مصطفى وقوله وألفا سلم أى اتركها على حالها وشمل المقصور نحو فتاى وعصاى والمثنى فى حال الرفع نحو هذان غلاماى هذه لغة جمهور العرب وهذيل يبدلون ألف المقصور ياء ويدغمونها فى ياء المتكلم وهو المنبه عليه بقوله: (وفى المقصور عن * هذيل انقلابها ياء حسن) وفهم من تخصيصه المقصور أن ألف التثنية لا تبدل عندهم وفهم منه أيضا أن الياء المبدلة من الألف تدغم فى ياء المتكلم لاجتماع مثلين: الأول منهما ساكن فتقول هذا فتى، ومن ذلك قول الشاعر:
- سبقوا هوىّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع (١٢٤)
وقوله آخر مفعول باكسر وأل فى الياء للعهد إما لما فى الترجمة من قوله ياء المتكلم أو فى أول الكتاب من قوله وقبل يا لنفس وقوله فذى مبتدأ وجميعها توكيد له والياء مبتدأ ثان وفتحها مبتدأ ثالث واحتذى خبر المبتدأ الثالث والضمير المستتر فيه عائد على فتحها والجملة خبر المبتدأ الثانى الذى هو الياء والضمير العائد عليه من الجملة الهاء فى فتحها والجملة خبر المبتدأ الأول والضمير العائد عليه محذوف تقديره بعدها فحذف وهو منوى ولذلك
بنيت بعد ويجوز أن يكون جميعها مبتدأ ثانيا وهو وما بعده خبر المبتدأ الأول والرابط فى هذا الوجه الهاء فى جميعها والعائد على جميعها هو الضمير المقدر الذى كان يعود على المبتدأ الأول فى الوجه الأول والياء مفعول لم يسمّ فاعله وفيه متعلق بتدغم والهاء فى فيه عائدة على ياء المتكلم وإن شرط وما مفعول لم يسم فاعله بفعل محذوف يفسره ضم ويهن فعل مضارع مجزوم على جواب الأمر وهاؤه مضمومة من هان يهون إذا سهل ولا يصح كسرها لأنه مضارع وهن يهن إذا ضعف لأن المراد به إذا أدغم يسهل ويخفف لا يضعف وألفا مفعول مقدم بسلم وانقلابها مبتدأ وياء منصوب على إسقاط لام الجر وحسن خبر انقلابها وعن هذيل متعلق بحسن وكذلك فى المقصور.
стр. 177
إعمال المصدر
بفعله المصدر ألحق فى العمل ... مضافا أو مجرّدا أو مع أل
إن كان فعل مع أن أو ما يحلّ ... محلّه ولاسم مصدر عمل
(بفعله المصدر ألحق فى العمل) يعنى أن المصدر يلحق فى العمل بفعله الذى اشتق منه فى رفع الفاعل إن كان لازما نحو عجبت من قيام زيد وفى رفع الفاعل ونصب المفعول إن كان متعديا لواحد نحو عجبت من ضرب زيد عمرا ويتعدى بحرف الجر إن كان فعله يتعدى بذلك الحرف نحو أعجبنى مرور بزيد ويتعدى إلى مفعولين إن كان فعله يتعدى إليهما نحو عجبت من إعطاء زيد عمرا درهما وكذلك المتعدى إلى ثلاثة نحو عجبت من إعلام زيد عمرا بكرا شاخصا وهذا كله مستفاد من قوله: بفعله المصدر ألحق فى العمل. وهذا سواء كان مضافا أو مجردا من الإضافة أو مقرونا بأل وإلى ذلك أشار بقوله: (مضافا أو مجردا أو مع أل) فإعماله مضافا أكثر من إعماله مجردا وإعماله مجردا أكثر من إعماله مقرونا بأل وإلحاقه بفعله فى العمل المذكور ليس مطلقا بل بشرط نبه عليه بقوله:
(إن كان فعل مع أن أو ما يحل * محله)
يعنى أنه لا يعمل العمل المذكور إلا إذا صح أن يحل محله الفعل وأن أو ما المصدريتان نحو أعجبنى قيامك أى أن تقوم وعجبت من قيامك الآن أى مما تقوم وشمل قوله أن الناصبة والمخففة وفهم منه أن المصدر إذا لم يحل محله أن أو ما لا يعمل عمل الفعل نحو له صوت صوت حمار ولذلك جعل صوت الحمار معمولا لفعل محذوف وقد تقدم ثم قال:
(ولاسم مصدر عمل)
اسم المصدر هو ما فى أوله ميم مزيدة لغير المفاعلة نحو المحمدة والمضرب أو كان لغير الثلاثى بوزن ما للثلاثى نحو الوضوء والغسل فإن فعلهما توضأ واغتسل، وإنما فصل الناظم هذا النوع من المصدر لقلة عمله وفى تنكير عمل تنبيه على ذلك كما ذكر الشارح ومن إعماله قول عائشة رضى الله عنها: من قبلة الرجل امرأته الوضوء فأعمل قبلة وهو اسم مصدر لأن فعله قبل. والمصدر مفعول مقدم بألحق وبفعله وفى العمل متعلقان بألحق ومضافا وما بعده أحوال من المصدر وإن كان فعل شرط ومع فى موضع الصفة لفعل وما معطوف على أن ويحل فى موضع خبر كان ومحله نصب على المصدر ولاسم مصدر عمل مبتدأ وخبر. ثم قال:
وبعد جرّه الّذى أضيف له ... كمّل بنصب أو برفع عمله
стр. 178
قد تقدم أن المصدر يكون مضافا أو مجردا أو مقرونا بأل فالمضاف إن كان مضافا إلى الفاعل كمل بنصب مفعوله وهذا هو المراد بقوله كمل بنصب نحو أعجبنى أكل زيد الخبز ومنه قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ [البقرة: ٢٥١] وإن كان مضافا إلى المفعول كمل برفع فاعله وهذا هو المراد بقوله أو برفع نحو أعجبنى أكل الخبز عمرو ومنه قوله :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ [آل عمران: ٩٧] فى أحد التأويلات وإضافته إلى الفاعل ونصب المفعول أكثر من إضافته إلى المفعول ورفع الفاعل وقوله كمل بنصب لا يريد أن ذلك واجب بل هو جائز لأنه يجوز أن يضاف إلى الفاعل ولا يذكر معه مفعول نحو أعجبنى أكل زيد وإلى المفعول ولا يذكر فاعل نحو أعجبنى أكل الخبز، ومنه قوله بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ وبعد متعلق بكمل والذى مفعول بجره وجره مصدر مضاف إلى الفاعل والذى مفعول به فهو مصدر مضاف كمل بالمنصوب وأضيف له صلة الذى والضمير العائد على المنصوب الهاء فى له وفى أضيف ضمير مستتر عائد على المصدر وعمله مفعول بكمل وأو برفع معطوف عليه وأو للتقسيم لا
للتخيير. ثم قال:
وجرّ ما يتبع ما جرّ ومن ... راعى فى الاتّباع المحلّ فحسن
قد تقدم أن المصدر يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول فإن أضيف إلى الفاعل فلفظه مجرور وموضعه مرفوع وإن أضيف إلى المفعول فلفظه مجرور وموضعه منصوب إن قدر بأن وفعل الفاعل ومرفوع إن قدر بأن وفعل المفعول فيجوز فى تابع المضاف إليه إذا كان فاعلا الجر على اللفظ والرفع على الموضع وشمل قوله ما يتبع جميع التوابع فتقول أعجبنى أكل زيد الظريف بالجر حملا على اللفظ والرفع حملا على الموضع وكذلك أعجبنى أكل زيد وعمرو وأعجبنى أكل اللحم والخبز بالجر حملا على اللفظ وبالنصب حملا على الموضع على تقدير المصدر بأن وفعل الفاعل وبالرفع على الموضع أيضا على تقدير المصدر بأن وفعل المفعول، والتقدير أن أكل الخبز واللحم وقوله المحل شامل للأوجه المذكورة كلها، والأحسن فى ذلك الحمل على اللفظ؛ ولذلك بدأ به. وقوله وجر فعل أمر وما مفعول بجر، وهى موصولة أيضا، وصلتها يتبع، وما الثانية مفعول بيتبع، وهى موصولة أيضا وصلتها جر ومن شرطية فى موضع رفع بالابتداء وخبرها راعى وفى متعلق براعى والمحل مفعول براعى والفاء جواب الشرط وحسن خبر مبتدأ محذوف تقديره ففعله حسن.
стр. 179
إعمال اسم الفاعل
كفعله اسم فاعل فى العمل ... إن كان عن مضيّه بمعزل
المراد باسم الفاعل ما دل على حدث وفاعله جاريا مجرى الفعل فى الحدوث والصلاحية للاستعمال بمعنى الماضى والحال والاستقبال. قوله: (كفعله اسم فاعل فى العمل) يعنى أن اسم الفاعل يعمل عمل فعله فيرفع الفاعل إن كان فعله لازما نحو أقائم زيد وينصب المفعول إن كان متعديا لواحد نحو أضارب زيد عمرا وينصب مفعولين إن كان فعله متعديا إلى اثنين نحو أمعط زيد عمرا درهما وهذه كلها مستفادة من قوله: (كفعله اسم فاعل فى العمل). لكن لا يعمل العمل المذكور إلا بشرطين أشار إلى الأول منهما بقوله: (إن كان عن مضيه بمعزل) يعنى أن اسم الفاعل لا يعمل عمل فعله إلا إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال لأنه أشبه فعله فى الحركات والسكنات وعدد الحروف نحو أنا ضارب زيدا غدا أو الآن فإن كان بمعنى المضىّ لم يعمل لأنه لم يشبه فعله فيما ذكر، ثم أشار إلى الشرط الثانى بقوله:
وولى استفهاما أو حرف ندا ... أو نفيا أو جا صفة أو مسندا
يعنى أن من شرط إعمال اسم الفاعل أن يعتمد على شئ قبله وذكر من ذلك خمسة مواضع الأول أن يلى الاستفهام نحو أضارب أنت عمرا. الثانى أن يلى حرف النداء نحو يا طالعا جبلا والظاهر أن هذا مما اعتمد على الموصوف لأن التقدير يا رجلا طالعا جبلا وليس حرف النداء مما يقرب من الفعل لأنه خاص بالاسم. الثالث أن يلى نفيا نحو ما ضارب أنت زيدا. الرابع أن يكون صفة لموصوف نحو مررت برجل ضارب عمرا وفى ضمن ذلك الحال لأنها صفة فى المعنى نحو جاء زيد راكبا فرسا. الخامس أن يكون مسندا وشمل الخبر وما أصله الخبر نحو زيد ضارب عمرا وإن زيدا ضارب عمرا وكان زيدا ضاربا عمرا وظننت زيدا ضاربا عمرا لأن اسم الفاعل فى هذه المثل كلها مسند. واسم الفاعل مبتدأ وخبره كفعله وفى العمل متعلق بالاستقرار الذى فى الخبر، وإن كان شرط والباء فى بمعزل ظرفية بمعنى فى والمجرور خبر كان وعن مضيه متعلق بمعزل والهاء فى مضيه عائدة على اسم الفاعل واستفهاما مفعول بولى وأو حرف ندا وأو نفيا معطوفان على استفهام وأو جا معطوف على ولى ومسندا معطوف على صفة. ثم قال:
стр. 180
وقد يكون نعت محذوف عرف ... فيستحقّ العمل الّذى وصف
يعنى أن اسم الفاعل يأتى معتمدا على موصوف محذوف فيستحق العمل كما استحقه ما هو صفة لمذكور كقول الشاعر:
- كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل (١٢٥)
أى كوعل ناطح وقد تقدم أن ما وقع بعد حرف النداء من هذا الباب والضمير فى يكون اسمها وهو عائد على اسم الفاعل ونعت خبرها وعرف فى موضع الصفة لمحذوف. ثم قال:
وإن يكن صلة أل ففى المضى ... وغيره إعماله قد ارتضى
يعنى أن اسم الفاعل إذا وقع صلة لأل عمل العمل المذكور مطلقا حالا كان أو مستقبلا أو ماضيا وإنما عمل مطلقا لأنه صار بمنزلة الفعل قال الشارح لأنه لما كان صلة وأغنى بمرفوعه عن الجملة الفعلية أشبه الفعل معنى واستعمالا فأعطى حكمه فى العمل كما أعطى حكمه فى صحة عطف الفعل عليه كما فى قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ [الحديد: ١٨] ووَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [المزمل: ٢٠]. وقوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً [العاديات: ٣، ٤] ا. هـ. قلت جعله واقعا صلة أل مسوغا لعطف الفعل عليه فيه نظر لأنه قد جاء عطف الفعل على اسم الفاعل غير الواقع صلة نحو قوله : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ [الملك: ١٩] وإن يكن شرط وصلة أل خبر يكن والفاء جواب الشرط وإعماله مبتدأ وخبره قد ارتضى وفى المضى متعلق بارتضى. ثم قال:
فعّال أو مفعال أو فعول ... فى كثرة عن فاعل بديل
فيستحقّ ما له من عمل ... وفى فعيل قلّ ذا وفعل
يعنى أن هذه الأمثلة الخمسة التى هى فعال ومفعال وفعول وفعيل وفعل متساوية فى أنها تعمل عمل اسم الفاعل بالشروط المتقدمة فيه وقوله فى كثرة أى مرادا به الكثرة أى التكثير
стр. 181
وهى الزيادة فى الفعل ولذلك تسمى أمثلة المبالغة، ويؤيد حمل كلامه على هذا المعنى قوله فى الكافية:
وقد يصير فاعل فعالا ... تكثيرا أو فعولا أو مفعالا
ويحتمل عندى أن يكون أراد بكثرة أن هذه الأمثلة الثلاثة يكثر فيها العمل المذكور ويؤيده قوله بعد: وفى فعيل قلّ ذا وفعل. ويدل على صحة هذا التأويل قوله فى شرح الكافية وأكثرها استعمالا فعال وفعول ثم مفعال ثم فعيل ثم فعل أما إعمال فعال فنحو ما حكى سيبويه من قولهم أما العسل فأنا شرّاب وأما إعمال مفعال فنحو إنه لمنحار بوائكها وأما إعمال فعول فنحو قول الشاعر:
- ضروب بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنك عاقر (١٢٦)
وأما فعيل فنحو إن الله سميع دعاء من دعاه، وأما إعمال فعل فنحو قوله:
- حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار (١٢٧)
وفعال مبتدأ وأو مفعال أو فعول معطوفان على فعال وبديل خبر المبتدأ وفى كثرة وعن فاعل متعلقان ببديل وأفرد بديلا وهو خبر عن أكثر من واحد لأن فعيلا قد جاء الإخبار به عن الجمع وما مفعول بيستحق وهى موصولة وصلتها له ومن عمل متعلق بالاستقرار المتعلق به الخبر وذا فاعل بقلّ وفى فعيل متعلق بقلّ وفعل معطوف عليه. ثم قال:
وما سوى المفرد مثله جعل ... فى الحكم والشّروط حيثما عمل
ما سوى المفرد وهو المثنى والمجموع وشمل الجمع الذى على حد المثنى وجمع التكسير فالتثنية نحو هذان ضاربان زيدا والجمع نحو هؤلاء ضاربون عمرا وضراب زيدا
стр. 182
فتعمل كلها عمل اسم الفاعل بالشروط المتقدمة فى اسم الفاعل وما مبتدأ وهو موصول صلته سوى المفرد والضمير المستتر فى جعل هو العائد على المبتدأ وفى الحكم متعلق بجعل وكذلك حيثما. ثم قال:
وانصب بذى الإعمال تلوا واخفض
يعنى بذى الإعمال ما توفرت فيه شروط العمل المذكور وشمل اسم الفاعل وأمثلة المبالغة والتلو التابع وفهم من تقديمه النصب أنه هو الأصل والخفض جائز وإن كان على خلاف الأصل ووجهه قصد التخفيف فتقول أنا ضارب زيدا وضارب زيد وهذان ضاربان زيدا وضاربا زيد وهؤلاء ضاربون زيدا وضاربو زيد وضراب زيدا وضراب زيد، هذا حكم ما يتعدى من اسم الفاعل وما هو بدل منه إلى واحد وإن كان متعديا إلى أكثر من واحد فقد نبه عليه بقوله:
وهو لنصب ما سواه مقتضى
يعنى أن اسم الفاعل وما ألحق به إذا كان يطلب أكثر من مفعول واحد وأضيف إلى الأول نصب ما عدا الأول وشمل ذلك المتعدى إلى اثنين نحو أنا معطى زيد درهما والمتعدى إلى ثلاثة نحو أنا المعلم زيدا عمرا منطلقا وشمل أيضا ما كان منصوبا باسم الفاعل على غير المفعولية كالظرف نحو أنا ضارب زيدا اليوم وفهم منه أن
المنصوب بعد اسم الفاعل المضاف إلى الأول إذا كان بمعنى الماضى غير منصوب باسم الفاعل المذكور على المشهور نحو أنا معطى زيد درهما أمس فالمنصوب بعده انتصب بفعل مقدر لأنه إنما جعل الحكم فى ذلك لما استوفى شروط العمل واسم الفاعل بمعنى المضىّ لم يستوفها وتلو مفعول بانصب وهو مطلوب لا نصب واخفض فهو من باب التنازع وكذلك بذى وهو مبتدأ خبره مقتضى ولنصب متعلق بمقتضى. ثم قال:
واجرر أو انصب تابع الّذى انخفض ... كمبتغى جاه ومالا من نهض
إذا جر اسم الفاعل ما بعده جاز فى تابعه الجر على اللفظ والنصب على المحل وشمل جميع التوابع واختلف فى الناصب له فقيل اسم الفاعل المضاف وقيل بفعل مضمر وهو مذهب سيبويه وكلام الناظم محتمل للمذهبين إذ لم ينص على ناصبه لكنه صرح فى شرح
стр. 183
الكافية بأنه محمول على الموضع وأن ناصبه اسم الفاعل المذكور وتابع مفعول بانصب وهو مطلوب أيضا لا جرر فهو من باب التنازع ثم مثل بقوله: (كمبتغى جاه ومالا من نهض) فمن فى المثال مبتدأ وهو موصول وصلته نهض ومبتغى خبر مقدم وهو مضاف إلى جاه ومالا معطوف على الموضع ثم قال:
وكلّ ما قرّر لاسم فاعل ... يعطى اسم مفعول بلا تفاضل
يعنى أن اسم المفعول يعمل عمل الفعل بالشروط السابقة فى اسم الفاعل من كونه بمعنى الحال والاستقبال أو مطلقا إذا كان صلة أل وشرط الاعتماد وكل مبتدأ مضافة لما وهى موصولة وصلتها قرر ولاسم متعلق بقرر ويعطى .. إلخ خبر عن كل وبلا تفاضل تتميم للبيت لصحة الاستغناء عنه بما قبله. ثم قال:
فهو كفعل صيغ للمفعول فى ... معناه كالمعطى كفافا يكتفى
يعنى أن اسم المفعول مثل الفعل المصوغ للمفعول فى معناه كما أن اسم الفاعل مثل الفعل المصوغ للفاعل فى معناه فتقول زيد مضروب أبوه فيرتفع ما بعد مضروب على أنه مفعول لم يسم فاعله كما تقول ضرب أبوه وكفعل خبر هو وصيغ فى موضع الصفة لفعل وفى معناه فى موضع الحال من الضمير فى صيغ أى صيغ للمفعول فى حال كونه موافقا له فى المعنى وأتى بمثال من المتعدى إلى مفعولين وهو قوله كالمعطى كفافا يكتفى فالمعطى مبتدأ وأل فيه موصولة وفى المعطى ضمير مستتر عائد على أل وهو المفعول الأول بالمعطى وكفافا مفعول ثان للمعطى ويكتفى خبر المبتدأ. ثم قال:
وقد يضاف ذا إلى اسم مرتفع ... معنى كمحمود المقاصد الورع
يعنى أن اسم المفعول انفرد بجواز إضافته إلى ما هو مرفوع معنى كقولك زيد مكسوّ العبد وأصله مكسوّ عبده
ومثله قوله محمود المقاصد الورع وقد للتحقيق لا للتقليل لكثرة إضافة اسم المفعول إلى مرفوعه وذا فاعل بيضاف وهو إشارة إلى اسم المفعول ومرتفع نعت لاسم ومعنى منصوب على حذف الجار أى فى معنى والورع مبتدأ وخبره محمود وهو مضاف إلى المقاصد وأصله محمود مقاصده.
стр. 184
أبنية المصادر
اعلم أن الفعل الماضى ثلاثى ومزيد فالثلاثى أربعة أقسام متعد ولازم مكسور العين ولازم مفتوح العين ولازم مضموم العين وقد أشار إلى الأول بقوله:
فعل قياس مصدر المعدّى ... من ذى ثلاثة كردّ ردّا
يعنى أن مصدر الفعل الثلاثى المتعدى يأتى على فعل بسكون العين وشمل قوله المعدى فعل المفتوح العين نحو ضرب ضربا وفعل المكسور العين نحو فهم فهما والمعتل الفاء نحو وعد وعدا والمعتل العين نحو باع بيعا وقال قولا والمعتل اللام نحو رمى رميا وغزا غزوا والمضعف نحو ردّ ردّا وفعل خبر مقدم وقياس مبتدأ ومن ذى فى موضع الحال من مصدر ويجوز أن يكون فعل مبتدأ وقياس خبر لأن فعلا معرفة بالعلمية. ثم أشار إلى الثانى بقوله:
وفعل اللازم بابه فعل ... كفرح وكجوى وكشلل
هذا هو القسم الثانى من الفعل وهو اللازم المكسور العين وقياس مصدره أن يأتى على فعل بفتح العين ويستوى فى ذلك الصحيح كفرح فرحا وأشر أشرا والمعتل اللام كجوى جوى وعمى عمى والمضعف كشلل شللا وقطط قططا وفعل مبتدأ واللازم نعت له وبابه مبتدأ ثان وفعل خبر المبتدأ الثانى وهو وخبره خبر الأول. ثم أشار إلى الثالث بقوله:
وفعل اللّازم مثل قعدا ... له فعول باطّراد كغدا
يعنى أن فعل اللازم يأتى مصدره على فعول واستوى فى ذلك الصحيح نحو قعد قعودا والمعتل العين نحو حال حؤولا والمعتل اللام نحو سما سموّا وغدا غدوّا وفعل مبتدأ واللازم نعت له ومثل منصوب على الحال من الضمير المستتر فى اللازم ويجوز أن يكون مفعولا بفعل محذوف تقديره أعنى وفعول مبتدأ وخبره فى له والجملة خبر المبتدأ وباطراد فى موضع الحال من فعول ثم إن اطراد فعول فى فعل اللازم يشترط فيه أن لا يكون الفعل مستوجبا لأحد الأوزان المذكورة فى قوله:
ما لم يكن مستوجبا فعالا ... أو فعلانا فادر أو فعالا
فذكر فى هذا البيت ثلاثة أوزان وسيذكر رابعا بعد وهى فعال بكسر الفاء وفعلان بفتح الفاء
стр. 185
والعين وفعال بضم الفاء وما ظرفية مصدرية ومستوجبا خبر يكن وفعالا مفعول بمستوجب وأو فعلانا وأو فعالا معطوفان على فعالا ثم بين معانى الأفعال التى تستحق هذه الأوزان فقال:
فأوّل لذى امتناع كأبى ... والثّان للذى اقتضى تقلّبا
للدّا فعال أو لصوت
(فأول لذى امتناع كأبى) يعنى بأول فعالا وهو مصدر مطرد فى فعل اللازم الدال على الامتناع نحو أبى إباء ونفر نفارا وفر فرارا بمعنى نفر وقوله: (والثان للذى اقتضى تقلبا) يعنى بالثانى فعلانا وهو أيضا مصدر فعل اللازم الدال على التقلب والاضطراب نحو لمع لمعانا وجال جولانا وغلت القدر غليانا وقوله: (للدا فعال) هذا هو الوزن الثالث وهو فعال وهو مصدر مطرد فى فعل الدال على الداء نحو سعل سعالا وزكم زكاما. ثم قال: (أو لصوت) يعنى أن فعالا يكون أيضا مصدرا فى فعل اللازم الدال على الصوت نحو نعق نعاقا ونعرت الشاة نعارا ورغى البعير رغاء ففعال على هذا يكون لفعل الدال على الداء ولفعل الدال على الصوت وقوله:
وشمل * ... سيرا وصوتا الفعيل كصهل
هذا هو الوزن الرابع وهو فعيل ويكون مصدرا مطردا فى فعل اللازم الدال على السير نحو ذمل ذميلا ورسم رسيما والدال على الصوت نحو صهل صهيلا وهذا معنى قوله وشمل سيرا وصوتا الفعيل وقوله فأول مبتدأ وسوغ الابتداء به أنه وصف لمحذوف والتقدير ففعال أول وخبره لذى امتناع أى لصاحب فعل ذى امتناع فهو على حذف مضاف والثان مبتدأ وأصله والثانى فحذف الياء واستغنى عنها بالكسرة وخبره للذى واقتضى صلة الذى وتقلبا مفعول باقتضى وفعال مبتدأ وخبره للدا وأراد الداء فقصره ضرورة ولصوت معطوف على الداء والتقدير فعال مصدر للداء وللصوت وشمل فيه لغتان شمل يشمل بفتح العين فى الماضى وضمها فى المضارع وهى الفصحى إلا أنه ينبغى أن يضبط بالفتح فى الماضى صونا من السناد وهو اختلاف حركة الحرف الذى قبل الروى المقيد والفعيل فاعل بشمل وسيرا مفعول بشمل وصوتا معطوف عليه. ثم أشار إلى الرابع فقال:
فعولة فعالة لفعلا ... كسهل الأمر وزيد جزلا
стр. 186
يعنى أن فعل المضموم العين لا يكون إلا لازما فيطرد فى مصدره وزنان. الأول فعولة نحو سهل الأمر سهولة وصعب صعوبة. والثانى فعالة نحو جزل زيد جزالة ونظف نظافة وضخم ضخامة وفصح فصاحة. وفعولة مبتدأ وفعالة معطوف عليه بحذف حرف العطف ولفعلا خبر المبتدأ. ثم قال:
وما أتى مخالفا لما مضى ... فبابه النّقل كسخط ورضا
يعنى أن ما خالف ما ذكره من مصادر الفعل الثلاثى فهو منقول سماعا عن العرب وفهم منه أن جميع ما تقدم من المصدر مقيس وفهم أيضا منه أن مصادر الثلاثى أتت على غير قياس وذكر منها مصدرين سخطا وهو مصدر سخط وقياسه سخط بفتح الخاء وقد جاء كذلك، ورضا هو مصدر رضى وقياسه رضا بفتح الراء وفهم من قوله كسخط فى إتيانه بكاف التشبيه أنه قد جاء غير هذين المصدرين على غير قياس. وما مبتدأ وهى شرطية وخبرها أتى ومخالفا حال من الضمير المستتر فى أتى وهو الضمير العائد على المبتدأ ولما متعلق بمخالفا والفاء جواب الشرط والجملة بعدها جواب الشرط. ولما فرغ من مصادر الثلاثى شرع فى بيان مصدر المزيد فقال:
وغير ذى ثلاثة مقيس * ... مصدره
يعنى أن غير الثلاثى من الأفعال له مصدر مقيس غير متوقف على السماع وشمل قوله غير ذى ثلاثة الرباعى الأصول نحو دحرج والمزيد من الرباعى نحو احرنجم والمزيد من الثلاثى نحو استخرج وله أبنية كثيرة.
وبدأ منها بفعل فقال:
كقدّس التّقديس
يعنى أن فعل المشدد العين نحو قدس يأتى مصدره على تفعيل نحو قدس تقديسا وعلم تعليما. وغير مبتدأ ومقيس خبره ومصدره فاعل مقيس ويجوز أن يكون مقيس خبرا مقدما ومصدره مبتدأ والجملة خبر المبتدأ. ثم قال:
وزكه تزكية وأجملا ... إجمال من تجمّلا تجمّلا
стр. 187
هذا البيت اشتمل على ثلاثة أفعال بمصادرها وكلها من الثلاثى المزيد الأول زكه وهذا أمر من زكى مصدره يأتى على تزكية ومثله نمى تنمية وسمى تسمية. الثانى أجمل وهو أمر من أجمل ومصدره يأتى على إجمالا ومثله أكرم إكراما وأعطى إعطاء. الثالث تجمل وهو فعل ماض ومصدره يأتى على تفعل ومثله تكلم تكلما وتعلم تعلما وزكه وما بعده معطوف على قوله فى البيت الذى قبله كقدّس التقديس وإجمالا مصدر أجمل وهو مضاف إلى من وهى موصولة وصلتها تجملا وقدم المصدر على فعله والتقدير من تجمل تجملا ثم قال:
واستعذ استعاذة ثمّ أقم * ... إقامة
ذكر فى هذا فعلين مع مصدريهما من الثلاثى المزيد الأول استعذ وهو فعل أمر من استعاذ ومصدره يأتى على استعاذة ومثله استقام استقامة الثانى أقم وهو فعل أمر من أقام ومصدره يأتى على إقامة ومثله أجاز إجازة ثم قال:
وغالبا ذا التّا لزم
الإشارة للمصدرين معا وإنما أفرده على إرادة ما ذكر وإنما لزمت التاء لأن استعاذة أصلها استعواذا وإقامة أصلها إقواما فنقلت حركة الواو فيهما إلى الساكن وانقلبت الواو ألفا وحذفت إحدى الألفين وعوض منها التاء وفهم من قوله وغالبا أنها تحذف فى غير الغالب كقول بعضهم أراء إراء واستفاه استفاها وذا مبتدأ ولزم خبره والتاء مفعول بلزم ويجوز أن تكون التاء مبتدأ ولزم خبره وذا مفعول مقدم بلزم. ثم قال:
وما يلى الآخر مدّ وافتحا ... مع كسر تلو الثّان ممّا افتتحا
بهمز وصل كاصطفى
هذا ضابط فى مصدر كل فعل افتتح بهمزة الوصل يعنى أن الحرف المتصل به الحرف الأخير من الفعل إذا كان الفعل مفتتحا بهمزة الوصل مده وافتح ما قبل المدة فينشأ من ذلك الألف ثم يكسر تلو الحرف الثانى من الفعل وهو الحرف الثالث وما موصولة مفعول مقدم بمد وهو مطلوب أيضا لا فتح فهو من باب التنازع ومع متعلق بمد وكذلك مما وهى موصولة وصلتها افتتحا وبهمز متعلق بافتتح ثم مثل بقوله: (كاصطفى) فتقول اصطفى اصطفاء ومثله انطلق انطلاقا واستخرج استخراجا واقتدر اقتدارا. ثم قال:
وضمّ ما * ... يربع فى أمثال قد تلملما
стр. 188
يعنى أن مصدر تفعلل يضم فيه رابع الفعل فيصير مصدرا نحو تلملم تلملما ومثله تدحرج تدحرجا وتنفس تنفسا وضم فعل أمر وما مفعول به وهو موصول وصلته يربع ويحتمل أن يكون ضم فعلا ماضيا مبنيا للمفعول وما مفعول لم يسمّ فاعله والأول أشهر ثم قال:
فعلال أو فعللة لفعللا
يعنى أن فعلل يأتى مصدره على فعلال وعلى فعللة نحو دحرج دحراجا ودحرجة وفهم منه أن مصدر الملحق بفعل كمصدر فعلل نحو جلبب وحوقل فتقول جلبب جلبابا وجلببة وحوقل حيقالا وحوقلة إلا أن المقيس منهما
فعللة دون فعلال وقد نبه على ذلك بقوله:
واجعل مقيسا ثانيا لا أوّلا
وجعلهما فى التسهيل مقيسين معا. وفعلال مبتدأ وفعللة معطوف عليه والخبر لفعللا وثانيا مفعول أول باجعل ومقيسا مفعول ثان ولا عاطفة أوّلا على ثانيا. ثم قال:
لفاعل الفعال والمفاعله
يعنى أن فاعل له مصدران وهما الفعال والمفاعلة نحو قاتل قتالا ومقاتلة وخاصم خصاما ومخاصمة والفعال مبتدأ والمفاعلة معطوف عليه والخبر فى المجرور قبله. ثم قال:
وغير ما مرّ السّماع عادله
يعنى أن ما تقدم من مصادر غير الثلاثى هو القياس وما جاء على خلافه عادله السماع أى صار عديلا له ومما جاء من ذلك قول الراجز:
- باتت تنزّى دلوها تنزيّا ... كما تنزّى شهلة صبيّا (١٢٨)
وقياس مصدر نزى تنزية مثل زكى تزكية ومن ذلك أيضا كذاب فى مصدر كذب وقياسه
стр. 189
تكذيب وغير مبتدأ وما موصولة وصلتها مر والسماع مبتدأ وعادله فى موضع خبره والجملة خبر المبتدأ الأول ثم قال:
وفعلة لمرّة كجلسه ... وفعلة لهيئة كجلسه
فى غير ذى الثّلاث بالتّا المرّه ... وشذّ فيه هيئة كالخمره
يعنى أنك إذا أردت المرة الواحدة من مصدر الثلاثى أتيت بفعلة بفتح الفاء وسكون العين نحو جلس جلسة وضرب ضربة وإذا أردت الهيئة أتيت بفعلة بكسر الفاء نحو جلس جلسة حسنة وقد يكون بناء المصدر على فعلة
كرحمة وعلى فعلة كدربة فلا يكون فى إلحاق التاء دلالة على المرة ولا على الهيئة إلا بقرينة تدل على ذلك ثم قال: (فى غير ذى الثلاث بالتا المره) يعنى أن مصدر غير الثلاثى إذا أريد منه المرة ألحقت التاء لمصدره القياسى فتقول فى نحو أكرمه إكراما إذا أردت المرة إكرامة وفى نحو انطلق انطلاقا انطلاقة فلو كان المصدر من ذلك مبنيا على التاء نحو زكى تزكية واستعاذ استعاذة لم يدل على المرة فيه إلا بقرينة نحو زكه تزكية واحدة. وأما الهيئة فلم تستعمل من المزيد إلا على وجه الشذوذ وإلى ذلك أشار بقوله: (وشذ فيه هيئة كالخمره) يعنى أنه قد جاء الهيئة على فعلة فى مصدر غير الثلاثى كقولهم الخمرة وهو من اختمرت المرأة إذا لبست الخمار ومثله العمة من اعتم والقمصة من تقمص والنقبة من تنقب والمرة مبتدأ والخبر فى قوله بالتاء وإنما حذف التاء فى الثلاثى لأنه راعى تأنيث الحرف والتقدير فى غير الفعل صاحب الثلاث الأحرف وفى الثلاث متعلق بالاستقرار العامل فى الخبر أو فى موضع الحال من الفاعل بالاستقرار.
أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات بها
الفعل على قسمين ثلاثى وغير ثلاثى فالثلاثى بالنظر إلى هذا الباب ثلاثة أنواع مفتوح العين ومكسور العين متعد فهذا هو القسم الأول ومكسور العين لازم وهو القسم الثانى ومضموم العين ولا يكون إلا لازما وهو الثالث وقد أشار إلى الأول بقوله:
كفاعل صغ اسم فاعل إذا ... من ذى ثلاثة يكون كغذا
المراد بقوله كفاعل هذا الوزن الذى على صيغة فاعل والمراد باسم الفاعل الذى هو صفة دالة على فاعل جارية فى التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها سواء كان على وزن فاعل
стр. 190
كضارب أو على غيره كمكرم ومدحرج وشمل قوله من ذى ثلاثة جميع أنواع الفعل الثلاثى.
ثم أخرج فعل اللازم وفعل لا يكون إلا لازما بقوله:
وهو قليل فى فعلت وفعل ... غير معدّى
وهو ضمير عائد على فاعل فى البيت قبله يعنى أن فاعلا قليل فى اسم الفاعل من فعل المضموم العين وفعل المكسور العين اللازم نحو فره العبد فهو فاره وسلم فهو سالم وفهم منه أنه كثير فيما عدا هذين الوزنين من الثلاثى وهو ثلاثة أنواع مفتوح العين متعد نحو ضرب فهو ضارب وغير متعد نحو قعد فهو قاعد ومكسور العين متعد نحو شرب فهو شارب واسم فاعل مفعول بصغ وكفاعل وإذا متعلقان به والظاهر أن يكون تامة بمعنى
يوجد ومن ذى متعلق بها وغذا يحتمل أن يكون من غذوت الصبى باللبن أى ربيته به فيكون متعديا ويحتمل أن يكون بمعنى غذا الماء أى سال فيكون لازما واسم الفاعل منهما معا على فاعل والمراد بقليل شاذ ولذلك قال بعد بل قياسه وقوله وهو قليل مبتدأ وخبر وفى متعلق بقليل وغير معدى حال من فعل الأخير. ثم أشار إلى النوع الثانى من المثالين فقال:
بل قياسه فعل ... وأفعل فعلان
فذكر لاسم الفاعل من فعل اللازم ثلاثة أوزان ففعل وأفعل وفعلان وتجوّز فى إطلاق اسم الفاعل عليها وإنما هى صفات مشبهات باسم الفاعل. ولما كان كل واحد من هذه الأوزان مختصا بمعنى فى الفعل يقتضيه نبه على ذلك بالمثال فقال:
نحو أشر * ... ونحو صديان ونحو الأجهر
ففعل للأعراض نحو فرح فهو فرح وأشر فهو أشر وفعلان للامتلاء وحرارة البطن نحو غرث فهو غرثان وصدى فهو صديان وأفعل للخلق والألوان نحو حمر فهو أحمر وجهر فهو أجهر. ثم أشار إلى النوع الثالث بقوله:
وفعل أولى وفعيل بفعل ... كالضّخم والجميل والفعل جمل
وأفعل فيه قليل وفعل ... وبسوى الفاعل قد يغنى فعل
стр. 191
يعنى أن الأولى بفعل المضموم العين فعل نحو سهل فهو سهل وضخم فهو ضخم وفعيل نحو ظرف فهو ظريف وجمل فهو جميل وفهم من قوله أولى أن اسم الفاعل منه يأتى على غير الوزنين المذكورين وهو المنبه عليه بقوله: (وأفعل فيه قليل وفعل) يعنى أن اسم الفاعل من فعل المضموم العين قد يأتى على وزن أفعل نحو حرش فهو أحرش وعلى وزن فعل نحو بطل فهو بطل وحسن فهو حسن وفهم من تنصيصه على القلة فى أفعل وفعل أن الوزنين السابقين كثيران. وقياسه مبتدأ خبره فعل وأفعل معطوف عليه وكذلك فعلان على حذف العاطف وأفعل مبتدأ وقليل خبره وفيه متعلق بقليل وفعل معطوف على أفعل. ثم قال:
(وبسوى الفاعل قد يغنى فعل)
يعنى أن فعل المفتوح العين قد يأتى اسم فاعله على وزن غير فاعل ولم يذكر الوزن الذى يأتى على غير فاعل ففهم منه أنه غير مخصوص بوزن واحد والذى جاء من ذلك طاب فهو طيب وشاخ فهو شيخ وشاب فهو أشيب وعف فهو عفيف وفهم من قوله قد يغنى التقليل وبسوى متعلق بيغنى وفعل فاعل يغنى. ولما فرغ من اسم الفاعل من الثلاثى شرع فى بيان اسم الفاعل من غير الثلاثى فقال:
وزنة المضارع اسم فاعل ... من غير ذى الثّلاث كالمواصل
مع كسر متلوّ الأخير مطلقا ... وضمّ ميم زائد قد سبقا
أتى فى هذين البيتين بضابط فى اسم الفاعل من غير الثلاثى وهو أنه إذا أردت اسم الفاعل من غير الثلاثى أتيت بوزن مضارعه إلا أنك تكسر ما قبل الآخر وتجعل عوض حرف المضارعة ميما زائدة مضمومة وشمل غير الثلاثى الرباعى الأصول كيدحرج والرباعى المزيد كيحرنجم والثلاثى المزيد كينطلق ويستخرج فتقول فى اسم الفاعل من دحرج مدحرج ومن احرنجم محرنجم ومن انطلق منطلق ومن استخرج مستخرج ومعنى قوله مع كسر متلوّ الأخير يعنى إذا كان مفتوحا فى المضارع كسر فى اسم الفاعل نحو يتدحرج فتقول متدحرج وفهم من قوله مطلقا أنه إذا كان مكسورا فى المضارع يكسر فى اسم فاعل فتكون الكسرة غير الكسرة نحو منطلق فى ينطلق. وزنة المضارع مبتدأ وهو على حذف مضاف واسم فاعل خبره والتقدير وصاحب زنة المضارع ويحتمل أن يكون اسم فاعل مبتدأ وزنة خبر مقدم ومن غير متعلق بزنة ومع فى موضع الحال من المضارع ومطلقا حال من كسر وضم معطوف على كسر. ثم قال:
стр. 192
وإن فتحت منه ما كان انكسر ... صار اسم مفعول كمثل المنتظر
يعنى أن الحرف الذى قبل الآخر فى اسم الفاعل من غير الثلاثى إذا فتحته صار اسم مفعول فتقول فى اسم الفاعل من دحرج مدحرج وفى اسم المفعول مدحرج وفى اسم الفاعل من انتظر منتظر وفى اسم المفعول منتظر وقد تبرع بذكر المفعول فى هذا الباب لأنه إنما ترجم لاسم الفاعل والصفات المشبهات بها. وإن فتحت شرط والضمير فى منه عائد على اسم الفاعل ومنه متعلق بفتحت وما مفعول بفتحت وهى موصولة وصلتها كان وانكسر فى موضع خبر كان وصار جواب الشرط. ثم قال:
وفى اسم مفعول الثّلاثىّ اطّرد ... زنة مفعول كآت من قصد
يعنى أن اسم المفعول من الثلاثى يأتى على وزن مفعول وقوله كآت من قصد أى كالمفعول الآتى من قصد وهو مقصود ومثله مضروب من ضرب ومدعوّ ومرضىّ وأصل مدعو مدعوو وأصل مرضىّ مرضوى وزنة فاعل اطرد وفى اسم متعلق باطرد. ثم قال:
وناب نقلا عنه ذو فعيل ... نحو فتاة أو فتى كحيل
يعنى أن صاحب هذا الوزن الذى هو فعيل ناب عن مفعول نحو قتيل بمعنى مقتول وجريح بمعنى مجروح وهو
كثير ومع كثرته فهو غير مقيس وقيل يقاس وفهم من تمثيله بفتاة وفتى أن فعيلا المذكور يجرى على المذكر والمؤنث بلفظ واحد نحو فتى كحيل وفتاة كحيل. وذو فاعل بناب ونقلا مصدر فى موضع الحال من ذو. ثم قال:
الصفة المشبهة باسم الفاعل
الصفة المشبهة باسم الفاعل ما صيغ لغير تفضيل من فعل لازم لقصد نسبة الحدث إلى الموصوف دون إفادة معنى الحدوث وتتميز من اسم الفاعل باستحسان جر فاعلها بإضافتها إليه وإلى ذلك أشار بقوله:
صفة استحسن جرّ فاعل ... معنى بها المشبهة اسم الفاعل
يعنى أن الصفة المشبهة باسم الفاعل يستحسن أن يجرّ بها ما هو فاعل بها فى المعنى نحو
стр. 193
الحسن الوجه إذ أصله الحسن وجهه وذلك لا يصح فى اسم الفاعل وفهم من قوله استحسن أن ذلك موجود فى اسم الفاعل إلا أنه غير مستحسن نحو كاتب الأب وفيه خلاف ومذهب المصنف جوازه وفهم منه أيضا أن الجر بها غير لازم بل يجوز فيه النصب والرفع على ما يأتى.
وصفة مبتدأ واستحسن صفته وجر مرفوع باستحسن ومعنى منصوب على إسقاط الخافض وبها متعلق بجر والمشبهة خبر المبتدأ واسم الفاعل يجوز ضبطه بالفتح على أنه مفعول بالمشبهة وبالكسر على أنه مضاف إليه ويجوز أن يكون المشبهة المبتدأ وصفة خبره. ثم قال:
وصوغها من لازم لحاضر ... كطاهر القلب جميل الظّاهر
يعنى أن الصفة المشبهة باسم الفاعل لا تصاغ إلا من الفعل اللازم ولا تكون إلا للحال وبهذين الوصفين خالفت اسم الفاعل فإن اسم الفاعل يصاغ من اللازم والمتعدى وتكون للحال والاستقبال والمضى ثم أتى بمثالين وهو طاهر وجميل فطاهر مصوغ من طهر وهو لازم والمراد به الحال وجميل وهو مصوغ من جمل وهو أيضا لازم ويراد به الحال، وفهم من تمثيله بالوصفين أن الصفة المشبهة تكون جارية على الفعل المضارع فى الحركات والسكنات وعدد الحروف كطاهر فإنه جار فيما ذكر على يطهر، وغير جارية عليه كجميل فإنه غير جار على يجمل. وصوغها مبتدأ ومن لازم لحاضر متعلقان بصوغها والخبر محذوف لدلالة سياق الكلام عليه وتقديره واجب ولا يجوز أن يكون المجروران ولا أحدهما خبرا عن صوغها لعدم الفائدة ولا يجوز أن يكون معطوفا على جر فاعل لأن جر الفاعل بها مستحسن، وصوغها مما ذكر واجب. ثم قال:
وعمل اسم فاعل المعدّى ... لها على الحدّ الّذى قد حدّا
يعنى أن الصفة المشبهة باسم الفاعل تعمل عمل اسم الفاعل المعدى فتقول زيد حسن الوجه كما تقول زيد ضارب الرجل والمراد بالمعدّى المعدّى إلى مفعول واحد. وفهم من قوله على الحد الذى قد حدا، أنها تعمل بالشروط المتقدمة فى اسم الفاعل من الاعتماد ولا ينبغى أن يحمل على جميع الشروط السابقة التى منها أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال لأنه نص على أنها لا تكون إلا للحال بقوله لحاضر. وعمل مبتدأ واسم فاعل مضاف إلى المعدى وهو على حذف الموصوف والتقدير فاعل الفعل المعدى ولها فى موضع خبر عمل وعلى الحد متعلق بعمل أو بالاستقرار الذى يتعلق به الخبر أو فى موضع الحال من الضمير المستتر فى الاستقرار الذى يتعلق به الخبر. وحاصله أن الصفة تعمل عمل اسم الفاعل المتعدى إلى واحد فتنصب ما
стр. 194
بعدها إلا أنه يخالف منصوب اسم الفاعل فى أمرين، وقد أشار إليهما بقوله:
وسبق ما تعمل فيه يجتنب ... وكونه ذا سببيّة وجب
يعنى أن الصفة تخالف اسم الفاعل فى شيئين: الأول أن معمولها لا يجوز تقديمه عليها فتقول زيد حسن الوجه ولا يجوز زيد الوجه حسن بخلاف اسم الفاعل فإنه يجوز أن تقول زيد الرجل ضارب وهو المنبه عليه بقوله: (وسبق ما تعمل فيه يجتنب). الثانى أنه لا يكون إلا سببيا كالمثال المتقدم بخلاف معمول اسم الفاعل فإنه يكون سببيا نحو زيد ضارب أباه، وأجنبيا نحو زيد ضارب عمرا وهو المنبه عليه بقوله: وكونه ذا سببية وجب. وسبق مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى الفاعل وما موصولة وصلتها تعمل فيه والضمير عائد على الموصول المجرور بفى ويجتنب فى موضع خبر المبتدأ وكونه مبتدأ وذا خبر الكون وهو مضاف إلى سببية ووجب خبره. ثم قال:
فارفع بها وانصب وجرّ مع أل ... ودون أل مصحوب أل وما اتّصل
بها مضافا أو مجرّدا
فالرفع بها على الفاعلية وهو الأصل فيها والنصب على التشبيه بالمفعول به والجر بها على الإضافة وقوله مع أل أى مع كون الصفة مصحوبة لأل ودون أل أى مجردة من أل مصحوب أل أى المعمول للصفة وما اتصل من معمول الصفة بالصفة فى حال كونه مضافا لما بعده أو مجردا يعنى من أل والإضافة فحاصله أن الصفة لها حالان مقرونة بأل ومجردة منها ومعمولها له ثلاثة أحوال اقتران بأل وإضافة وتجرد فالمقرون بأل نوع واحد نحو الحسن الوجه والمضاف ثمانية أنواع الأول مضاف إلى ضمير الموصوف نحو حسن وجهه الثانى مضاف إلى مضاف إلى ضميره نحو حسن وجه أبيه الثالث مضاف إلى المعرّف بأل نحو وجه الأب الرابع مضاف إلى مجرد نحو وجه أب الخامس مضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف نحو جميلة أنفه من
قولك مررت بامرأة حسن وجه جاريتها جميلة أنفه السادس مضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى نحو جميل خالها من قولك مررت برجل حسن الوجنة جميل خالها السابع مضاف إلى موصول نحو:
والطيّبى كل ما التاثت به الأزر
من قوله:
стр. 195
- فعج بها قبل الأخيار منزلة ... والطّيبى كل ما التاثت به الأزر (١٢٩)
الثامن مضاف إلى موصوف يشبهه نحو رأيت رجلا حديد سنان رمح يطعن به والمجرد من الإضافة وأل يشمل ثلاثة أنواع: الموصول نحو قوله:
- أسيلات أبدان رقاق خصورها ... وثيرات ما التفت عليها المآزر (١٣٠)
والموصوف نحو «جما نوال أعدّه» من قوله:
- أزور امرأ جما نوال أعدّه ... لمن أمّه مستكفيا أزمة الدّهر (١٣١)
وغيرهما نحو مررت برجل حسن وجهه. والصفة لها حالان كما تقدم وعملها رفع ونصب وجر ومعمولها له اثنتا عشرة حالة كما تقدم فهو من ضرب اثنتى عشرة فى ستة باثنتين وسبعين وقد ذكر المرادى هذه الأوجه كلها وقال إنها من ضرب أحد عشر فى ستة والمجموع ست وستون مسألة، والصواب أنها اثنتان وسبعون مسألة. وأنا أرسم لك جدولا كافلا يجمعها على ترتيب النظم. وهو هذا:
الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن الوجه/ الوجه/ الوجه/ الوجه/ الوجه/ الوجه الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن وجهه/ وجهه/ وجهه/ وجهه/ وجهه/ وجهه الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن وجه أبيه/ وجه أبيه/ وجه أبيه/ وجه أبيه/ وجه أبيه/ وجه أبيه
стр. 196
الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن وجه الأب/ وجه/ الأب/ وجه الأب/ وجه الأب/ وجه الأب/ وجه الأب الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن وجه أب/ وجه أب/ وجه أب/ وجه أب/ وجه أب/ وجه أب الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن أنفه/ أنفه/ أنفه/ أنفه/ أنفه/ أنفه الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن خالها/ خالها/ خالها/ خالها/ خالها/ خالها الحسن كل/ الحسن كل/ الحسن كل/ حسن كل/ حسن كل/ حسن كل ما تحت/ ما تحت/ ما تحت/ ما تحت/ ما تحت/ ما تحت نقابه/ نقابه/ نقابه/ نقابه/ نقابه/ نقابه الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن سنان رمح/ سنان رمح/ سنان رمح/ سنان رمح/ سنان رمح/ سنان رمح يطعن به/ يطعن به/ يطعن به/ يطعن به/ يطعن به/ يطعن به الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن ما تحت/ ما تحت/ ما تحت/ ما تحت/ ما تحت/ ما تحت نقابه/ نقابه/ نقابه/ نقابه/ نقابه/ نقابه الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن نوال/ نوالا/ نوال/ نوال/ نوالا/ نوال أعده/ أعده/ أعده/ أعده/ أعده/ أعده
стр. 197
الحسن/ الحسن/ الحسن/ حسن/ حسن/ حسن وجه/ وجها/ وجه/ وجه/ وجها/ وجه فهذه اثنتان وسبعون مسألة كلها مفهومة من بيت واحد وثلث بيت ووتد مجموع وذلك قوله: (فارفع بها وانصب وجر مع أل * ودون أل مصحوب أل وما اتصل * بها مضافا أو مجردا) فإذا قرأت فارفع بها فاجعل طرف سبابتك على البيت الأول من الجدول ومرّ به طولا إلى البيت الأخير المقابل له وإذا قرأت فانصب فانقل سبابتك إلى البيت الثانى منه ومرّ به كذلك إلى البيت الأخير المقابل له وإذا قرأت وجر فانقله أيضا إلى البيت الثالث ومر به كذلك إلى البيت الآخر وإذا قرأت مع أل فاجعل طرف سبابتك أيضا على البيت الأول ومر به على البيتين اللذين يليان بعده وإذا قرأت ودون أل فانقل سبابتك إلى البيت الرابع وهو أول الصفة المجردة من أل ومر به إلى آخر السطر ثم أشر بظاهر أنا ملك إلى البيوت التى تحتها مشيرا إلى الرفع والنصب والجر فإذا قرأت مصحوب أل فاجعله على معمول الصفة من البيت الأول ومر به عرضا إلى آخر السطر فإذا قرأت وما اتصل بها مضافا فانقل أصبعك إلى الجدول الذى تحت الجدول الأول وأشر إلى معمول الصفة فى ثمانية أبيات طولا والست الجداول عرضا وهى المحتوية على المعمول المضاف وإذا قرأت أو مجردا فانقله إلى آخر البيت الأول من الجداول الثلاثة الأخيرة وأشر إلى
معمولات الصفة فى ذلك وهى أنواع المجرد فقد استوفيت بذلك جميع المسائل. ثم إن معمول الصفة قد يكون ضميرا كقول الشاعر:
- حسن الوجه طلقه أنت فى السل ... م وفى الحرب كالح مكفهرّ (١٣٢)
وعملها فيه جر بالإضافة إن باشرته وخلت من أل نحو مررت برجل حسن الوجه جميله ونصب إن فصلت أو قرنت بأل فالمفصولة نحو قولهم قريش نجباء الناس ذرية وكرامهموها والمقرونة بأل نحو زيد الحسن الوجه الجميله فهذه ثلاث مسائل فإذا أضيفت إلى المسائل المذكورة صارت الصور خمسا وسبعين هذا كله بالنظر إلى اختلاف معمول الصفة إلى ما ذكر
стр. 198
واختلاف عملها وكون الصفة مقرونة بأل أو مجردة منها فإذا نوعت الصفة إلى مفرد مذكر وتثنيته وجمعه جمع سلامة وجمع تكسير وإلى مفرد مؤنث وتثنيته وجمعه على الوجهين المذكورين صارت ثمان صور مضروبة فى خمس وسبعين بستمائة فإذا نوعت الصفة أيضا إلى مرفوعة ومنصوبة ومجرورة، صارت الصور ألفا وثمانمائة من ضرب ثلاثة فى ستمائة فإذا نوعت معمول الصفة أيضا إلى مفرد مذكر وتثنيته وجمعه على الوجهين المذكورين وإلى مفرد مؤنث وتثنيته وجمعه على الوجهين المذكورين صارت ثمانية أوجه مضروبة فى ألف وثمانمائة فالخارج من ذلك أربعة عشر ألف وجه وأربعمائة وجه ويستثنى من هذه الصور الضمير فإنه لا يكون مجموعا جمع تكسير ولا جمع سلامة وجملة صوره مائة وأربعة وأربعون فالباقى أربعة عشر ألفا ومائتان وستة وخمسون. ثم اعلم أن هذه الصور الاثنتين والسبعين المرسومة فى الجدول تنقسم إلى جائز وممتنع، وقد أشار إلى الممتنع منها بقوله:
ولا * ... تجرر بها مع أل سما من أل خلا
ومن إضافة لتاليها
يعنى أنه يمتنع إضافة الصفة المقرونة بأل إلى المجرد من أل ومن إضافة إلى ما فيه أل فشمل اثنتى عشرة مسألة وهى مجموع السطر الثالث من الجدول إلا صورتين وهما الأولى والرابعة فالأولى الحسن الوجه والرابعة الحسن وجه الأب فبقيت عشر مسائل كلها ممتنعة إلا أن الصورة السابعة وهى قولك مررت برجل حسن الوجنة جميل خالها أجازها فى التسهيل وظاهر النظم امتناعها وقد فهم من ذكر الصور الممتنعة أن ما عداها من الصور جائز لا من مسائل الإضافة ولا من غيرها ثم صرح بالمفهوم من صور الإضافة فقال:
وما * ... لم يخل فهو بالجواز وسما
أى وما لم يخل من الإضافة إلى ما فيه أل أو إلى ما أضيف إلى المقرون بها فهو موسوم بالجواز وذلك صورتان كما تقدم الحسن الوجه والحسن وجه الأب. ثم إن هذه المسائل الجائزة تنقسم إلى حسن وقبيح وضعيف ونادر وأنا أبسطها وأوعب الكلام عليها فى الشرح الكبير إن شاء الله تعالى إذ لا يليق ذكرها بهذا المختصر لكون الناظم لم يتعرض لها وقد شرطت فى صدر هذا الكتاب أن لا أذكر إلا ما يتعلق بألفاظها. وقوله أو مجردا معطوف على ما اتصل وأو بمعنى الواو والتقدير فارفع بها مصحوب أل وما اتصل بها مضافا أو مجردا
стр. 199
ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله مضافا وأو على هذا على بابها من التقسيم والتقدير فارفع مصحوب أل وما اتصل بها مضافا أو مجردا فقسم المتصل بالصلة إلى مضاف ومجرد.
التعجب
أحسن ما قيل فى حدّ التعجب قول ابن عصفور: هو استعظام زيادة فى وصف الفاعل خفى سببها، وخرج بها المتعجب منه لعدم الزيادة عن نظائره أو قلّ نظيره. ثم إن التعجب فى كلام العرب يكون بالصيغتين المذكورتين فى هذا الباب وبغيرهما نحو: سبحان الله، ويا لك من رجل ونحو ذلك إذا كان هناك قرينة تبينه وإنما اقتصر النحويون فى هذا الباب على الصيغتين المذكورتين لاطراد التعجب بهما، وهما ما أفعل وأفعل به وقد أشار إلى الأول منهما فقال:
بأفعل انطق بعد ما تعجّبا *
أى انطق بوزن أفعل بعد ما فتقول ما أحسن ونصب تعجبا على أنه مصدر فى موضع الحال أى متعجبا أو مفعول له أى لأجل إنشاء فعل التعجب فهو على حذف مضاف، ثم أشار إلى الثانى فقال:
أو جئ بأفعل قبل مجرور ببا
يعنى أو جئ بوزن أفعل قبل اسم مجرور بباء الجر فتقول أحسن بزيد فأتى بأفعل مكملا بمعموله وهو المتعجب منه المجرور بالباء ثم كمل ما أفعل بقوله:
وتلو أفعل انصبنّه
يعنى أنك تأتى بعد ما أفعل باسم منصوب فتقول ما أحسن زيدا وبذلك كمل الكلام المستفاد منه إنشاء التعجب ثم مثل أفعل بقوله:
كما * ... أوفى خليلينا
стр. 200
فما فى المثالين مبتدأ بمعنى شئ وأوفى فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على ما وخليلينا مفعول بأوفى والهمزة فى أوفى للنقل والتقدير شئ أو فى خليلينا أى صيرهما وافيين، ثم مثل أفعل بقوله:
وأصدق بهما
فأصدق لفظه لفظ أمر ومعناه الخبر والباء زائدة فى الفاعل والهمزة فى أفعل للصيرورة والتقدير أحسن زيد أى صار حسنا، ثم قال:
وحذف ما منه تعجّبت استبح ... إن كان عند الحذف معناه يضح
فشمل ما التعجب منه بعد ما أفعل وبعد أفعل فمثال حذفه بعد ما أفعل قول على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه:
- جزى الله عنّى والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعفّ وأكرما (١٣٣)
أى ما أعفهم وأكرمهم ومثال حذفه بعد أفعل قوله : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم:
٣٨] أى وأبصر بهم وفهم من قوله إن كان عند الحذف معناه يضح أن الحذف لا يجوز إلا إن كان معناه واضحا وحذف مفعول باستبح وهو مصدر مضاف إلى المفعول وما موصولة وصلتها تعجبت ومنه متعلق بتعجبت ومعناه اسم كان ويضح فى موضع خبرها وهو مضارع وضح يضح بمعنى اتضح وعند متعلق بيضح. ثم قال:
وفى كلا الفعلين قدما لزما ... منع تصرّف بحكم حتما
يعنى أن فعلى التعجب وهما ما أفعله وأفعل به غير متصرفين فلا يستعمل منهما مضارع ولا غيره مما يصاغ من الأفعال بل يلزم أفعل لفظ الماضى ويلزم أفعل لفظ الأمر ومنع فاعل بلزم وهو مصدر مضاف إلى المفعول وقدما منصوب على الظرف وفى كلا متعلق بلزم وكذلك قدما. ثم قال:
стр. 201
وصغهما من ذى ثلاث صرّفا ... قابل فضل تمّ غير ذى انتفا
وغير ذى وصف يضاهى أشهلا ... وغير سالك سبيل فعلا
اشتمل هذان البيتان على شروط الفعل الذى يجوز أن يصاغ منه فعلا التعجب، وهى ثمانية: الأولى أن يكون فعلا وفهم ذلك من قوله من ذى ثلاث لأن ذى صفة لموصوف محذوف تقديره من فعل ذى ثلاث. الثانى أن يكون ثلاثيا وفهم ذلك من قوله من ذى ثلاث فلا يصاغان مما زاد على الثلاث. الثالث أن يكون متصرفا وفهم ذلك من قوله صرّفا فلا يصاغان من فعل غير متصرف كنعم وبئس ونحوهما. الرابع أن يكون قابلا للفضلية فلا يصاغان من فعل لا يقبل الفضلية نحو مات وفنى. الخامس أن يكون تاما فلا يصاغان من كان وأخواتها وفهم ذلك من قوله تمّ. السادس أن يكون غير لازم للنفى كعاج يقال ما عاج زيد بالدواء أى ما انتفع به ولا تستعمل فى غير النفى وذلك مفهوم من قوله غير ذى انتفا. السابع أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل نحو شهل وحمر وفهم ذلك من قوله وغير ذى وصف يضاهى أشهلا. الثامن أن يكون مبنيا للفاعل فلا يصاغان من فعل مبنى للمفعول نحو ضرب زيد وذلك مفهوم من قوله: وغير سالك سبيل فعلا وهذه الشروط كلها صفات للفعل المحذوف وهى كلها مفردة إلا قوله صرفا وتمّ فإنهما جملتان فعليتان. ثم قال:
وأشدد أو أشدّ أو شبههما ... يخلف ما بعض الشّروط عدما
ومصدر العادم بعد ينتصب ... وبعد أفعل جرّه بالبا يجب
يعنى أنه إذا أريد التعجب من فعل عدم بعض الشروط المتقدمة توصل إلى ذلك بأن يصاغ الوزنان المذكوران مما توفرت فيه الشروط المذكورة ويؤتى بمصدر الفعل العادم لبعض الشروط منصوبا بعد ما أفعل ومجرورا بالباء بعد أفعل مضافين إلى فاعل الفعل فتقول إذا تعجبت من البياض من نحو ابيضّ زيد ما أشدّ بياض زيد وأشدد ببياضه ومن استخرج زيد ما أكثر استخراجه وما أشبه ذلك وفهم من قوله ومصدر العادم أن ما لا مصدر له من الأفعال العادمة لبعض الشروط لا يتعجب منه البتة كالأفعال التى لا تتصرف وقوله وأشدد وأشد مبتدأ وخبره
يخلف وما مفعول بيخلف وهى موصولة وصلتها عدم وبعض مفعول بعدم ولابد من حذف بين يخلف وما ليتضح المعنى والتقدير يخلف صيغتى التعجب المصوغتين مما عدم. ثم قال:
стр. 202
وبالنّدور احكم لغير ما ذكر ... ولا تقس على الّذى منه أثر
فهم من قوله وبالندور احكم أنه قد جاء بناء صيغتى التعجب من الفعل العادم لبعض الشروط وأن ذلك نادر أى غير مقيس ومما أتى من غير الفعل قولهم أقمن بزيد لأنه من وصف لا فعل له ومما أتى من غير الثلاثى قولهم ما أعطاه من أعطى وما أفقره من افتقر ومما أتى من الفعل الذى أتى اسم فاعله على أفعل قولهم ما أجمعه وما أرعنه ومما أتى من غير المتصرف قولهم ما أعساه وأعس به من عسى ومما أتى من الفعل المبنى للمفعول ما أجنه من جن وما أولعه من ولع. ثم قال:
وفعل هذا الباب لن يقدّما ... معموله ووصله به الزما
شمل قوله وفعل هذا الباب الصيغتين المذكورتين وهى ما أفعله وأفعل به فلا يتقدم المنصوب على أفعل ولا المجرور بالباء على أفعل، وفهم منه أن المنصوب بما أفعل لا يتقدم على ما ولا يتوسط بين ما وأفعل وسبب ذلك عدم تصرفهما وفهم من قوله: ووصله به الزما أنه لا يفصل بين الفعل ومعموله بشئ. ولما كان فى الفصل بينهما بالظرف والمجرور خلاف نبه على ذلك بقوله:
وفصله بظرف أو بحرف جرّ ... مستعمل والخلف فى ذاك استقرّ
يعنى أن الفصل بالظرف والمجرور بين فعل التعجب ومعموله مستعمل فى كلام العرب وفى ذلك خلاف مشهور، وفهم من قوله مستعمل أن مذهبه موافق لمن أجاز ذلك ومن شواهده مع أفعل قول عمرو بن معد يكرب: لله درّ بنى سليم، ما أحسن فى الهيجاء لقاءها وأكثر فى اللزبات عطاءها وأثبت فى المكروهات بقاءها، ومن شواهده مع أفعل به قول بعض الأنصار:
- وقال نبى المسلمين تقدّموا ... وأحبب إلينا أن يكون المقدّما (١٣٤)
стр. 203
وقول الآخر:
- أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا (١٣٥)
وقوله وفعل هذا الباب مبتدأ وخبره لن يقدم معموله ووصله مفعول مقدم بالزما وهو مصدر مضاف إلى المفعول وبه متعلق بوصله وفصله مبتدأ وهو أيضا مصدر مضاف إلى المفعول وبظرف متعلق بفصل ومستعمل خبر المبتدأ والخلف مبتدأ وفى ذاك متعلق به واستقر فى موضع خبره.
نعم وبئس وما جرى مجراهما
هذا الباب مشتمل على قسمين الأول نعم وبئس والثانى ما جرى مجراهما من الأفعال وبدأ بنعم وبئس فقال:
فعلان غير متصرّفين ... نعم وبئس رافعان اسمين
صرح بفعلية نعم وبئس وفى ذلك خلاف ومذهب البصريين أنهما فعلان ثم بين أنهما يرفعان اسمين بقوله رافعان اسمين، يعنى أن كل واحد منهما يرفع اسما ومجموعهما يرفع اسمين لا أن كل واحد منهما يرفع اسمين وفعلان خبر مقدم وغير متصرفين نعت لفعلين ونعم وبئس مبتدأ ورافعان نعت لفعلين أيضا ولا يجوز أن يكون غير متصرفين ورافعان أخبارا لأنهما قيد فى فعلين وليس المراد أن يخبر بهما عن نعم وبئس واسمين مفعول برافعان، وفهم منه أن رفع الاسمين بعدهما على الفاعلية لتصريحه بفعليتهما، ثم اعلم أن مرفوعهما يكون ظاهرا ومضمرا، وقد أشار إلى الأول بقوله: (مقارنى أل أو مضافين لما * قارنها) ثم مثل للثانى بقوله: (كنعم عقبى الكرما) ومثله قوله : وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ [النحل: ٣٠] ومثال الأول نحو قوله تعالى: فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج: ٧٨] ثم أشار إلى الثانى بقوله: (ويرفعان مضمرا يفسّره * مميّز).
стр. 204
وفهم من قوله يفسره مميز أن الضمير فيهما لا يفسره متقدم بل التمييز المتأخر عنه وقد مثل ذلك بقوله: (كنعم قوما معشره) فنعم فعل ماض والفاعل به ضمير مستتر فيه تقديره هو وهو مفسر بقوله قوما وفهم من المثال أن نعم وبئس لا يكتفيان بفاعلهما بل لا بد من اسم آخر بعدهما وهو معشره ويسمى مخصوصا وسيأتى. ثم قال:
وجمع تمييز وفاعل ظهر ... فيه خلاف عنهم قد اشتهر
يعنى أن فى الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر خلافا مشهورا. واستدل من أجاز ذلك بقوله:
- تزوّد مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا (١٣٦)
وبأبيات أخر، وتأوّل المانعون ذلك بما لا يليق ذكره بهذا المختصر. ثم قال:
وما مميّز وقيل فاعل ... فى نحو نعم ما يقول الفاضل
إذا لحقت ما نعم وبئس فتارة يليها الفعل كالمثال المذكور، وتارة يليها الاسم كقوله تعالى:
فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة: ٢٧١] فإن وليها الفعل ففيها عشرة أقوال، وإن وليها الاسم ففيها ثلاثة أقوال وكلامه صالح لجميع الأقوال وجميعها راجع إلى كونه تمييزا أو فاعلا واقتصر فى شرح الكافية على أنه إذا وليها الفعل على قولين: الأول أنها نكرة فى موضع نصب على التمييز والفعل بعدها صفة لها والمخصوص محذوف. والآخر أنها فاعل وأنها اسم تام معرفة والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف والتقدير نعم الشئ شئ يقوله الفاضل وإذا وليها الاسم على قول واحد وهو أنها فاعل والاسم بعدها هو المخصوص وينبغى أن يحمل تمثيله على أن المراد فى نحو نعم ما يقول الفاضل وشبهه مما لحقت فيه ما نعم وبئس ليدخل فيه ما وليه الاسم وفى تقديمه أنها تمييز تنبيه على أنه أشهر القولين. ثم قال:
стр. 205
ويذكر المخصوص بعد مبتدا ... أو خبر اسم ليس يبدو أبدا
المخصوص فى الاصطلاح هو الاسم المقصود بالمدح بعد نعم وبالذم بعد بئس، وفى إعرابه ثلاثة أوجه أحدها أنه مبتدأ والجملة قبله خبره والرابط بين المبتدأ والخبر العموم الذى فى الفاعل وهذا قول متفق عليه. الثانى أنه مبتدأ والخبر محذوف وهو قول مرغوب عنه وقد أجازه قوم منهم ابن عصفور. الثالث أنه خبر مبتدأ مضمر وهذا أيضا مختلف فيه ونسب المصنف إجازته إلى سيبويه وفهم من كلام الناظم الأقوال الثلاثة لأن قوله مبتدأ يحتمل الوجهين إذا لم يذكر الخبر وقوله ليس يبدو أبدا يعنى أنه إذا جعل المخصوص خبرا كان حذف المبتدأ واجبا وفهم من قوله بعد أن محل المخصوص يكون متأخرا عن فاعل نعم وبئس وبعد متعلق بيذكر ومبتدأ حال من المخصوص. ثم قال:
وإن بقدّم مشعر به كفى ... كالعلم نعم المقتنى المقتفى
يعنى أن المخصوص قد لا يذكر بعد الفاعل لذكر ما يشعر به قبل نعم وبئس وشمل ذلك صورتين الأولى أن يذكر فى الكلام الذى قبل نعم متصلا بها كالمثال الذى ذكر الثانية. أن يذكر فى الكلام الذى قبل نعم غير متصل بها كقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ [ص: ٤٤] أى نعم العبد أيوب وقد يكون المشعر بالمخصوص فى كلام غير المتكلم بنعم وذلك أن يتكلم متكلم فيقول مثلا زيد حسن الأفعال فيقول المجيب نعم الرجل. ومشعر صفة لمحذوف والتقدير اسم مشعر ومعمول كفى محذوف والتقدير كفى عن ذكر المخصوص بعد والمقتنى المكتسب والمقتفى المتبع.
ولما فرغ من أحكام نعم وبئس شرع فى حكم ما جرى مجراهما فقال: (واجعل كبئس ساء) يعنى أن ساء مساو لبئس فى المعنى والحكم فتقول ساء الرجل أبو جهل وساء رجلا أبو لهب. وألف ساء منقلبة عن واو ووزنه فعل بضم العين وساء مفعول أول باجعل وكبئس مفعول ثان. ثم قال:
واجعل فعلا ... من ذى ثلاثة كنعم مسجلا
يجوز أن يبنى من كل فعل ثلاثى وزن فعل بضم العين ويقصد به ما يقصد بنعم من المدح وبئس من الذم ولا يتصرف ويكون فاعله كفاعل نعم وبئس ويستوى فى ذلك ما كان وضعه
стр. 206
على وزن فعل نحو كَبُرَتْ كَلِمَةً [الكهف: ٥] وما كان وضعه على وزن فعل وفعل نحو وضوء الرجل زيد وعلم الرجل عمرو يعنى بقوله كنعم فى الحكم لا فى المعنى لأن فعل كما يقصد به المدح يقصد به الذم نحو جهل الرجل
زيد وقوله مسجلا منصوب على الحال من فعل والمسجل المبذول المباح الذى لا يمنع من أحد فهو بمعنى مطلقا فيكون التقدير واجعل فعلا فى حال كونه على فعل أو على فعل أو على فعل ويجوز أن يكون حالا من نعم فيكون التقدير واجعل فعل كنعم مطلقا فى جميع أحكامها. ثم قال:
(ومثل نعم حبّذا) يعنى أن حبذا مثل نعم مع فاعلها فى المعنى لا فى الحكم لاختلاف بعض أحكامها إلا أن فى حبذا زيادة على نعم وهى الحب والتقريب من القلب وهى مستفادة من لفظ حب ثم قال: (الفاعل ذا) يعنى أن ذا فاعل بحب وفهم منه أن حب فعل وفاعل. ثم قال:
(وإن ترد ذما فقل لا حبّذا) يعنى أنك إذا أردت بحبذا الذم أدخلت عليه لا فتقول لا حبذا زيد فتساوى معنى بئس لأن نفى المدح ذم، وقد جمع الشاعر بينهما فقال:
- ألا حبّذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مى فلا حبّذا هيا (١٣٧)
ثم قال:
وأول ذا المخصوص أيا كان لا ... تعدل بذا فهو يضاهى المثلا
اعلم أن حبذا يحتاج إلى مخصوص كما يحتاج إليه نعم فتقول حبذا زيد كما تقول نعم الرجل زيد وفهم من قوله وأول ذا أن مخصوص حبذا لا يكون إلا متأخرا عن ذا بخلاف المخصوص بعد نعم فإنه يتقدم وفهم من سكوته عن إعرابه أنه مبتدأ وخبره فى الجملة قبله كما سبق فى مخصوص نعم وقوله أيا كان يعنى مذكرا كان أو مؤنثا مفردا أو مثنى أو مجموعا وقوله لا تعدل بذا يعنى أن ذا لا يكون إلا مفردا مذكرا وإن كان المخصوص على خلاف ذلك فتقول حبذا زيد وحبذا هند وحبذا الزيدان وحبذا العمرون وكان القياس أن يكون اسم الإشارة مطابقا للمخصوص فى التأنيث والتثنية والجمع لكنه أفرد فى الأحوال كلها لشبهه بالمثل وعلى ذلك نبه بقوله فهو يضاهى المثلا أى يشابه المثل والأمثال لا تغير، ثم قال: (وما
стр. 207
سوى ذا ارفع بحبّ أو فجرّ * بالبا) يعنى أن حب قد يكون فاعلها غير ذا من الأسماء مع إرادة المدح وفى فاعلها حينئذ وجهان أحدهما الرفع والآخر الجر بالباء الزائدة وفى حائها إذ ذاك لغتان الضم وهو الأكثر والفتح وإلى
ذلك أشار بقوله:
(ودون ذا انضمام الحا كثر) ووجه الفتح البقاء مع الأصل ووجه الضم أن الأصل حبب بضم الباء فنقلت الضمة إلى الحاء فتقول على هذا حب زيد وحب بزيد وحب بزيد. ومن شواهد ضم الحاء وزيادة الباء فى الفاعل قوله:
- فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحبّ بها مقتولة حين تقتل (١٣٨)
وما مفعول مقدم بارفع أو بجرّ فهو من باب التنازع وصلتها سوى.
أفعل التفضيل
أفعل التفضيل مضاف ومضاف إليه وإنما أضيف إلى التفضيل لأنه دال عليه واحترز به من أفعل الذى ليس للتفضيل كأحمر وأشهر.
صغ من مصوغ منه للتّعجّب ... أفعل للتّفضيل وأب اللّذ أبى
يعنى أن أفعل التفضيل يجوز صوغه من كل فعل صيغ منه فعل التعجب ويمتنع صوغه من كل فعل عدم بعض الشروط المذكورة فى باب التعجب فأفعل مفعول صغ ومن مصوغ متعلق بصغ ومنه متعلق بمصوغ وكذلك للتعجب وأب فعل أمر من أبى يأبى أى امتنع واللذ مفعول بأب وهى لغة فى الذى وأبى فعل ماض مبنى للمفعول وفيه ضمير عائد على اللذ. ثم قال:
وما به إلى تعجّب وصل ... لمانع به إلى التّفضيل صل
стр. 208
قد تقدم فى باب التعجب أن الفعل إذا عدم بعض الشروط المصوغة لبناء فعل التعجب يتوصل إلى صوغ أفعل منه بأشد وشبهه وكذلك أيضا يتوصل إلى صوغ أفعل التفضيل من الفعل العادم لبعض الشروط بما يتوصل به إلى
صوغ فعل التعجب إلا أنه نبه على تمام الكيفية فى التعجب بقوله ومصدر العادم إلى آخر البيت ولم ينبه هنا على تمامها، وتمامها أن يؤتى بمصدر العادم بعد أفعل منصوبا على التمييز فتقول أنت أشد بياضا من زيد وأكثر استخراجا من عمرو. وما مبتدأ أو مفعول بفعل محذوف يفسره صل وهى موصولة وصلتها وصل به، وبه الأول متعلق بوصل وكذلك إلى تعجب ولمانع وبه الثانى متعلقان بصل وهو على حذف مضاف تقديره مثل وإلى التفضيل متعلق بصل والتقدير وما وصل به إلى التعجب لأجل المانع صل بمثله إلى أفعل التفضيل. ثم قال:
وأفعل التفضيل صله أبدا ... تقديرا أو لفظا بمن إن جرّدا
أفعل التفضيل على ثلاثة أقسام: مجرد من أل والإضافة ومعرّف بأل ومضاف وأشار بهذا البيت إلى القسم الأول يعنى أن أفعل التفضيل إذا كان مجردا من أل والإضافة فلا بد من اقترانه بمن لفظا كقوله : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [الضحى: ٤] أو تقديرا كقوله تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى [الأعلى: ١٧] أى من الدنيا، وفهم منه أن ما سوى المفرد وهو المعرف بأل والمضاف لا يقترن بمن ثم إن أفعل التفضيل بالنظر إلى مطابقة الموصوف على ثلاثة أقسام: لزوم عدم المطابقة ووجوب المطابقة وجواز الوجهين وقد أشار إلى الأول بقوله:
وإن لمنكور يضف أو جرّدا ... ألزم تذكيرا وأن يوحّدا
يعنى أن أفعل التفضيل إذا كان مجردا من أل والإضافة أو مضافا إلى نكرة يلزم الإفراد والتذكير فتقول زيد أفضل من عمرو والزيدان أفضل من عمرو والزيدون أفضل من عمرو وهند أفضل من عمرو والهندان أفضل من عمرو وزيد أفضل رجل والزيدان أفضل رجلين والزيدون أفضل رجال. ويضف مجزوم بإن وأو جردا معطوف عليه وألزم جواب الشرط وتذكيرا مفعول ثان بألزم وأن يوحدا معطوف على تذكيرا أى ألزم تذكيرا وتوحيدا وعبر بذلك عن عدم المطابقة. ثم أشار إلى الثانى بقوله: (وتلو أل طبق) يعنى أن أفعل التفضيل إذا دخلت
стр. 209
عليه أل لزمت مطابقته لموصوفه فتقول زيد الأفضل وهند الفضلى والزيدان الأفضلان والهندان الفضليان والزيدون الأفضلون والهندات الفضليات. وتلو أل طبق مبتدأ وخبر والطبق المطابق. ثم أشار إلى الثالث فقال:
وما لمعرفه ... أضيف ذو وجهين عن ذى معرفه
يعنى أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى ذى معرفة جاز أن يطابق موصوفه وأن لا يطابق وقد جمع الوجهين قوله ﷺ : «ألا أخبركم بأحبكم إلىّ وأقربكم منى مجالس يوم القيامة؟
أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» فأفرد أحب وأقرب وجمع أحاسن. وما مبتدأ وخبره ذو وجهين وهى موصولة وصلتها أضيف ولمعرفة متعلق بأضيف. ثم قال:
هذا إذا نويت معنى من وإن ... لم تنو فهو طبق ما به قرن
يعنى أن جواز المطابقة وعدمها فى المضاف إلى المعرفة مشروط بأن تكون الإضافة فيه بمعنى من وذلك إذا كان أفعل مقصودا به التفضيل، وأما إذا لم يقصد به التفضيل فلا بد فيه من المطابقة لما هو له كقولهم: الأشج والناقص أعد لا بنى مروان أى عادلاهم فهذا إشارة لجواز الوجهين فى المضاف إلى المعرفة وهو مبتدأ والخبر محذوف أى هذا الحكم ويجوز أن يكون خبرا مقدما والمبتدأ محذوف لدلالة ما تقدم عليه وإن لم تنو شرط وحذف معمول تنو والتقدير وإن لم تنو معنى من، والمراد بما به قرن ما هو أفعل التفضيل له، ثم اعلم أن من المصاحبة لأفعل التفضيل تارة تدخل على اسم الاستفهام وتارة تدخل على غيره، وقد أشار إلى الأول بقوله:
وإن تكن بتلو من مستفهما ... فلهما كن أبدا مقدّما
يعنى أن المجرور بمن المصاحبة لأفعل التفضيل إذا كان اسم استفهام وجب تقديم من ومجرورها على أفعل لأن الاستفهام له صدر الكلام، وشمل صورتين: الأولى أن يكون المجرور اسم استفهام، والأخرى أن يكون مضافا إلى اسم استفهام وقد مثل للأولى بقوله:
(كمثل ممّن أنت خير) ومثال الثانية من غلام من أنت أجمل ثم أشار إلى الثانى بقوله: (ولدى * إخبار التقديم نزرا وجدا) يعنى أن المجرور بمن المذكورة إذا كان خبرا أى غير استفهام لزم
стр. 210
تأخيره عن أفعل لأنه بمنزلة الفاعل فمحله التأخير، وقد يتقدم عليه بقلة. وقد استشهد المصنف على ذلك بأبيات منها قوله:
- فقالت لنا أهلا وسهلا وزوّدت ... جنى النحل بل ما زودت منه أطيب (١٣٩)
أى أطيب منه. قلت وليس فى هذا البيت دليل لاحتمال أن يكون منه متعلقا بزودت وبتلو متعلق بمستفهم ولهما متعلق بمقدما والضمير فى لهما عائد على من ومجرورها أما من فقد لفظ بها قبل وأما مجرورها فمفهوم من قوله مستفهما والباء للاستعانة أو السببية وتلو الشئ الذى يتلوه. ثم اعلم أن أفعل التفضيل يرفع المضمر فى لغات العرب كقولك زيد أفضل من عمرو ففى أفعل ضمير يعود على زيد، وأما رفعه الظاهر ففيه لغتان أشار إلى الأولى منهما بقوله: (ورفعه الظاهر نزر) يعنى أن أفعل المذكور يرفع الظاهر وهى لغة حكاها سيبويه فتقول مررت برجل أفضل من أبوه ورفعه مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى الفاعل والظاهر مفعول به وخبره نزر. ثم أشار إلى اللغة الثانية بقوله:
(ومتى * عاقب فعلا فكثيرا ثبتا)
هذه اللغة لجميع العرب وهى أن أفعل يرفع الظاهر لكن ذلك مشروط بأن يكون معاقبا للفعل وذلك إذا ولى نفيا وكان فاعله أجنبيا مفضلا على نفسه باعتبار محلين كقولهم ما رأيت رجلا أحسن فى عينه الكحل منه فى عين زيد والتقدير ما رأيت رجلا يحسن فى عينه الكحل كحسنه فى عين زيد وهذا هو المراد بقوله عاقب فعلا، ثم مثل ذلك بقوله:
كلن ترى فى النّاس من رفيق ... أولى به الفضل من الصّدّيق
والأصل أولى به الفضل منه بالصديق ثم اختصر، والمراد بالصديق أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه فالشروط قد توفرت وهو تقدم النفى وهو لن والفاعل أجنبى من الموصوف وهو مفضل على نفسه باعتبار محلين.
стр. 211
النعت
هو التابع لما قبله فى إعرابه الحاصل والمتجدد، ثم قال:
يتبع فى الإعراب الأسماء الأول ... نعت وتوكيد وعطف وبدل
ذكر فى هذا البيت التوابع وهى خمسة النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل وشمل قوله وعطف نوعى العطف، وفهم من قوله الأول أن التابع لا يكون إلا متأخرا عن المتبوع. ثم قال:
فالنّعت تابع متمّ ما سبق ... بوسمه أو وسم ما به اعتلق
فتابع جنس دخل فيه جميع التوابع ومتم ما سبق أخرج به البدل وعطف النسق لأنهما لا يتممان متبوعهما وبوسمه أو وسم ما به اعتلق أخرج به التوكيد وعطف البيان لأنهما متممان لما سبق كالنعت إلا أن النعت يتممه بدلالته على معنى فى المتبوع أو فيما كان متعلقا به، وفهم من قوله بوسمه أو وسم ما به اعتلق، أن النعت على قسمين متم ما سبق بوسمه وهو النعت الحقيقى ومتم ما سبق بوسم ما اعتلق به وهو النعت السببى، ثم إن نوعى النعت يشتركان
فى أنهما يتبعان المنعوت فى اثنين من خمسة وهى واحد من الرفع والنصب والجر وهذا مستفاد من قوله تابع وواحد من التعريف والتنكير وهو المنبه عليه بقوله:
(وليعط فى التّعريف والتّنكير ما * لما تلا)
يعنى أن النعت يعطى من التعريف والتنكير ما استقر للمنعوت، ثم مثل بالنكرة فقال:
(كامرر بقوم كرما) فكرما نعت لقوم وكلاهما نكرة ومثال المعرفة امرر بالقوم الكرماء وبزيد العاقل، ثم إن النعت الحقيقى ينفرد عن السببى بلزوم تبعيته للمنعوت فى اثنين من خمسة وهى واحد من التذكير والتأنيث وواحد من الإفراد والتثنية والجمع وقد أشار إلى ذلك بقوله:
وهو لدى التّوحيد والتّذكير أو ... سواهما كالفعل فاقف ما قفوا
فسوى التذكير التأنيث وسوى التوحيد التثنية والجمع وأحال فى ذلك على الفعل فعلم أن النعت الحقيقى وهو ما رفع ضمير الموصوف يجب مطابقته للموصوف فى التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع وأن السببى وهو ما رفع ظاهرا متلبسا بضمير الموصوف لا يجب
стр. 212
مطابقته فى ذلك فتقول مررت برجلين قائمين وبرجال قائمين وبامرأة قائمة فيطابق الموصوف لأنك تقول مررت برجلين قاما وبرجال قاموا وبامرأة قامت وتقول مررت برجل قائمة أمه وبرجلين قائم أبواهما وبرجال قائم آباؤهم فلا يطابق لأنك تقول مررت برجل قامت أمه وبرجلين قام أبوهما وبرجال قام آباؤهم. ثم قال:
(وانعت بمشتقّ كصعب وذرب * وشبهه)
المراد بالمشتق اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة والصفة المشبهة باسم الفاعل وأفعل التفضيل وقد تقدم بيان ذلك كله وصعب وذرب من الصفة المشبهة والذرب بالذال المعجمة هو الحادّ من كل شئ والمراد بشبه المشتق اسم الإشارة وهو المشار إليه بقوله:
(كذا) وذى بمعنى صاحب وهو المشار إليه بقوله: (وذى) والمنسوب وهو المشار إليه بقوله: (والمنتسب) فتقول قام زيد هذا فهذا نعت لزيد وهو جامد إلا أنه شبيه بالمشتق كأنك قلت قام زيد المشار إليه وكذلك مررت برجل ذى مال أى صاحب مال وكذلك مررت برجل قرشى بمعنى منتسب لقريش والوصف به أكثر مما قبله ولذلك يرفع الظاهر فتقول مررت برجل تميمى أبوه. ثم قال:
ونعتوا بجملة منكّرا ... فأعطيت ما أعطيته خبرا
شمل قوله بجملة الجملة الاسمية والجملة الفعلية وفهم من قوله منكرا أن الجملة لا تكون نعتا للمعرفة وذلك لأنها
مقدرة بالنكرة فتقول مررت برجل قام أبوه وبامرأة أبوها قائم فلو وقعت الجملة بعد معرفة لكانت فى موضع نصب على الحال وفهم من قوله فأعطيت ما أعطيته خبرا أنها لا بد فيها من رابط يربطها بالمنعوت وأوهم إطلاقه فى الجملة أنها تكون طلبية لأن الجملة الطلبية يخبر بها عن المبتدأ فلذلك أزال هذا الإيهام بقوله: (وامنع هنا إيقاع ذات الطلب) يعنى أن الجملة الطلبية يمتنع وقوعها صفة وذلك كجملة الأمر والنهى والدعاء والاستفهام والعرض والتحضيض فلا يقع شئ من ذلك نعتا لأنها لا تدل على شئ محصل يحصل به تخصيص المنعوت. ثم قال:
(وإن أتت فالقول أضمر تصب)
يعنى إذا جاء من كلام العرب ما يوهم وقوع الجملة الطلبية نعتا فأوله على إضمار القول ومما جاء مما يوهم ذلك قول الراجز:
стр. 213
- حتى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (١٤٠)
فظاهره أن الجملة المصدرة بهل نعت لمذق والتأويل فى ذلك أن يكون هل رأيت الذئب قط محكيا بمقول والتقدير جاءوا بمذق مقول فيه عند رؤيته هل رأيت الذئب والضمير فى قوله ونعتوا عائد على العرب وما فى قوله ما أعطيته مفعول ثان لأعطيت وفى أعطيت ضمير مستتر عائد على الجملة وهو المفعول الأول وصلة ما أعطيته وهو مفعول ثان وخبرا منصوب على الحال من الضمير المستتر فى أعطيته وإيقاع مفعول بامنع وهو مصدر مضاف إلى المفعول وذات الطلب نعت لمحذوف والتقدير إيقاع الجملة ذات الطلب وإن أتت يعنى الجملة الطلبية نعتا فأضمر القول، ثم قال: (ونعتوا بمصدر كثيرا) يعنى أن النعت بالمصدر جاء فى كلام العرب كثيرا وهو على خلاف الأصل لأن المصدر جامد لكنه شبيه بالمشتق ولا يفهم من قوله كثيرا اطراد الوصف كما تقدم فى قوله: (ومصدر منكر حالا يقع * بكثرة). ثم قال: (فالتزموا الإفراد والتذكيرا) يعنى أن المصدر إذا وقع نعتا التزم إفراده وتذكيره فتقول مررت برجل عدل وبرجلين عدل وبرجال عدل وبامرأة عدل وبامرأتين عدل وبنساء عدل وسبب ذلك أن النعت فى الحقيقة محذوف والأصل مررت برجلين ذوى عدل فحذف المضاف وبقى المضاف إليه على ما كان عليه من الإفراد. ثم قال:
ونعت غير واحد إذا اختلف ... فعاطفا فرّقه لا إذا ائتلف
غير واحد هو المثنى والمجموع وله صورتان إحداهما اختلاف معنى النعتين أو النعوت فهذه يعطف فيها النعوت بعضها على بعض بالواو نحو مررت برجلين كريم وبخيل أو برجال كريم وبخيل وعاقل، والأخرى ائتلافهما فهذه يستغنى فيها بالتثنية والجمع عن العطف نحو مررت برجلين كريمين أو برجال كرام ويجوز فى نعت الرفع
على الابتداء وخبره فرقه والنصب بإضمار فعل يفسره فرقه وهو المختار وواحد نعت لمحذوف تقديره ونعت غير منعوت واحد وعاطفا حال من الفاعل المستتر فى فرقه ولا عاطفة إذا ائتلف على إذا اختلف. ثم قال:
стр. 214
ونعت معمولى وحيدى معنى ... وعمل أتبع بغير استثنا
يعنى أنك إذا ذكرت منعوتين معمولين لعاملين متحدين فى المعنى والعمل أتبعت النعت للمنعوت فى إعرابه فتقول ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان فإن العاملين متحدان فى المعنى وشمل المتحدين فى المعنى واللفظ كالمثال المذكور والمتحدين فى المعنى دون اللفظ نحو ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان ومعنى قوله أتبع أجز الإتباع لا أن الإتباع واجب لأنه يجوز فيه القطع وفهم منه جواز الإتباع إذا كان العامل فيهما واحدا نحو ذهب زيد وعمرو العاقلان وهو من باب أحرى وفهم منه أيضا أن العاملين إذا اختلفا معنى لم يجز الإتباع وفيه ثلاث صور إحداها أن يختلفا فى المعنى واللفظ نحو ذهب زيد وهذا عمرو العاقلان. الثانية أن يختلفا فى اللفظ والمعنى ويتفقا فى الجنس نحو قام زيد وخرج عمرو الكريمان. الثالثة أن يتفقا فى الجنس وفى اللفظ ويختلفا فى المعنى نحو وجد زيد ووجد عمرو إذا أريد بوجد الأول حزن وبالثانى أصاب، وفهم من قوله وعمل أنهما إذا اختلفا فى العمل لم يجز فيهما الإتباع نحو ضربت زيدا وقام عمرو العاقلان وخاصم زيد عمرا العاقلان ويحتمل قوله بغير استثناء أن الإتباع سائغ فيما ذكر بغير استثناء يشير به إلى قول من يمنع الإتباع وإن اتفقا فى المعنى وهو ابن السراج ويحتمل أن يريد بغير استثناء فى الرفع والنصب والجر وبه جزم الشارح. ونعت مفعول مقدم بأتبع وهو مصدر مضاف إلى المفعول وهو على حذف مضاف بين معمولى ووحيدى والتقدير ونعت مفعولى عاملين ووحيدى فوحيدى نعت لعاملين ومعنى مجرور بإضافة وحيدى إليه وعمل معطوف على معنى وبغير متعلق بأتبع. ثم قال:
وإن نعوت كثرت وقد تلت ... مفتقرا لذكرهنّ أتبعت
قد يكون للمنعوت الواحد نعتان فصاعدا بعطف كقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [الأعلى: ١ - ٣] الآية وبغير عطف كقوله تعالى:
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: ١١] الآية فإن كان المنعوت مفتقرا لذكرها وجب إتباعها وعلى هذا نبه بقوله أتبعت أى وجب إتباعها للمنعوت فى إعرابه وفهم من قوله كثرت أنها زادت على نعت واحد فشمل النعتين فصاعدا فتقول مررت بزيد الخياط الطويل بالإتباع إذا افتقر المنعوت للنعتين المذكورين ومررت برجل تميمى خياط طويل إذا افتقر المنعوت للنعوت المذكورة وقد يكون المنعوت معينا غير محتاج إلى تخصيص بالنعت وإلى ذلك أشار بقوله:
стр. 215
واقطع أو اتبع إن يكن معيّنا * بدونها
يعنى أن المنعوت إذا علم بدون نعت ثم أتيت بنعوت جاز فيها الإتباع والقطع والإتباع فى بعضها والقطع فى بعضها، وإلى جواز إتباع بعضها وقطع بعضها أشار بقوله:
أو بعضها اقطع معلنا
وفهم من قوله أو بعضها اقطع؛ قطع بعضها وإتباع بعضها ويلزم على هذا أن يكون بعضها منصوبا على أنه مفعول باقطع وبهذا جزم المرادى، وقال الشارح أى وإن يكن المنعوت معينا ببعضها اقطع ما سواه انتهى فجعل مفعول اقطع محذوفا وفهم من كلامه أن بعضها مجرور بالعطف على بدونها وأو فى قوله أو اتبع للتخيير بين إتباع النعوت للمنعوت فى الإعراب وبين قطعها عن التبعية وفى القطع حينئذ وجهان الرفع والنصب، إلى ذلك أشار بقوله:
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا ... مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
يعنى أن المقطوع عن التبعية يجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والنصب على أنه مفعول بفعل محذوف وكلاهما لازم الحذف وعلى ذلك نبه بقوله لن يظهرا وأو للتخيير أيضا وإن قطعت شرط فى جواز الوجهين ومفعول قطعت محذوف تقديره إن قطعت النعوت أو بعضها ومضمرا حال من التاء فى قطعت ومبتدأ مفعول بمضمرا والألف فى لن يظهرا ضمير عائد على مبتدأ وناصبا، ثم قال:
وما من المنعوت والنّعت عقل ... يجوز حذفه وفى النّعت يقلّ
يعنى أنه يجوز حذف كل واحد من النعت والمنعوت إذا علم إلا أن ذلك فى النعت قليل، وفهم من قوله وفى النعت يقلّ أن حذف المنعوت يكثر، ومن حذف المنعوت قوله : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ [ص: ٥٢] أى حور قاصرات الطرف، ومن حذف النعت قول الشاعر: