- فى لجّة أمسك فلانا عن فل (١٦٨)
وقوله وفل مبتدأ وخبره بعض وما موصولة وصلتها يخص وبالنداء متعلق بيخص ولؤمان نومان مبتدأ وكذا خبره وباقى الإعراب واضح.
الاستغاثة
هى نداء من يخلص من شدة أو يعين على دفع مشقة، وتتضمن الاستغاثة المستغيث والمستغاث منه والمستغاث من أجله والمستغاث به. وذكر لها فى هذا الباب حالتين:
الأولى أن يجر المستغاث بلام مفتوحة. والثانية أن يزاد فى آخره ألف تعاقب اللام وقد أشار إلى الأول بقوله: (إذا استغيث اسم منادى خفضا * باللّام مفتوحا) يعنى أن المنادى المستغاث تدخل عليه لام الجر مفتوحة فتجره وإنما دخلت عليه اللام دون سائر المناديات للتنصيص على الاستغاثة وكانت مفتوحة لتنزله منزلة الضمير واللام تفتح مع المضمر. ثم مثل بقوله:
(كيا للمرتضى) وقد فهم من قوله إذا استغيث اسم أن استغاث متعد بنفسه فقول النحويين مستغاث به مخالف لوضعه العربى قال الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [الأنفال: ٩] وفهم من قوله خفضا أنه معرب بالجر وفهم من المثال أنه يجوز أن يكون مقرونا بأل وإعراب البيت واضح. ثم قال:
وافتح مع المعطوف إن كرّرت يا ... وفى سوى ذلك بالكسر ائتيا
يعنى أنك إذا عطفت على المستغاث بتكرير يا فتحت اللام نحو قوله:
- يا لقومى ويا لأمثال قومى ... لأناس عتوّهم فى ازدياد (١٦٩)
стр. 247
وفى سوى التكرار ليا جئ باللام مكسورة كقوله:
- يبكيك ناء بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشبّان للعجب (١٧٠)
ومفعول افتح محذوف تقديره وافتح اللام وفى سوى متعلق بائتيا والإشارة بذلك للتكرير أى وفى سوى التكرير. ثم قال: (ولام ما استغيث عاقبت ألف) يعنى أن لام الاستغاثة تعاقب الألف فلا يجمع بينهما وفهم منه أن اللام غير لازمة لكون الألف تعاقبها فتقول يا لزيد ويا زيدا ولا يجوز يا لزيدا. ثم قال: (ومثله اسم ذو تعجّب ألف) يعنى أن الاسم المتعجب منه مثل المستغاث فيما تقدم فيجوز أن تدخل عليه لام مفتوحة نحو يا للعجب وأن تزاد آخره ألف فتقول يا عجبا، ومنه قوله:
- يا عجبا لهذه الفليقه ... هل تذهبى القوباء بالرويقه (١٧١)
وإنما ذكر هنا اسم التعجب وإن لم يكن من هذا الباب لاشتراكهما فى الحكم وعاقبت خبر وألف مفعول بعاقبت ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويجوز أن يكون ألف فاعلا بعاقبت وحذف الضمير العائد على المبتدأ والتقدير عاقبتها ألف والأول أظهر ومثله مبتدأ واسم خبره وذو تعجب نعت لاسم وألف جملة فى موضع الصفة للتعجب.
الندبة
هى نداء المتفجع عليه أو منه وهى من كلام النساء فى الغالب. قوله: (ما للمنادى اجعل لمندوب) يعنى أن حكم المندوب كحكم المنادى يضم إن كان مفردا وينصب إن كان مضافا أو شبيها به فتقول وا زيد ووا ضارب زيد ووا طالعا جبلا. وما مفعول مقدم باجعل وهى موصولة واقعة على أحكام المنادى السابقة وصلتها للمنادى ثم نبه على ما يمتنع فى الندبة
стр. 248
بقوله: (وما * نكّر لم يندب ولا ما أبهما) يعنى أن كل واحد من النكرة والمبهم لا يجوز أن يندب لأن الغرض من الندبة الإعلام بعظمة المصاب وذلك غير موجود فيهما. وشمل قوله المبهم اسم الإشارة والموصول بصلة غير معين بها فلو كان الموصول به صلة مشهورة جاز أن يندب وإلى ذلك أشار بقوله: (ويندب الموصول بالذى اشتهر) يعنى أن الموصول إذا كانت صلته شهيرة يعرف بها جاز أن يندب وقد مثل ذلك بقوله: (كبئر زمزم يلى وا من حفر) فتقول وا من حفر بئر زمزم لتنزله فى الشهرة منزلة العلم والذى حفر بئر زمزم عبد المطلب بن هاشم. والموصول مفعول لم يسم فاعله بيندب وبالذى متعلق بالموصول لا بيندب وهو على حذف الموصول والتقدير ويندب الموصول بالوصل المشتهر وبئر منصوب على أنه مفعول مقدم بحفر ووا من مفعول بيلى ثم قال:
(ومنتهى المندوب صله بالألف)
منتهى المندوب هو آخره وشمل العلم نحو وا زيدا والمضاف نحو وا عبد الملكا وعجز المركب نحو وا معدى كربا وعلم أن وصله بالألف جائز لا واجب من قوله قبل ما للمنادى جعل لمندوب. ثم قال: (متلوّها إن كان مثلها حذف) يعنى أنه إذا كان آخر الاسم المندوب ألفا حذف إذ لا يمكن اجتماع ألفين وفهم منه أن المحذوفة الألف التى آخر المندوب لا ألف الندبة لأنها تدل على معنى وهى الدلالة على الندبة. ومنتهى مفعول بفعل محذوف يفسره صله ومتلوها مبتدأ وخبره حذف. ثم قال:
كذاك تنوين الّذى به كمل ... من صلة أو غيرها نلت الأمل
يعنى أن التنوين الذى فى آخر المندوب يحذف إذا لحقت ألف الندبة إذ لا حظ له فى الحركة وقوله من صلة نحو وا من حفر بئر زمزما وقوله أو غيرها شامل لآخر المفرد نحو وا زيدا وآخر المضاف إليه نحو وا غلام زيدا والمطول نحو وا طالعا جبلا ثم إن حق ألف الندبة أن يكون قبلها فتحة للمجانسة فإذا كان آخر الاسم فتحة بقيت نحو وا غلام أحمدا وإن كانت كسرة أو ضمة أبدلت فتحة لمكان الألف فتقول فى نحو رقاش وا رقاشا وفى رجل اسمه قام الرجل وا قام الرجلا هذا إذا لم يوقع فتح المكسور أو المضموم فى اللبس، وإلى هذا أشار بقوله:
стр. 249
والشّكل حتما أوله مجانسا ... إن يكن الفتح بوهم لابسا
المراد بالشكل الحركة يعنى أنه إذا كان فى آخر المندوب كسرة أو ضمة وكان فى إبدالهما فتحة لبس وجب إقرار الحركة وإبدال الألف بمجانس تلك الحركة فتقول فى نحو فتاه وا فتاهو وفى غلام أخيه وا غلام أخيهى إلا أنك لو أبدلتهما فقلت وا فتاها وا غلام أخيها لالتبس بهاء الواحدة وفهم من قوله حتما أن ذلك واجب. والشكل مفعول بفعل محذوف يفسره أوله ومجانسا مفعول ثان لأوله وهو صفة لموصوف محذوف تقديره أوله حرفا مجانسا ومعمول مجانسا محذوف تقديره مجانسا للحركة السابقة. ثم قال:
(وواقفا زد هاء سكت إن ترد)
يعنى أنك إذا وقفت على آخر المندوب فلك أن تزيد بعد الألف هاء السكت لبيان الألف فتقول وا زيداه وفهم من قوله واقفا أن ذلك لا يكون فى الوصل وفهم من قوله إن ترد أن ذلك جائز لا واجب وقد صرح بهذا المفهوم فقال: (وإن تشأ فالمدّ والها لا تزد) أى وإن تشأ فالمدّ كاف ولا تزد الهاء، هذا ما حمله عليه الشارح والمرادى فلا يندرج فيه إلا صورتان اجتماع الألف والهاء والاستغناء بالألف عن الهاء نحو وا زيدا. وعندى أن ضبط المد بالفتح على أنه مفعول والهاء معطوف عليه وعطف الهاء عليه أحسن ليندرج تحته ثلاث صور: الأولى الجمع بينهما نحو وا زيداه وذلك مفهوم من قوله وواقفا زد هاء سكت. الثانية الاستغناء بالألف عن الهاء نحو وا زيدا وهو مفهوم من قوله إن ترد. الثالثة الاستغناء عنهما معا نحو وا زيد وهو مفهوم من قوله: وإن تشأ فالمد والها لا تزد، أى لا تزد الألف والهاء وهذه الصور كلها جائزة فى الوقف وواقفا حال من فاعل زد المستتر وهاء سكت مفعول بزد وإن ترد شرط محذوف جوابه لدلالة ما تقدم عليه وإن تشأ شرط والفاء بعدها جواب الشرط والمد مبتدأ وخبره محذوف تقديره كاف على ما قاله الشارحان والهاء مفعول مقدم بتزد فالجواب على هذه جملة اسمية، والها لا تزد ليس فى شئ من الجواب بل هو مستأنف، وعلى ما ذكرناه فالجواب لا تزد والتقدير وإن تشأ فلا تزد المد والهاء. ثم قال:
وقائل وا عبديا وا عبدا ... من فى النّدا اليا ذا سكون أبدى
تقدم أن فى المنادى المضاف إلى ياء المتكلم خمس لغات ومن جملتها يا عبدى بياء
стр. 250
ساكنة فإذا ندبت على هذه اللغة ففيه وجهان أحدهما أن تفتح الياء الساكنة وتلحق ألف الندبة بعدها وهذا معنى قوله وا عبديا، والآخر أن تحذف الياء لسكونها فتقول وا عبدا وهو معنى قوله وا عبدا وهذا كله على لغة من أثبت الياء ساكنة وهى معنى قوله: (من فى الندا اليا ذا سكون أبدى) وفهم منه أن باقى اللغات التى فى المنادى ليس فيه
زيادة ولا نقص فيقال على لغة من قال يا عبد. الثالثة الاستغناء عنهما معا نحو وا زيد وهو مفهوم من قوله: وإن تشأ فالمد والها لا تزدا ليس إلا وفى لغة من قال يا عبدى وا عبديا وفى لغة من قال يا عبد وا عبدا. وقائل خبر مقدم ووا عبديا وا عبدا مفعول بقائل ومن مبتدأ وهى موصولة وصلتها أبدى واليا مفعول بأبدى وفى الندا متعلق بأبدى وذا سكون حال من الياء والتقدير من أبدى الياء ساكنة فى النداء قائل وا عبديا وا عبدا.
الترخيم
الترخيم فى اللغة ترقيق الصوت وتليينه. وفى الاصطلاح حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص. قوله: (ترخيما احذف آخر المنادى) يعنى أن المنادى يجوز ترخيمه بحذف آخره ثم مثل ذلك بقوله: (كيا سعا فيمن دعا سعادا) فآخر المنادى مفعول باحذف وترخيما أجاز فى نصبه الشارح أن يكون مفعولا فيكون التقدير احذف لأجل الترخيم أو مصدرا فى موضع الحال فيكون التقدير احذف فى حال كونك مرخما أو ظرفا على حذف مضاف فيكون التقدير احذف وقت الترخيم وزاد المرادى وجها رابعا وهو أن يكون مفعولا مطلقا قال وناصبه احذف لأنه يلاقيه فى المعنى وفيه نظر لأن الحذف أعم من الترخيم فلا يلاقيه فى المعنى ويحتمل عندى وجها خامسا وهو أن يكون مفعولا مطلقا وعامله محذوف والتقدير رخم ترخيما وقوله كيا سعا فيمن دعا أى فى قول من دعا فهو على حذف مضاف والمراد بدعا نادى ثم شرع فى بيان ما يجوز ترخيمه فقال: (وجوّزنه مطلقا فى كلّ ما * أنّث بالها) يعنى أنه يجوز ترخيم المنادى إذا كان مؤنثا بالتاء مطلقا أى من غير شرط من الشروط المذكورة فى غير التاء فيرخم علما نحو:
- أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل (١٧٢)
стр. 251
ونكرة نحو:
- جارى لا تستنكرى عذيرى (١٧٣)
وثلاثيا نحو يا خول فى خولة وثنائيا نحو يا ثب فى ثبة. ثم بين حكم ما قبل التاء المحذوفة للترخيم فقال: (والّذى قد رخّما. بحذفها وفّره بعد) يعنى أنك إذا حذفت الهاء للترخيم وفر ما بقى بعد حذفها من الاسم المرخم أى لا
تحذف منه شيئا ولا تغيره والذى مفعول بفعل مضمر يفسره وفره وبحذفها متعلق برخم وبعد متعلق بوفره. ولما فرغ من ترخيم ذى الهاء شرع فى ترخيم المجرد منها: (واحظلا * ترخيم ما من هذه الها قد خلا) يعنى أن ما خلا من الهاء لا يجوز ترخيمه إلا بأربعة شروط:
أشار إلى الأول منها بقوله: (إلّا الرّباعىّ فما فوق) فشمل الرباعى الأصول كجعفر والثلاثى المزيد كيعمر وشمل قوله فما فوق الخماسى الأصول كفرزدق والمزيد كسموأل والسداسى والسباعى ولا يكونان إلا مزيدين نحو مستخرج واشهيباب وفهم منه أن الثلاثى لا يرخم وهو شامل للمحرك الوسط نحو عمر والساكن الوسط نحو عمرو.
ثم أشار إلى الشرط الثانى بقوله: (العلم) يعنى أن المنادى لا يرخم إلا إذا كان علما وشمل علمية الشخص نحو جعفر وعلمية الجنس نحو أسامة وفهم منه أن النكرة لا ترخم.
ثم أشار إلى الشرط الثالث بقوله: (دون إضافة) فلا يرخم المضاف ولو كان علما وشمل الكنية كأبى بكر وغيرها كعبد شمس.
ثم أشار إلى الشرط الرابع بقوله: (وإسناد متمّ) يعنى أن المركب تركيب إسناد لا يجوز ترخيمه نحو برق نحره وفهم منه أن المركب تركيب مزج لا يمتنع ترخيمه لتخصيصه المنع بذى الإسناد فتقول فى معديكرب يا معدى وقوله وا حظلا فعل أمر من حظل يحظل بالظاء
стр. 252
المعجمة بمعنى امنع وألفه بدل من النون الخفيفة وترخيم مفعول باحظلا وما موصولة وصلتها خلا ومن متعلق بخلا وإلا استثناء والرباعى منصوب على الاستثناء وما معطوفة بالفاء على الرباعى وهى موصولة وصلتها فوق وهو مقطوع عن الإضافة وتقدير المضاف إليه فما فوقه أى فوق الرباعى والعلم عطف بيان على الرباعى ودون إضافة متعلق بمحذوف على أنه حال من متم وإسناد معطوف على إضافة ومتم نعت لإسناد وهو اسم مفعول من أتممت.
ثم قال: (ومع الآخر احذف الذى تلا) يعنى أنك إذا رخمت المنادى بحذف آخره فاحذف أيضا الحرف الذى قبل الآخر لكن بأربعة شروط:
أشار إلى الأول منها بقوله: (إن زيد) أى إذا كان زائدا فلو كان غير زائد لم يحذف نحو مختار ومنقاد لأن الألف فيهما منقلبة عن عين الكلمة فتقول يا مختا ويا منقا.
ثم أشار إلى الثانى بقوله: (لينا) أى ذا لين وشمل حرف اللين الألف نحو شملال والواو نحو منصور والياء نحو قنديل فلو كان حرف صحة لم يحذف وشمل المتحرك نحو سفرجل والساكن نحو قمطر فتقول فيهما يا سفرج ويا قمط.
ثم أشار إلى الثالث بقوله: (ساكنا) يعنى أن يكون حرف اللين ساكنا فلو كان متحركا لم يحذف نحو هبيخ وقنور فيهما يا هبى ويا قنو بغير حذف.
ثم أشار إلى الرابع بقوله: (مكمّلا. أربعة فصاعدا) يعنى أن يكون حرف اللين المذكور رابعا فما فوق فشمل الرابع نحو منصور والخامس كمصابيح مسمى به والسادس نحو استخراج مسمى به أيضا وفهم منه أنه لو كان ثالثا لم يحذف نحو عماد وسعيد وثمود فلو كان ما قبل حرف اللين غير مجانس له ففى حذفه خلاف أشار إليه بقوله:
(والخلف فى * واو وياء بهما فتح قفى) يعنى أن حرف اللين إذا كان قبله حركة غير مجانسة له نحو فرعون وغرنيق ففى حذفهما مع الآخر خلاف فمن حذف قال يا فرع ويا غرن، ومن لم يحذف قال يا فرعو ويا غرنى وقوله مع الآخر متعلق باحذف وصلة الذى تلا والضمير العائد من الصلة إلى الموصول محذوف وفى تلا فاعل مضمر عائد على الآخر والذى صفة لمحذوف والتقدير احذف مع الآخر الحرف الذى تلاه الآخر وقوله إن زيد شرط محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه ولينا حال من الضمير فى زيد وهو مخفف من لين وساكنا نعت للينا ومكملا نعت بعد نعت وأربعة مفعول لمكملا وصاعدا معطوف على أربعة وإعراب ما بقى واضح. ثم قال: (والعجز احذف من مركّب) يعنى أن المركب تركيب مزج يحذف عجزه وشمل ما آخره ويه نحو سيبويه وما ليس آخره ويه نحو بعلبك وما سمى به من العدد المركب
стр. 253
نحو خمسة عشر فتقول يا سيب ويا بعل ويا خمسة. وأما المركب تركيب إسناد فإليه أشار بقوله: (وقلّ * ترخيم جملة) قد تقدم فى شروط الترخيم أن لا يكون جملة فى قوله وإسناد متم وذلك موافق لما عليه أكثر النحويين وقد منعه سيبويه فى باب الترخيم وذكر هنا أن ترخيمه جائز بقلة. ثم أشار بقوله: (وذا عمرو نقل) أى إن ترخيمه نقله عمرو يعنى به سيبويه وهو عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسى، وكنيته أبو بشر ولم يذكر الناظم سيبويه فى هذا الرجز إلا فى هذا الموضع ولم يذكره بلقبه المشهور وهو سيبويه وإنما نقله سيبويه فى باب النسب قال تقول فى النسب إلى تأبط شرا تأبطى لأن من العرب من يقول يا تأبط وكأنه إنما منعه فى الترخيم لكونه لم يعتمد على هذه اللغة لقلتها. ثم اعلم أن فى الترخيم لغتين وقد أشار إلى إحداهما فقال:
وإن نويت بعد حذف ما حذف ... فالباقى استعمل بما فيه ألف
يعنى أنك إذا نويت المحذوف للترخيم فاترك الحرف الذى قبله على حاله قبل الحذف واستعمله كما كان قبل الحذف وتسمى هذه اللغة لغة من نوى ولغة من ينتظر وشمل قوله بعد حذف ما حذف منه حرف نحو يا جعف فى جعفر وما حذف منه حرفان نحو يا مرو فى مروان وما حذف منه كلمة نحو يا بعل فى بعلبك وشمل الباقى ما كان ساكنا نحو يا قمط فى قمطر ومضموما نحو يا منص فى يا منصور ومكسورا نحو يا حار فى حارث. ثم أشار إلى اللغة الثانية فقال:
واجعله إن لم تنو محذوفا كما ... لو كان بالآخر وضعا تمّما
أى اجعل الحرف الذى قبل المحذوف إذا لم ينو المحذوف كما لو كان آخر الكلمة فيتعين بناؤه على الضم فتقول فى قمطر يا قمط وفى جعفر يا جعف وفى حارث يا حار وهذه اللغة تسمى لغة من لم ينو والضمير فى واجعله عائد على الحرف الذى قبل المحذوف وكما فى موضع المفعول الثانى لا جعله والظاهر أن ما فى قوله كما زائدة ولو مصدرية والتقدير ككون الآخر متمما وضعا وقد تقدم نظيره فى باب الاستثناء فى قوله كما لو إلا عدما. ثم أشار إلى ما يظهر به الفرق بين اللغتين، فقال:
فقل على الأوّل فى ثمود يا ... ثمو ويا ثمى على الثّانى بيا
стр. 254
يعنى بالأول لغة من نوى فتقول على اللغة الأولى فى ترخيم ثمود يا ثمو لأن الواو فى حشو الكلمة لنية المحذوف وتقول على لغة من لم ينو يا ثمى بالياء لعدم النظير إذ ليس فى كلام العرب اسم متمكن آخره واو قبلها ضمة فتقلب الواو ياء والضمة كسرة كما فعلوا فى أدل جمع دلو وأصله أدلو فقلبوا الواو ياء والضمة كسرة. ثم أشار إلى
مثالين مبنيين على اللغتين فقال:
والتزم الأوّل فى كمسلمه ... وجوّز الوجهين فى كمسلمه
الأول هى لغة من نوى فإذا رخمت مسلمة ونحوه من صفة المؤنث بالتاء الفارقة بين المذكر والمؤنث قلت يا مسلم بفتح الميم الأخيرة على لغة من نوى ولا يجوز أن ترخمه على لغة من لم ينو فتقول يا مسلم لئلا يلتبس بالمذكر وأما نحو مسلمة بفتح الميم الأولى مما ليست فيه التاء فارقة فيجوز فيه الوجهان فتقول يا مسلم بفتح الميم ويا مسلم بضمها والأول صفة لمحذوف والتقدير والتزم الوجه الأول. ثم قال:
ولاضطرار رخّموا دون ندا ... ما للنّدا يصلح نحو أحمدا
يعنى أنه يجوز الترخيم فى غير النداء إذا كان للضرورة وفهم منه أنه لا يكون فى الاختيار. وقوله ما للندا يصلح يعنى أنه لا يرخم فى غير النداء إلا ما كان صالحا للنداء أى لمباشرة حرف النداء نحو أحمد فلو كان الاسم مما لا يصلح لمباشرة حرف النداء لم يرخم لا فى الضرورة ولا فى غيرها نحو الرجل وفهم من إطلاقه أنه يرخم على اللغتين السابقتين أما ترخيمه على لغة من لم ينو فمجمع عليه وأما على لغة من نوى فمختلف فيه.
الاختصاص
إنما ذكر هذا الباب بعد أبواب النداء لشبهه به فى اللفظ وإلى ذلك أشار بقوله:
(الاختصاص كنداء دون يا) يعنى أن الاختصاص شبيه بالنداء وفهم منه أنه ليس منادى وفهم من قوله دون يا أنه لا يصحب حرف النداء ثم مثل فقال: (كأيّها الفتى بإثر ارجونيا) وفهم من المثال أن أيا لا توصف باسم الإشارة ولا بالموصول كما فى النداء وفهم من قوله بإثر ارجونيا أنه لا بد أن يتقدمها كلام وأن الكلام الذى يتقدمها لا بد أن يكون فيه ضمير المتكلم فهم ذلك
стр. 255
من قوله بإثر ارجونيا ثم إن الاختصاص يكون فيه الاسم مقرونا بأل أو مضافا، وقد أشار إلى الأول بقوله:
وقد يرى ذا دون أى تلو أل ... كمثل نحن العرب أسخى من بذل
يعنى أن الاختصاص يكون بالاسم المقرون بأل وليس معه أى وفهم من المثال أنه لا بد أن يتقدمه ضمير متكلم مرفوعا بالابتداء كقولهم: نحن العرب أقرى الناس للضيف، ولم ينبه على القسم الثالث وهو المضاف كقوله ﵊: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» ومع هذا فقد أجحف الناظم بهذا الباب إذ لم يصرح بما يتعلق به من المعنى والإعراب.
وحاصله أن المختص على قسمين قسم مبنى على الضم وهو أيها الفتى ونحوه وبنى لشبهه بالمنادى لفظا وموضعه نصب بفعل واجب الحذف فإذا قلت أنا أفعل كذا أيها الرجل فتقدير عامله أخص بذلك أيها الرجل والمراد بأيها المتكلم نفسه وقسم معرب نصبا وهو المضاف وذو الألف واللام نحو: نحن العرب أقرى الناس للضيف فنحن مبتدأ وخبره أقرى الناس والعرب منصوب بفعل واجب الحذف تقديره أخص وكذلك المضاف نحو قوله ﵊: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» فنحن مبتدأ وخبره لا نورث ومعاشر الأنبياء مفعول بفعل واجب الحذف وفى قوله الاختصاص كنداء إشعار بأنه منصوب بفعل واجب الإضمار كالمنادى لشبهه به.
التحذير والإغراء
التحذير: تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز منه. والإغراء: إلزام المخاطب العكوف على ما يحمد عليه، وإنما ذكرهما بعد الاختصاص لشبههما به فى أنهما منصوبان بفعل لا يظهر؛ ثم إن التحذير يكون بثلاثة أشياء: الأول إياك وأخواته. الثانى ما ناب عنه من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب. الثالث ذكر المحذر منه، وقد أشار إلى الأول فقال:
إيّاك والشّرّ ونحوه نصب ... محذّر بما استتاره وجب
стр. 256
يعنى أن قولك إياك والشر ونحوه من الضمائر المنصوبة المنفصلة إذا عطف عليه نصب بفعل يجب استتاره نحو إياكما والأسد وإياكم والمخالفة. وفهم منه أن التحذير إذا كان بالضمير لا يكون إلا مخاطبا ولا يكون بضمير الغائب إلا فى الشذوذ على ما سيأتى. وفهم منه أن العامل المقدر يقدر بعد الضمير لما يلزم من تقديره قبله اتصاله به فيلزم تعدى فعل الضمير المتصل إلى ضميره المنفصل وهو ممتنع فى غير باب ظن وأخواتها فإياك والشر ونحوه مفعول بنصب ومحذر فاعل بنصب وبما متعلق بنصب وما موصولة واستتاره مبتدأ ووجب خبره والجملة صلة ما وهى واقعة على الفعل الناصب الواجب الإضمار. ثم اعلم أن إياك وأخواته تستعمل فى التحذير معطوفا عليها كما تقدم، ودون عطف، وإلى ذلك أشار بقوله:
(ودون عطف ذا لإيا انسب) الإشارة بذا للنصب بإضمار فعل لا يظهر يعنى أن إياك وأخواتها غير معطوف عليها تنصب بفعل واجب الحذف نحو: إياك من الشر. وذا مفعول بانسب ودون ولإيا متعلقان بانسب. ثم أشار إلى الثانى والثالث بقوله:
(وما * سواه ستر فعله لن يلزما) فشمل قوله وما سواه النوعين أعنى ما ناب عن إيا من الأسماء المضافة لضمير
المخاطب والمحذر منه وقوله ستر فعله لن يلزما يعنى أنهما منصوبان بفعل مضمر ويجوز إظهاره فتقول رأسك فيكون منصوبا بفعل محذوف ولك إظهاره فتقول نحّ رأسك ونحوه وتقول فى المحذر منه الأسد ولك إظهار العامل فتقول احذر الأسد وقد استثنى من ذلك نوعين أشار إليهما بقوله: (إلّا مع العطف أو التّكرار) فالعطف نحو رأسك والحائط والتكرار نحو الأسد الأسد وقد مثله بقوله: (كالضيغم الضيغم يا ذا السّارى) والضيغم الأسد والسارى اسم فاعل من سرى إذا مشى ليلا وهو مظنة الخوف من الضيغم وإنما وجب حذف العامل مع إيا لكثرة الاستعمال وأما مع العطف والتكرار فقد جعل كالبدل من اللفظ بالفعل وما مبتدأ وصلته سواه وستر فعله مبتدأ ثان وخبره لن يلزما والجملة خبر الأول وستر بفتح السين مصدر ستر والستر بكسرها هو الشئ الذى يستر به والمراد هنا الأول وقوله إلا إيجاب لنفى لن ومع متعلق بيلزم وذا فى قوله يا ذا السارى منادى والسارى صفته.
ثم قال: (وشذّ إيّاى وإياه أشذّ) قد تقدم أن إياك فى التحذير تكون للمخاطب غالبا وقد شذ ذلك للمتكلم كقول بعضهم إياى وأن يحذف أحدكم الأرنب وأشذّ منه أن يكون للغائب كقول بعضهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابّ. ثم قال:
стр. 257
(وعن سبيل القصد من قاس انتبذ) وفهم منه أن بعضهم قاس ذلك فى المتكلم والغائب إلا أنه جعل قياسه منتبذا أى مطروحا وإياى فاعل وشذ وإياه مبتدأ وخبره أشذ وحذف من مع أشذ والتقدير وإياه أشذ من إياى ومن قاس مبتدأ وخبره انتبذ وعن سبيل متعلق بانتبذ. ولما فرغ من التحذير انتقل إلى الإغراء فقال:
وكمحذّر بلا إيّا اجعلا ... مغرى به فى كلّ ما قد فصّلا
قد تقدم حدّ الإغراء يعنى أن المغرى حكمه حكم المحذر فى جميع ما تقدم فينصب بفعل واجب الإضمار إن كان مكررا كقوله:
- أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح (١٧٤)
أو معطوفا عليه كقولك: الأهل والولد، وبفعل جائز الإضمار فى غير العطف والتكرار نحو أخاك فيجوز الزم أخاك وقد فهم من كلامه هنا ومن الترجمة ومن البيت الأول أن الباب يشتمل على التحذير وهو مصدر حذر وهو مصرح به فى الترجمة والمحذّر منه وهو مفهوم من قوله: والشر والمحذر وهو مصرح به فى قوله محذر، والمحذر به وهو اللفظ المدلول به على التحذير وهو مفهوم من قوله بما استتاره وجب. وألف اجعلا بدل من نون التوكيد الخفيفة ومغرى مفعول أول لا جعلا وكمحذر فى موضع المفعول الثانى وبلا متعلق باجعلا.
أسماء الأفعال والأصوات
إنما ذكر أسماء الأفعال بعد التحذير والإغراء لأن بعض أسماء الأفعال مغرى به نحو: عليك ودونك وفهم من قوله أسماء الأفعال أنها أسماء وهو مذهب البصريين قوله:
стр. 258
ما ناب عن فعل كشتّان وصه ... هو اسم فعل وكذا أوّه ومه
شمل قوله ما ناب عن فعل اسم الفعل واسم الفاعل والمصدر النائب عن الفعل وخرج بالمثال اسم الفاعل والمصدر لأن معناه كشتان فى كونه غير معمول ولا فضلة فهو تتميم للحدّ وقد احتوى البيت على أربعة أسماء: الأول شتان وهو بمعنى بعد، وصه وهو بمعنى اسكت، وأوّه وهو بمعنى أتوجع، ومه وهو بمعنى اكفف، وما مبتدأ وهو موصول وصلته ناب وعن متعلق بناب وهو مبتدأ ثان وخبره اسم فعل والجملة خبر الأول ثم إن اسم الفعل يكون بمعنى الأمر وبمعنى المضارع وبمعنى الماضى وقد أشار إلى الأول بقوله: (وما بمعنى افعل كآمين كثر) يعنى أن ورود اسم الفعل فى كلام العرب بمعنى الأمر كثير وكفى بكثرته أن منه نوعا مقيسا وهو فعال من الثلاثى كنزال وليس من الثانى والثالث مقيس ومثل بآمين وهو بمعنى استجب ثم أشار إلى الثانى والثالث بقوله: (وغيره كوى وهيهات نزر) يعنى أن غير اسم الفعل بمعنى نزر أى قل وشمل قوله غيره ما بمعنى المضارع وقد مثله بقوله كوى ومعناه أتعجب، وما بمعنى الماضى وقد مثله بقوله هيهات ومعناه بعد. ثم اعلم أن من أسماء الأفعال ما هو فى الأصل جار ومجرور وظرف، وقد أشار إليهما بقوله:
والفعل من أسمائه عليكا ... وهكذا دونك مع إليكا
فأتى بثلاثة أمثلة اثنان من الجار والمجرور وواحد من الظرف فعليك بمعنى الزم وهو متعد بنفسه كقوله تعالى:
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ
[المائدة: ١٠٥] وبالباء نحو عليك بزيد ودونك بمعنى خذ كقولك دونك زيدا أى خذ زيدا وإليك بمعنى تنح ويتعدى بعن نحو إليك عنى أى تنح عنى وهذا النوع مسموع والمسموع منه أحد عشر لفظا الثلاثة المذكورة وكذلك كما أنت وعندك ولديك ووراءك وأمامك ومكانك وبعدك. والفعل مبتدأ ومن أسمائه عليك مبتدأ وخبره فى موضع خبر الأول ودونك مبتدأ وخبره هكذا وها للتنبيه. ثم قال:
(كذا رويد بله ناصبين)
يعنى أن رويد وبله من أسماء الأفعال بشرط كونهما ناصبين كقولك رويد زيدا وبله عمرا فلو خفضا ما بعدهما كانا مصدرين وإلى ذلك أشار بقوله: (ويعملان الخفض مصدرين) نحو رويد زيد وبله عمرو ومعنى رويد إذا كان اسم فعل أمهل وإذا كان مصدرا إمهالا ومعنى بله إذا
стр. 259
كان اسم فعل دع وإذا كان مصدرا تركا، وفهم منه أن الفتحة فى رويد وبله فتحة بناء لأن أسماء الأفعال كلها مبنية وإذا كانا مصدرين ففتحتهما فتحة إعراب لأن المصادر معربة، وفهم من قوله مصدرين أنه يجوز فيهما التنوين ونصب ما بعدهما بهما وهو الأصل فى المصدر المضاف ورويد وبله مبتدآن والخبر فى كذا وناصبين حال من الضمير المستتر فى المجرور الواقع خبرا ومصدرين حال من فاعل يعملان والضمير فى يعملان عائد على رويد وبله فى اللفظ لا فى المعنى فإن رويد وبله إذا كانا اسمى فعل غير اللذين يكونان مصدرين فى المعنى ثم قال: (وما لما تنوب عنه من عمل * لها) يعنى أن أسماء الأفعال تعمل عمل الأفعال التى بمعناها فترفع الفاعل إن كانت لازمة نحو هيهات زيد ويكون فاعلها واجب الإضمار إذا كان أمرا نحو نزال وتتعدى بحرف الجر إن كان فعلها كذلك نحو عليك بزيد وتنصب المفعول إن كان متعديا نحو نزال زيدا ثم قال: (وأخّر ما الذى فيه العمل) يعنى أنها فارقت الأفعال فى كونها لا يتقدم عليها منصوبها كما يتقدم فى الفعل فلا يقال فى نزال زيدا؛ زيدا نزال. وما مبتدأ وهو موصول وصلته لما وما المجرورة باللام موصولة أيضا وصلتها تنوب وعنه متعلق بتنوب وكذلك من عمل ولها خبر ما الأولى والعائد على ما الأولى ضمير مستتر فى الاستقرار الذى ناب عنه المجرور والضمير العائد على ما الثانية الهاء فى عنه والتقدير والعمل الذى استقر للأفعال التى نابت أسماء الأفعال عنها مستقر لها أى لأسماء الأفعال، والظاهر أن «ما» فى قوله ما الذى فيه العمل زائدة ولا يجوز أن تكون موصولة لأن الذى بعدها موصولة ولو قال وأخر الذى فيه العمل لكان أجود لسقوط الاعتذار عن ما وليس فى قوله عمل إيطاء مع قوله عمل لأن أحدهما نكرة والآخر معرفة. ثم قال:
واحكم بتنكير الّذى ينوّن ... منها وتعريف سواه بيّن
يعنى أن ما نوّن من أسماء الأفعال نكرة وما لم ينون منها معرفة فتقول صه ومه فيكونان معرفتين وصه ومه فيكونان نكرتين ومن أسماء الأفعال ما يلزم التعريف كنزال فإنه لم يسمع فيه تنوين وما يلزم التنكير كواها وهذا التنوين الذى يسميه النحويون تنوين التنكير وقد تقدم.
ولما فرغ من أسماء الأفعال شرع فى بيان أسماء الأصوات، وهى نوعان أحدهما ما خوطب به ما لا يعقل إما لزجره كعدس للبغل وإما لدعائه كأو للفرس، والآخر ما وضع لحكاية صوت حيوان كغاق فى صوت الغراب أو غير حيوان نحو قب لوقع السيف وقد أشار إلى النوعين السابقين فقال:
стр. 260
وما به خوطب ما لا يعقل ... من مشبه اسم الفعل صوتا يجعل
يعنى أن ما خوطب به ما لا يعقل من الحيوان من مشبه اسم الفعل فى صحة الاكتفاء به يجعل صوتا وشمل قوله ما خوطب ما كان للزجر كعدس وما كان للدعاء كأو فإن كليهما يخاطب به ما لا يعقل. وما مبتدأ وهى موصولة وصلتها خوطب وبه متعلق بخوطب والضمير فى به عائد على الموصول وما بعد خوطب مفعول لم يسمّ فاعله وهى موصولة أيضا وصلتها لا يعقل والضمير العائد عليها الفاعل بيعقل ويجعل خبر المبتدأ وصوتا مفعول ثان بيجعل وهو على حذف مضاف أى اسم صوت. ثم أشار إلى النوعين الآخرين بقوله:
(كذا الذى أجدى حكاية كقب)
يعنى من أسماء الأصوات ما أجدى حكاية أى أفاد حكاية وشمل قوله حكاية ما كان حكاية لصوت الحيوان كغاق ولصوت غير الحيوان كقب. ثم قال: (والزم بنا النّوعين فهو قد وجب) يعنى أن البناء لازم فى النوعين ويحتمل أن يريد بالنوعين نوعى أسماء الأصوات وأن يريد بهما أسماء الأفعال وأسماء الأصوات وهو أجود لشموله جميع الباب إذ البناء فى جميع ذلك لازم وقوله: (فهو قد وجب) تتميم للبيت لصحة الاستغناء عنه بقوله: والزم.
نونا التوكيد
قوله:
للفعل توكيد بنونين هما ... كنونى اذهبنّ واقصدنهما
يعنى أن الفعل يؤكد بنونين إحداهما ثقيلة كالنون فى اذهبن والأخرى خفيفة كالنون فى اقصدنهما ومعنى توكيد الفعل بهما أنهما يفيدان تحقيق معنى الفعل فإذا قلت اضربن ففيه توكيد لاضرب المجرد منها فهو أبلغ من المجرد وأوهم قوله للفعل شمول جميع الأفعال فأزال الإبهام بقوله:
يؤكدان افعل ويفعل آتيا ... ذا طلب أو شرطا إمّا تاليا
أو مثبتا فى قسم مستقبلا
стр. 261
يعنى أن هذين النونين لا يؤكدان جميع الأفعال بل يؤكدان ما ذكر، وذلك الأمر بصيغة افعل وشمل قوله افعل الأمر والدعاء لأنه أمر فى المعنى، وشمل أيضا الأمر للواحد والواحدة والاثنين والجمع مذكرين أو مؤنثين فتقول اضربن يا زيد واضربن يا هند واضربان واضربن واضربنان ويؤكدان أيضا المضارع بشروط: أولها أن يكون مستقبلا وهو المراد بقوله آتيا وفهم منه أن المضارع إذا أريد به الحال لا يؤكد بهما. الثانى أن يكون ذا طلب فشمل المقرون بلام الأمر نحو ليقومن ولا الناهية نحو لا تقومن وأداة التحضيض أو العرض نحو هلا تقومن أو التمنى نحو ليتك تقومن أو الاستفهام نحو هل تقومن. الثالث أن يقع بعد إن الشرطية المقرونة بإما نحو فإما ترين وهو المراد بقوله أو شرطا إما تاليا أى أو شرطا تاليا إما. الرابع أن يقع جوابا لقسم وهو مستقبل مثبت وهو المراد بقوله أو مثبتا فى قسم مستقبلا وقوله توكيد مبتدأ وخبره فى المجرور قبله وبنونين متعلق بتوكيد لأنه مصدر وهما كنونى اذهبن إلى آخر البيت مبتدأ وخبر والجملة صفة لنونى وافعل مفعول بيؤكدان ويفعل معطوف عليه وآتيا حال من يفعل وذا طلب حال بعد حال وشرطا معطوف على ذا طلب وتاليا نعت لشرط وما مفعول مقدم بتاليا ومثبتا معطوف على شرط وفى قسم متعلق بمثبت ومستقبلا نعت لمثبت ويجوز أن يكون آتيا حال من يفعل ولا يراد به قيد الاستقبال ويكون ذا طلب حالا من الضمير المستتر فى آتيا ويكون حينئذ شرط الاستقبال مستفادا من قوله ذا طلب أو شرطا لما علم من أن الطلب والشرط لا يكونان إلا مستقبلين ويؤيده قوله فى القسم مثبتا مستقبلا.
ثم اعلم أن نونى التوكيد يكونان مع غير ما ذكر على وجه القلة وإلى ذلك أشار بقوله:
وقلّ بعد ما ولم وبعد لا ... وغير إمّا من طوالب الجزا
فذكر أربعة مواضع تلحق فيها النونان الفعل المضارع على وجه القلة وذلك بعد ما والمراد بها ما الزائدة وبعد لم ولا النافيتين وبعد أداة الشرط غير إما، فمثاله بعد ما الزائدة قولهم بعين ما أرينك، ومثاله بعد لم قوله:
- يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيّه معمّما (١٧٥)
стр. 262
ومثاله بعد لا قوله : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥] ومثاله بعد الشرط بغير إما قوله:
- فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ... ومهما تشأ منه فزارة تمنعا (١٧٦)
أراد تمنعن فأبدل من النون الخفيفة ألفا فى الوقف، وغير مخفوض عطفا على لا.
ولما فرغ من ذكر ما يدخله نونا التوكيد على اختلاف أنواعه أخذ فى بيان ما ينشأ عن دخولها فى التغيير فقال: (وآخر المؤكّد افتح كابرزا) علم أن حق آخر المؤكد بهما الفتح لأنهم جعلوا الفعل معهما بمنزلة خمسة عشر فتقول اضربن ولا تقومن وابرزن ولا تبرزن. وآخر مفعول مقدم بافتح والمؤكد نعت لمحذوف تقديره وآخر الفعل المؤكد افتح. ثم إنه قد يعرض فى الأفعال المؤكدة بالنون عوارض توجب لها غير الفتح أشار إليها بقوله:
واشكله قبل مضمر لين بما ... جانس من تحرّك قد علما
يعنى أن الفعل المؤكد بإحدى النونين إذا كان فاعله ضميرا لينا فإنك تجعل فى آخر الفعل شكلا مجانسا لذلك الضمير وشمل قوله لين ألف التثنية وواو الجمع وياء المخاطبة فتقول هل تقومان يا زيدان وهل تقومن يا زيدون وهل تقومن يا هند وشمل أيضا الصحيح الآخر كالمثل والمعتل الآخر نحو هل تغزوان يا زيدان وهل تغزن يا زيدون وهل تغزن يا هند. ثم إن الضمير اللين إذا كان غير الألف حذف لالتقاء الساكنين وإليه أشار بقوله: (والمضمر احذفنّه) وأل فى المضمر للعهد أى المضمر المتقدم وهو اللين فتقول هل تقومن يا زيدون وأصله تقومون فاجتمعت الواو الساكنة والنون ساكنة فحذفت الواو لالتقائهما ثم استثنى من الضمائر المذكورة الألف فقال: (إلّا الألف) وإنما لم تحذف الألف لخفتها فتقول هل تقومان والهاء فى اشكله عائدة على آخر الفعل فهو على حذف مضاف أى اشكل آخره وقبل متعلق باشكله ولين نعت
стр. 263
لمضمر وأصله لين بالتشديد فخففه كما يخفف هين ولا يصح ضبطه بكسر اللام لأن اللين مصدر ولين صفة إلا أن يكون من باب النعت بالمصدر فيصح وليس بقياس وبما متعلق باشكله وما موصولة وهى واقعة على الحركات المجانسة وجانس صلة الموصول ومفعوله محذوف اختصارا تقديره بما جانس المضمر وقد علما فى موضع الصفة لتحرك وظاهره أنه تتميم والمضمر مفعول بفعل مضمر يفسره احذفنه والألف منصوب بالاستثناء. ثم إن الفعل إن كان آخره ألفا فإن له حكما غير ما تقدم وله حالتان: إحداهما أن يكون مرفوعه غير الياء والواو، والأخرى أن يكون مرفوعه الياء والواو وقد أشار إلى الأول بقوله:
وإن يكن فى آخر الفعل ألف ... فاجعله منه رافعا غير اليا
والواو ياء
أى اجعل الألف الذى فى آخر الفعل ياء إذا كان الفعل رافعا غير الياء والواو ويعنى بالياء ضمير المخاطبة وبالواو ضمير الجمع وشمل غيرهما ألف التثنية نحو هل تخشيان يا زيدان والظاهر مطلقا نحو هل يخشين زيد وهل تخشين هند وهل تخشين الهندان وهل يخشين الزيدون والضمير المستتر نحو هل تخشين فتقلب الألف فى جميع ذلك ياء ثم مثل ذلك فقال: (كاسعينّ سعيا) وفاعل هذا المثال ضمير مستتر والألف اسم يكن والخبر فى المجرور ويحتمل أن يكن تاما بمعنى وجد وهو أظهر والهاء فى قوله فاجعله عائدة على الألف وفى منه عائدة على الفعل ورافعا حال من الهاء فى منه وغير مفعول برافع وياء مفعول ثان لاجعله والتقدير اجعل الألف من الفعل ياء فى حال كون الفعل رافعا غير الياء والواو. ثم أشار إلى الحالة الثانية فقال:
واحذفه من رافع هاتين وفى ... واو ويا شكل مجانس قفى
يعنى أن الألف الذى فى آخر الفعل الذى كان حكمه مع رافع غير الياء والواو قلبه ياء احذفه إذا رفع الفعل الياء والواو واجعل الضمير الذى هو واو أو ياء محركا بحركة تجانسه فتحرك الواو بمجانسها وهو الضم وتحرك الياء بمجانسها وهو الكسر فتقول فى نحو يخشى رافعا للواو هل يخشون وأصله يخشيون فلما لحقت الواو ساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين فلما لحقت النون حركت الواو لالتقاء الساكنين وكانت الحركة ضمة لمجانستها مع الواو ومثل ذلك فيما إذا كان فاعله الياء ثم مثل بقوله:
стр. 264
نحو اخشين يا هند بالكسر ويا ... قوم اخشون واضمم وقس مسوّيا
فالمثال الأول لما كان مرفوعه ياء والثانى لما كان مرفوعه واوا فالعمل فى ذلك مثل ما ذكرت لك فى المثال السابق والضمير فى قوله واحذفه عائد على الألف وهاتين إشارة إلى الياء والواو وشكل مبتدأ ومجانسا فى موضع الصفة لشكل وقفى خبر لشكل وفى واو متعلق بقفى. ثم قال:
ولم تقع خفيفة بعد الألف ... لكن شديدة وكسرها ألف
يعنى أن نون التوكيد الخفيفة لا تقع بعد الألف وإنما تقع بعد الألف نون التوكيد الشديدة ويجب حينئذ كسرها لشبهها بنون المثنى وإنما لم تقع بعد الألف النون الخفيفة لأنه لا يجمع فى غير الوقف بين ساكنين الأول حرف لين والثانى مدغم وشمل قوله الألف ألف التثنية كقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ [يونس: ٨٩] والألف الفاصلة بين نون التوكيد ونون الإناث نحو لا تضربنان يا هندان، وهو المنبه عليه بقوله:
وألفا زد قبلها مؤكّدا ... فعلا إلى نون الإناث أسندا
وإنما شمل قوله الألف الألفين لوجود علة المنع فيهما وإنما لحقت الألف قبلها ليفصل بين الأمثال وهى نون الضمير ونون التوكيد وخفيفة فاعل بتقع وشديدة معطوف بلكن على خفيفة وكسرها ألف جملة اسمية مستأنفة ويمكن أن تكون فى موضع نصب على الحال من شديدة وألفا مفعول مقدم بزد ومؤكدا حال من الفاعل المستتر فى زد وفعلا مفعول بمؤكدا وأسندا فى موضع الصفة لفعل وإلى متعلق بأسندا ثم إن النون الخفيفة تحذف فى موضعين أشار إلى الأول منهما بقوله: (واحذف خفيفة لساكن ردف) يعنى أن نون التوكيد الخفيفة تحذف إذا لقيها ساكن كقولك اضرب الرجل، ومثله قوله:
- لا تهين الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه (١٧٧)
стр. 265
وفهم من قوله لساكن أنها مرادة معنى لأن حذفها معارض لفظى وهو التقاء الساكنين وفهم أيضا من قوله ردف أن الساكن الموجب لحذفها متأخر عنها. ثم أشار إلى الثانى بقوله:
(وبعد غير فتحة إذا تقف) يعنى أن النون الخفيفة تحذف أيضا إذا وقف عليها وكانت بعد ضمة أو كسرة نحو اخرجن يا زيدون واخرجن يا هند بعد أن تحذف من اخرجن واو الضمير ومن اخرجن ياء الضمير لالتقاء الساكنين فإذا وقف عليها ذهبت نون التوكيد لأنها لا تثبت فى الوقف فيرجع حينئذ ما حذف لأجلها وقد أشار إلى ذلك بقوله:
واردد إذا حذفتها فى الوقف ما ... من أجلها فى الوصل كان عدما
يعنى أنك إذا وقفت على النون الخفيفة حذفتها ورددت ما كان حذف لأجلها فى الوصل وهو الواو من اخرجن والياء من اخرجن فتقول يا زيدون اخرجوا ويا هند اخرجى، وفهم منه أيضا أن حذفها لعروض الوقف وأنها مرادة معنى وردف فى موضع الصفة لساكن وبعد متعلق باحذف وكذلك إذا وإذا حذفتها متعلق باردد وها عائدة على النون وما مفعول باردد وهى موصولة واقعة على الواو والياء المحذوفتين لأجل النون وصلتها عدما ومن أجلها وفى الوصل متعلقان بعدم والتقدير أردد فى الوقف إذا حذفت النون الشئ الذى عدم من أجلها فى الوصل. ثم قال:
وأبدلنها بعد فتح ألفا ... وقفا كما تقول فى قفن قفا
الضمير فى وأبدلنها عائد على النون الخفيفة يعنى أنها إذا وقعت بعد فتحة ووقفت عليها أبدلتها ألفا فتقول فى اضربن فى الوقف اضربا وفى قفن قفا وكذلك إذا وقفت على قوله : «لنسفعن» لنسفعا ووقفا مصدر فى موضع الحال من فاعل أبدلنها أى فى حال كونك واقفا ويحتمل أن يكون مفعولا له أى لأجل الوقف.
стр. 266
ما لا ينصرف
الصّرف تنوين أتى مبيّنا ... معنى به يكون الاسم أمكنا
يعنى أن الصرف هو التنوين الذى به يتبين أن الاسم الذى يتصل به يسمى أمكن وما صرح به من أن الصرف هو التنوين هو مذهب المحققين، ويمنع الاسم من الصرف لوجود علتين فيه أو علة تقوم مقام علتين وقصده فى هذا الباب أن يبين الأسماء التى لا تنصرف وإنما ذكر الصرف وعرفه لأن بمعرفته يعرف الاسم الذى لا ينصرف فما وجد فيه التنوين المذكور فهو منصرف وما لم يوجد فيه فهو غير منصرف. ثم اعلم أن جميع ما لا ينصرف اثنا عشر نوعا خمسة فى النكرة وسبعة فى المعرفة وقد شرع فى القسم الأول وبدأ منه بألف التأنيث فقال:
فألف التّأنيث مطلقا منع ... صرف الّذى حواه كيفما وقع
يعنى أن ألف التأنيث تمنع من الصرف مطلقا أى مقصورة كانت أو ممدودة كيفما كان الاسم الذى هى فيه من كونه نكرة أو معرفة مفردا أو جمعا نحو ذكرى وسلمى وحبلى وسكارى وخمراء وأسماء وزكرياء وإنما منعت ألف التأنيث وحدها لأنها قامت مقام علتين وهما التأنيث ولزوم التأنيث فألف التأنيث مبتدأ خبره منع ومطلقا حال من الضمير المستتر فى منع العائد على المبتدأ وحواه صلة الذى والضمير العائد من الصلة إلى الموصول الضمير المستتر فى حواه والهاء فى حواه عائدة على ألف التأنيث وكيفما وقع شرط حذف جوابه لدلالة ما تقدم عليه والتقدير كيفما وقع منع الصرف ثم أشار إلى النوع الثانى مما يمنع فى النكرة فقال:
وزائدا فعلان فى وصف سلم ... من أن يرى بتاء تأنيث ختم
يعنى أن زائدى فعلان وهما الألف والنون الزائدتان يمنعان الصرف إذا كانتا فى وصف سلم من أن يختم بتاء التأنيث، والمانع له من الصرف الألف والنون والصفة وفهم منه أن ذلك مخصوص بهذا الوزن الذى هو فعلان وفهم من قوله فى وصف أن هاتين الزيادتين لو كانتا فى غير الوصف لم يمنعا نحو سرحان وفهم منه أن الوصف المحتوى على هاتين
стр. 267
الزيادتين إذا أنث بالهاء لم يمنع نحو ندمان فإنك تقول فى مؤنثه ندمانة فمثال ما توفرت فيه شروط المنع غضبان وسكران فإنك تقول فى مؤنثهما غضبى وسكرى ولا يجوز فيهما غضبانة وسكرانة. وزائدا معطوف على الضمير المستتر فى منع العائد على ألف التأنيث وجاز العطف عليه للفصل بالمفعول والتقدير منع الصرف ألف التأنيث وزائدا فعلان ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه أى وزائدا فعلان كذلك وفى وصف متعلق بزائدا وسلم إلى آخر البيت فى موضع الصفة لوصف وختم فى موضع المفعول الثانى ليرى وبتاء متعلق بختم ثم أشار إلى النوع الثالث فقال:
ووصف اصلى ووزن أفعلا ... ممنوع تأنيث بتا كأشهلا
يعنى أن الوصف إذا كان على وزن أفعل وكان مؤنثه ممنوعا من التاء لا ينصرف وفهم منه أن أفعل إذا لم يكن وصفا انصرف كأفكل اسم للرعدة وفهم منه أن أفعل إذا كان الوصف به على خلاف الأصل لم يمتنع من الصرف كأربع من أسماء العدد وفهم أيضا أن الوصف إذا لم يكن على وزن أفعل لم يؤثر فى المنع كضارب وفهم منه أن أفعل الصفة إذا أنث بالتاء منصرف كقولهم أرمل للفقير فإن مؤنثه أرملة وشمل أفعل ما مؤنثه فعلاء كأحمر وحمراء وما مؤنثه فعلى كأكبر وكبرى وما لا مؤنث له كأكمر لعظيم الكمرة لأن قوله ممنوع تأنيث بتا شامل له وشمل أيضا ما اسميته عارضة كأدهم ووصف معطوف على زائدا ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر كما تقدم فى زائدى فعلان وأصلى نعت له وهو الذى سوغ الابتداء به إذا جعل مبتدأ ووزن معطوف على وصف وممنوع حال من أفعل وبتا متعلق بتأنيث ثم صرح بمفهوم قوله أصلى فقال:
(وألغينّ عارض الوصفيه * كأربع) يعنى أن وزن أفعل إذا كان اسما ووصف به فوصفيته غير معتد بها فى المنع لعروضها وذلك كأربع فإنه اسم من أسماء العدد لكن العرب وصفت به فقالوا مررت بنساء أربع فهو منصرف ولا أثر لوصفيته وكذلك رجل أرنب أى ذليل وأصله الأرنب وكما يلغى عارض الوصفية فكذلك يلغى أيضا عارض الاسمية وإليه أشار بقوله:
(وعارض الاسميّه) وهو عكس أربع ومعناه أن أفعل يكون فى الأصل وصفا فيجرى مجرى الأسماء فتلغى اسميته ويمنع من الصرف على مقتضى الأصل وقد مثل ذلك بقوله:
فالأدهم القيد لكونه وضع ... فى الأصل وصفا انصرافه منع
стр. 268
من أسماء القيد أدهم وهو فى الأصل وصف لكنه استعمل استعمال الأسماء فألغيت فيه الاسمية وبقى غير
منصرف على مقتضى الأصل فتقول مررت بأدهم أى بقيد ومثل أدهم فى ذلك أرقم لنوع من الحيات وأسود للحية أيضا. فالأدهم مبتدأ والقيد بدل منه بدل الشئ من الشئ وانصرافه منع خبر المبتدأ ولكونه متعلق بمنع وفى الأصل متعلق بوضع ثم إن من الأسماء التى على وزن أفعل ما جاء فيه الصرف ومنع الصرف وإلى ذلك أشار بقوله:
وأجدل وأخيل وأفعى ... مصروفة وقد ينلن المنعا
أجدل اسم للصقر وأخيل اسم لطائر ذى خيلان وأفعى اسم لضرب من الحيات وليست هذه الأسماء صفات لا فى الأصل ولا فى الاستعمال فحقها الصرف ولذلك صرفها أكثر العرب وبعض العرب يمنعها من الصرف ووجهه أنه لاحظ فيها معنى الصفة وهو ظاهر فى أجدل لأنه من الجدل وهو القوة وأخيل لأنه من الخيول وهو الكثير الخيلان وفهم من قوله مصروفة وقد ينلن أن الصرف هو الكثير. ثم أشار إلى النوع الرابع مما لا ينصرف فى النكرة فقال:
ومنع عدل مع وصف معتبر ... فى لفظ مثنى وثلاث وأخر
يعنى أن هذه الأسماء الثلاثة التى ذكرها فى هذا البيت يمتنع صرفها للعدل والوصف، أما مثنى فهو وصف وهو معدول عن اثنين اثنين فإذا قلت جاء القوم مثنى فمعناه جاء القوم اثنين اثنين فعدل عن اثنين إلى مثنى. وأما ثلاث فهو أيضا وصف وهو معدول عن ثلاثة ثلاثة فإذا قلت مررت بقوم ثلاث فمعناه مررت بقوم ثلاثة ثلاثة. وأما أخر فهو أيضا وصف وهو معدول عن الألف واللام وذلك لأنه جمع أخرى أنثى الآخر وحق ما كان كذلك أن يستعمل بأل أو بالإضافة فعدل عما يستحق من ذلك وقيل غير ذلك والمشهور ما ذكرته. ثم قال:
ووزن مثنى وثلاث كهما ... من واحد لأربع فليعلما
يعنى أن موازن مثنى وثلاث من ألفاظ العدد المعدول مثل هذين الوزنين فى امتناع الصرف للعدول والوصف فتقول مررت بقوم موحد وأحاد ومثنى وثناء ومثلث وثلاث ومربع ورباع ووزن مبتدأ والخبر فى قوله كهما أى مثلهما وأدخل كاف التشبيه على المضمر لضرورة
стр. 269
الوزن ومن واحد وما بعده فى موضع الحال من الضمير المستتر فى الخبر. ثم أشار إلى النوع الخامس فقال:
وكن لجمع مشبه مفاعلا ... أو المفاعيل بمنع كافلا
يعنى أن الجمع المشبه مفاعل أو المفاعيل فى كونه مفتوح الفاء وثالثه ألف بعدها حرفان كمفاعل أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كمفاعيل يمتنع صرفه لقيام الجمع فيه مقام علتين وهى الجمع وعدم النظير فى الواحد وشمل
قوله مفاعيل ما أوله الميم كمساجد وما أوله غيرها كدراهم وشمل قوله المفاعيل ما أوله ميم كمصابيح وما ليس أوله ميما كدنانير. وكافلا خبر كن وبمنع متعلق بكافلا ومفاعل مفعول بمشبه. ثم إن من هذا الجمع ما يجئ معتل اللام وهو قسمان أحدهما ما قلبت فيه الكسرة التى بعد الألف فتحة فانقلبت الياء ألفا نحو عذارى ولا إشكال فى منع التنوين منه والآخر ما استثقلت فى بابه بالضمة فحذفت ولحقها التنوين وإلى ذلك أشار بقوله:
وذا اعتلال منه كالجوارى ... رفعا وجرّا أجره كسارى
يعنى أن ما كان من الجمع المعتل اللام مثل جوار فى كونه على ما ذكر من حذف الحركة يجرى مجرى سار فى لحاق التنوين بآخره فى حالة الرفع والجر فتقول هذه جوار ومررت بجوار وسكت عن حالة النصب ففهم أنه على الأصل كالصحيح فتقول رأيت جوارى وفهم من قوله كالجوارى أن نحو عذارى ليس كذلك وإن كان معتلا وظاهر النظم أن التنوين فى جوار وبابه تنوين الصرف لتشبيهه له بسار وليس كذلك على المشهور بل التنوين فيه عوض عن الياء المحذوفة والتنوين فى سار للصرف ويخالفه أيضا أن المقدر فى ياء جوار الفتحة والمقدر فى ياء سار الكسرة. وذا اعتلال مفعول بفعل مضمر يفسره أجره وكسار متعلق بأجره ومنه متعلق باعتلال وكالجوارى فى موضع نصب على الحال من ذا اعتلال ثم قال:
ولسراويل بهذا الجمع ... شبه اقتضى عموم المنع
يعنى أن سراويل ممنوع من الصرف لشبهه بالجمع الذى على وزن مفاعيل وفهم من قوله شبه أن سراويل ليس بجمع وهو الصحيح خلافا لمن قال إنه جمع سروال أو سروالة. ثم قال:
стр. 270
وإن به سمّى أو بما لحق ... به فالانصراف منعه يحقّ
يعنى أن ما سمى به من الجمع المذكور أو بما لحق به كسراويل امتنع من الصرف فتقول فى رجل سميته مساجد أو سراويل مررت بمساجد وسراويل والمانع له من الصرف الصيغة مع أصالة الجمعية أو قيام العلمية مقامها هذا معنى ما شرح به المرادى البيت وعندى أن قوله وإن به أى إن سمى بسراويل أو بما لحق به يعنى جميع ما تقدمه من الأنواع الخمسة الممنوعة الصرف لمساواتها للجمع فى منع الصرف فى التسمية ولا وجه لتخصيص الجمع وما ألحق بالجمع فى منع الصرف حال التسمية والضمير فى به الأول على الشرح الأول عائد على الجمع وكذلك به الثانى وما واقعة على سراويل والضمير العائد على الموصول الفاعل بلحق وهو عائد على سراويل وأما على التفسير الثانى فالضمير فى به الأول عائد على سراويل وفى به الثانى عائد على أنواع ما لا ينصرف فى النكرة وما واقع على تلك الأنواع والضمير العائد عليها الهاء فى به والتقدير وإن سمى بسراويل أو بالأنواع التى
لحق بها سراويل أى تبعها فالانصراف منعه يحق فالانصراف مبتدأ ومنعه مبتدأ ثان ويحق خبر المبتدأ الثانى والجملة خبر المبتدأ الأول والأول مع ما بعده جواب الشرط. ولما فرغ من الأنواع الخمسة التى لا تنصرف فى النكرة ولا فى المعرفة شرع فى ذكر ما لا ينصرف فى المعرفة وهو سبعة أنواع أشار إلى الأول بقوله:
والعلم امنع صرفه مركّبا ... تركيب مزج نحو معديكربا
يعنى أن الاسم إذا اجتمع فيه العلمية والتركيب امتنع عن الصرف ويطلق التركيب فى اصطلاح النحويين على تركيب الإسناد وهى الجمل نحو برق نحره وعلى تركيب الإضافة نحو عبد شمس وعلى تركيب المزج وهو المراد هنا والمزج فى اللغة الخلط فيختلط الاسم مع الاسم ويجعل الإعراب فى آخر الثانى ويبنى آخر الأول على الفتح نحو بعلبك ما لم يكن آخره ياء فيسكن نحو معد يكرب وخرج بقوله تركيب مزج تركيب الإسناد وتركيب الإضافة وخرج بذكر المثال ما ختم بويه من المركب تركيب مزج فإنه يبنى على الكسر فى اللغة الفصحى والعلم مفعول يفسره امنع ومركبا حال من العلم وتركيب مفعول مطلق والعامل فيه مركب. ثم أشار إلى الثانى بقوله:
стр. 271
كذاك حاوى زائدى فعلانا ... كغطفان وكأصبهانا
يعنى أن العلمية أيضا تمنع الصرف مع زيادتى فعلان. ولما كان قوله فعلان يوهم إرادة هذا الوزن كما تقدم فى قوله وزائدا فعلان فى وصف أزال ذلك الإبهام بقوله: (كغطفان وكأصبهانا) فعلم أن الوزن غير مخصوص بفعلان لأن وزن أصبهان أفعلان ووزن غطفان فعلان وقد يكون على غير ذلك من الأوزان نحو سلمان وعمران وعثمان وخراسان وقوله حاوى مبتدأ وخبره فى المجرور قبله وهو على حذف الموصوف والتقدير كذا علم حاوى زائدى فعلانا. ثم انتقل إلى الثالث وهو التأنيث مع العلمية وهو ضربان لفظى ومعنوى وقد أشار إلى الأول منهما فقال: (كذا مؤنث بهاء مطلقا) يعنى أن العلم المؤنث بالهاء يمتنع صرفه مطلقا سواء كان ثنائيا كهبة أو زائدا كخولة وعائشة وسواء كان مدلول الاسم مؤنثا كفاطمة أو مذكرا كطلحة ثم إن المعنوى متحتم المنع وجائزه، وقد أشار إلى الأول بقوله:
وشرط منع العار كونه ارتقى ... فوق الثّلاث أو كجور أو سقر
أو زيد اسم امرأة لا اسم ذكر
فذكر من المؤنث الذى لا علامة فيه وهو متحتم المنع أربعة أنواع: الأول الزائد على الثلاثة كزينب وسعاد فإن الحرف الرابع قام مقام التاء. الثانى الثلاثى الساكن الوسط إذا انضمت إليه العجمة كجور اسم بلد وهو أعجمى، فقامت العجمة مقام الحركة. الثالث المتحرك الوسط كسقر لأن الحركة قامت مقام الحرف الزائد. الرابع أن يكون
منقولا من المذكر إلى المؤنث كما إذا سميت امرأة بزيد فإنه نقل من الخفة إلى الثقل وشرط مبتدأ ومنع مضاف إليه وهو أيضا مضاف إلى العار وهو مصدر مضاف إلى المفعول والعار أصله العارى بالياء فحذفت الياء واستغنى عنها بالكسرة وكونه خبر المبتدأ وارتقى فى موضع الخبر لكون وفوق متعلق بارتقى والثلاث مضاف فى التقدير أى فوق الثلاث الأحرف وحذف منه التاء لأن الحرف يذكر ويؤنث، وأو زيد مخفوض بالعطف على كجور أو سقر واسم امرأة حال من زيد ولا اسم معطوف عليه وهو تتميم لصحة الاستغناء عنه بقوله اسم امرأة. ثم أشار إلى الثانى من المؤنث الذى لا علامة فيه بقوله:
وجهان فى العادم تذكيرا سبق ... وعجمة كهند والمنع أحقّ
стр. 272
يعنى أن الثلاثى الذى عدم التذكير السابق وعدم العجمة يجوز فيه وجهان الصرف والمنع. والمنع أفصح وفهم ذلك من قوله والمنع أحق، وقد جمع الشاعر بين اللغتين فقال:
- لم تتلفّع بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد فى العلب (١٧٨)
فصرف الأول ومنع الثانى. ووجهان مبتدأ وسوغ الابتداء به التفصيل وخبره فى العادم وتذكيرا مفعول بالعادم وسبق فى موضع الصفة لتذكيرا وعجمة معطوف على تذكيرا. ثم انتقل إلى الرابع فقال:
والعجمىّ الوضع والتّعريف مع ... زيد على الثّلاث صرفه امتنع
يعنى إذا اجتمع فى الاسم العجمة الوضعية والعلمية وكان زائدا على ثلاثة أحرف امتنع من الصرف وفهم من قوله العجمى الوضع والتعريف أن الاسم إذا كان أعجميا وكان فى كلام العجم غير علم ونقل لكلام العرب علما انصرف أيضا نحو بندار، والمراد بالعجمى ما ليس من كلام العرب فشمل كلام الفرس وغيرهم من سائر الأعاجم، وفهم أيضا أنه إذا كان ثلاثيا انصرف وشمل الساكن الوسط كنوح ولوط والمتحرك الوسط نحو ملك. والذى توفرت فيه الشروط نحو إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والعجمى مبتدأ والوضع مضاف إليه والتعريف معطوف على الوضع ومع فى موضع الحال من العجمى وزيد مصدر زاد يقال زيد زيدا وزيادة وحذف التاء من الثلاث لأنه مضاف فى التقدير إلى الأحرف وفيها لغتان التذكير والتأنيث وصرفه امتنع مبتدأ وخبره فى موضع خبر المبتدأ الأول. ثم انتقل إلى الخامس فقال:
كذاك ذو وزن يخصّ الفعلا ... أو غالب كأحمد ويعلى
يعنى أن العلم إذا كان على وزن الفعل الخاص به أو الغالب فيه امتنع من الصرف فالخاص به نحو ضرب المبنى
للمفعول إذا سمى به وشمل الغالب ما وجوده فى الأفعال أكثر من وجوده فى الأسماء نحو افعل بكسر الهمزة وفتح العين فإنه يوجد فى الأسماء نحو إصبع
стр. 273
لكن وجوده فى الأفعال أكثر وهو فعل أمر من فعل ونحو ذلك وما كثر فى الأسماء والأفعال معا نحو أفعل فإنه يوجد فى الأفعال كثيرا نحو أركب وأشرب وكذاك فى الأسماء نحو أفكل وأبدع لكن الهمزة فى الفعل تدل على معنى وليست كذلك فى الأسماء فكان غالبا من هذا الوجه وكذلك يعلى وهو على وزن يفعل وهو أيضا موجود فى الأفعال والأسماء نحو نذهب فى الأفعال وندمع فى الأسماء ومثل للغالب بأحمد ويعلى ولم يمثل للخاصّ، وفهم منه أن وزن الفعل إذا لم يكن خاصا ولا غالبا لم يؤثر فى منع الصرف نحو لعسب اسم رجل فإنه منقول من لعسب إذا أسرع وذو وزن نعت لمحذوف تقديره علم ذو وزن ويخص الفعل فى موضع الصفة لوزن وغالب مخفوض بالعطف على يخص وهو من باب عطف الاسم على الفعل لكون أحدهما بمعنى الآخر والتقدير ذو وزن خاص بالفعل أو غالب يخص الفعل أو يغلب. ثم انتقل إلى السادس فقال:
وما يصير علما من ذى ألف ... زيدت لإلحاق فليس ينصرف
يعنى أنه إذا سمى بما فيه ألف إلحاق امتنع من الصرف للعلمية وشبه ألف التأنيث نحو علقى وذفرى مسمى بهما لأن علقى ملحق بجعفر وذفرى ملحق بدرهم، وفهم منه أن الإلحاق إذا كان بالهمزة وسمى به انصرف وذلك نحو علباء فإنه ملحق بقرطاس وإنما أثرت ألف الإلحاق المقصورة لأنها زائدة غير مبدلة من شئ بخلاف الممدودة فإن همزتها مبدلة من ياء. وما مبتدأ وهى موصولة وصلتها يصير وعلما خبر يصير وفى يصير ضمير هو اسمها وهو العائد على الموصول وزيدت لإلحاق فى موضع الصفة لألف وليس ينصرف فى موضع خبر المبتدأ. ثم انتقل إلى السابع وهو أربعة أنواع أشار إلى الأول والثانى منها بقوله:
والعلم امنع صرفه إن عدلا ... كفعل التّوكيد أو كثعلا
فالأول هو قوله كفعل التوكيد يعنى أن فعل المؤكد به نحو جمع يمتنع صرفه للعلمية والعدل أما العلمية فعلم الجنس وقيل إنه معرف بنية الإضافة فأشبه العلم لكونه معرفة بغير أداة لفظية والظاهر من النظم الأول. وأما العدل فهو معدول عن جمعيته الأصلية فإن حق جمعاء أن يجمع على جمعاوات. والثانى هو قوله كثعلا اسم رجل ومثله عمر وزفر فالمانع له العلمية والعدل أما العلمية فعلمية الأشخاص وأما العدل فهو معدول عن فاعل فعمر معدول عن عامر وزفر عن زافر وثعل عن ثاعل وإنما حكم على عمر ونحوه أنه معدول عن
стр. 274
عامر لأن الأكثر فى الأعلام أن تكون منقولة فعمر منقول عن عامر اسم فاعل من عمر يعمر فلما أرادوا التسمية بعامر عدلوا عنه لعمر اختصارا وجرّ التوكيد فى قوله كفعل التوكيد لإضافته إليه وثعل معطوف على فعل التوكيد. ثم أشار إلى الثالث فقال:
والعدل والتّعريف مانعا سحر ... إذا به التّعيين قصدا يعتبر
يعنى أن سحر إذا أريد به سحر يوم بعينه منع من الصرف للعدل والتعريف أما العدل فهو معدول عن الألف واللام وأما التعريف فالمراد به تعريف العلمية وهو علم على هذا الوقت نفسه فكل ما جاء فى هذا الباب من لفظ التعريف فالمراد به تعريف العلمية فسحر ظرف زمان غير متصرف ولا منصرف والعدل مبتدأ والتعريف معطوف عليه ومانعا خبر مضاف إلى سحر وهو على حذف مضاف أى مانعا صرف سحر وإذا متعلقا بمانع والتعيين مفعول لم يسم فاعله بفعل مضمر يفسره يعتبر وقصدا بمعنى مقصود وهو منصوب على الحال من فاعل يعتبر المستتر ثم أشار إلى الرابع بقوله:
وابن على الكسر فعال علما ... مؤنّثا وهو نظير جشما * عند تميم
فذكر فى فعال إذا كان علما لمؤنث لغتين إحداهما البناء على الكسر لشبهها بنزال فى الوزن والعدل والتأنيث والعلمية وهو قوله وابن على الكسر فعال علما مؤنثا. والأخرى إعرابه إعراب ما لا ينصرف للعلمية والعدل أما العلمية فعلمية الأشخاص كحذام وقد يكون فى علمية الأجناس كفجار والعدل عن فاعلة فحذام معدول عن حازمة وهو قوله وهو نظير جشما عند تميم، يعنى أنه عند تميم غير منصرف كجشم اسم رجل وهو ممنوع من الصرف وفهم من تنظيره ذلك بجشم أن المانع له من الصرف العدل والعلمية، وفهم من نسبة هذه اللغة إلى تميم أن اللغة السابقة وهى البناء على الكسر لغة أهل الحجاز وفعال مفعول بابن وعلى الكسر متعلق بابن وعلما ومؤنثا حالان من فعال وعند تميم متعلق بنظير.
ولما فرغ من ذكر أنواع الأسماء التى لا تنصرف شرع فى ذكر أحكام تتعلق بالباب فقال:
واصرفن ما نكّرا ... من كلّ ما التعريف فيه أثّرا
يعنى أن ما كان إحدى علتيه فى منع الصرف التعريف أى العلمية إذا نكر انصرف وذلك لزوال إحدى العلتين فتبقى العلة الأخرى ولا يؤثر فى منع الصرف إلا علتان والمراد بذلك
стр. 275
الأنواع السبعة المذكورة فتقول معد يكرب وعثمان وفاطمة وزينب وعمر لقيتهم وفهم منه أن الأنواع الخمسة المذكورة فى أول الباب غير داخلة فى هذا الحكم ولو سمى بها ونكرت لقصر الحكم على السبعة فإنه إذا سمى بواحد من الخمسة المذكورة ثم نكر لم ينصرف بعد التنكير فهى غير داخلة فى الحكم ولا يريد من كل ما التعريف فيه أثرا كائنا ما كان وكل مضاف لما وهى موصولة والتعريف مبتدأ وخبره أثرا وفيه متعلق بأثرا والجملة صلة ما والضمير فى فيه عائد على الموصول. ثم قال:
وما يكون منه منقوصا ففى ... إعرابه نهج جوار يقتفى
يعنى أن ما كان منقوصا من الأسماء التى لا تنصرف سواء كان من هذه الأنواع السبعة التى إحدى علتيها العلمية أو من الأنواع الخمسة التى تقدمتها فإنه يجرى مجرى جوار وقد تقدم أن جوار يلحقه التنوين رفعا وجرا ولا وجه لما حمل عليه المرادى كلام الناظم من أنه أشار فى البيت إلى الأنواع السبعة دون الخمسة لأن حكم المنقوص فيها واحد فمثاله فى غير التعريف أعيم فى تصغير أعمى فإنه غير منصرف للوصف ووزن الفعل ويلحقه التنوين رفعا وجرا فتقول هذا أعيم ومررت بأعيم والتنوين فيه عوض عن الياء المحذوفة كما فى نحو جوار ومثاله فى التعريف يعيل تصغير يعلى فهو غير منصرف للوزن والعلمية والتنوين فيه أيضا فى الرفع والجر عوض من المحذوف وما مبتدأ وهو موصول ومنقوصا خبر يكون ومنه متعلق بيكون والضمير فيه عائد على الاسم الذى لا ينصرف وفى إعرابه متعلق بيقتفى ونهج مفعول بيقتفى والنهج الطريق والجملة من يقتفى ومعمولاته خبر ما. ثم قال:
(ولاضطرار أو تناسب صرف * ذو المنع)
يعنى أن الاسم الذى لا ينصرف ينصرف فى موضعين أحدهما فى الضرورة كقوله:
- عصائب طير تهتدى بعصائب (١٧٩)
стр. 276
وهو فى الشعر كثير. الثانى التناسب كقوله سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً [الإنسان: ٤] فصرف سلاسل لتناسب ما بعده وصرف ما لا ينصرف فى الموضعين المذكورين متفق على جوازه وفهم ذلك من إطلاقه، وأما منع المنصرف من الصرف فقد أشار إليه بقوله: (والمصروف قد لا ينصرف) يعنى أن الاسم المنصرف قد يمنع من الصرف وهو مذهب الكوفيين وأما البصريون فلا يجيزون ذلك البتة وفهم الخلاف من قوله قد لا ينصرف فأتى معه بقد التى تقتضى التقليل، ومن أدلة الكوفيين على منع صرفه قوله:
- فما كان قيس ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع (١٨٠)
إعراب الفعل
قوله:
ارفع مضارعا إذا يجرّد ... من ناصب وجازم كيسعد
إنما أطلق فى إعراب الفعل المضارع وهو مقيد بأن لا تباشره نون الإناث ولا نون التوكيد لنصه على ذلك فى باب المعرب والمبنى فاكتفى بذلك وإعرابه رفع ونصب وجزم فبدأ بالرفع لأنه السابق إلا أنه لم ينص على رافعه وفيه خلاف، ومذهب البصريين أن رافعه وقوعه موقع الاسم، ومذهب الكوفيين أن رافعه تجرده من الناصب والجازم وهو اختيار المصنف وفى قوله إذا يجرد من ناصب وجازم إشعار ما بمذهبه ويجوز ضبط يسعد بضم الياء مبنيا للمفعول من أسعد يسعد وبفتحها مبنيا للفاعل من سعد يسعد ومضارعا مفعول بارفع وهو نعت لمحذوف والتقدير ارفع فعلا مضارعا، ثم شرع فى النواصب للفعل المضارع فقال: (وبلن انصبه وكى كذا بأن) فذكر منها فى البيت ثلاثة لن وهى حرف نفى
стр. 277
تنصب المضارع وتخلصه للاستقبال نحو زيد لن يذهب وكى وهى حرف مصدرى نحو جئتك لكى تكرمنى أى لأن تكرمنى وأن وهى أيضا حرف مصدرى وهى أصل النواصب لأنها تعمل ظاهرة ومضمرة وإنما قدم عليها لن وكى وكان حقه أن يقدمها عليهما لأصالتها للتفصيل الذى فيها ولذلك قال: (لا بعد علم) يعنى أن أن الناصبة هى التى تقع بعد غير العلم نحو أعجبنى أن تقوم وأحببت أن تذهب ودخل فى العلم الظن فلذلك استدرك الكلام فيه فقال:
والتى من بعد ظنّ ... فانصب بها والرّفع صحّح
يعنى أن أن إذا وقعت بعد الظن جاز أن تكون ناصبة فتنصب ما بعدها وجاز أن تكون مخففة من الثقيلة فترفع ما بعدها وقد قرئ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ [المائدة: ٧١] بالنصب والرفع أما النصب فعلى أنها ناصبة وأما الرفع فقد نبه عليه بقوله: (واعتقد * تخفيفها من أنّ فهو مطّرد) يعنى أنّ أن الواقعة بعد الظن إذا ارتفع المضارع بعدها مخففة من الثقيلة ولا فى قوله بعد علم عاطفة والمعطوف عليه محذوف والتقدير بأن بعد غير العلم والتى مبتدأ أو منصوب بفعل مضمر يفسره فانصب لها والرفع مفعول بصحح ومن أن متعلق بتخفيف وهو عائد على الرفع ويحتمل أن يكون عائدا على الحكم وهو جواز الرفع والنصب إذ كل واحد منهما أعنى من النصب والرفع مطرد. والحاصل أنّ أن تكون ناصبة وهى التى تقع بعد غير العلم والظن ومخففة من الثقيلة وهى التى تقع بعد العلم وجائزا فيها الأمران وهى التى تقع بعد الظن، ثم إن الواقعة بعد غير العلم والظن وهى الناصبة قد تهمل وإلى ذلك أشار بقوله:
وبعضهم أهمل أن حملا على ... ما أختها حيث استحقّت عملا
يعنى أن من العرب من يجيز إهمال أن غير المخففة حملا على ما المصدرية فيرتفع الفعل المضارع بعدها كقراءة بعضهم لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢٣٣] بالرفع وقول الشاعر:
- أن تقرآن على أسماء ويحكما ... منى السّلام وأن لا تشعرا أحدا (١٨١)
стр. 278
فرفع ما بعد الأولى ونصب ما بعد الثانية وكلاهما غير مخففة وإنما حملت فى ذلك على ما المصدرية لاشتراكهما فى المعنى وما المصدرية لا عمل لها كقوله : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [الكافرون: ٢] أى لا أعبد عبادتكم وبعضهم مبتدأ أى بعض العرب وأن مفعول بأهمل وحملا مصدر منصوب على الحال من الفاعل المستتر فى أهمل وأختها بدل من ما وحيث متعلق بأهمل. ثم انتقل إلى الناصب الرابع وهو إذن وهى ثلاثة أنواع: واجبة الإعمال وجائزته وواجبة الإهمال؛ وقد أشار إلى الأول بقوله:
ونصبوا بإذن المستقبلا ... إن صدّرت والفعل بعد موصلا
فذكر لإعمالها ثلاثة شروط: الأول أن يكون المضارع بعدها بمعنى الاستقبال وهو مستفاد من قوله المستقبلا وفهم منه أنه إذا كان حالا ارتفع نحو أن يقول القائل أحبك فتقول له إذن أصدقك. الثانى أن تكون إذن مصدرة أى فى أول الكلام وذلك أن يقول قائل آتيك غدا فتقول له إذن أكرمك وهو مستفاد من قوله إن صدّرت، وفهم منه أنه إذا لم تكن مصدرة لا تعمل وذلك إذا توسطت بين شيئين كقولك زيد إذن يكرمك. الثالث أن لا يفصل بينها وبين الفاعل فاصل كقولك إذن أكرمك وهو مستفاد من قوله موصلا، وفهم منه أنه إذا فصل بينهما فاصل لم تعمل نحو إذن أنا أكرمك ثم إن الفصل بينها وبين الفعل بالقسم مغتفر وقد نبه على ذلك بقوله: (أو قبله اليمين) فتقول إذن والله أكرمك لأن القسم لا يعتد به فاصلا لكثرة الفصل به بين الشيئين المتلازمين كالمضاف والمضاف إليه. ثم أشار إلى جواز عمله بقوله:
وانصب وارفعا ... إذا إذن من بعد عطف وقعا
يعنى أن إذن إذا وقع بعد عاطف جاز فى الفعل بعدها النصب والرفع نحو وإذن أكرمك، وقد قرئ وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٧٦] ثم اعلم أنّ أن هى أصل النواصب كما تقدم فلا إشكال فى النصب بها نحو أعجبنى أن تقوم وقد تقترن بغيرها من حرف جر أو حرف عطف وهى فى ذلك على ثلاثة أقسام: وجوب إظهار وجوازه ووجوب إضمار وقد أشار إلى الأول بقوله:
وبين لا ولام جرّ التزم ... إظهار أن ناصبة
يعنى أنّ أن إذا توسطت بين لام الجر وتسمى لام كى لأنها مثل كى فى إفادة التعليل
стр. 279
وبين لا وجب إظهارها وشمل لا النافية نحو زرتك لئلا تمقتنى والزائدة كقوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] وإنما وجب إظهارها فى ذلك كراهة اجتماع لامين وبين متعلق بالتزم وناصبة حال من أن والظاهر أنها مؤكدة لأنه قد علم أن كلامه فى الناصبة.
ثم أشار إلى الثانى بقوله:
(وإن عدم * لا فأن اعمل مظهرا أو مضمرا) يعنى أنه إذا عدم لا التى بعد أن جاز إضمار أن وإظهارها وقد جاء فى القرآن بالوجهين فمثال إضمارها قوله تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام: ٧١] ومثال إظهارها قوله : وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١٢] وتضمر أيضا جوازا بعد عاطف على اسم خالص وسيأتى ولا مفعول لم يسم فاعله بعدم وأن مفعول مقدم باعمل ومضمرا أو مظهرا حالان من الضمير المستتر فى اعمل.
وأما إضمارها وجوبا ففى خمسة مواضع: أشار إلى الأول منها بقوله: (وبعد نفى كان حتما أضمرا) يعنى أنه يجب إضمار أن بعد اللام الواقعة بعد كان المنفية وهى المسماة عند النحويين لام الجحود، وفهم منه أن الإضمار المذكور بعد اللام لعطفه الكلام على الذى قبله وقد صرح فيما قبل باللام فكأنه قال وبعد اللام الواقعة بعد نفى كان، وفهم من قوله نفى كان أن النافى لا يكون إلا لم أو ما ولا يكون لن ولا لا ولا أن لأنهن لا ينفين إلا المستقبل أو الحال وشمل كان التى بلفظ الماضى كقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣] ويكن المنفى بلم كقوله : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ [النساء: ١٣٧] لأنها ماضية فى الوجهين وبعد متعلق بأضمرا وفى أضمر ضمير يعود على أن المذكورة قبل وحتما حال من الضمير فى أضمرا أو نعت لمصدر محذوف أى إضمارا حتما.
ثم أشار إلى الثانى فقال:
كذاك بعد أو إذا يصلح فى ... موضعها حتى أو الّا أن خفى
يعنى أنه يجب إضمار أن بعد أو التى بمعنى حتى أو إلا، وشمل قوله حتى التى بمعنى إلى والتى بمعنى كى وفى الثانية خلاف مثاله بمعنى حتى التى بمعنى كى لأدعون الله أن يغفر لى ومثاله بعد التى بمعنى إلى لأنتظرنه أو يجئ ومثاله بمعنى إلا لأقتلن الكافر أو يسلم ومثال ما يحتمل المعانى الثلاثة لألزمنك أو تقضينى حقى وأن مبتدأ وخبره خفى وكذا وبعد وإذا متعلقات بخفى وحتى فاعل بيصلح وأو إلا معطوف على حتى وفى متعلق بيصلح والتقدير أن خفى كخفائه بعد كان المنفية أى وجوبا إذا يصلح فى موضعها إلا أو حتى التى بمعنى إلى أو
كى. ثم أشار إلى الثالث فقال:
стр. 280
وبعد حتى هكذا إضمار أن ... حتم كجد حتى تسرّ ذا حزن
يعنى أن الفعل المضارع إذا وقع بعد حتى فهو منصوب بأن مضمرة وجوبا والمراد بحتى هنا حتى الجارة وفهم ذلك من كون أن مقدرة بعدها وأن وما بعدها مقدرة بمصدر وهو فى موضع جر بها ولا يمكن أن يكون حرف ابتداء لأن الابتدائية لا يقع بعدها إلا جملة ولا عاطفة لعدم شروط العطف ومثال ذلك سرت حتى أدخل المدينة وجد حتى تسر ذا حزن، فإضمار أن مبتدأ وحتم خبره وبعد متعلق بحتم وكذلك كجد. ولما كان الفعل المضارع الواقع بعد حتى لا ينتصب بإضمار أن بعد حتى مطلقا بل بشرط كونه مستقبلا نبه على ذلك بقوله.
وتلو حتّى حالا أو مؤوّلا ... به ارفعنّ وانصب المستقبلا
يعنى أن المضارع بعد حتى إذا كان حالا كقولهم مرض حتى لا يرجونه أو مؤولا بالحال كقوله تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة: ٢١٤] فى قراءة نافع وجب رفعه وإن كان مستقبلا وجب نصبه كما تقدم فى البيت قبله وتلو مفعول مقدم بارفعن والمراد بالتلو المضارع التالى لحتى وحالا وأو مؤولا حالان من تلو وبه متعلق بمؤول والمستقبل مفعول بانصب. ثم انتقل إلى الرابع فقال:
وبعد فا جواب نفى أو طلب ... محضين أن وسترها حتم نصب
يعنى أنّ أن تنصب واجبة الإضمار الفعل المضارع الواقع بعد الفاء التى هى جواب النفى والطلب المحضين، مثال النفى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [فاطر: ٣٦] وشمل الطلب سبعة أشياء: الأول: الأمر نحو زرنى فأكرمك ومثله قول الراجز:
- يا ناق سيرى عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا (١٨٢)
стр. 281
الثانى: النهى نحو وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه: ٨١] الثالث: الدعاء كقول الشاعر:
- رب وفّقنى فلا أعدل عن ... سنن الماضين فى خير سنن (١٨٣)
الرابع: الاستفهام كقول الشاعر:
- هل تعرفون لباناتى فأرجو أن ... تقضى فيرتدّ بعض الروح للجسد (١٨٤)
الخامس: العرض كقوله:
- يا بن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدّثوك فما راء كمن سمعا (١٨٥)
السادس: التحضيض كقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [المنافقون:
١٠] السابع: التمنى كقوله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ [النساء: ٧٣] واحترز بقوله محضين من النفى المبطل بالإثبات نحو ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا ومن الأمر باسم الفعل نحو نزال فنكرمك فالرفع فى هذين ليس إلا وأن مبتدأ ونصب خبره وسترها حتم مبتدأ وخبر فى موضع الحال من فاعل نصب وبعد فا فى موضع الحال من مفعوله المحذوف وتقدير المفعول المحذوف نصب المضارع وستر بفتح السين وهو مصدر ستر وأما الستر بكسر السين فهو ما يستتر به والتقدير إن نصب الفعل فى حال كون الفعل بعدها أى بعد الفاء المجاب بها ما ذكر. ثم انتقل إلى الخامس فقال:
стр. 282
والواو كالفا إن تفد مفهوم مع ... كلا تكن جلدا وتظهر الجزع
يعنى أن الواو مثل الفاء المتقدمة فى وجوب إضمار أن بعدها ونصب الفعل المضارع بعد النفى أو الطلب وفهم ذلك من تشبيهه بها لكن بشروط: أن تكون للجمع وهو المنبه عليه بقوله إن تفد مفهوم مع نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن ومثله لا تكن جلدا وتظهر الجزع أى لا تجمع بين هذين وفهم منه أنها إن لم تكن للجمع فلا تنصب نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم إن أردت النهى عنهما مجتمعين ومتفرقين وبالرفع إن أردت النهى عن الأول واستئناف الثانى أى وأنت تشرب اللبن وإن تفد شرط حذف جوابه لدلالة ما تقدم عليه والتقدير إن تفد مفهوم مع فهى كالفاء. والألف واللام فى الفاء للعهد وهى السابقة. ثم أخذ فى بيان أحكام تتعلق بالباب فقال:
وبعد غير النّفى جزما اعتمد ... إن تسقط الفا والجزاء قد قصد
يعنى أن الفاء المتقدم ذكرها إذا حذفت بعد غير النفى وقصد الجزاء انجزم الفعل الذى بعدها وفهم منه أنه إن لم يقصد الجزاء فلا جزم بل يكون الفعل مرفوعا. فمثال الأمر:
- قفا نبك من ذكرى (١٨٦)
стр. 283
وأمثلة ما بقى مفهومة من المثل المتقدمة فى الفاء وبعد متعلق باعتمد وجزما مفعول باعتمد وإن تسقط شرط محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه والجزاء قد قصد جملة فى موضع الحال من فاعل تسقط ولما كان الطلب شاملا للأمر وغيره مما تقدم وكان النهى داخلا فى ذلك والجزم فيه بعد إسقاط الفاء ليس مطلقا بل بشرط نبه عليه بقوله:
وشرط جزم بعد نهى أن تضع ... إن قبل لا دون تخالف يقع
يعنى أن الجزم بعد النهى مشروط بصلاحية وضع إن الشرطية قبل لا النافية نحو لا تدن من الأسد تسلم لأن التقدير إن لا تدن من الأسد تسلم وفهم منه أنه إن لم يصلح وضع إن قبل لا لم ينجزم الفعل نحو لا تدن من الأسد يأكلك لأنه لا يصلح إن لا تدن من الأسد يأكلك.
وشرط جزم مبتدأ وبعد متعلق بجزم أو شرط وأن تضع فى موضع خبر المبتدأ وإن مفعول بتضع وقبل متعلق بتضع ودون فى موضع الحال من أن. ثم قال:
والأمر إن كان بغير افعل فلا ... تنصب جوابه وجزمه اقبلا
قد سبق أن شرط الطلب الذى ينتصب بعده الفعل المقترن بالفاء بإضمار أن؛ أن يكون محضا وذلك بأن يكون الأمر بصيغة أفعل كما مثل فلا ينصب بعد الطلب باسم الفعل نحو نزال فتصيب خيرا ولا بعد طلب بلفظ الخبر نحو حسبك الحديث فينام الناس وأجاز الكسائى النصب فيهما ولا شاهد معه وأما الجزم بعدهما إذا حذفت الفاء فلا خلاف فى جوازه ومنه فى الأول:
- مكانك تحمدى أو تستريحى (١٨٧)
стр. 284
لأن مكانك بمعنى اثبتى، ومنه فى الثانى قوله تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف:
١١ - ١٢] وقول عمر رضى الله عنه: «اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه» إذ معناه ليتق الله امرؤ، ومعنى الآية الكريمة آمنوا وجاهدوا يغفر لكم والله أعلم، والأمر مبتدأ وإن كان شرط وكان تامة بمعنى حصل، والتقدير والأمر إن حصل وبغير متعلق بكان وافعل مضاف إليه وفلا تنصب الفاء جواب الشرط ولا ناهية وتنصب مجزوم بها وجوابه مفعول بتنصب واقبلا فعل أمر والألف فيه بدل من النون الخفيفة وجزمه مفعول باقبلا. ثم قال:
والفعل بعد الفاء فى الرّجا نصب ... كنصب ما إلى التّمنّى ينتسب
يعنى أن الفعل المضارع ينتصب بأن بعد الفاء الواقعة جوابا للترجى كما ينتصب بعد الفاء الواقعة جوابا للتمنى كما سبق وإنما فصل الفاء فى هذا الموضع عن المواضع السابقة لما فيها من الخلاف أجاز النصب الفراء ومنعه الجمهور واختار المصنف مذهب الفراء وشاهده عندهما قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ [غافر ٣٦ - ٣٧] بالنصب فى قراءة حفص عن عاصم والفعل مبتدأ وخبره نصب ومفعول نصب محذوف اختصارا أى نصب المضارع وما موصولة وصلتها ينتسب وإلى التمنى متعلق بينتسب. ثم قال:
وإن على اسم خالص فعل عطف ... تنصبه أن ثابتا أو منحذف
يعنى أن الفعل المضارع إذا عطف على اسم خالص انتصب بأن ويجوز حينئذ إظهارها وإضمارها وكان حقه أن يذكر هذه المسألة عند ذكر لام كى فإنها مثلها فى جواز الإظهار والإضمار وفهم من قوله وإن على اسم أنه لو عطف على فعل لم ينتصب نحو يقوم زيد ويخرج عمرو وفهم من قوله خالص أنه لو عطف على اسم غير خالص كاسم الفاعل والمفعول لم ينتصب نحو الطائر فيغضب زيد الذباب وشمل الخالص الاسم الصريح كقولك لولا زيد ويحسن إلىّ بالنصب لهلكت ويجوز إظهار أن فتقول لولا زيد وأن يحسن إلىّ لهلكت والمصدر كقوله:
- ولبس عباءة وتقرّ عينى ... أحبّ إلىّ من لبس الشفوف (١٨٨)
стр. 285
لأن المصدر اسم خالص إذ هو من قبيل الجوامد بخلاف اسم الفاعل والمفعول وأطلق فى قوله عطف وهو مقيد بالواو كما مثل والفاء كقوله:
* لولا توقع معترّ فأرضيه *
وأو كقوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [الشورى: ٥١] فى قراءة غير نافع وثم كقوله:
- إنى وقتلى سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر (١٨٩)
وإن شرط وخالص نعت لاسم وفعل مفعول لم يسم فاعله بفعل مضمر يفسره عطف وعلى اسم متعلق بعطف وتنصبه جواب الشرط وإن فاعل تنصبه وثابتا وأو منحذف حالان من أن. ثم قال:
وشذّ حذف أن ونصب فى سوى ... ما مرّ فاقبل منه ما عدل روى
يعنى أن الفعل المضارع قد ينصب بأن مضمرة فى غير المواضع المذكورة على وجه الشذوذ كقولهم خذ اللص قبل يأخذك أى قبل أن يأخذك كقوله:
- فلم أر مثلها خباسة واجد ... ونهنهت نفسى بعد ما كدت أفعله (١٩٠)