ويكثر انجرار فاعله بالباء، نحو: حسن بزيد رجلا.
ويجري مجرى نعم وفاعلها (حبّذا) مقصودا به المحبة والمدح، وإن قصد به البغض والذمّ قيل: (لا حبّذا) وجمعهما من قال:
٣١٨ - ألا حبّذا عاذري في الهوى ... ولا حبّذا الجاهل العاذل (١)
و(٢) الفاعل (ذا) وفاقا لسيبويه (٣)، وخلافا للمبرّد وابن السرّاج (٤) حيث قالا: (حبّ) و (ذا) ركّبا وجعلا اسما مرفوعا بالابتداء.
ويجيء لها مخصوص مثل مخصوص نعم، ويكون مبتدأ خبره حبّذا، ولا يقدم عليها، ولا يدخله نواسخ الابتداء.
وقد يحذف إن علم مع بقاء تمييز، كقوله:
٣١٩ - أجبت عصاما إذ دعاني قائلا ... ألا حبّذا مستنصرا ونصيرا (٥)
стр. 457
أي حبذا أنت وأنا مستنصرا ونصيرا.
وحذفه دون تمييز قلّ، كقوله:
٣٢٠ - قلت إذ أذنت سعاد بوصل ... حبّذا يا سعاد لو تصدقينا (١)
أي حبّذا إيذانك (٢) بالوصل.
وتنفرد حبّذا عن نعم بدخول (يا) عليها، مثل يا حبّذا المتجمّلون، وبدخول (لا) كما مرّ.
وأتبع (ذا) المخصوص المذكور مذكّرا كان أو مؤنثا مفردا أو مثنى أو مجموعا، ولا تعدل عن لفظ (ذا)؛ لأنّ حبّذا جار مجرى المثل، والأمثال لا تغيّر. تقول: حبّذا زيد! حبّذا هند، حبّذا الزيدان، حبّذا الزيدون، حبّذا الهندات.
ويوهم قول الشيخ: «وأول (ذا) (٣) المخصوص (٤)» أنه لا بدّ
стр. 458
أن يلي المخصوص (ذا) وأنه لا يجوز الفصل، وليس كذلك، فإنه يكثر وقوع تمييز (١) أو حال قبل مخصوصها، كقوله:
٣٢١ - يا حبّذا مرجوّا المثري السّخيّ ... من يرجه فعيشه العيش الرّخيّ (٢)
وكذلك يكثر وقوعهما (٣) بعده كقوله:
٣٢٢ - يا حبّذا المال مبذولا بلا سرف ... في أوجه البرّ إسرارا و (٤) إعلانا (٥)
стр. 459
وقد يجيء غير (ذا) فاعل (حبّ) مرفوعا كقوله:
٣٢٣ - حبّ تعذيبك القلوب إن أرضا ... ك وما تشائين يؤتى ويشاء (١)
ومجرورا بباء زائدة كقوله:
٣٢٤ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحبّ بها مقتولة حين تقتل (٢)!
وإذا جاء فاعلها غير (ذا) تجدّد لها ثلاثة أمور:
أحدها: كثرة الضمّ في حائها بالنقل من ضمّة عينها؛ إذ أصلها حبب، كقوله:
стр. 460
وحبّ بها (١) ... البيت
وقد لا تضم (٢) كقول الأنصاري:
٣٢٥ - باسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا
فحبّذا ربّا وحبّ دينا (٣)
أي: حبّ عبادته دينا، وذكّر ضمير (٤) العبادة لتأولها بالدين.
الثاني: قلة الاستغناء عن تمييز، ولا سيّما عند جرّ الفاعل.
الثالث: الغنية بالفاعل عن مخصوص.
стр. 461
تتمّة
ويشرك فاء (حبّ) بعد غير (ذا) وجرّ الفاعل، كلّ فعل على وزن فعل إذا ضمّن معنى تعجّب، ومن شواهد النقل قوله:
٣٢٦ - حسن فعلا لقاء ذي الثروة المم ... لّق بالبشر والعطاء الجزيل (١)!
ومن شواهد جرّ الفاعل حكاية الكسائي (٢): «مررت بأبيات جاد بهنّ أبياتا وجدن أبياتا»!
فلو خلا فعل من معنى التعجب جاز تسكين عينه، ولم يجز ضمّ فائه، كقوله:
٣٢٧ - يا فضل يا خير من ترجى نوافله ... قد عظم لي (٣) منك في معروفك الأمل (٤)
стр. 462
أفعل التفضيل
يصاغ أفعل التفضيل من كلّ ما صيغ من فعل التعجّب، كهو أفضل من زيد، وأعلم منه، كما يقال: ما أفضله وأعلمه! وما لا يجوز أن يبنى منه فعل التعجب فقد أبى النحاة أن يبنى منه أفعل التفضيل.
ويتوصل إلى التفضيل فيما نقص منه بعض الشروط بما يتوصل به إلى التعجب، ويجاء بمصدر الفعل العادم للصلاحية تمييزا منصوبا، كهو أشدّ انطلاقا، وأشدّ كونا (١)، وأفجع موتا.
ويصاغ من فعل المفعول العادم اللبس كما في التعجب، كهو أنجب منك، وأعنى بك، وأشجى (٢) عليك، ولا أحرم ممّن عدم الإنصاف، ولا أظلم من قتيل كربلاء، وفلان ألعن من يهودي.
وشذّ صوغه من غير فعل، كقولهم: هذا أقير من هذا [أي أمر] (٣) وألصّ من شظاظ (٤).
وأفعل التفضيل إن جرّد من الإضافة و (أل) لزم اتصاله بمن
стр. 463
لابتداء الغاية (١)، كقولك: زيد أفضل من عمرو.
وقد يستغنى بتقدير (من) للدليل (٢)، ويكثر إذا كان خبرا، مثل: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧)(٣) ويقلّ في الصفة، كقوله:
٣٢٨ - تروّحي أحرى (٤) أن تقيلي ... ... (٥)
стр. 464
أي: تروحي وأتي مكانا أجدر أن تقيلي فيه من غيره.
وإن كان مضافا كأفضل القوم، أو مع (أل) كالأفضل (١)، لم يتصل بمن، وأمّا قوله:
٣٢٩ - ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنّما العزة للكاثر (٢)
فقيل: (من) فيه لبيان الجنس أي: بالأكثر من بينهم. وقيل:
متعلقة بمحذوف دلّ عليه المذكور. وقيل: (أل) فيه زائدة، فلم تمنع وجود (من) كما لم تمنع الإضافة في قوله:
٣٣٠ - تولي الضجيع إذا تنبّه موهنا ... كالأقحوان من الرشاش (٣) المستقي (٤)
стр. 465
قال أبو علي: أي: من رشاش (١).
ثمّ إن أضيف أفعل التفضيل إلى نكرة أو عري من الإضافة و (أل) لزم التذكير والتوحيد، وامتنع تأنيثه وتثنيته وجمعه، تقول في المضاف إلى نكرة: هو أفضل رجل، هي أفضل امرأة، هما أفضل رجلين، هم أفضل رجال، هنّ أفضل نساء. وتقول في العاري:
هو أو هي أو هما أو هم أو هنّ أفضل منك، وقد يؤنّث هذا كقول حنيف (٢): الرمكاء بهيا، [والحمراء صبرى، والخوّارة غزرى (٣) والصّهباء سرعى (٤).
стр. 466
وقد يجمع كقول الوليد بن عقبة:
٣٣١ - لعمري لئن أضحت عليّ عمامة ... لقد رزي الأنصار قوم أكارم (١)
ويجب أن يطابق المقرون بأل ما هو له، كزيد الأكبر، الزيدان (٢) الأكبران، الزيدون الأكبرون، هند الكبرى، الهندان (٣) الكبريان، الهندات (٤) الكبريات أو الكبر.
ويجوز في المضاف إلى المعرفة إن كانت إضافته بمعنى (من) المقصود بأفعل فيه التفضيل وجهان:
أحدهما: موافقة المجرّد في التذكير والتوحيد، كهي أفضل النساء، هم أفضل القوم.
[الثاني: موافقة المعرفة بأل في المطابقة، كهي أفضل النساء، هم أفضل القوم] (٥) وقد اجتمع الوجهان في قوله ﷺ : «ألا
стр. 467
أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا» (١).
أمّا إذا لم يقصد التفضيل فلا بدّ من المطابقة، كقولهم:
الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان (٢). أي عادلاهم.
ولكثرة استعمال (أفعل) لا لتفضيل طرده المبرّد (٣)، كقوله
стр. 468
تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ (١) وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (٢) أي: عالم وهيّن، وكقول الشاعر:
٣٣٢ - إنّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول (٣)
ويعرض تقديم المفضول على أفعل التفضيل وجوبا إن تضمّن استفهاما، أو أضيف إلى متضمّن استفهام، كمثل: ممّن أنت خير؟ ومن وجه من وجهك أجمل؟ وهذه الثانية لم ينبّه عليها الشيخ ولا ابنه، على أن الشيخ قال في بعض مصنّفاته: إنها والتي قبلها من المسائل المغفول عنها (٤). فلو قال بدل البيت (٥):
стр. 469
وإن يكن بتلو من مستفهما ... أو تلو تلوها فقدّمن هما
لكان أكمل.
وتقديم المفضول فيما ليس كذلك قليل، كقوله:
٣٣٣ - إذا سايرت أسماء يوما ظعائنا ... فأسماء من تلك الظعائن أملح (١)
وحكى سيبويه (٢) أن من العرب من يرفع بأفعل التفضيل الظاهر بلا شرط فيقول: مررت برجل أحسن منه أبوه، وهذا قليل، (٣) ولكن لغرض ما يسوغ رفعه الظاهر عند جميع العرب، وذلك أن (٤) يكون بعد نفي مقصودا به تفضيل شيء على نفسه
стр. 470
باعتبار محلين، أو وقتين، إذا حسن أن يقع موقع أفعل التفضيل فعل بمعناه، مثل:
لن (١) ترى في الناس من رفيق ... أولى به الفضل من الصّدّيق (٢)
﵁ وأصله: أولى به الفضل من الفضل بالصدّيق، فحذف منه ما سيأتي مثله.
وتقول: [ما رأيت أحدا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد (٣)، [[إذ يحسن فيه] (٤) ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد (٥)]، ومنه قوله ﷺ : (ما من أيام أحبّ إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة (٦) وقول الشاعر:
стр. 471
٣٣٤ - ما علمت امرأ أحبّ إليه ال ... بذل منه إليك يا ابن سنان (١)
ولو اختصرت فقلت: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل من عين زيد، بتقدير: من كحل عينه، ومن زيد بتقدير:
مضافين، لاحتمل بدليل قولهم: ما رأيت كذبة أكثر عليها شاهد من كذبة أمير على منبر. أي من شهود كذبة. فلو (٢) استغنيت عن المفضول للعلم به فقلت: ما رأيت كزيد رجلا أبغض إليه الشرّ، بحذف منه إليه في آخره لاحتمل؛ بدليل إنشاد سيبويه رحمه الله تعالى:
٣٣٥ - مررت على وادي السّباع ولا أرى ... كوادي السباع حين يظلم واديا
стр. 472
أقلّ به ركب أتوه تئيّة ... وأخوف إلّا ما وقى الله ساريا (١)
قال الشيخ: (٢) أراد ولا أرى واديا أقلّ به ركب منه بوادي السباع، فحذف المفضول (٣).
* * *
стр. 473
النعت
يتبع الأسماء الأول (١) في إعرابها، النعت والتوكيد والعطف والبدل.
فالنعت التابع المتمّ ما سبق دون متبع (٢) ولا تقدير استقلال (٣)، بوسمه دالّ على معنى في المتبوع (٤)، كربّ رجل طويل، أو وسم ما به اعتلق، أي: دالّ على معنى فيما يلابس المتبوع، كربّ رجل قصير ثوبه.
ويوافق القسمان (٥) المنعوت مع الإعراب في التعريف والتنكير، ويجريان في المطابقة وعدمها كالفعل، فيوافقه القسم الأول أيضا في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، تقول:
مررت (٦) بامرأة حسنة، كما تقول: مررت بامرأة (٧) حسنت.
وكذلك القسم الثاني إن لم يرفع ظاهرا كجارية حسنة الوجه، أو حسنة وجها، ورجال (٨) كرام الأب، أو كرام أبا.
стр. 474
وإن رفعه جمعا جاز توحيد الرافع وتكسيره، كرجل صالح أبناؤه، وصلحاء أبناؤه، وكذلك (١) الحال والخبر: ك خاشعا أبصارهم يخرجون (٢) وقرأ نافع: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ (٣) ويجوز على لغة يتعاقبون فيكم ملائكة، أن يجمع
جمع المذكر السالم، إن (٤) كان المرفوع جمع مذكر عاقل، كرجل صالحين بنوه، وأن يثنّى إن رفع مثنّى، كرجل كريمين أبواه.
وانعت بوصف كصعب (٥) وذرب
ولا نقول كما قال الشيخ: «بمشقّ (٦)»؛ لأنّ من المشتقّ أسماء زمان ومكان وآلة، ولا ينعت بها، بل بما كان صفة.
стр. 475
وانعت بشبه الوصف (١). أي: متضمن معناه، إما وضعا كاسم الإشارة، و (ذي) بمعنى الذي أو بمعنى صاحب، وأسماء النسب (٢)، وإمّا استعمالا، كقاع عرفج، أي: خشن (٣).
ونعتوا بجملة (٤) وظرف وعديله منكرا أو بمعناه، وهذا كقوله:
٣٣٦ - ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فمضيت (٥) ثمّ أقول ما يعنيني (٦)
стр. 476
أي على لئيم، ومثله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (١).
وأعط الجملة هنا ما أعطيته وهي خبر من رابط بالمنعوت، كربّ رجل أبوه كريم. وقد يحذف للعلم به كقوله:
٣٣٧ - فما أدري أغيّرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا (٢)؟
وشرط هذه الجملة أن تكون خبرية، ولا تكون طلبية، وأما قوله:
٣٣٨ - حتّى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط (٣)
стр. 477
فالقول مضمر هاهنا معناه مقول عند رؤيته: هل رأيت الذئب؟
وينعت بالمصدر كثيرا، ويلزم الإفراد والتذكير، كربّ رجل وامرأة أو رجلين أو رجال أو نسوة رضا أو عدل.
وإذا نعت غير واحد بمختلف المعنى وجب تفريق النعت وعطف بعض على بعض، كرأيت رجلين عالما وجاهلا، ورجالا فقيها وشاعرا وكاتبا (١).
ويستغنى في متّفق المعنى عن التفريق بالتثنية والجمع نحو:
رأيت رجلين حسنين، ورجالا كرماء.
وإذا تعدّد العامل واتّحد المعنى والعمل جاز الاتباع وجاز القطع أيضا، ذكره الشيخ في غير الألفية (٢)، نحو: انطلق زيد وذهب عمرو الكريمان، وحدّثت بشرا وكلّمت بكرا الشريفين، لك جعل الشريفين نعتا، ولك نصبهما بإضمار أمدح أو أذكر.
وإن اختلف العمل وجب قطع النعت، فيرفع على إضمار مبتدأ، وينصب على إضمار فعل، كلقيت زيدا وجاءني عمرو العاقلان، أو العاقلين، وكذلك إذا اختلف المعنى مع اتّفاق
стр. 478
الإعراب، كرضيت عن زيد وقبّلت يد عمرو الكريمين.
وقد يكون للاسم نعتان فصاعدا، إمّا بعطف، مثل: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣)(١) وإمّا بغيره، مثل: كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ (٢) الآية.
ثم إن المنعوت إن افتقر إلى ذكر النعوت كلها وجب اتباعها، وإن لم يفتقر بأن كان معيّنا [بدونها جاز القطع فيما عداه والاتباع، كمررت بزيد العاقل الكريم، وإن كان معيّنا] (٣) ببعض النعوت جاز القطع فيما عداه. وما قطعته فلك رفعه بإضمار مبتدأ، ونصبه بإضمار أذكر أو أمدح أو أذمّ أو أرحم، إضمارا لا يجوز إظهاره.
ويجوز حذف المنعوت المعلوم وقيام نعته مقامه إن قبل العامل، مثل: قاصِراتُ الطَّرْفِ * (٤) أو كان جملة مسبوقة بمن أو (في) جارّة لما المنعوت بعضه، مثل: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)(٥) ومثل:
стр. 479
٣٣٩ - لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم (١)
فإن لم يكن كذلك لم يقم مقامه إلّا قليلا، كقوله:
٣٤٠ - لكم مسجدا الله المزوران والحصى ... لكم قبصه، ما بين أثرى وأقترا (٢)
стр. 480
أي: إنسان أثرى وآخر أقتر (١)، وكقوله:
٣٤١ - وغير كبداء شديدة الوتر ... جادت بكفّي كان من أرمى البشر (٢)
وقد يحذف النعت إن علم، مثل: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ (٣) أي:
نافع، ومثل: ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ (٤) أي: تسلطت عليه، مثل: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (٥) أي: رسولا جامعا لأكمل صفات الرسل، وكقول المرقش الأكبر:
стр. 481
٣٤٢ - وربّ أسيلة الخدّين بكر ... مهفهفة (١) لها فرع وجيد (٢)
أي: فرع وافر (٣) وجيد طويل.
* * *
стр. 482
التوكيد
التوكيد المعنوي تبيين نصوصيّة المتبوع بكلمات منها: نفس أو عين، بمعنى الحقيقة مضافين إلى ضمير المؤكد مطابقا له في الإفراد والتذكير وفروعهما.
واجمعهما في توكيد الجمع على (أفعل) كجاء الزيدون أنفسهم والهندات أعينهنّ، وكذا في المثنّى على المختار،
فأنفسهما وأعينهما أجود من نفسيهما وعينيهما.
ومنها في الشمول: كلّ وكلا وكلتا وجميع، مضافة إلى ضمير المؤكّد مطابقا له.
واستعملوا أيضا مثل (كلّ) وزن فاعلة من عمّ زائدا على ما ذكره في التوكيد أكثرهم، كرأيت الجيش عامّته.
فكلّ (١) يؤكّد به ذو أجزاء غير المثنّى، كالجيش كلّه.
وكلا وكلتا يؤكد بهما المثنى. وجميع ككلّ، بدليل قولها ترقّص ابنها:
٣٤٣ - فداك حيّ خولان ... جميعهم وهمدان (٢)
стр. 483
ويجوز أن يتبع كله بأجمع، وكلّها بجمعاء، وكلهم بأجمعين، وكلهن بجمع، تقريرا وزيادة للتوكيد.
وقد يغني أجمع وجمعاء وأجمعون وجمع، عن كلّ، وهو قليل. وقد يتبع أجمع وأخواته بأكتع وكتعاء وأكتعين وكتع (١)، وقد يتبع أكتع وأخواته بأبصع وبصعاء وأبصعين وبصع، ولا يتعدّى هذا الترتيب.
وشذّ أجمع أبصع، وأشذّ منه: جمع وبتع.
وقد أفرد أكتع عن أجمع، وفصل بين المؤكّد والمؤكّد به، وكذا أكد النكرة (٢) المحدودة من قال:
٣٤٤ - يا ليتني كنت صبيّا مرضعا ... تحملني الذّلفاء حولا أكتعا
إذا بكيت قبّلتني أربعا ... إذا ظللت الدهر أبكي أجمعا (٣)
стр. 484
ومذهب الكوفيين (١) جواز توكيد النكرة إن أفادت، بأن كانت محدودة كيوم وليلة وشهر وحول، بخلاف ما يصلح لقليل وكثير، كحين ووقت وزمان.
وعن البصريين (٢) عموم المنع فلا يؤكّدون النكرة محدودة كانت أو غيرها. والصّواب مذهب الكوفيين؛ إذ فيه رفع احتمال كما في المعرفة، فقد استعمل، كقوله:
٣٤٥ - لكنّه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدّة شهر كلّه رجب (٣)
стр. 485
ويستغنى في توكيد المثنى بكلتا وكلا، عن وزن فعلاوين وأفعلين.
وأجاز الكوفيون (١) فيه جمعاوين وأجمعين، واعترفوا بأنه لم ينقل.
وإذا أكد ضمير الرفع المتصل بالنفس أو بالعين فلا بدّ من توكيده قبل بمنفصل (٢)، كقوموا أنتم أنفسكم، ولا
يلزم ذلك في غير التوكيد بالنفس والعين، فيجوز قوموا كلكم، [وقوموا أنتم كلكم] (٣).
وضمير غير الرفع لا يجب فيه ذلك أيضا، أكّد فيه بالنفس والعين أم لا، فيجوز رأيتك نفسك، أو إيّاك نفسك، ومررت بك عينك، أو أنت عينك.
والتوكيد اللفظيّ تكرار معنى المؤكّد بإعادة لفظه أو تقويته بمرادف للتقرير. وتؤكد جملة كادرجي ادرجي، ومفردا مثل: دَكًّا دَكًّا (٤).
ولا تعد لفظ ضمير متصل إلا بمثل ما اتصل به كعجبت منك منك، ومررت بك بك.
والحروف غير الجوابية لا تؤكد غالبا إلا ومع المؤكّد كالذي
стр. 486
مع المؤكّد، أو مرادفه مثل: إنّ زيدا (١) إنّ زيدا فاضل، وفي الدار في الدار زيد، وإن شئت: إنّ زيدا إنّه، وفي الدار فيها، كقوله تعالى: فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢) وقد يفرد كقوله:
٣٤٦ - حتّى يراها وكأنّ وكأن ... أعناقها مشدّدات بقرن (٣)
وأقل منه لكونه على حرف قوله:
٣٤٧ - فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء (٤)
стр. 487
والشذوذ أقلّ إن غاير المؤكّد المؤكّد، كقوله:
٣٤٨ - فأصبح لا يسألنه عن بما به (١) ... أصعّد في علو الهوى أم (٢) تصوّبا (٣)
أمّا الحرف الجوابي فلك ألّا تصله بشيء فتقول لمن قال: هل قام زيد؟ نعم نعم، أولا لا. ولمن قال: ألست بقائم (٤)؟ بلى بلى.
ومضمر الرفع المنفصل يؤكّد به المستتر، مثل: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٥). والمتصل مطلقا، كفعلت أنت، أكرمتني أنا، مررت به هو.
стр. 488
العطف
[عطف البيان]
العطف على ضربين: عطف بيان وعطف نسق.
والغرض الآن بيان عطف البيان، وهو تابع جامد غير مؤول بمشتق، مغاير يشبه الصفة في كونه ظاهرا بعد ظاهر، كاشفا حقيقة المقصود به، وهو المسمّى المتبوع، وأوله من موافقة المتبوع ما ولي النعت من موافقة المتبوع في التعريف والتنكير والإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث.
وكما يكون عطف البيان معرفة تبعا لمعرفة مثل:
٣٤٩ - أقسم بالله أبو حفص عمر (١) ... ...
فقد (٢) يكون نكرة تبعا لنكرة، ولا يلتفت إلى منع بعضهم (٣)
стр. 489
ذلك؛ بدليل قوله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ (١).
وهو صالح لأن يحكم عليه بالبدلية إلّا في موضعين:
الأول: أن يكون التابع مفردا (٢) معرفة والمتبوع منادى مثل: يا غلامنا يعمر؛ إذ لو كان بدلا للزم بناؤه على الضم، لأنه يكون في نية تكرار حرف النداء، ومثل: يا غلامنا يعمر، قوله:
٣٥٠ - أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... أعيذكما بالله أن تحدثا حربا (٣)
стр. 490
الثاني: أن يكون المعطوف خاليا من (١) (أل) للتعريف والمعطوف عليه معرّف بها مضاف إليه صفة مقرونة بها، كقوله:
٣٥١ - أنا ابن التارك البكريّ بشر ... عليه الطير ترقبه وقوعا (٢)
ليست بدليّته بمرضية إلّا عند الفراء (٣)؛ لأنّ البدل في نية تكرار العامل، والتارك لا يصحّ أن يضاف إلى بشر؛ لأنّا قدمنا أنّ
стр. 491
الصفة المقرونة بأل لا تضاف إلى عار منها، ومن إضافة المقرون بها إلّا عند الفراء.
* * *
стр. 492
عطف النسق
هو التابع بتوسّط حرف متبع مثل: اخصص من صدق بودّ وثناء.
ويشرّك في الإعراب والمعنى من حروف العطف ستة:
(الواو، وثمّ، والفاء، وحتّى، وأم، وأو) نحو: فيك صدق ووفاء.
والبواقي تشرّك في الإعراب وحده، وهي: (بل ولا ولكن) تقول: لم يبد امرؤ (١) لكن طلا. وزاد الكوفيون (ليس) محتجين بقوله:
٣٥٢ - أين المفرّ والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب (٢)
стр. 493
ونحن (١) نجعل (الغالب) اسم ليس، وخبرها ضميرا متصلا عائدا على الأشرم حذف لاتصاله، كما حذف في قوله:
٣٥٣ - فأطعمتها من لحمها وسنامها ... شواء وخير الخير ما كان عاجله (٢)
ف (الواو) عند المحققين لمطلق الجمع، لا لترتيب ولا معيّة، فيعطف بها لاحق في الحكم، كجاء زيد وعمرو بعده، وسابق، كجاء زيد وعمرو قبله، ومصاحب موافق للمتبوع في زمن حصول الاشتراك، كجاء زيد وعمرو معه.
وتختصّ الواو، أي: تنفرد بعطف الذي لا يغني متبوعه، نحو: اصطفّ هذا وابني، وسعد وسعيد حاضران.
وبعطف سببي على أجنبي في الاشتغال وغيره، كزيدا ضربت عمرا وأخاه، وخالدا مررت بقومك وقومه.
وبعطف ما تضمنه الأول أو رادفه، مثل: حافِظُوا عَلَى
وبجواز (١) تقديمها مع معطوفها على المعطوف عليه اضطرارا (٢)، كقول يزيد بن الحكم:
٣٥٥ - جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... خصالا ثلاثا لست عنها بمرعوي (٣)
وبجواز (٤) اتباع المجرور على الجوار، مثل: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ (٥)