والمشهد: محضر الناس. والغمرة، بفتح الغين المعجمة: الشدّة، والجمع، استعارة من الماء الكثير، ولذا قرنت بالخوض. ويقال: ثناه يثنيه إذا صرفه عن حاجته. وطراد الاقران في الحرب: حمل بعضهم على بعض. والفقع بفتح الفاء وسكون القاف وعين مهملة الضراط قال في الصحاح ويشبه به الرجل الذليل يقال هو فقع فدفد لأن الدواب تحمله بأرجلها. والقردد: بقاف وراء ودالين مهملتين، المكان الغليظ المرتفع. ويروى: الفدفد، بفاءين ودالين، وهو الأرض المستوية. وعاتكة المذكورة من الصحابيات المبايعات المهاجرات، وأخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وأبوها الذي تحنف في الجاهلية ومات قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين. وأخبر النبي ﷺ أنه في الجنة وأنه يأتي يوم القيامة أمة وحده.
تنبيه:
عزا المصنف في شواهده هذا البيت لصفية زوجة الزبير بن العوام، وتبعه عليه طائفة. والأسانيد الصحيحة تردّه.
فائدة: [أعرق الناس في القتل عمارة بن حمزة بن عبد الله]
قال ابن دريد في الوشاح: أعرق الناس في القتل عمارة بن حمزة بن عبد الله ابن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، قتل عمارة وحمزة يوم قديد (١)، وقتل الحجاج عبد الله بن الزبير، وقتل الزبير عمرو بن جرموز يوم الجمل، وقتل بنو كنانة العوام وقتلت خزاعة خويلدا.
فائدة: [الزبير]
قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: الزبير بالضم والموحدة جماعة وبالفتح وكسر الموحدة عبد الله بن الزّبير الأسدي شاعر جيد، ولهم شاعر يقال له زنير بالضم ونون وهو ابن عمر الخثعمي الذي يقال له النذير العريان.
стр. 72
٢٠ - وأنشد:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
هذا صدر بيت للنابغة الذبياني وعجزه:
إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
والبيت من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر، وأولها (١):
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد
إلّا الأواري لأيّاما أبيّنها ... والنّوى كالحوض بالمظلومة الجلد
ومنها:
فتلك تبلغني النّعمان أنّ له ... فضلا على النّاس في الأدنى وفي البعد
الى أن قال:
الواهب المائة المعكاء زيّنها (٢) ... سعدان توضح في أوبارها اللّبد
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد
إلّا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البريّة فاحددها عن الفند
وخيس الجنّ، إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد
стр. 73
فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظّلوم، ولا تقعد على ضمد
إلّا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
واحكم بحكم فتاة الحيّ إذ نظرت ... إلى حمام شارع وارد الثّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقدي
فحسبوه فألفوه كما زعمت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
مهلا فداء لك الأقوام كلّهم ... وما أثمّر من مال ومن ولّد
فلا لعمر الّذي مسّحت بكعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
لا والذي أمن الغزلان تمسحه ... ركبان مكّة بين الغيل والسّند
ما قلت من سيّئ مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
إذن فعاقبني ربّي معاقبة ... قرّت بها عين من يأتيك بالحسد
كذا أورده صاحب منتهى الطلب. والعلياء: ما ارتفع من الأرض. والسند:
ظهر الجبل. وأقوت: أقفرت وخلت. والسالف: الماضي. والأصيلال باللام آخره، ويروى بالنون. قال في الصحاح: الأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، ويجمع على أصلان، ثم يصغر الجمع على أصيلان ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال، وهو أبدال على غير قياس. وقد استشهد به المصنف في التوضيح على
стр. 74
ذلك (١). ويروى:
وقفت فيها أصيلا كي تجاوبني
ويروى: طويلا، ونصب جوابا على نزع الباء. والربع: المنزل، وعيت:
لم ترد جوابا. والاواري: محابس الخليل، واحدها أورى أوأر، واللأي: البطء، ونصبه بتقديرلات. قال أبو حيان: وأنشد الفرّاء هذا البيت:
إلّا الأواريّ لا إن ما أبينها
واستدل به على جواز موالاة ثلاثة أحرف للنفي. والنوى: الحفير حول الخباء. والمظلومة: الأرض التي حفرت وليست موضع حفر، وهي أيضا التي تمرّ عليها أعوام لا تمطر. والجلد: الصلب. والبعد: يروى بضمتين وبفتحتين.
والمعكاء: السمان الغلاظ الشداد لا تثنى ولا تجمع. وسعدان: نبت. وتوضح:
موضع. واللبد: المتلبدة: وأرى: بمعنى أعلم وأحاشى: مضارع، بمعنى استثني، وماضيه حاشي. وقد استشهد به المصنف في حاشي ومثله قوله:
منّا الرّسول بخير النّاس كلّهم ... ولا نحاشي من الأقوام إنسانا
وسليمان هو النبي ﵇. واحددها: امنعها. والفند: الخطأ والكذب، وكل مالا خير فيه. وخيس: بالخاء المعجمة والمثناة التحتية والسين المهملة. وأخيس:
ذلل. وتدمر: مدينة بالشام. والصفاح: الحجارة العريضة، واحدها صفاحة.
والعمد: بفتحتين أساطين الرخام. والضمد: بالضاد المعجمة، الغيظ، والضيم.
والجواد: الفرس. واستولى: غلب. والأمد الغاية. واحكم: أي كن حكيما مصيب الرأي في أمري ولا تقبل لمن سعى بي إليك، وكن كفتاة الحىّ إذا أصابت ووضعت الأمر موضعه، ولم يرد الحكم في القضاء. والحمام: هنا القطا.
والشراع: بالمعجمة أوله، الداخلة الماء. والثمد: الماء القليل (٢). قال ابن الشجري:
стр. 75
يغلطون فيكتبون: واردي الثمد، بالياء، يريدون واردين الثمد، وليس كذلك، بل هو مفرد وصف به الحمام لأنه اسم جنس، كما قال تعالى: (أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وجَرادٌ مُنْتَشِرٌ) وقوله: شارع، وصف به أيضا، كقوله تعالى: (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) فإن اسم الجنس يجوز وصفه بالواحد والجمع.
والقصة التي أشار اليها: ان زرقاء اليمامة، وهي امرأة من بقية طسم وجديس، كانت توصف بحدّة النظر قبل، كانت ترى من مسافة ثلاثة أيام، وكان لها قطاة، فمرّ بها سرب من قطا بين جبلين فقالت:
ليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه
ونصفه قديه ... نمّ الحمام ميه
فنظروا فإذا هي ست وستون. وقوله:
قالت ألا ليتما هذا الحمام ... البيت
أورده المصنف في ليت مستشهدا به على جواز إعمال ليت مع ما، وإهمالها، لأنه روى الحمام بالنصب والرفع، وأورده في (أو)، مع البيت بعده مستشهدا به على ورود (أو) للجمع المطلق، كالواو. وقوله: أو نصفه، قال المصنف في شواهده: هو تابع لقوله هذا، فمن نصب الحمام نصبه ومن رفعه رفعه. قال:
ويجوز فيه الرفع مع نصب الحمام عطفا على الضمير المستتر في لنا، وحسن ذلك لأجل الفصل. ويروى:
ونصفه بالواو، وقد: بمعنى حسب، وهو مبتدأ حذف خبره أي فحسبي ذلك. واستشهد ابن الشجري في أماليه بقوله: فقدي على جواز ترك نون الوقاية من قد مع ياء المتكلم. والحسبة مصدر بمعنى الحساب. وأبو قابوس: كنية النعمان. وأوعدني: هدّدني. والزأر: الصوت. وأثمر: أجمع وهريق: صب (١). والأنصاب: الأصنام. والجسد: الدم. والغيل: بالكسر، والسند بفتح المهملة: نوعان من الشجر. وقال الأصمعي: إنما هو الغيل بالفتح، ما كان يخرج من أبي قبيس. قال: وأما بالكسر، فهو الغيضة وفي ديوان النابغة:
стр. 76
والمؤمن العائذات الطّير يمسحها ... ركبان مكّة بين الغيل والسّند
وقال شارحه: المؤمن، الله أمن الطير وأعاذها. والغيل والسند: أجمتان كانتا منافع ما بين مكة ومنى. وقوله:
ما قلت من سيّئ مما أتيت به
كذا هو في منتهى الطلب. وفي الأشعار الستة ومعه في ديوان النابغة. كما أنشده المصنف:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
والشاهد فيه في زيادة إن بعد ما النافية. ويروى من إن نديت، أي ما سبق اليك مني، يقال: ما ينداه مني شيء منه (١) وقوله:
إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
توارد عليه جماعة من شعراء العرب وكأنه جرى عندهم مجرى المثل، منهم أنس ابن زنيم الصحابي قال من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ لما أسلم:
ونبي رسول الله إنّي هجوته ... إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
فائدة: [النابغة]
النابغة هذا، اسمه زياد بن معاوية بن ضباب، بالكسر، ابن جابر بن يربوع بن عيط بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان، بضم الذال وكسرها، ابن بغيض بن ريث ابن غطفان بن سعد بن قيس غيلان بن مضر. أبو أمامة الذبياني، أحد شعراء الجاهلية المشهورين، ومن أعيان فحولهم المذكورين. عدّه الجمحيّ في الطبقة الأولى بعد
стр. 77
امرئ القيس (١)، قال ابن دريد في الوشاح، وسمي النابغة بقوله (٢):
رحلت في بني القين بن جسر ... فقد نبغت لنا منهم شؤون
وقال الأصمعي: يكنى أبا ثمامة. قال ابن عساكر: والمحفوظ أبو أمامة. وفي الوشاح لابن دريد: إنه يكنى أبا أمامة وأبا عقرب.
وأخرج ابن عساكر بسنده عن الشعبي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁:
أشعر العرب النابغة، وأخرج من وجه آخر عن الشعبي عن ربعي بن خراش قال:
وفدنا الى عمر بن الخطاب فقال: من الذي يقول (٣):
حلفت فلم تترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
فلست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب؟
قالوا: النابغة! قال: فمن القائل:
إلّا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البريّة فازجرها على فند
قالوا: النابغة! قال: فمن القائل (٤):
أتيتك عاريا خلقا ثيابي ... على وجل تظنّ بي الظّنون
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون (٥)
قالوا: النابغة. قال: فمن القائل:
стр. 78
لست بداخر لغد طعاما ... حذار غد لكلّ غد طعام
قالوا: النابغة. قال: النابغة أشعر شعرائكم وأعلم الناس بالشعر. وأخرج الزبير بن بكار والاصبهاني وابن عساكر عن ابن عباس انه سئل من أشعر الناس؟
فقال: الذي يقول (١):
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
قالوا: هذا النابغة. وأخرجوا أيضا عن حسان بن ثابت انه سئل: من أشعر الناس؟ قال: أبو أمامة، يعني النابغة الذبياني. وأخرج ابن عساكر من طريق ابن الأنباري عن ثعلب عن عمر بن شبة عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال:
كان أوس بن حجر فحل العرب، فلما أنشأ النابغة طأطأ منه. وأخرج عن الأصمعي قال: ذكر عند أبى عمرو بن العلاء النابغة وزهير فقال أبو عمرو: ما كان زهير يصلح أن يكون أخيذا للنابغة، يعني راويا عنه. وأخرج عن الأصمعي قال: سألت بشارا الأعمى: من أشعر الناس؟ فقال: اختلف الناس في ذلك فأجمع أهل البصرة على امرئ القيس وطرفة بن العبد، وأجمع أهل الكوفة على بشر بن أبي خازم والأعشى الهمداني، وأجمع أهل الحجاز على النابغة وزهير، وأجمع أهل الشام على جرير والفرزدق والأخطل؛ وكان الأخطل دونهما. قلت: فجرير أشعر أو الفرزدق؟ فقال:
كان جرير يقول المراثي، ولقد ناحوا على النوار امرأة الفرزدق بشعر جرير. وأخرج عن الأصمعي قال: أول ما تكلم به النابغة من الشعر أنه حضر مع عمه عند رجل، وكان عمه يشاهد به الناس ويخاف أن يكون عييا، فوضع الرجل كأسا في يده وقال:
تطيب كؤوسنا لولا قذاها ... ويحتمل الجليس على أذاها
فقال النابغة: رحمى لذلك:
قذاها أنّ صاحبها بخيل ... يحاسب نفسه بكم اشتراها
стр. 79
اجتمع حسان بن ثابت بالنابغة عند النعمان بن المنذر، كما سيأتي ذكره في موضع آخر، فاستفدنا من ذلك، أن النابغة مات في زمن النبي ﷺ قبل البعثة.
فائدة: [النوابغ أربعة:]
قال ابن دريد في الوشاح: النوابغ أربعة: الذبياني هذا، والنابغة الجعدي قيس ابن عبد الله الصابي، والنابغة الحارثي زيد بن أبان، والنابغة الشيباني حمل بن سعدانة. ثم رأيت في المؤتلف والمختلف لابي القاسم الآمدي زيادة على هؤلاء:
النابغة الذهليّ المخارق بن عبد الله وهو القائل:
لا تمدحنّ امرءا حتّى تجرّبه ... ولا تذمّنّه من غير تجريب
والنابغة ابن لؤي بن مطيع الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة ابن قتال بن يربوع ذبياني أيضا، والنابغة التغلبي الحارث بن عدوان.
فائدة: [زياد]
قال الآمدي: زياد بالزاي جماعة، ولهم شاعر يقال له ذياد، بالذال، ابن عرير ابن الحويرث بن مالك بن واقد.
٢١ - وأنشد:
فما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا (١)
وهذا لفروة بن مسيك، بضم الميم وفتح السين، ابن الحارث بن سلمة المرادي، صحابي مخضرم. وقبله (٢):
стр. 80
إذا ما الدّهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشّامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشّامتون كما لقينا
وبعده:
كذاك الدّهر دولته سجال ... تكرّ صروفه حينا فحينا
ومن يغرر بريب الدّهر يوما ... يجد ريب الزّمان له خؤونا
هكذا في الحماسة البصرية. ثم رأيت في ديوان فروة ما نصه: جمعت همدان لمراد جمعا كثيرا وساروا إليهم فالتقوا بالأحرمين، فظفروا بمراد وأصابوا منهم، فقال في ذلك فروة، وتروى لعمرو بن قعاس (١):
إن نهزم فهزّامون قدما ... وإن نهزم فغير مهزمينا
وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
كذاك الدّهر دولته سجال ... تكرّ صروفه حينا فحينا
فبيناه يسرّ به ويرضى ... ولو مكثت غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرّات دهر ... فألفى بعد غبطته منونا
ومن يغبط بريب الدّهر يوما ... يجد ريب الزّمان له خؤونا
فأفنى ذلكم سروات قومي ... كما أفنى القرون الأوّلينا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا ... ولو بقي الكرام إذن بقينا
стр. 81
ثم رأيت ابن سعد قال في طبقاته، أنا الواقدي، ثنا عبد الله بن عمرو بن زهير، عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: قدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله، ﷺ ، مفارقا لملوك كندة ومبايعا للنبيّ ﷺ ، وكان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه، فكان يحضر مجلس رسول الله ﷺ ، ويتعلم القرآن وفرائض الاسلام وشرائعه، فقال له رسول الله ﷺ يوما: يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرّزم (١)؟
فقال: يا رسول الله، ومن ذا يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الرّزم إلا ساءه ذلك! فقال رسول الله ﷺ : أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا، وكان بين مراد وهمدان وقعة أصابت همدان فيها من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم، وفي ذلك يقول فروة بن مسيك:
إن نغلب فغلّابون قدما ... وإن نهزم فغير مهزّمينا
وما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا
فأقام فروة عند رسول الله ﷺ ما أقام، ثم استعمله رسول الله ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلها، وكتب معه كتابا إلى الأبناء باليمن يدعوهم إلى الاسلام. فأقام فيهم حتى توفى رسول الله ﷺ (٢).
وأخرج ابن سعد من وجه آخر: أن النبيّ ﷺ أجاز فروة بن مسيك باثنى عشرة أوقية، وحمله على بعير نجيب وأعطاه حلة من نسج عمان.
وذكر الواقدي ان عمر بن الخطاب استعمله أيضا على صدقات مذحج. وذكر غيره أنه انتقل إلى الكوفة فسكنها، وله رواية، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وروى عنه الشعبي وأبو سبرة النخعي وجماعة.
غريب الأبيات:
قال الأعلم: الطب هنا العلة والسبب، أي لم يكن سبب قتلنا الجبن،
стр. 82
وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنية وانتقال الحال عنا والدولة، انتهى.
وفي الصحاح: المراد بالطب هنا العادة. والجبن، بسكون الباء وضمها، ضد الشجاعة. والمنايا جمع منية، وهي الموت لأنها مقدّرة، يقال منى له: أي قدّر.
والدولة، بالفتح، في الحرب: أن يدال لاحدى الفئتين على الأخرى، يقال: كانت لهم علينا الدولة، والجمع الدول، والدولة بالضم: المال، يقال صار الفيء بينهم دولة يتداولونه، يكون مرة لهذا، ومرة لهذا، والجمع دولات. وقال أبو عبيد:
الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول بعينه، والدولة بالفتح الفعل. وقال بعضهم:
الدولة والدولة لغتان بمعنى. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب. وقال عيسى بن عمر: كلتاهما يكون في الحرب والمال. والكلاكل، جمع كلكل، وهو الصدر. وسجال: بكسر المهملة وتخفيف الجيم، أي نوب ودول، مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء، من مساجلة المستقين على البئر بالسجل وهو الدلو.
وصروف الدهر: حدثانه ونوائبه. وتكر: ترجع. وريب الدهر: حوادثه.
والغضارة: طيب العيش. والمنون (١)، والسروات: جمع، وسراة جمع سرى، وهو الشريف والسيد. وفي شرح الشواهد للمصنف: هذا البيت للكميت أو لفروة بن مسيك، فحصل فيه ثلاثة أقوال.
٢٢ - وأنشد:
بني غدانة ما إن أنتم ذهبا ... ولا صريفا ولكن أنتم خزف (٢)
قال المصنف في شواهده: غدانة بضم المعجمة ودال مهملة، حيّ من يربوع (٣) و (ما): نافية. وذهب وصريف بالرفع في رواية الجمهور. (فإن): زائدة كافة، وبالنصب في رواية ابن السكيت (فإن) نافية مؤكدة. والصريف، بفتح الصاد وكسر الراء المهملتين: الفضة. والخزف: الجر، جمع جرة (٤).
стр. 83
٢٣ - وأنشد:
يرجّى المرء ما إن لا يراه ... وتعرض دون أدناه الخطوب (١)
قال ابن الأعرابي في نوادره: هو لجابر بن دالان الطائي (٢)، ويقال لا ياس بن الأرتّ (٣)، وقبله:
إن أمسك فإنّ العيش حلو ... إليّ كأنّه عسل مشوب
وبعده:
وما يدّري الحريص علام يلقى ... شراشره أيخطئ أم يصيب
قال ابن الأعرابي: وشراشره: محبته ونفسه جميعا. وفي الصحاح: الشراشر يعني بمعجمتين وراءين، الاثقال واحدها شرشرة أي نفسه حرصا ومحبة (٤). ويرجّي:
بتشديد الجيم المكسورة. ويعرض: إما من عرض له أمر كذا، أي ظهر، أو من عرضت له القول، بفتح الراء وكسرها، أي تعرّضت له. والخطوب: جمع خطب، بفتح المعجمة، وهو شدة الأمر. والمعنى: أن الانسان تمتدّ أطماعه إلى الأمور المغيبة التي لا يراها ويعترض دون أقربها عنده حصولا الأمور الشديدة التي تقطع رجاءه، فما
ظنك بأبعد تلك الأشياء.
٢٤ - وأنشد:
ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته ... على السّنّ خيرا لا يزال يزيد
стр. 84
قاله المعلوط القريعيّ.
ورجّ: أمر من الترجية من الرجاء. والفتى: الشاب مفعوله. وللخير: مفعول ثان. والسنّ: العمر. وخيرا: مفعول يزيد. والمعنى: إذا رأيت شخصا كلما زاد عمره زاده خيره، فرجّه للخير.
واستشهد النحاة بالبيت على جواز تقديم معمول خبر (لا يزال) عليها.
واستشهد به المصنف على زيادة (ان) بعد (ما) التوقيتية. قال الدمامينيّ: ولا يتعين ذلك الاحتمال أن تكون (أن) شرطية و (ما) زائدة داخلة على الجملة الفعلية. وقد أعاد المصنف هذا البيت في شواهد إن المكسورة المشدّدة.
وأنشده ابن يعيش في شرح المفصل وقال: خيرا، نصبا على التمييز.
٢٥ - وأنشد:
ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا ... أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا
سرى بمعنى سار، وإسناده إلى الليل مجاز. والكئيب: السيء الحال. وتنأى:
تبعد. والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير.
وغضوب، بمعجمتين، بوزن صبور، اسم امرأة. ولذا لم يصرفه (١).
٢٦ - وأنشد:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا ... جهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم!
هذا من قصيدة طويلة للفرزدق يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو جريرا، ويذكر قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين، وقد قتله وكيع بن حسان، وأول القصيدة (٢):
تحنّ بزوراء المدينة ناقتي ... حنين عجول تبتغي البوّ رائم
سيدنيك من خير البرّية فاعتدل ... تناقل نصّ اليعملات الرّواسم
стр. 85
إلى المؤمن الفكاك كلّ مقيّد ... يداه وملقي الثّقل عن كلّ غارم
الى أن قال:
إليك وليّ العهد لاقى غروضها ... وأحقابها أدراجها بالمناسم
نواهض يحملنّ الهموم الّتي جفت ... بناعن حشايا المحصنات الكرائم
ليبلغنّ ملء الأرض عدلا ورحمة ... وبرّا لآثار الجروح الكواتم
كما بعث الله النّبيّ محمّدا ... على فترة، والنّاس مثل البهائم
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
ترى التّاج معقودا عليهم كأنّهم ... نجوم حوالي بدر ملك قماقم
ومنها:
جزى الله قومي إذ أرادوا خفارتي ... قتيبة سعي الأفضلين الأكارم
الى أن قال:
فإن تك قيس في قتيبة أغضبت ... فلا عطست إلّا بأجدع راغم
وهل كان إلّا باهليّا مجدّعا ... طغى فسقيناه بكأس ابن خازم
لقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلّا عضّها بالأباهم
فإن تقعدوا تقعد لئام أذلّة ... وإن عدتم عدنا بأبيض صارم
أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا ... جهارا، ولم تغضب لقتل ابن خازم
فما منهما إلّا بعثنا برأسه ... إلى الشّام فوق الشّاحجات الرّواسم
стр. 86
ومنها:
ألسنا أحقّ النّاس يوم تقايسوا ... إلى المجد والمستأثرات الجسائم
إذا ما وزنّا بالجبال رأيتنا ... نميل بأطواد الجبال الأضاخم
وما كان هذا النّاس حتّى هداهم ... بنا الله إلّا مثل شاء البهائم
وهي طويلة جدا. والاستفهام في البيت للانكار التعجبي. وضمير تغضب، راجع إلى قيس. والحز: القطع. وابن خازم عبد الله بن خازم (١) بمعجمتين، كما ضبطه الدارقطني وغيره، ابن أسماء بن الصلت، أبو صالح السلمي مأير خراسان، وليها سنتين ثم ثار به أهل خراسان فقتلوه وحملوا رأسه إلى عبد الملك بن مروان. وقيل:
ان له صحبة ورواية. وحنّ: من الحنين. والزوراء: سوق المدينة. والعجول، بوزن صبور، التي ألقت ولدها لغير تمام. والبوّ، بفتح الموحدة وتشديد الواو:
جلد حوار يحشى تراه الناقة التي مات ولدها فتسكن. ولاقى: أماج. والغروض، بضم الغين المعجمة والراء وضاد معجمة، جمع غرض بوزن فلس، وهو التصدير، وهو للرجل بمنزلة الحزام للسرج. والأحقاب، جمع حقب، بفتحتين، حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير كيلا يجتذبه التصدير. والادراج: السرعة. والمناسم، جمع منسم، بكسر السين، وهو خف البعير. وجفت: رفعت. وحشايا: جمع حشية.
وقوله: (لا عن كلالة) في الصحاح الكلالة الذي لا ولد له ولا والد، والعرب تقول: لم يرثه كلالة، أي لم يرثه عن عرض، بل عن قرب واستحقاق؛ وأنشد البيت.
وقال ابن الأعرابي: الكلالة، بنو العم الأباعد. ويقال: سيد قماقم بالضم: لكثرة خيره. والخفارة، بضم الخاء المعجمة، الذمّة. يقال: أخفرته، إذا بعثت معه خفيرا، وأخفرته: إذا نقضت عهده. وقوله: (بأجدع) أي بأنف أجدع، أي مقطوع.
والشاحجات، بتقديم الحاء المهملة، على الجيم، البغال. والرواسم: السريعة السير من الرسم، وهو نوع من السير سريع. والمستأثرات: الأمور التي استأثر بها أربابها من الأفعال والأخلاق الحسنة. والجسائم: العظام. والطود: الجبل العظيم.
стр. 87
والأضاخم، جمع ضخم، وهو الغليظ من كل شيء.
٢٧ - وأنشد:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة (١)
تمامه:
ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا
اللئيم: الدنيء الأصل، وإنما ذكر الأم لأنها إذا كانت من الكرام فالأب أولى.
لأن العرب لا يزوّجون من دونهم، وقد يتزوّجون من دونهم. قال ابن جرير في تفسيره: قال: إذا ما انتسبنا و (إذا) يقتضي من الفعل مستقبلا. ثم قال: لم تلدني لئيمة، فأخبر عن ماض، وذلك أن الولادة قد مضت وتقدّمت استغناء بعلم السامعين.
٢٨ - وأنشد:
إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن ... عارا عليك، وربّ قتل عار (٢)
هذا لثابت بن قطنة بن كعب العتكي، يكنى أبا العلاء كما في الوشاح، وقبله:
كلّ القبائل بايعوك على الّذي ... تدعو إليه، طائعين وساروا (٣)
حتّى إذا حمي الوغى وتركتهم (٤) ... نصب الأسنّة أسلموك وطاروا
стр. 88
الوغى، بمعجمة، أصله الصوت والجلبة، ثم أطلق على الحرب لاشتمالها عليه، ويقال: حمى النهار، وحمى التنور، بالكسر، أي اشتدّ حرّه، واستعير منه حمى الوغى وحمى الوطيس. ونصب: إما مفعول ثان لترك، أو حال، يقال: نصبت الشيء نصبا إذا أقمته، وناصبته الحرب مناصبة. الأسنة، جمع سنان: الرمح.
وأسلموك: خذلوك. وطاروا: ذهبوا سراعا. والعار: السبة والعيب. وقوله:
(ورب قتل عار) على تقدير هو عار، وقد أعاد المصنف البيت في رب.
وفي الأغاني (١): هو ثابت بن كعب، ويلقب ثابت قطنة، لأن سهما أصابه في إحدى عينيه، فذهب بها في بعض حروب الترك، فكان يجعل عليها قطنة. وهو شاعر فارس شجاع من شعراء الدولة الأموية.
ثم أخرج من طريق حماد بن إسحق عن أبيه قال: كان ثابت قطنة مع يزيد بن المهلب في يوم العقير، فلما خذله أهل العراق وفرّوا عنه فقتل، قال ثابت قطنة يرثيه (كل القبائل) الأبيات الثلاثة. إلّا أنه قال: (وبعض قتل عار).
وأخرج عن محمد بن يزيد قال: ولي ثابت قطنة عملا من أعمال خراسان، فلما صعد المنبر يوم الجمعة رام الكلام فتعذر عليه وحصر، فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوّال:
عسر يسرا، وبعدعيّ بيانا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوّال:
وإن لا أكن فيكم خطيبا فإنّني ... بسعي إذا جاد الوغى لخطيب
فقال خالد بن صفوان: والله ما علا ذلك المنبر أخطب منه في كلماته هذه.
стр. 89
شواهد أن المفتوحة الخفيفة
٢٩ - وأنشد:
لا تقرأن بالسّور (١)
وسيأتي الكلام عليه في حرف الباء.
٣٠ - وأنشد:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب (٢)
هذا من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، أوّلها (٣):
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
فإنّكما إن تنظراني ساعة ... من الدّهر تنفعني لدى أمّ جندب
ألم ترياني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
الى أن قال:
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... فإنّك ممّا أحدئت بالمجرّب
стр. 90
وقالت: متى يبخل عليك ويعتلل ... يسرك وإن يكشف غرامك تدرب (١)
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن ... سؤالك نقبا بين حزمي شعبعب
ومنها:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها ... وماء النّدى يجري على كلّ مذنب
بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كلّ شأو مغرّب
الى أن قال:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... وبين شبوب كالقضيمة قرهب
ومنها:
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرجلنا الجزع الّذي لم يثقّب
قال الأصمعي (٢): لما هرب امرؤ القيس من المنذر بن ماء السماء صار إلى جبلي طيء: أجار وسلمى، فأجاروه، فتزوّج بها أمّ جندب، فبينما هو ذات ليلة نائم معها إذ قالت له: قم فقد أصبحت! فلم يقم، فكرّرت عليه، فقام، فوجد الفجر لم يطلع بعد، فقال لها: ما حملك على صنعت؟ فسكتت، فألحّ عليها، فقالت: حملني على ذلك أنك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الهراقة، بطيء الافاقة. فعرف من نفسه تصديق قولها، فسكت عنها. فلما أصبح أتاه علقمة بن عبدة التميميّ وهو قاعد في الخيمة وخلفه أم جندب، فتذاكرا الشعر، فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك، وقال علقمة: بل أنا أشعر منك! فقال: قل وأقول، وتحاكما إلى أم جندب.
فقال امرؤ القيس هذه القصيدة. وقال علقمة قصيدته التي أوّلها:
стр. 91
ذهبت من الهجران في كلّ مذهب
وستأتي الاشارة إليها في الباب الرابع، ففضلته أم جندب على امرئ القيس فقال:
بم فضّلته؟ قالت: فرس ابن عبدة أجرى من فرسك، قال: وبم ذاك؟ قالت:
سمعتك زجرت وضربت وحركت، وهو قوله:
فللسّاق ألهوب وللسّوط درّة ... وللزّجر منه وقع أهوج منعب
وأدرك فرس علقمة الطريدة ثانيا من عنانه وهو قوله:
وأقبل يهوي ثانيا من عنانه ... يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب
فغضب عليها وطلقها، فخلف عليها علقمة، فسمي علقمة الفحل.
والبيت أورده المصنف مستشهدا به على ان (أن) قد تجزم المضارع. وقد أنكر ذلك الفارسي وقال: الرواية (الى أن يأتي الصيد)، وكذا أورده صاحب منتهى الطلب (١). وأورده ابن الأنباري في شرح المفضليات بلفظ: الى ما يأتنا الصيد، وقال: يجوز أن تجعل (تعالوا) مكتفية، وتجعل (ما) شرطا، والفعل مجزوما بها.
ونحطب جوابها. وقوله (تنظراني) بضم أوّله أي تؤخراني. ويروى: ننظراني، بفتح أوّله أي تنتظراني. والطارق: الآتي بالليل.
قال الزبير بن بكار: أخبرني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي (٢): حدّثني أبي:
إن امرأة لقيت كثير عزة فأنشدها قوله في عزة (٣):
стр. 92
ما روضة بالحسن ظاهرة الثّوى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عرّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
فقالت له: أرأيت حين تذكر طيبها فلو ان زنجية استجمرت بالمندل الرطب لطاب ريحها، ألا قلت، كما قال امرؤ القيس:
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب
ألم ترياني كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
فقال: الحق والله خير ما قيل، هو والله أنعت لصاحبته مني، أخرجه ابن عساكر.
الجثجاث: بجيمين ومثلثتين، ريحانة طيبة الريح. والعرار: البهار البري.
وتنأ (١): تبعد. وحقبة: نصب على الظرف، والمراد بها الحين. ولا تلاقها: بدل من تنأ، لأن عدم الملاقاة هو النأي. و (فإنك) جواب الشرط. وقوله (بالمجرّب) استشهد به النحاة على زيادة الباء في خبر (إن) وهو بفتح الراء: الذي جرّبته الأمور وأحكمته. وقوله:
وقالت: متى يبخل عليك ... البيت
أورده المصنف في الكتاب الرابع مستشهدا به على أن نائب الفاعل في (يعتلل) ضمير المصدر، أي هو أي الاعتلال. ويعتلل: يعتذر. وتدرب: بالمهملة، تتعوّد. وتبصر: انظر. والظعائن: الهوادج (٢). وسوالك: دواخل. والنقب:
الطريق في الجبل. وحزمى، بمهملة وزاي، مثنى حزم، وهو ما غلظ من الارض، أي وعر. وشعبعب: يروى باهمال العينين وإعجمامهما، موضع (٣). والألهوب:
الأسم من ألهب الفرس، إذا اضطرم جريه. وللساق درّه: أي استدرار للجري.
стр. 93
والأهوج: الأحمق. ومنعب، بنون وعين مهملة، يحرّك رأسه وعنقه. وأورد ابن قتيبة هذا البيت في كتاب اثبات المعاني بلفظ: وقع أخرج مهذب (١)، وقال: بقول إذا ضرب السوط التهب في جريه، وإذا جرى بالساق درّ. والأخرج: الظليم.
وقوله:
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن
توارد عليه جماعة من الشعراء في قصائدهم فقاله زهير بن أبي سلمى مطلع قصيدة، وتمامه:
بمنعرج الوادي فويق أبان (٢)
وقاله في قصيدة أخرى، وتمامه:
كما زال في الصّبح الأشاء الحوامل (٣)
وقاله الراعي أثناء قصيدة، وتمامه:
بذي النّيق إذ زلّت بهنّ الأباعر
وقاله أيضا مطلع قصيدة، وتمامه:
تحمّلن من وادي العناق وثهمد (٤)
стр. 94
وقاله مضرس بن ربعي مطلع قصيدة، وتمامه:
إذا ملن من قفّ علون رمالا
وقاله النابغة الجعدي أثناء قصيدة، وتمامه:
رحلن بنصف اللّيل من بطن منعم (١)
وقاله عبيد بن الأبرص أثناء قصيدة، وتمامه:
يمانية قد تغتدي وتروح
وقاله الأسود بن يعفر أثناء قصيدة، وتمامه:
غدون لبين من نوى الحيّ أبين
وقاله طفيل الغنوي أثناء قصيدة، وتمامه:
تحمّلن أمثال النّعاج عقائله
وقد استشهد به النحاة على صرف باب مفاعل للضرورة. وقوله:
وقد أغتدي والطّير في وكناتها
وقاله أيضا في قصيدته اللامية، وتمامه:
لغيث من الوسميّ رائد خال (٢)
أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا على الحال التي حكمها حكم الظرف،
стр. 95
فإن جملة: والطير في وكناتها، حالية، مع أنها لا تنحل الى مفردين بين هيئة فاعل ولا مفعول، ولا هي مؤكدة. وتخريجها على ما ذكرنا، ولذلك عريت عن ضمير ذي الحال. وهذا الشطر أيضا نصف بيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة، وتمامه فيها (١):
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وهذا يسمى في البديع التفصيل، بصاد مهملة. والوكنات: بضمتين، الأعشاش، جمع وكنة بضمة فسكون. والندى: المطر. والمذنبة: الساقية. ومنجرد: فرس قصير الشعر، وطول الشعر هجنة. ويقال منجرد، ماض غير وان، كما يقال: انجرد في حاجتك. ذكره ابن قتيبة. وقيد الأوابد: ممسك الوحش. قال ابن قتيبة:
يقول: إذا أرسل على الأوابد وهي الوحش، فكأنها في قيد. قال أبو عبيدة:
وأوّل من قيدها امرؤ القيس. ولاحه: طنعفه (٢). وطراد: تباع. والهوادي: المتقدمة.
وشأو: طلق. ومغرب: بعيد. وقوله: (فعادى عداء) أي والى ولاء بين ثور ونعجة. وهذا النصف أيضا قاله في معلقته، وتمامه فيها (٣):
دراكا فلم ينضح بماء فيغسل
وقال في قصيدته اللامية وتمامه فيها (٤):
وكان عداء الوحش منّي على بال
стр. 96
والشبوب والقرهب كلاهما بمعنى المسن (١). وقوله:
كأنّ عيون الوحش ... البيت
استشهد به أهل البيان على التشبيه. قال المبرد في الكامل (٢): هذا من التشبيه العجيب. وأورده صاحب التلخيص في نوع الايغال.
٣١ - وأنشد:
أحاذر أن تعلم بها فتردّها ... فتتركها ثقلا عليّ كماهيا
أنشده الكوفيون، واستشهد به المصنف على الجزم بأن. وقد خرج على أنّ سكونه لأجل الادغام الجائز في الكلام، كما قرأ أبو عمرو في (يحكم بينهم) ونحوه. والمحاذرة: من الحذر، وهو التحرّز، يقال: الحاذر المتأهب، والحذر
الخائف. وثقلا: بكسر أوّله وسكون ثانيه، واحد الأثقال، كحمل وأحمال. وأما الثقل، بفتح القاف، فمصدره ثقل، وهو ضدّ الخفة. والثقل، بفتحتين، متاع المسافر وحشمه. ثم رأيت البيت في ديوان جميل وفيه تغيير.
قال ابن الكلبي: لما زوّجت بثينة أسف جميل وجزع جزعا شديدا، فقطع زيارة بثينة وهجرها، وطالت المدّة في هجرها، ثم شكى لابني عمه روق ومسعد أنه لا يطيق السلو عنها! فقالا له: إبق على نفسك واصبر على بعض ما تكره، وألمم بها المامة، فلعلك تستريح إليها. فمضى معهما فلقى جارية لها فلم يكلمها ولا أعلمها أنه قصد بثينة. وجلس مع ابني عمه مستظلا بشجرة، ومطاياهم معقولة كأنهم يريدون أن يريحوا، فبادرت الأمة إلى بثينة فأخبرتها فجاءت إليه فقالت: أين كنت بعدنا، فقد طال شوقنا إليك؟ فقال: رأيت التباعد مع ما حدث أجمل. فتحدّثا بقية يومهما وليلتهما حتى أصبحا، فقال جميل في ذلك:
стр. 97
ألا طال كتماني بثينة حاجة ... من الحاج ما تدري بثينة ماهيا
أخاف إذا أنبأتها أن تضيعها ... فتتركها ثقلا عليّ كما هيا
أغرّك أنّي لا نحيل عليكم ... ولا مفحش فيما لديك التّقاضيا
أعدّ اللّيالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرا لا أعدّ اللّياليا
في أبيات أخر، ولا شاهد في البيت على هذه الرواية.
فائدة: [جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن خيبري]
جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن خيبريّ بن نهيك بن ظبيان، أبو عمرو العذري، الحجازي، الشاعر المشهور صاحب بثينة. حدّث عن أنس بن مالك، ووفد على الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. روى عنه محمد بن راشد الحبطي، وكثير عزة الشاعر. ذكره الجمحي في الطبقة السادسة من الاسلاميين (١).
قال الخطيب: وليس له إلّا حديث واحد وهو: (إن من الشعر حكمة)، وقد أسنده ابن عساكر من طريق الحبطي عنه عن أنس. وأخرج عن المسور بن عبد الملك اليربوعي قال: ماضر من روى شعر جميل وكثير أن لا يكون عنده
مغنيتان مطربتان.
مات جميل بمصر سنة اثنين وثمانين. روى ابن عساكر وغيره من طرق: أن جميلا قدم مصر على عبد العزيز بن مروان يمدحه، فرآه رجل فقال له: ما رأيت في بثينة، فو الله لقد رأيتها ولو ذبح بعرقوبها طائر لا نذبح. فقال له جميل: إنك لم ترها بعيني، ولو نظرت إليها بعيني لأحببت أن تلقى الله وأنت زان. ثم أنه مرض فدخل عليه العباس بن سهل الساعدي وهو يجود بنفسه، فقال له جميل: ما تقول في رجل لم يقتل نفسا، ولم يزن قط، ولم يسرق، ولم يشرب خمرا قط، أترجو له؟ قال العباس:
أي والله، فقال جميل: إني لأرجو أن أكون ذلك الرجل. قال العباس: فقلت:
سبحان الله، فأنت تتبع بثينة منذ ثلاثين سنة. فقال: يا عباس، إني لفي آخر يوم من
стр. 98
أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط. فما برحنا حتى مات.
وبثينة صاحبته ابنة الأسود، ويقال ابنة مالك، ويقال ابنة حيا. ويقال: حيى ابن ربيعة بن ثعلبة بن الهوذ، عذرية أيضا، ويقال: هي ابنة خالد، قيل أنه لما بلغها وفاة جميل جزعت وصاحت وأغمي عليها ساعة، ثم قامت وقالت ترثيه (١):
وإنّ سلوّي عن جميل لساعة ... من الدّهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا متّ بأساء الحياة ولينها
ولم ير أكثر باكيا وباكية من يومئذ. قال المبرد: دخلت بثينة على عبد الملك ابن مروان فأحدّ النظر إليها ثم قال: يا بثينة، ما رأى فيك جميل حين قال فيك ما قال.
قالت: ما رأى الناس فيك حين ولوك الخلافة؟ فضحك وقضى حاجتها.
٣٢ - وأنشد:
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا
لم يسم قائله. وقبله:
يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
أن تحملا حاجة لي خفّ محملها ... تستوجبا نعمة عندي بها ويدا
قوله: أن تقرآن، في موضع نصب بدل من حاجة، أو رفع خبر (هي) مقدّرا.
واستشهد به على إهمال إن، فلم تنصب، حملا على ما زعم الكوفيون أنّ (أن) مخففة من الثقيلة، شذ اتصالها بالفعل. ويح: كلمة رحمة، كما أن ويل كلمة عذاب.
стр. 99
٣٣ - وأنشد:
ولا تدفنّني في الفلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
هذا لأبي محجن الثقفي. وقبله:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها
وبعده:
أباكرها عند الشّروق وتارة ... يعاجلني عند المساء غبوقها
وللكأس والصّهباء حقّ معظّم ... فمن حقّها أن لا تضاع حقوقها
أبو محجن هذا صحابي اسمه مالك. وقيل عبد الله بن حبيب، بالتصغير، ابن عمرو بن عمير بن عوف. وقيل اسمه كنيته. أسلم مع ثقيف وله رواية. وكان شاعرا مطبوعا كريما منهمكا في الشراب لا يكاد يقلع عنه، وجلده عمر مرات ثم نفاه إلى جزيرة في البحر وبعث معه رجلا فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية وهو يحارب الفرس، فكتب عمر إلى سعد أن يحبسه فحبسه.
وقال عبد الرزاق في المصنف: أنا معمر، عن أيوب، عن ابن سبرين، قال:
كان أبو محجن لا يزال يجلد في الخمر فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون فكأنه رأى المشركين قد أصابوا في المسلمين فأرسل إلى أم ولد سعد، أو امرأة سعد، يقول لها إن أبا محجن يقول لك إن خليت سبيله وحملتيه على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحا ليكونن، وأوّل من يرجع، إلّا أن بقتل. قال: وأبو محجن يتمثل (١):
كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا شئت غنّاني الحديد وغلّقت ... مصارع من دوني تصمّ المناديا
стр. 100
فحلت عنه امرأة سعد قيوده، وحمل على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه، فنظر إليه سعد فجعل يعجب ويقول: من ذا الفارس؟ فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى هزمهم الله، فرجع أبو محجن وردّ السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان. فجاء سعد فقالت له امرأته، أو أم ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلا على فرس أبلق لولا إني تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبى محجن. فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، وقصت عليه قصته. فدعى به فحل قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن: وأنا والله لا يدخل لي رأسا أبدا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم فلم يشربها بعد ذلك.
وقال سعيد بن منصور في سننه: ثنا أبو معاوية، ثنا عمرو بن مهاجر، عن إبراهيم ابن محمد بن سعد عن أبيه قال: أتى سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال: كفى حزنا البيت ... ثم قال لامرأة سعد:
أطلقيني ولك عليّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني. فأطلقته فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدوّ إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون هذا ملك لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الصبر صبر البلقاء، والطعن طعن أبى محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت زوجة سعد سعدا بما كان من أمره فقال سعد: والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله. فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحدّ وأطهر منها، فأما الآن فلا والله لا أشربها أبدا.
وفي الاستيعاب لابن عبد البر: دخل ابن لأبي محجن على معاوية فقال له معاوية:
أبوك الذي يقول: إذا مت فادفني .. البيتين. فقال: لو شئت ذكرت أحسن من هذا! قال: وما ذاك؟ قال قوله:
لا تسألي النّاس عن مالي وكثرته ... وسائلي النّاس عن حزمي وعن خلقي
стр. 101
القوم أعلم إنّي من سراتهم ... إذا تطيش يد الرّعديد الفرق
قد أركب الهول مسدولا عساكره ... وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق
قد يعسر المرء حينا وهو ذو كرم ... وقد يثوب الغنى للعاجز الحمق
سيكثر المال يوما بعد قلّته ... ويكتسي العود بعد اليبس بالورق
وقال ابن عبد البر: حدّث من رأى قبر أبي محجن أنه نبتت عليه ثلاثة أصول كرم وقد طالت وأثمرت وهي معرشة على قبره. قال: فجعلت أتعجب وأذكر قوله:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة
قلت: هذا من كرامته على الله، ﵁. وهذه القصة أخرجها صاحب الأغاني عن الهيثم بن عديّ، قال: حدّث من رأى قبر أبى محجن في نواحي أذربيجان أو جرجان فذكرها.
٣٤ - وأنشد:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
هذا من قصيدة لجرير يخاطب بها الفرزدق، وأولها (١):
بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما رفعوا لبين تجزع
ومنها:
أعددت للشّعراء كأسا مرّة ... عاتدا فخالطها السّمام المنقع
стр. 102
ذاق الفرزدق والأخيطل حرّها ... والبارقيّ، وذاق منها البلتع
ومنها:
إنّ الرّزيّة من تضمّن قبره ... وادي السّباع لكلّ جنب مصرع
لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع (١)
وبكى الزّبير بناته في مأتم ... ماذا يردّ بكاء من لا يسمع
وبعد قوله: زعم الفرزدق ... البيت:
إنّ الفرزدق قد تبيّن لؤمه ... حيث التقت حششاؤه والأخدع
وآخر القصيدة:
ورأيت نبلك يا فرزدق قصّرت ... ورأيت قوسك ليس فيها منزع
قال ابن حبيب: البارقيّ سراقة، والبلتع: المستنير بن عمرو بن بلتعة العنبري.
ومربع: رجل من بني جعفر بن كلاب، كان يروي شعر جرير، فنذر الفرزدق دمه (٢).
قال ابن حبيب: ومن شأن هذا البيت أن غضوب أخت بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة كانت ناكحا في بني عوف بن مالك، من بني طهيه فتزوّج زوجها عليها فأولعت بهجوهم فأوعدها رجال منهم مربع فهجتهم فقالت فيه:
يا مربعا يا مربع الضّلال ... يا فاجرا مستقبل الشّمال
على بعير غير ذي جلال ... يا مربعا هل حان من إقبال
فلما سمع مربع ذلك مشى إليها فقتلها.
стр. 103
قوله: بأن الخليط: أي فارق المخالط، وهو المنادم. ورامة: اسم موضع بالبادية. قال في الصحاح: وفيه جاء المثل (تسألني برامتين سلجما) والسمام، بكسر أوّله، جمع سم. والمنقع، بضم أوّله، في الصحاح: سم منقع: أي مربّى.
قال الشاعر:
فيها ذرا ريح وسمّ منقع
ووادي السباع، موضع قتل الزّبير بن العوّام ﵁. وقوله:
(تواضعت) استشهد به على تأنيث المضاف، فعل المذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه. والخششاء، بضم الخاء وفتح المعجمتين والمدّ، وزنها فعلاء، والخششاوان:
العظمان وراء الأذنين. ويقال أيضا خشاء وزن فعال، وكذلك قوباء وقوباء. قال نفطويه: وليس في الأسماء على
هذا الوزن غيرهما. والأخدع: عرق في موضع المحجمتين، وهو شعبة من الوريد. والنبل: السهام العربية لا واحد لها من لفظها.
والمنزع: بكسر الميم، السهم. قال أبو ذؤيب (١):
ورمى فأنفذ طرّتيه المنزع
٣٥ - وأنشد:
فلو أنّك في يوم الرّخاء سألتني ... طلاقك لم أبخل وأنت صديق (٢)
لم أر من ذكر قائله. وصف الشاعر نفسه بالجود حتى أن الحبيبة لو سألته الفراق أجابها إلى ذلك كراهة ردّ السائل، وان كان في يوم الرخاء. وإنما خصه بالذكر لأن الانسان ربما يفارق الأحباب في يوم الشدة. والخطاب في البيت لمؤنث، وإنما قال صديق بالمذكر على تأويل أنت بانسان. وفي أمالي ثعلب يقال: صديق
стр. 104
ورسول يكون للواحد والجمع وأنشد عليه البيت، وقال: أي أنت من الأصدقاء كما يقال أنتم عم وخال، أي من العمومة والأخوال. وقوله: (لم أبخل) جواب لو، وجملة (وأنت صديق) حالية. ثم رأيت البيت في بعض التفاسير بلفظ فراقك بدل طلاقك، وبعده:
فما ردّ تزويج عليه شهادة ... وما ردّ من بعد الحرار عتيق
٣٦ - وأنشد:
بأنّك ربيع وغيث مريع ... وأنّك هناك تكون الثّمالا (١)
هو من قصيدة عزاها أبو عمرو بن العلاء لعمرة بنت العجلان بن عامر بن بر الهذلية ترثي بها أخاها عمرا ذا الكلب وقيل اسمها جنوب، وأوّلها (٢):
سألت بعمرو أخي صحبه ... فأفظعني حين ردّوا السّؤالا
فقالوا: أتيح له نائما ... أعزّ السّباع عليه أحالا
أتيح له نمرا أجبل ... فنالا لعمرك منه منالا
أتيحا لوقت حمام المنون ... فنالا لعمرك منه ونالا
فأقسمت يا عمرو لو نبّهاك ... إذن نبّها منك داء عضالا
إذن نبّها ليث عرّيسة ... مفيدا مفيتا نفوسا ومالا
هزبرا فروسا لأعدائه ... هصورا إذا لقى القرن صالا
هما مع تصّرف ريب المنون ... من الأرض ركنا ثبيتا أمالا
стр. 105
هما يوم حمّ له يومه ... وقال أخوفهم بطلا وفالا
وقالوا: قتلناه في غارة ... بأية ما إن ورثنا النّبالا
فهلّا إذن قبل ريب المنون ... وقد كان رجلا وكنتم رجالا
وقد علمت فهم عند اللّقاء ... بأنّهم لك كانوا نفالا
كأنّهم لم يحسّوا به ... فيخلو النّساء له والحجالا
ولم ينزلوا بمحول السّنين ... به فيكونوا عليه عيالا
وقد علم الضّيف والمجتدون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
وخلّت عن أولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا
بأنّك كنت الرّبيع المغيث ... لمن يعتريك وكنت الثّمالا
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا
فكنت النّهار به شمسه ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
وخيل سمت لك فرسانها ... فولّوا ولم يستقلّوا قبالا
فحيّا أبحت وحيّا منحت ... غداة اللّقاء منايا عجالا
وكلّ قبيل وإن لم تكن ... أردتهم منك باتوا وجالا
ووقع في شرح شواهد المصنف تبعا لابن الشجري نسبة البيت إلى كعب بن زهير ﵁.
قوله: (سألت بعمرو) أي عن عمرو، كقوله تعالى (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) وأخي بدل أو بيان. أفظعني الأمر: أهالني. وأمر
فظيع: شديد شنيع مجاوز المقدار،
стр. 106
وأفظع الرجل بالبناء للمفعول: نزل به أمر عظيم. وأتيح: قدر. ونائما: حال.
وأعز: مرفوع بأتيح. وأحال: حمل عليه فقتله وأكله. وقال العيني: أحال وثب.
ونمرا: تثنية نمر. وأجبل، جمع جبل، وأورده العيني بلفظ جيئل، بفتح الجيم وسكون الياء وفتح الهمزة ولام، وهو الضبع. منالا: للتعظيم أي منالا عظيما.
والحمام بالكسر: قدر الموت. وثالا: بالمثلثة، يقال: ثال عليه القوم إذا علوه بالضرب. وقوله: (نبها منك) فيه تجريد. وداء عضال: شديد أعيا الأطباء.
والليث: الأسد. والعرّيسة، بكسر المهملة وتشديد الراء، مأوى الأسد. وفي (مفيدا) أو (مفيتا) جناس ولف ونشر غير مرتب، فإن نفوسا راجع إلى مفيت، أي مهلك. وراجع إلى مفيد. وضبطه العيني مقيتا بالقاف. قال: وهو المقتدر أو الحافظ. وعندي إن صحت الرواية بالقاف إنه من إعطاء الترب. والهزبر: الأسد.
وفروس فعول من فرس الأسد فريسته يفرسها، أي دق عنقها. والهصور كذلك، من هصره كسره. والقرن: النظير. وصال: وثب واستطال. وريب المنون:
حوادث الدهر. وركنا مفعول أمالا. والتثبيت: الثابت. وحم، بالحاء المهملة، دنى وحان. وفال الرأي بالفاء: ضعف. وفهم: قبيلة. ورجلا: بسكون الجيم مخفف رجل، ويقال بالفاء من قولك انتفل من الشيء انتفى منه وتنصل. قال الأعشى (١):
لئن منيت بنا عن حدّ معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
والمجتدون، بالجيم، الطالبون الجدا، وهو العطية. ويروى بدله: (والمرملون) من أرمل القوم إذا نفذ زادهم، عام أرمل: قليل المطر. وفاعل هبت: ضمير الريح، وإن لم يجر لها ذكر. وشمالا: حال، وقيل تمييز، وهو بفتح الشين: ريح تهب من ناحية القطب. والمزن: السحاب الأبيض، واحده مزنة. والبلال: بكسر الموحدة الماء. قوله:
بأنّك كنت الرّبيع المغيث
كذا أورده صاحب منتهى الطلب، فلا شاهد فيه. وأورده غيره بلفظ المصنف
стр. 107
على تخفيف ان. والمريع بفتح الميم وكسر الراء وعين مهملة، الكثير النبات (١).
والثمّال، بكسر المثلثة، الغياث. وهناك: ظرف زمان، وأصله للمكان ولكن اتسع فيه وعامله يكون أو الثمال. والخرق: الأرض الواسعة التي تنخرق فيها الرياح.
وواوه واو (رب). والوجناء، بالجيم، الناقة الشديدة. والحرف: الناقة الضامرة.
وتشكى أصلها تتشكى. والكلال: الاعياء.
قال عمر بن شبّة: كان عمرو بن عاصم، وهو ذو الكلب يغزو فهما فيصيب منهم، فوضعوا له رصدا على الماء فأخذوه فقتلوه. ثم مروا بأخته جنوب فقالوا: طلبنا أخاك، فقالت: لئن طلبتموه لتجدنه منيعا، ولئن ضفتموه تجدنه مريعا، ولئن دعوتموه لتجدنه سريعا: فقالوا: قد أخذناه وقتلناه وهذا نبله. فقالت: والله لئن سلبتموه لا تجدوا ثنته دامية، ولا حزته جافية، ولرب ثدي منكم قد افترشه، ونهب قد اخترشه، وضب قد احترشه. ثم قالت الأبيات المذكورة.
فائدة: [قوله
كأنّهم لم يحسّوا به
]
قوله:
كأنّهم لم يحسّوا به
أورد العيني عجزه بلفظ:
فيجلو نساءهم وأيضا حجالا
فإن صحت هذه الرواية كان فيه شاهد لعربية أيضا. وقد توقف فيها المصنف.
٣٧ - وأنشد (٢):
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم من الشّرّ مظلم
стр. 108
قال الأعلم: يعني، لو التقينا متحاربين لأظلم نهاركم فصرتم منه في مثل الليل.
واستشهد به سيبويه على إدخال (أن) توكيدا للقسم، بمنزلة اللام. انتهى.
والمصنف استشهد به على تخفيف أن المفتوحة، وأنتم عطف على الضمير المرفوع في التقينا من غير فعل، وهو ضرورة، ولكان جواب لو. ومظلم: صفة يوم.
و (كان) تامة أو ناقصة. ولكم: الخبر. ومن: إما تعليلية، وهو الظاهر، أو تجريدية.
ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري: أن البيت من أبيات للمسيّب بن علس يخاطب بها بني عامر بن ذهل في شيء صنعوه بحلفائهم.
وقبله:
لعمري لئن جدّت عداوة بيننا ... لينتحينّ منّي على الوخم ميسم
وبعده:
رأوا نعما سودا فهمّوا بأخذه ... إذا التقت من دون الجميع المزنم
ومن دونه طعن كأنّ رشاشه ... عزالى مزاد والأسنّة ترذم
ألا تتّقون الله يا آل عامر! ... وهل يتّقي الله الأبلّ المصمّم
قال: ويروي:
وأقسم لو أنّا التقينا وأنتم
ولا شاهد فيه على هذا. وقوله: لينتحين، أي ليعتمدن. يعني أنه يهجوه هجوا يسمه به الأبلّ الأبله عاره، وأراد بالوخم عامر بن ذهل؛ انتهى. والمزنم من الناس: المستلحق من قوم ليس منهم، ومن الأبل الذي يقطع شيأ من أذنه ويترك معلقا، وإنما يفعل ذلك بالكرام منها. وترذم: بالذال المعجمة، تسيل.
والأبلّ: الفاجر، قاله في الصحاح واستشهد عليه بالبيت. والمصمم: من أصمه الله فصم، ويقال: أصممته أي وجدته أصم.
فائدة: [ابن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة]
المسيّب هذا هو ابن علس بن مالك بن عمرو بن قمامة بن عمرو بن زيد بن ثعلبة
стр. 109
ابن عديّ بن مالك بن جشم بن بلال بن جماعة بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة ابن نزار، وهو خال الأعشى (١). وهو أحد المقلين الثلاثة الذين فضلوا في الجاهلية (٢).
ذكر ذلك صاحب منتهى الطلب. وفي شرح ديوانه للآمدي: أن المسيّب هذا اسمه زهير ويكنى أبا فضة.
٣٨ - وأنشد:
أما والله أن لو كنت حرّا ... وما بالحرّ أنت ولا العتيق
أنشده الفارسي هكذا:
أما والله عالم كلّ غيب ... وربّ الحجر والبيت العتيق
لو أنك يا حسين خلقت حرّا ... وما بالحرّ أنت ولا الخليق
ولا شاهد فيه على هذه الرواية. والحرّ: يطلق على ضدّ الرقيق، وعلى الكريم، وكذا العتيق. وجواب (لو) محذوف، أي لقاومتك. ويقال: فلان خليق لكذا أي جدير به. قال أبو علي: في هذا البيت شاهد على نصب خبر (ما) مقدما، لأن الباء لا تدخل إلا عليه. ومن أنكر ذلك يقول إن الباء دخلت على المبتدأ وحمل (ما) على أنها التميمية، ويقوى ان (ما) حجازية إن أنت أخص من الحرّ فهو أولى أن يكون الاسم.
٣٩ - وأنشد:
ويوما توافينا بوجه مقسّم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (٣)
стр. 110
هذا لباعث بن صريم اليشكري فيما ذكر النحاس وتبعه المصنف في شواهده، وقيل لأرقم بن علباء اليشكري
يذكر امرأته ويمدحها كذا في المنقد لابي عبد الله المفجع، وبعده:
ويوما تريد ما لنا مع مالها ... فإن لم ننلها لم تنمنا ولم تنم
ويوما: بالنصب ظرفا. وروي بالجرّ على أن الواو واو رب. والموافاة: المجازاة الحسنة. والمقسّم، بضم الميم وفتح القاف وتشديد المهملة، المحسن من القسام، وهو الحسن. قيل: وأصله من القسمات، بكسر السين، واحدها قسمة، وهي مجاري الدموع في أعالي الوجه، وهو أحسن ما في الوجه. ويقال: رجل قسيم الوجه أي جميله. وكأن: مخففة، واسمها محذوف، والتقدير: كأنها ظبية، هذا على رواية من رفع الظبية، وعلى رواية من نصبها فهي الأسم والخبر تعطو محذوف.
وعلى رواية من جرّها فالتقدير: كظبية، وأن زائدة. وتعطو: أي تتناول أطراف الشجر في الرعي. والوارق: المورق، ومن النوادر، لأن فعله أورق، ومثله أيفع فهو يافع. وقيل: أيضا ورق، وعدّى تعطو بإلى على تضمينه معنى تميل في مرعاها إلى كذا. قال في القاموس: معناه، تتطاول إلى الشجر لتتناول منه. وقال ابن يعيش:
العاطية التي تتناول الشجر مرتعية. والسلم: بفتحتين، شجر معروف واحده سلمة. قال الأعلم: وصف امرأة حسنة الوجه، فشبهها بظبية مخصبة. ويروى:
إلى ناضر السلم. والناضر، بالمعجمة، الحسن. وقال الزمخشري: معنى البيتين انه يستمتع بحسنها يوما وتشغله يوما آخر بطلب ماله، فإن منعها آذته وكلّمته بكلام يمنعه من النوم.
٤٠ - وأنشد:
فأمهله حتّى إذا أن كأنّه ... معاطي يد في لجّة الماء غامر
هكذا أنشد المصنف هذا البيت، وفيه تحريف في موضعين، كما ستراه، فإن