره بائية، (ومذاهبه) بدل (وجعائله).

стр. 821

أما رواية ابن هشام فهي: (وجعائله). وقائلة: معطوف بالجر على مدخول «ربّ» في بيت سابق. والشاهد أن جملة «تخشى عليّ» حال من ضمير «قائلة»، وجملة «أظنه سيودي به ...» فقول القول. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٣١٤]. ١٧٨ - ويوما شهدناه سليما وعامرا ... قليلا سوى الطّعن النّهال نوافله من شواهد سيبويه المجهولة، وسليم وعامر: قبيلتان، والنوافل: الغنائم. والطعن: جمع طعنة. والنهال: الروية بالدم. وقليلا: صفة ليوم. ونوافله: فاعل «قليلا». وسوى: استثناء منقطع. يقول: واذكر يوما شهدنا فيه هاتين القبيلتين قليلا عطاياه سوى الطعن النهال، على التهكم؛ لأن الطعن ليس من النوافل. والشاهد: أن الأصل: «شهدنا فيه»، فحذف «في»، فنصب ضمير اليوم بالفعل تشبيها بالمفعول به اتساعا ومجازا. و «شهد» لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وهنا متعد إلى اثنين؛ لأن الأول فيه معنى الظرف، ومن شأنه تعدي الفعل اللازم إليه، وسليما: هو المفعول الذي يتعدى إليه «شهد». [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٨، وسيبويه/ ١/ ٩٠، وشرح المفصل/ ٢/ ٤٥، والهمع/ ١/ ٢٠٣]. ١٧٩ - وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ فواضله بكرت عليه بكرة فوجدته ... قعودا لديه بالصريم عواذله لزهير بن أبي سلمى، يمدح حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري. وشاهدنا في البيت الثاني، قال ابن هشام: إن الصفة الرافعة للجمع يجوز فيها في الفصيح أن تفرد وأن تكسّر، فقوله: قعودا: رفعت «عواذله». وقوله: بالصريم: جمع صريمة، وهي رملة تنقطع من معظم الرمل. والعواذل: اللائمات، يلمنه على إنفاق ماله. وفسّر بعضهم «الصريم» الصبح؛ لأنه يسكر في العشي، فإذا أصبح وقد صحا من سكره، لمنه ولا يستقيم هذا التفسير؛ لأن الشاعر يمدحه بعد أبيات بقوله: أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله وإنما يفسره ذاك التفسير، من أخذ البيت مفردا، والشعر لا يعرف إلا في سياقه. [شرح أبيات المغني/ ٨/ ١٠].

стр. 822

١٨٠ - تلمّ بدار قد تقادم عهدها ... وإمّا بأموات ألمّ خيالها وقبله: فكيف بنفس كلما قلت أشرفت ... على البرء من دهماء هيض اندمالها والبيتان للفرزدق. ودهماء: امرأة. وهيض: مجهول هاض العظم، إذا كسره بعد الجبر. وقوله: اندمالها، أي: اندمال جرحها، والضمير للنفس. وقوله: ألمّ خيالها: صفة أموات. والشاهد: أن «إما» الأولى محذوفة، والتقدير: تلمّ إمّا بدار وإمّا بأموات. وقيل: إن «إمّا»، الموجودة بمعنى «أو»، ولا حذف، والله أعلم. [شرح أبيات المغني/ ٢/ ١٦]. ١٨١ - كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول لكعب بن زهير ﵁، من قصيدته التي مدح بها رسول الله ﷺ . كلّ: مبتدأ. والآلة الحدباء: الجنازة. ومحمول: خبر المبتدأ. و «يوما» و «على آلة» متعلقان ب «محمول». وقوله: و «إن طالت سلامته»، قال ابن هشام في «شرح القصيدة»: (وإن)، قال جماعة: «واو» الحال، والصواب أنها عاطفه على حال محذوفة معمولة للخبر: وقال البغدادي في «شرح أبيات المغني»: وجملة (وإن طالت ...) معترضة بين المبتدأ والخبر. قال بعض الفضلاء: فائدة «الواو» هنا الحكم بحصول الموت على كل تقدير، ومثله قولك: أزورك وإن هجرتني، فالزيارة مستمرة مطلقا على تقدير الهجر وغيره، ولو قلت: أزورك إن هجرتني، بغير «واو»، فقد جعلت الهجر سببا للزيارة. والشاهد في البيت: أن «الهاء» في «سلامته» والمستتر في «محمول» كل منهما راجع إلى «كل»؛ لأنها بحسب ما تضاف إليه، وقد أضيفت هنا إلى مذكّر ولهذا رجع إليها ضمير المذكر. ١٨٢ - لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظلّ يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويل لكعب بن زهير ﵁، من قصيدته في مدح رسول الله ﷺ ، وهو يصف حال

стр. 823

الخوف الذي أحلّ به بعد أن أهدر الرسول دمه. والشاهد في البيت الأول: «أرى»، على أن المراد من المضارع هنا المضيّ، وفي البيت التفات من خطاب الرسول إلى الإخبار عن نفسه، وإظهار ما في قلبه من الخوف. (ومقام): ظرف مكان. وجملة: (لو يقوم) صفة له. و «الباء» بمعنى «في»، متعلق ب «يقوم»، و «أرى» مع فاعله المستتر ومفعوله المحذوف، حال من ضمير «أقوم». وقوله: لظل: جواب «لو» الأولى، وهو دال على جواب «لو» الثانية المقدرة في صلة معمول «أرى»، و «لو» الثالثة الواقعة في صلة معمول «أسمع». والفيل: فاعل «ليقوم»، أو «يسمع» على التنازع. وقوله: «يرعد» أخذته الرعدة. والتنويل: العطاء، والمراد به الأمان، والعفو. وخص الفيل تعظيما لقوته. وأقوم: في موضع الماضي، والتقدير: لقد قمت مقاما صفته كذا. ١٨٣ - تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنّه منهل بالرّاح معلول شجّت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول البيتان لكعب بن زهير. قوله: «تجلو»، أي: تكشف، ومنه: جلوت الخبر، أي: أوضحته وكشفته، وجلا الخبر نفسه، أي: اتّضح وانكشف، يتعدّى، ولا يتعدى، ومصدرهما «الجلاء» بالفتح والمد؛ ولهذا سمّي الإقرار بالشيء جلاء؛ لأنه يكشف الحق ويوضحه، قال زهير: فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو شهود أو جلاء وعن عمر ﵁: أنّه لما سمع هذا البيت، قال: لو أدركته، لولّيته القضاء؛ لمعرفته بما يثبت به الحقوق. ومثل هذا البيت في استيفاء الأقسام قول نصيب: فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق قال ويحك ما ندري فاستوفى ما يذكر في جواب الأسئلة. وروى الأخفش هذا البيت: فقال فريق القوم لمّا نشدتهم ... نعم وفريق لا يمن الله ما ندري

стр. 824

واستدلّ به على أنّ همزة «أيمن الله» همزة وصل؛ لإسقاطها في الدرج. ويقال: جلوت بصري بالكحل، وسيفي بالصقل، وهمي بكذا جلاء بالكسر والمد. وجملة «تجلو» مستأنفة، أو خبر آخر عن «سعاد»، عند من أجاز تعدّد الخبر مختلفا بالإفراد والجملة. وضمير «تجلو» المستتر عائد على «سعاد» في مطلع القصيدة. وتجلو: تكشف، من جلوت العروس، إذا أبرزتها. والعوارض: جمع عارض، ما بعد الأنياب من الأسنان، وذي بمعنى صاحب، وموصوفه محذوف، أي: عارض ثغر ذي ظلم، وهو ماء الأسنان. والمنهل: إذا أورده النّهل، وهو الشرب الأول. والعلل: الشرب الثاني. والمعنى: تشبيه ريح فمها بريح الخمر الطيبة، وهو ذوق فاسد؛ لأن رائحة الخمر كريهة عند من لا يشربها. وقوله: شجّت: بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير الخمر، أي: مزجت. والجملة حال من الراح، بتقدير «قد». وقوله: بذي شبم، أي: بماء ذي شبم، أي: ماء بارد. ومحنية: ما انعطف من الوادي وانحنى منه. والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصا. والمشمول: الذي هبت عليه ريح الشمال. وجملة «وهو مشمول»: حال من ضمير «أضحى» التامة، ولا مانع أن تكون ناقصة مع الجملة الحالية. فإن قوله: «بأبطح» صالح لأن يكون خبرا ل «أضحى». ١٨٤ - وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول لكعب بن زهير، وهو البيت الثاني بعد المطلع. والغداة: مقابل العشيّ، والمراد هنا مطلق الزمن. وإذ: بدل من «غداة». وجمع ضمير «سعاد» في «رحلوا»، باعتبار قومها. والأغنّ: من وصف الظبي، والغنّة: صوت لذيذ يخرج من الأنف، شبهها بالظبي في النفور. والطرف: العين. والغض: فتور وانكسار يكون في الأجفان. والشاهد قول ابن هشام: إن بعضهم قال: «غداة البين» ظرف للنفي، وأما ابن هشام في شرح القصيدة، فيرى أن تعلق الظرف ب «كاف» التشبيه المحذوفة. وأصل الكلام: «سعاد كاغنّ ...»، ولأن حرف التشبيه مقدر بعد «إلا»، وما بعد «إلا» لا يعمل فيما قبلها، رأى ابن هشام تقديره مقدما داخلا على «سعاد»، أي: «وما كسعاد إلا ظبيّ ...» على التشبيه المقلوب. ويرى البغدادي: تعلقه بمضاف محذوف،

стр. 825

والتقدير: وما وصف سعاد غداة البين إلا كوصف ظبي. وقوله: «وما سعاد»، قال ابن هشام: الواو عاطفة على الفعلية «بانت سعاد»، لا على الاسمية «فقلبي اليوم متبول». وسعاد: مبتدأ، لا اسم ل «ما»؛ لانتقاض النفي ب «إلا»، والأصل: «وما هي»، فأناب الظاهر عن المضمر، والذي سهله أنهما في جملتين وفي بيتين، وأن بينهما جملة فاصلة، وأن اسم المحبوب يتلذذ بإعادته. ١٨٥ - كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفّع بالقور العساقيل شدّ النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل لكعب بن زهير، يصف ناقته التي تبلغه إلى سعاد. كأنّ: حرف ناسخ، اسمها «أوب»، وخبرها «ذراعا» في البيت الثاني. والتلفع: الاشتمال والتجلل. والقور: جمع قارة، وهي الجبل الصغير. والعساقيل: اسم لأوائل السراب، جاء بلفظ الجمع ولا واحد له من لفظه. وقال: تلفع بالقور العساقيل، وإنما المعنى: تلفع القور بالعساقيل، فقلب. وقوله: إذا عرقت، كناية عن وقت الهاجرة وشدة الحر. وشدّ النهار: بالنصب، ارتفاعه، منصوب على الظرف. والعيطل: المرأة الطويلة. والنّصف: التي بين الشابة والكهلة. والنكد: جمع نكداء، التي لا يعيش لها ولد. والمثاكيل: جمع مثكال، وهي الكثيرة الثكل، أي: التي مات لها أولاد كثير. والمعنى: كأنّ ذراعي هذه الناقة في سرعتها في السير ذراعا هذه المرأة في اللطم لما فقدت ولدها، وجاوبها نساء فقدن أولادهن؛ لأنّ النساء المثاكيل إذا جاوبنها كان ذلك أقوى لحزنها، وأنشط في ترجيع يديها عند النوح. فهو يصف سرعة الناقة وقت الهاجرة، ويشبه ذراعي الناقة وهي تتابع سيرها بذراعي هذه المرأة وهي تتابع اللطم. وهي صورة تدل على دقة ملاحظة الشاعر. والشاهد في البيت الأول القلب.

стр. 826

١٨٦ - وربّما فات قوما جلّ أمرهم ... من التأنّي وكان الحزم لو عجلوا نسبه بعضهم للأعشى، ولا يوجد في شعره، ونسبه السيوطي للقطامي التغلبي. وقوله: ربما: للتكثير؛ لأن البيت في ذم التأني، ومدح العجلة. ومن التأني: من، للتعليل. والبيت شاهد على أن «لو» مصدرية، فيكون «الحزم» اسم كان. ولو عجلوا: في تأويل مصدر منصوب، «يكون» خبرها، والتقدير: وكان الحزم عجلتهم، ولا يجوز جعل «لو» هنا شرطية، لعدم دليل الجواب. [الأشموني/ ٤/ ٣٤، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ٧٥]. ١٨٧ - هي الشّفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء النفس مبذول ينسب البيت لكعب بن زهير، من قصيدته المشهورة «بانت سعاد»، ويروى لهشام أخي ذي الرّمة، هشام بن عقبة. والشاهد: أن اسم «ليس» ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها، وفي «مبذول» ضمير يرجع إلى المبتدأ. ويجوز أن تجعل «ليس» غير عاملة، وهي لغة لبعض العرب، و «الباء» في «بها» متعلقة ب ظفرت. و «منها» متعلقان ب «مبذول»، ويجوز في «لو» أن تكون للشرط، والجواب محذوف، ويجوز أن تكون للتمني، كأنه قال: يا ليتني ظفرت بها أو برؤيتها، وليست تبذل لي شيئا أشتفي به من نظرة أو سلام. [سيبويه/ ١/ ٣٦، وشرح المفصل/ ٣/ ١١٦، والهمع/ ١/ ١١١، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٠٩]. ١٨٨ - أبلغ قريشا وخير القول أصدقه ... والصّدق عند ذوي الألباب مقبول أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللواء ففيما يكثر القيل من شعر كعب بن مالك ﵁، من قصيدة أجاب بها ضرار بن الخطاب وعمرو بن العاص لما افتخرا بانكشاف المسلمين يوم أحد. والشاهد: أنّ ثبوت ألف «ما» الاستفهامية المجرورة، ضرورة شعرية. وذلك في البيت الثاني «ففيما». وأن: مخففة، واسمها ضمير شأن. و «الباء» في قوله: ب «قتلانا»، للمقابلة. وأهل اللواء: بدل من سراتكم، وهم بنو عبد الدار من مشركي قريش، وكانوا أصحاب اللواء في وقعة بدر، وفي وقعة أحد. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٢٣، والخزانة/ ٦/ ١٠١، ١٠٥، ١٠٦].

стр. 827

١٨٩ - إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا ... إنّا كذلك ما نحفى وننتعل قاله الأعشى ميمون، من معلقته ودّع هريرة، وقبله: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل والبيت الثاني: أخنث بيت قالته العرب وزائرها: حال من التاء. وإنما قالت له كذا؛ لسوء حاله. وقولها: ويلي عليك، أي: لفقرك. وقولها: وويلي منك، أي: لعدم استفادتي منك شيئا. ثم أخذ في تبيين سبب سوء حاله بأنه أفنى ماله في لذاته، فأجابها بقوله: إمّا ترينا حفاة ... الخ، فيكون بتقدير القول، أي: فقلت لها. والشاهد: أنّ «ما» زيدت في موضعين من البيت: الأول: في «إمّا»، أصله: «إن ما»، والثاني: «ما» في: «ما نحفى»، ويروى: «إنا كذلك قد نحفى»، فتكون زائدة في موضع واحد، وقوله: إمّا: اللام الموطئة مقدرة قبل «إن» وجملة «إنا كذلك»: جواب القسم المقدر، وهو دليل جواب الشرط. والذي دلنا على أن هذه الجملة جواب القسم عدم اقترانها ب «الفاء»؛ لتكون جوابا للشرط، وقيل: «إنّا كذلك»، جواب الشرط، وحذفت «الفاء». وجملة «لا يغال لنا»: صفة «حفاة»، والمعنى: إن ترينا نستغني مرة ونفتقر أخرى، فكذلك سبيلنا. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٨٢]. ١٩٠ - إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنّا معشر نزل قاله الأعشى، من قصيدته «ودع هريرة». وقوله: نزل: جمع نازل، ونزولهم عن الخيل يكون لضيق المعركة، ينزلون فيقاتلون على أقدامهم، وفي ذلك الوقت يتداعون: نزال. والبيت ذكره ابن هشام، تحت عنوان: كثيرا ما يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. حيث رفع «تنزلون» مع أن الفعل معطوف على «تركبوا» المجزوم. وقال سيبويه: ذلك من العطف على التوهم، فكأنه قال: أتركبون فذلك عادتنا، أو تنزلون فنحن معروفون بذلك. وقال يونس: أراد أو أنتم تنزلون، فعطف الجملة الاسمية على جملة الشرط. [سيبويه/ ١/ ٤٢٩، وشرح المغني/ ٨/ ١٠٣]. ١٩١ - فاذهب فأيّ فتى في الناس أحرزه ... من حتفه ظلم دعج ولا جبل قاله: المتنخّل، مالك بن عويمر، شاعر جاهلي، من قصيدة رثى بها ابنه أثيلة.

стр. 828

فاذهب: يخاطب ولده. أحرزه: جعله في حرز منيع يمنع من الوصول إليه. ومن حتفه: متعلق ب «أحرزه». والظلم، جمع ظلماء، وهي الليالي السود، والدعج: جمع دعجاء، وهي الشديدة السواد. وإنما نسب الإحراز إلى الليل والجبل؛ لأن الليل المظلم ساتر، ولا يهتدى إلى الهارب فيه، فكأن الليل أحرزه، وكذلك الجبل، يحرز من الوصول إليه إذا كان صعب المرتقى. والشاهد: أنّ «أيّا» للاستفهام الإنكاري، بمعنى النفي، والمعنى: لا يحرز الفتى من موته ظلم ولا جبل. [شرح المغني/ ٦/ ٧٦]. ١٩٢ - اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أحزانك المكنونة الطّلل ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكلّ حيران سار ماؤه خضل الشعر لعمر بن أبي ربيعة. وقوله: من سلمى، أي: من أجل حب سلمى. وعوائده: جمع عائدة، وهو ما تعوده من وجده بها وشوقه إليها. والربع: المنزل. والقواء: القفر. ومعنى أذاع: فرّق ونشر، ومنه إذاعة السرّ وهو نشره. والمعصرات: السحائب ذوات المطر، ويقال: الرياح، أي: غيرته وأزالت بهجته الأمطار بما محت منه والرياح بما أذرت عليه. وأراد بالحيران: سحابا تردد بمطره عليه ولازمه، فجعله كالحيران لذلك، والخضل: الغزير، وسار: الذي ينشأ بالليل ويسير، وهو من نعت حيران، وماؤه: مبتدأ، وخضل: خبره. والشاهد: أن قوله: «ربع»، بتقدير: «هو ربع»، وليس بدلا من الطلل؛ لأن الربع أكثر من الطلل، وإنما يبدل الأقل من الأكثر للبيان، لا الأكثر من الأقل، ولو نصب على تقدير «أعني»، لكان حسنا. [شرح المغني/ ٧/ ٢٦٦]. ١٩٣ - قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل هو لأحد المتأخرين، أحمد بن علي الميكالي، ومثلوا به على أنّ «كفى» التي بمعنى أجزأ وأغنى، متعدية كما في البيت. [شرح المغني/ ٢/ ٣٤٢]. ١٩٤ - أما تنفكّ تركبني بلومى ... لهجت بها كما لهج الفصيل أتنسى - لا هداك الله - سلمى ... وعهد شبابها الحسن الجميل كأنّ وقد أتى حول كميل ... أثافيها حمامات مثول

стр. 829

قالها أبو الغول الطّهوي. واللومى: من اللوم، مصدر أنث بالألف المقصورة. ولهج بالشيء: تولع به واعتاده. والفصيل: المفصول عن الرضاع من أولاد النوق. وحول كميل، أي: كامل. والأثافي: الأحجار التي تنصب عليها القدر، فتسودّ من النار والدخان، شبهها بالحمامات القائمة على رجلها، وقد مرّ عليها حول بعد ارتحال سلمى. وجملة: «لا هداك الله»، اعتراضية بين الفعل والمفعول. وجملة: «وعهد شبابها الحسن»، المبتدأ والخبر حال من سلمى. والشاهد في البيت الثالث: على أنّ جملة «وقد أتى حول» معترضة بين «كأنّ» واسمها، فمنهم من جعلها جملة اعتراضية لا محل لها، ومنهم من جعلها حالا من معنى التشبيه في «كأنّ». [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢١٦]. ١٩٥ - ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتّى تجود وما لديك قليل قاله المقنّع الكندي، محمد بن عمير، من شعراء الدولة الأموية. قيل له المقنع؛ لأنه من أجمل الناس وجها، وأمدهم قامة، وكان إذا سفر عن وجهه، أصيب بالعين، فكان يتقنّع دهره فسمّي المقنّع، وهو القائل: ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا يعيرني بالدّين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا وقوله: يعيرني بالدين، فيه دليل على جواز القول: عيرته كذا، وعيرته بكذا، وذكر ابن هشام البيت شاهدا على أنّ «حتى» فيه بمعنى «إلا»، ويجوز أن تبقى بمعنى الغاية. والمعنى: إن إعطاءك من زيادات مالك لا يعدّ سماحة إلا أن تعطي في حال قلة المال، أو إلى أن تعطي ومالك قليل. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ١٠٠]. ١٩٦ - ولو انّ ما عالجت لين فؤاده ... فقسا استلين به للان الجندل للأحوص بن محمد الأنصاري، من قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز، ومطلعها: يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... خوف العدى وبه الفؤاد موكّل وقبل البيت: أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل

стр. 830

فصددت عنك وما صددت لبغضة ... أخشى مقالة كاشح لا يعقل ومعنى البيت الشاهد: لو أنّ الذي عالجت به لين فؤاد الكاشح، استلنت به الجندل، للان، فلم يؤثر، بل قسا واشتدّ أكثر مما كان قبل. وقوله: ولو انّ: بفتح واو «لو» وحذف فتحة «أنّ»؛ لاستقامة وزن الشطر على البحر الكامل، وإذا حققنا الهمزة، وسكنا الواو، صار الشطر من البحر الطويل، والبيت شاهد على حذف العائد بعد «عالجت»، والأصل: لو أن ما عالجت به، فحذف العائد المجرور على خلاف القياس، اكتفاء بالمذكور بعد «استلين»، فإنه عائد على «ما» الموصولة أيضا، وجملة «عالجت» صلة، و «لين»: مفعوله، ويجوز أن يكون مفعوله ضمير «الكاشح»، و «لين»: مفعولا لأجله. فقسا: معطوف على «عالجت» بالفاء، وفاعله ضمير «الكاشح». وقوله «استلين»، يروى بالبناء للمجهول، والجندل: نائب فاعل، وفاعل «لان» ضمير. والأقوى أن يكون «استلين» مبنيا للمعلوم، مع تخفيف وتسهيل الهمزة، وفاعله ضمير المتكلم، والجملة خبر «أنّ»، ومفعوله محذوف، وهو ضمير الجندل، وهذا من باب التنازع؛ لأن «استلين» و «لان» عاملان يطلبان الجندل معمولا، والأول يطلبه مفعولا، والثاني يطلبه فاعلا، فأعمل الثاني لقربه، وأضمر للثاني وحذف؛ لأنه فضلة. وقوله «للان» جواب «لو». [شرح المغني/ ٦/ ٢٤٦]. ١٩٧ - يا عمرو إنّك قد مللت صحابتي ... وصحابتيك - إخال ذاك - قليل مجهول القائل. وقوله: مللت، يتعدى بنفسه كما هنا، وب «من»، يقال: مللته ومللت منه. وصحابة: بفتح أوله: مصدر صاحبه، وصحابتي: مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، أي: صحابتك إياي، وصحابتيك: مبتدأ، بتقدير مضاف، وخبره «قليل»، والتقدير: ومدة صحابتيك قليل، وجملة «إخال ذاك»: معترضة و «ذاك»: إشارة إلى مصدر إخال، أي: إخال ذاك الخيل، والبيت جعله ابن مالك شاهدا على وقوع اسم الإشارة مصدرا مؤكّدا للفعل من غير نعته بمصدر. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٣٥٤]. ١٩٨ - يا ربّ يوم لي لا أظلّله ... أرمض من تحت وأضحى من عله قاله الأعرابي أبو ثروان - عباسي - وقوله: لا أظلله، أي: لا أظلل فيه. وأرمض: من

стр. 831

الرمضاء. وأضحى: أصابه حرّ الشمس. والرجز شاهد على أن «الهاء» في «عله»: للسكت، وأصله: (من عل) بالبناء على الضم. [شرح المغني/ ٣/ ٣٥٣]. ١٩٩ - وجهك البدر لا بل الشمس لو لم ... يقض للشمس كسفة أو أفول غير معروف، وهو شاهد على أنه يزاد «لا» قبل «بل» بعد الإيجاب؛ لتوكيد الإضراب، و «بل» عاطفة عند البصريين خلافا للكوفيين. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ١٢]. ٢٠٠ - أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي البيت لامرئ القيس من معلقته. وقوله: أفاطم: الهمزة لنداء القريب، وفاطم: بالفتح، منادى مرخم على لغة من ينتظر، وفاطمة: هي عنيزة المذكورة في قوله: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة». ومهلا: رفقا، وهو مفعول مطلق، وأصله: أمهلي إمهالا، فحذف عامله، وجعله نائبا عن فعله. و «بعض»: منصوب بالمصدر، أي: أخريه عن هذا الوقت. وأزمع: صمّم وجزم. والصرم: الهجر. والإجمال: الإحسان. يقول لها: إن كان هذا منك تدلّلا، فأقصري، وإن كان عن بغضة، فأجملي. ونقل ابن عساكر عن الإصبغ بن عبد العزيز قال: سألت نصيبا، أي بيت قالته العرب أنسب (أغزل)؟ فقال: قول امرئ القيس (وذكر البيت). وليس كما قال، بل هو كما قال الباقلاني في «إعجاز القرآن» (ص ٢٥٦): في هذا البيت ركاكة جدا، وتأنيث ورقة، ولكن فيها تخنيث، ولعلّ قائلا يقول: كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل، وليس كذلك؛ لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم، والمصراع الثاني منقطع عن الأول، لا يلائمه ولا يوافقه، وهذا يبين لك إذا عرضت معه البيت الذي تقدمه، وكيف ينكر عليها تدللها، والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلّله. قلت: إن امرأ القيس كان يطلب الجسد، ولذلك لا يريد من صاحبته التدلل والتمنع الذي يستعذبه المحبون الصادقون. [شرح أبيات المغني/ ١/ ١٣]. ٢٠١ - فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خطّ تمثال قاله امرؤ القيس وقوله: يا: ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه كالداخلة على «ليت»

стр. 832

و «حبذا». والآنسة: المرأة التي تأنس بحديثك، والتمثال: الصورة، شبه صاحبته بصورة الصنم المنقوشة في حسن المنظر وتناسب الأعضاء. والشاهد: أن «ربّ» فيه للتكثير. [شرح المغني/ ٣/ ٦١]. ٢٠٢ - ألا ربّ يوم صالح لك منهما ... ولا سيّما يوم بدارة جلجل من معلقة امرئ القيس. وقوله: منهما: الضمير يعود إلى امرأتين في بيت قبله. ودارة جلجل: اسم مكان. وقوله: ولا سيما: فيه شاهد على أن هذا التركيب لا بدّ أن يسبق ب «الواو» قبل «لا» «ولا سيما»، ويجوز في الاسم الذي بعد «ولا سيما» الجرّ، والرفع مطلقا، والنصب أيضا إذا كان نكرة، وروي البيت ب «هنّ»، والجرّ أرجحها، وهو على الاضافة، و «ما» زائدة بينهما. والرفع على أنه خبر لمضمر محذوف، و «ما» موصولة، أو نكرة موصوفة بالجملة، والتقدير: ولا مثل الذي هو يوم. والنصب على التمييز، وجوّز ابن مالك: نصب «يوما» على الظرف، وجعله «صلة» ل «ما»، وبدارة جلجل: صفة ل «يوما». [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٢١٦]. ٢٠٣ - دع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل لامرئ القيس. والنهب: المال المنهوب. والحجرات: النواحي. والشطر الأول مثل يضرب لمن ذهب من ماله شيء، ثم ذهب بعده ما هو أجلّ منه. والرواحل: مجموع الركائب، كان امرؤ القيس قد فقدها، وكان ضاع له مال، فأرسل أحدهم برواحله لطلبه، فأضاعها، فقال: ولكن حديثي حديثا، و «ما»: استفهامية مبتدأ، وحديث: خبره. والبيت شاهد عند ابن هشام على أن «عنك» هنا اسم بمعنى «جانب»؛ حيث كان مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد، وأنكر ذلك النحويون. [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٣١٥]. ٢٠٤ - ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال لامرئ القيس وقوله: عم، هذه الكلمة تحية عند العرب، كأنه مأخوذ من «نعم»،

