إلى الموضع الرابع بقوله: (وذا يطرد * فى نحو خير القول إنى أحمد) يعنى أنه يطرد فى هذا المثال وما أشبهه كسر إن وفتحها فالكسر على معنى خير القول إنى أحمد أى خير القول هذا اللفظ الذى أوله إنى فيكون من الإخبار بالجملة عن مبتدأ فى معنى الجملة ولذلك لم يحتج إلى ضمير يربطها بالمبتدأ، ومعنى الفتح خير القول حمد الله ويحتمل أن يكون بهذا اللفظ أو بغيره مما يفهم الحمد ويكون من باب الإخبار بالمفرد لأن أن وما بعدها مؤولة بمفرد فذا مبتدأ أو هو إشارة إلى جواز الوجهين وخبره يطرد وفى متعلق بيطرد ونحو مضاف إلى مقدر أى فى
نحو قولك خير القول. ثم قال:
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر ... لام ابتداء نحو إنّى لوزر
يعنى أن اللام تدخل فى غير إن وفهم من اقتصاره على إن المكسورة أنها لا تزاد بعد غيرها من أخواتها خلافا لمن أجاز زيادتها بعد أن المفتوحة ولكنّ وفهم من قوله لام ابتداء أنها اللام التى تدخل على المبتدأ فى نحو لزيد قائم خلافا لمن قال إنها غيرها وإنما أخرت للخبر مع إن كراهية اجتماع حرفى تأكيد والخبر فاعل بتصحب ولام ابتداء مفعول، ويجوز العكس وهو أظهر وإنى لوزر محكى بقول محذوف والتقدير نحو قولك إنى لوزر والوزر الحصن. ثم إن مواضع هذه اللام أربعة: الخبر ومعمول الخبر والفصل والاسم، وأشار إلى الأول بقوله:
ولا يلى ذى اللّام ما قد نفيا ... ولا من الأفعال ما كرضيا
وقد يليها مع قد كإنّ ذا ... لقد سما على العدا مستحوذا
وتصحب الواسط معمول الخبر ... والفصل واسما حلّ قبله الخبر
يعنى أن هذه اللام لا تصحب الخبر إذا كان منفيا نحو إن زيدا لم يقم ولا الفعل الماضى والمتصرف الخالى من قد نحو إن زيدا لرضى وفهمت هذه الثلاثة من تمثيله برضى فى كونه ماضيا متصرفا خاليا من قد، وفهم منه أيضا أنها تصحب المفرد نحو إن زيدا لقائم والجملة الاسمية نحو إن زيدا لأبوه قائم والفعل المضارع نحو قوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [النحل: ١٢٤] والماضى الغير المتصرف نحو إن زيدا لنعم الرجل. وبقى من الشروط المفهومة من تمثيله برضى أن لا يلى الماضى قد فنبه عليه بقوله وقد يليها مع قد وفهم من قوله قد أن ذلك قليل ثم مثل ذلك بقوله: (كإن ذا * لقد سما على العدا مستحوذا) ومعنى مستحوذا غالبا. ثم أشار إلى الثانى بقوله: (وتصحب الواسط معمول الخبر) أى
стр. 72
تصحب اللام معمول الخبر المتوسط وشمل الظرف والمجرور وغيرهما نحو إن زيدا لعندك قاعد وإن عمرا لفيك راغب وإن زيدا لطعامك آكل. والواسط مفعول بتصحب ومعمول الخبر بدل منه أو حال ويجوز أن يكون المفعول معمول الخبر والواسط حال على مذهب من أجاز تعريف الحال وهذا الوجه أظهر من جهة المعنى. ثم أشار إلى الثالث فقال: والفصل أى تصحب الفصل فهو مفعول بفعل محذوف أو معطوف على الواسط فلا يحتاج إلى تقدير فعل ومثاله قوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٩] ولم يقيد الفصل بشئ لأنه معلوم أنه لا يكون إلا متوسطا بين الاسم والخبر. ثم أشار إلى الرابع بقوله: واسما حل قبله الخبر يعنى أن لام الابتداء تدخل
أيضا على الاسم بشرط تقديم الخبر عليه لئلا يجمع بين حرفى توكيد مثاله قوله تعالى: وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى [الليل: ١٣] وفهم مما تقدم أن الخبر فى ذلك لا يكون إلا ظرفا أو مجرورا وفهم من اشتراط الفصل فى الاسم أن ذلك مشروط فى الخبر أيضا لاتحاد العلة ونصب اسما بالعطف على الفصل أو بفعل محذوف والأول أظهر وحل قبله الخبر جملة فى موضع الصفة لاسم. ثم قال:
ووصل ما بذى الحروف مبطل ... إعمالها وقد يبقّى العمل
إذا اتصلت ما الزائدة بهذه الحروف كفت عملها لزوال اختصاصها بالأسماء نحو قوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: ١٧١]. وقد سمع الإعمال فى ليت فى قول النابغة:
- قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد (٤٤)
على رواية النصب وقاس بعضهم على ليتما سائرها وهو مذهب الناظم لإطلاقه فى قوله:
وقد يبقى العمل ووصل مبتدأ ومبطل خبره وإعمالها مفعول وبذى الحروف متعلق بوصل وقد يبقى العمل جملة مستأنفة ثم قال:
стр. 73
وجائز رفعك معطوفا على ... منصوب إنّ بعد أن تستكملا
يعنى أنه يجوز رفع المعطوف على اسم إن بشرط أن تستكمل خبرها نحو إن زيدا قائم وعمرو، وفهم من قوله: وجائز أن النصب أيضا جائز وهو الأصل، وفهم من قوله بعد أن تستكملا أنه لا يجوز الرفع فى المعطوف على اسم إن قبل أخذها الخبر نحو إن زيدا وعمرو قائمان ورفع المعطوف على اسم إن بشرطه إما على العطف على الموضع وإما على تقديره مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما تقدم عليه والتقدير إن زيدا قائم وعمرو قائم فيكون من عطف الجمل وإما معطوف على الضمير المستتر فى الخبر وفيه ضعف لعدم الفصل ورفعك مبتدأ وخبره جائز
ومعطوفا منصوب برفعك وعلى متعلق بمعطوف وبعد متعلق بجائز ويجوز أن يكون متعلقا برفعك والتقدير ورفعك معطوفا على منصوب إن بعد استكمالها الخبر جائز. ثم قال:
وألحقت بإنّ لكنّ وأن ... من دون ليت ولعلّ وكأن
يعنى أنه يجوز أيضا رفع المعطوف على اسم أن المفتوحة ولكن بالشرط المذكور فمثاله بعد أن قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٣] وبعد لكن نحو ما قائم بكر لكن زيدا قائم وعمرو وإنما ألحقت أن ولكن بإن لأنهما لا يغيران معنى الابتداء بخلاف البواقى ثم تمم البيت بقوله: (من دون ليت ولعل وكأن) ولو استغنى عن قوله من دون ليت إلخ لم يخل بالمعنى ثم قال:
وخفّفت إنّ فقلّ العمل ... وتلزم اللّام إذا ما تهمل
يعنى أن إن المكسورة إذا خففت قلّ عملها وذلك لزوال اختصاصها نحو قوله :
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ [هود: ١١١] وفهم منه أن إهمالها هو الكثير كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [الطارق: ٤] وأل فى العمل إما للعهد أى العمل المذكور وإما بدل من الضمير والتقدير فقلّ عملها. ثم قال: (وتلزم اللام إذا ما تهمل) يعنى أنها إذا خففت يلزم خبرها اللام وإنما لزمت اللام للفرق بينها وبين إن النافية واللام فاعل تلزم والمفعول محذوف وتقدير الكلام وتلزم اللام الخبر وأل فى اللام للعهد وهى التى تصحب إن المشددة المتقدم ذكرها وفهم منه أنها ليست غيرها خلافا للفارسى. ثم قال:
стр. 74
وربّما استغنى عنها إن بدا ... ما ناطق أراده معتمدا
يعنى أنه قد يستغنى عن اللام بعد إن المخففة إذا أمن اللبس بينها وبين إن النافية لاعتماد الناطق بها على ذلك كقول الشاعر:
- أنا ابن أباة الضّيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن (٤٥)
فإن صدر البيت مدح فعلم أن إن فى عجزه ليست للنفى لئلا يتناقض صدر البيت وعجزه فلم يحتج إلى اللام الفارقة. وعنها فى موضع رفع باستغنى على أنه نائب عن الفاعل وما موصولة مرفوعة ببدا وناطق مبتدأ وأراده خبره والجملة صلة لما والضمير فى أراده عائد على ما ومعتمدا بكسر الميم حال من فاعل أراده ويجوز فتح الميم على أنه حال من مفعول أراده والتقدير إن ظهر المعنى الذى أراده الناطق معتمدا عليه. ثم قال:
والفعل إنّ لم يك ناسخا فلا ... تلفيه غالبا بإن ذى موصلا
يعنى أن الفعل إذا وقع بعد إن المخففة لا يكون إلا من نواسخ الابتداء فى الغالب كقوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً
[البقرة: ١٤٣] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ [القلم: ٥١] وفهم من قوله غالبا أنه قد يكون غير ناسخ كقوله:
- شلّت يمينك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المتعمّد (٤٦)
وقولهم إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه والفعل مبتدأ وإن لم يك ناسخا شرط والجواب
стр. 75
فلا تلفيه أى لا تجده وغالبا حال من الهاء فى تلفيه وموصلا مفعول ثان لتلفيه وبإن متعلق بموصلا وذى بدل من إن أو نعت لها والجملة من الشرط والجواب خبر الفعل والضمير العائد من الخبر إلى المبتدأ مستتر فى يك. ثم قال:
وإن تخفّف أنّ فاسمها استكنّ ... والخبر اجعل جملة من بعد أن
يعنى أن أن المفتوحة إذا خففت لم تهمل كما أهملت إن بل يستكن فيها اسمها وفهم عدم إهمالها من قوله اسمها فإنه لا يطلق عليه اسمها إلا وهى عاملة فيه وتجوّز فى قوله استكن وإنما هو محذوف إذ لا يستكن الضمير إلا فى الفعل أو ما أجرى مجراه. ثم قال: (والخبر اجعل جملة من بعد أن) يعنى أن خبر أن بعد ذلك الاسم المستكن فى أن لا يكون إلا جملة فشمل الجملة الاسمية والفعلية وفهم منه أنه لا يكون مفردا والخبر مفعول أول باجعل وجملة
هو المفعول الثانى ومن متعلق باجعل. ثم قال:
وإن يكن فعلا ولم يكن دعا ... ولم يكن تصريفه ممتنعا
فالأحسن الفصل بقد أو نفى أو ... تنفيس أو لو وقليل ذكر لو
يعنى أن الخبر الذى ذكر أنه يكون جملة إذا كان مصدرا بفعل غير دعاء متصرف فالأحسن أن يفصل بينه وبين أن بقد أو بأداة نفى أو بالسين أو بسوف أو لو أما قد فيفصل بها بينها وبين الماضى كقوله تعالى: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا [المائدة: ١١٣] وأما النفى فيكون بلا وبلن فيفصل بهما بين أن وبين المضارع كقوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩] وأما السين وسوف فيفصل بهما بينها وبين المضارع كقوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ [المزمل: ٢٠] ومثله قولك علمت أن سوف يقوم زيد وأما لو فيفصل بها بين أن وبين الماضى كقوله تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا [الجن: ١٦] وقوله: وقليل ذكر لو أى قليل من يذكرها من النحويين لا إن الفصل بها قليل وفهم من قوله فالأحسن أنه يجوز أن يأتى بغير فصل كقوله:
- علموا أن يؤمّلون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل (٤٧)
стр. 76
وفهم من سكوته على الجملة الاسمية أنها لا يفصل بينها وبين أن وذلك على نوعين الأول أن يتقدم المبتدأ على الخبر نحو قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: ١٠] والآخر أن يتقدم الخبر كقول الشاعر:
- فى فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (٤٨)
وفهم من اشتراطه فى الفعل الشروط المذكورة أنه لا يفصل بينهما إذا كان الفعل دعاء كقوله تعالى: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها [النور: ٩] أو غير متصرف كقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩] واسم يكن ضمير عائد على الخبر وفعلا خبرها ولم يكن دعا جملة معطوفة على الجملة قبلها والفاء جواب الشرط والأحسن الفصل جملة اسمية وبقد متعلق بالفصل لأنه مصدر وذكر لو مبتدأ وقليل خبر مقدم. ثم قال:
وخفّفت كأنّ أيضا فنوى ... منصوبها وثابتا أيضا روى
يعنى أن كأن تخفف أيضا ولا تهمل وفهم عدم إهمالها من قوله: فنوى منصوبها فهى إذا كأن المفتوحة المخففة إلا أن اسم كأن قد يكون منويا وقد يكون ثابتا وفهم ذلك من قوله:
وثابتا أيضا روى وفهم أيضا من كونه لم يشترط فى خبرها أن يكون جملة كما ذكر فى أن أن خبرها يكون جملة ويكون مفردا فمثال الجملة قوله:
- ووجه مشرق النحر ... كأن ثدياه حقّان (٤٩)
فاسمها فى هذا البيت ضمير الشأن وهو محذوف والجملة من قوله ثدياه حقان فى موضع الخبر ومثاله مفردا قوله:
стр. 77
- ويوما توافينا بوجه مقسّم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (٥٠)
وكأن ثدييه حقان فى رواية النصب وفهم من اقتصاره على إن وأن وكأن أن باقيها لا يكون فيه هذا الحكم، أما لعلّ وليت فلا يخففان وأما لكن فإنها تخفف لكنها لا تعمل مخففة.
ثم قال:
لا التى لنفى الجنس
قوله لا التى لنفى الجنس أى التى يقصد بها نفى الجنس على سبيل الاستغراق ورفع احتمال الخصوص فإذا أريد
بها ذلك كانت مختصة بالأسماء فعملت. ثم قال:
عمل إنّ اجعل للا فى نكره ... مفردة جاءتك أو مكرّره
وإنما عملت عمل إن لأنها فى النفى نظيرة إن فى الإيجاب إذ إن توكيد للإيجاب ولا توكيد للنفى ولما كان عملها بالحمل على إن ضعفت فلم تعمل إلا فى النكرة ولذلك قال فى نكرة وقوله مفردة جاءتك نحو لا رجل فى الدار أو مكررة نحو لا حول ولا قوة إلا بالله إلا أن عمل المفردة واجب وعمل المكررة جائز وسيأتى، وعمل مفعول باجعل وللا متعلق باجعل وكذلك فى نكرة مفردة ومكررة حالان من الضمير فى جاءتك العائد على لا. ثم إن النكرة التى تعمل فيها لا على ثلاثة أقسام: مضافة، ومشبهة بالمضاف، ومفردة، وقد أشار إلى الأول والثانى بقوله:
فانصب بها مضافا أو مضارعه ... وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
стр. 78
يعنى أنها تنصب المضاف والمشبه بالمضاف، والمراد بالمشبه بالمضاف ما عمل فيما بعده فمثال المضاف لا غلام رجل فى الدار ومثال المشبه بالمضاف لا طالعا جبلا عندك ولا ما را بزيد فى الدار ولا حسنا وجهه فى الدار، وإنما سمى مشبها بالمضاف لعمله فيما بعده كالمضاف، وقوله: (وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه) أى بعد نصبك الاسم مثاله لا ظالم رجل محمود ولا طالب علم محروم، وفهم من قوله وبعد ذاك أن الخبر لا يجوز تقديمه على
الاسم وبعد متعلق باذكر والخبر مفعول مقدم باذكر ورافعه حال من الضمير المستتر فى اذكر والهاء فى رافعه عائدة على الخبر، ثم قال:
وركّب المفرد فاتحا كلا ... حول ولا قوّة ...
المراد بالمفرد فى هذا الباب ما ليس بمضاف ولا مشبه بالمضاف وفاتحا حال أى فى حال كونك فاتحا ثم أتى بمثال لا فيه مكررة وقد تقدم أن لا إذا كررت كان عملها جائزا لا واجبا، ولذلك قال:
والثّان اجعلا * مرفوعا أو منصوبا أو مركّبا * وإن رفعت أوّلا لا تنصبا
فهذه خمسة أوجه. والأول فتحهما معا وهو المستفاد من المثال، الثانى فتح الأول ورفع الثانى، وهو مستفاد من قوله: (والثان اجعلا مرفوعا) الثالث فتح الأول ونصب الثانى وهو مستفاد من قوله: (أو منصوبا) فهذه ثلاثة أوجه فى الثانى مع فتح الأول. والرابع رفع الأول والثانى. والخامس رفع الأول وبناء الثانى على الفتح وهما مستفادان من قوله: (وإن رفعت أوّلا لا تنصبا) فنهى عن نصب الثانى مع رفع الأول وبقى رفعه وبناؤه على الفتح ووجه فتحهما أنهما مبنيان مع لا ووجه نصب الثانى أنه معطوف على موضع اسم لا ووجه رفعه أنه مبتدأ محذوف الخبر أو معطوف على لا مع اسمها لأنهما فى موضع رفع بالابتداء أو على إعمال لا عمل ليس ووجه رفع الأول والثانى أنهما مبتدءان أو أعملا عمل ليس ووجه رفع الأول وفتح الثانى أن الأول مبتدأ أو اسم لا إن عملت عمل ليس، والثانى مبنى مع لا والثانى مفعول أول باجعلا ومرفوعا مفعول ثان وما بعده معطوف عليه ومعنى أو التخيير وإن رفعت شرط ولا تنصبا جوابه وهو على حذف الفاء أى فلا تنصبا والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة. ثم قال:
ومفردا نعتا لمبنىّ يلى ... فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
يعنى أنه يجوز فى نعت الاسم لا المبنى على الفتح ثلاثة أوجه فتحه ونصبه ورفعه وذلك
стр. 79
بشرطين الأول أن يكون مفردا وهو المنبه عليه بقوله ومفردا. الثانى أن يكون متصلا بالمنعوت وذلك مفهوم من قوله يلى أى يلى المنعوت فتقول لا رجل قائم أو قائما أو قائم فوجه الفتح تركيب الصفة مع الموصوف ووجه النصب الحمل على موضع اسم لا، ووجه الرفع الحمل على موضع لا مع اسمها، ومفردا مفعول مقدم بافتح أو انصب أو ارفع فهو من باب التنازع مع تأخير العوامل وقدم مفردا على نعتا وحقه التأخير عنه لأنه وصف له لأجل الضرورة ويجوز نصبه على الحال لأنه نعت نكرة تقدم عليها والمبنى متعلق بنعت ويلى فى موضع الصفة لمبنى وأو للتخيير، وتعدل مجزوم على جواب الأمر. ثم قال:
وغير ما يلى وغير المفرد ... لا تبن وانصبه أو الرّفع اقصد
أشار فى هذا البيت إلى مسألتين: الأولى أن يكون اسم لا مبنيا على الفتح والنعت مفردا إلا أنه مفصول بينهما. الثانية أن يكون النعت يلى المنعوت إلا أنه غير مفرد أى مضاف فمثال الأولى لا رجل فى الدار ظريفا أو ظريف ولا يجوز البناء للفصل بينهما ومثال الثانية لا رجل قاصد غلام فالفتح فيه أيضا ممتنع لمكان الإضافة ووجه النصب فيها على اللفظ لأن المبنى هنا شبيه بالمعرب ووجه الرفع حمله على موضع لا مع اسمها وغير ما يلى مفعول مقدم بتبن والرفع مفعول مقدم باقصد. ثم قال:
والعطف إن لم تتكرّر لا احكما ... له بما للنّعت ذى الفصل انتمى
يعنى أنه إذا عطف على اسم لا المبنى ولم تتكرر لأجاز فى المعطوف ما جاز فى النعت المفصول وهو النصب والرفع وامتنع البناء عن الفتح لفصل العاطف فتقول لا رجل وامرأة بالنصب على اللفظ كقول الشاعر:
- فلا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا (٥١)
وامرأة بالرفع على المحل كقول الشاعر:
стр. 80
- هذا وجدكم الصّغار بعينه ... لا أمّ لى إن كان ذاك ولا أب (٥٢)
فجعل لا زائدة أو عطف على الموضع والعطف مبتدأ وخبره احكما له وما موصولة وصلتها انتمى وللنعت متعلق بانتمى وذى الفصل صفة للنعت وله متعلق باحكما، وكذلك بما والضمير فى قوله له هو الرابط بين المبتدأ والخبر ويجوز نصب العطف بفعل مضمر يفسره احكما وهو أجود وعلى هذا فجواب الشرط الذى هو إن لم تتكرر محذوف لدلالة ما تقدم عليه والتقدير احكم للعطف بما انتسب للنعت المفصول إن لم تتكرر لا فاحكم له
بذلك ويجوز أن يكون خبر العطف جملة الشرط والجواب معا إلا أن فى هذا الوجه حذف الفاء من جواب الشرط والتقدير فاحكم. ثم قال:
وأعط لا مع همزة استفهام ... ما تستحقّ دون الاستفهام
يعنى أن حكم لا إذا دخلت عليها همزة الاستفهام كحكمها إذا لم تدخل عليها فى جميع الوجوه المتقدمة وفيها نظر لأنه قد يحدث فيها إذا دخلت عليها همزة الاستفهام معان وهى التمنى والتوبيخ وقد يبقى كل واحد منهما على معناه وظاهره أنه موافق فى ذلك للمازنى والمبرد فإنها عندهما تجرى مجراها قبل الهمزة مطلقا، وأما ألا التى للعرض فلا مدخل لها فى هذا الباب لأنها لا تدخل إلا على الفعل. ولا مفعول أول بأعط وما مفعول ثان وصلتها تستحق ومع متعلق بأعط ودون متعلق بتستحق وليس قوله الاستفهام مع قوله استفهام بإيطاء، لأن الأول نكرة والثانى معرفة. ثم قال:
стр. 81
وشاع فى ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
يعنى إذا لم يعلم خبر لا فلا يجوز حذفه كقوله:
- وردّ جازرهم حرفا مصرّمة ... ولا كريم من الولدان مصبوح (٥٣)
وإن علم كثر حذفه عند الحجازيين ووجب عند بنى تميم وطيئ وفهم من إطلاقه فى الخبر أنه لا فرق بين أن يكون ظرفا أو مجرورا أو غيرهما خلافا لمن فصل وفهم من قوله: فى ذا الباب أن حذف الخبر فى غير هذا الباب ليس بشائع وإن علم، والمراد فاعل بفعل محذوف يفسره ظهر وجواب إذا محذوف لدلالة ما تقدم عليه.
ظن وأخواتها
من نواسخ الابتداء ظن وأخواتها فتدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما بعد أخذها الفاعل مفعولين على التشبيه بأعطيت، وهى على قسمين: قلبية وتصييرية وقد أشار إلى الأول بقوله:
انصب بفعل القلب جزأى ابتدا
وجزأى الابتداء هما المبتدأ والخبر ولما كانت أفعال القلوب منها ما يعمل العمل المذكور ومنها ما لا يعمل نحو تيقن وتفكر ونحوهما أشار إلى الأول بقوله:
أعنى رأى خال علمت وجدا ... ظنّ حسبت وزعمت مع عد
حجا درى وجعل اللذ كاعتقد. ... وهب تعلّم
ثم إن هذه الأفعال القلبية منها ما يفيد فى الخبر يقينا وتسمى علمية ومنها ما يفيد فيه ترددا مع رجحان الوقوع وتسمى ظنية ولم يرتبها فى النظم بل ذكرها على حسب ما سمح به الوزن وأنا أنبه على كل واحد منها، أما رأى فهى بمعنى علم، تقول: رأيت زيدا عالما أى علمته وأما خال فهى بمعنى ظن وعلم هى أصل الأفعال العلمية وبها يفسر سائرها ووجد بمعنى علم وظن هى أيضا أصل الأفعال الظنية وبها يفسر سائرها وحسب بمعنى ظن وزعم بمعنى
стр. 82
ظن وعدّ كذلك وحجا كذلك أيضا ودرى بمعنى علم وجعل كذلك وفيها زيادة وهى الاعتقاد ولذلك قال: وجعل اللذ كاعتقد وهب بمعنى ظن وتعلم بمعنى اعلم فهذه ثلاثة عشر فعلا كلها متساوية فى نصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان وهى كلها معطوفة على رأى على حذف العاطف، فهى كلها مفعولة بأعنى إلى زعمت، وعد مخفوضة بمع ومع متعلق بأعنى وحجا ودرى وجعل معطوفات على عد واللذ نعت لجعل وصلته كاعتقد وهب
وتعلم معطوفان أيضا على ما بعد مع ولهذه الأفعال معان أخر ولم أنبه عليها لأنها ليست من هذا الباب ثم شرع فى القسم الثانى وهى التصييرية بقوله:
... والّتى كصيّرا ... أيضا بها انصب مبتدا وخبرا
يعنى انصب بالأفعال التى بمعنى صير المبتدأ والخبر وهى ما دل على تحويل كما تنصب بالقلبية ولم يذكر ألفاظ الأفعال التصييرية كما ذكر القلبية وهى صير وأصار وجعل ورد واتخذ وتخذ وترك ووهب فى نحو وهبنى الله فداك أى جعلنى. والتى مبتدأ خبره انصب بها ويجوز أن يكون فى موضع نصب بفعل يفسره انصب من باب الاشتغال وهو أجود. ثم قال:
وخصّ بالتّعليق والإلغاء ما ... من قبل هب
يعنى أن الأفعال المذكورة قبل هب تختص دون سائر أفعال هذا الباب بالتعليق والإلغاء، فالتعليق ترك العمل لموجب، والإلغاء ترك العمل لغير موجب ويحتمل قوله خص أن يكون ماضيا مبنيا للمفعول وما فى موضع رفع به وأن يكون فعل أمر وما فى موضع نصب به، والأول أظهر ومن قبل هب صلة لما وبالتعليق متعلق بخص. ثم قال:
والأمر هب قد ألزما ... كذا تعلّم
يعنى أن هذين الفعلين يلزمان صيغة الأمر فلا يستعملان ماضيين ولا مضارعين وفهم منه أنه يجوز إسنادهما إلى الضمير المفرد المذكر والمؤنث وإلى المثنى والمجموع فتقول يا زيدان هبانى قائما ويا زيدون هبونى قائما فإن فعل الأمر صالح لذلك. وهب مبتدأ وخبره قد ألزما وفى ألزما ضمير يعود على هب والأمر مفعول ثان بألزم، وتعلم مبتدأ خبره كذا، أى مثل هب فى لزومه الأمر. ولما أتى بأفعال هذا الباب كلها بلفظ الماضى وكان غير الماضى وهو الأمر والمضارع واسم المفعول مثل الماضى فى العمل المذكور أشار إلى ذلك بقوله:
ولغير الماض من ... سواهما اجعل كلّ ما له زكن
стр. 83
قوله من سواهما أى من سوى هب وتعلم لأنهما لازمان للأمر وزكن أى علم وكل مفعول باجعل وما موصولة وزكن صلتها وله متعلق بزكن ولغير متعلق باجعل ومن فى موضع الحال من غير والتقدير اجعل كل ما علم للماضى من الحكم لغير الماضى فى حال كونه من سوى هب وتعلم. ثم قال:
وجوّز الإلغاء لا فى الابتدا
تقدم أن الإلغاء ترك العمل لغير موجب وفهم من قوله وجوز أنه جائز لا واجب وفهم من قوله لا فى الابتداء ثلاث
صور أن يتأخر عنهما نحو زيد قائم ظننت أو يتوسط بينهما نحو زيد ظننت فاضل أو يتقدم على المفعولين ويتقدم عليه غيره نحو متى ظننت زيد قائم؟ وفى جوازه الإلغاء فى هذه الصورة الثالثة خلاف وظاهر كلامه جوازه لأن الفعل ليس فى الابتداء ولم يتعرض الناظم إلى الأرجح، والأرجح الإلغاء مع التأخير والإعمال مع التوسط بين المفعولين وفهم من قوله لا فى الابتدا أن إعمال المتقدم واجب والإلغاء مفعول بجوز ولا عاطفة والمعطوف عليه محذوف تقديره وجوز الإلغاء فى التأخير والتوسط لا فى الابتداء، وأجاز الكوفيون الإلغاء مع التقدم واستدلوا بقوله:
- كذاك أدّبت حتى صار من خلقى ... أنّى وجدت ملاك الشّيمة الأدب (٥٤)
وهذا ونحوه مؤول عند البصريين إما على نية ضمير الأمر والشأن فيكون الفعل باقيا على عمله والجملة فى موضع المفعول الثانى وإما على تقدير لام الابتداء وإلى ذلك أشار بقوله:
وانو ضمير الشّأن أو لام ابتدا ... فى موهم إلغاء ما تقدّما
أى إذا ورد من كلام العرب ما يوهم إلغاء الفعل المتقدم فلك فى تأويله وجهان أحدهما أن
стр. 84
تنوى فيه ضمير الشأن فيكون التقدير أنى رأيته ملاك الشيمة الأدب فيكون الفعل باقيا على عمله والجملة مفسرة للضمير فى موضع المفعول الثانى أو تقدر لام الابتداء فيكون التقدير أنى رأيت لملاك الشيمة فيكون الفعل معلقا وفى موهم متعلق بانو وإلغاء مفعول بموهم وما موصولة واقعة على الفعل وتقدم صلتها. ثم قال:
والتزم التّعليق قبل نفى ما ... وإن ولا لام ابتداء أو قسم
كذا والاستفهام ذا له انحتم
قد تقدم أن التعليق ترك العمل لموجب وهو أن يفصل بين الفعل ومفعوليه بأحد الأشياء الستة التى ذكرها. الأول ما النافية كقوله : وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [فصلت:
٤٨] الثانى إن النافية كقوله تعالى: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٥٢] الثالث لا قال فى شرح التسهيل من أمثلة ابن السراج أحسب لا يقوم زيد قال ابن هانئ يظهر أنه لم يحفظ له مثالا عن العرب نثريا ولا شعريا، وقد أنشدت عليه:
- فعش معدما أو مت كريما فإننى ... أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه (٥٥)
الرابع لام الابتداء كقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ [البقرة: ١٠٢] الخامس لام القسم. كقوله:
- ولقد علمت لتأتينّى منيتى ... إن المنايا لا تطيش سهامها (٥٦)
السادس الاستفهام كقوله : وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠٩] وعلم من قوله والتزم أن التعليق لازم بخلاف الإلغاء والتعليق مفعول بالتزم وقبل متعلق به ولام ابتداء مبتدأ وكذا خبره وأو قسم معطوف عليه على حذف مضاف والتقدير لام ابتداء أو لام قسم كذا والاستفهام مبتدأ وذا مبتدأ ثان وخبره انحتم وله متعلق بانحتم والجملة خبر المبتدأ الأول والضمير العائد على ذا الفاعل بانحتم والعائد على الاستفهام الضمير فى له. ثم قال:
لعلم عرفان وظنّ تهمه ... تعدية لواحد ملتزمه
стр. 85
يعنى أن علم إذا كانت بمعنى عرف وهو أن يكون معناها متعلقا بالمفرد تتعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى: لا
تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
[الأنفال: ٦٠] وأن ظن إذا كانت بمعنى اتهم تتعدى أيضا إلى مفعول واحد كقولك ظننت زيدا على المال أى اتهمته وليس حينئذ من أفعال هذا الباب وتعدية مبتدأ وخبره فى المجرور قبله ولواحد متعلق بتعدية وملتزمة صفة لتعدية وأضاف علم إلى العرفان وهو مصدر عرف وأضاف ظن إلى تهمة وهو مصدر اتهم. ثم قال:
ولرأى الرّؤيا انم ما لعلما ... طالب مفعولين من قبل انتمى
يعنى أن رأى الحلمية ينتسب لها من العمل ما انتسب لعلم الطالبة للمفعولين السابقة لأنها شبيهة بها فى كونها فيها إدراك بالحس الباطنى ومنه قوله:
- أراهم رفقتى حتى إذا ما ... تولّى الليل وانخزل انخزالا (٥٧)
وأضاف رأى للرؤيا ليعلم أنها الحلمية لأن مصدرها الرؤيا ومصدر رأى البصرية رؤية واحترز بقوله طالب مفعولين من علم العرفانية وانم بمعنى انسب وانتمى بمعنى انتسب وما موصولة واقعة على حكم علم المتعدية إلى مفعولين وهى مفعولة بانم وصلتها انتمى ولرأى متعلق بانم، ولعل متعلق بانتمى وطالب مفعولين حال من علم، وكذلك من قبل متعلق بانتمى والتقدير انسب العمل الذى انتسب من قبل لعمل فى حال كونه مفعولين لرأى الرؤيا.
ثم قال:
ولا تجز هنا بلا دليل ... سقوط مفعولين أو مفعول
يعنى أن المفعولين فى هذا الباب لا يجوز حذفهما معا ولا حذف أحدهما من غير أن يدل على الحذف دليل وهذا هو الحذف على جهة الاقتصار لأنهما فى الأصل مبتدأ وخبر، وفهم منه أنه يجوز حذفهما وحذف أحدهما إذا دل على الحذف دليل، وهو الحذف على جهة الاختصار فمن حذفهما معا قوله:
стр. 86
- بأى كتاب أم بأيّة سنّة ... ترى حبّهم عارا علىّ وتحسب (٥٨)
أى وتحسب حبهم عارا علىّ ومن حذف الأول، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ [آل عمران: ١٨٠). أى بخلهم، ومن حذف الثانى قول عنترة:
- ولقد نزلت فلا تظنى غيره ... منى بمنزلة المحبّ المكرم (٥٩)
أى فلا تظنى ذلك واقعا، وسقوط مفعول بتجز وهنا وبلا دليل متعلقان بتجز. ثم قال:
وكتظنّ اجعل تقول إن ولى ... مستفهما به ولم ينفصل
بغير ظرف أو كظرف أو عمل ... وإن ببعض ذى فصلت يحتمل
وأجرى القول كظن مطلقا ... عند سليم نحو قل ذا مشفقا
يعنى أن أصل القول وما اشتق منه أن يدخل على الجملة فتحكى به وقد ينصب المفرد إذا كان فى معنى الجملة كقولك قلت خطبة ثم إنه قد يضمن معنى الظن فينصب مفعولين وذلك بشروط الأول أن يكون مضارعا الثانى أن يكون مفتتحا بتاء المخاطب، وهذان الشرطان مفهومان من قوله: تقول الثالث أن تدخل عليه أداة الاستفهام وهو المنبه عليه بقوله: (إن ولى مستفهما به) الرابع أن لا يفصل بينهما بغير الظرف أو المجرور أو أحد المفعولين وهو المنبه عليه بقوله: (ولم ينفصل * بغير ظرف أو كظرف أو عمل) فمثال ما لا فصل فيه أتقول زيدا منطلقا، ومنه قوله:
- متى تقول القلص الرّواسما ... يدنين أمّ قاسم وقاسما (٦٠)
стр. 87
ومثال الفصل بالظرف كقولك أعندك تقول عمرا مقيما وبالمجرور: أفى الدار تقول زيدا جالسا ومثال الفصل بأحد المفعولين أزيدا تقول منطلقا ومثله قوله:
- أجهّالا تقول بنى لؤىّ ... لعمر أبيك أم متجاهلينا (٦١)
ويعنى بقوله عمل أحد المفعولين لأنه بمعنى معمول وفى تنكير عمل إشعار بأنه لا يفصل إلا بأحد المفعولين لا بهما لأن التنكير يشعر بالتقليل وقوله: وإن ببعض ذى فصلت يحتمل تصريح بما فهم من الشطر الذى قبله وذى إشارة إلى الثلاثة المتقدمة وهى الظرف والمجرور وأحد المفعولين فإن لم تستوف الشروط بطل العمل وتعينت الحكاية وإن استوفيت الشروط جاز النصب والحكاية، وقوله: (وأجرى القول كظن مطلقا)، البيت يعنى أن بنى سليم ينصبون بالقول مطلقا أى بلا شرط، يريد على جهة الجواز لأن الرفع على الحكاية عندهم جائز فتقول على الأول قلت عمرا منطلقا وقل ذا مشفقا. ومنه قول بعضهم:
- قالت وكنت رجلا فطينا ... هذا لعمر الله إسرائينا (٦٢)
والقول مرفوع بأجرى ومطلقا حال من القول وعند سليم متعلق بأجرى وقل فعل أمر وذا مفعول أول ومشفقا مفعول ثان.
أعلم وأرى
إذا دخلت همزة التعدية على فعل غير متعد تعدى إلى واحد نحو أدخل زيدا وإن دخلت على متعد إلى واحد تعدى بها إلى اثنين نحو ألبست زيدا ثوبا وإن دخلت على متعد إلى اثنين تعدى بها إلا ثلاثة وذلك فى فعلين خاصة وهما علم ورأى وإليهما أشار بقوله:
стр. 88
إلى ثلاثة رأى وعلما ... عدّوا إذا صارا أرى وأعلما
يعنى أن علم ورأى المتعديين إلى اثنين إذا دخلت عليهما همزة النقل تعديا بها إلى ثلاثة فالمفعول الأول هو الذى كان فاعلا بهما قبل دخول الهمزة والثانى والثالث هما اللذان كانا منصوبين بهما فرأى وعلم مفعول مقدم بعدوا وإلى ثلاثة وإذا متعلقان بعدوا والضمير فى صارا عائد على علم ورأى وأرى وأعلم خبر صارا ثم قال:
وما لمفعولى علمت مطلقا ... للثّان والثّالث أيضا حقّقا
يعنى أن جميع ما استقر من الحكم للمفعولين فى رأى وعلم قبل دخول الهمزة من إلغاء وتعليق ومنع الحذف لغير دليل وجوازه لدليل ثابت للثانى والثالث من مفاعيل أعلم وأرى فما موصولة وهى مبتدأ وصلتها لمفعولى ومطلقا حال من الضمير المستتر فى المجرور العائد على ما وخبر ما حقق وللثان متعلق بحقق ثم قال:
وإن تعدّيا لواحد بلا ... همز فلاثنين به توصّلا
يعنى أن علم العرفانية ورأى البصرية المتعديتين إلى واحد إذا دخلت عليهما همزة التعدية تعديا إلى اثنين وليستا حينئذ من هذا الباب ولا من الباب الذى قبله لأن المفعول الثانى غير الأول فهو من باب كسا وأعطى، ولذلك أشار بقوله:
والثّان منهما كثانى اثنى كسا ... فهو به فى كلّ حكم ذو ائتسا
يعنى أن المفعول الثانى من هذين المفعولين كالمفعول الثانى من باب كسا يجوز فيه الحذف اختصارا واقتصارا
ويمتنع فيه ما جاز فى مفعولى علمت المتعدية إلى اثنين من إلغاء وتعليق وغير ذلك من الأحكام الجائزة فيه، وفهم من تشبيهه بباب كسا أن المفعول الثانى أيضا كالمفعول الأول من باب كسا إذ لا وجه لتخصيصه المفعول الثانى بالذكر فالضمير فى تعديا عائد على علم العرفانية ورأى البصرية وبلا همز متعلق بتعديا والفاء جواب الشرط ولاثنين وبه متعلقان بتوصلا والضمير فى به عائد على الهمز والثانى مبتدأ وخبره كثانى وفى كل حكم متعلق بائتسا وكذلك به ثم قال:
وكأرى السّابق نبّا أخبرا ... حدّث أنبأ كذاك خبّرا
стр. 89
ذكر أن أفعال هذا الباب سبعة والذى أثبت سيبويه منها أعلم وأرى ونبأ وزاد أبو على أنبأ وألحق بها السيرافى حدث وأخبر وخبر ونبأ مبتدأ وأخبر وحدث وأنبأ معطوفات عليه على حذف العاطف وخبره فى المجرور قبله وخبر مبتدأ خبره كذاك.
الفاعل
هو الاسم المسند إليه فعل أو ما جرى مجراه مقدما عليه على طريقة فعل أو فاعل وقد استغنى الناظم عن هذا التعريف بالمثال فقال:
الفاعل الّذى كمرفوعى أتى ... زيد منيرا وجهه نعم الفتى
فأتى بمثالين الأول أتى زيد فزيد فاعل لأنه اسم أسند إليه فعل على طريقة فعل وقدم عليه وهو أتى والثانى منيرا وجهه فوجهه فاعل لأنه اسم أسند إليه وصف جار مجرى الفعل على طريقة فاعل وهو منير ثم تمم البيت بقوله: نعم الفتى وفيه تنبيه على أن فعل الفاعل يكون غير متصرف فقوله الفاعل مبتدأ والذى خبره وهو موصول صلته كمرفوعى وهو مضاف إلى المثالين على حذف القول والتقدير كمرفوعى قولك أتى زيد منيرا وجهه. ثم قال:
وبعد فعل فاعل فإن ظهر ... فهو وإلّا فضمير استتر
يعنى أن الفعل لا بد له من فاعل وفهم من قوله بعد أن الفاعل لا يكون إلا بعد الفعل وقوله فإن ظهر أى فإن ظهر ما هو فاعل فى المعنى فهو الفاعل فى الاصطلاح والمراد بظهر برز فشمل الظاهر نحو قام زيد والضمير البارز نحو قمت وقوله وإلا أى وإن لم يبرز وقوله فضمير استتر نحو قم ففى قم ضمير مستتر إذ لا يستغنى الفعل عن الفاعل وفاعل مبتدأ خبره فى الظرف قبله وفإن ظهر شرط والفاء جواب الشرط وهو مبتدأ وخبره محذوف تقديره الفاعل وإن شرط ولا نافية وفعل الشرط محذوف تقديره وإن لا يظهر والفاء جواب الشرط وضمير
خبر مبتدأ مضمر تقديره وإلا فهو ضمير واستتر فى موضع الصفة لضمير. ثم قال:
وجرّد الفعل إذا ما أسندا ... لاثنين أو جمع كفاز الشّهدا
يعنى أن الفعل إذا أسند إلى فاعل مثنى أو مجموع جرد من علامة التثنية والجمع فتقول قام الزيدان وقام الزيدون هذه هى اللغة الفصيحة وفهم من المثال أن شرط الفاعل المذكور أن يكون ظاهرا فالفعل مفعول بجرد وبعده مجرور محذوف تقديره من العلامتين ولاثنين متعلق بأسند. ثم أشار إلى اللغة الأخرى بقوله:
стр. 90
وقد يقال سعدا وسعدوا ... والفعل للظّاهر بعد مسند
هذه اللغة يسميها النحويون لغة أكلونى البراغيث وهى أن يلحق الفعل المسند إلى المثنى ألف والمسند إلى الجمع المذكر واو، والمسند إلى الجمع المؤنث نون فتقول سعدا أخواك وسعدوا إخوتك وسعدن بناتك وهذه الأحرف اللاحقة للفعل على هذه اللغة ليست بضمائر وإنما هى علامات للفعل كالتاء فى قامت هند ويكون المسند إليه بلفظ التثنية والجمع كما ذكر وبعطف آخر الاسمين على الأول كقوله:
- تولّى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه معبد وحميم (٦٣)
وفهم من قوله قد يقال قلة هذه اللغة، وفهم من قوله: والفعل للظاهر بعد مسند أن هذه الحروف علامات لا ضمائر وسعدا فى موضع رفع بيقال والواو فى قوله والفعل واو الحال أى والحالة هذه. ثم قال:
ويرفع الفاعل فعل أضمرا ... كمثل زيد فى جواب من قرا
يعنى أن الفعل قد يحذف ويبقى الفاعل وتجوّز فى قوله أضمرا والمراد حذف وشمل إطلاقه الحذف جوازا كالمثال الذى ذكر، والحذف وجوبا كقوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ [التوبة: ٦] ويجوز فى زيد المثال أن يكون فاعلا والتقدير قرأ زيد وأن يكون مبتدأ محذوف الخبر وهو أجود لمطابقة الجواب للسؤال فإن السؤال جملة اسمية، ومن حذفه جوازا قوله فى قراءة ابن عامر وشعبة: يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ [النور: ٣٦، ٣٧] أى يسبح له رجال. ثم قال:
وتاء تأنيث تلى الماضى إذا ... كان لأنثى كأبت هند الأذى
يعنى أن الفعل الماضى إذا أسند إلى المؤنث لحقته تاء تدل على تأنيث فاعله، وهى فى ذلك على قسمين: لازمة وجائزة؛ وقد أشار إلى اللازمة بقوله:
стр. 91
وإنّما تلزم فعل مضمر ... متّصل أو مفهم ذات حر
فذكر أنها تلزم فى موضعين: الأول أن يكون المسند إليه ضميرا متصلا وشمل الحقيقى التأنيث نحو هند قامت والمجازى التأنيث نحو الشمس طلعت. واحترز بقوله متصل من المنفصل نحو ما قام إلا أنت. الثانى أن يكون المسند إليه ظاهرا حقيقى التأنيث وهو المشار إليه بقوله ذات حر، والحر الفرج وفعل مفعول بتلزم وفى تلزم ضمير مستتر يعود على التاء ومضمر على حذف مضاف والتقدير فعل فاعل مضمر ومتصل نعت لمضمر فلو فصل بين الفعل والفاعل الحقيقى التأنيث فإما أن يكون الفاصل غير إلا أو إلا فإن كان الفاصل غير إلا فقد أشار إليه بقوله:
وقد يبيح الفصل ترك التّاء فى ... نحو أتى القاضى بنت الواقف
يعنى أنه إذا فصل بين الفعل والفاعل الحقيقى التأنيث بغير إلا جاز وجهان إثبات التاء وتركها وفهم من قوله وقد يبيح أن حذفها قليل بالنسبة إلى إثباتها فالفصل فاعل يبيح وترك مفعول به وفى متعلق بيبيح ونحو مضاف إلى قول محذوف والتقدير فى نحو قولك والفصل هنا بالمفعول. وإن كان الفاصل إلا فقد أشار إليه بقوله:
والحذف مع فصل بإلّا فضّلا ... كما زكا إلّا فتاة ابن العلا
فما زكا إلا فتاة أحسن مما زكت إلا فتاة وإنما كان حذفها أحسن لأن الفعل فى التقدير مسند إلى مذكر لأن التقدير ما زكا أحد إلا فتاة ابن العلا فالحذف مبتدأ وخبره فضلا ومع متعلق بالحذف وبإلا متعلق بفضل. ثم قال:
والحذف قد يأتى بلا فصل
أشار بذلك إلى ما حكاه سيبويه عن بعض العرب قال فلانة وأشار بقوله:
... ومع ... ضمير ذى المجاز فى شعر وقع
إلى قول الشاعر:
стр. 92
- فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها (٦٤)
فأسقط التاء من أبقل والفعل مسند إلى ضمير الأرض والحذف مبتدأ وخبره قد يأتى وبلا فصل متعلق بيأتى ومع متعلق بوقع وذى المجاز نعت لمحذوف والتقدير مع ضمير المؤنث ذى المجاز. ثم قال:
والتّاء مع جمع سوى السّالم من ... مذكّر كالتّاء مع إحدى اللّبن
يعنى أن الفعل الماضى إذا أسند لجمع غير المذكر السالم حكمه كحكمه مع المجازىّ التأنيث كإحدى اللبن وهى لبنة فتقول قام الرجال وقامت الرجال كما تقول سقطت اللبنة وسقط اللبنة وشمل غير السالم من مذكر جمع التكسير كما ذكر وجمع المؤنث السالم فتقول على هذا قام الهندات وقامت الهندات وفى هذا خلاف والذى ذهب إليه الناظم جواز الوجهين وهو مذهب كوفى ومذهب جمهور البصريين أنه كواحده يلزم فيه التاء. فالتاء مبتدأ ومع جمع فى موضع الحال منه وخبر المبتدأ كالتاء وسوى السالم نعت لجمع ومن مذكر متعلق بالسالم واللبن جمع لبنة وهى الآجرة. ثم قال:
والحذف فى نعم الفتاة استحسنوا ... لأنّ قصد الجنس فيه بيّن
يعنى أن العرب استحسنوا الحذف فى نعم فتقول نعم المرأة هند وفهم منه أن بئس مثلها إذ لا فرق فتقول بئس المرأة هند وإنما استحسن فى هذا الحذف لما ذكر من قصد الجنس كأنه فى معنى نعم جنس المرأة ولا يفهم من قوله استحسنوا أنه أحسن من الإثبات بل هو مستحسن وإن كان الإثبات أحسن. فالحذف مفعول باستحسنوا وفى نعم متعلق بالحذف أو استحسنوا ولأن متعلق باستحسنوا، ثم قال:
стр. 93
والأصل فى الفاعل أن يتّصلا ... والأصل فى المفعول أن ينفصلا
وقد يجاء بخلاف الأصل ... وقد يجى المفعول قبل الفعل
يعنى أن الأصل أن يتقدم الفاعل على المفعول لأن الفاعل كالجزء من فعله بخلاف المفعول.
والأصل مبتدأ وفى الفاعل متعلق به وأن يتصلا خبره وإعراب عجز البيت مثل صدره. ثم قال:
(وقد يجاء بخلاف الأصل) خلاف الأصل هو أن يتقدم المفعول على الفاعل فتقول ضرب عمرا زيد. وبخلاف فى موضع رفع على أنه مفعول لم يسم فاعله وقد فى قوله قد يجاء للتحقيق لا للتقليل فإن تقديم المفعول على الفاعل كثير إلا أن يراد بالنسبة إلى تقديم الفاعل على المفعول فتكون للتقليل. ثم قال: (وقد يجى المفعول قبل الفعل) يعنى أن المفعول قد يأتى متقدما على الفعل وشمل ما تقديمه جائز نحو فريقا هدى وما تقديمه واجب نحو إياك نعبد وظاهر قد هنا أنها للتقليل لأن تقديم المفعول على الفعل أقل من تقديمه على الفاعل. ثم قال:
وأخّر المفعول إن لبس حذر ... أو أضمر الفاعل غير منحصر
ذكر فى هذا البيت موضعين يجب فيهما تأخير المفعول على الفاعل: الأول أن يخاف اللبس وذلك بأن يكون الإعراب خفيا فى الفاعل والمفعول معا نحو ضرب موسى عيسى فالأول هو الفاعل محافظة على الرتبة والآخر أن يكون الفاعل ضميرا متصلا نحو ضربت زيدا. والمفعول مفعول بأخر وإن شرط ولبس مفعول لم يسم فاعله بفعل محذوف يفسره حذر وأو أضمر معطوف على حذر وغير منحصر حال من الفاعل واحترز به من الفاعل إذا كان منحصرا فإنه يجب انفصاله وتأخيره ويكون حينئذ المفعول واجب التقديم نحو ما ضرب زيدا إلا أنا. ثم قال:
وما بإلّا أو بإنّما انحصر ... أخّر وقد يسبق إن قصد ظهر
يعنى أنه يجب تأخير المحصور بإلا أو بإنما فاعلا كان أو مفعولا فإذا قصد حصر المفعول وجب تأخيره وتقديم الفاعل فتقول ما ضرب زيد إلا عمرا وإنما ضرب زيد عمرا وإذا قصد حصر الفاعل وجب تأخيره وتقديم المفعول فتقول ما ضرب عمرا إلا زيد وإنما ضرب عمرا زيد وقوله وقد يسبق إن قصد ظهر ولا يظهر القصد إلا فى المحصور بإلا وأما المحصور بإنما فقد لا يعلم حصره إلا بتأخيره. وأشار بذلك إلى قوله:
стр. 94
- فلم يدر إلا الله ما هيّجت لنا ... عشية آناء الديار وشامها (٦٥)
فقدم الفاعل وهو محصور على المفعول وما موصولة وهى مفعول مقدم بأخر وصلتها انحصر وبإلا متعلق بانحصر وفهم من قوله قد يسبق أن ذلك قليل وأن ذلك لا يكون إلا مع إلا لأن القصد لا يظهر إلا معها. ثم قال:
وشاع نحو خاف ربّه عمر ... وشذّ نحو زان نوره الشّجر
يعنى أن تقديم المفعول الملتبس بضمير الفاعل على الفاعل كثير وهو قوله خاف ربه عمر فربه مفعول مقدم ملتبس بضمير الفاعل وإنما كثر ذلك لأن الضمير وإن كان عائدا على ما بعده فإن المفسر للضمير مقدم فى النية لأن تقديمه هو الأصل وقوله: (وشذ نحو زان نوره الشجر) يعنى أن تقدم الفاعل الملتبس بضمير المفعول على المفعول قليل وإنما قلّ ذلك لأن الضمير الملتبس به عائد على متأخر لفظا ورتبة لأن المفعول فى نية التأخير. ونحو فاعل بشاع وهو على حذف مضاف والتقدير شاع نحو قولك وكذلك شذ.
النائب عن الفاعل
يسمى النائب عن الفاعل ويسمى المفعول الذى لم يسم فاعله. قوله:
ينوب مفعول به عن فاعل ... فيما له كنيل خير نائل
يعنى أن الفاعل يحذف وينوب عنه المفعول به. وقوله فيما له أى فيما استقر له من الأحكام كوجوب الرفع والتأخير وعدم الحذف وتسكين آخر الفعل الماضى معه ولحاق تاء التأنيث فى الماضى إذا كان مؤنثا ثم مثل بقوله: (كنيل خير نائل) أصله نلت خير نائل فلما حذف الفاعل ارتفع المفعول به لنيابته عنه. ولما كانت نيابة المفعول به عن الفاعل مشروطة بتغيير فعل الفاعل عن بنيته إلى بنية تدل على النيابة نبه على ذلك بقوله:
стр. 95
فأوّل الفعل اضممن والمتّصل ... بالآخر اكسر فى مضىّ كوصل
واجعله من مضارع منفتحا ... كينتحى المقول فيه ينتحى
يعنى أن أول الفعل المبنى للمفعول يضم، وشمل الماضى والمضارع فإنهما يشتركان فى ضم الأول فإن كان ماضيا كسر ما قبل آخره وإلى ذلك أشار بقوله: (والمتصل * بالآخر اكسر فى مضىّ) ثم مثل ذلك بقوله: (كوصل) وأصله وصلت الشئ فحذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه فتغير فعل إلى فعل وإن كان مضارعا فتح ما قبل الآخر، وإلى ذلك أشار بقوله: (واجعله من مضارع منفتحا) أى اجعل ما قبل الآخر من المضارع
منفتحا ثم مثل بقوله: (كينتحى المقول فيه ينتحى) فقوله وأوّل الفعل مفعول مقدم باضممن والمتصل مفعول مقدم أيضا باكسر وفى متعلق باكسر وبالآخر متعلق بالمتصل والهاء فى اجعله عائدة على ما قبل الآخر ومن مضارع متعلق باجعله ومنفتحا مفعول ثان باجعل والمقول نعت لينتحى وفيه متعلق بالمقول وينتحى محكى بالمقول ويجوز ضبط المقول بالضم فيكون قد تمّ الكلام عند قوله كينتحى ثم استأنف فالتقدير على هذا واجعله من مضارع كينتحى منفتحا فالمقول فيه إذا على هذا العمل الذى هو ضم الأول وفتح ما قبل الآخر ينتحى فينتحى على هذا الوجه خبر عن المقول لا محكى وبالأول جزم المرادى. ثم إن ضم الأول فى الماضى والمضارع وكسر ما قبل الآخر فى الماضى وفتحه فى المضارع مطرد فى جميع الأفعال المبنية للمفعول وقد يضم إلى ذلك فى بعض الأفعال تغيير آخر، وذلك فى نوعين: الأول أن يكون أول الفعل الماضى تاء المطاوعة، وإلى ذلك أشار بقوله:
والثّانى التّالى تا المطاوعه ... كالأوّل اجعله بلا منازعه
يعنى أن الحرف الثانى من الفعل الماضى المفتتح بتاء المطاوعة يضم أيضا كالأول فتقول فى تعلمت الحساب تعلم الحساب بضم الأول والثانى وفهم من قوله تا المطاوعة أن المراد بالفعل هنا الماضى لأن المضارع لا يفتتح بتاء المطاوعة بل بحرف المضارعة والثانى مفعول بفعل محذوف يفسره اجعله وتاء المطاوعة مفعول بالتالى. وكالأول فى موضع المفعول الثانى لا جعله وبلا منازعة متعلق باجعله وهو تتميم للبيت لصحة الاستغناء عنه. الثانى أن يكون الفعل الماضى مفتتحا بهمزة الوصل وإلى ذلك أشار بقوله:
وثالث الّذى بهمز الوصل ... كالأول اجعلنّه كاستحلى
يعنى أن الفعل إذا افتتح بهمز الوصل جعل ثالثه مضموما كالأول فتقول فى انطلق انطلق
стр. 96
وفى استحلى استحلى وفهم من قوله بهمز الوصل أن ذلك الفعل لا يكون إلا ماضيا لأن المضارع لا يفتتح بهمزة الوصل. وثالث مفعول بفعل مقدر من باب الاشتغال والذى نعت لمحذوف والتقدير وثالث الفعل الذى ابتدئ بهمز الوصل والعامل فيه ابتدئ وافتتح وليس العامل فيه الكون المطلق وإعراب البيت كإعراب البيت الذى قبله. ثم قال:
واكسر أو اشمم فا ثلاثىّ أعلّ ... عينا وضمّ جا كبوع فاحتمل
يعنى أن فى الفعل الماضى الثلاثى المعتل العين ثلاث لغات: الأولى إخلاص الكسر وهى المشار إليها بقوله واكسر. الثانية الإشمام وهى المشار إليها بقوله أو اشمم وحقيقته عند الجمهور أن تكون الكسرة مشوبة بشئ
من صوت الضمة وهاتان اللغتان فصيحتان وقرئ بهما فى المتواتر. الثالثة إخلاص الضمة وهى المشار إليها بقوله وضم جا كبوع، ومنه قوله:
- ليت وهل ينفع شيئا ليت ... ليت شبابا بوع فاشتريت (٦٦)
وشمل قوله فا ثلاثى المفتوح العين نحو باع والمكسور العين كخاف وشمل قوله أعل ما عينه ياء كباع وما عينه واو كقال والأصل فى هذه اللغات كلها فعل بضم الفاء وكسر العين كالصحيح والأصل فى بيع بإخلاص الكسر بيع فاستثقلت الكسرة فى الياء فنقلت إلى الباء وذهبت حركة الياء وسكنت العين لزوال حركتها والأصل فى قيل قول استثقلت أيضا الكسرة فى الواو فنقلت إلى القاف وبقيت الواو ساكنة فقلبت ياء لسكونها وكسر ما قبلها وأما على لغة قول وبوع فإن الكسرة حذفت من حرف العلة فسلمت الواو وقلبت الياء واوا لسكونها وضم ما قبلها وأما على لغة الإشمام فهى مركبة من اللغتين. وفا ثلاثى مفعول باشمم على إعمال الثانى ومفعول اكسر محذوف وأعل فى موضع الصفة لثلاثى وعينا تمييز وضم مبتدأ وسوغ الابتداء به كونه فى معرض التفصيل وخبره جا وقصره ضرورة واحتمل معطوف على جا وكبوع فى موضع الحال من فاعل جا. ثم قال:
وإن بشكل خيف لبس يجتنب ... وما لباع قد يرى لنحو حبّ
стр. 97
يعنى أنه إذا خيف لبس النائب عن الفاعل بالفاعل بسبب شكل ترك ذلك الشكل الموقع فى اللبس واستعمل الشكل الذى لا لبس فيه وذلك نحو بيع العبد إذا أسندته إلى ضمير المخاطب فقلت بعت يا عبد بإخلاص الكسر لم يعلم هل هو فعل وفاعل أو فعل ومفعول فيترك الكسر ويرجع إلى الضم أو الإشمام وكذلك طلت يا زيد إذا أسندته أيضا إلى ضمير المخاطب فقلت طلت بالضم التبس بفعل الفاعل فترجع إلى الإشمام أو الكسر إذ لا لبس فيهما. وإن شرط وخيف فعل الشرط ولبس مفعول لم يسم فاعله وبشكل متعلق بخيف ويجتنب جواب الشرط. ثم قال (وما لباع قد يرى لنحو حب) يعنى أنه يجوز فى فاء الفعل الثلاثى المضاعف نحو حب وردّ ما جاز فى فاء باع من كسر وإشمام وضم وقد قرئ هذه بضاعتنا ردّت إلينا بكسر الراء وفهم من قوله قد يرى أن ذلك قليل ولم يقرأ بها فى
المتواتر. فما مبتدأ موصول وصلته لباع وقد يرى الخبر ولنحو فى موضع المفعول الثانى ليرى. ثم قال:
وما لفا باع لما العين تلى ... فى اختار وانقاد وشبه ينجلى
يعنى أن ما كان من الفعل المعتل العين على وزن افتعل نحو اختار أو على وزن انفعل نحو انقاد وما أشبههما يجوز فى الحرف الذى تليه العين ما جاز فى فاء باع من الأوجه الثلاثة المذكورة فتقول اختير واختور وبالإشمام وفهم من تمثيله باختار وانقاد أن ما صحت عينه من هذين الوزنين لا يجرى فيه ما ذكر نحو اعتور بل يجرى مجرى الصحيح. وما موصولة مبتدأ وصلتها لفا باع وخبرها لما العين تلى والعين مبتدأ وخبره تلى والجملة صلة ما الثانية وفى اختار متعلق بتلى والتقدير ما استقر من الأوجه الثلاثة لفا باع ثابت للحرف الذى تليه العين فى اختار وانقاد وما أشبههما وينجلى فى موضع الصفة لشبه أى وما يشبههما فى الوزن والإعلال. ثم إن الذى ينوب عن الفاعل أحد أربعة أشياء المفعول به والظرف والمصدر والجار والمجرور وقد ذكر فى أول الباب المفعول به وأشار هنا إلى بقية ما ينوب عن الفاعل فقال:
وقابل من ظرف أو من مصدر ... أو حرف جرّ بنيابة حرى
يعنى أنه ينوب عن الفاعل ما يقبل النيابة من ظرف وشمل ظرف الزمان وظرف المكان، ويشترط فى نيابتهما أن لا يكونا مبهمين فلا يجوز سير وقت ولا جلس مكان وأن يكونا متصرفين فلا يجوز سير سحر ولا جلس عند أو ما يقبل النيابة من مصدر ويشترط أيضا فى نيابته أن لا يكون مؤكدا وأن لا يكون غير متصرف نحو سبحان أو حرف جر يعنى مع مجروره
стр. 98
ويشترط فى نيابته أن لا يلزم طريقة واحدة كحروف القسم والاستثناء ومذ ومنذ وهذه الشروط كلها مستفادة من قوله: (وقابل من ظرف أو من مصدر) فإنك إذا رمت إسناد الفعل المبنى للمفعول إلى أحد هذه الأشياء تعذر ذلك فمثال ما توفرت فيه شروط النيابة سير بزيد يومين وفرسخين سيرا شديدا إن أقمت المجرور وسير بزيد يومان فرسخين سيرا شديدا إن أقمت ظرف الزمان وسير بزيد يومين فرسخين سير شديد إن أقمت المصدر، وقابل مبتدأ ومن ظرف متعلق به وهو الذى سوّغ الابتداء به. وحرى بمعنى حقيق وهو خبر المبتدأ وبنيابة متعلق به. ثم قال:
ولا ينوب بعض هذى إن وجد ... فى اللّفظ مفعول به وقد يرد
اعلم أنه إذا اجتمع مع المفعول به أحد هذه الأشياء الأربعة المذكورة لا ينوب واحد منها بحضرته هذا هو مذهب
البصريين، ومذهب الكوفيين أنه يجوز أن ينوب كل واحد منها بحضرة المفعول به وبه أخذ الناظم وإلى ذلك أشار بقوله: (وقد يرد)، وفهم منه أن ذلك قليل ومنه قراءة بعضهم: ليجزى قوما بما كانوا يكسبون على إقامة المجرور مقام الفاعل وهو بما كانوا مع حضرة المفعول به وهو قوما. وقوله بعض فاعل بينوب وهذى إشارة إلى الأربعة المذكورة وإن وجد شرط محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه وفاعل يرد ضمير مستتر والتقدير وقد يرد ذلك أى نيابة أحد المشار إليه مع وجود المفعول به. ثم قال:
وباتّفاق قد ينوب الثّان من ... باب كسا فيما التباسه أمن
يعنى أن النحويين اتفقوا على جواز نيابة المفعول الثانى من باب كسا ويعبر أيضا عن هذا النوع بباب أعطى وهو ما كان المفعول الثانى فيه غير الأول واحترز به من المفعول الثانى من باب ظن وذلك مع أمن اللبس فتقول على هذا كسى زيدا ثوب وأعطى عمرا درهم وفهم من قوله: فيما التباسه أمن أنه إذا وجد لبس وجب إقامة الأول كقولك أعطى زيد عمرا وفهم أيضا من سكوته عن الأول أنه يجوز نيابته باتفاق لدخوله تحت عبارته فى قوله فى أول الباب:
ينوب مفعول به عن فاعل. وقد إما للتحقيق لأنه جائز اتفاقا وإما للتقليل بالنظر إلى نيابة الأول فإنه أكثر وباتفاق متعلق بينوب وكذلك فيما والثان فاعل ومن باب فى موضع الحال من الثان. ثم قال:
стр. 99
فى باب ظنّ وأرى المنع اشتهر ... ولا أرى منعا إذا القصد ظهر
يعنى أن نيابة المفعول الثانى من باب ظن وهو ما هو خبر فى الأصل والمفعول الثانى من باب أعلم وأصله المبتدأ اشتهر عند النحويين منعه ووجه منعه فى باب ظن أنه خبر فى الأصل والنائب عن الفاعل مخبر عنه فتنافيا ووجه منعه فى أعلم أن المفعول الأول مفعول به حقيقة فينزل المفعول الثانى والثالث مع الأول منزلة الظرف والمجرور مع وجود المفعول به وذهب بعضهم إلى جواز نيابتهما وهو اختيار الناظم وإلى ذلك أشار بقوله: (ولا أرى منعا إذا القصد ظهر) وظهور القصد هو عدم اللبس فيجوز عنده ظن قائم زيدا، وأعلم زيدا فرسه مسرجا وفهم من سكوته عن المفعول الأول من باب ظن وأعلم أنه يجوز نيابتهما بلا خلاف. وفى باب متعلق باشتهر وهو الخبر عن المنع والقصد فاعل بفعل محذوف يفسره ظهر ثم قال:
وما سوى النّائب ممّا علّقا ... بالرّافع النّصب له محقّقا
يعنى أنه يجب نصب ما تعلق بالفعل المسند إلى النائب مع رفع النائب وشمل قوله وما سوى النائب جميع المنصوبات كظرف الزمان وظرف المكان والمصدر والحال والتمييز والمفعول له أو فيه أو معه فتقول أعطى
زيد درهما يوم الجمعة أمام زيد إعطاء فتنصب جميع ما علق بالفعل غير النائب. وما مبتدأ موصولة وصلتها سوى النائب ومما متعلق بالاستقرار العامل فى الصلة، وبالرافع متعلق بعلق والنصب له مبتدأ وخبر والجملة خبر ما ومحققا حال من الضمير المستتر فى له العائد على النصب.
اشتغال العامل عن المعمول
المراد بالعامل فى هذا الباب المفسر للعامل فى الاسم السابق ومن شرطه صلاحيته للعمل فيه فوجب أن لا يكون إلا فعلا متصرفا أو اسم فاعل أو اسم مفعول ولا يجوز أن يكون فعلا غير متصرف ولا صفة مشبهة ولا حرفا لأن هذه لا تعمل فيما قبلها فلا تفسر عاملا، ثم قال:
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل ... عنه بنصب لفظه أو المحلّ
فالسّابق انصبه بفعل أضمرا ... حتما موافق لما قد أظهرا
يعنى أن الفعل إذا اشتغل بنصب ضمير عائد على اسم سابق عن نصب لفظ ذلك الاسم السابق وعن نصب محله فانصب ذلك الاسم السابق بفعل لازم الإضمار موافق للفعل
стр. 100
المشتغل بالضمير فمثال المشتغل عن نصب لفظه زيدا ضربته ومثال المشتغل عن نصب محله عمرا مررت به، وفهم من قوله موافق مطلق الموافقة فشمل الموافق فى اللفظ والمعنى كالمثال الأول والموافق فى المعنى دون اللفظ كالمثال الثانى والتقدير ضربت زيدا ضربته وجاوزت عمرا مررت به، وهذا التقدير لا ينطق به لأن الفعل الثانى عوض منه فلا يجمع بينهما ويشترط فى المفسر أن لا يفصل بينه وبين الاسم السابق. وإن حرف شرط ومضمر فاعل بفعل محذوف يفسره شغل وسابق نعت لاسم وفعلا مفعول بشغل وعنه متعلق بشغل والضمير فيه عائد على الاسم السابق والباء فى بنصب بمعنى عن وهو بدل اشتمال من الضمير فى عنه وبنصب متعلق بشغل والضمير فى لفظه عائد على الاسم السابق والظاهر فى أل فى قوله أو المحل أنها معاقبة للضمير والتقدير بنصب لفظه أو محله ويحتمل هذا البيت وجها آخر من الإعراب وهو أن تكون الهاء فى لفظه عائدة على الضمير الذى اشتغل الفعل به وتكون الباء على بابها لا بمعنى عن وعلى الإعراب الأول حمل الناظم كلامه فى شرح الكافية فترجح الأخذ به والسبق مفعول بفعل مضمر يفسره انصبه وبفعل متعلق بانصبه وأضمرا فى موضع الصفة لفعل وحتما نعت لمصدر محذوف والتقدير إضمارا حتما ويحتمل أن يكون حالا من الضمير فى أضمرا وموافق نعت لفعل بعد نعته بالجملة ولما متعلق بموافق وما موصولة وصلتها الجملة بعدها. ثم إن الاسم السابق لفعل
ناصب لضميره على خمسة أقسام: لازم النصب، ولازم الرفع بالابتداء، وراجح النصب على الرفع، ومستو فيه الأمران، وراجح الرفع على النصب، وقد بين الاسم الأول بقوله:
والنّصب حتم إن تلا السّابق ما ... يختصّ بالفعل كإن وحيثما
يعنى أن الاسم السابق إذا تبع ما يختص بالفعل تحتم نصبه والمختص بالفعل أدوات الشرط وأدوات التحضيض وأدوات الاستفهام ما عدا الهمزة وذكر منها إن وحيثما فتقول إن زيدا لقيته فأجمل إكرامه وحيثما زيدا لقيته يكرمك ومثال التحضيض هلا زيدا كلمته ومثال الاستفهام متى زيدا تأتيه وجواب إن محذوف لدلالة ما تقدم عليه. ثم أشار إلى القسم الثانى بقوله:
وإن تلا السّابق ما بالابتدا ... يختصّ فالرّفع التزمه أبدا
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ... ما قبل معمولا لما بعد وجد
стр. 101
فذكر لوجوب رفع الاسم السابق سببين: أحدهما ما اشتمل عليه البيت الأول وهو أن يتبع الاسم السابق شيئا يختص بالابتداء مثال ذلك إذا التى للمفاجأة وليتما الابتدائية نحو خرجت فإذا زيد يضربه عمرو وليتما زيد أكرمته. والثانى أن يفصل بين الاسم السابق والفعل ما لا يصح أن يعمل ما بعده فيما قبله كأدوات الصدر نحو زيد ما أكرمته وعمرو لأكرمنه وإعراب البيت الأول واضح وأما البيت الثانى ففيه تعقيد يتبين بالإعراب فالفعل فاعل بفعل يفسره تلا وما موصولة واقعة على الفاصل بين الاسم السابق والفعل وهو مفعول لتلا وصلتها الجملة إلى آخر البيت وما الثانية موصولة فاعلة بيرد واقعة على الاسم السابق وصلتها قبله والهاء فى قبله عائدة على الفاصل ومعمولا حال من ما الثانية وما الثالثة موصولة واقعة على الفعل المفسر وصلتها وجد وبعد متعلق بوجد وهو مقطوع عن الإضافة وتقدير المضاف بعده أى بعد الفاصل وتقدير الكلام كذلك أيضا يجب رفع الاسم السابق إذا تلا الفعل الشئ الذى لا يرد الذى قبله معمولا للفعل الذى بعده وهو المفسر. ثم أشار إلى القسم الثالث فقال:
واختير نصب قبل فعل ذى طلب ... وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
وبعد عاطف بلا فصل على ... معمول فعل مستقرّ أوّلا
فذكر لترجيح النصب على الرفع ثلاثة أسباب اشتمل البيت الأول على سببين: الأول أن يكون الاسم السابق قبل فعل يقتضى الطلب وذلك الأمر نحو زيدا اضربه والدعاء نحو اللهم زيدا ارحمه والنهى نحو زيدا لا تهنه. الثانى أن يقع الاسم السابق بعد شئ يغلب دخوله على الفعل نحو ما وإن النافيتين وهمزة الاستفهام نحو ما زيدا ضربته وإن
عمرا أكرمته وأزيدا رأيته، واشتمل البيت الثانى على سبب واحد وهو أن يكون الاسم السابق معطوفا على جملة مصدرة بالفعل نحو زيد قام وعمرا كلمته ومثله قوله : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: ٣١] واحترز بقوله بلا فصل من أن يقع بين حرف العطف والمعطوف فاصل نحو قام زيد وأما عمرو فكلمته لأن حكم المعطوف فى ذلك حكم المستأنف، وإنما اختير النصب قبل الطلب لأن الطلب طالب للفعل وبعد الحروف المذكورة لأن الغالب فيها أن يليها الفعل ومع العطف على الجملة الفعلية لا تناسب المعطوف للمعطوف عليه. ونصب مفعول لم يسم فاعله باختير وذى طلب نعت لفعل وبعد معطوف على قبل فهو متعلق باختير وما موصولة واقعة على الأدوات المتقدمة على الاسم السابق وإيلاؤه مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى المفعول الثانى والفعل مفعول أول ويجوز أن يكون
стр. 102
المصدر مضافا إلى المفعول الأول والأول أظهر لأن الناظم يطلق ولى على تبع فى هذا النظم كثيرا وغلب فى موضع الخبر لإيلاؤه وبعد معطوف على بعد فى البيت الأول وبلا فصل متعلق بعاطف وعلى ذلك وأولا ظرف متعلق بمستقر واحترز به من الفعل الذى لم يقع أولا كالجملة ذات الوجهين. ثم أشار إلى القسم الرابع فقال:
وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا ... به عن اسم فاعطفن مخيّرا
فذكر لمساواة الرفع والنصب سببا واحدا وهو أن يكون الاسم السابق معطوفا على جملة ذات وجهين وهى التى صدرها مبتدأ وعجزها فعل كقولك زيد قام وعمرا كلمته فالنصب مراعاة لعجزها والرفع مراعاة لصدرها ولا ترجيح لواحد من الوجهين على الآخر وتجوّز فى تسمية الاسم السابق معطوفا والمعطوف فى الحقيقة إنما هى الجملة التى هو جزؤها والعذر له أنه لما ولى حرف العطف أطلق عليه معطوفا. فالمعطوف فاعل بتلا ومخبرا نعت لفعلا وبه فى موضع المفعول الذى لم يسم فاعله بمخبرا وعن اسم متعلق بمخبرا ويجوز أن يكون مفعولا لم يسم فاعله بمخبرا وبه متعلق بمخبرا وفاعطفن جواب الشرط. ثم أشار إلى القسم الخامس بقوله:
والرّفع فى غير الّذى مرّ رجح ... فما أبيح افعل ودع ما لم يبح
يعنى أن الرفع راجح فيما خلا من موجب النصب ومرجحه وموجب الرفع وتساوى الوجهين ومثال ذلك زيد ضربته وإنما كان الرفع راجحا لعدم الحذف بخلاف النصب فإنه على حذف الفعل والرفع مبتدأ وفى متعلق به ورجح خبر المبتدأ ثم تمم البيت بقوله: (فما أبيح افعل ودع ما لم يبح) لأنه مستغنى عنه. ثم قال:
وفصل مشغول بحرف جرّ ... أو بإضافة كوصل يجرى
يعنى أن الفعل المشغول بالضمير المفصول بينه وبين الفعل بحرف الجر أو بالإضافة يجرى مجرى الفعل المشغول بالضمير المباشر فى جميع الأقسام المذكورة فنحو إن زيدا مررت به وإن زيدا رأيت أخاه يجرى مجرى إن زيدا ضربته فى وجوب النصب وكذلك سائر المسائل، وفهم من قوله أو بإضافة أن نحو زيدا ضربت غلام أخيه وصاحب غلام أخيه وغيرهما مما يتعدد فيه المضاف يجرى مجرى زيدا ضربت غلامه لأن قوله بإضافة أعم من أن
стр. 103
يكون المضاف واحدا أو أكثر، وفى ذلك أيضا إشعار بأن المفصول بحرف الجر نحو زيدا مررت به يجرى مجرى ما كان المجرور فيه مضافا متحدا كان أو متعددا نحو زيدا مررت بأخيه ومررت بغلام أخيه. وفصل مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى المفعول ويصح تقديره منصوبا إذا قدر حذف الفاعل فيكون تقديره وفصلك مشغولا، ومرفوعا إذا كان التقدير أن يفصل المشغول والأول حسن لأن التقدير الثانى فيه خلاف وخبره يجرى وبحرف متعلق بفصل وكذلك بإضافة وكوصل متعلق بيجرى. ثم قال:
وسوّ فى ذا الباب وصفا ذا عمل ... بالفعل إن لم يك مانع حصل
يعنى أن الوصف الذى يعمل عمل الفعل يساوى الفعل فى جواز تفسير العامل فى الاسم السابق والمراد بالوصف المذكور اسم الفاعل واسم المفعول دون الصفة المشبهة وأفعل التفضيل لأنها لا تعمل فيما قبلها فلا تفسر عاملا فنحو أزيدا أنت ضاربه كقولك أزيدا تضربه، فإن قلت قد تقدم أنه لا يجوز الاشتغال فى نحو أزيدا أنت تضربه للفصل والفصل موجود فى هذا المثال قلت لا يمتنع الفصل إلا مع الفعل لاستقلال الفعل بخلاف الوصف فإنه لا يستقل بنفسه بل لا بد له من شئ يسند إليه فتنزل أنت ضاربه منزلة تضربه واحترز بالوصف مما يعمل عمل الفعل وليس بوصف كاسم الفعل والمصدر وبقوله ذا عمل من اسم الفاعل بمعنى المضى فإنه لا يعمل وبقوله إن لم يك مانع حصل من اسم الفاعل العامل المقترن بأل الموصولة نحو زيد أنا الضاربه غدا وفهم من قوله إن لم يك مانع حصل أن الصفة المشبهة لا تفسر لامتناع عملها فيما قبلها ووصفا مفعول بسوّ وفى متعلق بسوّ وكذلك بالفعل والظاهر أن يك تامة ومانع فاعل بها وحصل فى موضع الصفة لمانع والتقدير إن لم يوجد مانع حصل. ثم قال:
وعلقة حاصلة بتابع ... كعلقة بنفس الاسم الواقع
يعنى أن الشاغل للعامل إذا كان أجنبيا متبوعا بسببى جرى مجرى السببى والمراد بالعلقة الضمير العائد على الاسم السابق والمراد بالتابع هنا النعت كقولك زيدا ضربت رجلا يحبه أو عطف البيان كقوله زيدا ضربت رجلا
أخاه أو عطف النسق كقولك زيدا ضربت عمرا أخاه وإطلاقه فى التابع يوهم أن ذلك جائز فى جميع التوابع وليس كذلك بل هو مخصوص بما ذكر والمراد بالواقع السببى المعمول للمفسر. وعلقة مبتدأ وحاصلة نعت له وبتابع متعلق بحاصلة وكعلقة خبر المبتدأ وبنفس صفة لعلقة.
стр. 104
تعدى الفعل ولزومه
الفعل على قسمين: متعدّ، ولازم وبدأ بالمتعدى فقال:
علامة الفعل المعدّى أن تصل ... ها غير مصدر به نحو عمل
يعنى أن علامة الفعل المتعدى جواز اتصال ضمير غير المصدر به نحو زيد ضربه عمرو والخير عمله زيد واحترز بهاء غير المصدر من هاء المصدر فإنها تتصل بالمتعدى واللازم فليست علامة لواحد منهما. وعلامة مبتدأ وخبره أن تصل وها مفعول بتصل وبه متعلق بتصل. ثم قال:
فانصب به مفعوله إن لم ينب ... عن فاعل نحو تدبّرت الكتب
ولازم غير المعدّى ...
يعنى أن الفعل المتعدى ينصب المفعول به إذا لم ينب عن الفاعل فإذا ناب عن الفاعل كان مرفوعا كما تقدم فى بابه وفهم من قوله فانصب به أن الناصب للمفعول به الفعل وهو أصح الأقوال وإعراب البيت واضح. ثم قال: (ولازم غير المعدى) يعنى أن ما لا يصلح أن يتصل به ضمير غير المصدر فهو لازم ويقال فيه غير متعدّ وقاصر ولازم خبر مقدم وغير المعدى مبتدأ مؤخر ثم إن من اللازم ما يستدل على لزومه بمعناه ومنه ما يستدل عليه بوزنه، وقد شرع فى بيان ذلك فقال:
وحتم ... لزوم أفعال السّجايا كنهم
هذا مما يستدل على لزومه وهو أن يكون دالا على السجايا أى الطباع وهو ما دل على معنى قام بالفاعل لازم له ثم مثل ذلك بنهم ومعناه كثر أكله ومثله حمق بكسر الميم وضمها.
ثم قال:
كذا افعللّ والمضاهى اقعنسسا
هذا مما يستدل على لزومه بوزنه وهو افعلل كاقشعر واطمأن وافعنلل كاحرنجم واقعنسس والمضاهى المشابه واصطلاحه فى هذا النظم أنه إذا علق الحكم على شبه شئ فالمراد به
стр. 105
ذلك اللفظ وشبهه فكأنه قال واقعنسس ومضاهيه. وافعلل مبتدأ خبره كذا والمضاهى معطوف على افعلل واقعنسسا مفعول بالمضاهى ويجوز أن يكون فاعلا بالمضاهى أى والذى ضاهاه اقعنسسا ثم قال:
وما اقتضى نظافة أو دنسا
نحو وضوء وطهر فى النظافة ونجس وقذر فى الدنس وما موصولة معطوفة على المضاهى. ثم قال:
أو عرضا
وهو ما ليس حركة جسم من معنى قائم بالفاعل غير لازم له نحو مرض وكسل ونشط وعرضا معطوف على دنسا. ثم قال:
أو طاوع المعدّى * ... لواحد كمدّه فامتدّا
يعنى أن من علامة لزوم الفعل أن يكون مطاوعا لفعل متعد إلى واحد ومعنى المطاوعة قبول أثر الفعل المطاوع نحو دحرجته فتدحرج ومددت الثوب فامتد واحترز بقوله لواحد من مطاوع المتعدى لاثنين فإنه متعد إلى واحد كقولك علمت زيدا الحساب فتعلمه. ثم قال:
وعدّ لازما بحرف جرّ
يعنى أن الفعل إذا طلب مفعولا من جهة المعنى ولم يصل إليه بنفسه لضعفه عنه عدى إليه بحرف الجر نحو مررت بزيد وآليت على عمرو. ثم قال:
وإن حذف فالنّصب للمنجرّ
يعنى أن حرف الجر إذا حذف انتصب المجرور بالفعل وذلك على نوعين: موقوف على السماع، ومطرد، وقد أشار إلى الأول بقوله:
نقلا
أى سماعا كقوله:
стр. 106
- آليت حبّ العراق الدهر أطعمه ... والحبّ يأكله فى القرية السّوس (٦٧)
أى آليت على حب العراق فحذف حرف الجر ونصب المجرور وظاهر قوله نقلا أن النقل راجع للنصب وليس كذلك بل هو راجع لحذف حرف الجر وأما النصب فليس بنقل، وأشار إلى الثانى بقوله:
وفى أنّ وأن يطّرد ... مع أمن لبس كعجبت أن يدوا
يعنى أن حذف حرف الجر مع أنّ وأن المصدريتين مطرد إذا أمن اللبس فتقول عجبت من أنك تقوم وعجبت أنك تقوم وعجبت من أن تقوم وعجبت أن تقوم وعجبت أن يدوا أى يعطوا الدية احترز بقوله مع أمن لبس من نحو رغبت من أن تقوم ورغبت عن أن تقوم فلا يجوز حذف حرف الجر هنا لئلا يلتبس وإنما اطرد حذف حرف الجر مع أنّ وأن لطولهما فى الصلة واختلف فى موضعهما بعد الحذف فقيل فى موضع جر وقيل فى موضع نصب وهو أقيس وقوله وإن حذف شرط وأدغم فاء حذف فى فاء الجواب بعد تسكينها ونقلا مصدر فى موضع الحال من الحذف المفهوم من حذف وفاعل يطرد ضمير عائد على الحذف المفهوم من حذف. ثم قال:
والأصل سبق فاعل معنى كمن ... من ألبسن من زاركم نسج اليمن
إذا كان الفعل متعديا إلى اثنين من غير باب ظن فلا بد أن يكون أحدهما فاعلا فى المعنى وأصله أن يتقدم على ما ليس فاعلا فى المعنى كقولك أعطيت زيدا درهما فزيد هو الفاعل فى المعنى لأنه هو الذى أخذ الدرهم وكقولك ألبسن من زاركم نسج اليمن. فمن زاركم مفعول أول لألبسن ونسج اليمن مفعول ثان والأول هو الفاعل فى المعنى لأنه هو الذى لبس نسج اليمن ونسج مصدر بمعنى اسم مفعول أى منسوج.
ويلزم الأصل لموجب عرا ... وترك ذاك الأصل حتما قد يرى
ثم إن المفعول الأول فى ذلك على ثلاثة أقسام قسم يجب فيه تقديم ما هو فاعل فى
стр. 107
المعنى وقسم يجب فيه تأخيره وقسم يجوز فيه الوجهان وقد أشار إلى القسم الأول بقوله:
(ويلزم الأصل لموجب عرا) أى لشئ أوجب والموجب الذى يوجب تقديمه هو اللبس نحو أعطيت زيدا عمرا، أو الحصر نحو ما أعطيت زيدا إلا درهما أو يكون الأول ضميرا متصلا بالفعل نحو أعطيتك درهما ثم أشار إلى القسم الثانى بقوله: (وترك ذاك الأصل حتما قد يرى) يعنى أنه قد يجب تأخير ما هو فاعل فى المعنى لموجب أيضا وذلك الموجب كونه محصورا نحو ما أعطيت درهما إلا زيدا أو يكون الثانى ضميرا متصلا نحو الدرهم أعطيته زيدا أو ملتبسا بضمير يعود على الأول نحو أسكنت الدار بانيها.
وأما القسم الثالث وهو ما يجوز فيه الوجهان فهو مستفاد من قوله: والأصل سبق فاعل معنى وترك مبتدأ خبره قد يرى وحتما مفعول ثان بيرى وقد فى قوله قد يرى للتحقيق لا للتقليل، ثم قال:
وحذف فضلة أجز إن لم يضرّ ... كحذف ما سيق جوابا أو حصر
يعني: أنه يجوز حذف الفضلة وفهم من إطلاق الحذف أنه يجوز حذفها اختصارا أو اقتصارا وشمل قوله فضلة مفعول المتعدى إلى واحد نحو ضربت والأول من المتعدى إلى اثنين كقوله : وَأَعْطى قَلِيلًا [النجم: ٣٤] والثانى قوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] والأول والثانى معا نحو فأما من أعطى واتقى وقوله إن لم يضر أى إن لم يضر حذفه وذلك إذا كان جوابا نحو ضربت زيدا لمن قال من ضربت أو كان محصورا نحو ما ضربت إلا زيدا ففى هذين الموضعين لا يجوز حذفهما اختصارا ولا اقتصارا وحذف مفعول مقدم بأجز وإن لم يضر شرط ومعنى يضر يضرّ يقال ضار يضير ضيرا بمعنى ضر يضر ضرا وقوله كحذف هو على حذف مضاف والتقدير كضمير حذف وما موصولة وصلتها الجملة إلى آخر البيت وجوابا مفعول ثان بسيق وفى سيق ضمير عائد على الصلة.
ويحذف النّاصبها إن علما ... وقد يكون حذفه ملتزما
ثم إن الفعل الناصب للفضلة يجوز حذفه وذلك على وجهين أحدهما على جهة الجواز والثانى على جهة الوجوب وقد أشار إلى الأول بقوله: (ويحذف الناصبها إن علما) يعنى أنه يحذف الفعل الناصب للفضلة إذا علم جوازا كقولك لمن قال ما ضربت أحدا بل زيدا ووجوبا فى باب الاشتغال والنداء والتحذير والإغراء، وما كان مثلا أو جاريا مجرى المثل وهذا هو
стр. 108
الوجه الثانى وإليه أشار بقوله: (وقد يكون حذفه ملتزما) وفهم منه أن قوله ويحذف بمعنى يجوز حذفه لأنه فى مقابلة الحذف على جهة الوجوب. والناصبها مفعول لم يسم فاعله بيحذف وهو اسم فاعل والضمير المتصل به منصوب الموضع على أنه مفعول به وهو عائد على الفضلة وحذفه اسم يكون والضمير فيه عائد على الناصب.
التنازع فى العمل
التنازع هو أن يتقدم عاملان ويتأخر عنهما معمول واحد وكل واحد من العاملين يطلبه من جهة المعنى، وقد بين ذلك بقوله:
إن عاملان اقتضيا فى اسم عمل ... قبل فللواحد منهما العمل
المراد بالعامل هنا الفعل أو ما جرى مجراه ولا مدخل للحرف فى هذا الباب وشمل قوله عاملان تنازع الفعلين كقوله : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف: ٩٦] والاسمين كقول الشاعر:
- عهدت مغيثا مغنيا من أجرته ... فلم أتخذ إلا فناءك موئلا (٦٨)
والفعل والاسم مع تقدم الاسم كقوله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩] والفعل والاسم مع تقدم الفعل كقوله:
- لقد علمت أولى المغيرة أنّنى ... لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعا (٦٩)
ومعنى اقتضيا طلبا فخرج به نوعان أحدهما أن يكون أحد العاملين لا يقتضى عملا فى المتنازع فيه كقول امرئ القيس بن حجر:
стр. 109
- ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أطلب قليل من المال (٧٠)
فإن أطلب غير طالب لقليل. الثانى أن يؤتى بالعامل الثانى توكيدا للأول كقوله:
- أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس (٧١)
فأتاك الثانى غير طالب للاحقون لأنه أتى به توكيدا لأتاك الأول وفهم من قوله فى اسم أن المتنازع فيه لا يكون أكثر من اسم واحد وفهم من قوله قبل أن المتنازع فيه لا يتقدم على العاملين ولا على أحدهما وفى ذلك خلاف، وقوله فللواحد منهما العمل يعنى أن العمل لأحدهما. وعاملان فاعل بفعل محذوف يفسره اقتضيا وفى اسم متعلق
باقتضيا وكذلك قبل وعمل مفعول به ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة والعمل مبتدأ وخبره للواحد ومنهما فى موضع الحال من الواحد وفهم منه جواز إعمال كل واحد منهما ولا خلاف فى ذلك وإنما الخلاف فى الاختيار وقد نبه عليه بقوله:
والثّان أولى عند أهل البصره ... واختار عكسا غيرهم ذا أسره
اختار البصريون إعمال الثانى لقربه من المعمول واختار الكوفيون إعمال الأول لسبقه والصحيح مذهب البصريين لأن إعمال الثانى فى كلام العرب أكثر من إعمال الأول ذكر ذلك سيبويه وصرح الناظم بأهل البصرة وفهم من قوله غيرهم أنهم أهل الكوفة لكونه أتى بهم فى مقابلة أهل البصرة. والثان مبتدأ وهو على حذف المضاف والتقدير وإعمال الثانى وأولى خبره وعند متعلق بأولى وعكسا مفعول باختار وغيرهم فاعل وذا أسرة حال من الفاعل وأسرة الرجل رهطه وكنى بذلك عن كثرة القائلين باختيار إعمال الأول. ثم قال:
стр. 110
وأعمل المهمل فى ضمير ما ... تنازعاه والتزم ما التزما
المهمل هو العامل الذى لم يعمل فى الاسم المتنازع فيه فيعمل فى ضميره. وقوله والتزم ما التزما يعنى من مطابقة الضمير للظاهر ومن حذف الفضلة وإثبات العمدة ومن وجوب حذف الضمير فى بعض الأحوال وتأخيره فى بعضها وما صلح لوقوعه على جميع ما ذكر وما الأولى واقعة على الاسم المتنازع فيه وصلتها
تنازعاه والعائد على الموصول الهاء فى تنازعاه وفى متعلق بأعمل ثم أتى بمثلين فقال:
كيحسنان ويسئ ابناكا ... وقد بغى واعتديا عبداكا
فالمثال الأول على اختيار البصريين وهو إعمال الثانى فابناكا فاعل يسئ ويحسنان هو المهمل ولذلك عمل فى ضميره وهو الألف والمثال الثانى على اختيار الكوفيين وهو إعمال الأول فعبداك فاعل بغى واعتديا هو المهمل ولذلك عمل فى ضميره وهو الألف من اعتديا وفهم من المثالين أنه يجب إضمار المرفوع قبل المفسر وبعده فأما على إعمال الأول فتشترك الفضلة مع العمدة فى الإضمار فى المهمل وهو الثانى وأما على إهمال الأول ففيه تفصيل بينه بقوله:
ولا تجئ مع أوّل قد أهملا ... بمضمر لغير رفع أوهلا
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر ... وأخّرنه إن يكن هو الخبر
يعنى أن المهمل إذا كان أولا وكان يطلب ضمير الاسم المتنازع فيه بالنصب لم يضمر فيه نحو ضربت وضربنى زيد ولما كان المنصوب شاملا للفضلة ولما أصله العمدة أشار إلى أن حكم الفضلة لزوم الحذف بقوله: بل حذفه الزم إن يكن غير خبر، وغير الخبر هو الفضلة وهو تصريح بما فهم من قوله قبل (ولا تجئ مع أول قد أهملا) ثم أشار إلى أن حكم ما ليس بفضلة وهو ما أصله الخبر الإضمار والتأخير عن المفسر بقوله: (وأخرنه إن يكن هو الخبر)، فمن كونه منصوبا ينبغى أن لا يضمر قبل الذكر كالمرفوع، ومن كونه عمدة فى الأصل ينبغى أن لا يحذف فوجب عنده الإضمار والتأخير ومثال ذلك ظننى وظننت زيدا قائما إياه وتجوّز فى إطلاقه الخبر على ما هو عمدة فى الأصل إذ لا فرق بين أن يكون أصله الخبر أو المبتدأ لأن كل واحد منهما عمدة فى الأصل وإذا حمل على هذا لم يحتج إلى ما قاله الشارح