كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظّلام من الرّباب خيالا (١)
هذا مطلع قصيدة للأخطل يهجو جريرا، وبعده:
وتعرّضت لك بالأبالخ بعد ما ... قطعت بأبرق خلّة ووصالا
وتغوّلت لتروعنا جنّية ... والغانيات يرينك الأهوالا
يمددن من هنواتهنّ إلى الصّبا ... سببا يصدن به الغواة طوالا
ما إن رأيت كمكرهنّ إذا جرى ... فينا ولا كحبالهنّ حبالا
المهديات لمن هوين مسبّة ... والمحسنات لمن قلين مقالا
يرعين عهدك ما رأينك شاهدا ... وإذا مذلت يصرن عنك مذالا
وإذا وعدنك نائلا أخلفنه ... ووجدت عند عداتهنّ مطالا
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا
ومنها:
أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... خلعا الملوك وفكّكا الأغلالا
وأخوهما السّفّاح ظمّأ خيله ... حتّى وردن جبى الكلاب نهالا
ومنها:
فانعق بضأنك يا جرير، فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا
стр. 142
قوله: (كذبت عينك) استشهد به بعضهم على حذف همزة الاستفهام، أي أكذبتك. وقوله (أم رأيت) أورده المصنف على أن أبا عبيدة قال: ان (أم) فيه بمعنى الاستفهام المجرّد، أي هل رأيت. وفي تفسير ابن جرير في قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) ليست (أم) هنا على الشك، قاله ليقبح صنيعهم كقول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... البيت
وواسط: بلد بالعراق اختطها الحجاج وهو مصروف. والغلس: ظلمة آخر الليل. والرباب: اسم امرأة منقول من اسم السحاب. والأبالخ: جمع بليخ، وهو نهر بالرقة. وتغوّلت: تهوّلت. والغانيات: جمع غانية، وهي التي غنيت بجمالها عن التزين. والسبب: الحبل. والطوال: بضم الطاء، الطويل. قوله: (أبني كليب ... البيت)، استشهد به المصنف في التوضيح على حذف النون من اللذان تخفيفا، وفيه شاهد على النداء بالهمزة. واللذا: خبر أنّ، والأغلال: جمع غل. وفككاها: أي عن الأسارى. وعماه: الأخنس قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المرار يوم الكلاب، وعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند (١). والسفاح: لقب رجل من رؤساء العرب، واسمه سلمة ابن خالد، سفح ماءه يوم الكلاب الأوّل. والجبى: بفتح الجيم والموحدة مقصور، ما حول البئر والحوض، وبكسر الجيم ما اجتمع في البئر من الماء وهو المراد.
والكلاب بضم الكاف وتخفيف اللام اسم ماء. ونهال: بكسر النون وتخفيف الهاء، جمع نهل، الذي هو جمع ناهل، وأراد به هنا العطاش. قال جرير: ما غلبني الأخطل الا في هذه القصيدة:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
٥٥ - وأنشد:
أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهم ... أم كيف يجزونني السّوأى من الحسن
стр. 143
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن
هذان آخر مقطوعة لأفنون التغلبي، وأوّلها (١):
أبلغ حبيبا وخلّل في سراتهم ... أنّ الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهل ... من ولد آدم ما لم يخلعوا رسني
فالوا عليّ ولم أملك فيالتهم ... حتّى انتحيت على الأرساغ والثّنن
لو أنّني كنت من عاد ومن إرم ... ربّيت فيهم ولقمان ومن جدن
لما فدوا بأخيهم من مهوّلة ... أخا السّكون ولا جاروا على السّنن
سألت قومي وقد سدّت أباعرهم ... ما بين رحبة ذات العيص والعدن
إذ قرّبوا لابن سوّار أباعرهم ... لله درّ عطاء كان ذا غبن
إنى جزوا ... البيتين.
قوله: خلّل في سراتهم: أي خصهم بالبلاغ، أي اجعل بلاغك يتخللهم. والسراة:
السادة (٢). قوله: (قد كنت أسبق من جاروا) هو مثل، أي كنت أناضل عنهم وأدفع وأسبق من جاراهم وفاخرهم. وقوله: (ما لم يخلعوا رسني) مثل أيضا، أي ما لم يبتزوا مني ويرغبوا عني. والرسن: الحبل الذي يشدّ به الدابة في رأسها.
وفالوا، بالفاء، أخطأوا، ومصدره: فيوله. والفيال بالكسر: الاسم فيه. وانتحيت، بالمهملة، اعتمدت. والأرساغ، بسين مهملة وعين معجمة، جمع رسغ، وهو من الدواب الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والثّنن:
стр. 144
جمع ثنة، بالمثلثة، وهو الشعر في مؤخر رسغ الدابة (١). وذرجدن، بفتح الجيم والدال المهملة، قيل من أقيال حمير. والسكون، بالفتح، حيّ من اليمن. والرحبة، بالسكون: فضاء بين أفنية القوم والمسجد، ويقال بالفتح أيضا، قاله الأزهري.
والعيص: الشجر الكثير الملتف. والغبن، بفتح الباء، في الرأي، واما بالسكون ففي البيع، يقال: غبن رأيه بالكسر،
إذا نقصه، فهو غبين، أي ضعيف الرأي.
وغبنه في البيع، بالفتح، أي خدعه فهو مغبون. وأنى: اسم استفهام. والسوأى:
مؤنث الأسوأ، كالحسنى مؤنث الأحسن. والعلوق، بالفتح، الناقة تعطف على غير ولدها فلا ترأمه، وإنما تسد بأنفها وتمنع لبنها، قاله في الصحاح. ورئمان، بكسر الراء وهمزة ساكنة. قال الجاحظ في البيان (٢): أصله الرقة والرحمة، فالرؤوم أرق من الرؤوف. وقوله (رئمان أنف): كأنها تئر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن. وقال في الصحاح: رئمت الناقة ولدها رئمانا إذا أحبته وحنت عليه. ويقال للبوّ: رأم، والناقة رؤوم ورائمة. وقال القالي في أماليه (٣): العلوق: التي ترأم بأنفها وتمنع درّها، يقول: أنتم تحسنون القول ولا تعطون شيئا فكيف ينفعني ذلك.
فائدة: [صريم بن معشر]
قال المفضل: أفنون هذا لقب، واسمه صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك بن حبيب - مصغر - ابن عمرو بن غنم بن تغلب. لقى كاهنا في الجاهلية فقال له انك تموت بمكان يقال له (إلاهة) فمكث ما شاء الله، ثم إنه سافر في ركب من قومه إلى الشام، فضلوا الطريق فقال لرجل: كيف نأخذ؟ فقال: سيروا فإذا رأيتم مكان كذا وكذا حيي لكم الطريق ورأيتم إلاهة، فلما رأوها نزل أصحابه وأبى أن ينزل، فبينا ناقته ترعى إذ لدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية معلقة بمشفرها فلدغته في ساقه فمات منها. وفي الوشاح لابن دريد أنه لقب أفنونا لقوله:
منّيتنا الودّ يا مضنون مضنونا ... أزماننا إن للشّبّان أفنونا
стр. 145
وفي المؤتلف للآمدي أن اسمه ظالم.
٥٦ - وأنشد:
ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين حديث سنّ
لمثل هذا ولدتني أمّي
هو لأبي جهل في وقعة بدر.
وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: دفعت إلى أبى جهل يوم بدر وهو يقول (١):
ما تنقم الحرب العوان منّي ... بازل عامين سديس سنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
فدنوت منه فضربته فقتله الله. وأخرجه ابن إسحق في مغازيه بلفظ حديث سنّي.
وذكره المبرد في الكامل بلفظ: حديث سنّ، بالاضافة، كما أورده المصنّف (٢).
قوله: تنقم، بكسر القاف، مضارع نقم، بفتحها أي تكره. والعوان من الحروب:
التي قوتل فيها مرّة، كأنهم جعلوا الأولى بكرا. والبازل: اسم فاعل، من بزل البعير يبزل بزولا، أي انشق نابه، ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في الثامنة. والمراد في البيت: وصفه بالقوّة والجلادة، تشبيها بالبعير البازل، لأنه يكون في هذا السنّ كامل القوة شديد الصلابة. والحديث السنّ الشاب وأما سديس فمن قولهم أسدس البعير اذا ألقى السنّ بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة (٣). وأما السدس، بالتحريك، فالسنّ قبل البازل. قال في الصحاح:
الأثاث في أسنان الابل كلها بالهاء إلّا السدس. والسديس والبازل فيستوى فيها
стр. 146
المذكر والمؤنث، وجمع السديس: سدس، بضمتين، كرغيف ورغف، وجمع السدس: سدس، بضمة فسكون، كأسد وأسد، انتهى. وقد أعاد المصنف هذا الرجز في الكتاب الثامن. ثم رأيت ابن عساكر أخرج في تاريخه من طريق مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت عليّ بن أبي طالب بارز يوم بدر، فجعل يحمحم كما يحمحم الفرس، ويقول:
بازل عامين حديث سنّي ... سنحنح اللّيل كأنّي جنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
قال: فما رجع حتى خضب سيفه دما.
٥٧ - وأنشد:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف (١)
هذا من أبيات ليلى بنت طريف التغلبية، ترثي أخاها الوليد، وقيل اسمها سلمى (٢) وأوّلها:
بتلّ نباتا رسم قبر كأنّه ... على علم فوق الجبال منيف (٣)
تضمّن جودا حاتميّا ونائلا ... وسورة مقدام وقلب حصيف
стр. 147
ألا قاتل الله الجثا حيث أضمرت ... فتى كان للمعروف غير عيوف
خفيف على ظهر الجواد إذا عدا ... وليس على أعدائه بخفيف
أيا شجر الخابور ... البيت:
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ... ولا المال إلّا من قنا وسيوف
حليف النّدى ما عاش يرضى به النّدى ... فإن مات لم يرض النّدى بحليف
فقدناه فقدان الرّبيع وليتنا ... فديناه من ساداتنا بألوف
وما زال حتّى أزهق الموت نفسه ... شجى لعدوّ أو لجا لضعيف
ألا يا لقومي للحمام وللبلى ... وللأرض همّت بعده برجوف
ألا يا لقومي للنّوائب والرّدى ... ودهر ملحّ بالكرام منيف (١)
فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فربّ زحوف لفّها بزحوف
عليك سلام الله وفقا فإنّني (٢) ... أرى الموت وقّاعا بكلّ شريف
وفي تاريخ الذهبي: حين قتل الوليد بن طرفى (٣) الخارجي في سنة تسع وسبعين ومائة، وكان قد اشتدت البلية به وكثر جيشه، فسيّر إليه الخليفة هرون الرشيد يزيد بن مزيد الشّيباني، فراوغه يوم التقاه يزيد على غرّة بقرب هيت فظفر به فقتله. وفي ذلك تقول الفارغة أخت الوليد ... فذكر الأبيات. السورة: السطو.
المقدام: الكثير الاقدام على العدوّ. والحصيف، بمهملتين، وفاء المحكم العقل.
والجثاء، بجيم ومثلثة، جمع جثوة، بتثليث الجيم، وهي الحجارة المجموعة (٤).
стр. 148
وعيوف: من عاف الشيء أي كرهه (١). والخابور، قال في الصحاح: موضع بناحية الشام. وقال غيره: الصواب إنه نهر بالجزيرة، وكذا في القاموس. والقنا: جمع قناة، وهي الرمح. والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره. واللجاء بالتحريك، الملجأ، وترك همزه في البيت للضرورة.
٥٨ - وأنشد:
في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه (٢)
وأنشده ابن الأعرابي، وصدره:
يا ويحه من جمل ما أشقاه
٥٩ - وأنشد:
دويهية تصفرّ منها الأنامل
هو من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي ﵁ أوّلها (٣):
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
أرى النّاس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كلّ ذي لبّ إلى الله واسل
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل
وكلّ أناس سوف يدخل بينهم ... دويهيّة تصفرّ منها الأنامل
وكلّ امرئ يوما سيعلم غيبه ... إذا حصلت عند الإله المحاصل
стр. 149
إذا المرء أسرى ليلة خال أنّه ... قضى عملا، والمرء مادام عامل
فقولا له، إن كان يقسم أمره: ... ألمّا يعظك الدّهر؟ أمّك هابل
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب ... لعلّك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلتزعك العواذل
وهي أكثر من خمسين بيتا يمدح بها النعمان، والبيت الأوّل استشهد به المصنف في (ماذا) على أن (ما) استفهام مبتدأ و (اذا) بعدها موصولة، ويحاول صلتها، والعائد محذوف، وهو من حاولت الشيء أردته. والنحب، بفتح النون وسكون الحاء المهملة، المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. والمعنى: هلا تسأل المرء ماذا يطلب باجتهاده في الدنيا وتتبعه إياها، أنذرا وجب على نفسه أن لا ينفك عن طلبه، فهو يسعى لقضائه؟ أم هو في ضلال وباطل.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس: ان نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) قال: أجله الذي قدّر له. قال: وهل قالت العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: ألا تسألان المرء ... البيت.
ونحب: بدل من ما بدل تفصيل، وهو الذي دل على أن (ما) مرفوعة المحل، ويقضي منصوب بالتقدير، لأنه جواب الاستفهام. وتسألان:
خطاب للاثنين، وأراد به الواحد، لأن من عادة العرب أن يخاطبوا الواحد بصيغة الاثنين كما في: (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ)، وكأنهم يريدون بها التكرار للتأكيد، فكان المعنى الاتسأل. والبيت الثالث أورده المصنف في حرف (الخاء) مستدلا به على تعين النصب بخلا، إذا تقدمها ما. وأورده في (كل) مستشهدا به على مراعاة معناها إذا أضيفت إلى نكرة، واستدل النحويون به على الاعتراض بالاستثناء بين المبتدأ والخبر. قال شيخ ابن الخباز: ليس هذا باستثناء بل ما زائدة وخلا الله صفة لكل أو لشيء. والمعنى: كل شيء غير الله باطل، والباطل في الأصل غير الحق، والمراد به
هنا الهالك. ولا محالة: بالفتح، أي لا بد. وقيل لا حيلة. والبيت الرابع استشهد به
стр. 150
لمصنف هنا وفي (رب) كالكوفيين، على أن التصغير يرد للتعظيم إذ المعنى داهية عظيمة. وقد أجيب عنه بأنها صغرت لدقتها وخفائها فهو راجع إلى معنى التقليل.
وفي المحكم: انه خويخية بمعجمتين بمعنى دويهية. وقوله (أرى الناس ... البيت).
أي إن الناس لا يدرون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة فنائها، وأن كل ذي عقل متوسل إلى الله بصالح عمل. وقوله: واسل، معناه ذو وسيلة، مثل: لابن وتامر.
وألمّا: هي لمّا الجازمة، دخلت عليها همزة التوبيخ. وأمّك هابل: مبتدأ وخبر.
وقوله: فان أنت، أصله فإن إياك، ثم أبان المرفوع عن المنصوب، كقراءة الحسن (إياك نعبد) وقد أورده ابن قاسم في شرح الألفية شاهدا لذلك. وقيل: أصله، كأن ضللت لم ينفعك علمك. فاضمر الفعل لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، ولعل للتعليل. والقرون: جمع قرن. قال الجوهري: والقرن من الناس أهل زمان واحد. ومعنى البيت والذي يليه: أن غاية الانسان الموت، فينبغي له أن يتعظ بأن ينسب نفسه إلى عدنان أو معدّ، فإن لم يجد من بينه وبينهما من الآباء باقيا فليعلم أنه يصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزع عما هو عليه. وقوله: فلتزعك، بالزاي، يقال: وزعه يزعه إذا كفه. والعواذل هنا: حوادث الدهر وزواجره. وإسناد العذل إليها مجاز، ونصب (دون) بالعطف على محل من دون، لأن معنى: إن لم تجد من دون عدنان، وإن لم تجد دون عدنان واحد، قاله المصنف في شواهده.
وقد استشهد المصنف بهذا البيت في الكتاب الرابع على انه لا يختص مراعاة الموضع في العطف أن يكون العامل في اللفظ زائدا.
فائدة: [لبيد بن ربيعة]
لبيد بن ربيعة بن مالك ابن جعفر بن كلاب، يكنى أبا عقيل. قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني كلاب فأسلم، ثم رجع الى بلاده وقطن الكوفة، ومات بها ليلة نزل معاوية النخيلة لمصالحة الحسن بن عليّ، وعاش مائة وأربعين سنة.
ذكره ابن سلام في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية (١). وكان شريفا في الجاهلية والاسلام. وقيل انه مات في خلافة عثمان، وقيل في خلافة معاوية.
أخرج ابن اسحق في مغازيه قال: حدّثني صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن
стр. 151
عوف، عمن حدّثه، عن عثمان عن مظعون (١): أنه مرّ بمجلس من قريش في صدر الاسلام ولبيد بن ربيعة ينشدهم:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول أبدا. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم. فقال رجل: إن هذا سفيه من سفاء معدّ، قد فارقوا ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخصرها، فقال الوليد بن المغيرة لعثمان:
إن كانت عينك عما أصابها لغنية، فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله.
وأخرج السلفي في المشيخة البغدادية من طريق هاشم عن يعلى عن ابن جراد قال:
أنشد لبيد النبي ﷺ قوله:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
فقال له: صدقت، فقال:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال له: كذبت، نعيم الآخرة لا يزول.
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
стр. 152
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة، وهو عامله على الكوفة، أن ادع من قبلك من الشعراء فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والاسلام، ثم اكتب بذلك إليّ. فدعاهم المغيرة فقال
للبيد بن ربيعة:
أنشدني ما قلت من الشعر في الجاهلية والاسلام، قال: قد أبدلني الله بذلك سورة البقرة وآل عمران. وقال للأغلب العجلي أنشدني؛ فقال:
أرجزا تريد أم قصيدا ... لقد سألت هيّنا موجودا
فكتب بذلك المغيرة إلى عمر، فكتب اليه عمر أن أنقص الأغلب خمسمائة من عطائه وردّها في عطاء لبيد، فرحل إليه الأغلب فقال: أتنقصني أن أطعتك؟ فكتب عمر إلى المغيرة أن ردّ على الأغلب الخمسمائة التي نقصته، وأقرّها زيادة في عطاء لبيد (١).
وأخرج ابن سعد، أنا هشام، عن جعفر بن كلاب، عن أشياخه: أن لبيدا لما حضره الموت دخل عليه أشياخ بني جعفر وشبانهم فقال: ابكوا عليّ حتى أسمع، فقال شاب منهم:
لتبك لبيدا كلّ قدر وجفنة ... وتبكي الصّبا من باد وهو حميد
قال: أحسنت يا ابن أخي، فزدني، قال: ما عندي غير هذا البيت. قال:
ما أسرع ما أكديت.
وفي شرح الشواهد للمصنف (٢): قيل إن لبيدا لم يقل في الاسلام سوى قوله:
стр. 153
الحمد لله الّذي لم يأتني أجلي ... حتّى اكتسيت من الإسلام سربالا
وقوله (١):
ما عاتب الحرّ الكريم كنفسه ... والمرء ينفعه القرين الصّالح
قلت: البيت الأوّل ليس له فقد نسبه ابن سعد في طبقاته لقردة بن نفاثة من الصحابة من أبيات، أوّلها:
بان الشّباب فلم أحفل به بالا ... وأقبل الشّيب والإسلام إقبالا
وقد أروّي نديمي من مشعشعة ... وقد أقلّب أوراكا وأكفالا
الحمد لله ... البيت. ثم رأيت الحافظ أبا الفتح اليعمري نبه على الذي قلته، وقد روينا بسند صحيح: أن لبيد بن ربيعة
وعديّ بن حاتم هما اللذان سميا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين حين قدما عليه من العراق. وقد وردت القصة في تاريخ الخلفاء.
وأخرج ابن عساكر عن الحسين بن حفص المخزومي: أن لبيدا جعل على نفسه أن يطعم ما هبّت الصبا. فألحت عليه زمن الوليد بن عقبة، فصعد الوليد المنبر فقال:
أعينوا أخاكم، وبعث إليه بثلاثين جزورا (٢). وكان لبيد قد ترك الشعر في الاسلام، فقال لابنته: أجيبي الأمير، فأجابت:
إذا هبّت رياح أبي عقيل ... ذكرنا عند هبتها الوليدا
وفي رواية: دعونا:
أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثّريدا
стр. 154
طويل الباع أبيض عبشميّ ... أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركبا ... عليها من بني حام قعودا
فعد إنّ الكريم له معاد ... وظنّي بابن أروى أن يعودا
فقال (لها) (١) لبيد: أحسنت لولا انك سألت، قالت: إن الملوك لا يستحيا من مسألتهم، قال: وأنت في هذا أشعر.
٦٠ - وأنشد:
يا ليت شعري ولا منجى من الهرم ... أم هل على العيش بعد الشّيب من ندم
هذا مطلع قصيدة لساعدة بن جؤية يرثي بها من أصيب يوم معيط، وبعده (٢):
أم هل ترى أصلات العيش نافعة ... أم في الخلود ولا بالله من عشم (٣)
إنّ الشّباب رداء من يزن تره ... يكسي الجمال ويفند غير محتشم
والشّيب داء نجيس لا شفاء له ... للمرء كان صحيحا صائب القحم
وسنان ليس بقاض نومة أبدا ... لولا غداة يسير النّاس لم يقم
في منكبيه وفي الأصلاب واهنة ... وفي مفاصله غمز من العسم
ومنها:
تالله يبقى على الأيّام ذو حيد ... أدفى صلود من الأوعال ذو خدم
стр. 155
يأوي إلى مشمخرّات مصعّدة ... شمّ بهنّ فروع القان والنّشم
ومنها:
ولا صوار مذرّاة مناسجها ... مثل الفريد الذي يجري من النّظم
ظلّت صوافن بالأرزان صاوية ... في ماحق من نهار الصّيف محتدم
قد أوبيت كلّ ماء فهي صاوية ... مهما تصب أفقا من بارق تشم
ومنها:
هل اقتنى حدثان الدّهر من أحد ... كانوا بمعيط لا وخش ولا قزم
وهي طويلة جدّا. قال السكري: يروى ألا منجى: أي هل ينجو أحد من أحد من الهرم، أم هل يندم إنسان على العيش بعد الشيب. وأصلات: جمع أصلة، وهو اتصال العيش. وعشم: بعين مهملة وشين معجمة مفتوحتين، طمع.
ويفند: أي يأتي بالقبيح وبالحمق، ومالا خير فيه: لا يحتشم من ذلك، بخلاف الشيخ. والداء النجيس: بفتح النون وكسر الجيم، الذي لا يكاد يبرأ. وصائب القحم: أي مصيب في ما يقتحم من سير أو كلام أو غير ذلك. قال الجمحي: ولغة الشاعر المرء، بكسر الميم. قوله: وسنان، هو بالرفع خبر مبتدأ مقدّر دلّ عليه الشيب، وبالنصب، يقول: الكبير لا تراه أبدا إلا وسنان كأنه نائم ولا يكاد يقوم من الاسترخاء والفترة الا أن يقوم للارتحال فلولا مسير الناس لم يزل نائما. وواهنة:
ضعف ووجع. والغمز: النسج. العسم، بفتح المهملتين، اليبس في اليد (١).
وقوله: (تالله يبقى) على حذف لا، أي لا يبقى. ويروى: (لله) وكذلك أورده المصنف في حذف اللام مستشهدا به
على ورود اللام للقسم والتعجب معا. والحيد، بكسر المهملة وفتح التحتية ودال مهملة، كعوب في القرن، الواحد حيد كضرب (٢).
стр. 156
والأدفى: الذي ينحني قرناه إلى ظهره. وقيل: الذي عشى في شق. والصّلود:
الذي يقرع بظلفه الصخر فيسمع له صوت، وقيل المنفرد وحده (١)، وقيل الذي يصعد في الجبل إذا فزع. والخدم: خطوط في موضع الخلخال (٢). والمشخرّات:
الذاهبة في السماء. ومصعّدة: مرتفعة. وشم: طوال. والقان والنّشم، بفتح النون والمعجمة: شجر يتّخذ منه القسيّ العربية. قوله: ولا صوار، أي ولا يبقى صوار، وهو بكسر المهملة وضمها، البقر الوحشي. ومناسج: جمع منسج، وهو بفتح الميم وكسرها، وفتح السين، أسفل من الحارك (٣). ومذراة: أي تذريها الريح فتنتصب شعراتها (٤). والفريد: اللؤلؤ من الفضة. شبه به الصوار في بياضه وحسنه. ومتى بمعنى (من) قاله الجمحي. والنظم، بضمتين، جمع نظام، وهو الخيط الذي ينظم فيه (٥). وصوافن: قائمة على أطراف يديها، وقيل: رافعة إحدى قوائمها (٦). والأرزان: جمع رزن، بكسر الراء وسكون الزاي، وهو مكان مرتفع صلب (٧). وصاوية: يابسة، فهي حال من الأرزان. وقيل: عطاش، فهي
стр. 157
خبر ثان لظلت، أو حال من اسمها (١). وما حق: شدّة الحرّ، لأنه يمحق بلة النبت.
ومحتدم: باهمال الحاء والدال، محترق من شدّة الحرّ. وأوبيت: منعت. وطاوية، ويروى صاوية وفيه القولان السابقان (٢). وقوله: (مهما تصب) أي متى ترى بارقا، أي سحابا فيه برق من أفق من الآفاق تشمه، أي تقدر أين موقعه. وقد أورد المصنف هذا البيت في مبحث (مهما) مستشهدا به على أن مهما عند أبي يسعون حرف، إذ لا يكون مبتدأ لعدم رابط من الخبر، وهو فعل الشرط، ولا مفعولا، لاستيفاء فعل الشرط مفعوله، ولا سبيل إلى غيرهما، فتعين انها لا موضع لها.
وأجيب بأنها مفعول تصب. وأفقا: ظرف. ومن بارق: تفسير لها، أو يتعلق بتصب.
فمعناها التبعيض. والمعنى: أي شيء تصب أفق من البوارق تشم. وقوله (هل اقتنى) قال السكري: هو جواب لقوله: (ليت شعري) في مطلع القصيدة، يقول:
لو كان الزمان يقتني أحدا بقي هؤلاء. وقال الأخفش: يقول، هل تركهم وأعفاهم من آفاته، أي لم يفعل ذلك، فالاستفهام بمعنى النفي. وروي: (هلا اقتنى) ومعيط: موضع غير مصروف. ووخش المتاع: رذاله، بمعجمتين. والقزم:
بفتح القاف والزاي، اللئام.
٦١ - وأنشد:
ذاك خليلي وذو يواصلني ... يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
قال المصنف في شواهده: زعم بعضهم أن الواو في (وذو) زائدة، وكأنه توهم أن (ذو) صفة لخليلي، والصفة لا تعطف على الموصوف، وهذا غير لازم لجواز أن يكون خبرا ثانيا، فيكون كقولك: زيد الكاتب والشاعر. والسلمة، بكسر اللام، واحدة السّلام، بكسر السين، وهي الحجارة وفي البيت شاهد على أمرين: أحدهما استعمال (ذو) بمعنى الذي. والثاني: استعمال أم بمعنى أل انتهى. وقال العيني:
стр. 158
البيت قاله بجير بن غنمة أحد بني بولان الطائي شاعر جاهلي مقل. وقد وقع فيه تركيب صدر بيت على عجز آخر، فإن الرواية فيه:
وإنّ مولاي ذو يعيرني ... لا إحنة بيننا ولا جرمة
ينصرني منك غير معتذر ... يرمي ورائي بامسهم وامسلمه
وفي البيت شاهد ثالث، فإن الجوهري استشهد به على السلمة.
* * *
стр. 159
شواهد أل
٦٢ - وأنشد:
من لا يزال شاكرا على المعه ... فهو حر بعيشة ذات سعه (١)
ولم يسم قائله. و (من) مبتدأ والخبر (فهو حر)، ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. والمعه: تقديره الذي معه. وصل أل الموصولة بمع شذوذا.
والحر: بفتح الحاء وكسر الراء منوّنا أي جدير، يقال: حر وحرىّ وحرى، كلها بمعنى، فالمخفف لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث بخلاف المشدّد فيقال: حريان وحريون واحريات وحرية وحريات وحرايا قاله ابن فارس.
٦٣ - وأنشد:
من القوم الرّسول الله منهم ... لهم دانت رقاب بني معدّ (٢)
لم يسم قائله. وقد قيل إن أصله من القوم الذين رسول الله منهم، فأبقى الألف واللام من الذين وحذف الباقي للضرورة، فليس من وصل ان الموصولة الاسمية.
ودانت: خضعت وذلت. وبنو معد (٣) قريش وهاشم. ومعدّ: بفتح الميم، ابن
стр. 160
عدنان بن أدّ بن أدد بن هميسع بن نبت بن قيذار بن إسمعيل بن ابراهيم ﵉.
٦٤ - وأنشد:
صوت الحمار اليجدّع (١)
هو لذي الخرق الطهوي، واسمه دينار بن هلال. وفي المؤتلف للآمدي أن اسمه قرط، شاعر جاهلي، سمي بذلك لقوله (٢):
جاءت عجافا عليها الرّيش والخرق
من أبيات أولها:
أتاني كلام الثّعلبيّ بن ديسق ... ففي أيّ هذا ويله يتسرّع
يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع
ويستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره بالشيحة اليتقصّع
قال المصنف في شواهده: ديسق: بفتح المهملتين بينهما تحتية ساكنة، علم منقول من الديسق، وهو بياض السراب وترقوقه. ويقال تنزع إليه وتسرع بمعنى، ورويا في البيت. وأبغض العجم، تقديره وأبغض أصوات العجم، بدليل الاخبار عنه لصوت الحمار. وأفعل بعض ما يضاف إليه. وناطقا، حال من العجم، شبه صوته إذ يقول الخنى في بشاعته بصوت الحمار إذ تقطع أذناه. وصوت الحمار شنيع في غير تلك الحال، فما الظنّ به فيها، ووصفه أخيرا بالخديعة والمكر. والشيحة: واحدة
стр. 161
الشيح، وهو النبات المعروف. قال المصنف: الظاهر أن المقتضى لعدوله عن المجدع والمتقصع كراهية الأقواء، فإن قافية الأوّل مرفوعة. واليتقصع صفة لجحره، أي ومن جحره الذي يتقصع فيه، أي يدخل. والنافقاء والقاصعاء من جحرة اليربوع.
والفرق بينهما أن النافقاء يكتمها، والقاصعاء يظهرها، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب برأسه النافقاء فانتفق أي خرج، ومنه اشتقاق اسم المنافق، لأنه أظهر الايمان وكتم الكفر. ووقع في حاشية الدماميني: أن اليجدع من جدعت الحمار، سجنته، فإن الحمار إذا حبس كثر تصويته، قال: وإذا جعل من الجدع الذي هو قطع الأنف أو الأذن لم يظهر له معنى. وليس كما قال لما تقدّم، فإن صوت الحمار حالة تقطع أذنه أكثر وأقبح لما يقاسيه من الألم، وكأنه ظن أن المراد صوته بعد سبق التجديع، وليس كذلك، بل المراد حالة التجديع والقطع. وفي شواهد العيني: قيل إن الحمار إذا كان مقطوع الأذن يكون صوته أرفع، والخنى: بفتح المعجمة ونون مقصور، الفاحش من الكلام. والعجم: جمع أعجم. واليربوع: دويبة تحفر الأرض. ويروى:
بالشيخة وذي الشيخة. ويروى: الشيخة، بالخاء المعجمة، وهي رملة بيضاء، ذكره الصغاني، والذي ذكره أبو عمر الزاهد انه بالحاء المهملة نبت معروف. وقال:
الخمل: يربوع أسحه عند جحره (١).
٦٥ - وأنشد:
باعد أمّ العمرو من أسيرها ... حرّاس أبواب على قصورها (٢)
أنشده الأصمعي شاهدا على زيادة أل في العلم، ولم ينسبه الى أحد. وأنشد ابن الأعرابي على ذلك أيضا:
يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبي
يريد أم عمرو، والحرّاس: جمع الحرسى، نسبة إلى الحرس، وهم حرس السلطان. والقصور: جمع قصر.
стр. 162
٦٦ - وأنشد:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله (١)
هذا من قصيدة لابن ميّادة، واسمه الرمّاح بن أبرد، يمدح بها الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، وأولها:
ألا تسأل الرّبع الذي ليس ناطقا ... وإنّي على أن لا يبين لسائله
كم العام منه أو متى عهد أهله ... وهل يرجعن لهو الشّباب وعاطله
وقبل هذا البيت وهو أوّل المديح:
هممت بقول صادق أن أقوله ... وإنّي على رغم العداة لقائله
وبعده:
أضاء سراج الملك فوق جبينه ... غداة تناجى بالنّجاة قوابله
وأورده في منتهى الطلب، بلفظ: وجدت، بدل رأيت. وأحناء، بدل أعباء.
ورأيت: علميّة أو بصرية، والأعباء: جمع عبء، بكسر المهملة وسكون الموحدة ثم همزة، كل ثقل. والأحناء جمع حنو، بكسر الحاء المهملة وسكون النون، وهو حنو السرج. والقتب، كنى به عن أمور الخلافة الشاقة. والكاهل: ما بين الكتفين، وهو مرفوع بشديد، وفي البيت شواهد: أحدها زيادة الألف واللام في العلم وهو اليزيد، والثاني دخول (أل) للمح الصفة في العلم المنقول من الوصف، وهو الوليد. والثالث صرف مالا ينصرف إذا دخلته أل ولو كانت زائدة، كما في اليزيد. وقد استشهد به المصنف في التوضيح لذلك، والرابع نصب رأيت، بمعنى علمت، مفعولين، والثاني قوله مباركا، فإن كانت بصرية فهو حال. والخامس
стр. 163
تعدّد الخبر لأن جزئي باب علم أصلهما المبتدأ والخبر، وهو هنا في شديدا.
والسادس اعمال فعيل لاعتماده على خبر ذي خبر. والسابع الفصل بين فعيل ومعموله بالجار والمجرور. والثامن الاستعارة بتنزيل المعقول منزلة المحسوس، ويصح أن يكون استعارة بالكناية. شبّه أمور الخلافة الشاقة بالجسم الذي يثقل حمله وإضافتها الى الخلافة توشيح، وذكر الكاهل تخييل.
فائدة: [الرمّاح ،]
الرمّاح، بفتح الراء وتشديد الميم، ابن ابرد بن ثريان بن سراقة أبو شرحبيل، وقيل أبو سراحيل، المرّي المعروف بابن ميادة، من الشعراء المكثرين، وميادة أمه، وهي أم ولد بربرية، وقيل فارسية (١). أدرك الدولتين، وذكره ابن سلام في الطبقة السابعة (٢). مات في صدر خلافة المنصور.
٦٧ - وأنشد:
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم (٣)
قال المبرد في الكامل (٤): قال رجل من طيّ، وكان رجل منهم، يقال له زيد، من ولد عروة بن زيد الخيل، قتل رجلا من بني أسد يقال له زيد، ثم أقيد به (بعد) (٥):
علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم ... بأبيض مشحوذ الغرار يمان
стр. 164
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنّما ... أقادكم السّلطان بعد زمان
ورواه غيره بلفظ: يوم النّقى، وبلفظ يوم الحمى، وبلفظ:
بأبيض ماضي الشّفرتين يمان (١)
قال الزمخشري: وأجرى زيدا مجرى النكرات فأضافه. وقال غيره: الأصل زيد صاحبنا وزيد صاحبكم، فحذف الصفة وجعل الموصوف خلفا عنهما في الاضافة.
ويوم النقى، بنون وقاف: أي يوم الحرب عند النقى، وهو الكثيب من الرمل.
والأبيض: السيف. وماضي الشفرتين: بفتح الشين، نافذ الحدّين. ومشحوذ بشين وذال معجمتين وحاء مهملة، من شحذت السيف حددته. والغرار، بكسر الغين المعجمة، قال في الصحاح: الغرار أن شفرتا السيف وكل شيء له حدّ فحدّه غراره، والجمع أغرّه. واليمان: نسبة إلى اليمن، والالف فيها عوض من ياء النسب فلا يجتمعان.
٦٨ - وأنشد:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
أنشده أبو زيد ولم يسم قائله. قال المصنف: أصل جنيتك، جنيت لك، أي تناولت لك، فحذف الجار توسعا، وقال ابن الدماميني: يحتمل أنه ضمن جنى معنى أعطى، فعداه الى إثنين.
قلت: ويحتمل أن يكون الحذف مناسبة لقوله: نهيتك، في المصراع الثاني، وهو نوع من البديع يسمى الموازنة. والاكمؤ: جمع كماء. كفلس، والكمأ واحد الكمأة على العكس، من باب تمر وتمرة. والعساقل: ضرب من الكمأة وأصله عساقيل، لأن واحدها عسقول، كعصفور فحذف المدّة للضرورة. وبنات أوبر:
كماة صغار على لون التراب يضرب بها المثل في الرداءة والقلة فيقال إن بني فلان بنات أوبر، ان يظنّ بهم خير فلا يوجد.
стр. 165
٦٩ - وأنشد:
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس (١)
هذا من قصيدة لجرير يهجو فيها عمر بن لجا التيمي، وأوّلها:
حيّ الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس
حيّ الدّيار الّتي شبهتها خللا ... أو منهجا من يمان مح ملبوس
ومنها:
قد كنت خدنا لنا يا هند فاعتبري ... ماذا يريبك من شيبي وتقويسي
والهدملة من الرمل: ما استدق وطال. والمواعيس من الرمل: ما وطئ، واحدها موعس. والوعس: الوطئ. والخلل، بكسر أوّله، جفون السيوف. والمنهج:
المخلق. والمح: البالي. والخدن: الترب. ومعنى البيت: قد كنت تربا فشبت كما شبت فما تنكرين مني. وابن اللبون: ماله ثلاث سنين. وإدخال اللام فيه لتعرف به الأوّل لأنه اسم جنس نكرة، بمنزلة ابن رجل، ولم يجعل علما بمنزلة ابن آوى وغيره، فلذلك خالفه في دخول اللام على ما أضيف إليه. قاله الأعلم. ولز: شدّ.
والقرن، بفتحتين، الحبل يشدّ به البعيران فيقرنان معا. والصولة: الوثوب.
والبزل: جمع بازل، وهو من الأبل ما طلع نابه. والقناعيس: الشداد، واحده قنعاس. قال الأعلم: ضرب هذا مثلا نفسه، ولئن رام مقاومته في الشعر والفخر لابن اللبون، وهو الفصيل الذي تنجت أمّه غيره، فصارت لبونا إذا لز في قرن، وهو الحبل يبازل من الجمال قويّ لم يستطع صولته ولا قاومه في سيره.
ومن أبيات القصيدة قوله:
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقني ... صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
стр. 166
استشهد به الفارسي في الايضاح على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث، لأنه إنما أراد صوت الديكة خاصة، والديران موضع قرب دمشق (١). ومنها:
هل من حلوم لأقوام فتنذرهم ... ما جرّب النّاس من عضّي وتضريسي
إنّي جعلت فما ترجى مقاسرتي ... نكلا بمستصعب الشّيطان عرّيس
المقاسرة: المقاهرة. قال صاحب منتهى الطلب: قيل إن هذه القصيدة في شعر جرير.
٧٠ - وأنشد:
فإن ترفقي يا هند فالرّفق أيمن ... وإن تحرقي يا هند فالحرق أشأم (٢)
فأنت طلاق، والطّلاق عزيمة ... ثلاث، ومن يحرق أعقّ وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقة ... وما لامرئ بعد الثّلاث مقدّم
الرفق: ضدّ العنف. يقال: رفق، بفتح الفاء، يرفق بضمها. والحرق: بالضم وسكون الراء، الاسم من حرق، بالكسر، الحرق بالفتح حرقا، بفتح الحاء والراء، وهو ضد الرفق. وفي القاموس: ان ماضيه بالكسر كفرح وبالضم ككرم. وأيمن:
من اليمن، وهو البركة. وأشأم: من الشؤم، وهو ضدّ اليمن. وذكر ابن يعيش:
إن في البيت الثاني حذف الفاء، والمبتدأ أي فهو أعق. والبينونة: الفراق. وضميرها للثلاث. وأن تعليلية واللام مقدّرة، أي: لأجل كونك غير رفيقة. والمقدم: مصدر ميمي من قدم بمعنى تقدّم، أي ليس لأحد تقدم إلى العشرة والالفة بعد إيقاع الثلاث إذ بها تمام الفرقة.
стр. 167
شواهد أما بالفتح والتخفيف
٧١ - وأنشد:
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي ... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر (١)
هو من قصيدة لأبي صخر عبد الله بن سلمة الهذلي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، أوّلها:
لليلى بذات البين دار عرفتها ... وأخرى بذات الجيش آياتها سفر
كأنّهما ملآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ بالدّارين من بعدنا عصر
الى أن قال:
إذا قلت: هذا حين أسلو، يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطّلع الفجر
إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي ... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر
وصلتك حتّى قلت: لا يعرف القلى! ... وزرتك حتّى قلت: ليس له صبر!
صدقت، أنا الصّبّ المصاب الّذي به ... تباريح حبّ خامر القلب أو سحر
стр. 168
فيا حبّذا الأحياء ما دمت حيّة ... ويا حبّذا الأموات ما ضمّك القبر
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت من أطرافها ورق خضر
الى أن قال:
فيا هجر ليلى قد بلغت بنا المدى ... وزدت على ما لم يكن يبلغ الهجر
ويا حبّها زدني جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
فليست عشيّات الحمى برواجع ... لنا أبدا ما أورق السلم النضر
ولا عائد ذاك الزّمان الّذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع فلك الشّكر
عجبت لسعي الدّهر بيني وبينها ... فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدّهر
قوله: ملآن، أصله من ألان، فحذف تخفيفا. قوله: (إذا قلت هذا حين أسلو ..
البيت). أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا على جواز بناء الظرف المضاف إلى المضارع. والصبا: ريح تهب من تلقاء الفجر مقابل الكعبة، وتسمى القبول.
قوله: (لقد تركتني) جواب القسم. وأحسد الوحش: في موضع الحال. وأن أرى بدل من الوحش، وهو من رؤية اليقين. ولا يروعهما: صفة لأليفين، أي لا يخيفهما.
والذعر: بضم الذال المعجمة، الخوف. والجوى: داء في الجوف. وقوله (ما يقدّر يقع) استشهد به المفسرون عند قوله تعالى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) وقوله:
(عجبت .. الخ). قال شرّاح الحماسة: يجوز أن يريد به سرعة تقصّي الأوقات مدة الوصال بينهما وأنه لما انقضى الوصل عاد الزمان إلى حاله في السكون والبطء، على عادتهم في استقصار أيام السرور واستطالة أيام الفراق. ويجوز أن يريد بسعي الدهر سعي أهله بالوشايات، فلما وقع الهجر بينهما سكنوا.
٧٢ - وأنشد (١):
أحقّا أنّ جيرتنا استقلّوا
стр. 169
هو مطلع للمفضّل السّكريّ من عبد القيس، واسمه عامر بن معشر بن أسحم، وإنما سمي مفضّلا لهذه القصيدة، وتسمى هذه القصيدة المنصفة (١).
وقال صاحب الحماسة البصرية: هو لعامر بن أسحم بن عدي الكندي، شاعر جاهلي، وتمامه:
فنيّتنا ونيّتهم فريق
وبعده:
فدمعي لؤلؤ سلس عراه ... يخرّ على المهاوي ما يليق
على الزبلات إذ سخطت سليمى ... وأنت بذكرها طرب تشوق (٢)
فودّعها وإن كانت أناة ... مبتّلة لها خلق أنيق
قال المصنف في شواهده: قوله: أحقا نصب على الظرفية عند سيبويه والجمهور، وهو ظرف مجازى. والأصل في حق هذا الأمر: أي هذا الأمر معدود من الحق وثابت فيه. ويؤيده أنهم ربما نطقوا بفي داخلة عليه، قال:
أفي الحقّ أنّي مغرم بك هائم
стр. 170
وإن وما بعدها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مبتدأ خبره الظرف، والتقدير:
أفي حق استقلال جيرتنا، ولا يجوز كسرها لأن الظرف لا يتقدّم على إن المكسورة، لانقطاعها عما قبلها. والثاني: وهو الأوجه، أن يكون فاعلا بالظرف لاعتماده كما في (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) وقال المبرّد: انتصاب حقا على المصدرية، والتقدير: أحق حقا، ثم أنيب المصدر عن الفعل وارتفاع ان وما بعدها عنده على الفاعلية. والجيرة: بكسر الجيم جمع جار. واستقلوا: نهضوا مرتفعين. والنية: الجهة التي ينوونها، يصف افتراقهم عند انقضاء المرتبع ورجوعهم إلى محاضرهم. قال الأعلم في شرح هذا البيت: والفريق يقع للواحد والمذكر وغيره، كصديق وعدوّ. وقال المصنف في شواهده: إنما فريق هنا بمعنى متفرّقة، وعراه: خروقه. ويخرّ: يسقط. والمهاوي:
ما بين العين إلى الصدر، واحدها مهواة. وما يليق: ما يثبت وما يستمسك. والأناة:
بفتح الهمزة، وهي من النساء التي فيها فتور عند القيام وتأنّ. وامرأة مبتلة: بضم الميم وفتح الباء الموحدة والمثناة المشدّدة، تامّة الخلق لم يركب لحمها بعضه بعضا ولا يوصف به الرجل. وأنيق: حسن معجب، والبيت استشهد به ابن مالك على فتح أن بعد حقا. وقد أنشده صاحب الحماسة البصرية بلفظ:
ألم تر أنّ جيرتنا استقلّوا
فلا شاهد فيه.
٧٣ - وأنشد (١):
أفي الحقّ أنّي مغرم بك هائم
هذا لعابد بن المنذر العسيري، وتمامه:
وأنّك لا خلّ هواك ولا خمر
وقبله:
стр. 171
هل الوجد إلّا أنّ قلبي لو دنا ... من الجمر قيد الرّمح لاحترق الجمر
وبعده:
فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحورا فلا برئ السّحر
قال التبريزي: قوله: هل الوجد، استفهام بمعنى النفي. وقيد: نصب على الظرف. وقوله: أفي الحق: أي لا يدخل في الحق، ووجوهه أن يكون حبي لك غراما وحتى لا يرجع إلى معلوم. والمغرم: الذي لزمه الحب. والهائم: المتحير، والهيام:
كالجنون من العشق. ويقال: ما هو بخل ولا خمر أي: ليس بشيء يخلص ويتبين، والمراد ليس عندك محض نفار يقع به اليأس، ولا محض إقبال يقع به الرجاء، بل حالك متردد مضطرب. والمطبوب: المسحور، والطب السحر والعلم جميعا. يقول: ان كان الذي بي داء معلوما يعرف دواؤه فلا فارقني فإني ألتذ به، وإن كان الذي بي لا يعلم ما هو فلا فارقني أيضا، ولا يجوز أن يكون مطبوبا هنا بمعنى مسحورا، لأنه يصير الصدر والعجز بمعنى واحد.
٧٤ - وأنشد:
ما ترى الدّهر قد أباد معدّا ... وأباد السّراة من عدنان
أورده جماعة ولم يعزوه إلى قائله. و (ما) أصلها: أما حذفت منها الهمزة. وأباد:
أهلك وأذهب. ومعدّ بن عدنان أبو العرب. والسراة: بفتح السين، جمع سرىّ، وهم الخيار والسادات، ولم يجمع فعيل على فعلة غيره. ومن ثم قال في القاموس:
إنه اسم جمع، لا جمع. وأنكر السهيلي في الروض الآنف أيضا لكونه جمعا.
стр. 172
شواهد أمّا بالفتح والتشديد
٧٥ - وأنشد:
رأت رجلا أما إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر (١)
هذا من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة: أوّلها (٢):
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أو رائح فمهجّر
بحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذرا والمقالة تعذر
نهيم إلى نعم فلا الشّمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا نأيها يسلي ولا أنت تصبر
ومنها:
على أنّها قالت غداة لقيتها ... بمدفع أكنان أهذا المشهّر
قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه ... أهذا المغيريّ الذي كان يذكر
أهذا الّذي أطريت نعتا فلم أكد ... وعيشك أنساه إلى يوم أقبر
стр. 173
لئن كان إيّاه لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغيّر
فقالت: نعم، لا شكّ غيّر لونه ... سرى اللّيل يحيي نصّه والتّهجّر
رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر
قليل على ظهر المطيّة ظلّه ... سوى ما يقي عنه الرّداء المحبّر
ومنها:
وقلن: أهذا دأبك الدّهر سادرا؟ ... أما تستحي أو ترعوي أو تفكّر؟
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا ... لكي يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
في الكامل للمبرّد (١): أن ابن عباس دخل عليه عمر بن أبي ربيعة وهو غلام، وعنده نافع بن الأزرق، فقال له ابن عباس: ألا تنشدنا شعرا من شعرك (٢)؟
فأنشده هذه القصيدة حتى أتمها، وهي ثمانون بيتا. فقال له ابن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس! أتضرب إليك أكباد الابل، نسألك عن الدّين، ويأتيك غلام من قريش، فينشدك سفها فتسمعه؟ فقال: تالله ما سمعت سفها. فقال: أما أنشدك:
رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت ... فيخزى وأمّا بالعشيّ فيخسر
فقال: ما هكذا قال، إنما قال:
فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
стр. 174
قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه، ولو شئت أن أردّها لرددتها. قال: فارددها. فأنشده إياها كلها. فقال له نافع: ما رأيت أروى منك.
أخرج هذه القصة أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني بسنده من طرق (١)، وفي بعضها: أن ابن عباس أنشدها من أوّلها الى آخرها، ثم أنشدها من آخرها الى أوّلها مقلوبة وما سمعها قط الا (تلك المرة صفحا!) (٢). فقال له بعضهم: ما رأينا أذكى منك. فقال: ما سمعت شيئا قط فنسيته، واني لأسمع صوت النائحة فأسدّ أذني كراهة أن أحفظ ما تقول. وفي بعض طرقه أن ابن عباس قال لابن أبي ربيعة حين أنشدها: أنت شاعر يا ابن أخي فقل إذا شئت (٣). وأخرج عن ابن الكلبي قال:
أنشد ابن أبي ربيعة هذه القصيدة طلحة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو راكب فوقف وما زال شانقا ناقته حتى كتبت له. وفي طبقات النحاة للمرزباني، قال الأصمعي:
أحسن ما قيل في السفر قول ابن أبي ربيعة:
رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت
الأبيات الثلاثة.
نعم، بضم النون وسكون المهملة، اسم امرأة من قريش. قال في الأغاني:
وتكنى أم بكر.
وأخرج عن بشر بن المفضل قال: بلغ عمر بن أبي ربيعة أن نعما اغتسلت في غدير، فأتاه فأقام، فلم يزل يشرب منه حتى جف. ومهجّر: بتشديد الجيم، من التهجر، وهو السير في الهاجرة. وقوله: (والمقالة تعذر) من الاعذار. واكنان: جمع كنّ وهو السترة. والمغيري: نسبة إلى جدّه المغيرة بن مخزوم، يقال: بضم الميم وكسرها.
وروي بالوجهين. قوله: (لئن كان اياه)، أي لئن كان هذا الرجل هو الرجل الذي رأيناه قبل، لقد حال أي تغير عن العهد أي الذي كنا نعهده من الشبية الى الشيب، وهكذا الانسان يتغير من حال الى حال. وقد أورد المصنف هذا البيت في التوضيح
стр. 175
شاهدا على الفصل فيما اذا اجتمع ضميران في باب كان. والنص: السير الشديد ومعارضة الشمس: اعتراضها في الأفق وارتفاعها بحيث تغيب حيال الرأس. ويضحى:
أي يظهر للشمس، يقول: يسير نهارا وإذا جاء الليل خصر، بخاء معجمة وصاد مهملة، يقال: خصر الرجل بالكسر اذا آلمه البرد في أطرافه. وفي مسائل نافع بن الأزرق، تخريج الطستي بسنده عن أبن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) قال: لا تعرق فيها من شدّة حرّ الشمس.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر:
رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
والجوّاب: بالتشديد، من جاب يجوب إذا خرق وقطع. وتقاذفت: من التقاذف وهو الترامي. والسادر، بمهملات، الذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع.
وقوله: (إذا جئت فامنح ... البيت) أورده المصنف في حرف الكاف على وجه آخر، بلفظ:
وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنه ... كيما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
مستشهدا به على أن الكاف تعليلية، كفت بما، ونصب الفعل بها لشبهها بكي في المعنى. ونقل هناك عن صاحب نزهة الأديب: ان انشاد البيت هكذا تخريف من أبى علي. وان الصواب فيه: (إذا جئت فامنح ... الخ) كما أوردناه في القصيدة، وقد وجدته في قصيدة أخرى لجميل وستأتي هناك.
٧٦ - وأنشد (١):
فأمّا القتال لا قتال لديكم
قال أبو الفرج في الأغاني (٢): هذا مما هجى به قديما بنو أسيد بن أبي العيص
стр. 176
ابن أميّة، وتمامه:
ولكنّ سيرا في عراض المواكب
وقبله:
فضحتم قريشا بالفرار وأنتم ... قمدّون سودان عظام المناكب
القمدّ: بضم القاف والميم وتشديد الدال، القويّ الشديد، والأنثى قمدّة.
وقوله: (ولكن سيرا) إما على حذف خبر لكن، وسيرا اسمها، أي ولكن لكم سيرا، وإما على حذف اسمها وسيرا نصب على المصدر بفعل مقدّر، أي ولكنكم تسيرون سيرا، قاله شارح أبيات الايضاح: وعراض المواكب، بالعين المهملة والضاد المعجمة:
ناحيتها وشقتها، وصحف من جعله بالصاد المهملة وفسره بعرصة الدار. والمواكب:
جمع موكب، وهم القوم الركوب على الأبل للزينة، وكذلك جماعة الفرسان.
٧٧ - وأنشد (١):
من يفعل الحسنات الله يشكرها
هو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ﵁، وقيل: لكعب بن مالك، وتمامه:
والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان
وقبله:
فإنّما هذه الدّنيا وزهرتها ... كالزّاد لا بدّ يوما أنّه فاني
وقوله: (الله يشكرها) جملة اسمية وقعت جواب الشرط، وحذفت منها الفاء
стр. 177
ضرورة. وزعم المبرد: ان الرواية:
من يفعل الخير فالرّحمن يشكره
٧٨ - وأنشد:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
تقدّم شرحه في شواهد أن المفتوحة الخفيفة (١).
* * *
стр. 178
شواهد إمّا المكسورة المشددة
٧٩ - وأنشد:
سقته الرّواعد من صيف ... وإن من خريف فلن يعدما (١)
هذا من قصيدة من المتقارب للنمر بن تولب، وأوّلها:
سلا عن تذكره تكتّما ... وكان رهينا بها مغرما
وأقصر عنها وآياتها ... تذكّره داءه الأقدما
فأوصى الفتى بأبناء العلا ... وأن لا يخونا ولا يأثما
ويلبس للدّهر إجلاله ... فلن يبني النّاس ما هدّما
وإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا يتهيبك أن تقدما
فإنّ المنيّة من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
فإن تخطّاك أسبابها ... فإنّ قصاراك أن تهرما
وأحبب حبيبك حبّا رويدا ... فقد لا يعولك أن تصرما
стр. 179
فتظلم بالودّ من وصله ... رقيق فتسفه أن تندما
وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما
فلو أنّ من حتفه ناجيا ... لكان هو الصّدع الأعصما
بإسبيل ألقت به أمّه ... على رأس ذي حبك أيهما
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النّبع والسّاسما
يكون لأعدائه مجهلا ... مضلّا وكانت له معلما
أتاح له الدّهر ذا وفضة ... يقلّب في كفّه أسهما
فراقبه وهو في فترة ... وما كان يرهب أن يكلما
فأرسل سهما له أهزعا ... فشكّ نواهقه والفما
فظلّ يشيب كان الولوع ... كان بصحّته مغرما
أتى حصنه ما أتى تبّعا ... وأبرهة الملك الأعظما
لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما
ليالي حمق فاستحصنت ... إليه فغر بها مظلما
فأحبلها رجل نابه ... فجاءت به رجلا محكما
وهذا جميع أبياتها. والنمر بن تولب هذا عكلي جاهلي صحابي، يكنى أبا ربيعة. قال ابن عبد البر: أدرك الاسلام وهو كبير، وكان جوادا فصيحا، شاعرا جريئا على المنطق. وقال صاحب منتهى الطلب: هو النمر بن تولب بن زهير بن أقيش بن عبيد بن وائل بن كعب بن الحارث بن عوف، وعوف هو عكل. وقال
стр. 180
ابن الكلبي: هو النمر بن تولب بن أقيش بن عبد بن كعب بن عديّ بن عوف بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر. قال الأصمعي، كان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيس من حسن شعره (١). قال وكان جاهليا، ويقال أنه
أدرك الاسلام وانه عني بقوله (٢):
إنّا أتيناك وقد طال السّفر
النبي ﷺ . وقال في الأغاني (٣): شاعر مخضرم، أدرك الاسلام فأسلم فحسن اسلامه، ووفد الى النبي ﷺ ، وكتب له كتابا وروى عنه حديثا، وكان أحد أجواد العرب المذكورين وفرسانهم. ثم أخرج عن الأصمعي قال: وكان أبو عمرو يشبه شعر النمر بن تولب بشعر حاتم الطائي. وأخرج عن مصعب الزبيري قال (٤): بلغني أن صالح بن حسان قال يوما لجلسائه: أيّ الشعراء