وأفظع الرجل بالبناء للمفعول: نزل به أمر عظيم. وأتيح: قدر. ونائما: حال.
وأعز: مرفوع بأتيح. وأحال: حمل عليه فقتله وأكله. وقال العيني: أحال وثب.
ونمرا: تثنية نمر. وأجبل، جمع جبل، وأورده العيني بلفظ جيئل، بفتح الجيم وسكون الياء وفتح الهمزة ولام، وهو الضبع. منالا: للتعظيم أي منالا عظيما.
والحمام بالكسر: قدر الموت. وثالا: بالمثلثة، يقال: ثال عليه القوم إذا علوه بالضرب. وقوله: (نبها منك) فيه تجريد. وداء عضال: شديد أعيا الأطباء.
والليث: الأسد. والعرّيسة، بكسر المهملة وتشديد الراء، مأوى الأسد. وفي (مفيدا) أو (مفيتا) جناس ولف ونشر غير مرتب، فإن نفوسا راجع إلى مفيت، أي مهلك. وراجع إلى مفيد. وضبطه العيني مقيتا بالقاف. قال: وهو المقتدر أو الحافظ. وعندي إن صحت الرواية بالقاف إنه من إعطاء الترب. والهزبر: الأسد.
وفروس فعول من فرس الأسد فريسته يفرسها، أي دق عنقها. والهصور كذلك، من هصره كسره. والقرن: النظير. وصال: وثب واستطال. وريب المنون:
حوادث الدهر. وركنا مفعول أمالا. والتثبيت: الثابت. وحم، بالحاء المهملة، دنى وحان. وفال الرأي بالفاء: ضعف. وفهم: قبيلة. ورجلا: بسكون الجيم مخفف رجل، ويقال بالفاء من قولك انتفل من الشيء انتفى منه وتنصل. قال الأعشى (١):
لئن منيت بنا عن حدّ معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
والمجتدون، بالجيم، الطالبون الجدا، وهو العطية. ويروى بدله: (والمرملون) من أرمل القوم إذا نفذ زادهم، عام أرمل: قليل المطر. وفاعل هبت: ضمير الريح، وإن لم يجر لها ذكر. وشمالا: حال، وقيل تمييز، وهو بفتح الشين: ريح تهب من ناحية القطب. والمزن: السحاب الأبيض، واحده مزنة. والبلال: بكسر الموحدة الماء. قوله:
بأنّك كنت الرّبيع المغيث
كذا أورده صاحب منتهى الطلب، فلا شاهد فيه. وأورده غيره بلفظ المصنف
стр. 107
على تخفيف ان. والمريع بفتح الميم وكسر الراء وعين مهملة، الكثير النبات (١).
والثمّال، بكسر المثلثة، الغياث. وهناك: ظرف زمان، وأصله للمكان ولكن اتسع فيه وعامله يكون أو الثمال. والخرق: الأرض الواسعة التي تنخرق فيها الرياح.
وواوه واو (رب). والوجناء، بالجيم، الناقة الشديدة. والحرف: الناقة الضامرة.
وتشكى أصلها تتشكى. والكلال: الاعياء.
قال عمر بن شبّة: كان عمرو بن عاصم، وهو ذو الكلب يغزو فهما فيصيب منهم، فوضعوا له رصدا على الماء فأخذوه فقتلوه. ثم مروا بأخته جنوب فقالوا: طلبنا أخاك، فقالت: لئن طلبتموه لتجدنه منيعا، ولئن ضفتموه تجدنه مريعا، ولئن دعوتموه لتجدنه سريعا: فقالوا: قد أخذناه وقتلناه وهذا نبله. فقالت: والله لئن سلبتموه لا تجدوا ثنته دامية، ولا حزته جافية، ولرب ثدي منكم قد افترشه، ونهب قد اخترشه، وضب قد احترشه. ثم قالت الأبيات المذكورة.
فائدة: [قوله
كأنّهم لم يحسّوا به
]
قوله:
كأنّهم لم يحسّوا به
أورد العيني عجزه بلفظ:
فيجلو نساءهم وأيضا حجالا
فإن صحت هذه الرواية كان فيه شاهد لعربية أيضا. وقد توقف فيها المصنف.
٣٧ - وأنشد (٢):
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم من الشّرّ مظلم
стр. 108
قال الأعلم: يعني، لو التقينا متحاربين لأظلم نهاركم فصرتم منه في مثل الليل.
واستشهد به سيبويه على إدخال (أن) توكيدا للقسم، بمنزلة اللام. انتهى.
والمصنف استشهد به على تخفيف أن المفتوحة، وأنتم عطف على الضمير المرفوع في التقينا من غير فعل، وهو ضرورة، ولكان جواب لو. ومظلم: صفة يوم.
و (كان) تامة أو ناقصة. ولكم: الخبر. ومن: إما تعليلية، وهو الظاهر، أو تجريدية.
ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري: أن البيت من أبيات للمسيّب بن علس يخاطب بها بني عامر بن ذهل في شيء صنعوه بحلفائهم.
وقبله:
لعمري لئن جدّت عداوة بيننا ... لينتحينّ منّي على الوخم ميسم
وبعده:
رأوا نعما سودا فهمّوا بأخذه ... إذا التقت من دون الجميع المزنم
ومن دونه طعن كأنّ رشاشه ... عزالى مزاد والأسنّة ترذم
ألا تتّقون الله يا آل عامر! ... وهل يتّقي الله الأبلّ المصمّم
قال: ويروي:
وأقسم لو أنّا التقينا وأنتم
ولا شاهد فيه على هذا. وقوله: لينتحين، أي ليعتمدن. يعني أنه يهجوه هجوا يسمه به الأبلّ الأبله عاره، وأراد بالوخم عامر بن ذهل؛ انتهى. والمزنم من الناس: المستلحق من قوم ليس منهم، ومن الأبل الذي يقطع شيأ من أذنه ويترك معلقا، وإنما يفعل ذلك بالكرام منها. وترذم: بالذال المعجمة، تسيل.
والأبلّ: الفاجر، قاله في الصحاح واستشهد عليه بالبيت. والمصمم: من أصمه الله فصم، ويقال: أصممته أي وجدته أصم.
فائدة: [ابن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة]
المسيّب هذا هو ابن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة بن عمرو بن زيد بن ثعلبة
стр. 109
ابن عديّ بن مالك بن جشم بن بلال بن جماعة بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة ابن نزار، وهو خال الأعشى (١). وهو أحد المقلين الثلاثة الذين فضلوا في الجاهلية (٢).
ذكر ذلك صاحب منتهى الطلب. وفي شرح ديوانه للآمدي: أن المسيّب هذا اسمه زهير ويكنى أبا فضة.
٣٨ - وأنشد:
أما والله أن لو كنت حرّا ... وما بالحرّ أنت ولا العتيق
أنشده الفارسي هكذا:
أما والله عالم كلّ غيب ... وربّ الحجر والبيت العتيق
لو أنك يا حسين خلقت حرّا ... وما بالحرّ أنت ولا الخليق
ولا شاهد فيه على هذه الرواية. والحرّ: يطلق على ضدّ الرقيق، وعلى الكريم، وكذا العتيق. وجواب (لو) محذوف، أي لقاومتك. ويقال: فلان خليق لكذا أي جدير به. قال أبو علي: في هذا البيت شاهد على نصب خبر (ما) مقدما، لأن الباء لا تدخل إلا عليه. ومن أنكر ذلك يقول إن الباء دخلت على المبتدأ وحمل (ما) على أنها التميمية، ويقوى ان (ما) حجازية إن أنت أخص من الحرّ فهو أولى أن يكون الاسم.
٣٩ - وأنشد:
ويوما توافينا بوجه مقسّم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (٣)
стр. 110
هذا لباعث بن صريم اليشكري فيما ذكر النحاس وتبعه المصنف في شواهده، وقيل لأرقم بن علباء اليشكري
يذكر امرأته ويمدحها كذا في المنقد لابي عبد الله المفجع، وبعده:
ويوما تريد ما لنا مع مالها ... فإن لم ننلها لم تنمنا ولم تنم
ويوما: بالنصب ظرفا. وروي بالجرّ على أن الواو واو رب. والموافاة: المجازاة الحسنة. والمقسّم، بضم الميم وفتح القاف وتشديد المهملة، المحسن من القسام، وهو الحسن. قيل: وأصله من القسمات، بكسر السين، واحدها قسمة، وهي مجاري الدموع في أعالي الوجه، وهو أحسن ما في الوجه. ويقال: رجل قسيم الوجه أي جميله. وكأن: مخففة، واسمها محذوف، والتقدير: كأنها ظبية، هذا على رواية من رفع الظبية، وعلى رواية من نصبها فهي الأسم والخبر تعطو محذوف.
