← Адаб

Адаб · id 17712

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية

محمد حسن شراب

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أمره إلى غيره. وفيه شاهد على زيادة «الباء» في الحال «بمزؤود»، والأصل: فما انبعثت مزؤودا ولا وكلا، فزيدت «الباء»، وعطف على مجرورها. [شرح المغني/ ٢/ ٣٩٣]. ٢٣٥ - وما هجرتك لا، بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخى لا إلى أجل لا يعرف قائله. والبيت شاهد على أنّ «لا» تزاد بعد النفي؛ لتوكيد تقرير ما قبلها، وليست «بل» للعطف هنا؛ لأنّ ما بعدها جملة. وزاد: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: الياء، وثانيهما: شغفا. وهجر: فاعل زادني. وتراخى: ماض، معناه: تطاول وامتدّ. والأجل هنا: المدّة. [شرح المغني/ ٣/ ١٤]. ٢٣٦ - لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أوقال من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت الأوسي، الجاهلي، عاصر الإسلام، واختلف في إسلامه. وهو هنا يتحدث عن ناقته. الشّرب: مفعول به، و «غير»: فاعله بني على الفتح. وقوله: في غصون: بمعنى «على»، وذات: صفة لغصون بالجرّ. والأوقال: جمع وقل، وهو ثمر الدوم إذا يبس. يريد: أن الناقة ما منعها من الشرب إلا صوت الحمامة، فنفرت، ومراده أنها حديدة النفس يخامرها فزع وذعر؛ لحدة نفسها، وذلك محمود فيها. [الخزانة/ ٣/ ٤٠٦، وشرح المغني/ ٣/ ٣٩٥]. ٢٣٧ - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشّارب الثّمل للشاعر عمرو بن أحمر من شعراء العصر الأموي، من أبيات وصف بها الشيخوخة، وضعف الحواس، وعجز القوى، ولكن قافية الأبيات رائية، وآخره «السّكر». والفعل جعلت: من أفعال الشروع. فأنهض: معطوف على يثقلني. والبيت شاهد على أنّ «ثوبي» بدل اشتمال من «تاء» «جعلت». والفعل «يثقلني» خبر للفعل «جعل»، وتقدير «إذا» ظرفية. وإذا قدرنا خبر «جعل» جملة «إذا ما قمت»، تعرب ثوبي فاعلا. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢١٣]. ٢٣٨ - ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي البيت شاهد على أن «اللام» دخلت بقلّة على جواب «لو» المنفي. [شرح المغني/ ٥/ ١١١].

стр. 842

٢٣٩ - بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال البيت لابن ميّادة. والربعين: تثنية ربع، وهو المنزل. والمسلوب: الذي سلب بهجته بخلائه من أهله. والبيت شاهد على أن عطف الصفات المفرقة مع اجتماع منعوتها لا تكون إلا ب «الواو». وذكر سيبويه البيت على أنه يجوز في النعتين: مسلوب وبال، الجرّ، نعتين لربعين، والرفع، لإمكان التبعيض منهما والقطع. والتقدير: أحدهما مسلوب والآخر بال. [شرح المغني/ ٦/ ٧٨]. ٢٤٠ - أكلت بنيك أكل الضبّ حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل البيت للشاعر أرطاة بن سهيّة. يقوله لرجل طرد بنيه فتفرقوا في البلاد وبقي وحده، فاعتدى الناس عليه، ولم يستطع دفاعا. والبيت شاهد على أنّ «الأكل» هنا بمعنى العدوان والظلم. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ١٣٤]. ٢٤١ - لما أغفلت شكرك فاصطنعني ... فكيف ومن عطائك جلّ مالي البيت للنابغة الذبياني، من قصيدة يعتذر فيها للنعمان بن المنذر، وقبله: فلا عمر الذي أثني عليه ... وما رفع الحجيج على ألال ألال: جبل عند عرفات. والبيت شاهد على أنّ لام الابتداء دخلت على «ما» النافية؛ لشبهها صورة ل «ما» الموصولة، وهو شاذ. [شرح المغني/ ٨/ ٥٦]. ٢٤٢ - أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل البيت لأبي كبير الهذلي عامر بن حليس، شاعر صحابي. والبيت شاهد أنّ «إلى» فيه بمعنى «عند»، أو على تضمين «أشهى» معنى «أقرب». [شرح أبيات المغني/ ٢/ ١٣٦].

стр. 843

٢٤٣ - فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل لأبي كبير الهذلي. وقوله: فأتت به، أي: فولدته. والهوجل: الوخم الثقيل، وأتت به: يعني: أمه. حوش الفؤاد: وحشي الفؤاد. مبطنا: خميص البطن. سهدا: يقوظا لا ينام. وضمر البطن محمود في الذكور. والشاهد أنّ إضافة «حوش» إلى الفؤاد، لفظية لا تفيد تعريفا، بدليل أنه حال من «الهاء». [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٩٨]. ٢٤٤ - ممّن حملن به وهنّ عواقد ... حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل حملت به في ليلة مزؤودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وكان قد تزوج أمّ تأبط شرا وكان غلاما صغيرا، فلما رآه كثير الدخول على أمه تنكّر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع الغلام، فقال أبو كبير لأمه: ويحك قد والله رابني أمر هذا الغلام ولا آمنه، فلا أقربك، قالت له: فاحتل عليه حتى تقتله، فاحتال عليه أبو كبير للخروج إلى الغزو، فخرجا، وأخذ يتحيّن منه غرّة ليقتلة، فلم يستطع، فرجعا إلى الحيّ وترك أبو كبير أمّ تأبط شرا. والقصة إن صدقت، أعظمت في عيني مكانة تأبط شرا، وجعلت منزلة أمّه في الدّرك، وبغّضت أبا كبير الجاهلي، ولا شك أنه بعد إسلامه قد تغيرت طباعه، والقصة قد تصدق فيما قيل عن تأبط شرا، وما زال هذا الشعور موجودا في الأبناء، فهم لا يريدون أن يروا غير أبيهم في البيت، ولا تصدق فيما قيل عن أمّ تأبط شرّا؛ لأنّ حبّ الأم المتعة لا يجعلها تقتل ابنها. وقوله: ممن حملن: النون ضمير النساء، وقال: «به» فردّ الضمير على لفظ «من»، ولو ردّ على المعنى لقال: «بهم». وعدى «حمل» ب «الباء»، وهو متعد بنفسه؛ لأنه ضمّنه معنى «حبلت». وعواقد: جمع عاقدة. والحبك: جمع حباك - بكسر أوله - ما يشد به النطاق مثل «التكة». والنطاق: شقة تلبسها المرأة وتشدّ وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجرّ على الأرض. والمهبّل: المثقل باللحم، وقيل: المعتوه. يتحدث عن تأبط شرّا، يقول: إن أمه حملت به وهي تخدم، وكانت العرب تستحب أن تطأ النساء وهنّ متعبات أو فزعات؛

стр. 844

ليغلب ماء الرجل فيجيء الولد مذكّرا، فوصف أنها حبلت به وهي عاقدة حبك النطاق. وقيل: المعنى: إنه من الفتيان الذين حملت بهم أمهاتهم وهنّ غير مستعدات للفراش، فنشأ محمودا مرضيا. وحكى عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة، فأغضبها عند الجماع؛ ولذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق، قال الشاعر: تسنّمها غضبى فجاء مسهّدا ... وأنفع أولاد الرجال المسهّد وليلة مزؤودة: ذات فزع، فمن نصب مزؤودة، فإنما أراد المرأة، ومن خفض أراد الليلة. والشاهد في البيت الأول: تضمين «حملت» معنى «حبلت»، فتعدى بحرف الجرّ. [شرح أبيات المغني/ ٨/ ٨٢، وسيبويه/ ١/ ٥٦، والانصاف/ ٤٨٩، وشرح المفصل/ ٦/ ٧٤، والأشموني/ ٢/ ٢٩٩، والحماسة/ ٨٧]. ٢٤٥ - استغن ما أغناك ربّك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل من قصيدة لعبد قيس بن خفاف، في المفضليات، والأصمعيات، وهو شاعر جاهلي، واختلط بعض أبيات القصيدة بأبيات قصيدة للحارثة بن بدر الغداني، في أمالي الشريف المرتضى، والأخير عاصر النبي ﵇ وهو صبيّ، وليس بصحابي. والبيت شاهد على أن «إذا» لا تجزم إلا في الشعر كما في البيت، ولكن ابن مالك يرى جواز جزمها في النثر، وجعل منه قوله ﵇ لعلي وفاطمة: «إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين». وابن مالك ﵀ على حقّ فيما قال، فهو أول من نبه إلى ضرورة الاستشهاد بالحديث الشريف في النحو، مع عدم الالتفات إلى من قال: إن الحديث مرويّ بالمعنى، وجلّ رواته من العجم، ولا شكّ أن نصوص الحديث الصحيحة، خير من عشرات الشواهد الشعرية المجهولة القائل. [المفضليات/ ٣٨٥، والهمع/ ٢٠٦، وشرح المغني/ ٢/ ٢٢٢]. ٢٤٦ - يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل البيت لحسان بن ثابت في مدح الغساسنة، وذكروه شاهدا على أن «حتى» فيه ابتدائية، لذلك ارتفع الفعل؛ لأنها دخلت على جملة، ولو كانت الجارة، لانتصب الفعل. [شرح المغني/ ٣/ ١٢٤].

стр. 845

٢٤٧ - زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي لم يعرف قائله. وهو شاهد على أن قوله: «صدقوا» ... الخ، استئناف بياني، كأنه قيل: هل صدقوا، فقال: صدقوا، والغمرة - بالفتح - الشدّة. [شرح المغني/ ٦/ ١٨٠]. ٢٤٨ - ذاك الذي وأبيك تعرف مالك ... والحقّ يدفع ترّهات الباطل قاله جرير من مقطوعة هجا بها يحيى بن عقبة الطهوي، وكان يروى عليه شعر الفرزدق. وقوله: ذاك الذي، ذاك: إشارة للفرزدق، مبتدأ، والذي: خبره. وجملة «تعرف مالك» من الفعل والفاعل: صلة «الذي»، والعائد محذوف، أي: تعرفه مالك، وأنّث «تعرف»؛ لأنه أراد ب «مالك»: القبيلة. وقوله: والحقّ يدفع، يعني: أن الفرزدق في اتصافه بما ذكرته من المناقب الجليلة هو الحق الذي يهشم دفاع الباطل، وهو مع كونه كذا، فقد قتلته بهجوي، فكيف حالكم عندي. والبيت شاهد على أنّ جملة «وأبيك» القسمية، اعترض بها بين الموصول وصلته. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢١٤، والهمع/ ١/ ٨٨، والخصائص/ ١/ ٣٣٦]. ٢٤٩ - ومنهل وردته عن منهل ... قفر به الأعطان لم تسهّل رجز ينسب إلى عبد الله بن رواحة، وينسب الجزء الأول للعجاج. ومنهل: ورب منهل. والأعطان: جمع عطن - بفتحتين -، وهو مبرك الإبل حول الحوض. وقوله: «لم تسهل» يريد: توعرت وصارت فيها الحجارة. والشاهد: أن «عن» في البيت بمعنى «بعد». [شرح أبيات المغني/ ٣/ ٢٩٣]. ٢٥٠ - وبدّلت والدهر ذو تبدّل ... هيفا دبورا بالصّبا والشّمأل من أرجوزة لأبي النجم العجلي. وبدّلت: بالبناء للمجهول، ونائب الفاعل ضمير

стр. 846

الريح. والهيف: ريح تهبّ بين الجنوب والدبور، وهي حارة. والدبور: ريح تهب من ناحية المغرب. والصبا: من المشرق. وقوله: بالصبا: أي: ذهبت ريح الصّبا والشمأل، وهبت علينا الهيف والدبور، ف «الباء» دخلت على المتروك. والشاهد أنه فصل بجملة «والدهر ذو تبدّل» بين الفعل ومفعوله؛ لتسديد الكلام وتوكيده. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ١٨٥، والهمع/ ١/ ٢٤٨]. ٢٥١ - كلّ امرئ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله رجز للحكيم بن الحارث بن نهيك النهشلي، شاعر جاهلي، وتمثل بالرجز أبو بكر ﵁ عند ما أصيب بحمى المدينة أول الهجرة. وهو شاهد على أن «كل» معناها بحسب ما تضاف إليه. ومعنى «مصبّح» أي: مصاب بالموت صباحا، أو يقال له وهو مقيم بأهله: صبّحك الله بالخير، وقد يفجؤه الموت في بقية النهار. والمعنى: إن الموت أقرب إلى الشخص من شراك نعله لرجله. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ١٩٤]. ٢٥٢ - تساور سوّارا إلى المجد والعلا ... وفي ذمّتي لئن فعلت ليفعلا قالته ليلى الأخيلية في هجائها للنابغة الجعدي. وتساور: تواثب وتغالب. والسّوّار: الطّلاب لمعالي الأمور المتجه بنفسه إليها. عنت به سيدا من أهلها كان النابغة قد عارضه مفاخرا له. والشاهد: «ليفعلا»، بالنون الخفيفة المبدلة ألفا. [سيبويه/ ٢/ ١٥١، والعيني/ ١/ ٥٦٩]. ٢٥٣ - قروم تسامى عند باب دفاعه ... كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا قاله النابغة الجعدي. وصف قوما اجتمعوا لدى باب ملك محجّب؛ للتخاصم، وجعل دفاع الحجاب لمن وقفوا وحجبوا شبيها بأن يؤخذ الرجل الكريم ثم يقتل. والقروم: السادة. تسامى، أي: تتسامى وترتفع، بمعنى يفخر بعضهم على بعض. والشاهد: حذف «ما» ضرورة من قوله: «كأن تؤخذ»، والتقدير «كما أنه». وقيل:

стр. 847

«كأن» هنا الناصبة للمضارع، بدليل العطف على الفعل بعدها بالنصب في قوله: «فيقتلا». وقيل: «فيقتلا» منصوب بعد «فاء» السببية في الإيجاب. [سيبويه/ ١/ ٤٧٠]. ٢٥٤ - فقال: امكثي حتى يسار لعلنا ... نحجّ معا قالت: أعاما وقابله طلب منها الانتظار حتى يوسر فيستطيع الحج، فأنكرت ذلك وقالت: أأنتظر هذا العام والعام القابل. والشاهد: في «يسار» إذ عدلت عن «الميسرة». [سيبويه/ ٢/ ٣٩، وشرح المفصل/ ٤/ ٥٥، والهمع/ ١/ ٢٩، واللسان «يسر»]. ٢٥٥ - أتتني سليم قضّها بقضيضها ... تمسّح حولي بالبقيع سبالها قاله الشماخ بن ضرار. وسليم: قبيلة امرأته، وكان قد ضربها وكسر يدها فشكاه قومها إلى عثمان بن عفان، فأنكر ما ادعوا، فأمر كثير بن الصلت أن يستحلفه على منبر رسول الله ﷺ ففعل، وسجل ذلك في شعره. ومعنى قضها بقضيضها: منقضا آخرهم على أولهم. والسبال: جمع سبلة، مقدم اللحية، وكانوا إذا تأهبوا للكلام، مسحوا لحاهم، ولا سيما عند التهديد والوعيد. والبقيع: موضع مقبرة المدينة النبوية. والشاهد: نصب «قضّها» على الحال مع أنه معرفة؛ لأنه مصدر منبئ عن فعل. [سيبويه/ ١/ ١٨٨، واللسان «قضض»، والخزانة/ ٣/ ١٩٤]. ٢٥٦ - كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرّباب خيالا قاله الأخطل. كذبتك عينك: خيّل إليك. ثم رجع عن ذلك، فقال: أم رأيت بواسط، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة. والشاهد: إتيانه ب «أم» منقطعة بعد الخبر، ويجوز أن تحذف «ألف» الاستفهام ضرورة؛ لدلالة «أم» عليها، والتقدير: أكذبتك عينك أم رأيت. [سيبويه/ ١/ ٤٨٤، وشرح أبيات المغني/ ١/ ٢٣٥]. ٢٥٧ - إنّ لكم أصل البلاد وفرعها ... فالخير فيكم ثابتا مبذولا غير معروف.

стр. 848

والشاهد: نصب «ثابت» على الحالية، والجار والمجرور هو خبر «الخير»، ولو رفع «ثابت» على الخبرية، لجاز. [سيبويه/ ١/ ٢٦٢]. ٢٥٨ - إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ في السّفر ما مضى مهلا قاله الأعشى، أي: إنّ لنا محلا في الدنيا، أي: حلولا، وإن لنا مرتحلا، أي: ارتحالا عنها إلى غيرها، وهو الموت أو الآخرة. والسّفر: المسافرون، أي: من رحلوا عن الدنيا. والمهل: الإبطاء. والمراد: عدم الرجوع. يقول: في رحيل هؤلاء إبطاء وعدم عودة. والشاهد: حذف خبر «إنّ» لقرينة علم السامع في: «إنّ محلا وإنّ مرتحلا». [سيبويه/ ١/ ٢٨٤، والخصائص/ ٢/ ٢٧٣، وشرح المفصل/ ١/ ١٠٣، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ١٦١]. ٢٥٩ - على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولا كميلا يذكّرنيك حنين العجول ... ونوح الحمامة تدعو هديلا البيتان للعباس بن مرداس .. والعجول: كصبور، الواله التي فقدت ولدها؛ لعجلتها في ذهابها وجيئتها جزعا، تقال للنساء وللإبل كما هنا. والهديل: صوت الحمامة. يقول: إذا حنت واله من الإبل، أو ناحت حمامة، رقّت نفسي فكنت منك على تذكار. والشاهد في البيت الأول: وهو الفصل بين «ثلاثين» و «حولا» بالمجرور ضرورة. وهذا تقوية لجواز الفصل بين «كم» وتمييزها عوضا لما منعته من التصرف في الكلام بالتقديم والتأخير، فهي واجبة التقديم أما «الثلاثون» ونحوها، فلما لها من التصرف بالتقديم والتأخير وفقدان الصدارة، وجب اتصال التمييز بها إلا في الضرورة. [سيبويه/ ١/ ٢٩٢، والإنصاف/ ٣٠٨، وشرح المفصل/ ٤/ ١٣٠، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٠٣]. ٢٦٠ - ألام على لوّ ولو كنت عالما ... بأذناب لوّ لم تفتني أوائله قاله أبو زبيد. و «أذناب لو»، يعني: أواخرها وعواقبها. يقول: إني ألام على التمنّي فأتركه لذلك، مع أن كثيرا من الأماني ما يصدق، فلو أيقنت بصدق ما أتمناه، لأخذت في أوائله، وتعلقت بأسبابه.

стр. 849

والشاهد: تضعيف «لو» حين جعلت اسما، وذكر «لو» حملا على معنى الحرف. [سيبويه/ ٢/ ٣٣، وشرح المفصل/ ٦/ ٣١، والهمع/ ١/ ٥]. ٢٦١ - فيا لك من دار تحمّل أهلها ... أيادي سبا بعدي وطال احتيالها قاله ذو الرّمة. تحمل أهلها: ارتحلوا. والمراد ارتحلوا متفرقين في كل وجه. طال احتيالها: طال مرور الأحوال والسنين عليها فتغيرت. والشاهد: «أيادي سبا» حيث أضاف «أيادي» إلى «سبا» ونونها كما يقال في معد يكرب، وكان حق «الياء» أن تكون مفتوحة، لكنهم سكنوها استخفافا كما سكنت ياء «معد يكرب» والأكثر في هذا التركيب، أن يكون مركبا كالأعداد المركبة، ويعرب حالا. [سيبويه/ ٢/ ٥٤، واللسان «يدي، وحول»]. ٢٦٢ - في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل قاله الأعشى، يذكر نداماه ويشبههم بسيوف الهند في مضائها، وأنهم يبادرون اللذات قبل أن يحين الأجل الذي يدرك كل الناس. والشاهد: إضمار اسم «أن» المخففة، والتقدير: أنه هالك. [سيبويه/ ١/ ٢٨٢، والخصائص/ ٢/ ٤٤١، والإنصاف/ ١٩٩، وشرح المفصل/ ٨/ ٧٤]. ٢٦٣ - أأن رأت رجلا أعشى أضرّ به ... ريب المنون ودهر مفسد خبل قاله الأعشى. وريب المنون: صرفه وما يريب منه. والمنون: الدهر. والخبل: الشديد الفساد. والشاهد: حذف الجار قبل «أن» أي: ألأن. [سيبويه ١/ ٤٧٦، والإنصاف/ ٣٢٧، وشرح المفصل/ ٣/ ٨٣]. ٢٦٤ - وما صرفتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل قاله الراعي النميري. وعجز البيت مثل يضرب عند التبرّي من الأمر، والتخلي عنه. والشاهد: رفع ما بعد «لا» على الابتداء والخبر؛ وذلك لتكرارها، ولو نصب على الإعمال، لجاز والرفع أكثر؛ لأن ذلك جواب لمن قال: ألك في هذا ناقة أو جمل، فقلت: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، فجرى ما بعد «لا» في الجواب مجراه في السؤال.

стр. 850

[سيبويه/ ١/ ٣٥٤، وشرح المفصل/ ٢/ ١١١، والأشموني/ ٢/ ١١]. ٢٦٥ - أمّلت خيرك هل تأتي قواعده ... فاليوم قصّر عن تلقائك الأمل البيت للراعي. يقول: كنت آمل من خيرك، وأترقب في لهفة ما هو أقلّ مما حصلت عليه الآن عند لقائك، فقد أعطيتني فوق ما كنت آمل. والشاهد: في «تلقائك» بالكسر، بمعنى اللقيان. والمطرد في المصادر إذا بنيت للمبالغة بزيادة «التاء» أن تأتي على تفعال بفتح التاء، نحو: التقتال، والتضراب، إلا التلقاء والتبيان فإنهما شذا، فأتيا بالكسر تشبيها لهما بالأسماء غير المصادر نحو: التمساح، والتّقصار، وهو القلادة. [سيبويه/ ٢/ ٢٤٥]. ٢٦٦ - كم نالني منهم فضلا على عدم ... إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل قاله القطامي. والشاهد: نصب «فضلا» على التمييز، حين فصل بينها وبين «كم» الخبرية بفاصل. [سيبويه/ ١/ ١٩٥، والإنصاف/ ٣٠٥، وشرح المفصل/ ٤/ ١٢٩، والهمع/ ١/ ٢٥٥، والأشموني/ ٤/ ٨٢]. ٢٦٧ - إذ هي أحوى من الرّبعيّ حاجبه ... والعين بالإثمد الحاريّ مكحول قاله طفيل الغنويّ. أحوى: يعني ظبيا أحوى، أراد من ذلك الجنس، وما نتج في الربيع أحسن ذاك وأفضله، وهو الذي في لونه سفعة، شبه صاحبته بها. والرّبعي: ما نتج في الربيع. والعين، أي: وعينه. ف «أل»: بدل من الضمير. والحاريّ: المنسوب إلى الحيرة على غير قياس. والشاهد: تذكير «مكحول»، وهو خبر عن «العين» المؤنثة ضرورة؛ لأن العين بمعنى الطرف، وهو مذكر. [سيبويه/ ١/ ٢٤٠، والإنصاف/ ٧٧٥، وشرح المفصل/ ١٠/ ١٨]. ٢٦٨ - ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته ... فإنك إن تفعل تسفّه وتجهل قاله جرير. والمولى هنا: ابن العم. والأذاة: الأذى. وسفهه: نسبه إلى السفه، وهو الجهل وخفة الحلم.

стр. 851

والشاهد: جزم «تبلغ»؛ لأنه داخل في النهي. [سيبويه/ ١/ ٤٢٥، وشرح المفصل/ ٧/ ٣٣]. ٢٦٩ - ومالكم والفرط لا تقربونه ... وقد خلته أدنى مردّ لعاقل منسوب إلى عبد مناف بن ربع الهذلي. والفرط: طريق بتهامة. يقول: قد عجزتم أن تقربوا هذا المكان، ولو قربتموه، لمنعتكم منه وقتلتكم. وخلته: علمته. والعاقل: المتحصّن في المعقل، يعني أنّ هذا المكان يرد عن المتحصن فيه أعداءه. والشاهد: نصب «الفرط»، والتقدير: مالكم وقربكم الفرط، أو وملابستكم الفرط. [سيبويه/ ١/ ١٥٥، ومعجم البلدان «الفرط»]. ٢٧٠ - فمالك والتّلدّد حول نجد ... وقد غصّت تهامة بالرّجال قاله مسكين الدارمي. والتلدد: الذهاب والمجيء حيرة. غصت: تملأت. يقول: مالك تقيم بنجد، وتتردد فيها مع جدبها وتترك تهامة وقد غصت بمن فيها؛ لخصبها وطيبها. والشاهد: نصب «التلدد» بتقدير الملابسة. [سيبويه/ ١/ ١٥٥، والأشموني/ ٢/ ١٢٦، ٢٧١ - أراني - ولا كفران لله - إنّما ... أواخي من الأقوام كلّ بخيل قاله كثير عزّة. والكفران: جحود النعمة. جعل تعلقه بالنساء خاصة وهنّ موسومات بالبخل على الرجال، حكما عاما في مواخاته لكل بخيل مبالغة، كأنه لا يواخي غيرهن. والشاهد: كسر «إنما»، لوقوعها موقع الجملة النائبة عن المفعول الثاني. [سيبويه/ ١/ ٤٦٦، والخصائص/ ١/ ٣٣٨، وشرح المفصل/ ٨/ ٥٥، والهمع/ ١/ ٢٤٧]. ٢٧٢ - وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول قاله كعب الغنوي. وتقديره: وما أنا بقؤول للشيء غير النافع، ولأن يغضب منه صاحبي، أي: لست بقؤول لما يؤدي إلى غضبه؛ لأنه لا يقول الغضب، وإنما يقول ما يؤدي إلى الغضب. ويجوز: «ويغضب» عطفا على صلة الذي، وهو أظهر وأحسن.

стр. 852

فالنصب في: «ويغضب» بإضمار «أن» بعد الحرف العاطف. [سيبويه/ ١/ ٤٢٦، وشرح المفصل/ ٧/ ٣٦، والأصمعيات/ ٧٦]. ٢٧٣ - لما تمكّن دنياهم أطاعهم ... في أيّ نحو يميلوا دينه يمل قاله عبد الله بن همّام السّلولي، يصف رجلا اتّصل بالسلاطين، فأضاع دينه في اتباع أمرهم ولزوم طاعتهم. وتمكن دنياهم، أي: من دنياهم. فحذف حرف الجرّ ووصل. ويجوز أن تكون «دنياهم» فاعلا ل «تمكن»، وذكّر الفعل لجعل الدنيا في معنى الزمان والحال. والشاهد: دخول حرف الجرّ على «أيّ» - وهي للجزاء - لم يغيرها عن عملها. [سيبويه/ ١/ ٤٤٢، والأشموني/ ٤/ ١٠، واللسان «مكن»]. ٢٧٤ - ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد جار الزمان على عيالي قاله الحطيئة، يأسى على ثلاث ذود له، أي: نوق كان يتقوت بألبانها ويقوم بها على عياله، فضلت عنه فقال هذا. والذّود: اسم واحد مؤنث منقول من المصدر يقع على الجمع، فيضاف العدد إليه كما يضاف إلى الجموع. والشاهد: «في ثلاثة أنفس»، حيث أنث «الثلاثة» مع أن النفس مؤنثة، وذلك لأنه حملها على معنى الشخص المذكر. [سيبويه/ ٢/ ١٧٥، والإنصاف/ ١٠/ ٧٧، والهمع/ ١/ ٢٥٣، والأشموني/ ٤/ ٦٣]. ٢٧٥ - وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل قاله الأخطل. وائل: قبيلة كعب بن جعيل التغلبي، الذي يهجوه الأخطل. والقراد: دويبة تعض الإبل. جعل مكانه من وائل شبيها بمكان القراد في است الجمل في الخسة والدناءة. والشاهد فيه: رفع «مكان» الثاني؛ لأنه خبر عن الأول لا ظرف له. ولو جعل الآخر ظرفا، جاز، ولكن الشاعر رفع؛ لأنه أراد أن يشبه مكانه بذلك المكان. [الخزانة/ ١/ ٤٦٠، و ٣/ ٥٠، والمقتضب/ ٤/ ٣٥٠، والمؤتلف/ ٨٤]. ٢٧٦ - أنصب للمنية تعتريهم ... رجالي أم هم درج السيول

стр. 853

قاله ابن هرمة. يقول باكيا على قومه؛ لكثرة من فقد منهم. والنصب: بالضم، أي: الشيء المنصوب. وتعتريهم: تغشاهم. ودرج السيول: الموضع الذي ينحدر فيه السيل إلى آخره حتى يستقرّ. والمعنى: كأنهم كانوا في ممرّ السيل فاجترفهم. والشاهد: نصب «درج السيول» على الظرف. وزعم يونس أن أناسا يقولون: «هم درج السيول»، بالرفع. [سيبويه/ ١/ ٢٠٦، والخزانة/ ١/ ٤٢٤]. ٢٧٧ - إني بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي قاله امرؤ القيس. وراش السهم: ركّب فيه الريش، والنبل: السهام، لا واحد له من لفظه. يقول لها: أمري من أمرك وهواي من هواك، وهذان مثلان ضربهما للمودة والمواصلة. وشاهده: تنوين «واصل»، و «رائش»، ونصب ما بعدهما تشبيها بالفعل المضارع؛ لأنهما في معناه ومن لفظه، فجريا مجراه في العمل، كما جرى مجراهما في الإعراب. [سيبويه/ ١/ ٨٣]. ٢٧٨ - إنّي انصببت من السماء عليكم ... حتى اختطفتك يا فرزدق من عل قاله جرير، يهجو الفرزدق. ومعناه: أخذتك أخذ مقتدر ظاهر عليك. يريد: غلبته إيّاه في الشعر. والشاهد: أن «عل» بمعنى «فوق». [سيبويه/ ٢/ ٣٠٩]. ٢٧٩ - ما إن يمسّ الأرض إلا منكب ... منه وحرف السّاق طيّ المحمل قاله أبو كبير الهذلي. ما إن، إن: زائدة لتوكيد النفي. نعت رجلا بالضمر، فشبهه في طيّ كشحه وإرهاف خلقه بالمحمل، وهو حمالة السيف، ويقول: إنه إذا اضطجع، لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه؛ لأنه خميص البطن فلا ينال بطنه الأرض. والمنكب: مجتمع رأس العضد والكتف. والشاهد فيه: نصب «طيّ المحمل» بإضمار فعل دلّ عليه قوله: ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق؛ لأن هذا القول يدل على أنه طوي طيّا. [سيبويه/ ١/ ١٨٠، والإنصاف/ ٢٣٠، والأشموني/ ١/ ١٢١، والخصائص/ ٢/ ٣٠٩].

стр. 854

٢٨٠ - الحرب أول ما تكون فتيّة ... تسعى ببزّتها لكلّ جهول قاله عمرو بن معد يكرب. وفتيّة: بضم الفاء، تصغير فتاة، أي: تبدأ صغيرة ثم تذكو ويشتد ضرامها. والبزة: بالكسر: اللباس، يعني: أن الحرب تغرّ من لم يجربها حتى يدخل فيها فتهلكه. والشاهد: رفع «أول» ونصب «فتيّة» والعكس، ورفعهما جميعا، ونصبهما على تقديرات مختلفة: فتقدير الأول: الحرب أول أحوالها إذا كانت فتيّة، ف «فتيّة» فيه حال ناب مناب الخبر للمبتدأ الثاني. وتقدير الثاني: الحرب في أول أحوالها فتيّة، ف «أول» نصب على الظرفية. [سيبويه/ ١/ ٢٠٠، والحماسة/ ٢٥٢، ٣٦٨]. ٢٨١ - ويأوي إلى نسوة عطّل ... وشعث مراضيع مثل السّعالي قاله أمية بن أبي عائذ الهذلي. وصف صائدا يسعى لعياله، فيعزب عن نسائه في طلب الوحش، ثم يأوي إليهنّ. والسعالي: جمع سعلاة، وهي الغول، تشبه فيها المرأة القبيحة الوجه. والشاهد: عطف «شعث» على «عطّل» ب «الواو» لا «الفاء»؛ لأن «الفاء» تفيد التفرقة ورواه سيبويه أيضا بالنصب «شعثا» على أنه منصوب على الترحم. والبيت من قصيدة عدتها ستة وسبعون بيتا، مطلعها الشاهد التالي، وأمية، شاعر اسلامي مخضرم. وفي الأغاني، أنه أموي، وفد على عبد العزيز بن مروان بمصر، وطال مقامه عنده، وكان يأنس به، فتشوق إلى البادية وإلى أهله، فأذن له ووصله. فدلّ بفعله هذا، على أنه شاعر أصيل؛ حيث فضل أهله وباديته على ترف الحاضرة، وأعطى مثلا لحبّ الوطن، ولو كان بادية. [سيبويه/ ١/ ١٩٩، ٢٥٠، وشرح المفصل/ ٢/ ١٨، والأشموني/ ٣/ ٦٩، والخزانة/ ٢/ ٤٢٦]. ٢٨٢ - ألا يا لقوم لطيف الخيال ... أرّق من نازح ذي دلال قاله أمية بن أبي عائذ الهذلي. والطيف: ما يطيف بالإنسان في نومه من خيال من يهوى. ونازح: بعيد. والدلال: الجرأة في غنج، والبيت مطلع القصيدة.

стр. 855

والشاهد فيه: فتح «اللام» الأولى وكسر الثانية فرقا بين المستغاث به والمستغاث من أجله. [الخزانة/ ٢/ ٤٢٩، وسيبويه/ ١/ ٣١٩]. ٢٨٣ - وأكذب النّفس إذا حدّثتها ... إنّ صدق النّفس يزري بالأمل قاله لبيد بن ربيعة. قالوا: ومن الأفعال الجامدة «كذب» التي تستعمل للإغراء بالشيء والحثّ عليه، ويراد بها الأمر به ولزومه وإتيانه، لا الإخبار عنه، ومنه قولهم: كذبك الأمر، وكذب عليك، يريدون الإغراء به والحمل على إتيانه، أي: عليك به فالزمه وائته، وقولهم: كذبك الصيد، أي: أمنك، فارمه، وأصل المعنى: كذب فيما أراك وخدعك ولم يصدقك، فلا تصدقه فيما أراك، بل عليك به والزمه وائته، ثم جرى هذا الكلام مجرى الأمر بالشيء والإغراء به والحث عليه والحضّ على لزومه وإتيانه من غير التفات إلى أصل المعنى؛ لأنه جرى مجرى المثل، والأمثال لا يلاحظ فيها أصل معناها وما قيلت بسببه، وإنما يلاحظ فيها المعنى المجازي الذي نقلت إليه. وهذا الكلام إما من قولهم: كذبته عينه، أي: أرته ما لا حقيقة له. وإما من قولهم: «كذب نفسه، وكذبته نفسه»، إذا غرّها أو غرّته، وحدثها أو حدثته بالأماني البعيدة. ومعنى البيت: نشطها وقوّها ومتنها، ولا تثبطها، فإنك إن صدقتها، أي: ثبطتها وفترتها، كان ذلك داعيا إلى عجزها وكلالها وفتورها خشية التعب في سبيل ما أنت تريده. [الحماسة/ ١٤٨، والخزانة/ ٥/ ١١٢]. ٢٨٤ - حجبت تحيّتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها البيت شاهد على زيادة «كان» بين «ما» وفعل التعجب. ٢٨٥ - أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا البيت لأوس بن حجر. والبيت شاهد على الفصل بين فعل التعجب «أحر» والمتعجب منه بالظرف «إذا»، وهو هنا ظرف محض لم يتضمن معنى الشرط، ومتعلق بآخر. [الأشموني/ ٣/ ٢٤، والعيني/ ٣/ ٦٥٩، والتصريح/ ٢/ ٩٠]. ٢٨٦ - فنعم ابن أخت القوم غير مكذّب ... زهير حسام مفرد من حمائل

стр. 856

البيت من قصيدة أبي طالب عمّ النبي ﷺ . وفي البيت شاهد على فاعل «نعم» المضاف إلى اسم أضيف إلى مقترن ب «أل»، وهذه القصيدة تطول في بعض المراجع، وتقصر في بعضها، وهي في السيرة النبوية لابن هشام تزيد على ثمانين بيتا، ومهما كان الأمر، فإن أصل القصيدة صحيح، لما روى البخاري في صحيحه (ك ١٥) عن عبد الله بن دينار قال: سمعت عبد الله بن عمر يتمثل بشعر أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... البيت. وعن سالم عن أبيه ربّما ذكرت قول الشاعر - وأنا أنظر إلى وجه النبيّ ﷺ يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب -: وأبيض يستسقى ... البيت. وهو قول أبي طالب، وهذا يدلّ على صحة نسبة القصيدة، أو بعضها إلى أبي طالب، وإذا كنا لا نملك سندا صحيحا لبقية أبيات القصيدة، فإننا نقرر أن أبا طالب لم يقتصر على هذا البيت من القصيدة، وإنما قال مجموعة من أبياتها، ونرى أن الصحيح والمنحول من أبياتها صحيح المعنى، بل كلّ ما قيل في مدح النبيّ ﷺ يوافق صفاته النبوية الشريفة، ولا يصدق مدح في مخلوق، كما يصدق في محمد ﷺ ؛ لأنه الإنسان الذي اختاره الله للنبوة والرسالة، وأكمل له خلقه وخلقه، وقد قال أبو طالب هذه القصيدة عند ما حصر المشركون بني هاشم وبني عبد المطلب في الشّعب، قال ابن كثير: وهي قصيدة بليغة جدا، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى، وقد أحببت أن أورد منها أبياتا مختارة مشروحة، محبّة في النبيّ ﷺ ، فاخترت ما اختاره منها البغدادي في خزانة الأدب، مع شرحه وإعرابه، وهذا هو المختار كما أثبته البغدادي: [الخزانة/ ٢/ ٥٩]. ٢٨٧ - خليليّ ما أذني لأوّل عاذل ... بصغواء في حقّ ولا عند باطل بصغواء: خبر «ما» النافية. وهي حجازية؛ ولذا زيدت «الباء»، والصغّو: الميل، وأصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه. ولأوّل عاذل: متعلّق ب «صغواء»، و «في حقّ» متعلق ب «عاذل»، أي: لا أميل بأذني لأوّل عاذل في الحق، وإنما قيّد العاذل بالأوّل؛ لأنه إذا لم يقبل عذل العاذل الأوّل، فمن باب أولى أن لا يقبل عذل العاذل الثاني، فإنّ النفس

стр. 857

إذا كانت خالية الذهن، ففي الغالب أن يستقرّ فيها أول ما يرد عليها. ٢٨٨ - خليليّ إن الرأي ليس بشركة ... ولا نهنه عند الأمور البلابل أراد أن الرأي الجيد يكون بمشاركة العقلاء، فإن لم يتشاركوا - بأن كانوا متباغضين -، لم ينتج شيئا. والرأي ما لم يتخمّر في العقول كان فطيرا. والنهنه: بنونين وهاءين كجعفر المضيء والنيّر الشفّاف الذي يظهر الأشياء على جليّتها وأصله: الثوب الرقيق النسج، ومن شأنه أن لا يمنع النظر إلى ما وراءه، وهو معطوف على شركة. والبلابل: إمّا جمع بلبلة بفتح الباءين، أو جمع بلبال بفتحهما، وهما بمعنى الهمّ ووساوس الصدر، كزلازل جمع زلزلة وزلزال بالفتح، وهو إما على حذف مضاف أي: ذات البلابل، أو إنها بدل من الأمور. ٢٨٩ - ولمّا رأيت القوم لاودّ عندهم ... وقد قطّعوا كلّ العرى والوسائل أراد بالقوم: كفار قريش. والعرا: جمع عروة، وهي معروفة، وأراد بها هنا: ما يتمسّك به من العهود مجازا مرسلا. والوسائل: جمع وسيلة، وهي ما يتقرّب به. ٢٩٠ - وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدوّ المزايل صارحونا: كاشفونا بالعداوة صريحا، والصّراحة وإن كانت لازمة لكنها لمّا نقلت إلى باب المفاعلة تعدّت. والمزايل: اسم فاعل من زايله مزايلة وزيالا: فارقه وباينه، وإنما يكون العدوّ مفارقا، إذا صرّح بالعداوة فلا تمكن العشرة. ومن قال: المزايل: المعالج، وظنّه من المزاولة لم يصب. ٢٩١ - وقد حالفوا قوما علينا أظنّة ... يعضّون غيظا خلفنا بالأنامل حالفوا قوما: مثل «صارحونا» في أنه كان لازما وتعدّى إلى المفعول بنقله إلى باب المفاعلة. والتحالف: التعاهد والتعاقد على أن يكون الأمر واحدا في النّصرة والحماية، وبينهما حلف، أي: عهد، والحليف: المعاهد. و «علينا»: متعلق ب «حالفوا». والأظنّة: جمع ظنين، وهو الرجل المتّهم، والظنّة: - بالكسر - التّهمة، والجمع الظّنن، يقال منه: أظنّة وأظنّة بالطاء والظاء إذا اتّهمه. قال الشاطبي في شرح الألفية: «أفعلة قياس في كل اسم مذكر رباعي فيه مدة ثالثة، فهذه أربعة أوصاف معتبرة، فإن كان صفة لم يجمع قياسا على أفعلة، فإن جاء عليه، فمحفوظ لا يقاس عليه، قالوا في شحيح: أشحّة، وفي ظنين:

стр. 858

أظنّة. قال تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ. [الأحزاب: ١٩]، وقال أبو طالب (وأنشد هذا البيت): ٢٩٢ - صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول الصّبر: الحبس. والسّمراء: القناة. والسّمحة: اللّدنة اللينة التي تسمح بالهزّ والانعطاف. والأبيض: السيف. والعضب: القاطع. والمقاول: جمع مقول بكسر الميم، الرئيس، وهو دون الملك، كذا في المصباح عن ابن الأنباري. وقال السّهيلي في الروض الأنف: أراد بالمقاول آباءه، شبههم بالملوك ولم يكونوا ملوكا ولا كان فيهم ملك، بدليل حديث أبي سفيان حين قال له هرقل: هل كان في آبائه من ملك؟ فقال: لا. ويحتمل أن يكون هذا السيف من هبات الملوك لأبيه؛ فقد وهب ابن ذي يزن لعبد المطلب هبات جزيلة حين وفد عليه مع قريش يهنّئونه بظفره بالحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بعامين. ٢٩٣ - وأحضرت عند البيت رهطى وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل الوصائل: ثياب مخطّطة يمانية، كان البيت يكسى بها. ٢٩٤ - قياما معا مستقبلين رتاجه ... لدى حيث يقضي حلفه كلّ نافل الرتاج: الباب العظيم، وهو مفعول مستقبلين. والنافل: فاعل من النافلة. وهو التطوّع. ٢٩٥ - أعوذ بربّ الناس من كلّ طاعن ... علينا بسوء أو ملحّ بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ... ومن ملحق في الدين ما لم نحاول ملحّ: اسم فاعل من ألحّ على الشيء، إذا أقبل عليه مواظبا. والمعيبة: العيب والنقيصة. ونحاول: نريد. ٢٩٦ - وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق لبرّ في حراء ونازل ثور: معطوف على «ربّ الناس»، وهو و «ثبير» و «حراء»: جبال بمكة. والبرّ: خلاف الإثم، وهو رواية ابن إسحاق وغيره. وروى ابن هشام: «ليرقى» وهو خطأ؛ لأن الراقي لا

стр. 859

يرقى، وإنما هو لبرّ أي: في طلب برّ، أقسم بطالب البرّ بصعوده في حراء؛ للتعبّد فيه، وبالنازل منه. ٢٩٧ - وبالبيت حقّ البيت من بطن مكّة ... وبالله، إنّ الله ليس بغافل وبالحجر الأسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضّحى والأصائل قال السهيلي: «وقوله بالحجر الأسود» فيه زحاف يسمى الكفّ، وهو حذف النون من مفاعيلن، وهو بعد «الواو» من الأسود. والأصائل: جمع أصيلة، والأصل: جمع أصيل؛ وذلك لأن فعائل جمع فعيلة. والأصيلة: لغة معروفة في «الأصيل» انتهى. وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب. ٢٩٨ - وموطئ إبراهيم في الصّخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل موطئ إبراهيم ﵇: هو موضع قدمه حين غسلت كنّته رأسه وهو راكب، فاعتمد بقدمه على الصخرة حين أمال رأسه ليغسل، وكانت سارة قد أخذت عليه عهدا حين استأذنها في أن يطالع ما تركه بمكّة، فحلف لها أنه لا ينزل عن دابّته، ولا يزيد على السّلام واستطلاع الحال غيرة من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة ألقى الله فيها أثر قدمه آية. قال تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ. [آل عمران: ٩٧]، أي: منها مقام إبراهيم. ومن جعل «مقام إبراهيم» بدلا من «آيات» قال: المقام، جمع مقامة. وقيل: بل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه. ٢٩٩ - وأشواط بين المروتين إلى الصفا ... وما فيهما من صورة وتماثل هو جمع تمثال، وأصله تماثيل، فحذف الياء. ٣٠٠ - ومن حجّ بيت الله من كلّ راكب، ... ومن كلّ ذي نذر، ومن كل راجل فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... وهل من معيذ يتّقي الله عادل المعاذ بالفتح: اسم مكان من عاذ فلان بكذا، إذا لجأ إليه واعتصم به. والمعيذ: اسم فاعل من أعاذه بالله، أي: عصمه به. وعادل: صفة معيذ، بمعنى: غير جائر. ٣٠١ - يطاع بنا العدا، وودّوا لو أنّنا ... تسدّ بنا أبواب ترك وكابل العدا: بضم العين وكسرها، اسم جمع للعدوّ ضد الصديق، وروي «الأعدا»، وهو جمع

стр. 860

عدوّ. وتسدّ بنا، أي: علينا. والترك وكابل بضم الباء: صنفان من العجم. ٣٠٢ - كذبتم وبيت الله نترك مكّة ... ونظعن إلّا أمركم في بلابل أي والله لا نترك مكة ولا نظعن منها، لكن أمركم في هموم ووساوس صدر. وروي: (في تلاتل) بالمثناة الفوقية، جمع تلتلة، وهو الاضطراب والحركة. ٣٠٣ - كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولمّا نطاعن دونه ونناضل الواو: للقسم، ونبزى: جواب القسم على تقدير لا النافية، فإنها يجوز حذفها في الجواب كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا. [يوسف: ٨٥]، أي: لا تفتؤ. ونبزى بالبناء للمفعول، أي: نغلب ونقهر عليه، يقال: أبزى فلان بفلان إذا غلبه وقهره، كذا في الصحاح. فهو بالباء والزاي المنقوطة. ومحمدا: منصوب بنزع الباء. ولما: نافية جازمة، والجملة المنفية حال من نائب فاعل «نبزى». والطعن يكون بالرمح، والنضال يكون بالسهم. ٣٠٤ - ونسلمه حتّى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ونسلمه بالرفع: معطوف على «نبزى»، أي: لا نسلمه، من أسلمه بمعنى سلّمه لفلان، أو من أسلمه بمعنى خذله. ونصرّع ونذهل بالبناء للمفعول. والحلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة. قال ابن هشام في السيرة: قال عبيدة بن الحارث بن المطّلب لمّا أصيب في قطع رجله يوم بدر: أما والله لو أدرك أبا طالب هذا اليوم، لعلم أني أحقّ بما قال منه حيث يقول: كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... البيت وما بعده. ٣٠٥ - وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصّلاصل وينهض بفتح الياء: وهو منصوب معطوفا على نصرّع، والنهوض في الحديد عبارة عن لبسه واستعماله في الحرب. والروايا: جمع راوية، وهو البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه. وذات الصلاصل: هي المزادة التي ينقل فيها الماء، وتسميها العامة الراوية، والصّلاصل: جمع صلصلة بضم الصادين، وهي بقيّة الماء في الإداوة. يريد: أن الرجال

стр. 861

- مثقلين بالحديد - كالجمال التي تحمل المياه مثقلة، شبّه قعقعة الحديد بصلصلة الماء في المزادات. ٣٠٦ - وحتّى نرى ذا الضغن يركب ردعه ... من الطّعن فعل الأنكب المتحامل نرى بالنون: من رؤية العين. والضّغن بالكسر: الحقد. وجملة «يركب»: حال من مفعول «نرى». يقال للقتيل: ركب ردعه، إذا خرّ لوجهه على دمه. والرّدع: بفتح الراء وسكون الدال، اللّطخ والأثر من الدم والزعفران. «ومن الطعن» متعلّق ب «يركب». والأنكب: المائل إلى جهة، وأراد: كفعل الأنكب، في الصحاح: «والنكب»، بفتحتين: داء يأخذ الإبل في مناكبها فتظلع منه وتمشي منحرفة، يقال: نكب البعير بالكسر ينكب نكبا فهو أنكب. وهو من صفة المتطاول الجائر. والمتحامل بالمهملة: الجائر والظالم. ٣٠٧ - وإنّا لعمر الله إن جدّ ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل عمر الله: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: قسمي، وجملة «لتلتبسن»: جواب القسم، والجملة القسمية خبر «إن». وقوله: «إن جدّ»، إن: شرطيّة، وجدّ: بمعنى لجّ ودام وعظم. وما: موصولة، وأرى: من رؤية البصر، والمفعول محذوف وهو العائد، وجواب الشرط محذوف وجوبا؛ لسدّ جواب القسم محلّه. والالتباس: الاختلاط والملابسة، و «النون» الخفيفة للتوكيد، وأسيافنا: فاعل تلتبس. والأماثل: الأشراف، جمع أمثل. والمعنى: إن دام هذا العناد الذي أراه تنل سيوفنا أشرافكم. ٣٠٨ - بكفّي فتى مثل الشهاب سميدع ... أخي ثقة حامي الحقيقة باسل بكفّي: تثنية كفّ، و «الباء» متعلقة بقوله: تلتبس. وقد حقّق الله ما تفرّسه أبو طالب يوم بدر. وقوله: مثل الشهاب، يريد أنه شجيع لا يقاومه أحد في الحرب، كأنه شعلة نار يحرق من يقرب منه. والسّميدع بفتح السين؛ وضمّها خطأ، وبفتح الدال المهملة وإعجامها لا أصل له، خلافا لصاحب القاموس؛ ومعناه: السيّد الموطّأ الأكناف. قال المبرّد في أول الكامل: «معنى موطّأ الأكناف»: أن ناحيته يتمكّن فيها صاحبها غير

стр. 862

مؤذى ولا ناب به موضعه. والتوطئة: التذليل والتمهيد، يقال: دابّة وطيء افتى، وهو الذي لا يحرّك راكبه في مسيره، وفراش وطيء، إذا كان وثيرا لا يؤذي جنب النائم عليه. قال أبو العباس: حدّثني العباس بن الفرج الرياشيّ، قال: حدثني الأصمعي، قال: قيل لأعرابيّ، وهو المنتجع بن نبهان: ما السّميدع؟ فقال: السيّد الموطأ الأكناف. وتأويل الأكناف: الجوانب، يقال في المثل: فلان في كنف فلان، كما يقال: فلان في ظلّ فلان، وفي ذرا فلان، وفي حيّز فلان». انتهى. والثقة: مصدر وثقت به أثق بكسرهما، إذا ائتمنته. والأخ يستعمل بمعنى الملازم والمداوم. والحقيقة: ما يحقّ على الرجل أن يحميه. والباسل: الشجيع الشديد الذي يمتنع أن يأخذه أحد في الحرب، والمصدر البسالة، وفعله بسل بالضم. وأراد بصاحب هذه الصفات الفاضلة: محمّدا ﷺ . ٣٠٩ - وما ترك قوم لا أبا لك سيّدا ... يحوط الذّمار غير ذرب مواكل ما: استفهامية تعجبيّة مبتدأ عند سيبويه وترك: خبر المبتدأ، وعند الأخفش بالعكس. وقوله: لا أبالك، يستعمل كناية عن المدح والذم، ووجه الأوّل: أن يراد نفي نظير الممدوح بنفي أبيه، ووجه الثاني: أن يراد أنّه مجهول النسب. والمعنيان محتملان هنا. والسّيد: من السيادة، وهو المجد والشرف، وحاطه يحوطه حوطا: رعاه. وفي الصحاح: وقولهم فلان حامي الذمار، أي: إذا ذمر وغضب حمى، وفلان أمنع ذمارا من فلان، ويقال: الذّمار ما وراء الرجل مما يحقّ عليه أن يحميه؛ لأنهم قالوا: حامي الذمار كما قالوا: حامي الحقيقة. وسمي ذمارا؛ لأنه يجب على أهله التذمر له، وسمّيت حقيقة؛ لأنه يحقّ على أهلها الدفع عنها، وظلّ يتذمر على فلان: إذا تنكّر له وأوعده، والذّرب: بفتح الذال المعجمة وكسر الراء - لكنّه سكّنه هنا - وهو الفاحش البذّي اللسان. والمواكل: اسم فاعل من واكلت فلانا مواكلة، إذا اتّكلت عليه واتّكل هو عليك، ورجل وكل بفتحتين، ووكلة كهمزة، وتكلة، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره ويتّكل عليه. ٣١٠ - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل أبيض: معطوف على سيّد المنصوب بالمصدر قبله، وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد، هكذا أعربه الزركشي في نكته على البخاريّ المسمّى بالتنقيح لألفاظ

стр. 863

الجامع الصحيح، قال: لا يجوز غير هذا، وتبعه ابن حجر في فتح الباري، وكذلك الدمامينيّ في تعليق المصابيح على الجامع الصحيح، وفي حاشيته على مغني اللبيب أيضا. وزعم ابن هشام في المغني: أن أبيض مجرور بربّ مقدرة وأنّها للتقليل. والصواب الأوّل: فإن المعنى ليس على التنكير، بل الموصوف بهذا الوصف واحد معلوم، والأبيض هنا: بمعنى الكريم. قال السّمين في عمدة الحافظ: عبّر عن الكرم بالبياض، فيقال: له عندي يد بيضاء، أي: معروف، وأورد هذا البيت، والبياض أشرف الألوان، وهو أصلها؛ إذ هو قابل لجميعها، وقد كنى به عن السّرور والبشر، وبالسّواد عن الغمّ، ولما كان البياض أفضل الألوان قالوا: البياض أفضل، والسواد أهول، والحمرة أجمل، والصفرة أشكل. ويستسقى: بالبناء للمفعول؛ والجملة صفة أبيض. والثّمال: العماد والملجأ والمطعم والمغني والكافي. والعصمة: ما يعتصم به ويتمسّك. قال الزركشيّ: يجوز فيهما النصب والرفع. والأرامل: جمع أرملة، وهي التي لا زوج لها؛ لافتقارها إلى من ينفق عليها، وأصله من أرمل الرجل: إذا نفد زاده وافتقر، فهو مرمل. وجاء أرمل على غير قياس، قال الأزهريّ: لا يقال للمرأة أرملة إلّا إذا كانت فقيرة، فإن كانت موسرة، فليست بأرملة، والجمع أرامل، حتى قيل رجل أرمل إذا لم يكن له زوج، قال ابن الأنباري: وهو قليل؛ لأنه لا يذهب بفقد امرأته، لأنها لم تكن قيّمة عليه، وقال ابن السكيت: الأرامل: المساكين، رجالا كانوا أو نساء. قال السهيلي في الروض الأنف: «فإن قيل: كيف قال أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ولم يره قطّ استسقي به، إنّما كانت استسقاءاته ﵊ بالمدينة في سفر وحضر، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له؟ فالجواب: أن أبا طالب قد شاهد من ذلك في حياة عبد المطّلب ما دلّه على ما قال». انتهى. وردّه بعضهم بأن قضيّة الاستسقاء متكرّرة؛ إذ واقعة أبي طالب كان الاستسقاء به عند الكعبة، وواقعة عبد المطّلب كان أوّلها أنهم أمروا باستلام الركن، ثم بصعودهم جبل أبي قبيس؛ ليدعو عبد المطلب ومعه النبي ﷺ ويؤمّن القوم، فسقوا به. قال ابن هشام في السيرة: «حدثني من أثق به قال: أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله ﷺ فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله ﷺ على المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من

стр. 864

المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم حوالينا ولا علينا»! فانجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالإكليل، فقال رسول الله ﷺ : «لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه». فقال له بعض أصحابه (وهو علي ﵁: كأنك أردت يا رسول الله قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه .. البيت. قال: «أجل»!. انتهى. وبتصديق النبي ﷺ كون هذا البيت لأبي طالب - وعليه اتفق أهل السير - سقط ما أورده الدّميري في شرح المنهاج في باب الاستسقاء عن الطبراني وابن سعد: أن عبد المطّلب استسقى بالنبي ﷺ فسقوا؛ ولذلك يقول عبد المطلب فيه يمدحه: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه .. البيت. قال ابن حجر الهيثمي في شرح الهمزيّة: «وسبب غلط الدّميريّ في نسبة هذا البيت لعبد المطلب: أن رقيقة (براء مضمومة وقافين) بنت أبي صيفيّ بن هاشم، وهي التي سمعت الهاتف في النوم أو في اليقظة - لما تتابعت على قريش سنون أهلكتهم - يصرخ: يا معشر قريش، إن هذا النبيّ المبعوث قد أظلّتكم أيامه، فحيّهلا بالحيا والخصب، ثم أمرهم بأن يستسقوا به. وذكر كيفيّة يطول ذكرها. فلما ذكرت الرواية في القصّة أنشأت تمدح النبيّ ﷺ بأبيات آخرها: مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر فإنّ الدّميري لما رأى هذا البيت في رواية قصّة عبد المطلب التي رواها الطبراني - وهو يشبه بيت أبي طالب؛ إذ في كلّ استسقاء الغمام به - توهّم أن بيت أبي طالب لعبد المطلب. وإنما هو لرقيقة المذكورة. والحكم عليه بأنه عين المنسوب لأبي طالب ليس كذلك، بل شتّان ما بينهما. فتأمّل هذا المحلّ فإنه مهمّ. وقد اغترّ بكلام الدّميريّ من لا خبرة له بالسير». انتهى. ٣١١ - يلوذ به الهلّاك من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة وفواضل يلوذ: صفة أخرى لموصوف «سيد». والهلاك: الفقراء والصعاليك الذين ينتابون الناس

стр. 865

طلبا لمعروفهم من سوء الحال، وهو جمع هالك، قال جميل: أبيت مع الهلّاك ضيفا لأهلها ... وأهلي قريب موسعون ذوو فضل وقال زياد بن حمل: ترى الأرامل والهلّاك تتبعه ... يستنّ منه عليهم وابل رذم ٣١٢ - جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل نوفل هو ابن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ، وهو ابن العدويّة، وكان من شياطين قريش، قتله علي بن أبي طالب يوم بدر. ٣١٣ - بميزان قسط لا يخسّ شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل بميزان: متعلّق بجزى الله. والقسط بالكسر: العدل. وخسّ يخسّ من باب ضرب، إذا نقص وخفّ وزنه، فلم يعادل ما يقابله. وله، أي: للميزان، شاهد أي: لسان من نفسه، أي: من نفس القسط غير عائل: صفة شاهد أي: غير مائل، يقال: عال الميزان يعول، إذا مال. كذا في العباب، وأنشد هذا البيت كذا: بميزان صدق لا يغلّ شعيرة ... له شاهد ... البيت ٣١٤ - ونحن الصّميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصيّ في الخطوب الأوائل الصميم: الخالص من كل شيء. والذؤابة: الجماعة العالية، وأصله: الخصلة من شعر الرأس. ٣١٥ - وكلّ صديق وابن أخت نعدّه ... لعمري، وجدنا غبّه غير طائل الغبّ بالكسر: العاقبة. ويقال: هذا الأمر لا طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء ومزيّة؛ مأخوذ من الطّول بمعنى الفضل. ٣١٦ - سوى أن رهطا من كلاب بن مرّة ... براء إلينا من معقّة خاذل قال السهيلي: «يقال قوم براء بالضم، وبراء بالفتح، وبراء بالكسر. فأما براء بالكسر: فجمع برئ مثل كريم وكرام، وأما براء: فمصدر مثل سلام، و «الهمزة» فيه وفي الذي قبله لام الفعل، ويقال: رجل براء، ورجلان براء، وإذا كسرتها أو ضممت، لم يجز إلّا في

стр. 866

الجمع، وأما براء بضم الباء فالأصل فيه: برآء مثل كرماء، واستثقلوا اجتماع الهمزتين فحذفوا الأولى، وكان وزنه فعلاء، فلما حذفوا التي هي «لام» الفعل، صار وزنه «فعاء» وانصرف؛ لأنه أشبه «فعالا». والمعقّة بفتح الميم: مصدر بمعنى العقوق. ٣١٧ - ونعم ابن أخت القوم غير مكذّب ... زهير حساما مفردا من حمائل قال ابن هشام في السيرة: «زهير هو ابن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب». انتهى. وزهير: - هو المخصوص بالمدح - مبتدأ، وجملة «نعم ابن أخت القوم»: هو الخبر، وغير مكذّب بالنصب: حال من فاعل نعم، وهو «ابن». ومكذّب: على صيغة اسم المفعول، يقال: كذّبته بالتشديد، إذا نسبته إلى الكذب ووجدته كاذبا، أي: هو صادق في مودّته لم يلف كاذبا فيها. والحسام: السيف القاطع، وهو منصوب على المدح بفعل محذوف، أي: يشبه الحسام المسلول في المضاء. ورواه العيني في شرح شواهد الألفية: (حسام مفرد) برفعهما، وقال: «حسام صفة لزهير، وقوله: «مفردا من حمائل» صفة للحسام؛ وهذا على تقدير صحّة الرواية خبط عشواء، فإن زهيرا علم وحساما نكرة. والمفرد: المجرد. والحمائل: جمع حمالة، وهي علاقة السيف، مثل المحمل بكسر الميم، هذا قول الخليل. وقال الأصمعي: حمائل السيف لا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها محمل كذا في العباب. وهذا البيت استشهد به شرّاح الألفية على أنّ فاعل «نعم» مظهر، مضاف إلى ما أضيف إلى المعرّف باللام. ٣١٨ - أشمّ، من الشمّ البهاليل ينتمي ... إلى حسب في حومة المجد فاضل الشمم: ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، وهذا مما يمدح به، وهو أشمّ من قوم شمّ. والبهاليل: جمع بهلول بالضم، قال الصاغاني: والبهلول من الرجال: الضحّاك، وقال ابن عبّاد: هو الحييّ الكريم. وينتمي: ينتسب. وفاضل بالضاد المعجمة: صفة حسب. ٣١٩ - لعمري، لقد كلّفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحبّ المواصل كلّفت بالبناء للمفعول والتشديد: مبالغة كلفت به كلفا، من باب تعب، إذا أحببته

стр. 867

وأولعت به. ووجدا، أي: كلف وجد، يقال: وجدت به وجدا، إذا حزنت عليه، وب «أحمد» متعلّق بكلّفت؛ وهو اسم نبينا محمد ﷺ . ويجوز أن يكون من كلّفته الأمر فتكلّفه، مثل حمّلته فتحمّله وزنا ومعنى مع مشقّة، فوجدا: مفعوله الثاني، وبدون التضعيف متعدّ لواحد، يقال: كلفت الأمر من باب تعب: حملته على مشقّة. وأراد بإخوته: أولاده جعفرا وعقيلا وعليّا ﵃؛ فإن أبا طالب كان عمّ النبي ﷺ ، والعمّ أب، فأولاده إخوة النبي ﷺ . ودأب: مصدر منصوب بفعله المحذوف أي ودأبت دأب المحبّ، يقال فلان دأب في عمله، إذا جدّ وتعب. ٣٢٠ - فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها ... وزينا لمن ولّاه ذبّ المشاكل الذّبّ: الدفع. والمشاكل: جمع مشكلة. ٣٢١ - فمن مثله في الناس! أيّ مومّل ... إذا قاسه الحكّام عند التفاضل ! «أيّ»: هي الدالة على الكمال، خبر مبتدأ محذوف، أي هو؛ والمؤمّل: الذي يرجى لكلّ خير. والتفاضل بالضاد المعجمة: وهو التغالب بالفضل. ٣٢٢ - حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل أي هو حليم. والطّيش: النزق والخفّة ويوالي إلها، أي: يتخذه وليّا، وهو فعيل بمعنى فاعل، من وليه، إذا قام به. ومنه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا. [البقرة: ٢٥٧]. ٣٢٣ - فأيّده ربّ العباد بنصره ... وأظهر دينا حقّه غير ناصل الحقّ: خلاف الباطل، وهو مصدر حقّ الشيء، من باب ضرب وقتل، إذا وجب وثبت. والناصل: الزائل المضمحلّ، يقال: نصل السهم، إذا خرج منه النصل، ونصل الشعر ينصل نصولا: زال عنه الخضاب. ٣٢٤ - فو الله، لولا أن أجيء بسبّة ... تجرّ على أشياخنا في القبائل لكنّا اتّبعناه على كلّ حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل تقدم شرحهما أوّلا في شواهد سابقة. ٣٢٥ - لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل

стр. 868

في النهاية: «يقال عنيت بحاجتك أعنى بها فأنا بها معنيّ، وعنيت بها فأنا عان، والأول أكثر، أي: اهتممت بها واشتغلت»، انتهى. وهو من باب تعب. ٣٢٦ - فأصبح فينا أحمد في أرومة ... يقصّر عنها سورة المتطاول تنوين «أحمد» للضرورة. والأرومة: بفتح الهمزة وضم الراء المهملة، الأصل، والسّورة بالضم: المنزلة، وبفتح السين: السطوة والاعتداء. والمتطاول: من الطّول بالفتح، وهو الفضل، وهذا بالنسبة إلى المنزلة، أو من تطاول عليه، إذا قهره وغلبه، وهذا بالنسبة إلى السّطوة. ٣٢٧ - حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذّرا والكلاكل حدب عليه كفرح، وتحدب عليه أيضا بمعنى: تعطّف عليه. وحقيقته جعل نفسه كالأحدب بالانحناء أمامه؛ ليتلقّى عنه ما يؤذيه. ودونه: أمامه. والذّرا بالضم: أعالي الشيء، جمع ذروة بكسر الذال وضمها. والكلاكل: جمع كلكل كجعفر، بمعنى الصدر. ٣٢٨ - يمينا لأبغض كلّ امرئ ... يزخرف قولا ولا يفعل البيت شاهد على امتناع توكيد الفعل ب «النون» بعد القسم؛ لأنه يدل على الحال، وهو الفعل «أبغض». [الأشموني/ ٣/ ٢١٥]. ٣٢٩ - أحيا؟ وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا قاله أبو الطيب المتنبي، والشاهد «أحيا»، حيث حذفت «همزة» الاستفهام، والأصل أحيا؟. ٣٣٠ - ولبست سربال الشباب أزورها ... ولنعم كان شبيبة المحتال البيت شاهد على زيادة «كان» بين نعم، وفاعلها. [الأشموني/ ١/ ٤٤٠]. ٣٣١ - أتوني فقالوا: يا جميل، تبدّلت ... بثينة أبدالا، فقلت: لعلّها جميل بثينة. والأبدال: جمع بدل. والبيت شاهد على حذف خبر «لعلّ». [الهمع/ ١/ ١٣٦، والدرر/ ١/ ١١٣]. ٣٣٢ - وما زلت سبّاقا إلى كل غاية ... بها يبتغى في الناس مجد وإجلال

стр. 869

وما قصّرت بي في التسامي خؤولة ... ولكنّ عمّي الطيب الأصل والخال أي: والخال هو الطيب الأصل أيضا. والخؤولة: جمع خال، كالعمومة: جمع عمّ، أو هي على معنى المصدر للخال. ولكنّ: هنا، ليست للاستدراك؛ إذ لا معنى له هنا وإنما هي للتوكيد. والطيب: خبر عن اسم «لكن»، أي: لكن عمي هو الطيب الأصل، والخال كذلك. والمعنى: لم تقصّر بي عن نيل المجد خؤولة ولا عمومة، ولكني أفتخر بنفسي وما أكسبه من الفضائل. يريد أنه حصل له السؤدد من ناحيتين: الأولى: من نفسه، وهي أنه ما زال كثير السبق إلى جميع الغايات التي يطلب بها الشرف في الناس. [الهمع/ ٢/ ١٤٤، والأشموني/ ١/ ٢٨٧]. ٣٣٣ - وبنت كرام قد نكحنا ولم يكن ... لنا خاطب إلا السّنان وعامله البيت شاهد على الاستثناء المنقطع، وأن بني تميم يجيزون البدلية فيه إذا صح تفرغ العامل قبله له وتسلطه عليه. فلو قلت: «ولم يكن لنا إلا السنان وعامله»، صح. ولذلك يعرب «السنان» هنا بدلا من «خاطب». [الأشموني/ ٢/ ١٤٧، والعيني/ ٣/ ١١٠]. ٣٣٤ - حيّتك عزّة بعد الهجر وانصرفت ... فحيّ ويحك، من حيّاك يا جمل ليت التحيّة كانت لي فأشكرها ... مكان يا جمل حيّيت يا رجل يخاطب الشاعر جمله، والمعنى: ليت تحيتها للجمل كانت لي، بأن تقول: مكان حييت يا جمل، حييت يا رجل. والبيت الثاني شاهد على جواز تنوين المنادى المفرد المبني على الضم في الشعر، وهو قوله: «يا جمل». [شرح المفصل/ ١/ ١٢٩، والهمع/ ١/ ١٧٣، والأشموني/ ٣/ ١٤٤]. ٣٣٥ - لو يشأ طار به ذو ميعة ... لاحق الآطال نهد ذو خصل قاله علقمة الفحل. والميعة: النشاط. يريد فرسا. والآطال: جمع إطل، وهو الخاصرة. والخصل: لفائف الشعر. والبيت شاهد على عمل «لو» الجزم، حيث جاء الفعل «يشأ» مجزوما. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١٠٥، والهمع/ ٢/ ٦٤، والأشموني/ ٤/ ١٤]. ٣٣٦ - إن الكريم، وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل

стр. 870

الراجز لم يعين. وهو شاهد على زيادة «على» للتعويض. قال ابن جني: أراد: «من يتكل عليه»، فحذف «عليه»، وزاد «على» قبل «من» عوضا، ويحتمل أن يكون الكلام تم عند قوله: «إن لم يجد يوما»، ثم قال: على من يتكل، وتكون «من» استفهامية. [سيبويه/ ١/ ٤٤٣، والخصائص/ ٢/ ٣٠٥، وشرح أبيات المغني/ ٣/ ٢٤١، والأشموني/ ٢/ ٢٢٢]. ٣٣٧ - لمتى صلحت ليقضين لك صالح ... ولتجزينّ إذا جزيت جميلا البيت شاهد على دخول «اللام» الموطئة للقسم على «متى» الشرطية، بدليل توكيد جواب الشرط بالنون. [الهمع/ ٢/ ٤٤، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٦٣]. ٣٣٨ - غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعلّ بما أدني إليك وتنهل لأمية بن أبي الصلت، وقيل: لابن عبد الأعلى، وقيل: لأبي العباس الأعمى. [الحماسة/ ٧٥٣]. ٣٣٩ - وما حالة إلا سيصرف حالها ... إلى حالة أخرى وسوف تزول البيت شاهد على أن «السين» مقتطعة من «سوف»، وأن مدة التسويف قد تكون واحدة في الاثنتين؛ لأن العرب عبرت عن المعنى الواحد الواقع في الوقت الواحد ب «سيفعل»، و «سوف يفعل»، كما في البيت. [الهمع/ ٢/ ٧٢، والدرر/ ٢/ ٨٩]. ٣٤٠ - فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدّهر ما دام يذبل قاله حسان بن ثابت. ويذبل: اسم جبل. والبيت شاهد على أن «ليس» تنفي المستقبل أيضا، وليست مخصوصة بنفي الحال. وقد تنفي الماضي أيضا كما حكى سيبويه: «ليس خلق الله مثله». [الهمع/ ١/ ٨، والعيني/ ٢/ ٢٠]. ٣٤١ - هيا أمّ عمرو هل لي اليوم عندكم ... بغيبة أبصار الوشاة سبيل البيت شاهد على «هيا»، حرف نداء ينادى بها البعيد مسافة وحكما. [الهمع/ ١/ ١٧٢، والدرر/ ١٤٨].

стр. 871

٣٤٢ - لو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبّا لغيرك ما أتتك رسائلي البيت شاهد على اسمية «الكاف»، ووقوعها هنا اسما لكان. والبيت منسوب إلى جميل بثينة، وإلى أبي كبير الهذلي. [الهمع/ ٢/ ٣١، والدرر/ ٢/ ٢٩]. ٣٤٣ - فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلا كلمّة بارق بخيال والبيت شاهد على زيادة الواو في قوله: «فإذا وذلك»، وأصله: فإذا ذلك. والبيت لابن مقبل. والواو زائدة أيضا في البيت التالي. [الخزانة/ ١١/ ٥٨]. ٣٤٤ - فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل والبيت لأبي كبير الهذلي، وهو شاهد على زيادة «الواو» في: «فإذا وذلك». [الخصائص/ ٢/ ١٧١، وديوان الهذليين/ ٢/ ١٠٠]. ٣٤٥ - ولو كنت تعطي حين تسأل سامحت ... لك النفس واحلولاك كلّ خليل أجل، لا، ولكن أنت أشأم من مشى ... وأسأل من صماء ذات صليل قوله: «واحلولاك»: استحلاه، من الحلاوة، كما يقال: استجاده من الجودة. واحلولت الجارية تحلولي، إذا استحليت واحلولاها الرجل. والصّماء: الأرض، وصليلها: صوت دخول الماء فيها، والأرض الصماء، يتسرب الماء إلى داخلها ولا يؤثر فيها ولا ترتوي. والبيت الثاني شاهد على أن «أجل» حرف جواب مثل «نعم»، تكون لتصديق الخبر، ولتحقيق الطلب. [المنصف/ ١/ ٨٢]. ٣٤٦ - جزى ربّه عنّي عديّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل نسب إلى أبي الأسود الدؤلي، يهجو عديّ بن حاتم الطائي، وما أظنّه يصحّ، فأبو الأسود رجل صالح، وعديّ بن حاتم صحابي، ولا يكون من أبي الأسود أن يهجو صحابيا، وقيل: للنابغة الجعدي، وقيل لغيرهما. والشاهد: «ربّه عديّ بن حاتم»، حيث أعاد الضمير من الفاعل المتقدم على المفعول المتأخر، فكان هذا الضمير عائدا على متأخر في اللفظ والرتبة، وهو شاذ عند جمهور

стр. 872

النحاة الذين يعتمدون على الصناعة، ولكنه سائغ لا شذوذ فيه؛ لأن المفعول به كثيرا ما يتقدم على الفاعل، وعلى الفعل أيضا، فرتبته متقدمة في كثير من أحواله. [الخزانة/ ١/ ٢٧٧]. ٣٤٧ - أيّهذان كلا زاديكما ... ودعاني واغلا في من يغل دعاني: اتركاني. واغلا: الواغل: الرجل الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. و «يغل» أصله: «يوغل»، فحذف الواو؛ لوقوعها بين الياء المفتوحة والكسر. مثل (وعد يعد). والشاهد: «أيهذان»، أيّ: منادى، والهاء: للتنبيه، ذان: مرفوع بالألف، صفة ل «أيّ» المنادى، ونعت «أيّ» المنادى باسم الإشارة الذي للمثنى قليل. وحقه أن ينعت باسم محلى بالألف واللام. [شرح شذور الذهب/ ١٥٤، والهمع/ ١/ ١٧٥، والدرر/ ١/ ١٥٢]. ٣٤٨ - محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا منسوب إلى أبي طالب، أو إلى ابنه علي بن أبي طالب. والتبالا: سوء العاقبة، أو الهلاك. وأصل تائه «واو»، فأصله: الوبال. مثل: تجاه، وتخمة. والشاهد: «تفد» جاء مجزوما ولم يسبقه جازم، فقدّروا له «لام» الدعاء (الأمر) محذوفة، وأصله: لتفد. وقيل: حذفت «لامه» للضرورة. [الانصاف/ ٥٣٠، وشرح المفصل/ ٧/ ٢٥، وشذور الذهب/ ٢١١، والأشموني/ ٤/ ٥]. ٣٤٩ - فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل من شعر امرئ القيس. ومستحقب: أصله الذي يجمع حاجاته في الحقيبة والمراد: غير مكتسب. والواغل: الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. والشاهد: «أشرب»، جاء مجزوما بلا جازم، ويروى البيت: حلّت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل فاليوم أسقى غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل والرواية الأولى، لسيبويه، والرواية الثانية عند المبرّد في «الكامل»، وفي رواية «فاليوم

стр. 873

فاشرب»، وقد قالوا في الردّ على من أنكر على سيبويه روايته: إنّ القياس لا يأبى ذهاب حركة الإعراب في المنقول عن العرب، وقد قرأت القرّاء: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ. [يوسف: ١١] بالادغام، وخط في المصحف ب «نون» واحدة فلم ينكر ذلك أحد، فكما جاز ذهابها للإدغام، فكذا ينبغي أن لا ينكر ذهابها للتخفيف، وقرأ ابن محارب: وبعولتهن أحق بردهن. [البقرة: ٢٢٨] بإسكان التاء، وقرأ الأعمش: وما يعدهم الشيطان. [النساء: ١٢] بإسكان الدال. [الخزانة/ ٨/ ٢٥٣، وشرح المفصل/ ١/ ٤٨، وشرح الذهب/ ٢١٢]. ٣٥٠ - وما حقّ الذي يعثو نهارا ... ويسرق ليله إلا نكالا يعثو: يفسد. والنكال: العقوبة. والبيت شاهد على عمل «ما» الحجازية إذا انتقض نفيها ب «إلّا». فقوله: «ما» نافية، حقّ: اسمها، ونكالا: خبرها. ومثله قول الشاعر: وما الدهر إلا منجنونا بأهله ... وما صاحب الحاجات إلا معذّبا والبيت الشاهد للشاعر مغلس بن لقيط الأسدي، شاعر جاهلي. [الهمع ج ١/ ١٢٣]. ٣٥١ - بينما نحن بالأراك معا ... إذ أتى راكب على جمله البيت لجميل العذري. والشاهد: «بينما»، حيث كفت «ما» «بين» عن الإضافة إلى المفرد، فجاءت بعده الجملة الاسمية (نحن بالأراك). [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢٧٢، والمرزوقي/ ١٧٨٤]. ٣٥٢ - وكلّ أبيّ باسل غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل من لامية العرب للشّنفرى، ولا أعلم من الذي سماها لامية العرب، ولعلّ ذلك كان في وقت متأخر بعد ظهور لامية العجم للطغرائي، والله أعلم. وقوله: وكلّ أبيّ، أي: كل واحد من الوحش؛ لأنه زعم في قصيدته أنه اتخذ الوحش أهلا له دون أهله من قبيلته. والأبيّ: الصعب الممتنع. والباسل: الشجاع. وقوله في نهاية البيت: «أبسل»، أفعل تفضيل. والطرائد: جمع الطريدة، والمراد هنا: الفرسان ومطاردة الأقران في الحرب، إذا حمل بعضهم على بعض.

стр. 874

والشاهد: (غير)، على أنها تستعمل في الاستثناء المتّصل. [الخزانة/ ٣/ ٣٤٠]. ٣٥٣ - فإمّا تريني كابنة الرّمل ضاحيا ... على رقّة أحفى ولا أتنعّل البيت غير منسوب. وابنة الرمل: يعني: الناقة، وضاحيا: ملاقيا حرّ الشمس، وعلى رقة: يعني: مع رقة جلد قدمي. والبيت شاهد لمجيء الفعل بعد «إمّا»، غير مؤكد بالنون. [الأشموني ج ٣/ ٢١٦]. ٣٥٤ - بأوشك منه أن يساور قرنه ... إذا شال عن خفض العوالي الأسافل البيت بلا نسبة في الهمع، وأنشده السيوطي شاهدا لاشتقاق اسم التفضيل من الفعل أوشك، وهو «بأوشك»، والمعروف أن أفعال المقاربة لا يأتي منها إلا الماضي والمضارع. ٣٥٥ - فإن تبتئس بالشّنفرى أمّ قسطل ... لما اغتبطت بالشّنفرى قبل أطول البيت للشنفرى. وقسطل: الغبار، وأم قسطل: كنية الحرب. واغتبطت: فاعله أم قسطل. وقبل: مبني على الضم، أي: قبل موته. وقوله: لما: ما: مصدرية، مؤولة مع الفعل بالمبتدأ، وأطول: خبره. والتقدير: لزمن اغتباطها بالشنفرى قبل موته، أطول من زمن بؤسها بموته. والشاهد: «فإن تبتئس»، وهو وقوع المضارع شرطا ل «إن» التي لا جواب لها في الظاهر ضرورة. والقياس: فإن ابتئست، فإن جملة «لما ابتئست»: جواب قسم مقدر، و «لام» التوطئة قبل إن مقدرة، والتقدير: فو الله لئن لم تبتئس، وجواب الشرط محذوف وجوبا مدلول عليه بجواب القسم. وقوله تبتئس بالشنفرى: الباء للسببية، أي: بسبب فراق الشنفرى، وهو صاحب هذه القصيدة التي تسمى لامية العرب. [الخزانة ج ١١/ ٣٤٩]. ٣٥٦ - إني لأمنحك الصّدود وإنني ... قسما إليك مع الصّدود لأميل البيت للأحوص، الأنصاري من قصيدته التي يمدح بها عمر بن عبد العزيز، ومطلعها: يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكّل وزعم الأدباء أن عاتكة التي يتغزل بها، هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وهذا كذب؛ لأن الأحوص يقول هذا حوالي سنة مائة، ويزيد توفي حوالي ستين، وينت يزيد لن تكون

стр. 875

محلّ غزل. وقد قال بعضهم: إن رجلا كان ينزل قرى بين الأشراف، كنى عنها بعاتكة، وقيل: عاتكة بنت عبد الله بن يزيد، والحقيقة أنها امرأة في خيال الشاعر واستحسن هذا الاسم، فجعله اسما لها. والشاهد في البيت: على أنّ «قسما» تأكيد للحاصل من الكلام السابق، بسبب «إنّ» و «اللام»، يعني أن «قسما» تأكيد لما في قوله: (وإنني مع الصدود لأميل إليك)، من معنى القسم لما فيه من التحقيق والتأكيد من «إنّ» و «لام» التأكيد، فلما كان في الجملة منهما تحقيق، والقسم أيضا تحقيق، صار كأنه قال: أقسم قسما. [كتاب سيبويه ج ١/ ١٩٠، والخزانة ج ٢/ ٤٧، وج ٤/ ١٥، وشرح المفصل ج ١/ ١١٦]. ٣٥٧ - فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب ... لعلّك تهديك القرون الأوائل قاله لبيد بن ربيعة. والشاهد: رفع الاسم الذي تدخل عليه أداة الشرط على الفاعلية، إذا لم يكن للفعل بعده حاجة إليه. والتقدير في البيت: وإن لم تنتفع بعلمك، لم ينفعك علمك، فلما حذف الفعل، برز الضمير وانفصل. [الأشموني ج ٢/ ٧٥، والخزانة ج ٣/ ٣٤]. ٣٥٨ - فبادرن الديار يزفن فيها ... وبئس من المليحات البديل البيت لرفاعة الفقعسي، وهو في الهمع ج ٢/ ٨٥. وقوله: يزفن: لعلّ معناه: يسرعن، من وزف يزف، وقرئ: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ [الصافات: ٩٤] بتخفيف «الفاء»، مثل زفّ يزفّ. والشاهد: الفصل بين «بئس» وفاعلها بمعمول الفاعل، والتقدير: «بئس البديل من المليحات». ٣٥٩ - أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفكّ تأتكل البيت للاعشى. في ديوانه، واللسان «ألك»، والخصائص ج ٢/ ٢٨٨. والمألكة: الرسالة. وقوله في القافية: تأتكل، قال ابن منظور: من الألوك، مقلوب ألك، وأصله تأتلك. ٣٦٠ - وتشرب أساري القطا الكدر بعد ما ... سرت قربا أحناؤها تتصلصل

стр. 876

البيت للشنفرى، من لامية العرب. والأسآر: جمع سؤر، وهو بقية الماء، يريد أنه يسبق القطا إذا سايرها في طلب الماء؛ لسرعته، فترد بعده وتشرب سؤره، مع أن القطا أسرع الطير ورودا. والقطا الكدر: الغبر الألوان. و «قربا»: حال من ضمير «سرت». والقرب: السير إلى الماء بينك وبينه ليلة، أو سير الليل؛ لورود الماء. وأحناؤها: جوانبها، و «تتصلصل»: يسمع لها صوت من شدة العطش. [الخزانة ج ٧/ ٧٤٧، والعيني ج ٣/ ٢٠٦]. ٣٦١ - فعبّت غشاشا ثم مرّت كأنّها ... مع الصبح ركب من أحاظة مجفل للشنفرى من اللامية، بعد البيت السابق. وعبّت: شربت بلا مصّ. وغشاشا: على عجلة. والركب: ركبان من الإبل خاصة. يقول: وردت القطا على عجل، ثم صدرت في بقايا من الظلمة في الفجر، وهذا يدل على قوة سرعتها. ومجفل: مسرع، صفة ثانية لركب، و «من أحاظة»: صفة أولى. وأحاظة: قبيلة من الأزد. وقيل: أحاظة: موضع. والشاهد: أن اسم الجمع بعضه كالركب يجوز تذكيره وتأنيثه، وفي الشعر جاء مذكرا، فإنه عاد الضمير عليه من «مجفل» بالتذكير، ولو أنّث، لقال: مجفلة. [الخزانة/ ج ٧/ ٢٨٦، وشرح شواهد الشافية/ ١٤٨]. ٣٦٢ - زيادتنا نعمان لا تنسينّها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو للشاعر عبد الله بن همّام السلولي. والشاهد: «تق الله» يريد: اتق الله. [اللسان «وقى»، والخصائص ج ٢/ ٢٨٦، وج ٣/ ٨٩]. ٣٦٣ - وما حالة إلا سيصرف حالها ... إلى حالة أخرى وسوف تزول البيت بلا نسبة في الهمع ج ٢/ ٧٢. وأنشده شاهدا لتعاقب «السين» و «سوف» على المعنى الواحد في الوقت الواحد، خلافا للبصريين الذين قالوا: إن زمن المضارع مع «السين» أضيق منه مع «سوف». ٣٦٤ - جوابا به تنجو اعتمد فوربّنا ... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل البيت بلا نسبة في الأشموني ج ٣/ ٢٦٧، والهمع ج ١/ ٢١٠، ورواية الشطر الثاني: «فعن عمل».

стр. 877

والشاهد: «لا غير»، (غير) مبني على الضمّ؛ لانقطاعه عن الإضافة. وفيه ردّ على ابن هشام الذي شرط أن تقع بعد ليس، وأن قول الفقهاء: (لا غير)، لحن. فهذا البيت أنشده ابن مالك شاهدا لصحة البناء بعد «لا» النافية. ٣٦٥ - يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم ... ولا حبال محبّ واصل تصل البيت غير منسوب. واستشهد به السيوطي على أن الشاعر حذف «بين»، وأقام «قرنا» مكانها، والأصل: «ما بين قرن إلى قدم». [الهمع/ ٢/ ١٣١]. ٣٦٦ - ماذا - ولا عتب في المقدور - رمت أما ... يكفيك بالنّجح أم خسرو تضليل البيت في الهمع ج ١/ ٨٨، وأنشده شاهدا لجواز الفصل بين الموصول والصلة بجملة الاعتراض. وهذا على اعتبار أن «ذا» من «ماذا»، موصولة. ويحتمل أن تكون «ماذا» كلها استفهامية. ٣٦٧ - فيوما يوافين الهوى غير ماضي ... ويوما ترى منهنّ غولا تغوّل البيت لجرير، من قصيدة يهجو بها الأخطل. ويوافين، أي: يجازين، ويروى أيضا: (يجازين)، من المجازاة، ويروى: (يجارين)، بالراء المهملة، أي: يجارين الهوى بألسنتهنّ ولا يمضينه. والشاهد: قوله: (غير ماضي)، حيث حركت «الياء» للضرورة. ويروى: (غير ماصبى)، من صبا يصبو بالصاد المهملة، أي: من غير صبى منهن إليّ. ويبدو أنه هو الصحيح، وأن بعض النحويين حرفوه، وهي رواية ديوانه، وعلى هذا لا شاهد فيه. والغول: أخبث السعالي. وأصل تغوّل: تتغوّل، فحذفت إحدى التاءين، من تغولت الإنسان الغول، أي: ذهبت به وأهلكته، والمعنى: أنه يصفهن بأنهن يوما يجازين العشاق بوصل متقطّع، ويوما يهلكنهم بالصدود والهجران. [الأشموني ج ١/ ١٠٠، وشرح المفصل ج ١٠/ ١٠١، وكتاب سيبويه ج ٢/ ٥٩، وروايته: (فيوما يوافيني الهوى غير ماضي)]. ٣٦٨ - فإن يك من جنّ لأبرح طارقا ... وإنّ يك إنسا ماكها الإنس تفعل البيت للشنفرى من لامية العرب. وقوله: «فإن يك من جنّ»، اسم «يك» ضمير يعود على الطارق المفهوم من المقام،

стр. 878

والطارق: الذي يأتي ليلا، ومن جنّ: خبره. وقيل: اسمها مضمر فيها، أي: إن كان المرء، ومن جنّ: خبره، أي: جنيّا. و «اللام» في «لأبرح» جواب قسم محذوف، أي: والله لأبرح، وجوابه أغنى عن جواب الشرط. وطارقا: تمييز. ويجوز أن يكون حالا من الضمير في «أبرح»، وهو الطارق. و «الكاف» يجوز أن تكون اسما، فموضعها نصب ب «تفعل»، أي: ما تفعل الإنس مثلها، والضمير عائد على الفعلة التي وجدت. والإنس: مبتدأ، وتفعل: خبره. والبيت شاهد على أن أداة الشرط إذا لم يكن لها جواب في الظاهر، يجب أن يكون شرطها ماضيا لفظا ومعنى، نحو: «أكرمك إن أتيتني»، و «أكرمك إن لم تقطعني». وقد يجيء في الشعر مستقبلا، كما في البيت. [الخزانة ج ١١/ ٣٤٣، والهمع ج ٢/ ٣٠، والعيني ٣/ ٢٦٩]. و «أبرح» في البيت: فعل ماض، بمعنى البرح، وهو الشدّة. ٣٦٩ - ولي دونكم أهلون سيد عملّس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل من لامية الشنفرى الموسومة بلامية العرب. والخطاب إلى بني قومه. وبدأها بقوله: أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل ومعنى «أقيموا صدور مطيكم»: يقال: أقام صدر مطيته، إذا جدّ في السير، وكذلك إذا جدّ في أيّ أمر كان. يؤذن قومه بالرحيل، وأن غفلتهم عنه، توجب مفارقتهم. وبني أمي: منادى، وأضاف الأبناء إلى الأم؛ لأنها أشدّ شفقة، كما قيل في قوله تعالى حكاية عن هارون: يَا بْنَ أُمَّ. [طه: ٩٤]، وأميل: بمعنى مائل. وبعد المطلع إلى البيت الشاهد قوله: فقد حمّت الحاجات والليل مقمر ... وشدّت لطيّات مطايا وأرحل وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحوّل لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل ولي دونكم ... فهو يعلم أهله بالرحيل؛ لأنهم لم يؤدوا واجبهم نحوه، ولم يحفظوا له حقّه في المودّة، ويقرر أن في الأرض متسعا للعيش. وفي الأرض أهل يأنس بهم غير أهله ويريد بهم: وحوش الصحراء. وقوله: ولي دونكم، «دون» بمعنى «غير». ولي: خبر مقدم، وأهلون:

стр. 879

مبتدأ مؤخر، ودون: ظرف، كان صفة ل (أهلون)، فلما تقدم صار حالا منه. وسيد: خبر مبتدأ محذوف، أي: هم سيد، والسّيد: بكسر السين، مشترك بين الأسد والذئب، ومراده هنا: الذئب؛ ولهذا عينه بالوصف فقال: عملّس، وهو القوي على السير السريع. وأرقط: ما فيه نقط بياض وسواد، مشترك بين حيوانات، منها النمر والحية، وأراد النمر. ولهذا وصفه بزهلول، وهو الأملس. والعرفاء: مؤنث الأعرف، ويقال للضبع: عرفاء؛ لكثرة شعر رقبتها، وجيأل: بدل من عرفاء، وهو اسم للضبع، معرفة بلا «ألف» و «لام». يقول: اتخذت هذه الوحوش أهلا بدلا منكم؛ لأنها تحميني من الأعداء، ولا تخذلني في حال الضيق، وهذا تعريض بعشيرته في أنهم لا حماية لهم كهذه الحيوانات، ولا غيرة لهم على من جاورهم، وأكّد هذا المعنى في البيت التالي بقوله: هم الأهل لا مستودع السّرّ ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جرّ يخذل قلت: وقد لخّص أحدهم ما قاله الشنفرى في البيت: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت رعيان فكدت أطير قال أبو أحمد: وقصيدة الشنفرى، عجيبة في نسجها، فأنت تقرأ مطلعها وأبياتا بعده فتجدها تسيل عذوبة ورقة وسهولة، وتتدفق عاطفتها، فتأخذ بمجامع القلب المجرّب، فإذا أو غلت في قراءتها، صدمتك بخشونتها وغرابة ألفاظها، وهذه الظاهرة فيها قولان: الأول: وفيه نحسن الظنّ، وننسب القصيدة إلى صاحبها؛ ذلك أن مطلع القصيدة يعبر الشاعر فيه عن نفسه المتألمة، فهو شعر ذاتي، يقدم لك قطعة من قلب الانسان. والإنسان إذا تألم، عبّر صادقا، وكان شعره يمثل عاطفته. والعواطف لا يفترق فيها الناس، يستوي فيها الحضري، والبدوي، والمتوحش؛ لأن العواطف أودعها الله في كلّ إنسان. وأما خشونة القسم الثاني من القصيدة، فسببه أنه يصف البيئة البدوية الخشنة بصحرائها، وحيوانها. فهو يصف ما تراه عينه، ويقع ماثلا على الأرض دون أن يمتزج به. والثاني: ربما كانت المقدمة مصنوعة؛ لأنها أشبه بشعر العصر العباسي، وبقية القصيدة هو الصحيح. وربما كان العكس. ومما شجعني على القول الأخير، أن القالي قال في أماليه: «إن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها ... هي من المقدمات في الحسن

стр. 880

والفصاحة والطول. [ج ١/ ١٥٦] فقال: (المنسوبة)، ولم يضف القصيدة إلى الشنفرى، والله أعلم بالحقيقة. والشاهد في البيت: (أهلون)، فقد جمع «أهل» في البيت، جمعا سالما، وإن كان «أهل» في البيت، غير علم لمذكر عاقل، ولا صفة له، لكنه جمعه هذا الجمع؛ لتنزيله هذه الوحوش الثلاثة منزلة الأهل الحقيقي. [شرح المفصل ج ٥/ ٣١، والخزانة ج ٨/ ٥٥، وج ٣/ ٣٤٠]. ٣٧٠ - وما قصّرت بي في التّسامي خؤولة ... ولكنّ عمّي الطيب الأصل والخال البيت غير منسوب، وقبله في الروايات: وما زلت سبّاقا إلى كلّ غاية ... بها يبتغى في الناس مجد وإجلال والخؤولة: بضم الخاء، إما بمعنى المصدر، كالعمومة، أو جمع خال، كالعمومة جمع عمّ. والمعنى: أنه حصل على السؤدد من وجهين: أحدهما: من قبل نفسه، وهو كونه سباقا إلى غاية المفاخر، والآخر: من جهتي أبيه وأمه، وإلى الثاني أشار بقوله: (خؤولة)، وأما الأول، فلأن في البيت حذفا تقديره: ولا عمومة، يدل على ذلك عجز البيت. والشاهد: في قوله: والخال، حيث عطف على محل «عمّي»؛ لأنه في الأصل مبتدأ، والتقدير: والخال طيب الأصل كذلك، والدليل على الرفع، القافية، فإنها مرفوعة، وهذا العطف مشروط بأن تستكمل الأداة الناسخة خبرها، والأصل فيه: ل «إنّ»، وحمل عليه «لكنّ». قال ابن مالك: وجائز رفعك معطوفا على ... منصوب إنّ بعد أن تستكملا وألحقت بأنّ لكنّ وأن ... من دون ليت ولعلّ وكأن [الأشموني ج ١/ ٢٨٧، والهمع ج ٢/ ١٢٤]. ٣٧١ - إنّ الكريم لمن ترجوه ذو جدة ... ولو تعذّر إيسار وتنويل البيت بلا نسبة في [العيني ج ٢/ ٢٤٢، وشواهد التوضيح ١٥٢]. ٣٧٢ - صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق والثقل
следующие страницы →