стр. 833

وهو فعل أمر، وصباحا: ظرف. وقوله: وهل يعمن: استفهام انكاري. والعصر: بضمتين، لغة في العصر، وهو الدهر. وثلاثة أحوال: تعاقب أحوال المناخ عليه. والبيت الثاني شاهد على أن «في» الثانية بمعنى «من»، ويجوز أن تكون بمعنى «مع». [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٤/ ٧٧]. ٢٠٥ - حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي قاله امرؤ القيس. وقوله: إن من، إن: زائدة، و «من» زائدة في المبتدأ، وخبره محذوف، أي: مستيقظ. والحديث: بمعنى المحادث، أو بمعنى الكلام فيقدر مضاف، أي: ذي حديث. والبيت شاهد على أن «لام» جواب القسم تدخل بدون «قد» على الماضي البعيد الواقع جواب القسم. ٢٠٦ - ويوم عقرت للعذارى مطيّتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمّل قاله امرؤ القيس. والرحل: ما يعد للرحيل. وقوله: المتحمل: اسم مفعول؛ لأنه لما عقر بعيره وشواه للعذارى فرق رحله على رواحلهن، فحملنه وركب هو مع بنت عمه فاطمة على بعيرها. والبيت شاهد على أن «اللام» في: «للعذارى» للتعليل. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ١٠٢]. ٢٠٧ - فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل قاله امرؤ القيس. يقول: إن نجوم الليل لا تفارق محالها، فكأنها مربوطة بكل حبل محكم الفتل في هذا الجبل «يذبل»، وإنما استطال الليل؛ لمقاساة الأحزان فيه. ويذبل: ممنوع من الصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، وجرّه ضرورة. وقوله: يا لك: الأصل: يا إياك، أو يا أنت، ثم لما دخلت عليه «لام» الجر للتعجب، انقلب الضمير المنفصل المنصوب أو المرفوع ضميرا متصلا مخفوضا، ف «اللام» فيه للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجب منه. وقال بعضهم: «اللام» للاستغاثة، استغاث به منه لطوله كأنه قال: يا ليل ما أطولك. وقوله: من ليل: تمييز مجرور ب «من»، وقيل: «من» زائدة؛ ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب. وقوله: بكلّ: متعلقة ب «شدّت». [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٠١].

стр. 834

٢٠٨ - كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي قاله امرؤ القيس، يصف وكر العقاب، وصفها بكثرة صيدها للطيور، تأخذ قلوبها لتغذي بها فراخها، واليابس منها، هو الفاضل من الغذاء. والبيت شاهد على أن قوله: «رطبا» حال، وعاملها حرف التشبيه لما فيه من معنى الفعل. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٢٢]. ٢٠٩ - كأنّ دثارا حلّقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل قاله امرؤ القيس. ودثار: اسم راعي إبل امرئ القيس. وتنوفى: جبل عال، وأخبث العقبان ما آوى في الجبال المشرفة، وهذا مثل: أراد كأن دثارا ذهبت بلبونه آفة، وأراد أنه أغير عليه من قبل تنوفى. والقواعل: جبال صغار. والبيت شاهد على أن «لا» فيه عطفت على معمول الماضي، وفيه ردّ على من منعه، حيث منع الزجاج أن يعطف ب «لا» بعد الفعل الماضي. [شرح المغني/ ٤/ ٣٨٣]. ٢١٠ - تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... عليّ حراصا لو يشرّون مقتلي قاله امرؤ القيس. وقوله: يشرّون، أي: يظهرون، ومعناه: ليس يقتل مثلي خفاء. فيكون قتلهم إيّاه هو الإظهار، ويروي: يسرّون ب «السين» المهملة بالمعنى نفسه. والشاهد: أن «لو» فيه مصدرية، والمصدر المؤول من «لو» والفعل مجرور على أنه بدل اشتمال من الضمير المجرور ب «على»، ولا تقع «لو» المصدرية غالبا إلا بعد مفهم «تمنّ»، كقول قتيلة بنت النّضر: «ما كان ضرّك لو مننت». [الخزانة/ ١١/ ٢٣٨]. ٢١١ - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل البيت الثاني من معلقة امرئ القيس، وتوضح والمقراة: مكانان. وقوله: لما نسجتها: تعليل لعدم العفاء والاندراس؛ لأن الريحين إذا اختلفا على الرسم، لم يعفواه، فواحدة تغطي، والثانية تكشف. والبيت شاهد على أنّ قوله: «من جنوب» بيان وتفسير للضمير المستتر في «نسجت». [شرح المغني/ ٥/ ٣٤٩]. ٢١٢ - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات إنك مرجلي

стр. 835

قاله امرؤ القيس، في يوم دارة جلجل. وقوله: ويوم: معطوف على قوله: ولا سيما يوم، قبل البيت، ولكنه بني؛ لإضافته إلى الفعل الماضي المبني. والخدر: أراد هودج عنيزة؛ حيث ركب على راحلتها بعد أن عقر راحلته للعذارى. وقولها: إنك مرجلي، أي: تجعلني أمشي راجلة؛ حيث كان يميل عليها ويلاعبها. والشاهد: «عنيزة»، أنه لا ينصرف، ونوّن هنا للضرورة. [شرح المغني/ ٦/ ٥٢]. ٢١٣ - وإنّ شفائي عبرة مهراقة ... وهل عند رسم دارس من معوّل من مطلع معلقة امرئ القيس. والبيت شاهد على أنّ «هل» لكونها للنفي، كانت الجملة بعدها خبرية، فصح عطفها على الخبرية التي قبلها. [شرح المغني/ ٦/ ٦٦]. ٢١٤ - فظلّ طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجّل لامرئ القيس، يصف صيدا صادوه وأخذوا يهيئونه طعاما. والصفيف: المصفوف على الحجارة لينضج، وهو المسمى بالكباب. وقدير معجّل، أي: يطبخونه في القدر، وقال: «إنه معجّل»، لأنهم كانوا يستحسنون تعجيل ما كان من الصيد. و «من بين»: للتفصيل. والبيت شاهد على أن البغداديين أجازوا اتباع المنصوب بمجرور؛ حيث قال: «منضج صفيف شواء»، فنصب، ثم قال: أو قدير، قال الفرّاء: وهو مثل قوله تعالى: جاعل الليل سكنا والشمس والقمر. الآية [الأنعام: ٩٦]. فالليل: في موضع نصب في المعنى، فردّ الشمس والقمر على معناه؛ لمّا فرّق بينهما ب «سكنا»، فإذا لم يفرّق بينهما، آثروا الخفض، وقد يجوز النصب وإن لم يحل بينهما بشيء، كقول الشاعر: بينا نحن ننظره أتانا ... معلّق وفضة وزناد راعي قلت: أما القول في البيت، فإن «أو قدير» معطوف على «منضج» بلا ضرورة، والتقدير: «ومن بين منضج قدير»، ثم حذف «منضج»، وأقام «قدير» مقامه في الإعراب، كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. [يوسف: ٨٢]. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٧/ ١٣، والأشموني/ ٣/ ١٠٧]. ٢١٥ - خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحّل لامرئ القيس من معلقته. وقوله: خرجت بها، أي: أخرجتها، ف «الباء» للتعدية.

стр. 836

وأثرينا: بالتثنية. والمرط: بالكسر، كساء من خزّ، وقد تسمى الملاءة مرطا، وإنما تجر ذيل المرط ليخفى الأثر، ولا يعرف موضعها، والمرحّل: الثوب الذي فيه صور الرحال من الوشي، وهو يصف إحدى مغامراته مع النساء. والبيت شاهد على أنّ جملة «أمشي» حال من التاء في «خرجت» وجملة «تجر وراءنا» حال من الضمير «بها». [شرح أبيات المغني/ ٧/ ١٩٤]. ٢١٦ - إذا قامتا تضوّع المسك منهما ... نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل لامرئ القيس من معلقته. والضمير في «قامتا» لأم الحويرث وجارتها، وفي البيت حذف تقديره: تضوع المسك تضوعا مثل تضوّع نسيم الصّبا. ونسيم: بالنصب، قيل منصوب على المصدر، وقد ينصب على الحالية، والتقدير: مثل نسيم. وجملة «جاءت»: بتقدير «قد» حال من الصبا. [شرح المغني/ ٧/ ٢٩٠]. ٢١٧ - فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي لامرئ القيس. ويمين: يروى مرفوعا ومنصوبا، أما الرفع: فعلى الابتداء، والخبر محذوف، وأما النصب: فعلى أنّ أصله: أحلف بيمين الله، فلما حذفت «الباء»، وصل فعل القسم إليه بنفسه، ثم حذف فعل القسم، وبقي منصوبا. والبيت شاهد على حذف «لا» النافية من جواب القسم، والأصل: لا أبرح قاعدا. [شرح المغني/ ٧/ ٣٣٢]. ٢١٨ - فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل البيت لجعفر بن علّبة الحارثي في حماسة أبي تمام، يريد: إن الأعداء لما رأوني هناك مع رجال قليلة طمعوا فيّ، وقالوا: نخيّرك بين شيئين، إما الأسر، وإما القتال. وقوله: لنا ثنتان، أي: لنا حالتان ثنتان. وثنتان: مبتدأ، ولنا: خبر، وصدور رماح وسلاسل: بدل منهما. والبيت شاهد على أن «أو» فيه للتقسيم، أي: يكون بعضنا كذا، وبعضنا كذا، والشاعر جعفر بن علبة من مخضرمي الدولتين، وقيل: توفي في زمن هشام بن عبد الملك. [شرح أبيات المغني/ ٢/ ٥٩]. ٢١٩ - وترمينني بالطّرف أي: أنت مذنب ... وتقلينني لكنّ إياك لا أقلي

стр. 837

مجهول. وقوله: لكن إياك، لكنّ: من أخوات «إنّ» واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة بعدها خبرها، وإياك: مفعول مقدم على الفعل؛ للحصر. والشاهد: أنّ «أي» في البيت تفسير للجملة قبله. [شرح أبيات المغني/ ٢/ ١٤١]. ٢٢٠ - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل البيت لأبي طالب عمّ النبي ﷺ ، من قصيدة طويلة قالها في الشّعب لما اعتزل قريشا مع بني هاشم وبني عبد المطلب، وهي في السيرة النبوية لابن هشام. قال البغدادي: وهي قصيدة بليغة جدا، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى. وقوله: وأبيض: العرب تمدح السادة بالبياض، ولا يريدون بياض اللون، وإنما يريدون النقاء من العيوب، وربما أرادوا به طلاقة الوجه. والثمال بالكسر: العماد والملجأ. والبيت في مدح رسول الله ﷺ ، وذكره ابن هشام شاهدا على أن «ربّ» المقدرة بعد «الواو» للتقليل. وهذا وهم ممن قال ذلك؛ لأنهم كثيرا ما يعتمدون على البيت المفرد، والحقيقة أن «الواو» عاطفة، و «أبيض» معطوف على مفعول في البيت السابق. وهو قوله: وما ترك قوم لا أبالك سيدا ... يحوط الذّمار غير ذرب مواكل فأبيض معطوف على «سيدا» المنصوب بالمصدر «ترك». [شرح المغني/ ٣/ ١٦٨]. ٢٢١ - أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لي بكل سبيل لكثيّر عزّة. والشاهد: «اللام» في «لأنسى»، قيل: زائدة، وقيل: للتعليل. ومفعول «أريد»، محذوف، أي: أريد السلوّ. وقال الخليل وسيبويه: الفعل مقدر بمصدر مرفوع بالابتداء، و «اللام» وما بعدها خبر، أي: إرادتي للنسيان. [المغني/ ٤/ ٣٠٨]. ٢٢٢ - ويلحينني في اللهو أن لا أحبّه ... وللهو داع دائب غير غافل قاله الأحوص بن محمد الأنصاري. وقبل البيت:

стр. 838

ألا يا لقومي قد أشطّت عواذلي ... ويزعمن أن أودى بحقّي باطلي نادى قومه على وجه الاستغاثة من عواذله في تجاوزهنّ وركوبهن الشطط في لومه على حبّه الحسان، والميل إلى اللهو مع وجود باعث ذلك فيه، وهو الشباب والعشق، فلا يمكنه قبول نصحهنّ مع وجود هذا الباعث. فيتعين أن تكون «لا» زائدة؛ لأن الناصح إنما يلومه على الاشتغال بأسباب المحبة واللهو، لا على ترك ذلك. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٨ والجنى الداني/ ٣٠٢]. ٢٢٣ - ألا زعمت أسماء أن لا أحبّها ... فقلت بلى لولا ينازعني شغلي قاله أبو ذؤيب الهذلي. قال ابن مالك: وقد يلي الفعل «لولا» غير مفهمة تحضيضا. فيؤول ب (لو لم)، أو تجعل المختصة بالأسماء والفعل صلة ل (أن) مقدرة كهذا البيت. فتكون في التأويل كلمتين، لا كلمة مركبة من كلمتين. وعلى الوجهين لا بدّ من الجواب، و «لا» من الأول بمعنى «لم»، وفي الثاني جزء كلمة، وقدّر «أن» في الوجه الثاني حتى يؤول منها ومن الفعل اسم، فإن «لولا» الامتناعية لا يليها إلا الاسم. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٥/ ١٢٧]. ٢٢٤ - فأضحت مغانيها قفارا رسومها ... كأن لم - سوى أهل من الوحش - تؤهل قاله ذو الرّمة. والأصل: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، ففصل بين «لم» والفعل، فولي «لم» معمول مجزومها اضطرارا. وسوى: في مذهب سيبويه ظرف مكان لازم النصب، وعلى مذهب غيره يعرب هنا مفعولا مقدما. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١٤٣ والهمع/ ٢/ ٥٦، والخصائص/ ٢/ ٤١٠]. ٢٢٥ - وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي من قصيدة لذي الرّمة. واعتذارها للضيف أن لا يرى فيها محلبا من شدة الجدب، فإذا كانت كذلك، عقرتها. والشاهد: الفعل «يجرح»، حيث صار الفعل لازما؛ لأنه ضمن معنى فعل لازم، وهو: «يعيث»، أو «يفسد». والضمير في «ذي ضروعها» يعود إلى الناقة. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ١٣٢].

стр. 839

٢٢٦ - فقولا لها قولا رفيقا لعلّها ... سترحمني من زفرة وعويل مجهول. والشاهد اقتران خبر «لعل» بالسين قليلا. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١٧٧]. ٢٢٧ - فليت دفعت الهمّ عنّي ساعة ... فنمنا على ما خيّلت ناعمي بال البيت لعدي بن زيد العبادي، كاتب النعمان. وقوله: «على ما خيلّت»، هذا التركيب قد صار كالمثل في استعماله بالماضي، وجعل فاعله ضمير النفس المعلومة من المقام، ومعناه: «على ما أرت وأوهمت»، وأصل ذلك في السحاب يقال: قد خيّلت السحابة وتخيّلت، إذا أرت أنها ماطرة، أو معناه «على ما أرت الحال وشبهت»، فأضمر الحال، أو «على ما أرتك نفسك أنه الصواب». ويقال: «على ما تخيّلت وخيّلت». والبيت شاهد على أن اسم «ليت» محذوف سواء أكان ضمير شأن، أو ضمير مخاطب. وهو قليل في الكلام. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١٨٤]. ٢٢٨ - فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل من قصيدة للنجاشي الحارثي، قيس بن عمرو بن مالك. عاصر الإمام علي. والشاهد: «ولاك»، على أن أصله: «ولكن اسقني»، فحذفت النون؛ لضرورة الشعر. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١٩٤]. ٢٢٩ - أنا الفارس الحامي الذّمار وإنّما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي البيت للفرزدق، من قصيدة هجا بها جريرا، ومراده أنه الذي يدافع عن أحسابهم لا غيره، ولو قال: وإنما أدافع عن أحسابهم، لكان معناه: إنه يدافع عن أحسابهم لا عن أحساب غيرهم، وهو غير مراده. والشاهد: أنهم عاملوا «إنما» معاملة النفي و «إلّا» في فصل الضمير. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٤٨]. ٢٣٠ - ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنّت علينا والضنين من البخل

стр. 840

البيت للبعيث خداش بن بشر، من مجاشع، عاصر جريرا، وكان بينهما مناضلة بالشعر. وقوله: والضنين من البخل، كقولك: أنت من أهل الجود، وأنت من الكرم تريد: من أهل الجود والكرم. وهو شاهد على أنّ فيه مبالغة بكون البخيل مخلوفا من البخل. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٦٥]. ٢٣١ - أراني - ولا كفران لله أيّة ... لنفسي - قد طالبت غير منيل مجهول القائل. اختلف النحويون هل يعترض بأكثر من جملة. فقال أبو علي: لا يعترض بأكثر من جملة، وجعل أيّة منصوبة باسم «لا»، أي: ولا أكفر الله رحمة مني لنفسي. وأيّة: مصدر أويت له، إذا رحمته ورفقت به. أما ابن جني، فأقرّ بوجود جملتين معترضتين، إحداهما: لا كفران لله، والأخرى: قوله: «أيّة»، أي: آويت لنفسي أيّة، معناه: رحمتها. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٢٥]. ٢٣٢ - لعمرك والخطوب مغيّرات ... وفي طول المعاشرة التّقالي لقد باليت مظعن أمّ أوفى ... ولكن أمّ أوفى لا تبالي البيتان لزهير بن أبي سلمى. وفي البيتين شاهد على وقوع الاعتراض بجملتين بين القسم «لعمرك»، وجوابه «لقد باليت» الأولى: والخطوب مغيرات، والثانية: «وفي طول المعاشرة التقالي»، وفي البيت شاهد على استخدام «أبالي» بدون نفي في الشطر الأول من البيت الثاني، والغالب فيه أن يستخدم مع النفي، فتقول: لا أباليه، ولا أبالي به، فيتعدى بنفسه، و «بالباء». [شرح المغني/ ٦/ ٢٢٧]. ٢٣٣ - إذا أحسن ابن العمّ بعد إساءة ... فلست لشرّي فعله بحمول مجهول. وهو شاهد على القلب، والتقدير: فلست لشرّ فعليه، فقلب. [شرح المغني/ ٨/ ١٢٣]. ٢٣٤ - كائن دعيت إلى بأساء داهمة ... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل غير معروف. والبأساء: الحرب. والمزؤود: المذعور. والوكل: العاجز الذي يكل

стр. 841

أمره إلى غيره. وفيه شاهد على زيادة «الباء» في الحال «بمزؤود»، والأصل: فما انبعثت مزؤودا ولا وكلا، فزيدت «الباء»، وعطف على مجرورها. [شرح المغني/ ٢/ ٣٩٣]. ٢٣٥ - وما هجرتك لا، بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخى لا إلى أجل لا يعرف قائله. والبيت شاهد على أنّ «لا» تزاد بعد النفي؛ لتوكيد تقرير ما قبلها، وليست «بل» للعطف هنا؛ لأنّ ما بعدها جملة. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: الياء، وثانيهما: شغفا. وهجر: فاعل زادني. وتراخى: ماض، معناه: تطاول وامتدّ. والأجل هنا: المدّة. [شرح المغني/ ٣/ ١٤]. ٢٣٦ - لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أوقال من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت الأوسي، الجاهلي، عاصر الإسلام، واختلف في إسلامه. وهو هنا يتحدث عن ناقته. الشّرب: مفعول به، و «غير»: فاعله بني على الفتح. وقوله: في غصون: بمعنى «على»، وذات: صفة لغصون بالجرّ. والأوقال: جمع وقل، وهو ثمر الدوم إذا يبس. يريد: أن الناقة ما منعها من الشرب إلا صوت الحمامة، فنفرت، ومراده أنها حديدة النفس يخامرها فزع وذعر؛ لحدة نفسها، وذلك محمود فيها. [الخزانة/ ٣/ ٤٠٦، وشرح المغني/ ٣/ ٣٩٥]. ٢٣٧ - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل للشاعر عمرو بن أحمر من شعراء العصر الأموي، من أبيات وصف بها الشيخوخة، وضعف الحواس، وعجز القوى، ولكن قافية الأبيات رائية، وآخره «السّكر». والفعل جعلت: من أفعال الشروع. فأنهض: معطوف على يثقلني. والبيت شاهد على أنّ «ثوبي» بدل اشتمال من «تاء» «جعلت». والفعل «يثقلني» خبر للفعل «جعل»، وتقدير «إذا» ظرفية. وإذا قدرنا خبر «جعل» جملة «إذا ما قمت»، تعرب ثوبي فاعلا. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢١٣]. ٢٣٨ - ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي البيت شاهد على أن «اللام» دخلت بقلّة على جواب «لو» المنفي. [شرح المغني/ ٥/ ١١١].

стр. 842

٢٣٩ - بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال البيت لابن ميّادة. والربعين: تثنية ربع، وهو المنزل. والمسلوب: الذي سلب بهجته بخلائه من أهله. والبيت شاهد على أن عطف الصفات المفرقة مع اجتماع منعوتها لا تكون إلا ب «الواو». وذكر سيبويه البيت على أنه يجوز في النعتين: مسلوب وبال، الجرّ، نعتين لربعين، والرفع، لإمكان التبعيض منهما والقطع. والتقدير: أحدهما مسلوب والآخر بال. [شرح المغني/ ٦/ ٧٨]. ٢٤٠ - أكلت بنيك أكل الضبّ حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل البيت للشاعر أرطاة بن سهيّة. يقوله لرجل طرد بنيه فتفرقوا في البلاد وبقي وحده، فاعتدى الناس عليه، ولم يستطع دفاعا. والبيت شاهد على أنّ «الأكل» هنا بمعنى العدوان والظلم. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ١٣٤]. ٢٤١ - لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... فكيف ومن عطائك جلّ مالي البيت للنابغة الذبياني، من قصيدة يعتذر فيها للنعمان بن المنذر، وقبله: فلا عمر الذي أثني عليه ... وما رفع الحجيج على ألال ألال: جبل عند عرفات. والبيت شاهد على أنّ لام الابتداء دخلت على «ما» النافية؛ لشبهها صورة ل «ما» الموصولة، وهو شاذ. [شرح المغني/ ٨/ ٥٦]. ٢٤٢ - أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل البيت لأبي كبير الهذلي عامر بن حليس، شاعر صحابي. والبيت شاهد أنّ «إلى» فيه بمعنى «عند»، أو على تضمين «أشهى» معنى «أقرب». [شرح أبيات المغني/ ٢/ ١٣٦].

стр. 843

٢٤٣ - فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل لأبي كبير الهذلي. وقوله: فأتت به، أي: فولدته. والهوجل: الوخم الثقيل، وأتت به: يعني: أمه. حوش الفؤاد: وحشي الفؤاد. مبطنا: خميص البطن. سهدا: يقوظا لا ينام. وضمر البطن محمود في الذكور. والشاهد أنّ إضافة «حوش» إلى الفؤاد، لفظية لا تفيد تعريفا، بدليل أنه حال من «الهاء». [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٩٨]. ٢٤٤ - ممّن حملن به وهنّ عواقد ... حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل حملت به في ليلة مزؤودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وكان قد تزوج أمّ تأبط شرا وكان غلاما صغيرا، فلما رآه كثير الدخول على أمه تنكّر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع الغلام، فقال أبو كبير لأمه: ويحك قد والله رابني أمر هذا الغلام ولا آمنه، فلا أقربك، قالت له: فاحتل عليه حتى تقتله، فاحتال عليه أبو كبير للخروج إلى الغزو، فخرجا، وأخذ يتحيّن منه غرّة ليقتلة، فلم يستطع، فرجعا إلى الحيّ وترك أبو كبير أمّ تأبط شرا. والقصة إن صدقت، أعظمت في عيني مكانة تأبط شرا، وجعلت منزلة أمّه في الدّرك، وبغّضت أبا كبير الجاهلي، ولا شك أنه بعد إسلامه قد تغيرت طباعه، والقصة قد تصدق فيما قيل عن تأبط شرا، وما زال هذا الشعور موجودا في الأبناء، فهم لا يريدون أن يروا غير أبيهم في البيت، ولا تصدق فيما قيل عن أمّ تأبط شرّا؛ لأنّ حبّ الأم المتعة لا يجعلها تقتل ابنها. وقوله: ممن حملن: النون ضمير النساء، وقال: «به» فردّ الضمير على لفظ «من»، ولو ردّ على المعنى لقال: «بهم». وعدى «حمل» ب «الباء»، وهو متعد بنفسه؛ لأنه ضمّنه معنى «حبلت». وعواقد: جمع عاقدة. والحبك: جمع حباك - بكسر أوله - ما يشد به النطاق مثل «التكة». والنطاق: شقة تلبسها المرأة وتشدّ وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجرّ على الأرض. والمهبّل: المثقل باللحم، وقيل: المعتوه. يتحدث عن تأبط شرّا، يقول: إن أمه حملت به وهي تخدم، وكانت العرب تستحب أن تطأ النساء وهنّ متعبات أو فزعات؛

стр. 844

ليغلب ماء الرجل فيجيء الولد مذكّرا، فوصف أنها حبلت به وهي عاقدة حبك النطاق. وقيل: المعنى: إنه من الفتيان الذين حملت بهم أمهاتهم وهنّ غير مستعدات للفراش، فنشأ محمودا مرضيا. وحكى عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة، فأغضبها عند الجماع؛ ولذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق، قال الشاعر: تسنّمها غضبى فجاء مسهّدا ... وأنفع أولاد الرجال المسهّد وليلة مزؤودة: ذات فزع، فمن نصب مزؤودة، فإنما أراد المرأة، ومن خفض أراد الليلة. والشاهد في البيت الأول: تضمين «حملت» معنى «حبلت»، فتعدى بحرف الجرّ. [شرح أبيات المغني/ ٨/ ٨٢، وسيبويه/ ١/ ٥٦، والانصاف/ ٤٨٩، وشرح المفصل/ ٦/ ٧٤، والأشموني/ ٢/ ٢٩٩، والحماسة/ ٨٧]. ٢٤٥ - استغن ما أغناك ربّك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل من قصيدة لعبد قيس بن خفاف، في المفضليات، والأصمعيات، وهو شاعر جاهلي، واختلط بعض أبيات القصيدة بأبيات قصيدة للحارثة بن بدر الغداني، في أمالي الشريف المرتضى، والأخير عاصر النبي ﵇ وهو صبيّ، وليس بصحابي. والبيت شاهد على أن «إذا» لا تجزم إلا في الشعر كما في البيت، ولكن ابن مالك يرى جواز جزمها في النثر، وجعل منه قوله ﵇ لعلي وفاطمة: «إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين». وابن مالك ﵀ على حقّ فيما قال، فهو أول من نبه إلى ضرورة الاستشهاد بالحديث الشريف في النحو، مع عدم الالتفات إلى من قال: إن الحديث مرويّ بالمعنى، وجلّ رواته من العجم، ولا شكّ أن نصوص الحديث الصحيحة، خير من عشرات الشواهد الشعرية المجهولة القائل. [المفضليات/ ٣٨٥، والهمع/ ٢٠٦، وشرح المغني/ ٢/ ٢٢٢]. ٢٤٦ - يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل البيت لحسان بن ثابت في مدح الغساسنة، وذكروه شاهدا على أن «حتى» فيه ابتدائية، لذلك ارتفع الفعل؛ لأنها دخلت على جملة، ولو كانت الجارة، لانتصب الفعل. [شرح المغني/ ٣/ ١٢٤].

стр. 845

٢٤٧ - زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي لم يعرف قائله. وهو شاهد على أن قوله: «صدقوا» ... الخ، استئناف بياني، كأنه قيل: هل صدقوا، فقال: صدقوا، والغمرة - بالفتح - الشدّة. [شرح المغني/ ٦/ ١٨٠]. ٢٤٨ - ذاك الذي وأبيك تعرف مالك ... والحقّ يدفع ترّهات الباطل قاله جرير من مقطوعة هجا بها يحيى بن عقبة الطهوي، وكان يروى عليه شعر الفرزدق. وقوله: ذاك الذي، ذاك: إشارة للفرزدق، مبتدأ، والذي: خبره. وجملة «تعرف مالك» من الفعل والفاعل: صلة «الذي»، والعائد محذوف، أي: تعرفه مالك، وأنّث «تعرف»؛ لأنه أراد ب «مالك»: القبيلة. وقوله: والحقّ يدفع، يعني: أن الفرزدق في اتصافه بما ذكرته من المناقب الجليلة هو الحق الذي يهشم دفاع الباطل، وهو مع كونه كذا، فقد قتلته بهجوي، فكيف حالكم عندي. والبيت شاهد على أنّ جملة «وأبيك» القسمية، اعترض بها بين الموصول وصلته. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢١٤، والهمع/ ١/ ٨٨، والخصائص/ ١/ ٣٣٦]. ٢٤٩ - ومنهل وردته عن منهل ... قفر به الأعطان لم تسهّل رجز ينسب إلى عبد الله بن رواحة، وينسب الجزء الأول للعجاج. ومنهل: ورب منهل. والأعطان: جمع عطن - بفتحتين -، وهو مبرك الإبل حول الحوض. وقوله: «لم تسهل» يريد: توعرت وصارت فيها الحجارة. والشاهد: أن «عن» في البيت بمعنى «بعد». [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٢٩٣]. ٢٥٠ - وبدّلت والدهر ذو تبدّل ... هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل من أرجوزة لأبي النجم العجلي. وبدّلت: بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير
следующие страницы →