وعلى رواية من جرّها فالتقدير: كظبية، وأن زائدة. وتعطو: أي تتناول أطراف الشجر في الرعي. والوارق: المورق، ومن النوادر، لأن فعله أورق، ومثله أيفع فهو يافع. وقيل: أيضا ورق، وعدّى تعطو بإلى على تضمينه معنى تميل في مرعاها إلى كذا. قال في القاموس: معناه، تتطاول إلى الشجر لتتناول منه. وقال ابن يعيش:
العاطية التي تتناول الشجر مرتعية. والسلم: بفتحتين، شجر معروف واحده سلمة. قال الأعلم: وصف امرأة حسنة الوجه، فشبهها بظبية مخصبة. ويروى:
إلى ناضر السلم. والناضر، بالمعجمة، الحسن. وقال الزمخشري: معنى البيتين انه يستمتع بحسنها يوما وتشغله يوما آخر بطلب ماله، فإن منعها آذته وكلّمته بكلام يمنعه من النوم.
٤٠ - وأنشد:
فأمهله حتّى إذا أن كأنّه ... معاطي يد في لجّة الماء غامر
هكذا أنشد المصنف هذا البيت، وفيه تحريف في موضعين، كما ستراه، فإن
стр. 111
البيت لأوس بن حجر من قصيدة فائية أوّلها (١):
تنكّر بعدي من أميمة صائف ... فبرك فأعلى تولب فالمخالف
ومنها:
ولو كنت من ديمان تحرس بابه ... أراجيل أحبوش وأغضف آلف
إذن لأتتني حيث كنت منيّتي ... يخبّ بها هاد لإثري قائف
ومنها:
وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها ... لرحلي فيها هزّة وتقاذف
الى أن قال:
كأنّي كسوت الرّحل جأبا مكدما ... له بجنوب الشّيّطين مساوف
يقلّب حقباء العجيزة سمحجا ... بها ندب من زره ومناسف
وحلّأها حتّى إذا هي أحنقت ... وأشرف فوق الحالبين الشّراسف
وأوردها التّقريب والشّدّ منهلا ... قطاه معيد كرّة الورد عاطف
فوافى عليه من صباح مدمّرا ... لناموسه من الصّفيح سقائف
أزبّ ظهور السّاعدين عظامه ... على قدر شثن البنان جنادف
أخو قترات قد تيقّن أنّه ... إذا لم يصب لحما من الوحش خاسف
معاود تأكال القنيص شواؤه ... من الصّيد قصرى رخصة وطفاطف
صد غائر العينين شقّق لحمه ... سمائم قيظ فهو أسود شاسف
стр. 112
قصيّ مبيت اللّيل للصّيد مطعم ... لأسهمه غار وبار وراصف
فأمهله حتّى إذا أن كأنّه ... معاطي يد من جمّة الماء غارف
فيسّر سهما راشه بمناكب ... لؤام ظهار فهو أعجف شاسف
فأرسله مستيقن الظّنّ أنّه ... مخالط ما تحت الشّراسيف جائف
فمرّ النّضيّ بالذّراع ونحره ... وللحتف أحيانا عن النّفس صارف
فعضّ بإبهام اليمين ندامة ... ولهّف سرّا أمّه وهو لاهف
قال شارح ديوان أوس: تنكر وتعذر بمعنى واحد. وصائف وبرك، بكسر الموحدة، وتولب والمخالف كلها مواضع. والأراجيل: الجمع من الرجال. وأحبوش:
أسود، والأحبوش: الجماعة. والأغضف: كلب مسترخي الأذنين. ويخب: يسرع.
وقائف: متبع. وأدماء: ناقة بيضاء اللون، والواو: واورب. ومثل الفحل: أي مذكرة الخلقة. وعرضتها: أرحلتها معترضة. وهزة، بكسر الهاء، أي تهتز في السير تسرع فتضطرب. وتقاذف: أي يدافع بعضها بعضا. والجأب هنا: الغليظ من الحمير. والمكدم: المعضض، عضته الحمير مما يقاتل عن اتنه. والشيطين، بتشديد التحتية، موضع. ومساوف، يقول: قد بالت حمره فهو يشم أبوالها، والسوف الشم، ومنه السيافة. ويقلب: أي يصرف أتانا حقباء: أي
بموضع حقيبتها بياض، يقول: عجيزتها مثل الحقب يصرفها حيث يشاء. والسمحج، بحاء مهملة ثم جيم، الطويلة على وجه الأرض. والندب، بفتحتين، الأثر بضم الهمزة، يقال: ندب الجرح. ومناسف: ينسفها بفيه. يقال: زره يزره إذا عضه، وذره بالرمح إذا طعنه.
وقيل: نسفها بنابه، والمناسف: الاحتراق بالأسنان. وحلأها: طردها، وأصله المنع عن الماء، ثم صار كل منع تحلأه. وأحنقت: ضمرت ولزق بطنها بظهرها. وأورد التقريب: أي أوردها الحمار بالتقريب. والشد منهلا: أي أوردها تقريبا. والمنهل:
المشرب. وقال أبو حاتم السجستاني: وجدت في كتابي: وأوردها التقريب بالنصب كقوله:
стр. 113
كما عسل الطّريق الثّعلب (١)
وقوله:
قطاه معيد كرّة الورد عاطف
يقول: لا تأتي مرة هذه وتذهب أخرى. يقول: أوردها منهلا لا يخلو من الماء فهو الدهر يعود قطاه إليه أبدا. فوافى عليه: أي على المنهل. وصباح: غير منصرف قبيلة. ومدمّرا: يدمر ما رمى بقتله. والناموس: القترة، يعني بيت الصائد يعني الرامي للوحش. والصفيح: صخر رقاق يبنى به البيت. وقوله أزب الخ ... يريد أنه صائد ومشغول عن التزين. على قدر أي رجل مقدّر ليس بضخم. والجنادف:
القصير الغليظ المجتمع. والخاسف: المهزول. والتأكال: الأكل. والقنيص والقنص:
الصيد. والقصري: تكبير القصيري، وهي مايلي الكشح. والطفاطف: أطراف الأضلاع. وصد: عطشان. وغائر العينين: من الجهد شقق لحمه أي مزقه. وسمائم قيظ: شدّة الحرّ. قصي: مبيت الليل، يقول: لا يبيت مع أهله إنما يبيت مع الوحش. غار: أي من غراه يغوره إذا طلاه بالغراء. والرصفة: ما يشد على صدر السهم. وقوله: حتى إذا أن كأنه .. أي حتى كأنه، وأن هنا زائدة، أي حتى بلغ الحمار هذا الوقت. والمعاطي: المناول، قال أبو حاتم: وفي كتابي: حتى إذا ان أي حتى اطمأن. وقال أبو عبيدة: حتى ان باب، أي حتى اطمأن وصار في الماء بمنزلة المعاطي الذي يتناول فيه. وقال الأصمعي: حتى إذا كان كذا وكذا فعل. والمناكب:
أربع ريشات يكن على طرف المنكب. واللؤام: القذذ الملتئمة من الريش فيكون بطن قذة إلى ظهري أخرى. والظهار: ما جعل من ظهر الريشة. والشاسف: اليابس. وقال أبو عبيدة: المناكب: ما كان من أعلا الريش وهو خيره من البطنان. واللؤام: ما كان من عمل السهام ملتئما قد براه حتى أعجفه. وقوله: فأرسله ... البيت. استشهد به
البيضاوي في تفسيره على استعمال الظن بمعنى اليقين. وقال شارع الديوان:
يقال ظنّ ظنا يقينا أي مصيبا. وجائف: يصير السهم إلى الجوف حتى تصير الرمية
стр. 114
جائفة. والشراسيف: أطراف الأضلاع الرخصة من أطراف الصدر المشرّفة. والنضيّ:
اسم للقدح نفسه إذا لم يرش ولم يجعل له نصل. والحتف: المنية. فمرّ بذراعه ونحره أي لم يصبه. وعض بابهامه كذا: يفعل من فاته شيء يريده. ولهف أي قال يالهف أماه. ورجل لاهف ولهفان. وسرى أي ليلا يسمع الوحش. انتهى ملخصا من شرح الديوان. وتكلم ابن الدماميني في شرح هذا البيت كلام من لم يقف على القصيدة ولا عرف ما قبل البيت ولا ما بعده ولا المعنى الذي سيق له.
فائدة: [أوس بن حجر]
قائل هذه القصيدة أوس بن حجر، بفتحتين، بن معبد بن حزن بن خلف بن نمير ابن أسيد بن عمرو بن تميم بن مر التميمي، كذا في ديوانه. وفي منتهى الطلب: أوس ابن حجر بن عتاب بن عبد الله بن عديّ بن خلف ... الخ؛ شاعر جاهلي. وفي الأغاني:
ذكره أبو عبيدة من الطبقة الثالثة وقرنه بالحطيئة ونابغة بني جعدة. وأخرج عن أبي عمرو وقال: كان أوس بن حجر شاعر بني تميم في الجاهلية غير مدافع، وكان فحل العرب فلما أنشأ النابغة طأطأ منه.
٤١ - وأنشد:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (١)
هذا من أبيات للعبّاس بن مرداس السّلميّ الصحابيّ ﵁ يخاطب بها خفاف بن ندبة، وهو أبو خراشة، بضم الخاء، وبعده:
السّلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
أبو خراشة شاعر صحابي. وقوله: أما أنت ... قال المصنف في شواهده:
الأصل إلا أن كنت ذا نفر فخرت، فحذفت همزة الانكار ولام التعليل ومتعلق اللام، وهو فخرت إذ لا يتعلق بما بعد الفاء، لأن الفاء وإن. والمعنى ما بين ذلك والفاء على
стр. 115
هذا قيل زائدة. والصواب: إنها رابطة لما بعدها بالأمر المستفاد من النداء السابق أي تنبه فإن قومي، ثم حذفت كان فانفصل الضمير فصار أنت، وعوض من كان المحذوفة ما فأدغمت نون ان فيها. قال شارح أبيات الايضاح: ورواه أبو حنيفة:
إما كنت، وعلى هذا انه لا شاهد فيه. قال المصنف: وكذا رواه ابن دريد في جمهرته، فما زائدة لتأكيد الشرط. قال: وهو يريد قول الكوفيين في رواية الفتح انها ان الشرطية، زعموا أن المفتوحة قد يجازى بها. قال: ويؤيده أيضا مجيء الفاء بعدها واستغناء الكلام عن تقدير. والنفر في الأصل اسم لما دون العشرة والتنكير فيه للتكثير. والضبع السنة المجدبة استعيرت من اسم الحيوان لانه متتابع الفساد.
والمعنى ان افتخرت بكثرة قومك ففي قومي كثرة إذ لم تهلكهم السنون. وقال ابن الأعرابي: انما الضبع الحيوان، ولكنهم إذا أجدبوا ضعفوا فعاثت فيهم الضباع.
والمعنى: أن قومي ليسوا ضعافا عن الانبعاث فتعيث فيهم الضباع. وزعم الفارسي في الايضاح أن الضبع اسم للسنة المجدبة حقيقة لا استعارة واستشهد له بالبيت.
والسلم بكسر السين وفتحها، الصلح يذكر ويؤنث، والحرب مؤنثة. وقد استشهد البيضاوي في تفسيره بهذا البيت على أن السلم مؤنثة كالحرب لقوله: منها. واستشهد به ابن السكيت في الاصلاح. والجرع: جمع جرعة وهي ملء الفم. ويقال أكرع في في الاناء نفسا أو نفسين أي أشرب منه جرعة أو جرعتين. قال التبريزي: يعلمه أن السلم هو فيها وادع ينال من مطالبه ما يريد، فإذا جاءت الحرب قطعته عن ارادته وشغلته بنفسه. وقد أعاد المصنف هذا البيت في شواهد أمّا بالفتح والتشديد، وقال: ليس من أقسام أما الواقعة فيه بل هي كلمتان كما تقدّم تقريره.
فائدة: [العباس بن مرداس]
العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث ابن بهثة بن سليم السلمي، أبو الفضل، وقيل أبو الهيثم، شاعر مجيد أسلم قبل فتح
стр. 116
مكة بيسير، وهو من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم. قال أبو عبيدة (١):
وأمه هي الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة، وله منها أيضا اخوة: سراقة وجزء وعمرو، بنو مرداس، وكلهم شاعر، وعباس أشهرهم وأشعرهم وأفرسهم وأسودهم.
وكان عباس ممن ذم الخمر في الجاهلية، وكذلك أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وقيس بن عاصم، وحرّمها قبل هؤلاء عبد المطلب بن هاشم، وعبد الله بن جدعان، وشيبة بن ربيعة، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وعامر بن الظرب، ويقال إنه أول من حرّمها على نفسه. ويقال بل عفيف بن معدي كرب. وكان عباس هذا ينزل البادية بناحية البصرة وله ولدة جماعة وله صحبة أيضا ورواية.
٤٢ - وأنشد:
إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلا ... فالله يكلأ ما تأتي وما تذر (٢)
قال المصنف: الرواية بكسر الأولى وفتح الثانية، قلت: البيت أنشده المبرد شاهدا على قوله: إذا أتيت بأما، وأما فافتح الهمزة مع الأسماء واكسرها مع الأفعال، كذا حكاه عنه الأزهري. وأورده بلفظ فالله يحفظ وهو معنى يكلأها كلأه الله كلاءة بالكسر حفظه وحرسه. وتأتي: تفعل. وتذر: تترك. وفي البيت إذا تأمّلت أربع
стр. 117
طبقات بين إما المكسورة، وأما المفتوحة، وبين أقمت ومرتحلا، وبين الجملة الفعلية والاسمية، وبين تأتي وتذر.
٤٣ - وأنشد:
نزلتم منزل الأضياف منّا ... فعجّلنا القرى أن تشتمونا (١)
هذا من قصيدة طويلة لعمرو بن كلثوم التغلبي، وهي إحدى المعلقات، وأوّلها:
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
ومنها:
إليكم يا بني بكر إليكم ... ألمّا تعلموا منّا اليقينا
علينا البيض واليلب اليماني ... وأسياف يقمن وينحنينا
علينا كلّ سابغة دلاص ... ترى تحت النجاد لها غضونا
ومنها:
وقد علم القبائل من معدّ ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنّا المهلكون إذا أتينا
وأنّا الشّاربون الماء صفوا ... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وأنّا المانعون لما يلينا ... إذا ما البيض قابلت الجفونا
ألا أبلغ بني الطّمّاح عنّا ... ودعميّا فكيف وجدتمونا
نزلتم البيت ... وبعده:
стр. 118
قريناكم فعجّلنا قراكم ... قبيل الصّبح مرداة طحونا
على آثارنا بيض كرام ... نحاذر أن تقسم أو تهونا
ظعائن من بني جشم بن بكر ... خلطن بميسم حسبا ودينا
أخذن على بعولتهنّ عهدا ... إذا لاقوا فوارس معلمينا
ليستلبنّ أبدانا وبيضا ... وأسرى في الحديد مقرّنينا
وبهذه الأبيات علم أن القرى في البيت استعارة عن القتل. قال شارح المعلقات:
يقول نزلتم منا منزلا قريبا كمنزل الأضياف فعجلنا لكم القتل قبل أن تقتلونا. ومن آخر القصيدة:
إذا ما الملك رام النّاس خسفا ... أبينا أن نقرّ الخسف فينا
ملأنا البرّ حتّى ضاق عنّا ... وبحر الأرض نملؤه سفينا
لنا الدّنيا وما أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالمين وما ظلمنا ... ولكنّا سنبدأ ظالمينا
إذا بلغ الرّضيع لنا فطاما ... تخرّ له الجبابر ساجدينا
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قال شارح المعلقات: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم في سنة أصابتهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم، فرجعوا إلى الفلاة فمات منهم سبعون رجلا عطشا، فاجتمعت بنو تغلب لحرب بكر واستعدت لهم بكر، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت فدعا بعضهم بعضا الى الصلح، فتحاكموا في ذلك الى الملك عمرو بن هند، وهو ابن المنذر وهند أمّه، فجمع الفريقين وأصلح بينهم، وأنشد
стр. 119
عمرو بن كلثوم سيد تغلب في مجلسه هذه القصيدة إرتجالا يذكر فيها أيام بني تغلب ويفتخر بهم، وأنشد الحرث بن حلّزّة قصيدته التي أوّلها:
آذنتنا ببينها أسماء
قال معاوية بن أبي سفيان: قصيدتا عمرو بن كلثوم والحرث بن حلّزّة من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرا.
وعمرو بن كلثوم بن عتاب بن مالك بن ربيعة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب ابن عمرو بن غنم بن تغلب. قال ابن دريد في الوشاح: كنيته أبو الاسود. قوله:
هبي أي انتبهي من نومك. والصحن: الكأس. ويقال جام عريض قصير الجدار.
وأصبحينا: أسقينا. الصبوح: وهو شرب الغداة. والغبوق: شرب العشيّ.
والأندرين: قرية بالشام، وهو معدن الخمر. والبيض بالفتح جمع بيضة وهي المغفر.
واليلب: الترس من الجلود. والسابغة: الدرع الواسعة. والدلاص: الدروع الملساء التي ليس لحلقها حجم. والغضون: ما تثنى منها، يعني أنها واسعة. وبنو الطماح قبيلة من بني أسد، ودعمى من عبد القيس. وتشتمونا بكسر العين وضمها في المضارع والماضي بالفتح. والمرداة ما يردى به الشجر أي يرمى ليخبط ورقه.
والطحون: الذي يطحن كل شيء، وهو في البيت كناية عن الكتيبة، أي عجلنا لكم كتيبة تعرككم كما تعرك الرحى الحب. والظعائن: النساء في الهوادج. والميسم:
الحسن والجمال. والملك بسكون اللام لغة في الملك بكسرها. وسام: كلف.
والخسف: الظلم. وقوله: فنجهل. استشهد به النحاة على نصب المضارع بعد الفاء في جواب النهي.
* * *
стр. 120
شواهد إنّ المكسورة المشدّدة
٤٤ - وأنشد:
إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن ... خطاك خفافا إنّ حرّاسنا أسدا
هو لعمر بن أبي ربيعة. والجنح، بضم الجيم وكسرها، طائفة من الليل.
والخطى، بالضم، جمع خطوة وهي ما بين القدمين. وخفافا: جمع خفيفة. والحرّاس:
جمع حارس. وأسند، بإسكان السين، جمع أسد. قال الجوهري: وهو مخفف من أسد بضمتين. والبيت استشهد به طائفة على أن (إن) تنصب الجزئين في لغة.
وخرّجه الأكثرون على أن أسدا منصوب على الحالية أي تلقاهم أسدا. وفي البيت شاهد على أمر المضارع المبدوء بتاء المخاطب باللام.
٤٥ - وأنشد:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء (١)
هو للأخطل وبعده:
مالت النّفس نحوها إذ رأتها ... فهي ريح وصار جسمي هباء
ليت كانت كنيسة الروم إذ ... ذاك علينا قطيفة وخباء
الكنيسة: معبد النصارى (٢)، وكان الأخطل نصرانيا. والجآذر: أولاد البقر
стр. 121
واحدها جؤذر بجيم مضمومة وهمزة ساكنة وذال معجمة مفتوحة ومضمومة، وكنى بذلك عن النساء اللاتي رآهنّ في الكنيسة. والهباء: الغبار الرقيق. وقيل: ما يدخل على الكوى مع الشمس. والقطيفة: كساء ذو خمل عظيم.
واسم إن في البيت ضمير الشأن محذوفا، ولا يصح جعله من لأن الشرط له الصدر فلا يعمل فيه ما قبله.
والجملة من وجزآها في موضع الخبر.
فائدة: [الأخطل]
الأخطل: هو غياث بن غوث، ويقال: ابن غويث، ويقال: ابن مغيث بن الصلت ابن طارقة، أبو مالك التغلبي النصراني (١) .. قال له كعب بن جعيل: إنك لأخطل يا غلام، أي سفيه فلقب به. وقيل لخطل لسانه، وقيل لطول أذنيه، وقيل لبيت قاله (٢). وكان نصرانيا ومات على نصرانيته. وكان مقدّما عند خلفاء بني أمية لمدحه لهم، وانقطاعه إليهم. ومدح يزيد بن معاوية وهجا الأنصار بسببه فلعنه الله وأخزاه.
وعمّر عمرا طويلا إلى أن مات لا ﵀ ولا خفّف عنه. وكان أبو عمرو بن العلاء ويونس وحماد يقدّمونه في الشعر على جرير والفرزدق.
وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قلت لجرير:
خبرني ما عندكم في الشعراء؟ قال: أما أنا فمدينة الشعر، والفرزدق يروم مني مالا ينال، وابن النصرانية أرمانا للفرائص، وأمدحنا للملوك، وأقلنا اجتزاء بالقليل، وأوصفنا للخمر، والحمر، يعني النساء البيض. قلت: فذو الرمّة؟ قال ليس بشيء، أبعار ظباء ونقط عروس (٣). قال: وقيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: كفاك بي إذا افتخرت، وابن المراغة إذا هجا، وابن النصرانية إذا امتدح.
стр. 122
وأخرج عن محمد بن اسحق الوشاء النحوي قال: قال بعض الرواة: ذهب كثير بالنسيب، وذهب جرير بالهجاء، وذهب الأخطل بالمديح، وذهب الفرزدق بالفخار.
وأخرج عن أبي الغرّاف قال: من مدح الأخطل لعبد الملك من قصيدة (١):
شمس العداوة حتّى يستقاد لهم ... وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
مثل الناس بينه وبين بيت جرير.
ألستم خير من ركب المطايا (٢)
وأخرج عن سلمة بن عيّاش قال (٣): تذاكرنا جريرا والفرزدق والأخطل، فقال قائل: من مثل الأخطل؟ ان في كل بيت له بيتين يقول (٤):
ولقد علمت إذا الرّياح تناوحت ... مدح الرّئال ثلثهنّ شمالا
أنّا نعجّل بالعبيط لضيفنا ... قبل العيال، ونقتل الأبطالا
ولو شاء لقال:
ولقد علمت إذا الرّياح ... تزوّجت صدح الرّئال
أنّا نعجّل بالعبيط ... لضيفنا قبل العيال
وكان هذا شعرا، وكان على غير ذلك الوزن.
وأخرج عن ابن الأعرابي، قال (٥): قيل لجرير: أيما أشعر أنت في قولك:
стр. 123
حيّ الغداة برامة الأطلالا ... رسما تحمّل أهله فأحالا
أم الأخطل في جوابها:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظّلام من الرّباب خيالا
قال: هو أشعر مني، إلا أني قلت في قصيدتي بيتا لو أن الأفاعي نهشتهم في استاههم ما حكوها حيث أقول:
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
وأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال (١): سألت بشارا عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه.
وأخرج من طريق عمر بن شبة عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: قال الأخطل:
ما رأيت أعجب من قصتي وقصة جرير، هجوته بأجود هجاء يكون، وهجاني بأرذل شعر فنفق وصار علما، قلت فيه:
ما زال فينا رباط الخيل معلمة ... وفي كليب رباط الذّلّ والعار
النّازلين بدار الهون ما خلقوا ... والماكثين على رغم وإصغار
قوم، إذا استسبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم: بولي على النّار (٢)
وهجاني جرير بأن قال:
والتّغلبي إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
стр. 124
فانظر كم بين الشعرين.
وأخرج عن يحيى بن معين قال: هذا البيت للأخطل (١).
وإذا افتقرت إلى الذّحائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن العتبي: أن سليمان بن عبد الملك سأل عمر بن عبد العزيز: أجرير أشعر أم الأخطل؟ فقال: اعفني. قال: لا والله لا أعفيك، قال:
إن الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريرا وسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ الأخطل حيث رأيت. فقال له سليمان: فضلت والله الأخطل.
وفي المؤتلف والمختلف للآمدي: المسمون بالأخطل من الشعراء جماعة، هذا، والأخطل الضبي، ولأخطل
المجاشعي أخو الفرزدق، والأخطل بن حماد بن الأخطل ابن ربيعة بن النمر بن تولب.
٤٦ - وأنشد:
ويقلن شيب قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنّه (٢)
هو لعبيد الله بن قيس الرقيات، وقبله:
بكرت عليّ عواذلي ... يلحينني وألومهنّه
وبعده:
ولقد عصيت النّاهيات ... النّاشرات جيوبهنّه
стр. 125
حتّى ارعويت إلى الرّشاد ... وما ارعويت لنسيهنّه
وفي الأغاني زيادة بعد: ويقلن ... البيت:
لا بدّ من شيب فدعن ... ولا تطلن ملامكنّه
وقدره في الصحاح: انه قد كان، كما يقلن (بكر) بالتخفيف جاء بكرة بخلاف بكّر بالتشديد، فانه للمبادرة، أي وقت كان. ومنه بكروا بصلاة المغرب، أي صلوها عند سقوط القرص. قال في الصحاح: ولحاه يلحاه لأمه، والهاء في ألومهنه للسكت. وفي إنه قبل، كذلك وإن بمعنى نعم. وقيل: ضمير اسم ان، والخبر محذوف: أي كذلك. وكبرت بكسر الباء.
فائدة: [عبيد الله بن قيس]
عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة العامري، من أهل الحجاز، لقب بالرقيّات لانه تشبب بثلاث نسوة كل منهنّ تسمى رقية. وقال الجمحي (١): لأن جدّات له توالين يسميّن رقية، مشهور بالجودة في الشعر. مدح مصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان.
أخرج ابن عساكر عن خالد بن عطاء بن مقدم قال: قال لي حماد الراوية: إذا أردت ان تقول الشعر فارو شعر ابن قيس الرقيّات فانه أرق الناس حواشي شعر.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب: أنه سأل نوفل بن مساحق من أشعر، ابن قيس الرقيات أم ابن أبي ربيعة؟ فقال: ابن أبي ربيعة أشهر بالغزل، وابن قيس أكثر أفانين شعر! قال: صدقت.
٤٧ - وأنشد:
قد بلغا في المجد غايتاها (٢)
стр. 126
قال ابن الأعرابي في النوادر: من لغة من يجري المثنى بالألف قوله:
شالوا عليهنّ فشل علاها ... واشدد بمثنا حقب حقواها
إنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
وقال أبو زيد الأنصاري في نوادره: قال المفضل: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
أيّ قلوص راكب تراها ... شالوا علاهن فشل علاها
واشدد بمثنا حقب حقواها ... ناجية وناجيا أباها
ان أباها ... البيت.
ثم قال أبو حاتم: سألت عن هذه الأبيات أبا عبيدة فقال: انقط عليهنّ هذا من صنعة المفضل. القلوص: الناقة الشابة. ويقال: شال الشيء يشول إذا ارتفع، فالأمر شل بالضم، ويتعدى بالهمزة وبالباء، فيقال أشلته وشلت به. فقول العامة:
شلته بالكسر لحن من وجهين، قاله المصنف في شواهده. والمفعول محذوف، أي برحالهم وبرحلك. وقوله، علاهن وعلاها، قال أبو زيد: أصله عليهنّ وعليها بالياء.
ولكن بلحرث يقلبون الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا. وقال المصنف: الصواب أن يقال انهم يلتزمون ألف المثنى وألف على ولدى والى. ومعنى البيت: ان الركب قد رفعوا رحالهم على قلصهم فارفع رحلك على قلوصك واشدد حقويها بمثنا حقب، وهو حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير، والحقو: الخاصرة ومشدّ الازار.
والناجية: السريعة. ونصبها بأمدح محذوفا، وأباها فاعل بناج على لغة القصر، أو هو مثنى عليه أيضا، وحذفت نونه للاضافة، ولا يمكن ذلك في قوله:
إنّ أباها وأبا أباها
لقوله قد بلغا ولم يقل بلغن، قاله المصنف في شواهده. وقيل إن الرجز لرؤبة
стр. 127
وعزاه الجوهري لابي النجم.
وأنشد قبله:
واها لريّا ثمّ واها واها ... هي المنى لو أنّنا نلناها
يا ليت عيناها لنا وفاها ... بثمن نرضي به أباها
ان أباها ... الخ. وقد أورد المصنف قوله: واها ... البيت، في حرف (وا) شاهدا على ورود (وا) للتعجب، والمجد والكرم. قال ابن السكيت: الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال رجل شريف ماجد إذا كان له آباء متقدّمون في الشرف.
قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل نفسه، وإن لم يكن له آباء لهم الشرف.
شرح شواهد المغني م - ٩
стр. 128
شواهد أم
٤٨ - وأنشد:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
هذا من قصيدة لزهير بن أبي سلمى وأوّلها (١):
عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء
ومنها:
أرونا خطّة لاضيم فيها (٢) ... يسوّى بيننا فيها السّواء
فإن ترك السّواء فليس بيني ... وبينكم بني حصن بقاء
فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
فذلكم مقاطع كلّ حقّ ... ثلاث كلّهنّ له شفاء
عفا: درس. والجواء وما بعده: مواضع ببلاد غطفان. وأرونا: أعطونا.
والخطة: بالضم، الأمر والقصد (٣). والضيم: الظلم. والسواء: النصف والعدل، ومنه «قوله » (إلى كلمة سواء). وبقاء: لا يبقى بعضنا على بعض.
стр. 129
والمقطع: الأمر الذي ينقطع به. والنفار: المنافرة، وهو أن يتفاخر الرجلان فيحتاجان لحاكم يحكم لأحدهما من الفضل بأكثر من المنافرة. والجلاء: الأمر الواضح البيّن (١). وإخال، بكسر الهمزة، وقد تفتح، بمعنى أظنّ. والقوم: الرجال لا نساء فيهم، وقد استشهد الجوهري بالبيت على ذلك لمقابلة القوم فيه بالنساء، واستشهد به المصنف هنا على أن الهمزة فيه طلب بها وبأم التعيين، خلافا لابن الشجري، حيث ظن الهمزة فيه للتسوية. وأعاده في حرف السين مستشهدا به على الفصل بالفعل الملغى بين سوف ومدخولها، وأعاده في الكتاب الثاني مستشهدا به على وقوع الجملة المعترضة بين حرف التنفيس والفعل، واستشهد به أهل البديع على النوع المسمى تجاهل العارف.
فائدة: [زهير بن أبي سلمى]
زهير بن أبي سلمى بضم السين، قال في الصحاح: وليس في العرب سلمى بالضم غيره، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح، بكسر الراء، ثم تحتية، بن مرة بن الحارث من بني مزينة، أحد فحول الشعراء. كان عمر بن الخطاب لا يقدم عليه أحدا ويقول: أشعر الناس الذي يقول ومن، يشير إلى الأبيات الآتية. وولده كعب الصحابي صاحب بانت سعاد. وفي الوشاح لابن دريد أن كنية زهير أبو بجير، وذكر غيره أنه مات قبل المبعث.
وأخرج ثعلب في شرح ديوان زهير بسنده عن ابن عباس قال (٢): قال لي عمر:
أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قيل: بم كان ذاك؟ قال: كان لا يعاظل بين
الكلام (٣)، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل
стр. 130
بما لا يكون في الرجال. قال: فأنشدته حتى برق الصبح. أخرجه في الأغاني.
وقال ثعلب: أخبرني أبو قيس العنبري، عن عكرمة بن جرير، قال: قلت لأبي:
من أشعر الناس؟ قال: زهير أشعر أهل الجاهلية. قلت: فالاسلام؟ قال: الفرزدق ينعق بالشعر. قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب صفة الخمر.
قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني، فإني نحرت الشعر نحرا. أخرجه في الأغاني (١) وأخرج عن سعيد بن المسيب قال (٢): كان عمر جالسامع قوم يتذاكرون أشعار العرب اذ أقبل ابن عباس، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بالشعر، فلما جلس قال:
يا ابن عباس، من أشعر العرب؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال: فهل تنشد من قوله شيأ تستدل به على ما قلت، قال: نعم، امتدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال:
لو كان يقعد فوق الشّمس من أحد ... قوم لأوّلهم يوما إذا قعدوا (٣)
محسّدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
وأخرجه من وجه آخر موصولا من طريق محمد بن إسحق، عن محمد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس مثله. قال ثعلب: من قدّم زهيرا قال: كان أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى، في قليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالا في شعره. قال:
وقال الأحنف بن قيس لبعض الأمراء: إن زهيرا ألقى عن المادحين فضول الكلام قال (٤):
ما يك من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل
стр. 131
قال ثعلب: ولما مات زهير قالت أخته خنساء ترثيه (١):
لا يغني توقّي المرء شيئا ... ولا عقد التّميم ولا الغضار
إذا لاقى منيّته فأمسى ... يساق به وقد حقّ الحذار
ولا قام من الأيّام يوم ... كما من قبل لم يخلد قدار
الغضار: كان أحدهم اذا خشي على نفسه علق عليه خزفا أخضر (٢):
ومن محاسن قول زهير (٣):
ولا تكثر على ذي الضّغن عتبا ... ولا ذكر التّجرّم للذّنوب
ولا تسأله عمّا سوف يبدي ... ولا عن عيبه لك بالمغيب
متى تك في صديق أو عدوّ ... تخبّرك الوجوه عن القلوب
وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن المدائني قال: قال الأخطل: أشعر الناس قبيلة بنو قيس، وأشعر الناس بيتا آل أبي سلمى، وأشعر الناس رجلا رجل في قميصي.
وفي الأغاني عن ابن الأعرابي قال: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعرا وهو شاعر وخاله شاعر وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعران، وأخته الخنساء شاعرة.
وأخرج عن ابراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري: ان رسول الله ﷺ نظر إلى زهير بن أبى سلمى وله مائة سنة فقال: اللهم أعذني من شيطانه، فمالاك بيتا حتى مات.
стр. 132
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن محجن الخزاعي قال: كان معاوية يفضل مزينة في الشعر ويقول: كان أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى، وكان أشعر أهل الاسلام ابنه كعب ومعن بن أوس.
٤٩ - وأنشد:
ولست أبالي بعد فقدي مالكا ... أموتي ناء أم هو الآن واقع (١)
لم يسمّ قائله. والنائي: البعيد. والآن: نصب على الظرف، وهو مبتدأ و (واقع) خبره.
٥٠ - وأنشد:
فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقني ... فقلت: أهي سرت أم عادني حلم (٢)
هذا من قصيدة لزياد بن حمل، وقيل لزياد بن منقذ، وقيل للمرّار بن منقذ.
وفي الأغاني (٣) انها لبدر أخي المرار بن سعيد (٤) أوّلها:
لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى منّي ولا نقم
ولن أحبّ بلادا قد رأيت بها ... عنسا ولا بلدا حلّت به قدم
стр. 133
إذا سقى الله أرضا صوب غادية ... فلا سقاهنّ إلّا النّار تضطرم
وحبّذا حين تمسي الرّيح باردة ... وادي أشيّ وفتيان به هضم
الواسعون إذا ما جرّ غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا
والمطعمون إذا هبّت شآميّة ... وباكر الحيّ من صرّادها صرم
هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفي اللّقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذا الخيل حالوا في كواثبها ... فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
لم ألق بعدهم حيّا فأخبرهم (١) ... إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم
كم من فتى حلو شمائله ... جمّ الرّماد إذا ما أخمد البرم
زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوا ... لدى نواحل في أرساغها الخدم
إلى أن قال: فقمت للطيف ... البيت
وكان عهدي بها والمشي يبهظها ... من القريب ومنها الأين والسّأم
وبالتّكاليف تأتي بيت جارتها ... تمشي الهوينا وما تبدو لها قدم
سود ذوائبها، بيض ترائبها ... درم مرافقها، في خلقها عمم
شعوب، بضم الشين المعجمة والعين المهملة، ونقم، بضم النون والقاف، وهما وصنعاء بلاد كرهها هذا الشاعر حين أتى اليمن وحنّ الى وطنه. وقوله:
(ولا شعوب هوى مني) أي ليست هوى، أي لا أهواها ولا أحنّ اليها. وعنس،
стр. 134
بمهملتين بينهما نون، وقدم، بضمتين، حيّان من اليمن. والصوب: المطر.
والغادية: السحابة التي تمطر بالغداة (١). وتضطرم: في موضع الحال (للنار) (٢).
وأشىّ، بضم الهمزة وفتح الشين المعجمة، أكمة ببلاد تميم تصرف ولا تصرف.
وهضم، بضمتين، جمع هضوم، وهو الطاوي الكشح، كذا قاله المصنف في شواهده.
وقال شرّاح الحماسة، وتبعهم العيني: هو المنفاق في المشتاء (٣). والواسعون: من الوسع، وهو الطاقة.
والمطعمون: حذف مفعوله وضمير هبت، للريح. وشآمية:
حال. وصرّادها، بضم المهملة وتشديد الراء، السحاب البارد. والصرم: بكسر الصاد وفتح الراء، القطع، وأصله في اقطاع البلاد فاستعاره (٤). وعطاء: تميز (٥).
وتلقى: حذف مفعوله أي الأعداء. وفي (بهم بهم) جناس. والبهم بضم الموحدة وفتح الهاء، جمع بهمة بضم فسكون، الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدّة بأسه. والكواثب، جمع كاثبة بالمثلثة: وهو أعلى الظهر من الدابة. والميل، جمع أميل، وهو الذي يعرض عن وجه الكتيبة عند الطعان، وقيل: الذي لا يثبت على ظهر الدابة. والقزم، بضم القاف والزاي، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (٦). وجم الرماد: كثير الأضياف. والبرم، بفتح الموحدة والراء، الذي لا يدخل الميسر مع القوم. ومفعول أخمد، محذوف، أي أخمد النار لبخله. قوله:
(لم ألق ... البيت) كذا في الحماسة، وفي منتهى الطلب. ويروي بدله:
وما أصاحب من قوم فأذكرهم
стр. 135
كذا أورده ابن مالك، وزعم أبو حيان انه تحريف منه، وردّه المصنف بأن ابن قتيبة رواه كذلك في طبقات الشعراء (١). وكذلك المبرّد الا أنه قال فما بالفاء. وقد استشهد به النحاة على وقوع الضمير المنفصل موقع المتصل في الضرورة، وأورده المصنف في شواهده على. ومعنى البيت: انه ما يصاحب من بعد قومه قوما فيذكر قومه إلا يزيد أولئك القوم قومه حبا اليه، إمّا لما يرى من تقاصرهم عن قومه، أو لما يسمع منهم من الثناء عليهم، والذكر على الأوّل بالقلب وعلى الثاني باللسان.
ويؤيد الأول رواية (فأخبرهم) ويجوز في (فأذكرهم) و (فأخبرهم) الرفع عطفا على (أصاحب) والنصب في جواب النفي. وهم: فاعل يزيد، وكان الأصل، لو وصل، أن يقول لا يزيدونهم حبا اليّ، وقد قيل إن الشاعر كان متمكنا من أن يقول:
إلّا يزيدونهم حبّا إليّ هم
ويكون الضمير المنفصل توكيدا للفاعل فلا يكون الفصل ضرورة. وقال المصنف في شواهده: يحتمل عندي أن فاعل يزيد ضمير راجع إلى الذكر ويكون (هم) المنفصل توكيد (لهم) المتصل، لأنه يجوز أن يؤكد بالمرفوع المنفصل كل متصل. قوله:
(زارت رويقة) أي في المنام، وهي امرأة شعثا أي قوما غبرا. لدي نواحل: أي ابل ضوامر مهازيل. وارساغها والخدم: سيور القدّ. فقمت للطيف: أي الخيال الزائر.
ويروى: للزور. مرتاعا: أي فزعا، وهو حال. فأرّقني: أقلقني. وعادني: اعتادني.
ومعنى البيت: قمت من مضجعي للطيف الزائر، وطار النوم عني وأخذني القلق، ووساوس النفس، فمثلت الفكر بين شيئين: زيارتها بنفسها، وحلم نائم اعتادني، فأرانيها وصرت أراجع نفسي، وأقول: كيف يجوز مجيئها، وكنت أعهدها وقطع المسافة القريبة يشق عليها ويملها ويتعبها، وإنها إذا أتت بيت جارتها لقضاء ذمام أوأداء حق حصل لها كلفة ومشقة، مع كونها تمشي بهوينا ورفق. واستشهد بقوله: (أهي) على سكون هاء (هي) بعد ألف الاستفهام، إجراء لها مجرى واو العطف وفائه، و (أم) هذه هي المعادلة، أي أيّ الأمرين كان. والحلم، بضمتين، ما يراه النائم في نومه. والواو في قوله (وكان عهدي) حالية. ويبهظ، بموحدة وظاء معجمة،
стр. 136
يثقل ويشق. والهوينا: تصغير الهونا تأنيث الأهون، وموضعها نصب على المصدر.
وقوله: (وما تبدو لها قدم) أي تجرّ أذيالها على عادة العرب. وفي قوله:
سود ذوائبها، بيض ترائبها
طباق. والترائب: عظام الصدر. والدرم، بضم المهملة وسكون الراء، التي لا حجم لها لكثرة اللحم عليها. والعمم: الطول، بفتح المهملة والميم.
٥١ - وأنشد:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
هذا للأسود بن يعفر بن عبد القيس بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم النهشلي، يكنى أبا نهشل، كما في الوشاح. وقال ابن يسعون:
كنيته أبو الجراح، وهو جاهلي أعمى. ويعفر، بفتح الياء، وقيل بضمها، حكاهما في الأغاني (١). وقال: شاعر متقدّم من شعراء الجاهلية، ليس بالمكثر. وجعله ابن سلام في الطبقة الثامنة مع خداش بن زهير والمخبّل السعدي والنمر بن تولب، وهو من العشي (٢). قال الأعلم: شعيث حي من تميم ثم من بني منقر، فجعلهم أدعياء وشك في كونهم منهم أو من بني سهم. وسهم هنا حيّ من قيس. واستشهد سيبويه بالبيت على حذف همزة الاستفهام، لأن المعنى: أشعيث، وهو بالمثلثة وصحف من رواه بالموحدة. قال العسكري في التصحيف: ولعمرك مبتدأ خبره محذوف أي قسمي، ومفعول ما أدرى جملة قوله شعيث، أو تقديره أشعيث بن سهم، وشعيث مبتدأ وابن سهم خبره، وكذا في الموضع الثاني فأين فيهما خبر لاصفة، وإنما حذف التنوين من شعيث للضرورة أو لمنع الصرف لأنه اسم للقبيلة.
стр. 137
فائدة: [شعيث]
في المؤتلف للآمدي: شعيث بالمثلثة آخره، ابن ثواب أحد بني حرامة بن لوزان ابن ثعلبة بن عديّ بن فزارة شاعر فصيح.
٥٢ - وأنشد (١):
تقول عجوز مدرجي متروّحا ... على بابها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة اليوم ثاويا
فقلت لها: لا إنّ أهلي جيرة ... لأكثبة الدّهنا جميعا وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة ... أراجع فيها يا ابنة القوم قاضيا
هذه الأبيات من قصيدة لذي الرّمة. والمدرج: بفتح الميم، مصدر من درج الرجل إذا مشى، وهو مبتدأ. والمتروّح:
اسم فاعل من تروّح، إذا ذهب في الزمن المسمى بالروح، وهو من زوال الشمس إلى الليل، ونصبه على الحال، وخبر المبتدأ:
على بابها، والجملة صفة عجوز و (من عند) متعلق بمتروّح. وغاديا: عطف على متروّحا، وهو من غدا إذا ذهب أوّل النهار (٢). وذو: خبر أنت مقدّرا، وفي قوله:
(زوجة) بالتاء شاهد على من أنكر ذلك، وإن كان الأشهر في المرأة زوجا بلا تاء.
والعام: نصب على الظرف (٣). وثاويا: حال إن كانت (أراك) بصرية، وإلا فمفعول
стр. 138
ثان. وهو بالمثلثة المقيم. ولا ردّ لما توهمته من وقوع أحد الأمرين لا جواب لسؤالها.
والجيرة: بكسر الجيم، جمع قلة للجار. والأكثبة: جمع كثيب، بالمثلثة، وهو الرمل المجتمع كالكوم. والدهناء: موضع ببلاد تميم، يمدّ ويقصر، وهو في البيت مقصور (١). ومن أبيات هذه القصيدة (٢):
وكنت أرى من وجه ميّة لمحة ... فأبرق مغشيّا عليّ مكانيا
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صلّيت العشا أم ثمانيا (٣)
وإن سرت في أرض الفضاء حسبتني ... أداري رحلي أن تميل حباليا
يمينا إذا كانت يمينا وإن تكن ... شمالا يحاديني الهوى عن شماليا
هي السّحر إلّا أنّ للسّحر رقية ... وأنّي لا ألقى لما بي راقيا
هي الدّار إذ ميّ لأهلك جيرة ... ليالي لا أمثالهنّ لياليا
فائدة: [ذو الرمّة]
ذو الرمّة اسمه غيلان بن عقبة بن مسعود (٤) بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن
стр. 139
ملكان بن عديّ بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار العدوي، أبو الحارث، لقب ذو الرمّة لأنه أتى مية صاحبته، وعلى كتفه قطعة حبل، وهي الرمّة، واستقساها فقالت: اشرب يا ذا الرمّة. فلقب به. وقيل لقوله:
أشعث باقي رمّة التّقليد (١)
وقيل: كان يصيبه الفزع في صغره فكتبت له تميمة فكانت تعلق عليه بحبل.
له رواية في الحديث، حدّث عن ابن عباس، روى عنه أبو عمرو بن العلاء.
أخرج ابن عساكر من طريق إسحق بن سيار النصيبي عن الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء عن ذي الرمّة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: إن من الشعر حكمة. وبسنده عن ابن عباس في قوله تعالى (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) قال:
الفارغ. قال النصيبي: لذي الرمّة غير هذين الحديثين، وعدّه الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الاسلام (٢).
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن نافع: أن الفرزدق دخل على الوليد بن عبد الملك فقال له: من أشعر الناس؟ قال: أنا. قال: أتعلم أحدا أشعر منك. قال:
لا، إلا أن غلاما من بني عديّ يركب اعجاز الابل وينعت الفلوات، ثم أتاه جرير فسأله، فقال له مثل ذلك. ثم أتاه ذو
الرمّة فقال له: ويحك، أنت أشعر الناس.
قال: لا، ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم لكن الروحيات (٣)، يقول وحشيا من الشعر لا نقدر أن نقول مثله.
وأخرج من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: ليس يقدّم أهل البادية على ذي الرمّة أحدا، قال: وقال لي الشافعي: لقي رجل رجلا من أهل اليمن فقال لليماني: من أشعر الناس؟ فقال: ذو الرمّة. فقلت له: فأين امرؤ القيس
стр. 140
لأحميه بذلك، لأنه يماني. فقال: لو أن امرأ القيس كلف أن ينشد شعر ذي الرّمّة ما أحسنه.
وأخرج عن أبي عبيدة قال: لقى جرير ذا الرمّة فقال له: هل لك في المهاجاة؟
قال ذو الرمّة: لا. قال جرير: كأنك هبتني! قال: لا والله. قال: فلم لا تفعل؟ قال:
لأن حرمك قد هتكهنّ السفلة وما ترك الشعراء في نسواتك مرقعا.
مات ذو الرمّة بأصبهان سنة سبع عشرة ومائة عن أربعين سنة.
قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمّة. وقال الأصمعي: مات ذو الرمّة عطشانا، وأتي بالماء وبه رمق فلم ينتفع به وكان آخر ما تكلم به قوله (١):
يا مخرج الرّوح من نفسي إذا احتضرت ... وفارج الكرب زحزحني عن النّار
أخرجه ابن عساكر.
٥٣ - وأنشد:
دعاني إليها القلب إنّي لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها
تقدّم شرحه في شواهد الهمزة (٢).
٥٤ - وأنشد:
стр. 141
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظّلام من الرّباب خيالا (١)
هذا مطلع قصيدة للأخطل يهجو جريرا، وبعده:
وتعرّضت لك بالأبالخ بعد ما ... قطعت بأبرق خلّة ووصالا
وتغوّلت لتروعنا جنّية ... والغانيات يرينك الأهوالا
يمددن من هنواتهنّ إلى الصّبا ... سببا يصدن به الغواة طوالا
ما إن رأيت كمكرهنّ إذا جرى ... فينا ولا كحبالهنّ حبالا
المهديات لمن هوين مسبّة ... والمحسنات لمن قلين مقالا
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا ... وإذا مذلت يصرن عنك مذالا
وإذا وعدنك نائلا أخلفنه ... ووجدت عند عداتهنّ مطالا
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا
ومنها:
أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... خلعا الملوك وفكّكا الأغلالا
وأخوهما السّفّاح ظمّأ خيله ... حتّى وردن جبى الكلاب نهالا
ومنها:
فانعق بضأنك يا جرير، فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا
стр. 142
قوله: (كذبت عينك) استشهد به بعضهم على حذف همزة الاستفهام، أي أكذبتك. وقوله (أم رأيت) أورده المصنف على أن أبا عبيدة قال: ان (أم) فيه بمعنى الاستفهام المجرّد، أي هل رأيت. وفي تفسير ابن جرير في قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) ليست (أم) هنا على الشك، قاله ليقبح صنيعهم كقول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... البيت
وواسط: بلد بالعراق اختطها الحجاج وهو مصروف. والغلس: ظلمة آخر الليل. والرباب: اسم امرأة منقول من اسم السحاب. والأبالخ: جمع بليخ، وهو نهر بالرقة. وتغوّلت: تهوّلت. والغانيات: جمع غانية، وهي التي غنيت بجمالها عن التزين. والسبب: الحبل. والطوال: بضم الطاء، الطويل. قوله: (أبني كليب ... البيت)، استشهد به المصنف في التوضيح على حذف النون من اللذان تخفيفا، وفيه شاهد على النداء بالهمزة. واللذا: خبر أنّ، والأغلال: جمع غل. وفككاها: أي عن الأسارى. وعماه: الأخنس قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المرار يوم الكلاب، وعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند (١). والسفاح: لقب رجل من رؤساء العرب، واسمه سلمة ابن خالد، سفح ماءه يوم الكلاب الأوّل. والجبى: بفتح الجيم والموحدة مقصور، ما حول البئر والحوض، وبكسر الجيم ما اجتمع في البئر من الماء وهو المراد.
والكلاب بضم الكاف وتخفيف اللام اسم ماء. ونهال: بكسر النون وتخفيف الهاء، جمع نهل، الذي هو جمع ناهل، وأراد به هنا العطاش. قال جرير: ما غلبني الأخطل الا في هذه القصيدة:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
٥٥ - وأنشد:
أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهم ... أم كيف يجزونني السّوأى من الحسن
стр. 143
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن
هذان آخر مقطوعة لأفنون التغلبي، وأوّلها (١):
أبلغ حبيبا وخلّل في سراتهم ... أنّ الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهل ... من ولد آدم ما لم يخلعوا رسني
فالوا عليّ ولم أملك فيالتهم ... حتّى انتحيت على الأرساغ والثّنن
لو أنّني كنت من عاد ومن إرم ... ربّيت فيهم ولقمان ومن جدن
لما فدوا بأخيهم من مهوّلة ... أخا السّكون ولا جاروا على السّنن
سألت قومي وقد سدّت أباعرهم ... ما بين رحبة ذات العيص والعدن
إذ قرّبوا لابن سوّار أباعرهم ... لله درّ عطاء كان ذا غبن
إنى جزوا ... البيتين.
قوله: خلّل في سراتهم: أي خصهم بالبلاغ، أي اجعل بلاغك يتخللهم. والسراة:
السادة (٢). قوله: (قد كنت أسبق من جاروا) هو مثل، أي كنت أناضل عنهم وأدفع وأسبق من جاراهم وفاخرهم. وقوله: (ما لم يخلعوا رسني) مثل أيضا، أي ما لم يبتزوا مني ويرغبوا عني. والرسن: الحبل الذي يشدّ به الدابة في رأسها.
وفالوا، بالفاء، أخطأوا، ومصدره: فيوله. والفيال بالكسر: الاسم فيه. وانتحيت، بالمهملة، اعتمدت. والأرساغ، بسين مهملة وعين معجمة، جمع رسغ، وهو من الدواب الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والثّنن:
стр. 144
جمع ثنة، بالمثلثة، وهو الشعر في مؤخر رسغ الدابة (١). وذرجدن، بفتح الجيم والدال المهملة، قيل من أقيال حمير. والسكون، بالفتح، حيّ من اليمن. والرحبة، بالسكون: فضاء بين أفنية القوم والمسجد، ويقال بالفتح أيضا، قاله الأزهري.
والعيص: الشجر الكثير الملتف. والغبن، بفتح الباء، في الرأي، واما بالسكون ففي البيع، يقال: غبن رأيه بالكسر،
إذا نقصه، فهو غبين، أي ضعيف الرأي.
وغبنه في البيع، بالفتح، أي خدعه فهو مغبون. وأنى: اسم استفهام. والسوأى:
مؤنث الأسوأ، كالحسنى مؤنث الأحسن. والعلوق، بالفتح، الناقة تعطف على غير ولدها فلا ترأمه، وإنما تسد بأنفها وتمنع لبنها، قاله في الصحاح. ورئمان، بكسر الراء وهمزة ساكنة. قال الجاحظ في البيان (٢): أصله الرقة والرحمة، فالرؤوم أرق من الرؤوف. وقوله (رئمان أنف): كأنها تئر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن. وقال في الصحاح: رئمت الناقة ولدها رئمانا إذا أحبته وحنت عليه. ويقال للبوّ: رأم، والناقة رؤوم ورائمة. وقال القالي في أماليه (٣): العلوق: التي ترأم بأنفها وتمنع درّها، يقول: أنتم تحسنون القول ولا تعطون شيئا فكيف ينفعني ذلك.
فائدة: [صريم بن معشر]
قال المفضل: أفنون هذا لقب، واسمه صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك بن حبيب - مصغر - ابن عمرو بن غنم بن تغلب. لقى كاهنا في الجاهلية فقال له انك تموت بمكان يقال له (إلاهة) فمكث ما شاء الله، ثم إنه سافر في ركب من قومه إلى الشام، فضلوا الطريق فقال لرجل: كيف نأخذ؟ فقال: سيروا فإذا رأيتم مكان كذا وكذا حيي لكم الطريق ورأيتم إلاهة، فلما رأوها نزل أصحابه وأبى أن ينزل، فبينا ناقته ترعى إذ لدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية معلقة بمشفرها فلدغته في ساقه فمات منها. وفي الوشاح لابن دريد أنه لقب أفنونا لقوله:
منّيتنا الودّ يا مضنون مضنونا ... أزماننا إن للشّبّان أفنونا
стр. 145
وفي المؤتلف للآمدي أن اسمه ظالم.
٥٦ - وأنشد:
ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين حديث سنّ
لمثل هذا ولدتني أمّي
هو لأبي جهل في وقعة بدر.
وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: دفعت إلى أبى جهل يوم بدر وهو يقول (١):
ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين سديس سنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
فدنوت منه فضربته فقتله الله. وأخرجه ابن إسحق في مغازيه بلفظ حديث سنّي.
وذكره المبرد في الكامل بلفظ: حديث سنّ، بالاضافة، كما أورده المصنّف (٢).
قوله: تنقم، بكسر القاف، مضارع نقم، بفتحها أي تكره. والعوان من الحروب:
التي قوتل فيها مرّة، كأنهم جعلوا الأولى بكرا. والبازل: اسم فاعل، من بزل البعير يبزل بزولا، أي انشق نابه، ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في الثامنة. والمراد في البيت: وصفه بالقوّة والجلادة، تشبيها بالبعير البازل، لأنه يكون في هذا السنّ كامل القوة شديد الصلابة. والحديث السنّ الشاب وأما سديس فمن قولهم أسدس البعير اذا ألقى السنّ بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة (٣). وأما السدس، بالتحريك، فالسنّ قبل البازل. قال في الصحاح:
الأثاث في أسنان الابل كلها بالهاء إلّا السدس. والسديس والبازل فيستوى فيها