النعت
هو التابع لما قبله فى إعرابه الحاصل والمتجدد، ثم قال:
يتبع فى الإعراب الأسماء الأول ... نعت وتوكيد وعطف وبدل
ذكر فى هذا البيت التوابع وهى خمسة النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل وشمل قوله وعطف نوعى العطف، وفهم من قوله الأول أن التابع لا يكون إلا متأخرا عن المتبوع. ثم قال:
فالنّعت تابع متمّ ما سبق ... بوسمه أو وسم ما به اعتلق
فتابع جنس دخل فيه جميع التوابع ومتم ما سبق أخرج به البدل وعطف النسق لأنهما لا يتممان متبوعهما وبوسمه أو وسم ما به اعتلق أخرج به التوكيد وعطف البيان لأنهما متممان لما سبق كالنعت إلا أن النعت يتممه بدلالته على معنى فى المتبوع أو فيما كان متعلقا به، وفهم من قوله بوسمه أو وسم ما به اعتلق، أن النعت على قسمين متم ما سبق بوسمه وهو النعت الحقيقى ومتم ما سبق بوسم ما اعتلق به وهو النعت السببى، ثم إن نوعى النعت يشتركان
فى أنهما يتبعان المنعوت فى اثنين من خمسة وهى واحد من الرفع والنصب والجر وهذا مستفاد من قوله تابع وواحد من التعريف والتنكير وهو المنبه عليه بقوله:
(وليعط فى التّعريف والتّنكير ما * لما تلا)
يعنى أن النعت يعطى من التعريف والتنكير ما استقر للمنعوت، ثم مثل بالنكرة فقال:
(كامرر بقوم كرما) فكرما نعت لقوم وكلاهما نكرة ومثال المعرفة امرر بالقوم الكرماء وبزيد العاقل، ثم إن النعت الحقيقى ينفرد عن السببى بلزوم تبعيته للمنعوت فى اثنين من خمسة وهى واحد من التذكير والتأنيث وواحد من الإفراد والتثنية والجمع وقد أشار إلى ذلك بقوله:
وهو لدى التّوحيد والتّذكير أو ... سواهما كالفعل فاقف ما قفوا
فسوى التذكير التأنيث وسوى التوحيد التثنية والجمع وأحال فى ذلك على الفعل فعلم أن النعت الحقيقى وهو ما رفع ضمير الموصوف يجب مطابقته للموصوف فى التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع وأن السببى وهو ما رفع ظاهرا متلبسا بضمير الموصوف لا يجب
стр. 212
مطابقته فى ذلك فتقول مررت برجلين قائمين وبرجال قائمين وبامرأة قائمة فيطابق الموصوف لأنك تقول مررت برجلين قاما وبرجال قاموا وبامرأة قامت وتقول مررت برجل قائمة أمه وبرجلين قائم أبواهما وبرجال قائم آباؤهم فلا يطابق لأنك تقول مررت برجل قامت أمه وبرجلين قام أبوهما وبرجال قام آباؤهم. ثم قال:
(وانعت بمشتقّ كصعب وذرب * وشبهه)
المراد بالمشتق اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة والصفة المشبهة باسم الفاعل وأفعل التفضيل وقد تقدم بيان ذلك كله وصعب وذرب من الصفة المشبهة والذرب بالذال المعجمة هو الحادّ من كل شئ والمراد بشبه المشتق اسم الإشارة وهو المشار إليه بقوله:
(كذا) وذى بمعنى صاحب وهو المشار إليه بقوله: (وذى) والمنسوب وهو المشار إليه بقوله: (والمنتسب) فتقول قام زيد هذا فهذا نعت لزيد وهو جامد إلا أنه شبيه بالمشتق كأنك قلت قام زيد المشار إليه وكذلك مررت برجل ذى مال أى صاحب مال وكذلك مررت برجل قرشى بمعنى منتسب لقريش والوصف به أكثر مما قبله ولذلك يرفع الظاهر فتقول مررت برجل تميمى أبوه. ثم قال:
ونعتوا بجملة منكّرا ... فأعطيت ما أعطيته خبرا
شمل قوله بجملة الجملة الاسمية والجملة الفعلية وفهم من قوله منكرا أن الجملة لا تكون نعتا للمعرفة وذلك لأنها
مقدرة بالنكرة فتقول مررت برجل قام أبوه وبامرأة أبوها قائم فلو وقعت الجملة بعد معرفة لكانت فى موضع نصب على الحال وفهم من قوله فأعطيت ما أعطيته خبرا أنها لا بد فيها من رابط يربطها بالمنعوت وأوهم إطلاقه فى الجملة أنها تكون طلبية لأن الجملة الطلبية يخبر بها عن المبتدأ فلذلك أزال هذا الإيهام بقوله: (وامنع هنا إيقاع ذات الطلب) يعنى أن الجملة الطلبية يمتنع وقوعها صفة وذلك كجملة الأمر والنهى والدعاء والاستفهام والعرض والتحضيض فلا يقع شئ من ذلك نعتا لأنها لا تدل على شئ محصل يحصل به تخصيص المنعوت. ثم قال:
(وإن أتت فالقول أضمر تصب)
يعنى إذا جاء من كلام العرب ما يوهم وقوع الجملة الطلبية نعتا فأوله على إضمار القول ومما جاء مما يوهم ذلك قول الراجز:
стр. 213
- حتى إذا جنّ الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (١٤٠)
فظاهره أن الجملة المصدرة بهل نعت لمذق والتأويل فى ذلك أن يكون هل رأيت الذئب قط محكيا بمقول والتقدير جاءوا بمذق مقول فيه عند رؤيته هل رأيت الذئب والضمير فى قوله ونعتوا عائد على العرب وما فى قوله ما أعطيته مفعول ثان لأعطيت وفى أعطيت ضمير مستتر عائد على الجملة وهو المفعول الأول وصلة ما أعطيته وهو مفعول ثان وخبرا منصوب على الحال من الضمير المستتر فى أعطيته وإيقاع مفعول بامنع وهو مصدر مضاف إلى المفعول وذات الطلب نعت لمحذوف والتقدير إيقاع الجملة ذات الطلب وإن أتت يعنى الجملة الطلبية نعتا فأضمر القول، ثم قال: (ونعتوا بمصدر كثيرا) يعنى أن النعت بالمصدر جاء فى كلام العرب كثيرا وهو على خلاف الأصل لأن المصدر جامد لكنه شبيه بالمشتق ولا يفهم من قوله كثيرا اطراد الوصف كما تقدم فى قوله: (ومصدر منكر حالا يقع * بكثرة). ثم قال: (فالتزموا الإفراد والتذكيرا) يعنى أن المصدر إذا وقع نعتا التزم إفراده وتذكيره فتقول مررت برجل عدل وبرجلين عدل وبرجال عدل وبامرأة عدل وبامرأتين عدل وبنساء عدل وسبب ذلك أن النعت فى الحقيقة محذوف والأصل مررت برجلين ذوى عدل فحذف المضاف وبقى المضاف إليه على ما كان عليه من الإفراد. ثم قال:
ونعت غير واحد إذا اختلف ... فعاطفا فرّقه لا إذا ائتلف
غير واحد هو المثنى والمجموع وله صورتان إحداهما اختلاف معنى النعتين أو النعوت فهذه يعطف فيها النعوت بعضها على بعض بالواو نحو مررت برجلين كريم وبخيل أو برجال كريم وبخيل وعاقل، والأخرى ائتلافهما فهذه يستغنى فيها بالتثنية والجمع عن العطف نحو مررت برجلين كريمين أو برجال كرام ويجوز فى نعت الرفع
على الابتداء وخبره فرقه والنصب بإضمار فعل يفسره فرقه وهو المختار وواحد نعت لمحذوف تقديره ونعت غير منعوت واحد وعاطفا حال من الفاعل المستتر فى فرقه ولا عاطفة إذا ائتلف على إذا اختلف. ثم قال:
стр. 214
ونعت معمولى وحيدى معنى ... وعمل أتبع بغير استثنا
يعنى أنك إذا ذكرت منعوتين معمولين لعاملين متحدين فى المعنى والعمل أتبعت النعت للمنعوت فى إعرابه فتقول ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان فإن العاملين متحدان فى المعنى وشمل المتحدين فى المعنى واللفظ كالمثال المذكور والمتحدين فى المعنى دون اللفظ نحو ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان ومعنى قوله أتبع أجز الإتباع لا أن الإتباع واجب لأنه يجوز فيه القطع وفهم منه جواز الإتباع إذا كان العامل فيهما واحدا نحو ذهب زيد وعمرو العاقلان وهو من باب أحرى وفهم منه أيضا أن العاملين إذا اختلفا معنى لم يجز الإتباع وفيه ثلاث صور إحداها أن يختلفا فى المعنى واللفظ نحو ذهب زيد وهذا عمرو العاقلان. الثانية أن يختلفا فى اللفظ والمعنى ويتفقا فى الجنس نحو قام زيد وخرج عمرو الكريمان. الثالثة أن يتفقا فى الجنس وفى اللفظ ويختلفا فى المعنى نحو وجد زيد ووجد عمرو إذا أريد بوجد الأول حزن وبالثانى أصاب، وفهم من قوله وعمل أنهما إذا اختلفا فى العمل لم يجز فيهما الإتباع نحو ضربت زيدا وقام عمرو العاقلان وخاصم زيد عمرا العاقلان ويحتمل قوله بغير استثناء أن الإتباع سائغ فيما ذكر بغير استثناء يشير به إلى قول من يمنع الإتباع وإن اتفقا فى المعنى وهو ابن السراج ويحتمل أن يريد بغير استثناء فى الرفع والنصب والجر وبه جزم الشارح. ونعت مفعول مقدم بأتبع وهو مصدر مضاف إلى المفعول وهو على حذف مضاف بين معمولى ووحيدى والتقدير ونعت مفعولى عاملين ووحيدى فوحيدى نعت لعاملين ومعنى مجرور بإضافة وحيدى إليه وعمل معطوف على معنى وبغير متعلق بأتبع. ثم قال:
وإن نعوت كثرت وقد تلت ... مفتقرا لذكرهنّ أتبعت
قد يكون للمنعوت الواحد نعتان فصاعدا بعطف كقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [الأعلى: ١ - ٣] الآية وبغير عطف كقوله تعالى:
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: ١١] الآية فإن كان المنعوت مفتقرا لذكرها وجب إتباعها وعلى هذا نبه بقوله أتبعت أى وجب إتباعها للمنعوت فى إعرابه وفهم من قوله كثرت أنها زادت على نعت واحد فشمل النعتين فصاعدا فتقول مررت بزيد الخياط الطويل بالإتباع إذا افتقر المنعوت للنعتين المذكورين ومررت برجل تميمى خياط طويل إذا افتقر المنعوت للنعوت المذكورة وقد يكون المنعوت معينا غير محتاج إلى تخصيص بالنعت وإلى ذلك أشار بقوله:
стр. 215
واقطع أو اتبع إن يكن معيّنا * بدونها
يعنى أن المنعوت إذا علم بدون نعت ثم أتيت بنعوت جاز فيها الإتباع والقطع والإتباع فى بعضها والقطع فى بعضها، وإلى جواز إتباع بعضها وقطع بعضها أشار بقوله:
أو بعضها اقطع معلنا
وفهم من قوله أو بعضها اقطع؛ قطع بعضها وإتباع بعضها ويلزم على هذا أن يكون بعضها منصوبا على أنه مفعول باقطع وبهذا جزم المرادى، وقال الشارح أى وإن يكن المنعوت معينا ببعضها اقطع ما سواه انتهى فجعل مفعول اقطع محذوفا وفهم من كلامه أن بعضها مجرور بالعطف على بدونها وأو فى قوله أو اتبع للتخيير بين إتباع النعوت للمنعوت فى الإعراب وبين قطعها عن التبعية وفى القطع حينئذ وجهان الرفع والنصب، إلى ذلك أشار بقوله:
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا ... مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
يعنى أن المقطوع عن التبعية يجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والنصب على أنه مفعول بفعل محذوف وكلاهما لازم الحذف وعلى ذلك نبه بقوله لن يظهرا وأو للتخيير أيضا وإن قطعت شرط فى جواز الوجهين ومفعول قطعت محذوف تقديره إن قطعت النعوت أو بعضها ومضمرا حال من التاء فى قطعت ومبتدأ مفعول بمضمرا والألف فى لن يظهرا ضمير عائد على مبتدأ وناصبا، ثم قال:
وما من المنعوت والنّعت عقل ... يجوز حذفه وفى النّعت يقلّ
يعنى أنه يجوز حذف كل واحد من النعت والمنعوت إذا علم إلا أن ذلك فى النعت قليل، وفهم من قوله وفى النعت يقلّ أن حذف المنعوت يكثر، ومن حذف المنعوت قوله : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ [ص: ٥٢] أى حور قاصرات الطرف، ومن حذف النعت قول الشاعر:
стр. 216
- فلم أعط شيئا ولم أمنع (١٤١)
أى فلم أعط شيئا طائلا. وما مبتدأ موصولة وصلتها عقل ومن المنعوت متعلق بعقل ويجوز حذفه فى موضع خبر ما وفاعل يقل ضمير يعود على الحذف.
التوكيد
التوكيد على قسمين: لفظى، ومعنوى؛ فالمعنوى على قسمين قسم يدل على إثبات الحقيقة ورفع المجاز وقسم يدل على الإحاطة والشمول وقد أشار إلى الأول فقال:
بالنّفس أو بالعين الاسم أكّدا ... مع ضمير طابق المؤكّدا
يعنى أن الاسم يؤكد بلفظ النفس أو العين مضافين إلى ضمير مطابق للمؤكد فى الإفراد والتذكير وفروعهما فتقول قام زيد نفسه وعينه وقامت هند نفسها وعينها هذا فى حالة الإفراد فإن كان المؤكد مثنى أو مجموعا فقد نبه على ذلك بقوله:
واجمعهما بأفعل إن تبعا ... ما ليس واحدا تكن متّبعا
يعنى أن النفس والعين إذا أكد بهما غير الواحد جمعا على أفعل، وشمل قوله ما ليس واحدا المثنى والمجموع مذكرين ومؤنثين فتقول قام الزيدان أنفسهما وقام الزيدون أنفسهم والهندان أنفسهما والهندات أنفسهن. ثم أشار إلى الثانى وهو الدال على الإحاطة والشمول بقوله:
وكلّا اذكر فى الشمول وكلا ... كلتا جميعا بالضّمير موصلا
стр. 217
ذكر فى هذا البيت من ألفاظ التوكيد أربعة كل ولا يؤكد بها إلا ذو أجزاء وكلا ويؤكد بها المثنى المذكر وكلتا ويؤكد بها المثنى المؤنث وجميع وهو مثل كل ولا يؤكد بهذه الألفاظ إلا مضافة إلى ضمير المؤكد وهو المنبه عليه بقوله بالضمير موصلا وأل فى الضمير للعهد ففهم منه أن الضمير يكون مطابقا للمؤكد كما فى النفس والعين فتقول جاء الجيش كله والقبيلة كلها والرجال كلهم والنساء كلهن والزيدان كلاهما والهندان كلتاهما والركب جميعه والجماعة جميعها والزيدون جميعهم والهندات جميعهن، ثم قال:
واستعملوا أيضا ككلّ فاعله ... من عمّ فى التّوكيد مثل النّافله
من ألفاظ التوكيد عامة بمعنى كل تقول جاء الجيش عامته أى كله والقبيلة عامتها والزيدون عامتهم ولما لم يتزن له لفظ عامة لما فيه من الجمع بين ساكنين وذلك لا يتأتى فى الشعر عبر عنها بفاعلة من عم فإذا بنيت من عم فاعلة قلت عاممة فاجتمع مثلان فأدغم الأول فى الثانى وإنما قال مثل النافلة لإغفال كثير من النحويين عن ذكر عامة فى ألفاظ التوكيد فصار كأنه نافلة على ما ذكره النحويون من ألفاظ التوكيد فى هذا الباب، والنافلة الزيادة، ثم ذكر توابع كل فقال:
وبعد كلّ أكدوا بأجمعا ... جمعاء أجمعين ثمّ جمعا
يعنى أن أجمع وما بعده يؤكد به بعد كل، وفهم من ترتيب هذه الألفاظ أن أجمع للمفرد المذكر وجمعاء للمفرد المؤنث وأجمعين للجمع المذكر وجمع للجمع المؤنث فتقول جاء الجيش كله أجمع والقبيلة كلها جمعاء والزيدون كلهم أجمعون والهندات كلهن جمع، وفهم من قوله وبعد كل أمران أحدهما واجب وهو أن أجمع إذا ذكر مع كل لا يكون إلا متأخرا عنها والآخر غالب وهو أنه لا يؤكد به دون كل وقد نبه على أنه يؤكد به دون كل بقوله:
ودون كل قد يجئ أجمع ... جمعاء أجمعون ثمّ جمع
يعنى أن أجمع وما بعده يؤكد به دون كل فتقول جاء الجيش أجمع والقبيلة جمعاء والزيدون أجمعون والهندات جمع وفهم من قوله قد يجئ أن ذلك قليل بالنسبة لذكرها بعد كل وصرح الشارح بقلته وفيه نظر لأنه جاء فى القرآن التوكيد به دون كل كثيرا كقوله تعالى: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢] وجمعاء أجمعون معطوفان على أجمع بحذف العاطف، ثم قال:
стр. 218
وإن يفد توكيد منكور قبل ... وعن نحاة البصرة المنع شمل
فى توكيد النكرة ثلاثة مذاهب: المنع مطلقا وهو مذهب البصريين، والجواز مطلقا وهو مذهب بعض الكوفيين،
والجواز إذا كانت النكرة مؤقتة نحو شهر ويوم وشبههما وهو اختيار المصنف وظاهر النظم لاشتراطه الفائدة ولا تحصل الفائدة إلا فى النكرة المؤقتة نحو صمت شهرا كله، ومنه قوله:
- يا ليتنى كنت صبيا مرضعا ... تحملنى الذلفاء حولا أكتعا (١٤٢)
وقوله أيضا:
- لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدّة شهر كله رجب (١٤٣)
ويؤيده قوله فى التسهيل إن أفاد توكيد النكرة جاز وفاقا للأخفش والكوفيين، والمنقول عن الأخفش والكوفيين أن النكرة لا تؤكد إلا إذا كانت مؤقتة وفهم من كلامه أن المجيز لتوكيد النكرة الكوفيون لذكره البصريين فى المنع وفهم من قوله شمل أن البصريين يمنعون توكيدها مطلقا سواء كانت مؤقتة أو غير مؤقتة، وعن متعلق بشمل. ثم قال:
واغن بكلتا فى مثنى وكلا ... عن وزن فعلاء ووزن أفعلا
يعنى أن العرب استغنت بكلتا فى المثنى المؤنث عن وزن فعلاء وبكلا فى المذكر عن وزن أفعل فتقول قامت المرأتان كلتاهما والرجلان كلاهما ولا يقال قامت المرأتان جمعاوان ولا قام الزيدان أجمعان كما قالوا فى المفرد أجمع وفى الجمع أجمعون، ولا بد من إضافة
стр. 219
كلا وكلتا لضمير المؤكد وقد تقدم فى قوله: وكلا اذكر فى الشمول ... البيت، واغن فعل أمر من غنى بمعنى استغنى وبكلتا وعن وزن متعلقان باغن. ثم قال:
وإن تؤكد الضّمير المتّصل ... بالنّفس والعين فبعد المنفصل
عنيت ذا الرّفع ...
يعنى أن ضمير الرفع المتصل إذا أكد بالنفس أو بالعين لا بد من توكيده بالضمير المنفصل تقول قمت أنت نفسك وزيد قام هو عينه وفهم أن الضمير المؤكد بالنفس والعين إذا كان منفصلا لا يلزم توكيده بالضمير نحو أنت نفسك قائم وفهم أيضا أن التأكيد إذا كان بغير النفس والعين لا يلزم توكيده بالضمير نحو قمتم كلكم أجمعون وفهم من قوله عنيت ذا الرفع أن الضمير المتصل إذا كان منصوبا أو مجرورا لا يؤكد أيضا نحو ضربتك نفسك ومررت بك نفسك ثم صرح بالمفهوم فى التوكيد بغير النفس والعين فقال:
وأكّدوا بما ... سواهما والقيد لن يلتزما
يعنى أن ضمير الرفع المتصل إذا أكد بغير النفس والعين من ألفاظ التوكيد لا يلزم التوكيد بالضمير المنفصل فتقول الزيدون قاموا كلهم، وفهم من قوله لن يلتزما أن توكيده بالضمير جائز فتقول قاموا هم كلهم وقمتم أنتم أجمعون وإن تؤكد شرط والفاء جواب الشرط وبعد خبر مبتدأ مضمر والمنفصل نعت لمحذوف والتقدير فتوكيده بعد الضمير المنفصل.
ولما فرغ من التوكيد المعنوى شرع فى التوكيد اللفظى فقال:
وما من التّوكيد لفظىّ يجى ... مكرّرا كقولك ادرجى ادرجى
التوكيد اللفظى إعادة اللفظ بموافقة، وفهم من قوله له مكررا أنه يكون المساوى لفظا ومعنى نحو ادرج ادرج، وبالمساوى معنى دون لفظ نحو:
١٤٤ - أنت بالحقّ جدير قمن
لأن جديرا وقمنا متفقان معنى وفهم منه أيضا أنه يكون فى الاسم والفعل والحرف والجملة وسيذكر ذلك. وما مبتدأ وهى موصولة ولفظى خبر مبتدأ محذوف تقديره وما هو من التوكيد لفظى وهو العائد على الموصول والمبتدأ مع خبره صلة ما وإنما جاز حذف
стр. 220
الضمير وهو صدر الصلة بالمجرور وهو متعلق بالاستقرار على أنه حال من الضمير المستتر فى الخبر ويجى خبر مبتدأ ومكررا حال من الضمير المستتر فى يجى ثم قال:
ولا تعد لفظ ضمير متّصل ... إلّا مع اللّفظ الّذى به وصل
يعنى أنه إذا أكد الضمير المتصل وجب أن يؤتى معه باللفظ الذى اتصل به فشمل المتصل بالفعل المرفوع نحو قمت قمت والمنصوب نحو ضربك ضربك والمجرور المتصل بالاسم نحو غلامك غلامك والمتصل بالحرف نحو بك بك، وفهم منه أن الضمير المنفصل لا يشترط فيه شئ نحو أنت أنت قائم وهو هو قاعد وإياك إياك ضربت. ثم قال:
كذا الحروف غير ما تحصّلا ... به جواب
يعنى أن التوكيد اللفظى فى الحروف لا بد فيه من تكرار ما اتصل به فتقول فى توكيد «فى» من قولك فى الدار زيد فى الدار فى الدار زيد وإن من إن زيدا قائم إن زيدا إن زيدا قائم ولا يجوز توكيده بغير ما اتصل به إلا فى الضرورة كقوله:
- ولا للما بهم أبدا دواء (١٤٥)
فلو كان الحرف جوابيا لم يشترط فيه ذلك وإلى ذلك أشار بقوله: (غير ما تحصلا به جواب) ومثله بقوله: (كنعم وكبلى) فتقول: نعم نعم وبلى وبلى أنه لم يتصل به شئ يتكرر معه. والحروف مبتدأ وخبره كذا وغير منصوب على الاستثناء والتقدير الحروف كالضمائر فى وجوب إعادة ما اتصل بها إلا المتحصل به الجواب. ثم قال:
ومضمر الرّفع الّذى قد انفصل ... أكّد به كلّ ضمير اتّصل
стр. 221
يعنى أن ضمير الرفع المنفصل يجوز أن يؤكد به كل ضمير متصل فشمل المرفوع نحو قمت أنت وقمت أنا والمنصوب نحو ضربتك أنت والمجرور نحو مررت بك أنت وهذا النحو من قبيل التوكيد اللفظى المرادف.
عطف البيان
إنما سمى عطف البيان لأنه يبين متبوعه كالنعت. قوله:
العطف إمّا ذو بيان أو نسق
قسم العطف إلى ذى بيان وذى نسق فالعطف مبتدأ وذو بيان خبره ونسق معطوف عليه وهو على حذف مضاف أى أو ذو نسق. ثم بين أن مراده فى هذا الباب عطف البيان بقوله:
والغرض الآن بيان ما سبق
أى الغرض فى هذا الباب عطف البيان ثم عرّفه فقال:
فذو البيان تابع شبه الصّفه ... حقيقة القصد به منكشفه
فتابع جنس يشمل جميع التوابع وشبه الصفة مخرج للتوكيد والبدل وعطف النسق وحقيقة القصد به منكشفة مخرج للنعت فإن النعت يوضح متبوعه بوسمه أو وسم ما به اعتلق كما تقدم وعطف البيان يوضحه بنفسه فلذلك قال: (حقيقة القصد به منكشفة)، وقال فى النعت بوسمه إلى آخره. وذو البيان مبتدأ وتابع خبره وشبه الصفة نعت لتابع لا خبر بعد خبر لأنه قيد فى التابع وحقيقة القصد إلخ جملة اسمية فى موضع الصفة لتابع، ثم قال:
فأولينه من وفاق الأوّل ... ما من وفاق الأوّل النّعت ولى
يعنى أن عطف البيان يوافق متبوعه فى أربعة من عشرة كالنعت، واحد من الرفع والنصب والجر وواحد من التعريف والتنكير وواحد من التذكير والتأنيث وواحد من الإفراد والتثنية والجمع. ولما كان فى ورود عطف البيان نكرة تابعة لنكرة خلاف نبه عليه بقوله:
فقد يكونان منكّرين ... كما يكونان معرّفين
стр. 222
مذهب الكوفيين وبعض البصريين جواز تنكير عطف البيان مع متبوعه وهو اختيار الناظم ولذلك قال: فقد يكونان منكرين، وفهم من قوله قد أن ذلك قليل بالنسبة إلى تعريفهما، ومما استشهد به على ذلك قوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً [النبأ: ٣١ - ٣٢] وما فى قوله ما من وفاق مفعول ثان لأولينه وهى موصولة والنعت مبتدأ خبره ولى والجملة صلة ما ومن وفاق متعلق بولى والضمير العائد من الصلة إلى الموصول محذوف تقديره وليه والضمير المستتر فى ولى عائد على النعت ومن وفاق الأول متعلق بأولينه والتقدير فأولينه من وفاق الأول الذى النعت وليه من وفاق الأول، ثم قال:
(وصالحا لبدليّة يرى) يعنى أن عطف البيان يصلح أن يجعل بدلا وذلك مطرد إلا فى موضعين نبه على الأول
منهما بقوله: (فى غير نحو يا غلام يعمرا) يعنى أن هذا المثال وأشباهه يتعين أن يكون التابع فيها عطف بيان فيا غلام منادى مبنى على الضم ويعمرا عطف بيان ولا يجوز أن يكون بدلا لأن البدل على نية تكرار العامل فيلزم ضمه إذا جعل بدلا، ونبه على الثانى بقوله: (ونحو بشر تابع البكرىّ) يشير بذلك إلى قول الشاعر:
- أنا ابن التارك البكرىّ بشر ... عليه الطير ترقبه وقوعا (١٤٦)
فبشر عطف بيان ولا يجوز أن يكون بدلا لأن البدل على نية تكرار العامل والعامل التارك وهو مضاف إلى البكرى فلو كرر العامل مع بشر لما كان بشر نعتا للبكرى ولأدّى إلى إضافة ما فيه أل إلى المجرد منها وهو ممتنع وعلى ذلك نبه بقوله: (وليس أن يبدل بالمرضىّ) وصالحا مفعول ثان ليرى وفى يرى ضمير مستتر يعود على عطف البيان وهو المفعول الأول ولبدلية متعلق بصالح وفى غير متعلق بيرى ونحو بشر معطوف على نحو الأول وتابع منصوب على الحال من بشر ويجوز جره نعتا لبشر ويقصد حينئذ بالإضافة المحضة وهو أظهر وأن يبدل اسم ليس والباء زائدة فى خبرها.
стр. 223
عطف النسق
النسق فى اللغة النظم قال الزبيدى والنسق العطف على الأول. قوله:
تال بحرف متبع عطف النّسق
فتال جنس وقوله بحرف متبع مخرج لما عدا عطف النسق من التوابع. ثم مثل بقوله:
(كاخصص بودّ وثناء من صدق) فتال خبر مقدم وعطف النسق مبتدأ وبحرف متعلق بتال ومتبع نعت لحرف ومن صدق مفعول باخصص. ثم شرع فى حروف العطف فقال: (فالعطف مطلقا بواو ثمّ فا * حتى أم او) ذكر فى
هذا البيت من حروف العطف ستة وهى كلها تشرك ما بعدها مع ما قبلها فى اللفظ والمعنى وذلك مستفاد من قوله مطلقا، أما الواو وثم والفاء وحتى فلا إشكال فى تشريكها فى اللفظ والمعنى، وأما أم وأو فذكرهما أكثر النحويين فيما يشرك فى اللفظ لا فى المعنى وجعلهما الناظم مما يشرك فيهما باعتبار أن ما قبلهما وما بعدهما مستو فى المعنى الذى سيقتا له من شك وغيره. فالعطف مبتدأ وخبره بواو وما بعده ومطلقا حال من العطف وثم وما بعدها معطوف على واو بإسقاط العاطف والتقدير بواو وثم وفاء وحتى وأو وأم. ثم مثل بقوله:
(كفيك صدق ووفا) ثم قال: (وأتبعت لفظا فحسب بل ولا * لكن) ذكر فى هذا البيت ثلاثة أحرف كلها تشرك ما بعدها مع ما قبلها لفظا لا معنى فتقول قام زيد بل عمرو فالقائم عمرو لا زيد وقام زيد لا عمرو فالقائم زيد دون عمرو وما قام زيد لكن عمرو وقد مثل منها بلكن فقال: (كلم يبد امرؤ لكن طلا) والطلا: الولد من ذوات الظلف. والحاصل من البيتين أن حروف العطف تسعة، وهى على قسمين: قسم يشرك فى اللفظ والمعنى وهى ستة، وقسم يشرك فى اللفظ لا فى المعنى وهى ثلاثة. وبل فاعل بأتبعت ولفظا منصوب على إسقاط الخافض وحسب اسم فعل بمعنى قط، ولا ولكن معطوفان على بل، ثم شرع فى معانى حروف العطف وبدأ بالواو فقال:
فاعطف بواو لاحقا أو سابقا ... فى الحكم أو مصاحبا موافقا
стр. 224
يعنى أن الواو للجمع المطلق فلا تدل على ترتيب بل يعطف بها لاحق نحو قام زيد وعمرو بعده وسابق نحو جاء زيد وعمرو قبله ومصاحب نحو جاء زيد وعمرو معه فلو قلت جاء زيد وعمرو لاحتمل المعانى الثلاثة المذكورة. ولا حقا مفعول باعطف وأو سابقا وأو مصاحبا معطوفان عليه وفى الحكم متعلق بسابق وهو مطلوب للاحق ومصاحب فهو من باب التنازع، ثم قال:
واخصص بها عطف الذى لا يغنى ... متبوعه كاصطفّ هذا وابنى
يعنى أن الواو تنفرد من سائر حروف العطف بأن يعطف بها على ما لا يستغنى به عن متبوعه نحو تفاعل وافتعل تقول تخاصم زيد وعمرو واختصم زيد وعمرو واصطف هذا وابنى ولا يجوز العطف فى هذه المثل وشبهها بغير الواو، وأصل اصطف اصتفف فأبدل من التاء طاء وأدغم الفاء فى الفاء يقال صففت القوم فاصطفوا إذا وقفتهم فى الحرب صفّا. ثم انتقل إلى الفاء وثم فقال:
والفاء للتّرتيب باتّصال ... وثم للتّرتيب بانفصال
يعنى أن الفاء العاطفة تفيد الترتيب والتعقيب وهو المعبر عنه هنا بالاتصال فالمعطوف بها ثان عن المعطوف
عليه من غير مهلة وأن ثم تفيد الترتيب والمهلة وهى المعبر عنها بالانفصال فإذا قلت قام زيد فعمرو، فعمرو قام بعد زيد من غير تراخ ولا مهلة وإذا قلت قام زيد ثم عمرو فعمرو قام بعد زيد وبينهما مهلة. والفاء مبتدأ وخبره للترتيب وبانفصال متعلق بالترتيب، ثم قال:
واخصص بفاء عطف ما ليس صله ... على الّذى استقرّ أنّه الصّله
يعنى أن الفاء تختص بأن يعطف بها ما لا يصلح أن يقع صلة لعدم الضمير الرابط على ما هو صلة نحو الذى يطير فيغضب زيد الذباب فيطير صلة للذى ويغضب زيد معطوف على الصلة بالفاء وليس فى المعطوف ضمير يعود على الموصول، وفهم من ذلك أن المعطوف بالفاء فى هذا الفصل جملة فعلية لكونه معطوفا على الصلة ولا تكون الصلة إلا جملة. ثم انتقل إلى حتى فقال:
стр. 225
بعضا بحتى اعطف على كلّ ولا ... يكون إلّا غاية الّذى تلا
يعنى أن حتى لا يكون المعطوف بها إلا بعض المعطوف عليه نحو ضربت القوم حتى زيدا لأن زيد بعض القوم ولا يكون إلا غاية له إما فى زيادة نحو مات الناس حتى الأنبياء، أو فى نقص نحو عليك الناس حتى النساء. وشمل قوله بعضا ما بعضه مصرح به كالمثال المذكور وما بعضيته مؤولة كقوله:
- ألقى الصحيفة كى يخفّف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها (١٤٧)
تقديره ألقى ما يثقله حتى نعله. وبعضا مفعول مقدم باعطف وبحتى متعلق باعطف وكذلك على كل واسم يكون ضمير مستتر عائد على لفظ بعض، ويحتمل أن يكون عائدا على المعطوف المفهوم من قوله اعطف. ثم اعلم أن أم على قسمين: متصلة، ومنقطعة، وقد أشار إلى الأول فقال: (وأم بها اعطف إثر همز التّسويه) يعنى أنّ أم من حروف العطف ويعطف بها إثر همزة التسوية كقولك سواء على أقمت أم قعدت ومنه قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦] أو إثر همزة يطلب بها ما يطلب بأى نحو أزيد عندك أم عمرو، والتقدير أيهما عندك، وهذا معنى قوله: (أو همزة عن لفظ أى مغنيه) وإنما سميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بواحد منهما عن الآخر وقد تحذف الهمزة قبلها للعلم بها، وإلى ذلك أشار بقوله:
وربّما أسقطت الهمزة إن ... كان خفا المعنى بحذفها أمن
فشمل قوله الهمزة التى للتسوية كقراءة ابن محيصن سواء عليهم أنذرتهم بهمزة واحدة والهمزة التى تقدر مع أم بأى كقول الشاعر:
стр. 226
- فأصبحت فيهم آنسا لا كمعشر ... أتونى فقالوا من ربيعة أم مضر (١٤٨)
وفهم من قوله وربما أن ذلك قليل وظاهر كلامه فى شرح الشافية أنه مطرد. وإن كان شرط وخفا المعنى اسم كان وهو ممدود فقصره ضرورة وبحذفها متعلق بخفا وأمن فعل ماض فى موضع خبر كان والمراد بالمعنى معنى الهمز وفى بعض النسخ كان خفا الهمز والمعنى واحد. ثم أشار إلى القسم الثانى من قسمى أم، وهى المنقطعة فقال:
وبانقطاع وبمعنى بل وفت ... إن تك ممّا قيّدت به خلت
أم المنقطعة هى الخالية مما قيدت به أم المتصلة من كونها بعد همز التسوية أو مع همزة تقدر مع أم بأى وسميت منقطعة لوقوعها بين جملتين مستقلتين فما بعدها منقطع عما قبلها.
واختلف فى معناها فقيل الإضراب والاستفهام معا وقيل الإضراب فقط وهو ظاهر كلام الناظم ويمكن أن يكون استغنى بذكر الإضراب للزومها إياه على القولين. وبانقطاع متعلق بوفت وكذلك وبمعنى بل وخلت خبر تكن ومما متعلق بخلت وبه متعلق بقيدت والضمائر المستترة فى يكن وقيدت وخلت عائدة على أم المتقدمة. فإن قلت كيف يصح إعادتها عليها والمنقطعة غير المتصلة. قلت هى عائدة على لفظها دون معناها كقولهم: عندى درهم ونصفه. ثم انتقل إلى أو فقال:
خيّر أبح قسّم بأو وأبهم ... واشكك وإضراب بها أيضا نمى
ذكر لأو فى هذا البيت ستة معان: الأول التخيير نحو خذ من مالى دينارا أو ثوبا. الثانى الإباحة نحو جالس الحسن أو ابن سيرين والفرق بينهما جواز الجمع بين الأمرين فى الإباحة ومنعه فى التخيير. الثالث التقسيم نحو الكلمة
اسم أو فعل أو حرف. الرابع الإبهام كقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً [سبأ: ٢٤] الخامس الشك نحو قام زيد أو عمرو والفرق بينه وبين الإبهام أن الإبهام يكون المتكلم عالما ويبهم على المخاطب والشك أن يكون المتكلم غير عالم. السادس الإضراب كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧] وفى قوله: وإضراب بها أيضا نمى إشارة إلى أن الإضراب غير متفق عليه
стр. 227
ولذلك فصله عما قبله. وبأو متعلق بقسّم لقربه منه وهو مطلوب فى المعنى لقوله خير واشكك وما بينهما وإضراب مبتدأ ونمى خبره وبها متعلق بنمى أى نسب والمسوغ للابتداء بإضراب التفصيل ويحتمل أن يكون بها متعلقا بإضراب فيكون المسوغ للابتداء به عمله فى المجرور وهو أظهر. وبقى من معانى أو أن تكون بمعنى الواو وإليه أشار بقوله: (وربما عاقبت الواو) يعنى أن أو تعاقب الواو أن تكون بمعناها وذلك إذا أمن اللبس وهو المنبه عليه بقوله: (إذا * لم يلف ذو النطق للبس منفذا) أى إذا كان المتكلم بها لا يجد فى استعمالها بمعنى الواو منفذا للبس أى طريقا، ومنه:
- جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر (١٤٩)
أى جاء الخلافة وكانت له قدرا، وفهم من قوله وربما عاقبت أن ذلك قليل. وإذا متعلق بعاقبت وفاعل عاقبت ضمير عائد على أو، ثم قال:
ومثل أو فى القصد إمّا الثّانيه ... فى نحو إمّا ذى وإمّا النّائيه
مذهب أكثر النحويين أن إما المسبوقة بمثلها عاطفة، وذهب بعضهم إلى أنها غير عاطفة وإليه ذهب الناظم ولذلك قال فى القصد ولم يجعلها مثل أو مطلقا، وفهم من قوله مثل أو أنها تكون لجميع المعانى المذكورة لأو، وليس كذلك لأن إما لا تكون للإضراب ولا بمعنى الواو، والعذر له فى ذلك أن كونها للإضراب أو بمعنى الواو قليل فلم يعتبره، فمثالها للتخيير إما ثوبا وإما دينارا ومثالها للإباحة جالس إما الحسن وإما ابن سيرين، ومثالها للتقسيم الكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف ومثالها للإبهام قام إما زيد وإما عمرو وكذلك الشك والفرق بينهما كما تقدم فى أو وفهم من قوله إما الثانية فائدتان الأولى أن التى بمعنى أو إنما هى الثانية دون الأولى والأخرى أنها لا
بد أن تكون مسبوقة بإما أخرى وفهم من المثال أنها لا بد أن تكون معها الواو. ومثل أو مبتدأ وفى القصد متعلق بمثل وإما خبر المبتدأ والثانية نعت لإما وفى نحو متعلق بفعل محذوف تقديره أعنى وذى مفعول بفعل محذوف والتقدير خذ إما ذى أو مبتدأ محذوف الخبر والتقدير لك إما ذى وهو على حذف القول والتقدير فى نحو قولك.
стр. 228
ثم انتقل إلى لكن فقال: (وأول لكن نفيا أو نهيا) يعنى أن لكن العاطفة تأتى تابعة للنفى نحو ما قام زيد لكن عمرو وللنهى نحو لا تضرب زيدا لكن عمرا وفهم منه أنها لا تجئ فى الإيجاب ولكن مفعول أول بأول ونفيا مفعول ثان. ثم انتقل إلى لا فقال: (ولا * نداء أو أمرا أو اثباتا تلا) يعنى أن لا العاطفة تجئ تابعة للمنادى نحو يا زيد لا عمرو، وللأمر نحو اضرب زيدا لا عمرا وللإثبات نحو قام زيد لا عمرو. ولا مبتدأ وخبره تلا ونداء وما عطف عليه مفعول بتلا وفى تلا ضمير مستتر يعود على لا والتقدير: لا تلا نداء أو أمرا أو إثباتا وظاهر كلام المرادى فى شرحه لهذا الموضع أن لا معطوف على لكن وأنه معمول لأول وهو وهم منه. ثم انتقل إلى بل فقال: (وبل كلكن بعد مصحوبيها) يعنى أن بل إذا وقعت بعد مصحوبى لكن وهما النفى والنهى كانت بمنزلة لكن فى تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها نحو ما قام زيد بل عمرو فيكون القيام منفيا عن زيد مثبتا لعمرو وكذلك لا تضرب زيدا بل عمرا فزيد منهى عن ضربه وهو مثبت لعمرو فبل فى ذلك كلكن فى المعنى ثم مثل ذلك بقوله (كلم أكن فى مربع بل تيها) المربع موضع الربيع والتيها القفر وبل مبتدأ وخبره كلكن وبعد متعلق بالاستقرار فى موضع نصب على الحال وها فى مصحوبيها عائد على لكن ثم إن بل تقع بعد مصحوبى لكن كما تقدم وبعد الخبر الموجب وبعد الأمر وإلى ذلك أشار بقوله:
وانقل بها للثّان حكم الأوّل ... فى الخبر المثبت والأمر الجّلى
يعنى أن بل إذا وقعت بعد الخبر المثبت أو بعد الأمر فانقل بها حكم ما قبلها لما بعدها مثال الخبر قام زيد بل عمرو فالحكم هو القيام المسند إلى زيد فقد أزلته عنه ونقلته لما بعد بل وهو عمرو ومثال الأمر اضرب زيدا بل عمرا فالأمر المتوجه على ضرب زيد نقلته عنه لما بعد بل. وحاصل بل: أنها يعطف بها فى أربعة مواضع: فى النفى
والنهى والخبر المثبت والأمر وقوله الجلى تتميم لصحة الاستغناء عنه. ولما فرغ من ذكر حروف العطف ومعانيها ومواضعها شرع فى بيان أحكام تتعلق بالباب فقال:
وإن على ضمير رفع متّصل ... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل
يعنى أنك إذا عطفت على ضمير الرفع المتصل فصلت بين المعطوف عليه وحرف العطف بضمير منفصل وفهم منه أنك إذا عطفت على الضمير المتصل المنصوب لم يلزم الفصل نحو رأيتك وزيدا وفهم منه أيضا أن ضمير الرفع إذا كان منفصلا لم يفصل بينهما نحو أنت وزيد
стр. 229
قائمان وشمل ضمير الرفع المتصل ما اتصل بالفعل وكان بارزا نحو قمت أنت وزيد، ومستترا نحو قم أنت وزيد وما اتصل بالوصف ولا يكون إلا مستترا نحو زيد قائم هو وعمرو. وقد يجوز الفصل بغير الضمير المنفصل وعلى ذلك نبه بقوله: (أو فاصل مّا) ومن الفصل بغير الضمير المنفصل جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ [الرعد: ٢٣] فالفصل هنا بضمير المفعول وإن شرط وعطفت فعل الشرط وعلى ضمير متعلق به وأو فاصل معطوف على الضمير المنفصل وما زائدة أو صفة. ثم نبه على أنه قد ورد العطف على ضمير الرفع المتصل من غير فصل بقوله:
وبلا فصل يرد ... فى النّظم فاشيا
فمن ذلك قول الشاعر:
- قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الفلا تعسّفن رملا (١٥٠)
فعطف قوله وزهر على الضمير المستتر فى أقبلت من غير فصل ولا توكيد وقول الشاعر:
- ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا (١٥١)
فأب معطوف على الضمير المستتر فى يكن وليس بينهما توكيد ولا فصل وفهم من قوله فاشيا أنه كثير فى الشعر، وفيه إشعار بأنه غير فاش فى النثر ومنه قولهم مررت برجل سواء والعدم فالعدم معطوف على الضمير المستتر فى سواء وليس فيه فصل. ثم نبه على أنه مع فشوّه ضعيف بقوله: (وضعفه اعتقد) ووجه ضعفه أن ضمير الرفع المتصل شديد الاتصال برافعه فصار كأنه حرف من حروف عامله فإذا لم يفصل بينهما فكأنه عطف اسم على فعل وفى يرد ضمير مستتر عائد على العطف وفى النظم متعلق بيرد وكذلك بلا فصل وفاشيا منصوب على الحال من الضمير فى يرد. ثم قال:
стр. 230
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا
يعنى أنه إذا عطف اسم على الضمير المخفوض لزم إعادة الخافض وشمل المخفوض بالحرف نحو مررت بك وبزيد والمخفوض بالاسم نحو جلست بينك وبين زيد فإعادة الخافض فى نحو ذلك لازمة عند جمهور البصريين إلا فى الضرورة وذهب الكوفيون وبعض البصريين إلى أنه لا يلزم وهو اختيار الناظم ولذلك قال: (وليس عندى لازما) يعنى أن إعادة الخافض فى ذلك لا تلزم عندى ثم استدل على صحة اختياره بقوله: (إذ قد أتى * فى النظم والنثر الصحيح مثبتا) وقد استدل على ذلك فى مصنفاته بشواهد كثيرة منها قوله:
- فاذهب فما بك والأيام من عجب (١٥٢)
والمراد بالنثر الصحيح القرآن كقراءة حمزة رضى الله تعالى عنه: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: ١] بخفض الأرحام عطفا على الضمير فى به. ثم قال:
(والفاء قد تحذف مع ما عطفت) يعنى أن الفاء العاطفة قد تحذف هى ومعطوفها كقوله : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء: ٦٣] أى فضرب فانفلق ثم قال: (والواو) أى والواو قد تحذف أيضا مع ما عطفت ومنه قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل:
٨١] أى والبرد وذلك فى الفاء والواو مشروط بأمن اللبس، وإلى ذلك أشار بقوله: (إذ لا لبس) أى إن لم يكن لبس فى حذف الفاء والواو مع معطوفيهما وفهم من قوله قد تحذف أن ذلك قليل والفاء مبتدأ وخبره قد تحذف والواو
مبتدأ وخبره محذوف أى والواو كذلك ويجوز أن يكون الواو معطوفا على الفاء. ثم قال:
وهى انفردت ... بعطف عامل مزال قد بقى
معموله دفعا لوهم اتّقى
стр. 231
يعنى أن الواو انفردت من سائر حروف العطف بأنها يعطف بها عامل مزال أى محذوف بقى معموله وذلك كقوله:
- علفتها تبنا وماء باردا ... حتى غدت همّالة عيناها (١٥٣)
فتبنا مفعول ثان بعلفتها والواو التى بعدها عاطفة لعامل محذوف تقديره وسقيتها وهو عامل فيما باشرته الواو فى اللفظ وهو ماء فالعامل المزال هو سقيتها والمعمول الباقى هو ماء وقوله دفعا لوهم اتقى يعنى أن حمل مثل هذا على حذف العامل إنما هو لدفع ما يتقى من كون الماء معطوفا على تبن إذ لا يصلح لعدم اشتراكه معه فى العامل ومن كونه مفعولا معه لأن المعية متعذرة فيه. ثم قال:
(وحذف متبوع بدا هنا استبح)
يعنى أن حذف المتبوع وهو المعطوف عليه جائز إذا ظهر معناه وذلك كقولك لمن قال: ألم تضرب زيدا بل وعمرا أى بل ضربته وعمرا ومفهومه أن ذلك سائغ فى جميع حروف العطف وليس كذلك بل إنما ورد فى الفاء والواو وأو وهو فى أو قليل. ثم قال: (وعطفك الفعل على الفعل يصحّ) يعنى أن الأفعال يجوز عطف بعضها على بعض كما يكون ذلك فى الأسماء نحو زيد قام وقعد ويقوم ويقعد وعطفك مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى الفاعل والفعل مفعول بالمصدر وعلى متعلق به ويصح فى موضع خبر المبتدأ. ثم قال:
(واعطف على اسم شبه فعل فعلا *)
يعنى أنه يجوز أن يعطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل كقوله : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الحديد: ١٨] فأقرضوا معطوف على المصدقين لشبهه بالفعل لكونه اسم فاعل والتقدير إن الذين تصدقوا وأقرضوا وكذلك قوله : أَوَلَمْ
стр. 232
يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [الملك: ١٩] أى قابضات. ثم قال: (وعكسا استعمل تجده سهلا) العكس هو أن تعطف الاسم المشابه الفعل على الفعل كقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [الأنعام: ٩٥] فمخرج شبيه بالفعل لكونه اسم فاعل.
البدل
التّابع المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمّى بدلا
التابع جنس يشمل التوابع كلها، والمقصود بالحكم مخرج للنعت وعطف البيان والتوكيد فإنها مكملات للمقصود بالحكم وقوله بلا واسطة قال الشارح أخرج به المعطوف ببل فحمل المقصود بالحكم على المستقل بالقصد فإن المعطوف بغير بل غير مستقل بالقصد وحمله المرادى على أنه المقصود بالحكم مطلقا فأخرج به المعطوف عطف النسق ببل وغيرها وهو أظهر والتابع مبتدأ والمقصود بالحكم نعت له وبلا متعلق بالمقصود وهو مبتدأ والمسمى خبره والجملة خبر التابع وبدلا مفعول ثان بالمسمى. ثم شرع فى ذكر أقسامه فقال:
مطابقا أو بعضا أو ما يشتمل ... عليه يلفى أو كمعطوف ببل
ذكر له أربعة أقسام الأول المطابق وهو بدل الشئ من الشئ ويسمى أيضا بدل كل من كل نحو قام زيد أخوك
الثانى بدل البعض من الكل نحو أكلت الرغيف ثلثه الثالث بدل الاشتمال وهو ما صح الاستغناء عنه بالأول وليس مطابقا ولا بعضا وأكثر ما يكون بالمصدر نحو أعجبتنى الجارية حسنها وقد يكون بالاسم نحو سرق زيد ثوبه الرابع بدل الإضراب وهو نوعان وسيأتى. ومطابقا وما عطف عليه مفعول ثان ليلفى وفى يلفى ضمير مرفوع مستتر وهو المفعول الأول ليلفى وهو عائد على البدل، ثم قسم الرابع إلى قسمين وإليها أشار بقوله:
وذا للإضراب اعز إن قصدا صحب ... ودون قصد غلط به سلب
يعنى أن القسم الرابع على قسمين أحدهما يسمى بدل الإضراب وهو ما يذكر متبوعه بقصد كقولك أكلت خبزا لحما ومعناه أن قولك أكلت خبزا قصدت به الإخبار بأكل الخبز وهو حقيقة ثم أضربت عن ذلك فى اللفظ وأخبرت أنك أكلت لحما دون أن تسلب الحكم عن الأول والثانى يسمى بدل الغلط وهو ما لا يقصد متبوعه بل يجرى لسان المتكلم عليه
стр. 233
دون قصد كقولك رأيت زيدا حمارا أردت أن تقول رأيت حمارا فغلطت فقلت رأيت زيدا ثم سلبت الغلط عن زيد بذكر حمار وهذا معنى قوله غلط به سلب أى سلب الغلط عن الأول بالثانى وذا مفعول مقدم باعز ومعنى اعز انسب وللإضراب متعلق باعز وقصدا منصوب بصحب وفاعل صحب هو البدل المشار إليه بذا وقصدا بمعنى مقصودا وهو واقع على الأول ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أى إن صحب البدل ذا قصد وقوله دون قصد فى موضع نصب على الحال والعامل فيه محذوف لدلالة الأول عليه أى وإن صحب البدل المتبوع حالة كونه دون قصد وغلط خبر مبتدأ مضمر على حذف مضاف أى هو بدل غلط وبه سلب صفة ومفعول سلب ضمير عائد على الحكم المفهوم من الكلام وتقدير كلامه وإن صحب البدل المتبوع دون قصد فهو بدل غلط سلب به الحكم عن الأول وهو المتبوع. ثم مثل للأقسام الأربعة فقال:
كزره خالدا وقبّله اليدا ... واعرفه حقّه وخذ نبلا مدى
فزره خالدا مثال البدل المطابق لأن خالدا والضمير المتصل بزره كشئ واحد وقبله اليدا مثال لبدل البعض من الكل واعرفه حقه لبدل الاشتمال، وفى هذه المثل تنبيه على جواز بدل الظاهر من المضمر وسيأتى وخذ نبلا مدى مثال للبدل المباين وقد تقدم أنه على قسمين والمثال محتمل لهما لأنه يجوز أن يكون قصد الأول فيكون كقولك أكلت خبزا لحما وأن لا يقصده فيكون كقولك رأيت زيدا حمارا والمدى جمع المدية وهو السكين. ثم قال:
ومن ضمير الحاضر الظّاهر لا ... تبدله إلّا ما إحاطة جلا
أو اقتضى بعضا أو اشتمالا
يعنى أن ضمير الحاضر لا يبدل منه الظاهر مطلقا بل إن كان بدل بعض جاز مطلقا وكذلك بدل الاشتمال. ومثال بدل البعض قول الشاعر:
- أو عدنى بالسجن والأداهم ... رجلى فرجلى شثنة المناسم (١٥٤)
стр. 234
ومثال بدل الاشتمال قوله:
- وما ألفيتنى حلمى مضاعا * (١٥٥)
وإن كان مطابقا فيشترط فيه أن يدل على إحاطة نحو جئتم كبيركم وصغيركم. وشمل ضمير الحاضر المتكلم والمخاطب وفهم منه أن ضمير الغائب يجوز البدل منه مطلقا وقد تقدم فى المثل ومن ضمير متعلق بتبدله والظاهر مفعول بفعل مقدر يفسره تبدله ولا استثناء وما منصوب على الاستثناء وهى موصولة وصلتها جلا وإحاطة مفعول بجلا وأو اقتضى معطوف على جلا ثم مثل بدل الاشتمال فقال: (كأنّك ابتهاجك استمالا) فابتهاجك بدل من الضمير فى أنك واستمالا خبر أنّ، ثم قال: (وبدل المضمّن الهمز يلى * همزا) يعنى أن المبدل منه إذا كان اسم استفهام لا بد أن يكون البدل مقترنا بهمزة الاستفهام وقد مثل ذلك بقوله: (كمن ذا أسعيد أم على) وبدل مبتدأ والهمز مفعول ثان بالمضمن ويلى فى موضع خبر المبتدأ وهمزا مفعول بيلى ومن اسم استفهام وهو مبتدأ وذا خبره وأسعيد أم على بدل من «من». ثم قال:
ويبدل الفعل من الفعل كمن ... يصل إلينا يستعن بنا يعن
يعنى أنه يجوز أن يبدل الفعل من الفعل وظاهره أن ذلك جائز فى جميع أقسام البدل والمسموع من ذلك بدل الكل كقوله:
- متى تأتنا تلمم بنا فى ديارنا (١٥٦)
стр. 235
فتأتنا وتلمم متفقان فى المعنى وبدل الاشتمال كقوله تعالى: يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] ومنه قوله فى المثال: من يصل إلينا يستعن. فيستعن بدل من يصل بدل اشتمال، وأما بدل الغلط فأجازه قوم ونقل جوازه عن سيبويه والقياس يقتضيه ومثاله قام قعد زيد أردت أن تقول قعد فغلطت فقلت قام ثم أبدلت قعد منه وأما بدل البعض فلم يسمع.
النداء
النداء فى اللغة الصوت ويضم أوله ويكسر، وهو فى الاصطلاح الدعاء بحروف مخصوصة. والمنادى ثلاثة أقسام: بعيد وقريب ومندوب، وقد أشار إلى الأول فقال:
وللمنادى الناء أو كالنّاء يا ... وأى وآ كذا أيا ثمّ هيا
فذكر أن المنادى البعيد له خمسة أحرف والمراد بالنائى البعيد المسافة وبأو كالناء البعيد حكما كالساهى، ثم أشار إلى المنادى القريب بقوله: (والهمز للدّانى) والدانى هو القريب وذكر له حرفا واحدا وهو الهمزة نحو أزيد أقبل، ثم أشار إلى المندوب فقال: (ووا لمن ندب * أو يا) فذكر للمندوب حرفين «وا» و «يا» نحو: «وازيداه» و «يا زيداه» فعلم أن «يا» ينادى بها المندوب وغيره وأن «وا» لا ينادى بها إلا المندوب. ثم قال:
(وغير «وا» لدى اللّبس اجتنب) غير وا هو يا يعنى أن يا إذا لم تكن قرينة تبين الندبة اجتنب وتعينت وا لأنها لا لبس فيها. ثم إن المنادى على ثلاثة أقسام قسم يمتنع معه حذف حرف النداء وقسم يقل وقسم يجوز وقد أشار إلى الأول والثالث بقوله:
وغير مندوب ومضمر وما ... جا مستغاثا قد يعرّى فاعلما
فيمتنع حذف حرف النداء مع هذه الثلاثة التى ذكرت أما المندوب والمستغاث فإن المقصود فيهما مدّ الصوت والحذف ينافى ذلك وأما المضمر فيمتنع معه الحذف لأنه يفوت معه الدلالة على النداء إذ هو دال بالوضع على الخطاب وغير هذه الثلاثة سائر المناديات ودخل فيها ما يقل فيه الحذف وذلك النكرة واسم الإشارة فأخرجه بقوله:
وذاك فى اسم الجنس والمشار له ... قلّ ومن يمنعه فانصر عاذله
стр. 236
الإشارة إلى حذف حرف النداء وفهم من البيت أن فى حذف حرف النداء مع اسم الجنس واسم الإشارة خلافا لقوله ومن يمنعه والمنع مذهب البصريين والجواز مذهب الكوفيين وهو اختيار الناظم ولذلك قال: (ومن يمنعه فانصر عاذله). فعاذل المانع يجيز وعاذله اسم فاعل من عذل إذا لام وذاله معجمة ومن حذف حرف النداء مع اسم الجنس قوله: ثوبى حجر، أى يا حجر، ومن حذفه مع اسم الإشارة قوله:
- بمثلك هذا لوعة وغرام (١٥٧)
أراد يا هذا وفهم منه أن الحذف جائز مع غير الخمسة المذكورة وذلك العلم نحو يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا [يوسف: ٢٩] والمضاف نحو رَبِّ اغْفِرْ لِي [الأعراف: ١٥١] والموصول نحو من لا يزال محسنا أحسن إلى والمطول نحو طالعا جبلا أقبل وأىّ نحو «أيها المؤمنون». وذاك مبتدأ وخبره قلّ، وفى اسم متعلق بقلّ ومن يمنعه شرط والجواب فانصر عاذله، ثم إن المنادى على قسمين مبنى على الضم ومنصوب، وقد أشار إلى الأول بقوله:
وابن المعرّف المنادى المفردا ... على الّذى فى رفعه قد عهدا
يعنى أن حكم المنادى المعرف المفرد البناء على ما كان يرفع به قبل النداء وشمل قوله المعرف ما تعرف قبل النداء نحو يا زيد وما تعرف فى النداء نحو يا رجل والمفرد هنا ما ليس بمضاف ولا شبيه به فيقال فى نحو يا رجال مفرد لأنه ليس بمضاف ولا شبيه به، وفهم من قوله: (على الذى فى رفعه قد عهدا) أنه إذا كان مثنى يبنى على الألف فتقول يا زيدان وإن كان جمع مذكر بنى على الواو نحو يا زيدون والمعرف مفعول بابن وكان حقه أن يقدم المنادى لأن المعرف نعت له والمفرد نعت للمنادى وعلى الذى متعلق بابن. ثم قال:
(وانو انضمام ما بنوا قبل النّدا)
стр. 237
يعنى أن الاسم إذا كان مبنيا قبل النداء ثم نودى نوى بناؤه على الضم نحو يا هذا ويا برق نحره ويظهر أثر تقديم الضم إذا أتبع فإنه يجوز فيه ما يجوز فى الظاهر الضم فتقول يا سيبويه الظريف والظريف وغير ذلك من أحكام التابع المضموم وإلى ذلك أشار بقوله: (وليجر مجرى ذى بناء جدّدا) أى ويجرى فى المنوى الضم مجرى الظاهر الضم وهو الذى جدد بناؤه أى حدث النداء ثم أشار إلى الثانى فقال: (والمفرد المنكور والمضافا * وشبهه انصب) المفرد المنكر هو النكرة غير المقصودة كقول الأعمى يا رجلا خذ بيدى لأنه لم يناد رجلا بعينه ومثال المضاف يا عبد الله ويا غلام زيد والمراد بشبه المضاف المطول وهو ما عمل فيما بعده رفعا نحو يا حسنا وجهه أو نصبا نحو يا طالعا جبلا أو فى المجرور نحو يا مارا بزيد أو كان معطوفا ومعطوفا عليه نحو يا ثلاثة وثلاثين فهذه كلها منصوبة ونصبها على الأصل لأن المنادى مفعول بفعل محذوف تقديره أنادى ولا خلاف فى وجوب نصبها وإليه أشار بقوله: (عادما خلافا) والمفرد مفعول مقدم بانصب وعادما حال من الضمير المستتر فى انصب. ثم قال:
ونحو زيد ضمّ وافتحنّ من ... نحو أزيد بن سعيد لا تهن
يعنى أن ما كان من المنادى كالمثال المذكور جاز فيه الضم والفتح بخمسة شروط: الأول أن يكون علما كزيد من المثال. الثانى أن يكون موصوفا بابن. الثالث أن يكون ابن مضافا إلى علم كسعيد من المثال. الرابع أن لا يفصل بينهما فاصل أى بين المنادى وصفته. الخامس أن يكون المنادى ظاهر الضم وهذه الشروط كلها مفهومة من المثال المذكور ونحو مفعول بضم وهو أيضا مطلوب لافتحن ومن نحو متعلق بضم وتهن مضارع وهن بمعنى ضعف وفهم منه أنه إن لم يكن المنادى علما ولا مضافا إليه ابن وجب البناء على الضم على ما يقتضى أصل المنادى المفرد وقد صرح بهذا المفهوم فقال:
والضّمّ إن لم يل الابن علما ... أو يل الابن علم قد حتما
فمثال كون المنادى غير علم يا رجل ابن سعيد ومثال كون المضاف إليه ابن غير علم يا زيد ابن أخينا. والضم مبتدأ وخبره قد حتما وإن لم يل شرط وجوابه محذوف والتقدير والضم قد حتما إن لم يل فهو متحتم ويجوز أن يكون قد حتما جواب الشرط والشرط وجوابه خبر الضم واستغنى بالضمير الذى فى حتم فى الربط لأن جملتى الضم والشرط يستغنى فيهما بضمير واحد لتنزيلهما منزلة الجملة الواحدة وعلى هذا فلا حذف. ثم قال:
стр. 238
واضمم أو انصب ما اضطرارا نوّنا ... ممّا له استحقاق ضمّ بيّنا
يعنى أنه يجوز الضم والنصب فى المنادى المستحق للبناء، وهو العلم والنكرة المقصودة إذا اضطر شاعر لتنوينه، فمثال الضم قوله:
- سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السّلام (١٥٨)
ومثال النصب قوله:
- ضربت صدرها إلىّ وقالت ... يا عديّا لقد وقتك الأواقى (١٥٩)
والمختار عند الخليل وسيبويه الضم، وفى تقديم الناظم له إشعار باختياره، وينبغى أن يعتقد أنه عند من يرى الضم مع التنوين مبنى، وعند من نصب معرب. وما مفعول بانصب وهو مطلوب أيضا لاضمم فهو من باب التنازع وهى موصولة وصلتها نوّنا واضطرارا هو تعليل لنوّنا ومما يتعلق بنوّن وما المجرورة بمن موصولة واستحقاق ضم مبتدأ وبيّنا خبره والجملة صلة لما وله متعلق ببينا. ثم قال:
стр. 239
(وباضطرار خص جمع يا وأل) يعنى أنه لا يجوز الجمع بين حرف النداء وأل إلا فى الضرورة كقوله:
من أجلك يا التى تيمت قلبى
وقوله
- فيا الغلامان اللذان فرا (١٦٠)
ثم استثنى من ذلك لفظة «الله» والجملة الاسمية المصدرة بأل فقال:
(إلّا مع الله ومحكىّ الجمل) فيجوز فى الاختيار يا ألله بقطع الهمزة ووصلها للزوم أل له حتى صارت كأنها من نفس الكلمة ويا ألرجل منطلق إذا سميت به رجلا لأن أل من جملة المسمى به. ثم قال: (والأكثر اللهمّ بالتعويض) يعنى أن الأكثر فى نداء لفظة الجلالة اللهم بميم مشددة مزيدة آخرا عوضا من حرف النداء وفهم منه أن قولهم يا ألله وإن كان جائزا فى الاختيار دون اللهم فى الكثرة وقد جاء فى الشعر الجمع بين النداء والميم وإليه أشار بقوله:
(وشذّ يا اللهمّ فى قريض) وجه شذوذه أنه جمع بين العوض والمعوض منه، ومنه قوله:
- إنى إذا ما حدث ألمّا ... أقول يا اللهم يا اللهمّا (١٦١)
والقريض: الشعر.
стр. 240
فصل فى تابع المنادى
تابع ذى الضّمّ المضاف دون أل ... ألزمه نصبا كأزيد ذا الحيل
شمل قوله تابع جميع التوابع، والمراد ما سوى البدل وعطف النسق على ما سيأتى وشمل ذى الضم العلم والنكرة المقصودة والمضاف نعت لتابع وخرج به التابع المفرد ودون أل خرج به المضاف المقرون بأل وقوله ألزمه نصبا يعنى فى التابع المستوفى للشروط وذلك إذا كان التابع غير عطف النسق والبدل وكان مضافا مجردا من أل فمثال ما استوفى الشروط فى وجوب النصب وهو نعت يا زيد ذا الحيل ومثاله وهو توكيد يا زيد نفسه ويا تميم كلهم ومثاله وهو عطف بيان يا زيد عائد الكلب فلو كان التابع من هذه غير مضاف جاز فيه النصب والرفع وإلى ذلك أشار بقوله: (وما سواه ارفع أو انصب) فمثال النعت يا زيد الظريف والظريف ومثال عطف البيان يا زيد قفة ومثال التوكيد يا تميم أجمعون ومثال المضاف المقرون بأل يا زيد الحسن الوجه فهذه أربع صور كلها يجوز فيها الرفع والنصب وتابع مفعول بفعل مضمر من باب الاشتغال يفسره ألزمه والمضاف نعت لتابع ودون متعلق بالاستقرار على أنه حال من تابع ونصبا مفعول ثان لألزمه والمفعول الأول الهاء وما مفعول بارفع وهو مطلوب لا نصب فهو من باب التنازع وهى موصولة وصلتها سواه. ثم قال:
(واجعلا * ... كمستقلّ نسقا وبدلا)
يعنى أن عطف النسق والبدل إذا تبعا المنادى حكمهما حكم المستقل فيجب بناؤهما على الضم إن كانا مفردين ونصبهما إن كانا مضافين وسواء كان المنادى مبنيا على الضم أو منصوبا فتقول يا أخانا وزيد ويا أخانا عمرو ويا زيد وأخانا ويا عمرو صاحبنا. وسبب ذلك أن البدل فى نية تكرار العامل وحروف العطف بمنزلة العامل فإذا كررت حرف النداء معهما كانا كالمباشرين لحرف النداء. والألف فى اجعلا بدلا من نون التوكيد الخفيفة ونسقا وبدلا مفعول أول باجعلا وكمستقل فى موضع المفعول الثانى لأن معنى اجعلا صير. ثم إن المعطوف عطف نسق إذا كان مقرونا بأل ففيه وجهان وإلى ذلك أشار بقوله:
стр. 241
وإن يكن مصحوب أل ما نسقا ... ففيه وجهان ورفع ينتقى
يعنى أن المعطوف عطف النسق إذا كان مصحوبا لأل يجوز فيه وجهان الرفع والنصب، والرفع هو المختار وهو مفهوم من قوله: (ورفع ينتقى) وعلم أن ثانى الوجهين هو النصب من ذكر الرفع ومما تقدم فى بعض التوابع من جواز الرفع والنصب فتقول يا زيد والحارث والحارث، ومنه قوله:
- ألا يا زيد والضحاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطريق (١٦٢)
يروى برفع الضحاك ونصبه وفهم من قوله ورفع ينتقى أنه موافق للقائلين باختياره وهو الخليل وسيبويه والمازنى وإنما اختير لمناسبة الحركتين، ولما حكى سيبويه أنه أكثر فى كلام العرب من النصب. ومصحوب خبر يكن وما نسقا اسمها ويجوز العكس والأول أرجح وفيه وجهان جملة من مبتدأ وخبر وهى جواب الشرط ورفع ينتقى جملة من مبتدأ وخبر وهى مستأنفة ثم اعلم أن من المناديات أى ويلزم أن يوصف بأحد ثلاثة أشياء: أل وذا والذى، وقد أشار إلى الأول فقال:
وأيّها مصحوب أل بعد صفه ... يلزم بالرّفع لدى ذى المعرفه
يعنى أن أيا إذا كانت منادى لزم وصفها بمصحوب أل واجب الرفع نحو يا أيها الرجل وإنما لزم رفع وصفها وإن كان يجوز فيه الرفع والنصب إذا كان المنادى غير أى لإبهامها وهى نكرة مقصودة وإنما لزمتها الهاء لتكون عوضا مما تستحق من الإضافة، والأرجح فى ضبط هذا البيت أن يكون مصحوب منصوبا فأى مبتدأ ويلزم خبره ومصحوب مفعول مقدم بيلزم وصفة منصوب على الحال من مصحوب أل وبالرفع فى موضع الحال من مصحوب ولدى متعلق بيلزم وبعد فى موضع الحال والمضاف إليه بعد ضمير عائد على أى والتقدير وأيها يلزم مصحوب أل فى حال كونه صفة لها مرفوعة واقعة بعدها ويجوز أن يكون مصحوب أل مرفوعا على أنه مبتدأ ويكون خبره يلزم بالياء والجملة خبر أيها والضمير العائد على المبتدأ محذوف تقديره يلزمها. ثم أشار إلى الثانى والثالث بقوله:
стр. 242
(وأىّ هذا أيّها الّذى ورد) يعنى أنه ورد فى كلام العرب صفة أيها باسم الإشارة نحو يا أيها ذا الرجل وشمل المفرد والمثنى كقوله:
- أيها ذان كلا زاديكما ... ودعانى واغلا فيمن وغل (١٦٣)
وبالموصول المصدر بأل كقوله تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [الحجر: ٦] ثم قال:
(ووصف أىّ بسوى هذا يردّ) يعنى أن أىّ لا توصف إلا بما ذكر ولا يجوز أن توصف بغير ذلك فلا يقال يا أيها صاحب عمرو ونحوه. ثم قال:
وذو إشارة كأىّ فى الصّفه ... إن كان تركها يفيت المعرفه
يعنى أن اسم الإشارة يجرى مجرى أى فى وجوب وصفه بما وصفت به أى من واجب الرفع يعرف بأل أو الموصول المصدر بأل فتقول يا ذا الرجل كما تقول يا أيها الرجل ويا ذا الذى كما تقول يا أيها الذى آمن فذا فى هذا المثال ونحوه بمنزلة أى فى التوصل إلى نداء ما فيه أل وفهم من قوله: إن كان تركها يفيت المعرفة، أن اسم الإشارة قد لا يفيت المعرفة فلا يفتقر إلى وصف فتكون كسائر الأسماء المناديات كما إذا قلت يا هذا وأنت مقبل على رجل تعينه وهذا ليس من هذا الفصل. ثم قال:
فى نحو سعد سعد الأوس ينتصب ... ثان وضمّ وافتح أوّلا تصب
يعنى أن المنادى المبنى على الضم إذا تكرر وأضيف لما بعده وجب نصب الثانى لأنه مضاف وجاز فى الأول الضم على الأصل والفتح على الإتباع وفيه أقوال وذلك نحو قوله:
- يا تيم تيم عدى لا أبا لكم ... لا يلفينّكم فى سوأة عمر (١٦٤)
стр. 243
ومثله قوله يا سعد سعد الأوس، وفهم من قوله نحو أن ذلك جائز فى العلم وفى النكرة المقصودة نحو يا غلام غلام زيد وهو مذهب البصريين، وفهم من تقديمه الضم أنه أحسن الوجهين وأرجحهما وفى نحو متعلق بينتصب وتصب مضارع مجزوم على جواب الأمر.
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم
قوله:
واجعل منادى صحّ إن يضف ليا ... كعبد عبدى عبد عبدا عبديا
شمل قوله منادى الصحيح والمعتل فأخرج المعتل بقوله صح فإنه فى النداء كحاله فى غير النداء وعلم أنّ يا فى قوله ليا ياء المتكلم إذ لا يضاف لياء المخاطبة وليس فى الضمائر ياء غيرهما وقد ذكر فى الاسم المضاف إلى ياء المتكلم خمس لغات الأولى يا عبد بحذف الياء والاستغناء بالكسر عنها وهى أفصحها الثانية يا عبدى بإثبات الياء الساكنة. الثالثة يا عبد بقلب الياء ألفا وحذفها والاستغناء عنها بالفتحة. الرابعة يا عبدا بقلب الياء ألفا وإثباتها. الخامسة يا عبدى بفتح الياء وهى الأصل ولم يذكرها فى النظم على الترتيب فى القوة والضعف بل على ما سمح به الوزن، وأفصحها حذف الياء وإبقاء الكثرة ثم إثبات الياء ساكنة ومتحركة ثم قلبها ألفا ثم حذف الألف وإبقاء الفتحة وفيه لغة سادسة لم يذكرها الناظم لضعفها وهى بناؤه على الضم كقوله تعالى: وقل رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ فى قراءة. وفى قوله كعبد إلخ البيت فائدتان:
إحداهما التنبيه على اللغات المذكورة والأخرى التنبيه على أن جواز اللغات المذكورة مشروط بأن تكون الإضافة للتخفيف وذلك مفهوم من المثال احترازا مما فيه الإضافة للتخفيف كاسم الفاعل وسائر ما إضافته للتخفيف فإنه لا يجوز فيه إلا وجهان إثبات الياء متحركة أو ساكنة ومنادى مفعول أول باجعل وصح فى موضع الصفة له والمفعول الثانى كعبد إلى آخر البيت وإن يضف شرط محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه. ثم إن المنادى
стр. 244
إذا كان مضافا إلى مضاف إلى ياء المتكلم فإن حكم الياء فيه كحكمها فى غير النداء نحو يا ابن أخى ويا ابن صاحبى إلا إذا كان ابن أم وابن عم وإلى ذلك أشار بقوله:
وفتح او كسر وحذف اليا استمرّ ... فى يا ابن أمّ يا ابن عمّ لا مفرّ
يعنى أن يا ابن أم ويا ابن عم يجوز فى كل واحد منهما الفتح والكسر فتقول يا ابن أمّ ويا ابن أمّ وقرئ بهما وكذلك ابن عم وذلك لكثرة استعمالهما وفهم من قوله استمر اطراد ذلك وعدم اطراد غيره وهو إثبات الياء نحو يا ابن أمى ومنه قوله:
- يا ابن أمى ويا شقيّق نفسى (١٦٥)
وقلبها ألفا، ومنه قوله:
- كن لى لا على يا ابن عمّا (١٦٦)
وفهم من تمثيله يا بن أم وابن عم أن ذلك أيضا مطرد فى يا ابنة أم ويا ابنة عم إذ لا فرق ثم إن من المضاف إلى ياء المتكلم يا أبى ويا أمى وفيه لغتان زائدتان على اللغات المتقدمة، وقد أشار إليهما بقوله:
وفى النّدا أبت أمّت عرض ... واكسر أو افتح ومن اليا التّا عوض
فهم من قوله وفى الندا أن ذلك خاص بالنداء فلا يجوز قام أبت ولا جاءت أمت وفهم من تعيين اللفظين أن ذلك خاص بهما وفهم من قوله عرض أن ذلك غير لازم لهما فإنه عرض بعد اللغات المذكورة فى المضاف إلى ياء المتكلم. وفهم من تقديمه الكسر على الفتح أن الكسر أكثر وفهم من قوله: ومن اليا التا عوض أنه لا يجمع بينهما لما علم من أنه لا يجمع بين العوض والمعوض منه فلا تقول يا أبتى ولا يا أمتى، وقد جاء الجميع فى ضرورة الشعر، قال:
стр. 245
- أيا أبتى لا زلت فينا فإنما ... لنا أمل فى العيش ما دمت آملا (١٦٧)
وفى الندا متعلق بعرض وأبت وأمت مبتدأ وخبره عرض والتاء مبتدأ وخبره عوض ومن اليا متعلق بعوض.
أسماء لازمت النداء
هذه الأسماء التى ذكرت فى هذا الباب على ثلاثة أقسام: مسموع، ومقيس، وشائع غير مقيس وقد أشار إلى الأول بقوله:
وفل بعض ما يخصّ بالنّدا ... لؤمان نومان كذا
فذكر ثلاثة ألفاظ الأول فل وهو كناية عن نكرة فإذا قلت يا فل فكأنك قلت يا رجل. الثانى لؤمان بلام مضمومة وهمزة ساكنة من اللؤم فإذا قلت يا لؤمان فمعناه يا عظيم اللآمة. الثالث نومان بفتح النون وواو ساكنة من النوم فإذا قلت يا نومان فمعناه يا كثير النوم. ثم أشار إلى الثانى بقوله: (واطّردا. فى سبّ الأنثى وزن يا خباث) يعنى أن بناء وزن فعال من كل فعل دال على السبّ مطرد فتقول يا خباث ويا فساق ويا لكاع ونحوه ومعنى الاطراد فى ذلك أنك لا تفتقر فيه إلى السماع من العرب بل كل فعل دال على السب يجوز أن يبنى منه هذا الوزن فى النداء. ثم قال:
(والأمر هكذا من الثّلاثى) يعنى بالأمر اسم الفعل وفعال مطرد فيه من كل فعل ثلاثى نحو نزال ودراك وضراب وإنما ذكر هذا الفصل هنا وإن لم يكن من الباب لاشتراكه مع فعال الذى للسب فى الاطراد. ثم أشار إلى الثالث بقوله: (وشاع فى سبّ الذكور فعل) يعنى أن فعل يجئ فى سب الذكور كما جاء فعال فى سب الأنثى إلا أن فعل غير مقيس وإليه أشار بقوله: (ولا تقس) فمن المسموع من ذلك يا خبث بمعنى يا خبيث ويا غدر بمعنى يا غادر ويا فسق بمعنى يا فاسق. واعلم أنه قد جاء جر فل المتقدم فى الشعر وإليه أشار بقوله: (وجرّ فى الشّعر فل) يعنى أن فل قد جاء فى الشعر مجرورا فى غير النداء كقوله:
стр. 246
- فى لجّة أمسك فلانا عن فل (١٦٨)
وقوله وفل مبتدأ وخبره بعض وما موصولة وصلتها يخص وبالنداء متعلق بيخص ولؤمان نومان مبتدأ وكذا خبره وباقى الإعراب واضح.
الاستغاثة
هى نداء من يخلص من شدة أو يعين على دفع مشقة، وتتضمن الاستغاثة المستغيث والمستغاث منه والمستغاث من أجله والمستغاث به. وذكر لها فى هذا الباب حالتين:
الأولى أن يجر المستغاث بلام مفتوحة. والثانية أن يزاد فى آخره ألف تعاقب اللام وقد أشار إلى الأول بقوله: (إذا استغيث اسم منادى خفضا * باللّام مفتوحا) يعنى أن المنادى المستغاث تدخل عليه لام الجر مفتوحة فتجره وإنما دخلت عليه اللام دون سائر المناديات للتنصيص على الاستغاثة وكانت مفتوحة لتنزله منزلة الضمير واللام تفتح مع المضمر. ثم مثل بقوله:
(كيا للمرتضى) وقد فهم من قوله إذا استغيث اسم أن استغاث متعد بنفسه فقول النحويين مستغاث به مخالف لوضعه العربى قال الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [الأنفال: ٩] وفهم من قوله خفضا أنه معرب بالجر وفهم من المثال أنه يجوز أن يكون مقرونا بأل وإعراب البيت واضح. ثم قال:
وافتح مع المعطوف إن كرّرت يا ... وفى سوى ذلك بالكسر ائتيا
يعنى أنك إذا عطفت على المستغاث بتكرير يا فتحت اللام نحو قوله:
- يا لقومى ويا لأمثال قومى ... لأناس عتوّهم فى ازدياد (١٦٩)
стр. 247
وفى سوى التكرار ليا جئ باللام مكسورة كقوله:
- يبكيك ناء بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشبّان للعجب (١٧٠)
ومفعول افتح محذوف تقديره وافتح اللام وفى سوى متعلق بائتيا والإشارة بذلك للتكرير أى وفى سوى التكرير. ثم قال: (ولام ما استغيث عاقبت ألف) يعنى أن لام الاستغاثة تعاقب الألف فلا يجمع بينهما وفهم منه أن اللام غير لازمة لكون الألف تعاقبها فتقول يا لزيد ويا زيدا ولا يجوز يا لزيدا. ثم قال: (ومثله اسم ذو تعجّب ألف) يعنى أن الاسم المتعجب منه مثل المستغاث فيما تقدم فيجوز أن تدخل عليه لام مفتوحة نحو يا للعجب وأن تزاد آخره ألف فتقول يا عجبا، ومنه قوله:
- يا عجبا لهذه الفليقه ... هل تذهبى القوباء بالرويقه (١٧١)
وإنما ذكر هنا اسم التعجب وإن لم يكن من هذا الباب لاشتراكهما فى الحكم وعاقبت خبر وألف مفعول بعاقبت ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويجوز أن يكون ألف فاعلا بعاقبت وحذف الضمير العائد على المبتدأ والتقدير عاقبتها ألف والأول أظهر ومثله مبتدأ واسم خبره وذو تعجب نعت لاسم وألف جملة فى موضع الصفة للتعجب.
الندبة
هى نداء المتفجع عليه أو منه وهى من كلام النساء فى الغالب. قوله: (ما للمنادى اجعل لمندوب) يعنى أن حكم المندوب كحكم المنادى يضم إن كان مفردا وينصب إن كان مضافا أو شبيها به فتقول وا زيد ووا ضارب زيد ووا طالعا جبلا. وما مفعول مقدم باجعل وهى موصولة واقعة على أحكام المنادى السابقة وصلتها للمنادى ثم نبه على ما يمتنع فى الندبة
стр. 248
بقوله: (وما * نكّر لم يندب ولا ما أبهما) يعنى أن كل واحد من النكرة والمبهم لا يجوز أن يندب لأن الغرض من الندبة الإعلام بعظمة المصاب وذلك غير موجود فيهما. وشمل قوله المبهم اسم الإشارة والموصول بصلة غير معين بها فلو كان الموصول به صلة مشهورة جاز أن يندب وإلى ذلك أشار بقوله: (ويندب الموصول بالذى اشتهر) يعنى أن الموصول إذا كانت صلته شهيرة يعرف بها جاز أن يندب وقد مثل ذلك بقوله: (كبئر زمزم يلى وا من حفر) فتقول وا من حفر بئر زمزم لتنزله فى الشهرة منزلة العلم والذى حفر بئر زمزم عبد المطلب بن هاشم. والموصول مفعول لم يسم فاعله بيندب وبالذى متعلق بالموصول لا بيندب وهو على حذف الموصول والتقدير ويندب الموصول بالوصل المشتهر وبئر منصوب على أنه مفعول مقدم بحفر ووا من مفعول بيلى ثم قال:
(ومنتهى المندوب صله بالألف)
منتهى المندوب هو آخره وشمل العلم نحو وا زيدا والمضاف نحو وا عبد الملكا وعجز المركب نحو وا معدى كربا وعلم أن وصله بالألف جائز لا واجب من قوله قبل ما للمنادى جعل لمندوب. ثم قال: (متلوّها إن كان مثلها حذف) يعنى أنه إذا كان آخر الاسم المندوب ألفا حذف إذ لا يمكن اجتماع ألفين وفهم منه أن المحذوفة الألف التى آخر المندوب لا ألف الندبة لأنها تدل على معنى وهى الدلالة على الندبة. ومنتهى مفعول بفعل محذوف يفسره صله ومتلوها مبتدأ وخبره حذف. ثم قال:
كذاك تنوين الّذى به كمل ... من صلة أو غيرها نلت الأمل
يعنى أن التنوين الذى فى آخر المندوب يحذف إذا لحقت ألف الندبة إذ لا حظ له فى الحركة وقوله من صلة نحو وا من حفر بئر زمزما وقوله أو غيرها شامل لآخر المفرد نحو وا زيدا وآخر المضاف إليه نحو وا غلام زيدا والمطول نحو وا طالعا جبلا ثم إن حق ألف الندبة أن يكون قبلها فتحة للمجانسة فإذا كان آخر الاسم فتحة بقيت نحو وا غلام أحمدا وإن كانت كسرة أو ضمة أبدلت فتحة لمكان الألف فتقول فى نحو رقاش وا رقاشا وفى رجل اسمه قام الرجل وا قام الرجلا هذا إذا لم يوقع فتح المكسور أو المضموم فى اللبس، وإلى هذا أشار بقوله:
стр. 249
والشّكل حتما أوله مجانسا ... إن يكن الفتح بوهم لابسا
المراد بالشكل الحركة يعنى أنه إذا كان فى آخر المندوب كسرة أو ضمة وكان فى إبدالهما فتحة لبس وجب إقرار الحركة وإبدال الألف بمجانس تلك الحركة فتقول فى نحو فتاه وا فتاهو وفى غلام أخيه وا غلام أخيهى إلا أنك لو أبدلتهما فقلت وا فتاها وا غلام أخيها لالتبس بهاء الواحدة وفهم من قوله حتما أن ذلك واجب. والشكل مفعول بفعل محذوف يفسره أوله ومجانسا مفعول ثان لأوله وهو صفة لموصوف محذوف تقديره أوله حرفا مجانسا ومعمول مجانسا محذوف تقديره مجانسا للحركة السابقة. ثم قال:
(وواقفا زد هاء سكت إن ترد)
يعنى أنك إذا وقفت على آخر المندوب فلك أن تزيد بعد الألف هاء السكت لبيان الألف فتقول وا زيداه وفهم من قوله واقفا أن ذلك لا يكون فى الوصل وفهم من قوله إن ترد أن ذلك جائز لا واجب وقد صرح بهذا المفهوم فقال: (وإن تشأ فالمدّ والها لا تزد) أى وإن تشأ فالمدّ كاف ولا تزد الهاء، هذا ما حمله عليه الشارح والمرادى فلا يندرج فيه إلا صورتان اجتماع الألف والهاء والاستغناء بالألف عن الهاء نحو وا زيدا. وعندى أن ضبط المد بالفتح على أنه مفعول والهاء معطوف عليه وعطف الهاء عليه أحسن ليندرج تحته ثلاث صور: الأولى الجمع بينهما نحو وا زيداه وذلك مفهوم من قوله وواقفا زد هاء سكت. الثانية الاستغناء بالألف عن الهاء نحو وا زيدا وهو مفهوم من قوله إن ترد. الثالثة الاستغناء عنهما معا نحو وا زيد وهو مفهوم من قوله: وإن تشأ فالمد والها لا تزد، أى لا تزد الألف والهاء وهذه الصور كلها جائزة فى الوقف وواقفا حال من فاعل زد المستتر وهاء سكت مفعول بزد وإن ترد شرط محذوف جوابه لدلالة ما تقدم عليه وإن تشأ شرط والفاء بعدها جواب الشرط والمد مبتدأ وخبره محذوف تقديره كاف على ما قاله الشارحان والهاء مفعول مقدم بتزد فالجواب على هذه جملة اسمية، والها لا تزد ليس فى شئ من الجواب بل هو مستأنف، وعلى ما ذكرناه فالجواب لا تزد والتقدير وإن تشأ فلا تزد المد والهاء. ثم قال:
وقائل وا عبديا وا عبدا ... من فى النّدا اليا ذا سكون أبدى
تقدم أن فى المنادى المضاف إلى ياء المتكلم خمس لغات ومن جملتها يا عبدى بياء
стр. 250
ساكنة فإذا ندبت على هذه اللغة ففيه وجهان أحدهما أن تفتح الياء الساكنة وتلحق ألف الندبة بعدها وهذا معنى قوله وا عبديا، والآخر أن تحذف الياء لسكونها فتقول وا عبدا وهو معنى قوله وا عبدا وهذا كله على لغة من أثبت الياء ساكنة وهى معنى قوله: (من فى الندا اليا ذا سكون أبدى) وفهم منه أن باقى اللغات التى فى المنادى ليس فيه
زيادة ولا نقص فيقال على لغة من قال يا عبد. الثالثة الاستغناء عنهما معا نحو وا زيد وهو مفهوم من قوله: وإن تشأ فالمد والها لا تزدا ليس إلا وفى لغة من قال يا عبدى وا عبديا وفى لغة من قال يا عبد وا عبدا. وقائل خبر مقدم ووا عبديا وا عبدا مفعول بقائل ومن مبتدأ وهى موصولة وصلتها أبدى واليا مفعول بأبدى وفى الندا متعلق بأبدى وذا سكون حال من الياء والتقدير من أبدى الياء ساكنة فى النداء قائل وا عبديا وا عبدا.
الترخيم
الترخيم فى اللغة ترقيق الصوت وتليينه. وفى الاصطلاح حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص. قوله: (ترخيما احذف آخر المنادى) يعنى أن المنادى يجوز ترخيمه بحذف آخره ثم مثل ذلك بقوله: (كيا سعا فيمن دعا سعادا) فآخر المنادى مفعول باحذف وترخيما أجاز فى نصبه الشارح أن يكون مفعولا فيكون التقدير احذف لأجل الترخيم أو مصدرا فى موضع الحال فيكون التقدير احذف فى حال كونك مرخما أو ظرفا على حذف مضاف فيكون التقدير احذف وقت الترخيم وزاد المرادى وجها رابعا وهو أن يكون مفعولا مطلقا قال وناصبه احذف لأنه يلاقيه فى المعنى وفيه نظر لأن الحذف أعم من الترخيم فلا يلاقيه فى المعنى ويحتمل عندى وجها خامسا وهو أن يكون مفعولا مطلقا وعامله محذوف والتقدير رخم ترخيما وقوله كيا سعا فيمن دعا أى فى قول من دعا فهو على حذف مضاف والمراد بدعا نادى ثم شرع فى بيان ما يجوز ترخيمه فقال: (وجوّزنه مطلقا فى كلّ ما * أنّث بالها) يعنى أنه يجوز ترخيم المنادى إذا كان مؤنثا بالتاء مطلقا أى من غير شرط من الشروط المذكورة فى غير التاء فيرخم علما نحو:
- أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل (١٧٢)