و (لمن) خبر. وولت: أدبرت وذهبت. وآذنت: عطف على ولت، أي أعلمت وأنذرت. وجملة (بعده هرم) صفة لمشيب. والشبيبة: الشباب. والمشيب:
الشيب. وقال الأصمعي: المشيب بالميم: دخول الرجل في حدّ الشيب من الرجال.
والشيب بدون ميم: بياض من الشعر. والهرم: كبر السن.
١٠٠ - وأنشد (١):
ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه ... فيرأب ما أثأت يد الغفلات
لم يسم قائله. (ألا) للتمني. وعمر: اسمها. وولى: صفته. ومستطاع رجوعه: جملة اسمية قدّم خبرها، وهي صفة أخرى، فمحلهما نصب. ويجوز عند المازني والمبرد أن يكون محلهما رفعا. وكون الأسمية خبرا، وكون مستطاع صفة على الموضع أو خبرا. ورجوعه: مرفوع به على الوجهين، لانهما يجريان (ألا) التي للتمني مجرى (ألا) التي للانكار والتوبيخ، ولا يجوز ذلك عند سيبويه، لأنه لا يجيز مراعاة المحل اسمها، أجرى الهاء مجرى ليت، وليس لها عنده خبر، لا لفظا ولا تقديرا، بل هي ومتلوها كلام تام مركب من اسم وحرف كما في (يا زيد) عند أبى علي. وسوّغ ذلك الحمل على المعنى، لأن معناه أتمنى كذا. وقوله: (فيرأب) منصوب في جواب التمني، أي يصلح. يقال: رأبت الاناء إذا شعبته وأصلحته، ومادته راء وهمزة وباء. قال المصنف: والمحفوظ بناؤه للفاعل، ويحسن بناؤه للمفعول وما موصولة. وأثأت: بمثلثة بعدها همزة، أفسدت، منقول بالهمزة من ثأى، بالكسر، يثأى، بالفتح، فسد. واستعار للغفلات التي هي جمع غفلة. يدا تشبيها بمن يكتسب أشياء بيده. ويد فاعل أثأت والعائد محذوف: أي أثأته.
١٠١ - وأنشد:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد
تقدّم شرحه في شواهد الهمزة (٢).
стр. 212
١٠٢ - وأنشد
ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلة تبيت (١)
هو من أبيات الكتاب، وبعده:
ترجّل لمّتي وتقمّ بيتي ... وأعطيها الإتاوة إن رضيت
وقال الأزهري: هما لأعرابي أراد أن يتزوّج امرأة بمتعة. قال المصنف:
قوله (ألا رجل) فيه ثلاث روايات: الرفع، وبه جزم الجوهري على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره يدل. أو مبتدأ تخصّص بالاستفهام، ويدل خبره. والجر على اضمار من، وفيه ضعف لاعمال الجار محذوفا، ويزيده ضعفا كونه زائدا. ونظيره في الضعف قوله:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
على قول سيبويه أن التقدير ان أفعله، لأن أن وان كانت غير زائدة، لكن دخولها في خبر كاد قليل. والثالثة النصب وهي المشهورة، فقال الخليل وسيبويه (ألا) للعرض، والفعل مقدّر، أي ألا تروني رجلا. وقال يونس: (ألا) للتمنّي ورجلا اسمها، ونوّن للضرورة. وقال بعضهم: (ألا) للاستفتاح، ورجلا منصوب بمضمر يفسره جزى، ويدل على رواية النصب صفة رجلا. ومحصّلة، بكسر الصاد:
امرأة تحصل الذهب من تراب المعدن وتخلصه منه. وقوله: (تبيت) قال الأعلم.
أي تبيت تفعل ذلك أي الفاحشة. وقال السيرافي: انما الرواية تبيث بمثلثة آخره، من الاستباثة، وهي الاستخراج أي يستخرج الذهب من ترابه. قال المصنف:
وكلاهما كلام من لم يقف على ما بعد البيت، وهو (ترجل .. الخ) بالقافية تاء مثناة وترجل ... الخ خبر باب، والبيت متعلق بما قبله ففيه تضمنين وهو من عيوب الشعر. والبيتوتة للترجيل والقم كما ذكر لا لشيء آخر. وقال بعضهم: يبيت بضم أوله، أي يجعل لي بيتا أي امرأة بنكاح.
стр. 213
قلت: وهذا عندي أحسن ويندفع به التضمين (١). والترجيل: تسريح الشعر.
واللمّة، بكسر اللام وتشديد الميم: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة. والأتاوة، بكسر الهمزة: الخراج. ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري قال: البيت من قصيدة طويلة لعمرو بن قنعاس المرادي (٢) أوّلها:
ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حبّ أهلك ما أتيت
ألا يا بيت أهلك أوعدوني ... كأنّي كلّ ذنبهم جنيت
ألا بكر العواذل فاستميت ... وهل من راشد إمّا غويت (٣)
إذا ما فاتني لحم غريض ... ضربت ذراع بكري فاشتويت
وكنت متى أرى رقا مريضا ... يصاح على جنازته بكيت
أمشّي في سراة بني غطيف ... إذا ما ساءني ضيم أبيت (٤)
أرّجل لمّتي وأجرّ ذيلي ... وتحمل بزّتي أفق كميت
وبيت ليس من شعر وصوف ... على ظهر المطيّة قد بنيت
ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدلّ على محصّلة تبيت
стр. 214
شواهد إلّا المكسورة المشددة
١٠٣ - (وأنشد) (١):
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان (٢)
هذا لحضرمي بن عامر بن مجمع بن موألة بن همام بن ضب بن كعب بن قين بن مالك بن ثعلبة بن دودان أسد، الأسدي، وقيل لعمرو بن معدي كرب من أبيات، أوّلها:
ألا عجبت عميرة أمس لمّا ... رأت شيب الذّؤابة قد علاني
تقول أرى أبي قد شاب بعدي ... وأقصر عن مطالبة الغواني
إلى أن قال:
وذي فجع عزفت النّفس عنه ... حذار الشّامتين وقد شجاني
أخي ثقة إذا ما اللّيل أفضى ... إليّ بمؤيد حبلى كفاني
قطعت قرينتي عنه فأغنى ... غناه فلن أراه ولن يراني
стр. 215
وكلّ قرينة قرنت بأخرى ... ولو ضنّت بها سيفترقان
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان
فكان إجابتي إيّاه إنّي ... عطفت إليه خوّار العنان
الذؤّابة من الشعر، والجمع ذوائب. وعزفت، بمهملة وزاي وفاء، صرفت.
والفجع: من الفجيعة، وهي الرزيئة. وشجاني: أحزنني. والمؤيد: بوزن المؤمن، الأمر العظيم والداهية. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب. وكل قرينة: أي كل نفس مقرون بأخرى ستفارقها.
فائدة: [حضرميّ]
حضرميّ هذا صحابي. قال المرزباني: يكنى أبا كدام.
أخرج ابن شاهين عن أبي هريرة قال: وفد بنو أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ ، فتعلم حضرميّ بن عامر سورة عبس وتولى، فقرأها فزاد فيها: (وهو الذي أنعم على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى) فقال له النبي ﷺ : لا تزد فيها. وأخرجه من وجه آخر. وفيه: ان السورة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى).
وروى أبو علي القالي من طريق ابن الكلبي قال (١): كان حضرميّ بن عامر عاشر عشرة من اخوته فماتوا فورثهم، فقال فيه ابن عم له يقال له جزء بن مالك:
يا حضرمي، من مثلك، ورثت تسعة اخوة فأصبحت ناعما! فقال حضرمي في أبيات (٢):
إن كنت ازننتني بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا
стр. 216
فجلس جزء على شفير بئر هو واخوته، وهم أيضا تسعة، فانخسفت بهم، فلم ينج منهم غير جزء، فبلغ ذلك حضرمي فقال: كلمة، وافقت قدرا وأبقت حقدا.
ولم أقف لحضرمي على غير حديث واحد.
أخرج أبو يعلي وابن قانع من طريق محفوظ بن علقمة عنه: ان رسول ﷺ قال: إذا بال أحدكم فلا
يستقبل الريح ولا يستنجى بيمينه.
١٠٤ - وأنشد (١):
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلّا بغامها
أنيخت: أبركت. والبلدة: الصدر، يقال فلان واسع البلدة، أي واسع الصدر. والبلدة أيضا: الأرض، تقول: أبركت هذه الناقة فألقت صدرها على الأرض، ففيه جناس تام، و (قليل بها الأصوات) صفة لبلدة المجرورة. وبغام الناقة، بضم الباء الموحدة وبالغين المعجمة، صوت لا يفصح به (٢).
١٠٥ - وأنشد (٣):
لو كان غيري سليمى الدّهر غيّره ... وقع الحوادث إلّا الصّارم الذّكر
هو للبيد، وقبله:
قالت غداة أنتجينا عند جارتها: ... أنت الّذي كنت لولا الشّيب والكبر
فقلت: ليس بياض الرّأس عن كبر ... لو تعلمين، وعند العالم الخبر
لو كان ... البيت.
انتجينا بالجيم، قال الزمخشري في شرح أبيات الكتاب: غيري:
стр. 217
اسم كان. سلمى: منداة وغيره خبر كان. وقوله: (إلا الصارم) وصف لغيري. ومعناه: انه لو كان غيره من الاشياء في موضعه لغيرته الحوادث إلا السيف فانه لا يتغير، فأنا مثل السيف في أني لا أتغير. ويجوز أن يريد: لو كان غيري من الأشياء لتغير كتغيري، إلا السيف. يريد أن كل شيء يتغير بمرور الأوقات عليه إلا السيف الصارم إنتهى. وقال غيره: الدهر، إما خبر كان، أي لو كان غيري موجودا في هذا الدهر الصعب، وصحّ الاخبار به عن الجثة
كما في قولك: نحن في يوم طيب. وإما مفعول بفعل محذوف، أي يقاسي. ووقع الحوادث: سقوطها، وهي جمع حادثة، وهي ما يطرق من الوقائع والنوائب. والصارم: السيف القاطع.
والذكر من السيوف: ما كان ذا ماء ورونق.
١٠٦ - وأنشد (١):
حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
هو لذي الرمّة. حراجيج: جمع حرجوج، بضم الحاء، وهي الناقة الضامر أو الطويلة، بحاء مهملة في الأوّل وجيمين بينهما ياء. والخسف: النقصان، يقال رضي فلان بالخسف أي بالنقيصة. وبات على الخسف أي جائعا. وربطت الدابة على الخسف أي على غير علف. والبلد: هنا مطلق الأرض. والقفر: المفازة التي لا نبات فيها ولا ماء. قال ابن الشجري في أماليه: وليس دخول إلا في هذا البيت خطأ كما توهم بعضهم، لان بعض النحاة قدر في ينفك التمام، ونصب مناخة على الحال، فتنفك هنا مثل منفكين حتى تأتيهم البينة. فالمعنى: ما ينفصل عن جهد ومشقة إلا في حال اناختها على الخسف، ورمى البلد القفر بها، أي تنتقل من شدة الى شدة.
١٠٧ - وأنشد (٢):
وما الدّهر إلّا منجنونا بأهله
стр. 218
قال ابن جنى (في ذا القد) (١): قائله بعض بني سعد، وتمامه:
وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا
المنجنون، بفتح الميم، الدولاب الذي يستقى عليه، وجمعه مناجين، وهو مؤنث، أي: وما الزمان إلا يدور دوران منجنون، تارة يرفع وتارة يضع. فنصبه نصب المصدر. وقيل: بفعل محذوف، أي يشبه منجنونا. وزعم ابن بابشاذ أن أصله إلا كمنجنون، ثم حذف الجار فانتصب. ورواه المازني بلفظ:
أرى الدّهر إلّا منجنونا بأهله
ثم حكم بزيادة إلا، وخرجه غيره على إضمار لا كقوله: (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا) والدليل عليه الاستثناء المفرغ.
* * *
стр. 219
شواهد ألّا المفتوحة المشدّدة
١٠٨ - وأنشد:
ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إليّ فهلّا نفس ليلى شفيعها
هذا لقيس بن الملّوح، ويقال لابن الدمينة، ويقال للصمة بن عبد الله القشيري (١)، وبعده:
أأكرم من ليلى عليّ فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
استشهد النحاة بالبيت على تعدي نبّأ إلى ثلاثة مفاعيل، فالأول النائب عن الفاعل (٢)، والثاني ليلى، والثالث جملة أرسلت. واستشهد به المصنف وغيره على وقوع الجملة الابتدائية بعد (هلّا) فيقدر كان الثانية، أي فهلا كان الشأن نفس ليلى شفيعها. والجملة المذكورة في محل نصب خبر كان. وقال أبو حيان: قد تأوّل أصحابنا هذا البيت، على أن نفسا فاعل بفعل محذوف تقديره: فهلا شفعت نفس ليلى. وشفيعها خبر لمبتدأ محذوف، أي هي، أي نفسها شفيعها. وقوله:
(بشفاعة) قاله المرزوقي والتبريزي. والاستفهام في (أأكرم) للانكار، أنكر منها استعانتها بالغير عليه، وطلب الشفيع فيما أرادت إليه. وخبر (أكرم) محذوف، أي
стр. 220
موجودا وفي الدنيا. و (أم) متصلة أي: أيّ هذين توهمت طلب إنسان أكرم عليّ منها، أم اتهامها لطاعتي.
وقد أورد المصنف البيت الثاني في الكتاب الخامس على اشتراط الصفة لما وطئ به من خبر أو صفة أو حال. وفي أمالي ابن الشجري في البيت اعادة ضمير من أطيعها ضمير متكلم وفاقا لكنت، ولم يعد ضمير غائب وفاقا لامرئ، على حدّ (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ).
قال أبو رياش: كان من خبر هذه الأبيات، أن الصمّة بن عبد الله كان يهوى ابنة عمّ له، تسمى ريّا، فخطبها إلى عمه فزوّجه على خمسين من الابل، فجاء إلى أبيه فسأله فساق عنه تسعا وأربعين، فقال: أكملها، فقال: هو عمّك وما يناظرك في ناقة. فقال: والله ما قال هذا الا استخفافا بابنتي، والله لا أقبلها إلا كملا، فلجّ عمه ولجّ أبوه، فقال: والله ما رأيت ألأم منكما، وأنا ألأم منكما إن أقمت معكما.
فرحل إلى الشام فلقي الخليفة فكلمه، فأعجب به وفرض له فرضا، وألحقه بالفرسان.
فكان يتشوّق الى نجد، وقال هذا الشعر.
* * *
стр. 221
شواهد ألى
١٠٩ - وأنشد (١):
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني ... إلى النّاس مطليّ به القار أجرب
هذا من أبيات للنابغة الذبياني يخاطب بها النعمان بن المنذر، وأوّلها:
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني ... وتلك الّتي أهتمّ منها وأنصب
فبتّ كأنّ العائدات فرسنني ... هراسا به يعلى فراشي ويهشب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولكنّني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكّم في أموالهم وأقرّب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني ... إلى النّاس مطليّ به القار أجرب
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك حولها يتذبذب
فإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
стр. 222
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب؟
فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب
هذا آخر القصيدة فيما رأيته في ديوانه، رواية الأصمعي. وأوردها صاحب منتهى الطلب بتقديم وتأخير وزيادة. فجعل البيت المصدر به آخر القصيدة بعد قوله:
(فمثلك يعتب)، وجعل قوله: (ولست بمستبق) قبل قوله (ألم تر أن الله)، وجعل مطلع القصيدة:
أرسما جديدا من سعاد تجنّب ... عفت روضة الأجداد منها فيثقب
عفا آية ريح الجنوب مع الصبا ... وأسحم دان مزنه متصوّب
وبعد ثمانية أبيات. ثم قوله: (حلفت .. الخ) وأسقطت قوله: (فبت .. البيت) قوله: أبيت اللعن. هي تحية الملوك الجاهلية. وأنصب: أتعب. والعائدات:
الزائرات في المرض. وهراسا: شوكا. ويهشب: يجرّد. وقوله: (حلفت ...
الأبيات) استشهد بها أهل البديع على النوع المسمى عندهم بالمذهب الكلامي، وهو إيراد حجة للمطلوب على طريق أهل الكلام. وريبة: شك. ومذهب: طريق.
قال شارح ديوانه: أي لا يحلف بأعظم منه. والواشي: النمام. و. جانب: ناحية.
والمستراد: التصرف بالمجيء. والذهاب: من راد يرود. واصطنعتهم: أحسنت إليهم. وقوله:
فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
في زيارتك والوفادة إليك وترك بلادهم وملوكهم. والوعيد: التهديد. ومطلي:
مدهون. والقار: القطران ونحوه، مما يدهن به الأبل. وأجرب: ذو جرب، وهو داء معروف. والمعنى: كأنني في الناس جمل أجرب جعل عليه القار. وأورد التغلبي في تفسيره البيت شاهدا على وردد (الى) بمعنى (مع). وقال: أي مع الناس.
وقوله: (أعطاك سورة)، استشهد به أهل التفسير على أن السورة بلا همز، المنزلة
стр. 223
الرفيعة. واستشهدوا بعجزه على أن (الملك) بسكون اللام لغة في (الملك) بكسرها.
ويتذبذب: بمعجمتين، يضطرب. وقوله: (فانك شمس ... البيت) قال المبرد في الكامل (١): هذا من أعجب التشبيه. وقد سلكه البوصيري في البردة حيث قال في النبي ﷺ والنبيين:
فإنّه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للنّاس في الظّلم
والشعث: الفساد. ويقال اللهم ألمم شعثنا: أي أصلح أمرنا واجمعه. والمهذب:
المنقى من العيوب. وقوله: أي الرجال المهذب، اشتشهد به أهل المعاني على النوع المسمى عندهم بالتذييل، وهو تعقيب الكلام بجملة تؤكد معناه تجري مجرى المثل (٢).
والعتبى: المراجعة. ويعتب: يراجع. ورسم جديد من جد الأثر: أي درس. ويثقب:
جبل أو مكان (٣). وأسحم: سحاب أسود. ودان: قريب من الأرض.
١١٠ - وأنشد (٤):
تقول وقد عاليت بالكور فوقها: ... أيسقى فلا يروى إليّ ابن أحمرا
стр. 224
١١١ - (وأنشد:
أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره ... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل) (١)
هذا من قصيدة لأبي كبير بالموحدة وهو عامر بن الحليس، بمهملة مصغر، وقيل ابن جمرة، بالجيم والراء، هذلي جاهلي. وقبله، وهو مطلعها (٢):
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشّباب الأوّل
أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره ... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل
وبعده:
ذهب الشّباب وفات منّي ما مضى ... ونضا زهير كريهتي وتبطّلي
وصحوت عن ذكر الغواني وانتهى ... عمري وأنكرت الغداة تقتّلي
أزهير إن يشب القذال فإنّه ... رب هيضل لجب لففت بهيضل (٣)
ولقد سريت على الظّلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مهبّل
стр. 225
ممّن حملن به وهنّ عواقد ... حبك الثّياب فشبّ غير مثقّل
حملت به في ليلة مزؤودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل
فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
ومبرّأ من كلّ غبّر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
فإذا نبذت له الحصاة رأيته ... ينزو لوقعتها طمور الأجدل
وإذا يهبّ من المنام رأيته ... كرتوب كعب السّاق ليس بزمّل (١)
ما إن يمسّ الأرض إلّا منكب ... منه وحرف السّاق طيّ المحمل
وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوى مخارمها هويّ الأجدل
وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلّل
زهير: بالفتح، منادى مرخم، يريد زهيرة ابنته (٢). والرحيق: السهل. وقيل:
الخمر. والسلسل: سلس الدخول في الحلق، وقيل البارد اللين. وقيل العذب.
وقال أبو نصر: واليّ، بمعنى عندي. وعلى ذلك أورده المصنف، وتعقبه ابن الدمامينيّ بأن معنى أشهى إليّ: أحب إليّ. وقد عرّف أن إلى المتعلقة مما يفهم حبا أو بغضا، من فعل تعجب، أو اسم تفضيل. معناها البيتين، فعلى هذا يكون في البيت (على) بأنها مبنية أن عليه مجرورها وليست قسما آخر. ونضا: ذهب. وكريهتي: شجاعتي وشدتي. وتبطلي كذلك. وصحوت: كففت. والغواني: الشواب، ويقال اللواتي
стр. 226
قد غنين بأزواجهن، الواحدة غانية. والتقتل: التضرّع لهن (١). والقذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس، وهو أبطأ الرأس شيبا. ورب: بضم الراء وفتح الباء مخففة، لغة في رب. وقد استشهد الفارسي بالبيت على ذلك، وقال: القياس إنه إذا حذف المدغم فيه يبقى المدغم على السكون، إلا أنه لما لحقه الحذف والتأنيث أشبه الأسماء فحرّك آخره كما حرّك الآخر من ضرب. والهيضلة: الجماعة يغزى بهم، والجمع هيضل. وقال أبو عمر: والهيضل الشديد. واللجب: الشديد الصوت.
يقول: لففتهم بأعدائهم في القتال. وعلى الظلام: أي في الظلام. قال السكري: أقام حرفا عن حرف. قال التبريزي (٢): وموضعه نصب على الظرف أو الحال، أي وأنا على الظلام الضخم (٣). وضمير حملن: للنسوة (٤) ولم يجر لهنّ ذكر. وقد أورد المصنف هذين البيتين في الكتاب الثامن، مستدلا على تضمين (حمل) معنى على ذي، عدي بالباء، ولولا ذلك لعدى بنفسه، مثل: (حملته أمّه كرها) استشهد به ابن مالك على إعمال إسم الفاعل مجموعا جمع تكسير، لأن حبك منصوب بقواعد.
والمغشم، بكسر الميم وسكون الغين وفتح الشين المعجمتين: الذي لا يتجأجأ عن شيء. الجلد: الصلب القوي. والمهبل: الضخم، الكثير اللحم راكب له. والحبك:
الخيط الذي يشدّ به الثياب. قال الأصمعي: كان النساء ينتطقن بخيط أوتكة.
وقال غيره: الحبكة: الحجزة، يقول إنها حملت به وإزارها عليها لم تخلعه، أي أنها لم تكن من نفسها، وكان يقال: إذا حملت المرأة وهي مذعورة فأذكرت، جاءت به
стр. 227
ما لا يطاق. وقيل: إنه يأتي شبه أبيه. وغير مثقل: أي حسن القبول محبب إلى القلوب (١).
ومزؤدة: ذات فزع من الزؤد، وهو الذعر، وهو بالخبر صفة ليلة مجازا، وبالنصب حال من ضمير حملت، ككرها، وبالرفع صفة أقيمت مقام الموصوف (٢). وحوش الفؤاد:
بضم المهملة وآخره معجمة، حديد الفؤاد، كأنه وحشيّ من الذكاء والشهومة.
ونصبه على الحال. وقد أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا على أن اضافة الوصف لا تفيد التعريف. ومبطّنا: خميص البطن ضامرا، حال أيضا (٣). وسهدا:
بضمتين، لا ينام (٤). والهوجل: الثقيل الكسلان، وقيل: الأحمق. والاسناد في (نام ليل الهوجل) مجازي، أي نام الهوجل فيه. ومبرّأ: يروى بالجرّ عطفا على جلد. وبالنصب عطفا على غبّر. وغبّر: بقية. وحيضة، بكسر الحاء، للحالة التي لم تحمل به في بقية الحيض، ولا حملت عليه في الرضاع، فيفسد رضاعه.
والمغيل: بوزن مكرم بالكسر، من الغيل، بفتح المعجمة وسكون التحتية، وهو أن
стр. 228
ترضعه وهي حامل (١). وينزو: يثب من النشاط. والأخيل طائر (٢). ورتوب الكعب، بضم الراء والمثناة الفوقية آخره موحدة، انتصابه وقيامه. والزمّل، بضم الزاي وتشديد الميم: الضعيف النؤم. قوله (طيّ المحمل) نصب على المصدر، على حدّ له صوت صوت حمار. قال سيبويه: صار ما إن يمس الارض بمنزلة له
стр. 229
طي. والمحمل: حمالة السيف (١). والفجاج: الطرق. والمخارم: بالخاء المعجمة، منقطع أنف الجبل. والهويّ: السقوط. والأجدل: الصقر. وأسرّة وجهه:
الطرق التي في الوجه. والمتهلل: الذي يتهلل بالبرق، أي يضيء.
قال التبريزي (٢): سبب قول أبي كبير هذه الأبيات أنه تزوّج أمّ تأبط شرّا، وكان غلاما صغيرا، فلما رآه يكثر الدخول على أمه تنكر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع، فقال أبو كبير لأمه: قد رابني أمر هذا الغلام، ولا آمنه، فلا أقربك، قالت: فاحتل عليه حتى تقتله، فقال له ذات يوم: هل لك أن نغزو؟
قال: امض، فخرجا غازيين ولا زاد معهما، فسارا ليلتهما ويومهما من الغد، حتى ظن أبو كبير أن الغلام قد جاع، فقصد به أبو كبير قوما كانوا له أعداء، فلما رأى نارهم من بعيد قال له أبو كبير: ويحك!! قد جعنا، فلو ذهبت إلى تلك النار فالتمست منها لنا شيئا، قال: ويحك!! وأيّ وقت جوع هذا؟ قال: أنا قد جعت فاطلب لي، فمضى تأبط شرا فوجد على النار رجلين من ألصّ ما يكون من العرب، وإنما أرسله أبو كبير إليهما على معرفة، فلما رأياه قد غشى نارهما وثبا عليه، وكرّ ساعيا، واتبعاه فلما كان أحدهما أقرب إليه من الآخر عطف عليه فرماه فقتله، ورجع إلى الآخر فقتله، ثم جاء إلى نارهما وأخذ الخبز منها وجاء به إلى أبى كبير، فقال: كل لا أشبع الله بطنك. ولم يأكل هو، فقال: أخبرني كيف كانت قصتك قال: وما سؤالك عن هذا؟ كل ودع المسئلة. فدخلت أبا كبير منه خيفة، وأهمته نفسه، ثم سأله بالصحبة إلّا حدّثه كيف عمل، فأخبره فازداد له خوفا، ثم مضيا في غزاتهما، وأصابا إبلا ومكث به أبو كبير ثلاث ليال يقول له كل ليلة:
اختر أيّ نصف الليلة شئت تحرس فيه وأنام، وتنام النصف الآخر وأحرس، فقال:
ذلك إليك اختر أيهما شئت، فكان أبو كبير ينام إلى نصف الليل ويحرسه تأبط شرا، فإذا نام تأبط شرا ينام أبو كبير أيضا لا يحرس شيئا، حتى استوفى الثلاث، فلما كان
стр. 230
في الليلة الرابعة ظن أبو كبير أن النعاس قد غلب على الغلام، فنام أوّل الليل إلى نصفه وحرسه تأبط شرا، فلما نام
الغلام ظن أنه قد استثقل نوما فأخذ حصاة فرمى بها، فقام الغلام كأنه كعب، فقال: ما هذه الوجبة؟ قال: لا أدري والله صوت سمعته في عرض الأبل، فقام يعسّ فلم ير شيئا، فعاد فنام، ففعل أبو كبير مثل ذلك ثانيا وثالثا فقام إليه تأبط شرا وقال له: يا هذا، قد رابني أمرك، والله لئن عدت أسمع شيئا من هذا إلا قتلتك، فقال أبو كبير: فبتّ والله أحرسه خوفا أن يتحرّك شيء من الأبل فيقتلني، فلما رجعا إلى حيهما قال أبو كبير: إن أم هذا لامرأة لا أقربها أبدا، فقال الأبيات.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، والخطيب، وابن عساكر: بسند حسن عن عائشة، قالت: كنت قاعدة أغزل والنبي ﷺ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورا، فبهت، فقال: مالك بهت؟ قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم انك أحق بشعره حيث يقول:
ومبرّأ من كلّ غبّر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه ... برقت بروق العارض المتهلّل
فائدة: مطلع هذه القصيدة أورده ناظمها في عدة قصائد مغيرا منه الرويّ فقط، فقال أول قصيدة رائية (١):
أزهير هل عن شيبة من مقصر ... أم لا سبيل إلى الشّباب المدبر
فقد الشّباب أبوك إلّا ذكره ... فاعجب لذلك ذكر دهر واهكر
стр. 231
الهكر: أشد العجب.
وقال أول أخرى فائية (١):
أزهير هل عن شيبة من مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلّف
وقال أخرى ميممة (٢):
أزهير هل عن شيبة من معكم ... أم لا خلود لباذل متكرّم
معكم: مرجع. وهذا يسمى في علم البديع التفصيل، بصاد مهملة (٣).
* * *
стр. 232
شواهد أي بالفتح والسكون
١٢٢ - وأنشد:
ألم تسمعي أي عبد في رونق الضّحى ... بكاء حمامات لهنّ هدير
هو لكثير عزة، وبعده:
بكين فهيّجن اشتياقي ولوعتي ... وقد مرّ من عهد اللّقاء دهور
عبد: ترخيم عبده، اسم امرأة. ورونق الضحى: إشراقه وضوؤه. ويروى:
(في ريق الضحى) وريقه: أوله وعنفوانه، والضحى: حين تشرق الشمس. قال في الصحاح: هو مقطور، يذكر ويؤنث. فمن أنث ذهب إلى انه جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فعل، مثل صرد ونغر. والهدير: صوت الحمام.
واللوعة: حرقة قلب الحزين. والبيت أورده المصنف على أي للنداء: وقال الدماميني:
ليس في البيت ما يعين حال المنادي من قرب أو بعد أو توسط.
١١٣ - وأنشد (١):
وترمينني بالطّرف، أي أنت مذنب ... وتقلينني، لكنّ إيّاك لا أقلي
ترمينني: تشيرين إليّ. والطرف: البصر. وتقلينني: تبغضينني، يقال: قلاه يقليه قلى وقلا. ويقال في لغة طي: قلاه يقلاه. وقوله: (لكنّ اياك) قال الزمخشري:
стр. 233
لكن أنا، فحذف الهمزة وألقى حركتها على النون، فتلاقي النون فادغم. وإياك:
مفعول أقلى قدّم عليه لرعاية القافية. والمعنى: لكن أنا لا أقليك. والبيت استشهد به المصنف على وقوع أي تفسيرا للجمل. وقد استشهد ابن الشجري وغيره بالبيت على انه يقال قلى يقلي بالكسر.
* * *
стр. 234
شواهد أيّ المشددة
١١٤ - وأنشد (١):
تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما ... عليّ من الغيث استهلّت مواطره
تنظرت: انتظرت في مهلة. ونصر: اسم رجل. والسماكين: كوكبان، يقال لأحدهما الأعزل، وهو من منازل القمر. ويقال للآخر السماك الرامح، وليس من المنازل. وأيهما: مخفف أيهما، وهو محل الاستشهاد. واستهلت: صبت.
والمواطر: جمع ماطرة، صفة للسحائب، أي صبت سحائبه المواطر. وضمير أيهما عائد إلى الأمرين المذكورين، أحدهما نصر والآخر السماكان، والبيت أورده ابن مالك في شرح الكافية شاهدا على حذف أل من العلم بالغلبة دون نداء إضافة قليلا.
وأورده بلفظ:
انتظرت نصرا والسّماكين أيهما ... عليه من الغيث استقلّت مواطره
١١٥ - وأنشد (٢):
إذا ما لقيت بني مالك ... فسلّم على أيّهم أفضل
قال المصنف في شواهده: هو لرجل من غسان وفيه روايتان: إعراب (أي) وبناؤها على الضم، ولم يزد على ذلك. وقال العيني في شواهده: قاله غسان بن وعلة بن مرة، أحد بني مرة بن عباد. و (ما) زائدة، والفاء جواب إذا، لما فيها من معنى الشرط. وهذا البيت حجة على ثعلب في زعمه أن (أي) لا تكون الا استفهاما ما أوجزأ.
стр. 235
شواهد إذ
١١٦ - وأنشد (١):
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
هو من قصيدة للفرزدق يمدح بها عمر بن عبد العزيز، أوّلها:
تقول لمّا رأتني وهي طيّبة ... على الفراش ومنها الدّلّ والخفر
أصدر همومك لا يقتلك واردها ... فكلّ واردة يوما لها صدر
الى أن قال:
إذا رجى الرّكب تعريسا ذكرت لهم ... غيثا يكون على الأيدي له درر (٢)
سيروا فإنّ ابن ليلى عن أمامكم ... وبادروه فإنّ العرف يبتدر (٣)
стр. 236
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
ولن يزال إمام منهم ملك ... إليه يشخص فوق المنبر البصر
إن عاقبوا فالمنايا في عقوبتهم (١) ... وإن عفوا فذوو الأحلام إن قدروا
الدل: الغنج والشكل، يقال: دلت المرأة تدل بالكسر، وتدللت، وهي حسنة الدل والدلال. وجارية خفرة ومتخفرة. والتعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل. والدرر، بالكسر، جمع درة، يقال للسحاب درة أي صب. وابتدر الشيء:
بادر إلى أخذه، أي تسارع. وفي البيت شواهد، أحدها: استعمال أصبح بمعنى صار. ثانيها: اقتران جملة الحال الماضية بقد، فإن جملة قد أعاد أعربت حالا.
الثالث ورود (إذا) للتعليل. الرابع: نصب خبر (ما) مع تقدمة على اسمها، وهو نادر. وقيل: انه من غلط الفرزدق، لأنه تميمي، وليس لغته نصب الخبر، فقصد أن يتكلم باللغة الحجازية ولم يعلم شرطها فغلط. وقيل إن مثلهم نصب
على الحال لأنه صفة ليس وصف النكرة وإذا تقدمت عليها نصبت على الحال، والتقدير: وإذا ما في الدنيا بشر حال كونه مثلهم. وقيل: نصب على الظرف، والتقدير: وإذ ما مكانهم بشر، أي في مثل حالهم.
١١٧ - وأنشد (٢):
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا
هو مطلع قصيدة للأعشى، وبعده:
وقد رحلت المطيّ منتخلا ... أزجي ثقالا وقلقلا وقلا
стр. 237
بسير من يقطع المفاوز وال ... بعد إلى من يثيبه الإبلا
يكرمها ما ثوت لديه ويج ... زيها بما كان خفّها عملا
أبلج لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إلا (١)
استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولّى الملامة الرّجلا
قد علمت فارس وحمير وال ... أعراب بالدّشت أيّهم نزلا (٢)
ليث لدى الحرب أو تدوخ له ... قسرا وبذّ الملوك ما فعلا
والسفر: بفتح السين وسكون الفاء، جماعة، واحدها سافر، كصاحب وصحب، وراكب وركب. والسافر الذي خرج للسفر. والمهل: بفتح الميم والهاء، التؤدة وعدم العجلة. وأزجى: أسوق. وقلقل: فرس سريع. وقلا: بالكسر، إذا أحسن الدخول بين الجبال.
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن سماك بن حرب قال (٣): قال الأعشى: أتيت سلامة ذا فابش فأطلت المقام ببابه حتى وصلت اليه بعد مدة، فأنشدته:
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ في شعر من مضى مثلا
استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولّى الملامة الرّجلا
الشّعر قلّدته سلامة ذا ... فايش والشّيء حيث ما جعلا
قال: صدقت، الشيء حيث ما جعل، وأمر لي بمائة من الابل وكساني حللا وأعطاني كرشا مدبوغة مملوءة عنبرا فبعتها في الحيرة بثلاثمائة ناقة حمرا.
стр. 238
فائدة: [الأعشى]
الأعشى: اسمه ميمون (١) بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، يكنى أبا بصير.
امتدح النبيّ ﷺ بقصيدة وقدم ليسلم، فرآه كفار مكة، كما سيأتي ذكر قصته في حرف اللام عند شرح القصيدة المذكورة (٢). قال الآمدي في شرح ديوان الأعشى: كان الأعشى جاهليا كبير السن، وعاش حتى أدرك الاسلام في آخر عمره، ورحل الى النبيّ ﷺ من اليمامة ليسلم، فقيل له: إنه يحرّم الخمر والزنا، فقال: أتمتع منهما سنة ثم أسلم، فمات قبل ذلك بقرية من قرى اليمامة. وقيل إن خروجه الى النبي ﷺ كان في عام الحديبية، فمرّ بأبي سفيان بن حرب فسأله عن وجهه الذي قدم منه فعرّفه، ثم سأله: أين يقصد؟
فقال: أريد محمدا. فقال: انه يحرّم عليك الزنا والخمر والقمار. فقال له: أمّا الزنا فقد تركني ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منه وطرا، وأما القمار فلعلي أن أصيب منه خلفا. قال: فهل لك الى خير؟ قال: وما هو؟ قال: بيننا وبينه هدنة فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظهر أتيته، وإن ظهرنا كنت قد أصبت عوضا من رحلتك. قال: لا أبالي. فانطلق به أبو سفيان الى منزله وجمع له أصحابه وقال: يا معشر قريش، هذا أعشى بني قيس بن ثعلبة، وقد عرفتم شعره، ولئن وصل الى محمد ليضربن عليكم العرب بشعره، فجمعوا له مائة ناقة وانصرف، فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فوقصه فمات (٣).
وكان الأعشى يلقب صناجة العرب لأنه أول من ذكر الصنج في شعره (٤). وكان
стр. 239
الأعشى يفد على ملوك العرب وملوك فارس، فلذلك كثرت الفارسية في شعره.
قال: وكان أبو كلبة هجا الأعشى وهجا الأصم بن معبد فقال فيهما:
فتحتما شاعري حيّ ذوي حسب ... وحزّ أنفاكما حزّا بمنشار
أعني الأصمّ وأعشانا إذا ابتدرا ... إلّا استعانا على سمع وإبصار
فامسك عنه الأعشى فلم يجبه بشيء، وقال للأصم: أنت من بيت مشهور، وأبو كلبة رجل مرذول فلا تجبه فترفع عن قدره (١).
قالوا: والأعشى ممن أقرّ بالملكين الكاتبين في شعره، فقال في قصيدة يمتدح بها النعمان (٢):
فلا تحسبنّي كافرا لك نعمة ... عليّ شاهدي يا شاهد الله فاشهد (٣)
وقد كانت العرب ممن أقام على دين إسمعيل، إذا حلفت تقول: وحق الملكين.
فكان الأعشى ممن أقام على دين إسمعيل والقول بالأنبياء. قالوا: والأعشى ممن اعتزل وقال بالعدل في الجاهلية، من ذلك قوله:
استأثر الله بالوفاء ... البيت
وسلك الأعشى في شعره كل مسلك، وقال في أكثر أعاريض العرب، وليس ممن تقدم من فحول الشعراء أحد أكثر شعرا منه.
стр. 240
قالوا: وكانت العرب لا تعدّ الشاعر فحلا، حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره فلم يعدّوا امرأ القيس فحلا حتى قال (١):
والله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّجل
وكانوا لا يعدّون النابغة فحلا حتى قال (٢):
نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
وكانوا لا يعدّون زهيرا فحلا حتى قال (٣):
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على النّاس تعلم
وكانوا لا يعدّون الأعشى فحلا حتى قال:
قلّدتك الشّعر يا سلامة ذا ... فايش، والشّيء حيث ما جعلا
وقال أبو عبيد (٤): الأعشى هو رابع الشعراء المتقدمين، امرئ القيس والنابغة وزهير. قال: وكان الاعشى يقدم على طرفة لأنه أكثر عدد طوال جياد، وأوصف للخمر والحمر، وأمدح وأهجى، وأكثر أعاريض. وطرفة يوضع مع أصحابه، وهم أصحاب الوحدات، فمنهم: الحارث بن حلّزة، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وسويد بن أبي كاهل اليشكري، قال: وإنما فضل الأعشى على هؤلاء لأنه سلك أساليب لم
стр. 241
يسلكوها، فجعله الناس رابعا للأوائل بآخرة. واتفقوا على أن أشعر الشعراء واحدة في الجاهلية: طرفة والحارث بن حلّزة، وعمر بن كلثوم. ثم اختلفوا فيهم، ونظيرهم في الاسلام سويد بن أبي كاهل اليشكري. واتفقوا على أن أشعر شعراء الاسلام الفرزدق وجرير والأخطل، ثم اختلفوا فيهم. واتفقوا على أنّ الشعر في الاسلام في تميم وتغلب. وأن أشعر أهل المدر: أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف. وأشعر هؤلاء المدريين: حسان بن ثابت.
قال أبو عبيدة: وتقدم عبد الملك بن مروان الى الهيثم بن صالح مؤدّب ولده فقال: علمهم شعر الأعشى، فإني شبهته بالبازي يصيد ما بين الكركي الى العندليب.
قال الآمدي: ولشعر الأعشى طلاوة ليست لغيره من الشعر القديم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يفخم منه ويعظم محله ويقول: شاعر مجيد كثير الأعاريض والافتنان، وإذا سئل عنه وعن لبيد قال: لبيد رجل صالح، والأعشى رجل شاعر.
وأخرج البزار وأبو يعلى في مسنديهما عن أبي هريرة: رخص لنا رسول الله ﷺ في شعر جاهلي، إلا قصيدتين للأعشى زعم انه أشرك فيهما احداهما في أهل بدر، والأخرى في عامر وعلقمة.
فائدة: [العشي من الشعراء ستة عشر:]
العشي من الشعراء ستة عشر: هذا، وأعشى بني باهلة اسمه عامر، وأعشى بني نهشل الأسود بن يعفر، وفي الاسلام أعشى بني أبي ربيعة من بني شيبان، وأعشى همدان اسمه عبد الرحمن، وأعشى طرود من سليم، وأعشى بني مازن من تميم، وأعشى بني أسد، وأعشى ابن معروف اسمه خيثمة، وأعشى عكل اسمه كهمس، وأعشى بني عقيل اسمه معاذ، وأعشى بني مالك بن سعد، والأعشى التغلبي اسمه النعمان، وأعشى بني عوف بن همام واسمه ضابئ، وأعشى بني ضورة اسمه عبد الله، وأعشى بني جلان اسمه سلمة. نقلت ذلك من شرح الشواهد الكبير للعيني. ثم رأيت أبا القاسم الآمدي ذكر في المؤتلف والمختلف: العشى سبعة عشر، هؤلاء المذكورون، وقال في الرابع: أعشى بني ربيعة بن ذهل بن شيبان
стр. 242
واسمه عبد الله بن خارجة. وقال في أعشى بني أسد انه جاهلي، وهو ابن نجرة بن قيس. وقال في أعشى ابن معروف: اسمه طلحة، والسابع عشر الذي زاده: الأعشى ابن النباش بن زرارة التميمي.
١١٨ - وأنشد (١):
استقدر الله خيرا وارضيّن به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
أخرج أبو بكر محمد بن القاسم بن الأنباري بسنده الى هشام بن الكلبي، قال:
عاش عبيد بن شريّة الجرهمي ثلاثمائة سنة وأدرك الاسلام، ودخل على معاوية، وهو خليفة، فقال: حدثني بأعجب ما رأيت؟ فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب إنّك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنّك اليوم تذكير
قد بحت بالحبّ ما تخفيه من أحد ... حتّى جرت بك إطلاقا محاضير
تبغي أمورا فما تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير (٢)
فاستقدر الله خيرا وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط (٣) ... إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور
حتّى كأن لم يكن إلّا تذكّره ... والدّهر أينما حال دهارير
стр. 243
فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا البيت؟ قلت: لا، قال: إن قائله هو الذي دفنّاه الساعة، وأنت الغريب تبكي عليه ليس تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أمسّ الناس رحما به، وأسرّهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا.
فمن الميت؟ قال: عتير بن لبيد العذري، انتهى.
أخرجه ابن عساكر من طريق أخرى، وفيه أن صاحب الجنازة والأبيات رجل من بني عذرة يقال له حريث بن جبلة (١)، وبذلك جزم الزمخشري في شرح شواهد سيبويه. اطلاق: جمع طلق، بفتحتين، يقال: جرى الفرس طلقا أو طلقين، أي شوطا أو شوطين. والمحاضير: جمع محضير بكسر الميم، وهو الفرس الكثير العدو.
واستقدر: طلب تقدير الخير. والمياسير: جمع ميسور، بمعنى اليسر. ويغتبط:
مسرور. والرمس: القبر. وتعفوه: تزيل أثره. والأعاصير: جمع اعصار، وهي ريح.
ثم رأيت الزبير بن بكار أخرج في الموفقيات عن الكلبي قال: لما هلك حنظلة بن نهد بن زيد (٢) لم يدفن ثلاثة أيام حتى أتاه من كل أوب، وأتاه من كل حي وجوههم، فقامت الخطباء بالتعزية، وقيلت فيه الأشعار حتى عدّ ذلك اليوم
من بعض مواسم العرب. فلما ووري في حفرته قام جديلة بن أسد بن ربيعة (٣) فقال: أيها الناس، هذا حنظلة بن نهد فكّاك الأسير، وطارد العسير، فهل منكم اليوم مجاز بفعله، أو حامل عنه من ثقله، كلا وأجل، إن مع كل جرعة لكم شرقا، وفي كل أكلة لكم غصصا، لا تنالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل معمّر يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا يجد لذة زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، ولا يحيى له أثر إلا مات أثر، ان في هذا لعبرا ومزدجرا لمن نظر، لو كان أصاب أحد إلى البقاء سلما ووجد الى المرحل عن الفناء سبيلا، لكان ابن داود المقرون له النبوة بملك الجن والانس، ثم أنشأ يقول:
стр. 244
وهذا صاحب الملكين أضحى ... تخرّق في مصانعه المنون
فكان عليه للأيّام دين ... فقد قضيت عن المرء الدّيون
وخانته العصا من بعد ما قد ... أتى ميتا له حين فحين
على الكرسيّ معتمدا عليه ... يرفّ الخدّ منه والجبين
يسير بشرجع لا شيء فيه ... تحار الشّمس فيه والعيون
وتضحى الجنّ عاكفة عليه ... كما عكفت على الأسد العرين
وسخرت العيون له جميعا ... عليه الطّير عاكفة عرين
فلم أر مثله حيّا وميتا ... على الأيّام كان ولا يكون
فدان له الخلائق ثمّ هبّوا ... ودان فيما قد يدين
بنى صرحا له دون الثّريّا ... وأجري تحته الماء المعين
تراه متقنا لا عيب فيه ... يخال بصرحه الذّهن الذّهين
وقد ملك الملوك وكلّ شيء ... تدين له السّهولة والحزون
فأفنى ملكه مرّ اللّيالي ... وخون الدّهر فيما قد يخون
وكلّ أخي مكاثرة وعزّ ... إلى ريب الحوادث مستكين
كذاك الدّهر يفني كلّ حيّ ... ويعقب بعد قوّته اليقين
ثم قام ابن كثير بن عذرة بن سعد بن تميم فقال: أيها الناس هذا حنظلة بن نهد معدن الحكماء، وعز الضعفاء، ومعطي اليانع، ومطعم الجائع، فهل منكم له مانع؟
стр. 245
أو لما حل به دافع! أيها الناس، إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نك شيئا، وسنعود الى ذلك. أن العواري اليوم والهبات غدا. ورثنا من قبلنا ولنا وارثون، ولا بد من رحيل عن محل نازل، ألا وقد تقارب سلب فاحسن أو اهبط أجوى، وقد أصبحتم في منزل لا يستتب فيه سرور بيسر إلا تبعه حصير عسر، ولا تطول فيه حياة مرجوّة إلا اخترمها موت مخوف، ولا يوثق فيه بخلف باق إلا ويستتبعه سابق ماض، فأنتم أعوان للحتوف على أنفسكم، لها بكل سبسب منكم صريع مجتزر، معازب منتظر، فهذه أنفسكم تسوقكم الى الفناء، فلم تطلبون البقاء! اطلبوا الخير ووليه، واحذروا الشرّ وموليه، واعلموا أن خيرا من الخير معطيه، وأن شرا من الشر فاعله، ثم أنشأ يقول:
يا قلب إنّك من أسماء مغرور ... الأبيات
١١٩ - وأنشد «١»:
هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا ... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
قال الدماميني: الأفنان، إما جمع فنّ، وهو الغصن الملتف، أو جمع فنّ، وهو الحال والنوع. ونصبه على الحال من ليال، وإن كان نكرة لتخصصها. وعامل (إذ) منقلب، واسم الاشارة الأول أشير به الى العيش باعتبار حاله، والثاني المحذوف أشير به الى حال الأفنان، والجملة المقترنة بالواو حال من ضمير مضين. والمعنى:
هل ترجع ليالينا حال كونها مثل الأغصان الملتفة في نضارتها وحسنها، أو حال كونها ذات فنون من الحسن وضروب شتى من اللذة، وهذه الليالي هي اللاتي مضين في حال إن عيشنا منقلب من طور الى طور، إذ حال ذلك العيش مثل حال تلك الاغصان في الرونق والبهجة، أو مثل تلك الفنون المختالة في الحسن، انتهى كلام الدماميني.
ثم رأيت في الاغاني ما يدل على ان هذا البيت لعبد الله بن المعتز وأورد عجزه بلفظ (١):
стр. 246
والدّار جامعة أزمان أزمانا
فالبيت اذا ليس من شرط هذا الكتاب (١).
١٢٠ - وأنشد:
كانت منازل ألّاف عهدتهم ... إذ نحن إذ ذاك دون النّاس إخوانا
قال ابن الشجري في أماليه (٢): هو للاخطل. قال: وخبر المبتدأين اللذين هم:
(نحن وذاك) محذوفان. أراد عهدتهم إخوانا إذ نحن متآلفون، أو متآخون. يدل على التقدير الأول، ذكر الألّاف، وعلى الثاني، ذكر الأخوان. وأراد: إذ ذاك كائن، ولا يجوز أن يكون (إذ ذاك) خبر نحن، لأن ظروف الزمان لا يصح الاخبار بها عن الأعيان (فلو قلت: زيد أمس، لم يحصل بذلك فائدة) (٣). و (إذا) الاولى ظرف لعهدتهم، وأما الثانية، فيعمل فيها الخبر المقدر، الذي هو متآلفون أو متآخون. وأما قوله:
دون الناس، فيحتمل أن يكون العامل فيه (عهدتهم)، ويحتمل أن تعلقه بالخبر المقدر (٤)، كأنك قلت متألفون دون الناس، ويجوز تعلقه بمحذوف غير الخبر المقدر، على أن يكون في الأصل صفة لاخوان، كأنه قال: عهدتهم إخوانا دون الناس، أي متصافين دون الناس، فلما قدم على الموصوف، صار حالا. وجاز جعله وصفا لعين، وحالا منه، لأنه ظرف مكاني. (فأن قيل): إلام توجهت الاشارة بذلك؟ (فالجواب): إلى التجاور الذي دل عليه ذكر المنازل، انتهى كلام ابن الشجري.
стр. 247
١٢١ - وأنشد (١):
لميّة موحش طلل
هو لكثير عزّة، وتمامه:
يلوح كأنّه خلل
ميّة: بفتح الميم وتشديد المثناة التحتية، اسم امرأة. والطلل: ما شخص من أثار الدار. والموحش: المنزل الذي
صار وحشا، أي قفرا لا أنيس به. ويلوح يلمع. وخلل: بكسر الخاء المعجمة، جمع خلّة بالكسر أيضا، بطان كانت يغشى بها أجفان السيوف، منقوشة بالذهب وغيره. وجعله الدماميني بالجيم، وفسره بالحقير، وهو تصحيف منه. وجملة (يلوح) صفة طلل. والبيت استشهد به المصنف على تقدم الحال على صاحبها النكرة. وقيل: إنه ليس منه، وان الحال هنا من الضمير في الخبر، لا من النكرة (٢). ورأيت الزمخشري في شواهد سيبويه أنشد المصراع هكذا:
لغيره موحشا طلل قديم (٣)
١٢٢ - وأنشد:
كأن لم يكونوا حمى يتّقى ... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا
стр. 248
هذا من أبيات للخنساء ترثي بها أخويها وزوجها، وأوّلها:
تعرّقني الدّهر نهسا وحزّا ... وأوجعني الدّهر قرعا وغمزا
وأفنى رجالي فبادوا معا ... فغودر قلبي بهم مستفزّا (١)
لذكر الّذين بهم في الهيا ... ج للمستضيف إذا خاف عزّا
وهم في القديم سراة الأدي ... م والكائنون من الخوف حرزا (٢)
كأن لم يكونوا حمى يتّقي ... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا
وكانوا سراة بني مالك ... وفخر العشيرة مجدا وعزّا (٣)
وهم منعوا جارهم والنّسا ... ء يحفز أحشاءها الخوف حفزا
غداة لقوهم بملمومة ... رداح تغادر للأرض ركزا
وخيل تكدّس بالدّارعين ... تحت العجاجة يجمزن جمزا
ببيض الصّفاح وسمر الرّماح ... فبالبيض ضربا وبالسّمر وخزا
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
نعفّ ونعرف حقّ القرى (٤) ... ونتّخذ الحمد ذخرا وكنزا
وقال المبرّد في الكامل (٥): كان سبب قتل صخر بن عمرو بن الشّريد أخى الخنساء: أنه جمع جمعا وأغار على بني أسد بن خزيمة، فنذروا به، فالتقوا
стр. 249
فاقتتلوا قتالا شديدا، فارفضّ أصحاب صخر عنه، وطعن طعنة في جنبه فاشتغل بها (١)، فلمّا صار إلى أهله يتعالج منها، فنتأ من الجرح كمثل اليد، فأضناه ذلك حولا، فسمع سائلا يسأل امرأته وهو يقول: كيف صخر اليوم؟ فقالت:
لا ميّت فينعى، ولا صحيح فيرجى، فعلم صخر أنها قد برمت به، فقطع ذلك الموضع فمات (٢).
قال ابن الشجري في أماليه، شارحا هذه الأبيات: (٣)
قولها: تعرّقني الدهر، (البيت، العظيم بما عليه من اللحم، وجمعه عراق، وهو أحد الأسماء التي جاء جمعها على فعال بضم الفاء عن ابن السكيت) (٤)، يقال: تعرّقت العظم، إذا أخذت ما عليه من اللحم، ويقال للعظم الذي أخذ لحمه:
العراق. والنهس، بالمهملة، القبض على اللحم بالأسنان، ومثله النهش، بالمعجمة.
وقيل بل النهس بمقدم الفم، والحز: قطع غير نافذ (٥). والقرع: مصدر قرعته بالعصا وبالسيف (٦). والغمز:
غمزك الشيء اللين بيدك. وأرادت أن الدهر
стр. 250
أوجعها بكبار نوائبه وصغارها. ونصب (نهسا وحزا) على المصدر لفعل مضمر، أي نهسني وحزني، أو على الحال، أو على حذف الجار، أي بنهس وحزأ، وعلى التمييز لأن التعرق لما احتمل أكثر من وجه، فجاز أن يكون بالنهس، وأن يكون بالحزأ والكشط أو غير ذلك، كأن ذكر كل واحد منها تبيينا. والأوجه الأربعة، تأتّى في نص قرعا وغمزا. وأعادت لفظ الدهر ولم تضمره تعظيما للأمر. قولها:
وأفنى رجالي فبادوا معا
أورده المصنف في حرف الميم شاهدا على نصب (مع) على الحال. قولها:
مستفزا: أي مستخفا. قولها:
هم في القديم سراة الأديم
فيه الترصيع، وسراة الشيء: ظاهره. والحمى: نقيض المباح. وعز هنا معناه: غلب، من قول الله: (وعزني في الخطاب). وبز معناه: سلب، ومن في البيت، موصول رفع بالابتداء، وبزخبرها، والعائد إلى الناس محذوف، أي من عزّ منهم. ولا يجوز أن يكون إذ ذاك خبرا عن الناس، لأن ظروف الزمان لا يخبر بها عن الأشخاص، بل هو متعلق ببز، ولا يجوز أن يكون (من) شرطا، لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله، و (ذاك) في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أي إذ ذاك كائن أو موجود، ولا يجوز ان يكون في محل خبر، لأن إذ لا تضاف إلا الى جملة. وسراة القوم: سادتهم ذوو السخاء والمروءة، واحدهم سري. ونصب (مجدا وعزا) على التمييز. والحفز، بحاء مهملة وفاء وزاي، الدفع (١): وملمومة: الكتيبة التي كثر عددها، واجتمع فيها المقنب إلى المقنب. والرداح: الكثيرة الفرسان (٢). والركز الصوت الخفي. والتكدس: