١٤٢ - وما عليك إذا أخبرتني دنفا ... رهن المنيّة يوما أن تزوريني (١)
وحدّث كقوله:
١٤٣ - أو منعتم ما تسألون فمن حد ... دثتموه له علينا العلاء (٢)
وأنبأ كقوله:
١٤٤ - وأنبئت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن (٣)
الفاعل
الفاعل ما كان كزيد من قولك: أتى زيد، في كونه مسندا إليه فعل مقدم عليه (١) على طريقة فعل يفعل، أو كان كوجهه من قولك: منيرا وجهه، من كونه مسندا إليه اسم مقدم يشبه فعل يفعل (٢).
فيدخل في قولنا: مسندا إليه، نحو: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ (٣).
ويدخل في عدم (٤) تقييد الفعل بالتمام اسم كان؛ إذ هو فاعل عند سيبويه (٥)، وإن أخرجه بعضهم.
والفاعل مرفوع بفعل مقدم عليه، فنحو: زيد قام (٦)، مبتدأ وخبر، معرّض لتسلّط (٧) نواسخ الابتداء عليه، فإن ظهر بعد الفعل
стр. 249
ما هو مسند إليه في المعنى فهو الفاعل، سواء كان اسما ظاهرا، كقام زيد، أو ضميرا بارزا، كالزيدان قاما، وإن لم
يظهر وجب كونه ضميرا مستترا في الفعل، كعمرو انطلق.
وإذا أسند الفعل إلى الفاعل الظاهر وهو مثنى أو مجموع جرّد من الألف والواو والنون، نحو: فاز الشهيدان، وفاز الشهداء.
ومن العرب (١) جاعلها حروفا دالّة على مجرّد التثنية والجمع مع إسنادها إلى الظاهر، فيقول: سعدا أخواك، وسعدوا أخوتك، وقمن الهندات، ومثله: أكلوني البراغيث. وقال ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة (٢)» وقال:
стр. 250
١٤٦ - تولّى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعد وحميم (١)
стр. 251
ويرفع الفاعل فعل مضمر جوازا، كقولك: زيد، جوابا لمن قال: من قرأ؟ ومثله قوله:
١٤٧ - ليبك يزيد، ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطوائح (١)
стр. 252
المعنى يبكيه ضارع. ووجوبا إذا فسر بما بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره أو ملابسه مثل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (١) وهلّا زيد قام أبوه.
وإذا أسند الماضي إلى مؤنث لزمته التاء إذا كان المسند إليه إمّا ظاهرا حقيقيّا غير مفصول ولا مقصود به الجنس، نحو:
أبت (٢) هند، وإمّا ضميرا متصلا حقيقيّ التأنيث أو مجازيه، كهند قامت، والشمس طلعت.
وحقيقيّ التأنيث ما كان بإزائه ذكر، كمرأة ونعجة.
فالظاهر المجازي المسند إليه، والحقيقي المفصول ثبوتها مختار فيهما، والحذف قليل، كقوله:
стр. 253
١٤٨ - إنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور (١)
ومثله قولك: أتى القاضي بنت الواقف، هذا في غير المفصول بإلّا، أمّا المفصول بها فالحذف مختار فيه، كقولك:
ما زكا إلّا فتاة ابن العلا. وحكم المقصود به الجنس في اختيار الحذف حكم المفصول بإلا، كنعم الفتاة. وأغرب سيبويه (٢) فحكى أنّ بعض العرب يقول: قال فلانة. بحذف (٣) التاء دون فصل أو غيره ممّا تقدم.
ويستباح ضرورة حذفها من الفعل المسند إلى ضمير ذي المجاز كقوله:
١٤٩ - فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها (٤)
стр. 254
وحكم الفعل المسند إلى جمع غير المذكّر السالم حكم المسند إلى واحد مجازي التأنيث، نحو قام الرجال، وقامت الرجال، وقام بنوك، وقامت بنوك؛ لتغيّر نظم واحده، وتساوي التاء في اللزوم وعدمه تاء (١) مضارع الغائبة.
والفاعل كالجزء من الفعل فحقه الاتّصال بالفعل، وحقّ المفعول الانفصال عنه.
ويقدّم توسّعا المفعول على الفاعل أو على الفعل نفسه، مثل:
ضرب زيدا عمرو، وفَرِيقاً هَدى (٢).
ويجب تقدّم الفاعل إن خيف لبس، لعدم ظهور الإعراب والقرينة، نحو: أكرم موسى عيسى.
стр. 255
ويجوز (١) تقديم المفعول مع القرينة، نحو: ضرب سعدى موسى (٢)، وأخذت سلمى الحمّى.
ويقدّم الفاعل أيضا إذا أضمر (٣) ولم يقصد حصره، نحو:
أكرمتك وأهنت زيدا (٤)، وكلما قصد حصره أخّر فاعلا أو مفعولا بإنّما أو بإلّا، نحو: إنما ضرب زيد عمرا، وما ضرب زيد إلّا عمرا (٥)، حصرا في المفعول، والحصر في الفاعل مثل: إنما ضرب عمرا زيد، وما ضرب عمرا إلّا زيد. وأجاز الكسائي (٦) تقديم المحصور بإلّا لفهم المعنى معها قدم المحصور أو أخّر، ووافقه ابن الأنباري (٧) إذا لم يكن فاعلا وأنشد:
١٥٠ - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة ... فما زاد إلّا ضعف ما بي كلامها (٨)
стр. 256
وكثر تقديم المفعول المتلبّس (١) بضمير الفاعل عليه، نحو:
خاف ربّه عمر، فلو كان الفاعل متلبّسا (٢) بضمير المفعول وجب عند أكثر النحويين تأخيره، نحو: زان الشجر نوره وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ (٣) وأجازه بعضهم، والحقّ أنه قليل، كقوله:
١٥١ - كسا حلمه ذا الحلم (٤) أثواب سؤدد ... ورقّى نداه ذا الندى في ذرى المجد (٥)
стр. 257
ومثله:
١٥٢ - ولو أنّ مجدا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما (١)
* * *
стр. 258
النائب عن الفاعل
يحذف الفاعل لغرض ما، فينوب عنه المفعول به فيما له من الرفع، وتوقف الفائدة عليه، وتقدّم المسند إليه، ولا بدّ من كون المسند إلى النائب إمّا فعلا موافقا في الاقتضاء والصوغ لفعل، كضرب عمرو، أو يفعل، كيضرب زيد، وإمّا اسم مفعول، كمررت بالمضروب عبده، وإمّا مصدرا مقدّرا بالموافق المذكور مع (أن) أو أختها (ما) كقوله:
١٥٣ - إنّ قهرا ذوو الضلالة والبا ... طل عزّ لكلّ عبد محقّ (١)
بتقدير إنّ أن يقهر. وفي الحديث: «أمر بقتل الأسود ذو الطّفيتين (٢)».
стр. 259
ويضمّ لذلك أول الماضي، ويكسر ما قبل آخره، نحو:
وصل، ويضم أول المضارع ويفتح ما قبل آخره، نحو: ينتحى (١)، ويضرب.
والماضي ذو التاء المزيدة يتبع ثانيه أوله في الضم، نحو:
تعلّم وتدحرج، والماضي الذي أوله همزة وصل يتبع ثالثه أوّله في
стр. 260
الضمّ، نحو: استحلي الشراب، والماضي (١) الثلاثي المعتلّ العين يجوز كسر فائه وإشمامها، كقولك في باع
وقال: بيع وقيل.
ومن العرب من يقول: بوع وقول، فيقلب الياء واوا (٢) لسكونها وانضمام ما قبلها؛ ويسلّم الواو، وقال:
١٥٤ - ليت وهل (٣) ينفع شيئا ليت ... ليت شبابا بوع فاشتريت (٤)
وقال:
١٥٥ - حوكت على نولين إذ تحاك ... تختبط الشوك ولا تشاك (٥)
стр. 261
وقد يعرض بالضمّ والكسر (١) التباس فعل المفعول بفعل الفاعل، فيجب لذلك الإشمام أو إخلاص الضمة في نحو:
خفت، مقصودا به خشيت. ويجب إخلاص الكسرة في نحو: طلت مقصودا غلبت في المطاولة.
ويجوز في فاء الثلاثي المضاعف مبنيّا لما لم يسمّ فاعله من الضمّ والإشمام والكسر ما جاز في (٢) باع وقال، نحو: حبّ الشيء، وحبّ. وقرئ: هذه بضعتنا ردت إلينا (٣).
стр. 262
والذي ذكر لفاء باع من الأحوال الثلاثة ثابت للثالث الذي يليه العين من نحو: اختار وانقاد (١)، وهو كلّ فعل ماض معتل العين على افتعل وانفعل.
وإن خلا المسند من مفعول به صريح ناب ما تصرّف واختصّ من الظروف أو المصادر، أو جار (٢) ومجرور، نحو: أفلح دهره، وسعي مبرور، وسعي الأبرار، والسعي المحمود (٣)، ورضي عن المحسن. ولا ينوب نحو: عند، ومعاذ الله، وحين، وضرب (٤) لفقد التصرف أو الاختصاص.
ولا ينوب بعض هذه (٥) إن وجد مفعول به (٦) عند سيبويه (٧)، وأجازه الأخفش والكوفيون (٨) واحتجوا بقراءة أبي
стр. 263
جعفر (١): لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٢).
وبنحو قوله:
١٥٦ - لم يعن بالعلياء إلّا سيّدا ... ولا شفى ذا الغيّ إلّا ذو هدى (٣)
والأولى نيابة المفعول الأوّل من متعد إلى مفعولين ثانيهما غير
стр. 264
الأول، نحو: كسي زيد ثوبا، ويجوز باتفاق نيابة الثاني إن أمن لبسه بالأول، نحو: ألبس عمرا جبّة. أمّا إذا خيف لبس، نحو:
أعطي زيد بشرا، فلا.
وإن كان الثاني هو الأول معنى في باب ظنّ، وباب أرى، فأكثرهم يمنع نيابته ويوجبها للأول، نحو: ظنّ زيد قائما، وأجاز بعضهم نيابة الثاني حيث لا لبس، قياسا على كسي عمرا جبّة، وإلى جوازه ذهب الشيخ ﵀ (١).
وينوب الأول من متعد إلى ثلاثة، نحو: أرى عمرا (٢) أخاك، ولا ينوب الثالث اتّفاقا، وفي الثاني الخلاف في ظنّ.
ولا ينوب إلّا شيء واحد؛ إذ الفاعل المنوب عنه لا يكون إلّا واحدا، وما سوى النائب ممّا يتعلق بالرافع منصوب لفظا إن لم يكن كجار ومجرور، وإن يكنه فمحلّا.
* * *
стр. 265
اشتغال العامل عن المعمول
إذا تقدّم اسم على فعل صالح لأن ينصبه لفظا أو محلّا وشغل الفعل عن عمله فيه بعمله في ضميره، صحّ في الاسم أن ينصب بفعل لا يظهر، مماثل للظاهر أو مقاربه، نحو: زيدا ضربته، وأزيدا مررت به؟
والاسم الواقع بعده فعل ناصب على خمسة أوجه (١):
الأول: واجب النصب؛ وذلك حيث تلا السابق ما يختصّ بالفعل من أداة شرط، نحو: إن، وحيثما، أو (٢) تحضيض، نحو:
هلّا، أو غير ذلك، تقول: إن زيدا رأيته فاضربه، وحيثما عمرا لقيته فأكرمه.
الثاني: لازم الرفع؛ وذلك حيث يتقدم على الاسم مختصّ بالابتداء، كإذا المفاجأة، نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو.
وكثير من غفل عن هذا وأجاز النصب، ولا سبيل إلى جوازه؛ إذ لم تولها العرب إلّا مبتدأ، وكذا حيث يكون بين الاسم والفعل ماله صدر الكلام، ممّا لا يعمل ما بعده فيما قبله، كالاستفهام، وما النفي، ولام الابتداء، وأدوات الشرط، نحو:
زيد هل رأيته؟ وعمرو ما صحبته، وبشر لأحبّه، وعبد الله إن
стр. 266
أكرمته أكرمتك.
وقريب من هذا امتناع النصب في نحو: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)(١) ممّا الفعل فيه صفة ناصبة لضمير اسم سابق؛ إذ لا تعمل صفة في موصوف، وما لا يعمل لا يفسّر عاملا.
الثالث: راجح النصب، وذلك لأسباب منها:
كون الفعل المشغول بضمير الاسم السابق فعل أمر أو نهي أو دعاء، كزيدا أكرمه، وعمرا لا تشتمه، واللهمّ عبدك ارحمه.
ومنها أن يتقدّم على الاسم ما الغلب أن يليه الفعل، كالنفي بما، ولا، وإن، وكحيث (٢) المجردة من ما، وكالاستفهام بغير هل، أمّا الاستفهام بهل فواجب النصب، نحو: هل زيدا (٣) رأيته؟
ومنها أن يلي الاسم عاطفا قبله معمول فعل، نحو: قام زيد وعمرا أكرمته، ولقيت بشرا وعمرا وبكرا أبصرته.
ويشترط أن يكون العاطف بلا فصل؛ لأنّ نحو: قام زيد وأمّا عمرو فأكرمته، رفعه أجود.
الرابع: مستو فيه الأمران، وذلك إذا كانت الجملة ابتدائية وخبرها فعل ومعموله، وتسمّى ذات وجهين، نحو: زيد قام وعمرا
стр. 267
كلّمته (١).
الخامس: راجح الرفع، وذلك حيث خلا من موجب نصبه ومانعه ومرجّحه ومستويه، فالرفع (٢)، نحو: زيد لقيته وعبد الله أكرمته، ومنهم من منع النصب (٣) هنا، ودليلنا قراءة بعضهم:
جنات عدن يدخلونها (٤) وأنشد ابن (٥) الشجري (٦):
١٥٧ - فارسا ما غادروه ملجما ... غير زمّيل ولا نكس وكل (٧)
стр. 268
وحكم المشغول عنه الفعل بضمير (١) جرّ أو بمضاف إليه، حكم المشغول عنه بضمير (١) نصب؛ فإن زيدا (٢) مررت به، أو رأيت أخاه، مثل: إن زيدا رأيته، في تحتّم (٣) النصب، وأزيدا (٤) مررت به، أو عرفت أباه (٥)، مثل: [إن زيدا لقيته، في ترجيح النصب، وزيد قام وعمرا مررت به] (٦)، أو كلمت غلامه، مثل:
стр. 269
زيد قام وعمرا (١) كلّمته، في ذات الوجهين، وزيدا مررت به، مثل: زيدا ضربته، في جواز نصبه مرجوحا.
ويصح أن تفسّر الصفة عاملا في الاسم السابق كما يفسّره الفعل بشرط أن يصلح لعمل الفعل وألّا يكون قبلها ما يمنع من التفسير، نحو: أزيدا أنت ضاربه؟ [وأعمرا أنت مكرم أخاه؟
بخلاف ما لم يصلح، نحو: أزيد أنت ضاربه] (٢) أمس (٣)؟
وبخلاف صلة (أل) نحو: أزيد أنت الضاربه؟ إذ لا تعمل صلة فيما قبل موصول، فلا يفسّر عاملا.
والملابسة بالشاغل الواقع أجنبيّا متبوعا بسببيّ كالملابسة بالشاغل الواقع سببا، فلزيد مثلا في نحو: أزيدا ضربت رجلا يحبّه؟ أو ضربت عمرا وأخاه، ما له في: أزيدا ضربت محبّه؟ أو ضربت أخاه.
* * *
стр. 270
تعدّي الفعل ولزومه
الفعل متعدّ ولازم.
فالمتعدّي ما جاز اتصال (هاء) ضمير لغير مصدر به (١)، فتقول في عمل: الخير عمله زيد. وأمّا الهاء في نحو: شرفه وظرفه زيد، فهي للمصدر بمعنى شرف الشّرف، وظرف الظّرف، فليس بمتعدّ إذا.
والمتعدّي ينصب به مفعوله إن لم ينب عن الفاعل، كقولك:
تدبّرت الكتب، وإن ناب (٢) رفع كما مرّ.
وغير المتعدّي يسمّى اللازم، ويستدلّ على لزومه بكونه سجية، كنهم، وشجع، وجبن، وحسن، وقبح.
وبكونه من أفعال النظافة والدّنس، نحو: نظف، ووضؤ، وطهر، ونجس، ورجس، وقذر.
وبكونه عرضا كمرض، وكسل، ونشط، وحزن، وفرح.
وبكونه مطاوعا المتعدّي (٣) إلى واحد، كضاعفته فتضاعف، ودحرجته فتدحرج، ونعّمته فتنعّم، وشققته فانشقّ، ومددته فامتدّ، وثلمته فانثلم (٤).
стр. 271
وأمّا (١) المتعدّي إلى اثنين فيتعدّى للمطاوعة إلى واحد، نحو:
كسوته ثوبا فاكتسى ثوبا.
ويستدلّ على اللزوم أيضا بكونه على وزن افعللّ كاقشعرّ، وافعنلل كاحرنجم، وكذا ما لحق بافعللّ [وافعنلل] (٢)
كاكوهدّ إذا ارتعد، واحرنبى إذا تنفّش، واقعنسس امتنع أن يقاد.
ويتعدّى اللازم إلى مفعول بحرف جرّ، كعجبت من ذهابك، وفرحت بقدومك. وقد يحذف حرف الجرّ وينصب مجروره توسّعا، والحذف نوعان:
أحدهما: مقصور على السماع، ومنه وارد في السعة، كشكرت (٣) له وشكرته، ونصحت له ونصحته، وكلت له طعامه وكلته طعامه. ومنه مخصوص بالضرورة، كقوله:
١٥٨ - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب (٤)
стр. 272
أي: في الطريق، وقوله:
١٥٩ - تحنّ فتبدي ما بها من صبابة ... وأخفي الذي لولا الهوى لقضاني (١)
أي لقضى عليّ.
وقد يحذف حرف الجرّ فيبقى عمله، كقوله:
١٦٠ - إذا قيل أيّ الناس خير قبيلة ... أشارت كليب بالأكفّ الأصابع (٢)
стр. 273
أي: إلى كليب.
النوع الثاني: مطّرد، وهو في التعدية إلى أن وأنّ، بشرط أمن اللبس، نحو: عجبت أن يدوا، أي: من أن يغرموا الدّية، ومحلّهما بعد الحذف (١) عند الخليل (٢) جرّ، وعند سيبويه نصب (٣)، دليل الخليل قوله:
стр. 274
١٦١ - وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إليّ ولا دين بها أنا طالبه (١)
بجرّ دين، وهو معطوف، فعلم أنّ محلّه جرّ، ولا يجوز (٢) رغبت أن تقوم، إذ لا يعلم هل رغبت في القيام أو عنه.
والأصل تقديم ما هو من المفعولين (٣) فاعل في المعنى، كمن في قولك: ألبسن من زارك (٤) نسيج اليمن (٥).
ويجب استعمال الأصل إن خيف التباس الأول بالثاني
стр. 275
كأعطيت زيدا عمرا، أو كان الثاني محصورا، نحو: ما أعطيت زيدا إلّا درهما، أو ظاهرا والأول ضمير (١)، كأعطيتك درهما.
ويمتنع استعمال الأصل إن كان الأول محصورا نحو: ما أعطيت الدرهم إلّا زيدا، أو ظاهرا والثاني ضمير، نحو: الدرهم أعطيته زيدا، أو ملتبسا بضمير الثاني، كأسكنت الدار بانيها.
ومفعول غير با ظنّ (٢) فضلة، فحذفه جائز إن لم يعرض مانع، فلا يحذف ما سيق جوابا كقولك: ضربت زيدا، [لمن قال: من ضربت؟ ولا ما كان محصورا، نحو ما ضربت إلا زيدا] (٣).
ويجوز حذف الفعل الناصب للفضلة إن دلّ دليل، كقولك لمسدّد سهم: القرطاس، بإضمار تصيب، وللمتأهّب (٤) للحجّ:
مكة، بإضمار تريد.
ويلزم حذف الفعل في نحو: أزيدا رأيته؟ وإيّاك والأسد، وماز رأسك والسيف، وفيما كان مثلا، نحو: كليهما وتمرا (٥)،
التنازع في العمل
إذا اقتضى عاملان متقدّمان عملا في اسم، عمل أحدهما فيه والآخر في ضميره (١).
وقلنا: اقتضى؛ ليخرج العاملان المؤكّد أولهما بالثاني، نحو قوله:
١٦٢ - فأين إلى أين النجاة ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس (٢)
وقلنا: عاملان (٣)؛ ليشمل الفعلين، والاسم والفعل، والاسمين.
ثمّ المختار عند البصريين إعمال الثاني لقربه، وعند الكوفيين الأول لسبقه، فعلى اللغة البصريّة تقول: قاما وقعد أخواك، في
стр. 278
الفاعلية (١)، ورأيت وأكرمت أبويك، في المفعولية (٢)، وضرباني (٣) وضربت الزيدين في ذي وذي، يضمر في
الأول الفاعل، ويحذف المفعول؛ إذ لا يضمر فضلة قبل ذكر.
وعلى الكوفية: قام وقعدا أخواك، ورأيت وأكرمتهما أبويك، وضربني وضربتهما الزيدان.
يشهد للبصريين: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٤) هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (٥) وقوله:
١٦٣ - وكمتا مدمّاة كأنّ متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (٦)
стр. 279
ومثله:
١٦٤ - ولكنّ نصفا إن سببت وسبّني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم (١)
ويشهد للكوفيين قوله:
١٦٥ - إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخّل فاستاكت به عود إسحل (٢)
стр. 280
والمهمل الذي لم يسلط على العمل في الظاهر [وهو يطلبه في المعنى] (١) يعمل في ضميره مطابقا له في الإفراد والتذكير وفروعهما، فإن كان المهمل الأول وهو يقتضي (٢) الرفع أضمر فيه قبل الذكر على شريطة التفسير على خلف (٣) فيه نحو: يحسنان
стр. 281
ويسيء ابناك.
وإن اقتضى النصب امتنع أن يضمر فيه، بل يحذف إلّا في ظنّ وسيأتي. تقول: ضربت وضربني زيد، ومررت فأكرمني عمرو، ولا تعتدّ بمثل قوله:
١٦٦ - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب ... جهارا فكن للغيب أحفظ للودّ (١)
وإن كان المهمل الثاني وهو يقتضي (٢) الرفع وجب فيه الإضمار نحو: بغى واعتديا عبداك، وضربت وأكرماني الزيدين.
стр. 282
وإن اقتضى النصب أضمر فيه غالبا نحو: ضربني وضربتهم قومك.
وقد يحذف من الثاني ضمير المفعول، نحو ضربني وضربت قومك، وأكرمني وأكرمت الزيدان.
وإذا أهمل الأول ومطلوبه غير رفع وجب حذفه استغاء (١) عنه كما في: ضربت وضربني زيد.
وإن كان أحد المفعولين في باب ظنّ جيء به مؤخّرا إن لم يمنع مانع من إضماره، مثاله مفعولا أوّلا (٢)، ظننت منطلقة وظنّتني منطلقا هند إيّاها، فإيّاها أول ظننت، لا يقدم ولا يحذف عند البصريين، ومثاله ثانيا لظننت أيضا، ظنّني وظننت زيدا عالما إيّاه، فإيّاه ثان لظنني، وهو كالأول في امتناع تقديمه وحذفه، ولا اعتبار بما يتوهّم من كلام الشيخ هنا من قوله:
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر (٣)
إذ يوهم وجوب حذف أول مفعولي ظنّ، وليس كذلك، بل لا فرق بين الأول والثاني في امتناع الحذف ولزوم التأخير، ولو قال بدل البيت المذكور (٤):
стр. 283
واحذفه إن لم يكن (١) مفعولا لظن وإن يكن (٢) مفعول ظنّ أخّرن لخلص من ذلك التوهّم.
أمّا إذا منع مانع من إضماره فيجب الإظهار، وذلك إذا كان خبرا عمّا يخالف المفسر بإفراد وتذكير أو بغيرهما، تقول على إعمال الثاني، ظنّاني عالما وظننت الزيدين عالمين، فالزيدين عالمين مفعولا ظننت، وعالما ثاني
مفعولي ظناني، وأظهر لأنه إن أضمر فإن طابق المفسر وهو ثاني مفعولي ظننت كان فيه إخبار بمثنى عن مفرد، وإن طابق ما أخبر به عنه وهو ياء (٣) ظنّاني ففيه إعادة ضمير مفرد على مثنى، وكلاهما (٤) منع البصريون. وأجاز الكوفيون الإضمار برعاية المخبر عنه، فقالوا: ظناني وظننت الزيدين عالمين إيّاه، وأجازوا حذف إيّاه أيضا، وتقول على إعمال الأول: أظنّ ويظناني [أخا زيدا وعمرا أخوين، فزيدا وعمرا أخوين مفعولا أظنّ، و (أخا) ثاني مفعولي يظنّاني] (٥)، وأظهر لأنه لو أضمر فإمّا أن يفرد فيخالف مفسره، وهو (أخوين) وإما أن يثنّى فيخالف المخبر به عنه وهو ياء يظنّاني. وكلّ (٦) منع البصريون.
* * *
стр. 284
[المنصوبات]
المفعول المطلق
اعلم أن الفعل وضع للدلالة على الحدث والزمان فقط، فما سوى الزمان من مدلولي الفعل هو المصدر، نحو: أمن أمنا.
وينتصب بمصدر مثله، نحو: سيرك السير الحثيث متعب، أو فعل من نفسه، نحو: قمت قياما، أو صفة كذلك، نحو: زيد قائم قياما.
والمصدر أصل الفعل والوصف (١) على المذهب المنتخب خلافا للكوفيين، وهو يفيد إمّا توكيدا، كسرت سيرا، وإمّا بيان نوع، سرت سير ذي رشد، وإمّا بيان عدد، كسرت سيرة، وسيرتين.
ويقوم مقام المصدر ما دلّ على معناه من صفة، كسرت أحسن السير، أو ضمير المصدر، نحو: عبد الله أظنّه جالسا (٢)، أي:
أظنّ ظنّي، أو مشار به إليه، كضربته ذلك الضرب، أو مرادف، نحو: افرح الجذل، ومثله:
١٦٧ - يعجبه السّخون والبرود ... والتمر حبّا ما له مزيد (٣)
стр. 285
أو ملاق له في الاشتقاق، نحو: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (١) أو دالّ (٢) على نوع منه، كرجع القهقرى، أو عدد، كضربته عشر ضربات، أو كلّ (٣)، كجدّ كلّ الجدّ، أو بعض، كضربته بعض الضرب، أو آلة كضربته سوطا، أصله ضربته (٤) بسوط.
وما جيء به لمجرد التوكيد فبمنزلة الفعل لا يثنّى ولا يجمع، وما لبيان النوع والعدد صالح للإفراد والتثنية والجمع.
ويجوز حذف عامل المصدر إذا دلّ دليل وإن كان مؤكّدا، خلافا للشيخ (٥) رحمه الله تعالى، ووفاقا لابنه (٦)، دليلنا نحو قولهم: