ابن أميّة، وتمامه:
ولكنّ سيرا في عراض المواكب
وقبله:
فضحتم قريشا بالفرار وأنتم ... قمدّون سودان عظام المناكب
القمدّ: بضم القاف والميم وتشديد الدال، القويّ الشديد، والأنثى قمدّة.
وقوله: (ولكن سيرا) إما على حذف خبر لكن، وسيرا اسمها، أي ولكن لكم سيرا، وإما على حذف اسمها وسيرا نصب على المصدر بفعل مقدّر، أي ولكنكم تسيرون سيرا، قاله شارح أبيات الايضاح: وعراض المواكب، بالعين المهملة والضاد المعجمة:
ناحيتها وشقتها، وصحف من جعله بالصاد المهملة وفسره بعرصة الدار. والمواكب:
جمع موكب، وهم القوم الركوب على الأبل للزينة، وكذلك جماعة الفرسان.
٧٧ - وأنشد (١):
من يفعل الحسنات الله يشكرها
هو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ﵁، وقيل: لكعب بن مالك، وتمامه:
والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان
وقبله:
فإنّما هذه الدّنيا وزهرتها ... كالزّاد لا بدّ يوما أنّه فاني
وقوله: (الله يشكرها) جملة اسمية وقعت جواب الشرط، وحذفت منها الفاء
стр. 177
ضرورة. وزعم المبرد: ان الرواية:
من يفعل الخير فالرّحمن يشكره
٧٨ - وأنشد:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
تقدّم شرحه في شواهد أن المفتوحة الخفيفة (١).
* * *
стр. 178
شواهد إمّا المكسورة المشددة
٧٩ - وأنشد:
سقته الرّواعد من صيف ... وإن من خريف فلن يعدما (١)
هذا من قصيدة من المتقارب للنمر بن تولب، وأوّلها:
سلا عن تذكره تكتّما ... وكان رهينا بها مغرما
وأقصر عنها وآياتها ... تذكّره داءه الأقدما
فأوصى الفتى بأبناء العلا ... وأن لا يخونا ولا يأثما
ويلبس للدّهر إجلاله ... فلن يبني النّاس ما هدّما
وإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا يتهيبك أن تقدما
فإنّ المنيّة من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
فإن تخطّاك أسبابها ... فإنّ قصاراك أن تهرما
وأحبب حبيبك حبّا رويدا ... فقد لا يعولك أن تصرما
стр. 179
فتظلم بالودّ من وصله ... رقيق فتسفه أن تندما
وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما
فلو أنّ من حتفه ناجيا ... لكان هو الصّدع الأعصما
بإسبيل ألقت به أمّه ... على رأس ذي حبك أيهما
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النّبع والسّاسما
يكون لأعدائه مجهلا ... مضلّا وكانت له معلما
أتاح له الدّهر ذا وفضة ... يقلّب في كفّه أسهما
فراقبه وهو في فترة ... وما كان يرهب أن يكلما
فأرسل سهما له أهزعا ... فشكّ نواهقه والفما
فظلّ يشيب كان الولوع ... كان بصحّته مغرما
أتى حصنه ما أتى تبّعا ... وأبرهة الملك الأعظما
لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما
ليالي حمق فاستحصنت ... إليه فغر بها مظلما
فأحبلها رجل نابه ... فجاءت به رجلا محكما
وهذا جميع أبياتها. والنمر بن تولب هذا عكلي جاهلي صحابي، يكنى أبا ربيعة. قال ابن عبد البر: أدرك الاسلام وهو كبير، وكان جوادا فصيحا، شاعرا جريئا على المنطق. وقال صاحب منتهى الطلب: هو النمر بن تولب بن زهير بن أقيش بن عبيد بن وائل بن كعب بن الحارث بن عوف، وعوف هو عكل. وقال
стр. 180
ابن الكلبي: هو النمر بن تولب بن أقيش بن عبد بن كعب بن عديّ بن عوف بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر. قال الأصمعي، كان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيس من حسن شعره (١). قال وكان جاهليا، ويقال أنه
أدرك الاسلام وانه عني بقوله (٢):
إنّا أتيناك وقد طال السّفر
النبي ﷺ . وقال في الأغاني (٣): شاعر مخضرم، أدرك الاسلام فأسلم فحسن اسلامه، ووفد الى النبي ﷺ ، وكتب له كتابا وروى عنه حديثا، وكان أحد أجواد العرب المذكورين وفرسانهم. ثم أخرج عن الأصمعي قال: وكان أبو عمرو يشبه شعر النمر بن تولب بشعر حاتم الطائي. وأخرج عن مصعب الزبيري قال (٤): بلغني أن صالح بن حسان قال يوما لجلسائه: أيّ الشعراء
стр. 181
أفتى؟ قالوا: عمر بن أبي ربيعة، وقالوا: جميل، وأكثروا القول، فقال: أفتاهم النمر بن تولب حيث يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فيا حزنا من ذا يهيم بها بعدي؟
وأخرج عن حماد بن ربيعة قال: أظرف الناس النمر بن تولب حيث يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكل بدعد من يهيم بها بعدي
وأخرج عن أبى عمرو قال (١): أدرك النمر بن تولب النبي ﷺ وحسن إسلامه، وعمّر (فطال عمره) (٢)، وكان جوادا واسع القرى، كثير الأضياف، وهّابا لماله، فلما كبر خرف، فكان، هجّيراه: أصبحوا الركب، أعينوا الركب، أقروا وانحروا للضيف، أعطوا السائل، تحمّلوا لهذا في حمالته كذا وكذا - لعادته بذلك - فلم يهذي بهذا وشبهه مدّة حتى مات. وخرفت امرأة من حيّ كرام،
стр. 182
فكان، هجّيراها: زوّجوني، قولوا لزوجي يدخل، مهّدوا لي جانب زوجي. فقال عمر بن الخطاب: ما لهج به النمر بن تولب في خرفه أفخر وأسرى وأجمل مما لهجت به صاحبتكم! ثم ترحم عليه. قوله: (سلا) أمر من السؤال لاثنين وشرحه شارح ديوانه على أنه ماض من السلو. وتكتم، بتاءين فوقيتين، أولاهما مضموم، علم لامرأة، وهو
منصوب بتذكره المصدر المضاف لفاعله والآيات: الآثار والعلامات.
ومعنى صدر البيت الرابع: إنه يتهيأ ويستعدّ لكل حال على ما ينبغي. ومعنى عجزه:
انه إذا ضيع مجده لم يتنبه له الناس. والنجدة: القتال. وقوله (فلا يتهيبك) أورده المصنف في آخر الباب الثامن (١)، وقال: انه من باب القلب أي لا تتهيبا. ورأيته في منتهى الطلب بلفظ (فلا تتكأدك) وهو بمعناه. وقوله: (فسوف تصادفه أينما) فيه اكتفاء، وهو حذف فعل الشرط وجوابه، والاقتصار على الاداة، أي أينما ذهب أو توجه. وقد استشهد به ابن جرير في تفسيره على ذلك. وقصاراك: غايتك.
وقوله: (واحبب حبيبك ... الخ) مأخوذ من قوله ﷺ : احبب حبيبك هونا مّا، عسى أن يكون بغيضك يوما مّا. وابغض بغيضك هونا مّا عسى أن يكون حبيبك يوما مّا. أخرجه الترمذي من حديث أبى هريرة والطبراني، كأن النمر هذا سمعه من النبي ﷺ فعقده في نظمه، فيكون من شواهد العقد، والا اني لم أقف عليه من حديثه. ويعولك: يشق عليك. وتسفه: تجهل وتظلم، تضع ودّك في غير موضعه. وتحكم: أي تكون حكيما. والصدع: مهمل الحروف مفتوحها، الوعل الذي بين الجسيم والضئيل. والعصمة: بياض في اليد.
وإسبيل: بوزن قنديل، بلد. قال (٢):
لا أرض إلّا إسبيل ... وكلّ أرض تضليل
والحبك: الطرائق. الأيهم بالياء التحتية، الذي لا يهتدي له. ومسجورة: بالجيم، مملوءة. والساسم: طالع أتى، يقال: فلان يطالع قرينه، أي يأتيها، بهمزة ومهملتين
стр. 183
مفتوحتين، الأبنوس. والنبع، بفتح النون وسكون الموحدة، آخره مهملة، شجر يتخذ منه القسيّ. وأعداء الوعل: الناس. ومجهل: بفتح ثالثه. ومضل: بكسر ثانيه، وأوّلهما مفتوح. ومعلم: بفتح الميم واللام، أي هي مجهل لأعدائه ومعلم له.
وضمير سقته ويعدم للصدع. وفي ديوان النمر ومنتهى الطلب: سقتها، فالضمير لمسجورة. والرواعد: جمع راعدة، وهي السحابة الماطرة. والصيف: بالتشديد، المطر: الذي يجيء في الصيف. وقوله: (وإن) أصله (وإن ما)
حذف ما وأبقى إن.
وقيل: إن شرطية، والفاء جوابها، أي وإن سقته من خريف فلن يعدم الري. وقيل ان زائدة. وأتاح: قدّر. والوفضة: الكنانة. ويكلم: يجرح. وأهزع: واحد، يقال ما في كنانته أهزع، أي سهم واحد. والنواهق: العمارة في الوجه، في مجرى اندمع. ويشيب: يرفع يده ويقفز. والولوع: القدر والحين والدهر الذي يولع بالأشياء. وضمير حصنه للصدع. وتبع: ملك اليمن. وأبرهة: ملك الحبشة.
ولقمان: هو ابن عاد، غير الحكيم. كانت أخته تحت رجل أحمق فولدت له وأحمقت، فأحبت أن يكون لها ولد كأخيها فرغبت إلى امرأة أخيها أن تتركها تنام في مرقدها ليقع عليها، فعسى أن تلد ولدا نجيبا، فأجابتها وأسكرتاه وضاجعته، فغشيها فأتت منه بولد سمته لقيما، بضم اللام. وكان أحزم الناس. ولقيم مبتدأ ومن أخته خبره. وفي قوله:
فكان ابن أخت له وابنما
دليل على جواز تعاطف الخبرين المستقل كل منهما بنفسه. وابنم: ابن زيدت عليه الميم. وحمق: غيب عقله، بالكسر. قال المصنف: والمفضل يرويه: حمق، بفتحتين. وزعم إنه يقال حمق إذا شرب الخمر. والخمر يقال لها الحمق. واستحصنت:
أتته كما تأتي المرأة الحصان زوجها. ومظلم، بكسر اللام، في ظلمة. ونابه:
مذكور مرتفع الذكر. ومحكم: ليس بضعيف.
قال شارح ديوانه عند قوله لقيم بن لقمان: ترك ما كان فيه وسلك طريقا آخر قلت: وهذا المسمى في البديع بالاقتضاب وهو الانتقال إلى غير ملائم خلاف
стр. 184
حسن التخلص وهو طريقة العرب والأقدمين.
٨٠ - وأنشد (١):
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنّة أيما إلى نار
قال ثعلب في أماليه: قال أبو رزمة الفزاري: كانت امرأة من عبد القيس لها ابن يقال له سعد بن قرط بن سيّار (٢) يلقب النحيت الحدري، يعقها، وكان شرّيرا فقال يهجوها:
يا ليتما ... البيت.
وبعده:
تلتهم الوسق مشدودا أشظّته ... كأنّما وجهها قد سفع بالنّار
ليست بشبعى وإن أوردتها هجرا ... ولا بريّا ولو حلّت بذي قار
خرقاء بالخير لا تهدى لوجهته ... وهي صناع الأذى في الأهل والجار
فكانت أمه كثيرا ما تعظه فلا يزيدها إلّا شرّا، فنشأ له ابن فكان شرّا من أبيه، فكان يعظه ويقول:
حذار بنيّ البغي لا تقربنّه ... حذار فإنّ البغي وخم مراتعه
وعرضك لا تمذل بعرضك إنّني ... وجدت مضيع العرض تلحى طبائعه
стр. 185
وكم قد رأيت الدّهر غادر باغيا ... بمنزلة ضاقت عليه مطالعه
فلم يزل به الحين الى أن وثب على ابن عم له أشرا وبطرا، فأخذ ابن عمه فحطأ به الأرض حطأة دق عنقه فمات، فبلغها فقالت كالشامتة:
ما زال شيبان شديدا هبصه ... يطلب من يقهره ويهصه
ظلما وبغيا والبلايا تنشصه ... حتّى أتاه قرنه فيقصه
فعاد عنه خاله وعرصه
قوله: (أمّنا) ضبط بالنصب إسم ليت. وشالت نعامتها: كناية عن موتها، فإن النعامة باطن القدم. وشالت: ارتفعت. ومن هلك ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه فظهرت نعامة قدمه. وقوله: (أيما ... الخ) فيه شاهد لابدال الميم الأولى من إما المكسورة ياء، وفتح همزتها، وبحذف واو العطف من الثانية. وتلتهم: تبتلع.
واللهم: بسكون الهاء، الابتلاع. والسفعة في الوجه: السواد في خدّي المرأة الشاحبة. والقار: الزفت (١). وهجر: قرية بالحجاز معروفة بكثرة التمر (٢).
وذوقار: موضع (٣) والخرقاء: التي لا تحسن صنعة. وامرأة صنّاع: بفتح الصاد،
стр. 186
حاذقة ماهرة تعمل بيديها جميعا. ورجل مذل: يبذل ما عنده من مال أو شيء ولا يقدر على ضبط نفسه، يقال: مذلت بالكسر أمذل بالفتح (١). والملحى: الملوم، من لحيته إذا لمته. وحطأ به الأرض: صرعه. والهبص: النشاط. والوهص: كسر الشيء الرخو. والوقص: كسر العنق. وأورد في الصحاح البيت بلفظ: (فوقصه):
وقال إنه أراد فوقصه، فلما وقف نقل ضمة الهاء الى الصاد. والعرص، بالتحريك:
النشاط وهو أيضا خبث الريح.
٨١ - وأنشد:
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا (٢)
وهو للنعمان بن المنذر ملك العرب. وذلك ان بني جعفر بن كلاب قد وفدوا على النعمان بن المنذر، ورئيسهم يومئذ أبو براء عامر بن مالك، ملاعب الأسنة، عم لبيد.
وكان الربيع بن زياد العبسيّ جليسه وسميره، فاتهموه بالسعي عليهم عنده. وكان بنو جعفر له أعداء، وكان لبيد غلاما في جملتهم متخلف في رحالهم، فأخبروه فقال:
هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره بكلام لا يلتفت إليه النعمان بعد ذلك أبدا. فقالوا: نعم. فكسوه حلة وعدوا به على النعمان، فوجدوه يتغدى مع الربيع، فقال لبيد:
يا واهب الخير الجزيل من سعه ... نحن بنو أمّ البنين الأربعه
سيوف جنّ وجفان مترعه ... ونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعه
стр. 187
الضّاربون الهام وسط الخيضعه ... إليك جاوزنا بلاد مسبعه
تخبّر عن هذا خبيرا فاسمعه ... مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه
إنّ استه من برص ملمّعه ... وإنّه يولج فيها أصبعه
فالتفت النعمان الى الربيع وقال: كذاك أنت يا ربيع؟ قال: لا والله، لقد كذب ابن الأحمق اللئيم. فقال النعمان: أف لهذا طعاما، لقد خبثت عليّ. وقام الربيع وانصرف إلى منزله، وأمره النعمان بالانصراف فلحق بأهله، وأرسل الى النعمان بأبيات يعتذر فيها. فأجابه النعمان بقوله:
شرّد برحلك عنّي حيث شئت ولا ... تكثر عليّ ودع عنك الأقاويلا
فقد ذكرت به الرّكب حامله ... ما جاور النّيل أهل الشّام والنّيلا (١)
فما انتفاؤك منه بعد ما قطعت ... هوج المطيّ به أكناف شمليلا
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة ... فانشربها الطّرف إن عرضا وإن طولا
شرّد: فرّق وبدّد، والأقاويل، جمع أقوال. والأقوال، جمع قول. والهوج، بضم الهاء وسكون الواو وجيم جمع هوجاء: وهي الناقة التي كأن بها هوجا لسرعتها.
وشمليل، بكسر المعجمة: الناقة الخفيفة (٢). والنعمان: هو ابن المنذر بن المنذر بن
стр. 188
ماء السماء، كنيته أبو قابوس، وهو الذي تنصر وملك الحيرة اثنتين وعشرين سنة، وقتله كسرى أبرويز، وكانت أم المنذر يقال لها ماء السماء لحسنها. واشتهر المنذر بأمه، واسمها ماوية بنت عوف بنت جشم.
٨٢ - وأنشد:
فإمّا أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطّرحني واتّخذني ... عدوّا أتّقيك وتتّقيني
هذان من قصيدة للمثقب العبديّ واسمه عائذ بن محصن بن ثعلبة بن وائلة ابن عدي بن حرب بن دهن بن عذرة بن منبه بن نكرة بن لكيز بن أفصى، بالفاء، ابن عبد القيس، وسمي المثقب بكسر القاف وقيل بفتحها لقوله (١):
ظهرن بكلّة وسدلن أخرى ... وثقّبن الوصاوص للعيون
يعني، عيون البرقع. قاله ابن دريد في الوشاح وهو بالثاء المثلثة وضبطه ابن الدماميني. وأوّل هذه القصيدة (٢):
أفاطم قبل بينك متّعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني
فلا تعدي مواعد كاذبات ... تمرّ بها رياح الصّيف دوني
стр. 189
فإنّي لو تخالفني شمالي ... لما أتبعتها أبدا يميني (١)
إذن لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني
ومنها:
دعي ماذا علمت سأتّقيه ... ولكن بالمغيّب نبّئيني
ومنها في ذكر ناقته:
فسلّ الهمّ عنك بذات لوث ... عذافرة كمطرقة القيون
الى أن قال:
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوّه آهة الرّجل الحزين
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني
أكلّ الدّهر حلّ وارتحال ... أما يبقي عليّ وما يقيني
ثنيت زمامها ووضعت رحلي ... ونمرقة رودت بها يميني (٢)
فرحت بها تعارض مسبطرّا ... على صحصاحه وعلى المتون
إلى عمرو وفي عمرو أتتني ... أخي النّجدات والحلم الرّصين
فإمّا أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطّرحني واتّخذني ... عدوّا أتّقيك وتتّقيني
وما أدري إذ وجّهت وجها ... أريد الخير أيّهما يليني
стр. 190
أألخير الّذي أنا أبتغيه ... أم الشّرّ الّذي هو يبتغيني
قال المصنف في شواهد معنى البيت الأوّل: اخبريني قبل فراقك على أن منعك ما أطلبه منك بمنزلة فراقك. وأجتوي: أكره. قوله: (دعي ماذا علمت .. البيت) أورده المصنف في (ماذا) شاهدا على أنها موصول بمعنى الذي، أو اسم جنس بمعنى شيء. وعلمت: ضبطه النحاس بكسر التاء عن الاخفش، وبضمها عن أبى اسحق. وقوله: (بذات لوث) في الصحاح، يقال: ناقة ذات لوثة، بضم اللام، أي كثيرة اللحم والشحم. ويقال: ذات معوج. واللوث: بالفتح، القوّة. قال الشاعر:
بذات لوث عفرناة إذا عثرت
والعذافرة: العظيمة الشديدة. والمطرقة والقيون: جمع قين، وهو الحداد.
وأرحلها: بفتح الهمزة، أشدّ عليها الرحل. وتأوّه: أصله تتأوّه، وآهة بالمدّ، ويروى بالقصر وتشديد الهاء، وهما نائبان عن التأوّه. ودرأت: بالمهملة، دفعت. ويروى بالمعجمة أي ألقيت. وقال ابن قتيبة: إنه تصحيف. والوضين:
بالمعجمة، للهودج، كالحزام للسرج، والتصدير للرحل، والبطان للقتب، وهو سير مضفور، وجمعه وصن بضمتين. والاستفهام في (أهذا) للتعجب. والدين: العادة. والهمزة في (أكل) للأنكار، وكل: ظرف. وحل: فاعل به، ويجوز كونه مبتدأ، والظرف خبره، وهو بفتح الحاء، مصدر حللت بالمكان. ويبقي عليّ: يرحمني، والمصدر الأبقاء. والأسم البقيا بالضم والبقوى بالفتح. ويقيني: يصونني ويحفظني.
وضمير الفعلين إلى صاحب الناقة الراجع إليه (أهذا دينه). هذا هو الظاهر. وذكر العيني في شرح الشواهد أنه راجع إلى الدهر وليس بواضح. والنمرقة: بضم النون وتكسر في لغة: وسادة صغيرة. والمسبطر: الجمل الطويل. والرصين: المحكم الثابت. والغث: الرديء. والسمين: الجيد. ويقال: غث اللحم يغث ويغث غثاثة، فهو غث وغيث إذا كان مهزولا. وأغث إذا ردئ وفسد. وقوله: (فاعرف) بالنصب عطفا على تكون. وقوله: (والا) هنا نائبه مناب أما. قوله: (أألخير ... البيت):
стр. 191
استشهد به أبو حيان في البحر على أن التقى قد يستعمل في طلب الخير، وإن كان أصله أن لا يستعمل إلا في طلب الفساد. وفيه شاهد آخر على تسهيل همز أل مع الاستفهام.
٨٣ - وأنشد (١):
نلمّ بدار قد تقادم عهدها ... وإمّا بأموات ألمّ خيالها
هو لذي الرمّة، وقبله:
وكيف بنفس كلّما قيل أشرفت ... على البرء من حوصاء هيض اندمالها
ويروى: تهاض، من هاض العظم: كسره بعد الجبر. وكل وجع على وجع فهو هيض. والباء: قيل ظرفية. والمعنى: عكس وتفرّق إما ما بدار تخرب، وإما بموت أموات. وألم: من الألمام، وهو النزول. وفي البيت حذف أما الأولى كما تبين وحوصاء: من الحوص بالتحريك، وهو ضيق في مؤخر العين، والرجل أحوص.
* * *
стр. 192
شواهد أو
٨٤ - وأنشد:
نحن أو أنتم الأولى ألفوا الحقّ، ... فبعدا للمبطلين وسحقا
لم يسم قائله، وهو من بحر الخفيف. وسحقا: بمعنى بعدا، فعطفه عليه على حدّ قوله:
وألفى قولها كذبا ومينا
والأولى: بمعنى الدين.
٨٥ - وأنشد:
وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
هذا من قصيدة لتوبة بن الحميّر وأوّلها (١):
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطّت نواها واستمرّ مريرها
تقول رجال لا يضيرك نأيها ... بلى، كلّ ما شفّ النّفوس يضيرها
стр. 193
أليس يضير العين أن يكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها
لكلّ لقاء نلتقيه بشاشة ... وإن كان حولا كلّ يوم نزورها
ومنها:
حمامة بطن الواديين ترنّمي ... سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
ليلى هي: الأخيلية. وشطت الدار: بعدت. والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر، قرب أو بعد، وهي مؤنثة لا غير. ويقال: (استمرّ مريره) أي استحكم أمره. والباء في (بأني) زائدة. وتاء تقي بدل بدل من الواو، كما في تراث واو بمعنى الواو، أي وعليها، وهو محل الاستشهاد. وشف الجسم: نحل. وشفه الهمّ: هزله.
أخرج في الأغاني عن أنيس بن عمرو العامري (١) قال: كان توبة يتعشّق ليلى الأخيلية ويقول فيها الشعر، فخطبها الى أبيها فأبى وزوّجها غيره، فجاء يوما كما كان يجيء لزيارتها فإذا هي سافرة ولم ير منها بشاشة، فانصرف وقال هذه القصيدة.
فائدة: [توبة بن الحميّر]
توبة بن الحميّر بن سفيان بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، يكنى أبا حرب، فارس شاعر إسلامي، وهو صاحب ليلى الأخيلية. وفي الشعراء آخر يقال له توبة بن مضرس تميمي، ذكره
الآمدي.
стр. 194
٨٦ - وأنشد (١):
جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر
هو لجرير يمدح عمر بن عبد العزيز. أخرج المعافى بن زكرياء وابن عساكر في تاريخه، بسند متصل عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم، فبينما هم كذلك، وقد أزمعوا على الرحيل، إذ مرّ بهم عديّ بن ارطاة، فقال له جرير:
يا أيّها الرّجل المرخي عمامته ... هذا زمانك إنّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فدخل عديّ على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك، وسهامهم مسمومة، وأقوالهم نافذة. قال: ويحك يا عديّ، مالي وللشعراء! قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ قد امتدح وأعطى، ولك في رسول الله ﷺ إسوة. قال: كيف؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس فأعطاه حلة قطع بها لسانه. قال: من بالباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة، والفرزدق، والأخطل، والأحوص، وجميل. قال: أليس هذا القائل كذا، وهذا القائل كذا، ذكر لكل واحد منهم أبياتا تشعر برقة الدين، والله لا يدخل عليّ أحد منهم، فهل سوى من ذكرت؟ قال: نعم، جرير. قال أما أنه الذي يقول (٢):
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزّيارة فارجعي بسلام
فإن كان لا بد، فهو. فأذن لجرير فدخل وهو يقول:
стр. 195
إنّ الّذي بعث النّبيّ محمّدا ... جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتّى ارعوى وأقام ميل المائل
إنّي لأرجو منك خيرا عاجلا ... والنّفس مولعة بحبّ العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضة ... لابن السّبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير، إتق الله ولا تقل إلا حقا، فأنشأ جرير يقول:
أأذكر الجهد والبلوى الّتي نزلت ... أم قد كفى ما بلّغت من خبري
كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصّوت والنّظر
يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به ... خبلا من الجنّ أو مسّا من البشر
خليفة الله ماذا تأمرون بنا ... لسنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زلت بعدك في همّ يؤرّقني ... قد طال في الحيّ إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر
الخير ما دمت حيّا لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فقال: يا جرير، ما أرى لك فيما ههنا حقا. قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن
стр. 196
سبيل ومنقطع بي. فأعطاه من صلب ماله مائة درهم. وقال: ويحك يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام، أعطه المائة الباقية. فأخذها وقال: والله لهي أحب ما اكتسبت اليّ. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسؤكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. وأنشأ يقول:
رأيت رقى الشّيطان لا يستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا
قوله: نال الخلافة، كذا وقع في هذه الرواية، وكذا أورد جماعة من النحاة، ورواه طائفة بلفظ جاء الخلافة. وقوله: إذ كانت، كذا في هذه الرواية، وكذا رواه جماعة منهم ولا شاهد فيه. وإذ فيه بمعنى، أو للتعليل. ورواه جماعة بلفظ:
أو على انها بمعنى الواو والكاف للتشبيه. وما: مصدرية ومحلها نصب صفة لمصدر محذوف، وربه مفعول أتى، وضميره راجع الى موسى، وان كان مؤخرا في اللفظ، لأنه مقدم في الرتبة إذ هو فاعل. وقد استشهد به المصنف في التوضيح لذلك.
٨٧ - وأنشد:
وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح (١)
هذا من قصيدة لابي ذؤيب، أوّلها (٢):
نام الخليّ وبتّ اللّيل مشتجرا ... كأنّ عيني فيها الصّاب مذبوح
قال ابن يسعون: ووهم من نسبه للنبيت، رجل من النمر بن قاسط. قال ابن يسعون: قوله: سيان: مثلان. ويسرحوا: يرسلوا للمرعى نهارا، ولا تستعمل في الليل. النعم: الأبل وسائر الماشية، ويقال: ماله سارح ولا رائح. والرائح:
الراجع من المرعى. وقوله: (بها) يعني في السنة المجدبة التي دلت الحال عليها.
стр. 197
ويحتمل أن يريد التي وصفها بالجدب. والباء: بمعنى في. وأغبرت البقعة:
اسودّت في عين من يراها، أو أكثر فيها الغبار لعدم الأمطار. ويروى بدله (وابيضت).
والسوح: جمع ساحة، وهي فضاء يكون بين دور الحيّ. والواو: في (واغبرت) للحال. قال ابن يسعون: وقد كان ينبغي أن ينصب سيان، لأن المعرفة أولى بأن تكون اسم كان. قال: وكأنه كره اجتماع ثلاث ياآت فعدل إلى الألف، كما قالوا:
طائي، أو على لغة بالحرث، أو قدر في مكان ضمير الشأن للمبتدأ، وهو ورفعه على الخبر لأن لا يسرحوا واو بمعنى الواو وفيه الشاهد. وقد ذكرت سرّ ذلك في الحاشية قال: ويروى:
وقال رائدهم سيّان سيركم ... وأن تقيموا به واغبرّت السّوح
ولا شاهد فيه على ذلك (١). قلت: كذا هو في أشعار هذيل وبعده:
وكان مثلين أن لا يسرحوا نعما ... حيث استرادت مواشيهم وتسريح
فكأنه اختلط صدر البيت الثاني وعجز الأوّل، فروى على التركيب وهما. ثم رأيت صاحب المصباح في شرح أبيات الايضاح قال مثل ذلك، وزاد أن أبا حنيفة أورده كما في ديوان أشعار هذيل.
٨٨ - وأنشد:
إنّ بها أكتل أو رزاما ... خوير بين ينقفان الهاما
قال ابن الشجري في أماليه: احتجوا على ورود أو بمعنى الواو يقول الأسدي:
خلّ الطّريق واجتنب أرماما ... إنّ بها أكتل أو رزاما
خوير بين ينقفان الهاما ... لم يدعا لسارح مقاما (٢)
стр. 198
قالوا: أراد أكتل ورزاما، وهما لصان كانا يقطعان الطريق بأرمام، فلذلك قال:
(خويربين) ولو كانت أو على بابها لقال (خويربا) وهو تصغير خارب، والخارب: لص الأبل. وأبطل البصريون ذلك بقول الخليل انه نصب على الذم، كقوله: حمّالة الحطب. انتهى. وقال غيره: اكتل بمثناة فوقية، ورزام بكسر الراء ثم زاي. والنقف: كسر الهامة عن الدماغ. والهام: الرؤس، بتخفيف الميم، واحدها هامة. وقال المبرد في الكامل (١): نصب (خويربين) على (أعني) (لا يكون غير ذلك) (٢) لأنه إنما أثبت أحدهما بقوله (أو) قال: وقوله ينقفان الهام، مثل يضرب في المبالغة في الشر. انهما يكاد ان يكسرانه.
٨٩ - وأنشد:
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
فحسّبوه، فألفوه كما ذكرت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
هذان من قصيدة للنابغة، وقد تقدّم شرحهما في شواهد إن (٣).
وأخرج الطستيّ في مسائله بسنده عن ابن عباس: أن نافع الأزرق سأله عن قوله تعالى: (ما أَلْفَيْنا) قال يعني: وجدنا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:
نعم أما سمعت قول نابغة بني ذبيان:
فحسّبوه فألفوه كما زعمت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
٩٠ - وأنشد (٤):
قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
стр. 199
هو لحميد بن ثور الهلاليّ الصحابي ﵁.
قوم: خبرهم مقدرا. والصريخ: صوت المستصرخ (١). ورأيتهم: جواب الشرط. وملجم: من ألجمت الفرس. وسافع: من سفعت بناصيته، أي أخذت.
وقد استشهد ابن هشام في السيرة بالبيت على ذلك في تفسير قوله تعالى: (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ). وأورده بلفظ (الصراخ) وبلفظ (من بين). قال ابن الدماميني: و (من) فيه للابتداء. والمعنى: إنّ رؤيتك إياهم تقدمت من بين هذين القسمين، لا يخرجون عنهما. و (أو) بمعنى الواو ضرورة اقتضاء بين الاضافة الى متعدد.
فائدة: [حميد]
حميد: هو ابن ثور بن حزن بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن نهيك بن هلال ابن عامر بن صعصعة الهلالي، أبو المثنى. وقيل: أبو الأخضر. وقيل: أبو خالد، ذكره الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الاسلاميين (٢). وقال المرزباني (٣): كان أحد الشعراء الفصحاء، وكان كل من هاجاه غلبه. وقد وفد على النبيّ صلّى الله وسلم، وعاش الى خلافة عثمان، وهو القائل (٤):
فلا يبعد الله الشّباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة: سنتوب
٩١ - وأنشده (٥):
ماذا ترى من عيال قد برمت بهم ... لم أحص عدّتهم إلّا بعدّاد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي
стр. 200
هما لجربر من قصيدة يمدح بها معاوية بن هشام بن عبد الملك، وهما آخر القصيدة، وقبلهما:
سيروا فإنّ أمير المؤمنين لكم ... غيث مغيث بنبت غير مجحاد
وأول القصيدة:
قد قرّب الحى إذ هاجوا لإصعاد ... بزلا مخيّسة إرمام أفناد
ومنها:
من يهده الله يهتد لا مضلّ له ... ومن أضلّ فما يهديه من هاد
ومنها:
إلى معاوية المنصور إنّ له ... دينا وثيقا وقلبا غير حيّاد
من آل مروان ما ارتدّت بصائرهم ... من خوف قوم ولا همّوا بإلحاد
مخيسة: مذللة. والأرمام، جمع رمة: وهي قطعة من حبل خلق. وغير حياد:
لا يحيد. ومجحاد: قليل الخير. والعيال: جمع عيّل، بتشديد الياء، من عاله غيره يعوله، إذا أنفق عليه وقام بمصالحه. وبرمت: من برم به، بالكسر، إذا سئمه وضجر منه. وترى: من الرأي في الأمر، فلا يتعدّى إلّا إلى واحد وهو (ماذا) فمحله نصب. وجملة (قد برمت) صفة لعيال. والعدّاد: بفتح العين. ولم أحص: حال.
والاستثناء مفرغ أي لم أحصر عدّتهم إلا في حال كوني مستعينا بعدّاد، وهو كناية عن الكثرة المفرطة.
٩٢ - وأنشد:
كما النّاس مجروم عليه وجارم
стр. 201
سيأتي شرحه مستوفى في حرف الكاف (١).
٩٣ - وأنشد (٢):
فقالوا: لنا ثنتان لا بدّ منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
هذا من قصيدة لجعفر بن علبة الحارثي، وقبله:
ألهفا بقرّى سحبل حين أحلبت ... علينا الولايا والعدوّ المباسل
فقالوا: لنا ثنتان لا بدّ منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
وبعده:
فقلنا لهم تلكم إذن بعد كرّة ... تغادر صرعى نوؤها متخاذل
قوله: ألهفا: هو منادي. قال المرزوقي: ويحتمل أن يكون مفردا ومضافا، قلبت ياؤه ألفا. واللهف: التأسف على الشيء بعد الأشراف عليه (٣). وقرى سحبل موضع. وقال البياري: قرى: ماء، وسحبل: كل واد واسع (٤). وأحلبت:
بالمهملة، أعانت. قال المرزوقي: وأصله الأعانة في الحلب خاصة، ثم استمرّ في
стр. 202
الاعانات كلها (١). وقال: وقد يكون الشيء مختصا في الأصل، ثم يصير في العرف عاما، كما يكون عاما في الأصل ثم يصير به مختصا. والولايا: جمع وليّة، وهي البرذعة. وهي في البيت كناية عن النساء والضعفاء. وقيل: الولايا العشائر والقبائل، كأن ولية تأنيث وليّ، وهو القريب. ويروى: الموالي، وهم أبناء العم (٢).
والمباسل: من البسالة، وهي الشجاعة. وثنتان: أي خصلتان، وتفسيرهما قوله:
(صدور ... الخ) وخص الصّدور لأن المقاتلة بها تقع، أو من ذكر البعض وارادة الكل، و (أو) في قوله (أو سلاسل). وقال التبريزي: أو على بابها من التخيير، لأن السلاسل كني بها عن الأسر (٣). ومعنى قوله: (لا بد منهما) على سبيل المتعاقب .. الخ. أي لا بد من أحدهما أو المراد لا بد منهما جميعا، فصدور الرماح لمن يقتل والسلاسل لمن يؤسر، أي يكون بعضنا كذا وبعضنا كذا. فلما جعلهم صنفين صح دخول (أو) للتقسيم. وأشرعت: هيئت للطعن. وقوله: (تلكم اذن بعد كرّة) أي تلكم التخييرية، تكون بعد عطفه. تترك بيننا قوما مصرعين يخذلهم النهوض. ومتخاذل: هذا البناء يختص بما يحدث شيئا بعد شيء، ومنه تداعى البناء كأن أجزاء النهوض يخذل بعضها بعضا. والنوء: قد يكون السقوط أيضا.
فائدة: [جعفر بن علبة]
جعفر بن علبة بن ربيعة، بن عبد يغوث الشاعر أسير يوم الكلاب، ابن معاوية، يكنى ابن عارم، شاعر مقل غزل فارس. أدرك الدولة الأموية والعباسية، قتل رجلا من بني عقيل فاستعدوا عليه عامل مكة السريّ بن عبد الله الهاشمي فأقاد منه، فأقاد في أيام جعفر المنصور. ذكر ذلك الأغاني (٤). وله في ذلك أبيات مذكورة في
стр. 203
شواهد التلخيص.
٩٤ - وأنشد (١):
وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
قاله زياد الأعجم. قال شارح أبيات الايضاح: كذا نسب في كتاب سيبويه، وكذا رووه منصوبا، فتبعه عليه الناس، واستشهدوا به على النصب باضمار ان بعد الواو (٢). قال: وقد وقع هذا البيت في قصيدة لزياد الأعجم مرفوعة القوافي، وفيها أبيات مجرورة، وأول القصيدة:
ألم تر أنّني أوترت قوسي ... لأبقع من كلاب بني تميم
عوى فرميته بسهام موت ... كذاك يردّ ذو الحمق اللّئيم
فلست بسابقي هربا ولمّا ... تمرّ على نواجذك القدوم
فحاول كيف تنجو من وقاع ... فإنّك بعد ثالثة رميم
يهجو بهذه القصيدة المغيرة بن حبناء (٣). غمزت: من غمزت الشيء بيدي عصرته. والقناة: الرمح. وكعوبه: النواشز في أطراف الأنابيب. وقوله: (كسرت) إشارة إلى شدّة الغمز والتثقيف، ان لم تستقم على التليين والتلطيف. والمعنى:
أردت كسر كعوبها إلّا أن تستقيم من شدة العوج، وهذا إشارة إلى ما عليه المهجو من الاضطراب والهوج، فهو من باب: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) أي أردت القراءة.
قاله شارح أبيات الايضاح. وقال الزمخشري في شرح أبيات الكتاب: معنى البيت:
стр. 204
كنت إذا هجوت قوما أبيدهم بالهجاء إلا أن يتركوا هجائي. قال: وأبيات القصيدة غير منصوبة، وإنما أنشده سيبويه منصوبا لانه سمعه كذلك ممن يستشهد بقوله، وإنشاد الأبيات على الوقف مذهب لبعض العرب، فإن أنشد بيت واحد منها أنشد على حقه من الأعراب، وإن أنشدت جميعا أنشدت على الوقف انتهى.
فائدة: [زياد الأعجم بن سليم]
زياد الأعجم بن سليم (العبدي)، يكنى أبا أمامة، مولى عبد القيس، ولقب الأعجم لعجمة كانت في لسانه. أدرك أبا
موسى الاشعري وعثمان بن أبي العاص وشهد معهما فتح اصطخر، ووفد على هشام بن عبد الملك، وشهد وفاته بالرصافة. وذكره الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الاسلام (١).
وأخرج ابن عساكر عن أبي بركة الأشجعي قال: حضرت امرأة من نمير الوفاة، فقيل لها أوصي. فقالت: نعم خبروني عن القائل:
لعمرك ما رماح بني نمير ... بطائشة الصّدور ولا قصار
فقيل لها: لزياد الأعجم. قالت: فأشهدكم أن له ثلث مالي. فحمل له من ثلثها أربعة آلاف درهم.
٩٥ - وأنشد:
لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى
لم يسم قائله وتمامه:
فما انقادت الآمال إلّا لصابر
يقال: استسهل أمره: أي عدّة سهلا. والمنى: بالضم، جمع المنية، اسم لما يتمناه الانسان. والآمال: بالمدّ جمع أمل، وهو الرجاء. وانقيادها: موافقتها للمراد ومجيئها على حسبه.
стр. 205
شواهد الا المفتوحة الخفيفة
٩٦ - وأنشد:
أما والّذي لا يعلم الغيب غيره
هو لحاتم الطائي، وتمامه:
ويحيي العظام البيض وهي رميم
وجواب القسم قوله بعد ذلك:
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم (١)
والرميم: البالي، من رمّ العظم يرم بلى. وفعيل: يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، قاله في الصحاح. وقال الزمخشري: الرميم اسم لما بلي من العظام، كالرمة والرفات، فلذا لم يؤنث. والقرى: الاحسان إلى الضيف.
والحشا: ما انضمت إليه الضلوع. والطاوي: الجائع. والمحاذرة: الخوف. واللئيم: الدنيء الأصل
стр. 206
الشحيح النفس (١).
فائدة: [حاتم الطائي]
حاتم الطائي هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عديّ الجواد المشهور (٢) شاعر جاهلي يكنى أبا سفانة بابنته، وابنه عديّ بن حاتم الصحابي المشهور.
أخرج أحمد عن عديّ ابن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا. فقال: إن أباك أراد أمرا فأدركه، يعني الذكر.
وأخرج ابن عديّ وابن عساكر عن ابن عمر قال: ذكر حاتم طي عند النبي ﷺ فقال: ذاك رجل أراد أمرا فأدركه.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن علي قال: لما جاء بسبايا طيّ وقعت جارية حمراء العشاء، دلفاء عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين، فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لأطلب إلى رسول الله ﷺ يجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت:
يا محمد، إن رأيت أن تخلي عنا ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وأن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضعيف، ويطعم الطعام، ويفشي السّلام، ولم يردّ طالب
حاجة قط، أنا ابنة حاتم طي. فقال النبي ﷺ : لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها،
стр. 207
فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق.
وأخرج ابن عساكر عن عديّ بن حاتم قال: كان أبي يقول لنا في الجاهلية:
إذا كان الشيء يكفيكه تركه فاتركه.
وأخرج ابن الأنباري وابن عساكر عن ابن الأعرابي قال: كان حاتم الطائي أسيرا في عنزة، فقالت له امرأة يوما: قم، فافصد لنا هذه الناقة! وكان الفصد عندهم أن يقطع عرقا من عروق الناقة، ثم يجمع الدم فيشوى. فقام حاتم إلى الناقة فنحرها، فلطمته المرأة. فقال حاتم: (لو غيرت ذات سوار لطمتني). فذهب قوله مثلا. وقال له النسوة: إنما قلنا لك فصدها! فقال: هكذا فزدي. ان قوله (فزدي) فصدي، اشم الصاد زايا، وأدخل هاء السكت على أنا.
وأخرج ابن عساكر عن أبي عبيدة قال: لما بلغ حاتم طيّ قول المتلمس (١):
قليل المال يصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال خير من فناء ... وعسف في البلاد بغير زاد
فقال: قطع الله لسانه، حمل الناس على البخل، فهلا قال:
فلا الجود يفني المال قبل ذهابه ... ولا البخل في مال الشّحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتّر ... لكلّ غد رزق يعود جديد
وأخرج ابن الأنباري وابن عساكر من طريق ملحان بن عركي بن عديّ بن حاتم
стр. 208
عن أبيه عن جدّه قال: شهدت حاتما وهو يكيد بنفسه، فقال لي: أي بني، إني أعهدك من نفسي ثلاث خلال: والله ما خاتلت جارة لي لريبة قط، ولا أؤتمنت على أمانة إلّا أدّيتها، ولا أتى أحد قطّ من قبلي بسوء.
٩٧ - وأنشد:
أما والّذي أبكى وأضحك والّذي ... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر
تقدم شرحه في شواهد أما (١).
٩٨ - وأنشد:
ألا طعان ألا فرسان عادية ... إلّا تجشّؤكم حول التّنانير (٢)
هذا من قصيدة لحسان بن ثابت ﵁ يهجو (بني) (٣) الحارث بن كعب المجاشي (٤) من بني عبد المدان. (وأول القصيدة) (٥):
حار بن كعب ألا أحلام تزجركم ... عنّا، وأنتم من الجوف الجماخير
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
ألا طعان ألا فرسان عادية ... إلّا تجشّؤكم حول التّنانير
دعوا التّخاجؤ وامشوا مشية سجحا ... إنّ الرّجال ذوو عصب وتذكير
стр. 209
حار: منادي الحارث، مرخم (١). والأحلام: العقول جمع حلم. وقوله: (عنا) أي: عن هجائنا، لأنه كان هجا بني النجار من الأنصار فشكوا ذلك الى حسان فقال هذه. ثم قال: ألقوها إلى صبيان المكاتب. ففعلوا، فبلغ ذلك بني عبد المدان فأوثقوا الحارث (٢) وأتوا به إلى حسان وحكّموه فيه، فأمر بالناس فحضروا، وجلس على سرير وأحضره موثقا، فنظر إليه مليا ثم قال لابنه عبد الرحمن: هات الدراهم التي بقيت من صلة معاوية، وائتني ببغلة. ففعل، ففك وثاقه وأعطاه الدراهم وأركبه البغلة، فشكره الناس. والجوف: جمع أجوف، وهو العظم الجوف.
والجماخير: بجيم وخاء، جمع جمخور، وهو العظيم الجسم القليل العقل والقوّة.
وجسم: يروى بالرفع والنصب (٣).
قال المصنف: روي أن بني عبد المدان كانوا يفتخرون بعظم أجسامهم حتى قال فيهم حسان هذا الشعر فتركوا ذلك. ويروى (ولا فرسان) بدل (ألا فرسان).
وطعان: مصدر طاعن. وفرسان: جمع فارس. وعادية: يروى، بالعين المهملة، من العدو، أو العدوان. وبالمعجمة: من الغدو ضدّ الرواح. ويروى بالنصب: نعت أو حال، وخبر (لا) محذوف وبالرفع خبر (لا). وتجشؤكم: ويروى بالرفع والنصب، وبالجيم من الجشاء: تنفس المعدة بالحاء المهملة، من الاحتساء والاستثناء منقطع. والمعنى: ألا طعان عندكم ولا فرسان فيكم تعدو على أعدائهم، أي لستم بأهل حرب، وإنما أنتم أهل أكل وشرب، كما قال الآخر:
إنّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا حرّ الثّياب وتشبعوا
стр. 210
وقال (١):
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد، فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
والتنانير: جمع تنور. والتخاجؤ: بجيم وهمز، مشية فيها تبختر، ومشية سحجا: أي سهلة، حسنة، بسين مهملة ثم جيم ثم حاء مهملة. والعصب: شدّة الخلق، يقال: رجل معصوب، أي قوي شديد. هكذا ذكر جماعة من المتأخرين هذا البيت من الأبيات المذكورة لحسان. ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري البيتين الأوّلين لحسان. وقوله: (ألا طعان ... البيت) لخداش بن زهير يخاطب بها بني العرقة، من بني تيم بن غالب، من أجل مسابقة كانت بينهم وبين رهط خداش.
وأول القصيدة (٢):
أبلغ أبا كنف إمّا عرضت له ... والأبجرين ووهبا وابن منظور
ألا طعان ألا فرسان عادية ... إلّا تجشّؤكم حول التّنانير
ثمّ احضرونا إذا ما احمرّ أعيننا ... في كلّ يوم يزيل الهمّ مذكور
تلقوا فوارس لاميلا ولا عزلا ... ولا هلابيج روّاغين في الدّور
في أبيات أخر.
٩٩ - وأنشد (٣):
ألا ارعواء لمن ولّت شبيبته ... وآذنت بمشيب بعده هرم
الارعواء: الانكفاف، مصدر ارعوى عن الشيء، أي الانكفاف عن القبيح.
стр. 211
و (لمن) خبر. وولت: أدبرت وذهبت. وآذنت: عطف على ولت، أي أعلمت وأنذرت. وجملة (بعده هرم) صفة لمشيب. والشبيبة: الشباب. والمشيب:
الشيب. وقال الأصمعي: المشيب بالميم: دخول الرجل في حدّ الشيب من الرجال.
والشيب بدون ميم: بياض من الشعر. والهرم: كبر السن.
١٠٠ - وأنشد (١):
ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه ... فيرأب ما أثأت يد الغفلات
لم يسم قائله. (ألا) للتمني. وعمر: اسمها. وولى: صفته. ومستطاع رجوعه: جملة اسمية قدّم خبرها، وهي صفة أخرى، فمحلهما نصب. ويجوز عند المازني والمبرد أن يكون محلهما رفعا. وكون الأسمية خبرا، وكون مستطاع صفة على الموضع أو خبرا. ورجوعه: مرفوع به على الوجهين، لانهما يجريان (ألا) التي للتمني مجرى (ألا) التي للانكار والتوبيخ، ولا يجوز ذلك عند سيبويه، لأنه لا يجيز مراعاة المحل اسمها، أجرى الهاء مجرى ليت، وليس لها عنده خبر، لا لفظا ولا تقديرا، بل هي ومتلوها كلام تام مركب من اسم وحرف كما في (يا زيد) عند أبى علي. وسوّغ ذلك الحمل على المعنى، لأن معناه أتمنى كذا. وقوله: (فيرأب) منصوب في جواب التمني، أي يصلح. يقال: رأبت الاناء إذا شعبته وأصلحته، ومادته راء وهمزة وباء. قال المصنف: والمحفوظ بناؤه للفاعل، ويحسن بناؤه للمفعول وما موصولة. وأثأت: بمثلثة بعدها همزة، أفسدت، منقول بالهمزة من ثأى، بالكسر، يثأى، بالفتح، فسد. واستعار للغفلات التي هي جمع غفلة. يدا تشبيها بمن يكتسب أشياء بيده. ويد فاعل أثأت والعائد محذوف: أي أثأته.
١٠١ - وأنشد:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد
تقدّم شرحه في شواهد الهمزة (٢).
стр. 212
١٠٢ - وأنشد
ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلة تبيت (١)
هو من أبيات الكتاب، وبعده:
ترجّل لمّتي وتقمّ بيتي ... وأعطيها الإتاوة إن رضيت
وقال الأزهري: هما لأعرابي أراد أن يتزوّج امرأة بمتعة. قال المصنف:
قوله (ألا رجل) فيه ثلاث روايات: الرفع، وبه جزم الجوهري على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره يدل. أو مبتدأ تخصّص بالاستفهام، ويدل خبره. والجر على اضمار من، وفيه ضعف لاعمال الجار محذوفا، ويزيده ضعفا كونه زائدا. ونظيره في الضعف قوله:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
على قول سيبويه أن التقدير ان أفعله، لأن أن وان كانت غير زائدة، لكن دخولها في خبر كاد قليل. والثالثة النصب وهي المشهورة، فقال الخليل وسيبويه (ألا) للعرض، والفعل مقدّر، أي ألا تروني رجلا. وقال يونس: (ألا) للتمنّي ورجلا اسمها، ونوّن للضرورة. وقال بعضهم: (ألا) للاستفتاح، ورجلا منصوب بمضمر يفسره جزى، ويدل على رواية النصب صفة رجلا. ومحصّلة، بكسر الصاد:
امرأة تحصل الذهب من تراب المعدن وتخلصه منه. وقوله: (تبيت) قال الأعلم.
أي تبيت تفعل ذلك أي الفاحشة. وقال السيرافي: انما الرواية تبيث بمثلثة آخره، من الاستباثة، وهي الاستخراج أي يستخرج الذهب من ترابه. قال المصنف:
وكلاهما كلام من لم يقف على ما بعد البيت، وهو (ترجل .. الخ) بالقافية تاء مثناة وترجل ... الخ خبر باب، والبيت متعلق بما قبله ففيه تضمنين وهو من عيوب الشعر. والبيتوتة للترجيل والقم كما ذكر لا لشيء آخر. وقال بعضهم: يبيت بضم أوله، أي يجعل لي بيتا أي امرأة بنكاح.
стр. 213
قلت: وهذا عندي أحسن ويندفع به التضمين (١). والترجيل: تسريح الشعر.
واللمّة، بكسر اللام وتشديد الميم: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة. والأتاوة، بكسر الهمزة: الخراج. ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري قال: البيت من قصيدة طويلة لعمرو بن قنعاس المرادي (٢) أوّلها:
ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حبّ أهلك ما أتيت
ألا يا بيت أهلك أوعدوني ... كأنّي كلّ ذنبهم جنيت
ألا بكر العواذل فاستميت ... وهل من راشد إمّا غويت (٣)
إذا ما فاتني لحم غريض ... ضربت ذراع بكري فاشتويت
وكنت متى أرى رقا مريضا ... يصاح على جنازته بكيت
أمشّي في سراة بني غطيف ... إذا ما ساءني ضيم أبيت (٤)
أرّجل لمّتي وأجرّ ذيلي ... وتحمل بزّتي أفق كميت
وبيت ليس من شعر وصوف ... على ظهر المطيّة قد بنيت
ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلة تبيت
стр. 214
شواهد إلّا المكسورة المشددة
١٠٣ - (وأنشد) (١):
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان (٢)
هذا لحضرمي بن عامر بن مجمع بن موألة بن همام بن ضب بن كعب بن قين بن مالك بن ثعلبة بن دودان أسد، الأسدي، وقيل لعمرو بن معدي كرب من أبيات، أوّلها:
ألا عجبت عميرة أمس لمّا ... رأت شيب الذّؤابة قد علاني
تقول أرى أبي قد شاب بعدي ... وأقصر عن مطالبة الغواني
إلى أن قال:
وذي فجع عزفت النّفس عنه ... حذار الشّامتين وقد شجاني
أخي ثقة إذا ما اللّيل أفضى ... إليّ بمؤيد حبلى كفاني
قطعت قرينتي عنه فأغنى ... غناه فلن أراه ولن يراني
стр. 215
وكلّ قرينة قرنت بأخرى ... ولو ضنّت بها سيفترقان
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان
فكان إجابتي إيّاه إنّي ... عطفت إليه خوّار العنان
الذؤّابة من الشعر، والجمع ذوائب. وعزفت، بمهملة وزاي وفاء، صرفت.
والفجع: من الفجيعة، وهي الرزيئة. وشجاني: أحزنني. والمؤيد: بوزن المؤمن، الأمر العظيم والداهية. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب. وكل قرينة: أي كل نفس مقرون بأخرى ستفارقها.
فائدة: [حضرميّ]
حضرميّ هذا صحابي. قال المرزباني: يكنى أبا كدام.
أخرج ابن شاهين عن أبي هريرة قال: وفد بنو أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ ، فتعلم حضرميّ بن عامر سورة عبس وتولى، فقرأها فزاد فيها: (وهو الذي أنعم على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى) فقال له النبي ﷺ : لا تزد فيها. وأخرجه من وجه آخر. وفيه: ان السورة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى).
وروى أبو علي القالي من طريق ابن الكلبي قال (١): كان حضرميّ بن عامر عاشر عشرة من اخوته فماتوا فورثهم، فقال فيه ابن عم له يقال له جزء بن مالك:
يا حضرمي، من مثلك، ورثت تسعة اخوة فأصبحت ناعما! فقال حضرمي في أبيات (٢):
إن كنت ازننتني بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا