← Адаб

Адаб · id 17724

شرح شواهد المغني

الجلال السيوطي

Полный текст (981 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا وإلّا السّماء والبلاد وربّنا ... وأيّامنا معدودة واللّياليا أراني إذا ما شئت لاقيت آية ... تذكّرني بعض الّذي كنت ناسيا ألم تر أنّ الله أهلك تبّعا ... وأهلك لقمان بن عاد وعاديا وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى ... وفرعون جبّار معا والنّجاشيا (١) ألا لا أرى إذا إمّة أصبحت به ... فتتركه الأيّام وهي كما هيا ألم تر للنّعمان كان بنجوة ... من الشّرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا (٢) فغيّر عنه رشد عشرين حجّة ... من الدّهر يوم واحد كان غاويا فلم أر مسلوبا له مثل ملكه ... أقلّ صديقا صافيا ومواليا (٣) فأين الّذين كان يعطي جياده ... بأرسانهنّ والحسان الحواليا وأين الّذين كان يعطيهم القرى ... بغلّاتهنّ والمئين الغواليا وأين الّذين يحضرون جفانه ... إذا قدّمت ألقوا عليها المراسيا رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيّته لمّا رأوا أنّها هيا خلا أنّ حيّا من رواحة حافظوا ... وكانوا أناسا يتّقون المخازيا (٤)

стр. 282

يسيرون حتّى حبّسوا عند بابه ... ثقال الرّوايا والهجان المتاليا فقال لهم: خيرا وأثنى عليهم ... وودّعهم وداع أن لا تلاقيا وأجمع أمرا كان ما بعده له ... وكان إذا ما احلولج الأمر ماضيا قال ثعلب في شرح ديوان زهير: أنكر الأصمعي كون هذه القصيدة لزهير (١). قوله: أراني إذا ما بتّ بتّ على هوى ... فثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا يقول: إن له حاجة لا تنقضي أبدا (٢). وقد أورد المصنف هذا البيت في (ثم) مستشهدا به على دخول العاطف عليها. وقال السيرافي: الأجود، فثم، بفتح الثاء، لكراهة دخول عاطف على عاطف. قوله: كأني وقد خلفت .. البيت. يقول: لا أجد مسّ شيء قد مضى. قوله: ولا سابق شيئا إذا كان جائيا أورده المصنف شاهدا على إبطال قول من قال إن ناصب (إذا) ما في جوابها من فعل وشبهة، لأن تقدير الجواب في البيت: إذا كان جائيا فلا أسبقه. ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئا وقت مجيئه، لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه. وأورده غيره شاهدا على جر المعطوف، لتوهم دخول الباء في المعطوف عليه، وهو خبر ليس.

стр. 283

ورأيته في شرح ثعلب بلفظ: ولا سابقي شيء (١). ولا شاهد فيه على هذا. وتلعة: بفتح المثناة والعين المهملة بينهما لام ساكنة، اسم ما علي من مسيل الوادي، وما سفل. وعاديا: هو أبو السموأل، كان له حصنين أحدهما يقال له الأبلق، ونجوة: بالجيم، أي ارتفاع. والمئين الغواليا: الأبل الغالية الأثمان. ويقال: بدا لي في هذا الأمر بداء: أي نشأ لي فيه رأي (٢). وألقوا عليها المراسيا: أي ثبتوا عليها وأكلوا مثل المرسى للسفينة. وقوله: لم يشركوا .. البيت (٣): أي لم يواسوه في الموت. والمتالي: التي يتبعها أولادها. واخلولج الأمر: التوى ولم يستقم على جهة لاختلاف الآراء فيه. قال ثعلب: سبب قول زهير هذه القصيدة، أن كسرى طلب النعمان بن المنذر ليقتله، ففرّ فأتى طيّا، فسألهم أن يدخلوه جبلهم، فأبوا، فلقيه بنو رواحة، من عبس، فقالوا له: أقم فينا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال: لا طاقة لكم بكسرى. وأثنى عليهم خيرا. فائدة: قوله: كأني وقد خلعت ... البيت. أورده عليه عمرو بن قمئة فقال في قصيدة لسميّه: كأنّي وقد جاوزت تسعين حجّة ... خلعت بها يوما عذار لجام ١٣١ - وأنشد (٤): متى تردن يوما سفار تجد بها ... أديهم يرمي المستجيز المعوّرا

стр. 284

هو للفرزدق. قال الآمدي في المؤتلف والمختلف (١): وأديهم المذكور، هو أديهم بن مرداس، وأخو عتبة بن مرداس (٢) أحد بني كعب بن عمرو بن تميم بن مرّ. كان أديهم شاعرا خبيثا. والمستجيز الذي يأتي القوم يستسقيهم ماء ولبنا، وسفار ماء لهم (٣). اه. والبيت: أورده المصنف على أن يوما ظرف ثان لترد، ولا يجوز كونه ظرفا لتجد، لئلا ينتقل ترد من معموله، وهو سفار بالاجنبي، ولا بدلا من (متى) لعدم اقترانه بحرف الشرط. وأورده في الصحاح بلفظ (متى ما ترد) وقال: سفار مثل قطام، اسم بئر. وقال في فصل العين: قال أبو عبيدة: يقال للمستجيزي الذي يطلب الماء، إذا لم يسقه: قد عورت شربه، وأورد البيت. والمستجيز، بالجيم والزاي، والمعوّر، بالمهملة وفتح الواو المشددة، اسم مفعول. ١٣٢ - وأنشد: من يفعل الحسنات الله يشكرها تقدم شرحه في شواهد من (٤). ١٣٣ - وأنشد: ونحن عن فضلك ما استغنينا هو من رجز لعبد الله بن رواحة الصحابي ﵁، كان حدا به في زمن النبي ﷺ ، وتمثّل به النبيّ ﷺ . وأخرج مسلم والبيهقي في الدلائل، وابن سعد في طبقاته، واللفظ له، عن سلمة بن الأكوع قال: لما خرج عامر بن الأكوع إلى خيبر جعل يرجز بأصحاب النبي

стр. 285

صلّى الله عليه وسلّم يسوق به الركاب، وهو يقول (١): تالله لولا الله ما اهتدينا ... وما تصدّقنا وما صلّينا الكافرون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبّت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت النبيّ ﷺ يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة، يقول: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا الأبيات ... وأخرج ابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: لو حرّكت الركاب؟ فقال: لقد تركت قولي. فقال له عمر: اسمع وأطع، فقال: اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... الأبيات فقال رسول الله ﷺ : اللهم ارحمه. فقال عمر: وجبت. فائدة: [عبد الله بن رواحة] عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، أبو محمد،

стр. 286

ويقال أبو رواحة، ويقال أبو عمرو (١) شهد بدرا والعقبة. وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة مؤتة، واستشهد به سنة سبع. قاله ابن عساكر، وله رواية، روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار، ولم يدركه أحد منهم، فهو أحد من أسند من الصحابة الذين ماتوا في حياة النبيّ ﷺ . أخرج ابن عساكر من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن رواحة قال: نهي النبيّ ﷺ ، أن يطرق الرجل أهله ليلا. وأخرج من طريق عكرمة عن عبد الله بن رواحة قال: نهانا رسول الله ﷺ ، أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب. قال ابن سعد: عبد الله بن رواحة في الطبقة الأولى من أهل بدر، وليس له عقب، وهو خال النعمان بن بشير، وكان يكتب في الجاهلية، وكانت الكتابة في العرب قليلة، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وعمرة القضاء، واستخلفه القضاء رسول الله ﷺ على المدينة حين خرج إلى بدر الصغرى، وبعثه سرية في ثلاثين راكبا الى أسير زارم اليهودي (٢) بخيبر فقتله. وبعثه الى خيبر خارصا فلم يزل يخرص عليهم الى أن قتل بمؤتة (٣). وقال أبو نعيم: روى عنه ابن عباس وأنس وأسامة. وقال قتيبة: كان ابن رواحة أخا أبى الدرداء لأمه. ومن مناقبه ما أخرجه ابن عساكر عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : نعم عبد الله بن رواحة.

стр. 287

وأخرج عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : رحم الله ابن رواحة، كان أينما أدركته الصلاة أناخ. وأخرج عن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فأمرنا أن نصلي على ظهور رواحلنا ففعلنا، ونزل ابن رواحة فصلّى في الأرض، فسعى به رجل من القوم، فبعث إليه فقال: ليأتينكم وقد لقن حجته. فأتاه، فقال له: أمرت الناس أن يصلوا على ظهور رواحلهم، فنزلت وصلّيت في الأرض. فقال: يا رسول الله، لأنك تسعى في فك رقبة قد فكها الله، وأنا إنما نزلت لأسعى في رقبة لم تفك. فقال: ألم أقل لكم انه سيلقن حجته. وأخرج ابن عساكر، بسند فيه الكريمي، عن حسن بن علي، قال: قال رسول الله، ﷺ ، لعبد الله بن رواحة: ما الشعر؟ قال: شيء يختلج في صدر الرجل، فيخرجه على لسانه شعرا. وأخرج عن هشام بن حسان قال: قال عبد الله بن رواحة للنبي ﷺ (١): فثبّت الله ما أتاك من حسن ... كالمرسلين ونصرا كالّذي نصروا فقال له النبي ﷺ : وإياك يا سيد الشعراء (٢). وأخرج عن محمد بن سيرين: كان شعراء أصحاب محمد ﷺ : عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك. وأخرج أبو يعلي عن أنس قال: دخل النبيّ ﷺ

стр. 288

مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه وهو يقول (١): خلّوا بني الكفّار عن سبيله، ... اليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله (٢) فقال عمر: يا ابن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟ فقال النبي ﷺ : خلّ عنه يا عمر، فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل. وأخرج ابن عساكر عن عبد العزيز بن أخي الماجشون قال (٣): بلغنا أنه كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرّها سرّا عن أهله، فبصرت به امرأته يوما قد خلا بها، فقالت: لقد اخترت أمتك على حرّتك؟ فجاحدها ذلك. قالت: فإن كنت صادقا فاقرأ آية من القرآن، فقال: شهدت بأنّ وعد الله حقّ ... وأنّ النّار مثوى الكافرينا فقالت: زدني في آية أخرى. فقال:

стр. 289

وأنّ العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش ربّ العالمينا فقالت: زدني آية أخرى، فقال: وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مقرّبينا فقالت: آمنت بالله وكذّبت البصر. فأتى ابن رواحة رسول الله ﷺ فحدّثه، فضحك ولم يغير عليه (١). وأخرج ابن عساكر عن عكرمة، مولى ابن عباس: أن عبد الله بن رواحة كان مضجعا الى جنب امرأته، فخرج الى الحجرة فواقع جارية له، فاستيقظت المرأة ولم تره، فخرجت، فإذا هو على بطن الجارية فرجعت، فأخذت الشفرة، فلقيها ومعها الشفرة فقال لها: مهيم مهيم، فقالت: مهيم، أما أني لو وجدتك حيث كنت لوجأتك بها: قال: وأين كنت؟ قالت: على بطن الجارية. قال: ما كنت؟ قالت: بلى، فإن رسول الله ﷺ نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، فقالت: اقرأه. فقال: أتانا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مشهور من الصّبح ساطع أتانا بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا اشتعلت بالكافرين المضاجع قالت: آمنت بالله وكذبت بصري. قال: فغدوت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فضحك حتى بدت نواجذه. وأخرج ابن عساكر عن الهيثم بن عدي قال: ذكروا أن عبد الله بن رواحة ابتاع جارية، وكتم ذلك امرأته وقد بلغها، فقالت، له ذات يوم، وبلغها انه كان عندها:

стр. 290

إنه بلغني عنك أنك ابتعت جارية. فقال لها: ما فعلت. قالت: بلى، وقد بلغني أنك كنت عندها اليوم، ولا أحسبك إلّا جنبا، فإن كنت صادقا فاقرأ آيات من القرآن. فقال: شهدت بأنّ وعد الله حقّ ... الأبيات قالت: أما إذا قرأت القرآن فإني قد عرفت انه مكذوب عليك. قال: فافتقدته ذات ليلة فلم تجده على فراشها، فلم تزل تطلبه حتى رأته في ناحية الدار فقالت: الآن صدقت ما بلغني، فجحدها. فقالت: إقرأ آيات من القرآن إن كنت صادقا، فقال: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إدا انشقّ معروف من الصّبح ساطع الأبيات ... فحدث رسول الله ﷺ بذلك فضحك حتى ردّ يده على فيه وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله لك يا ابن رواحة، ان خياركم خيركم لنسائه، فأخبرني ما الذي ردّت عليك حيث قلت ما قلت، قال: قالت لي: أما اذا قرأت القرآن فإني أتهم ظني، وأصدقك. فقال رسول الله ﷺ : لقد وجدتها ذات فقه في الدين. وأخرج (١) ... عن أبي هريرة أنه قال في قصصه، وهو يذكر رسول الله ﷺ : ان أخا لكم لا يقول الرفث، يعني بذلك عبد الله بن رواحة، حيث يقول: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... الأبيات وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن عروة، قالت لما نزلت: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله اني منهم. فأنزل الله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...) (٢) حتى ختم الآية.

стр. 291

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال «١»: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة، فقال لها: تدرين لم تزوجتك؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله بن رواحة في بيته. فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل داره صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبدا. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١): أنّ عبد الله بن رواحة أتى النبيّ ﷺ ، ذات يوم وهو يخطب، فسمعه يقول: اجلسوا. فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ النبيّ ﷺ من خطبته. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، عن هشام بن عروة عن أبيه. قال (٢): ما سمعت بأحد أجرأ ولا أسرع شعرا من عبد الله بن رواحة يوم يقول له رسول الله ﷺ : قل شعرا تقتضيه الساعة وأنا أنظر اليك، ثم أبدّه بصره، فانبعث عبد الله بن رواحة يقول: إنّي تفرّست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم ما إن خانني بصر (٣) أنت النّبيّ ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أرزى به القدر فثبّت الله ما أتاك من حسن ... كالمرسلين، ونصرا كالّذي نصروا فقال رسول الله ﷺ : وأنت فثبتك الله. قال هشام بن عروة: فثبته الله أحسن ثبات، فقتل شهيدا، وفتحت له الجنة فدخلها.

стр. 292

١٣٤ - وأنشد: ألا إنّ قرطا على آلة ... ألا إنّني كيده ما أكيد (١) هذا للأخرم السنبسي، وبعده: بعيد الولاء بعيد المحل ... من ينأ عنك فذاك السّعيد وعز المحل لنا بائن ... بناه الإله ومجد تليد ومأثرة المجد كانت لنا ... وأورثناها أبونا لبيد قرط: رجل من سنبس، والآلة: الحالة، ولا يقال بغيرها. و (ما) زائدة، لا نافية، لأن (ما) خبرها لا يعمل فيما قبلها، ولا موصولة ولا مصدرية، لئلا يتقدم الصلة على الموصول. والمعنى: اني أكيد كيده كما يكيدني لأكون خيرا منه (٢). وبعيد الولاء: خبر هو مقدر. وقوله: (من ينأ عنك) على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وبائن: ظاهر. وبناه: خبر ثان، أو حال من ضمير بائن. ومجد: عطف على فاعل بناه، أو مستأنف، أو لنا مجد تليد. والمآثر: المكارم، لأنها تؤثر، أي تروى وتنقل. ١٣٥ - وأنشد: آليت حبّ العراق أطعمه (٣) هو للمتلمّس، وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عمر بن شبّة قال (٤):

стр. 293

كان طرفة بن العبد وخاله المتلمّس وفدا على عمرو بن هند، فنزلا منه خاصة ونادماه، ثم أنهما هجواه بعد ذلك، فكتب لهما كتابين إلى البحرين وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فأشخصا لتقبضاها. فخرجا من عنده، والكتابان في أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق منكشفا يقضي حاجته، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى، فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذا الشيخ؟ فسمع الشيخ مقالته فقال: ما ترى من عجبي؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوّا، وانّ أعجب منّي لمن يحمل حتفه بيده وهو لا يدري. فأوجس المتلمس في نفسه خيفة وارتاب بكتابه. ولقيه غلام من الحيرة فقال: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففض خاتم كتابه ودفعه الى الغلام فقرأه عليه، فإذا فيه: اذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حيّا. فأقبل على طرفة فقال: تعلم والله، لقد كتب فيك بمثل هذا. فلم يلتفت الى قول المتلمس، وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة وقال: من مبلغ الشّعراء عن أخويهم ... أمّا فيصدقهم بذاك الأنفس أودى الّذي علق الصّحيفة منهما ... ونجا، حذار حبائه المتلمّس أطريفة بن العبد إنّك حائن ... أبساحة الملك الهمام تمرّس ألق الصّحيفة، لا أبالك، إنّه ... يخشى عليك من الحباء النّقرس ومضى طرفة بكتابه إلى صاحب البحرين فقتله، فقال المتلمس: عصاني، فما لاقى رشادا وإنّما ... يبين من الأمر الغويّ عواقبه فأصبح محمولا على ظهر آلة ... يمجّ نجيع الجوف منه ترائبه وهرب المتلمس فلحق بالشام، وقال يهجو عمرو بن هند (١): إنّ العراق وأهله كانوا الهوى ... فإذا نبا بي أهله فليبعد

стр. 294

فلتركبن منهم بليل يا فتى ... تدع السّماك وتهتدي بالفرقد (١) لبلاد قوم لا يرام هديّهم ... وهديّ قوم آخرين هو الرّدي كطريفة بن العبد كان هديّهم ... ضربوا صميم قذاله بمهنّد (٢) إنّ الخيانة والمغالة والخنا ... والغدر اتركه ببلدة مفسد ملكا يلاعب أمّه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمرود (٣) بالباب يرصد كلّ طالب حاجة ... فإذا خلا فإلمرء غير مسدّد فبلغ شعره عمرا فآلى إن وجده بالعراق ليقتله، فقال المتلمس: آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه ... والحبّ يأكله في القرية السّوس لم تدر بصرى بما آليت من قسم ... ولا دمشق إذا ديس الكداديس يال بكر ألا لله أمّكم ... طال الثّواء وثوب العجز ملبوس أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكم ... واستحمقوا في مراس القوم أو كيسوا شدّوا الرّحال على بزل مخيّسة ... والضّيم ينكره القوم المكاييس (٤)

стр. 295

وأخرج ... (١) أن النبي ﷺ كتب لعيينة بن حصن كتابا، فقال: يا محمد، أتراني حاملا الى قومي كتابا كصحيفة المتلمّس. قال الخطابي: يقول: لا أحمل الى قومي كتابا لا علم لي بما فيه. وقال الفرزدق (٢): يا مرو، إنّ مطيّتي محبوسة ... ترجو الحباء وربّها لم ييأس وحبوتني بصحيفة مختومة ... يخشى عليّ بها حباء النّقرس ألق الصّحيفة يا فرزدق لا تكن ... نكداء مثل صحيفة المتلمّس قوله: آليت، أي حلفت على حبّ العراق لا آكله، مع أن الحب متيسر، فحذف الجار ونصب، وهو محل الاستشهاد. والسوس: قمل القمح ونحوه. قال الكسائي: ساس الطعام يساس، وأساس يسيس سوسا، بالفتح، والاسم بالضم. قال العيني: وقد اختلف في قوله: آليت، هل بضم التاء أو بفتحها، فكلام العسكري يقتضي أنه بالضم، وكذا الرواية السابقة. وقال: وصرح غيره من العلماء بالشعر واللغة بأنه بالفتح، وكذا ضبطوه في كتاب سيبويه، وقالوا: انه يخاطب بذلك عمرو بن هند، لأنه لما هجاه، حلف عمرو أنه لا يطعم المتلمس بعدها حبّ العراق، أي انه لا يقدر بعدها على المقام بالعراق، فلا سبيل له الى أكل حبها. فقال المتلمس ذلك. أي حلفت يا عمرو، لا تتركني بالعراق والطعام لا يبقى وان استبقيته، بل يسرع إليه الفساد ويأكله السوس، فالبخل به قبيح. وقوله: (لم تدر بصري ... البيت) أي لم تعلم بصرى أنك حلفت، فأنا آكل من طعامها، وكذلك دمشق، فانا أكون في موضع لا أمر لك فيه، فلا أخافك على نفسي، وأنا في خصب وخير. والدهر: نصب على الظرف، وأطعمه على حذف (لا) النافية، أي لا أطعمه. وبصرى، بضم الموحدة، مدينة بالشام. والكداديس: أكداس الطعام، ولا واحد لها من لفظها، قاله النحاس.

стр. 296

وقال الجوهري: واحدها كدس بالضم (١). فائدة: [المتلمس] المتلمس اسمه جرير بن عبد المسيح بن عبد الله بن ريد بن دوفن بن أوس بن حرب ابن وهب بن جليّ بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الضبعي، شاعر مشهور جاهلي؛ ذكره الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الجاهلية، وقال: محكم مفلق، في أشعاره قلة، وهو خال طرفة بن العبد. وإنما سمي المتلمس لقوله (٢): فهذا أوان العرض جنّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس وأخرج ابن عساكر من طريق أبى العيناء عن الأصمعي قال: قال الخليل بن أحمد: أحسن ما قاله المتلمس (٣): وأعلم علم حقّ غير ظنّ ... لتقوى الله خير في المعاد وحفظ المال خير من فناه ... وضرب في البلاد بغير زاد وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وقال أبو عبيدة (٤): اتفقوا على أنّ أشعر المقلّين في الجاهليّة ثلاث: المسيّب ابن علس والحصين بن الحمام والمتلمّس.

стр. 297

شواهد أيمن ١٣٦ - أنشد: فقال فريق القوم لمّا نشدتهم: ... نعم، وفريق ليمن الله لا ندري هو لنصيب بن رباح البدوي. قال القالي في أماليه (١)، ثنا أبو بكر بن الأنباريّ، ثنا ثعلب عن الزّبير، عن شيخ قال: ثنا، رجل من الخضر بالسّعد، وهو موضع (٢) قال: جاءنا نصيب إلى مسجدنا فاستنشدناه، فأنشدنا: ألا يا عقاب الوكر وكر ضريّة ... سقيت الغوادي من عقاب ومن وكر (٣) تمرّ اللّيالي والشّهور ولا أرى (٤) ... مرور اللّيالي منسياتي ابنة العمر تقول صلينا واهجرينا وقد ترى ... إذا هجرت أن لا وصال مع الهجر

стр. 298

فلم أرض ما قالت ولم أبد سخطة ... وضاق بما جمجمت من حبّها صدري ظللت بذي ودّان أنشد بكرتي ... ومالي عليها من قلوص ولا بكر وما أنشد الرّعيان إلّا تعلّة ... لواضحة الأنياب طيّبة النّشر (١) فقال لي الرّعيان: لم تلتبس بنا ... فقلت: بلى، قد كنت منها على ذكر وقد ذكرن لي بالكثيب مؤالفا (٢) ... قلاص عديّ أو قلاص بني وبر فقال فريق القوم لمّا نشدتهم: ... نعم، وفريق ليمن الله لا ندري (٣) أما والّذي حجّ الملبّون بيته ... وعلّم أيّام الذّبائح والنّحر (٤) لقد زادني للغمر حبّا وأهله ... ليال أقامتهنّ ليلى على الغمر (٥) فهل يأثمنّي الله في أن ذكرتها ... وعلّلت أصحابي بها ليلة النّفر وسكّنت مابي من ملال ومن كرى ... وما بالمطايا من جنوح ومن فتر (٦) أخرجه أبو الفرج في الأغاني قال (٧): أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، أنبأنا

стр. 299

الزّبير بن بكّار إجازة عن هرون بن عبد الله الزّبيري عن شيخ من الخضر (١): والدّان موضع معروف، فذو زائدة. ويروى: (بذي دوران). وأنشد بكرتي: أطلب ناقتي. والبكرة: الفتاة من الأبل. والرعيان: جمع راع. والتعلة: العذر والتعلل. وواضحة الأنياب: أي جارية بيضاء الأسنان. والنشر: الرائحة. وذكر: بضم الذال وكسرها، أي تذكر، أي ذكر لي أنها هناك بالكثيب، وهو المجتمع من الرمل. وموالفا: أي مصاحبة لقلاصي. عديّ وبني وبر: وهما قبيلتان. واليمن: لغة في أيمن، وهي كلمة قسم. قال التدمريّ: ويروى (أيمن الله) باليمن. والغمر: بغين معجمة، موضع معروف (٢). وليلة النّفر: من ليالي الحج المعروفة. والكرى: النعاس. والجنوح: الميل والتكاسل من شدة البين. والفتور: ضد النشاط. فائدة: [نصيب بن رباح] نصيب بن رباح، أبو محجن (٣). وقيل: أبو الحجناء مولى عبد العزيز بن مروان، من الطبقة السادسة من شعراء الاسلام (٤). كان عبدا أسودا، وكان عفيفا لم يتشبب قط إلا بامرأته. وكان أهل البادية يدعونه النصيب، تفخيما له (٥). وفي الأغاني (٦): انه كان شاعرا فحلا فصيحا مقدّما في النّسيب والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء. وقال (٧): وحمله عبد العزيز بن مروان بمقطّم مصر على

стр. 300

بختيّ قد رحله بغبيط فوقه (١) وألبسه مقطّعات وشي (٢)، ثم أمره أن ينشده، فاجتمع حوله السّودان وفرحوا به، فقال لهم: أسررتكم؟ قالوا: أي والله، قال: والله لما يسؤكم من أهل جلدتكم أكثر. قال (٣): وقيل له مرة: أنت لا تحسن الهجاء، قال: بلى والله، أتراني لا أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك الله! قيل: فإنّ فلانا قد مدحته فحرمك فاهجه، قال: لا والله، ما ينبغي لي أن أهجوه، إنما ينبغي أن أهجو نفسي حيث مدحته. فقيل: هذا والله أشد من الهجاء. قال (٤): ودخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له: ما حاجتك؟ قال: بنيّات لي نفصت عليهنّ سوادي فكسدن أرغب بهنّ عن السوّدان، ويرغب عنهنّ البيضان، قال: فتريد ماذا؟ قال: تفرض لهنّ، ففعل. وقيل لنصيب (٥): هرم شعرك، قال: لا والله ماهرم، لكن العطاء هرم. ونصيب هذا هو الأكبر، ولهم نصيب الأصغر، شاعر مولى المهدي بن المنصور.

стр. 301

حرف الباء شواهد الباء المفردة ١٣٧ - وأنشد: وبات على النّار النّدى والمحلّق هو للأعشى من قصيدة يمدح بها المحلّق (١)، وصدره: تشبّ لمقرورين يصطليانها وقبله: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرّق وبعده: رضيعي لبان ثدي أمّ تقاسما (٢) ... بأسحم داج عوض لا نتفرّق يداك يدا صدق فكفّ مفيدة ... وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق وأول القصيدة: أرقت وما هذا السّهاد المؤرّق ... وما بي من سقم وما بي معشق

стр. 302

ولكن أراني لا أزال بحادث ... أغادى بما لم يمس عندي وأطرق ومنها: ولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بنعمته يعطي القطوط ويأفق (١) ومنها: تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق قوله: أرقت، الأرق: هو السهر، وقيل: هو سهر أول الليل خاصة. وقيل: ان كسرى لما أنشد هذا البيت قال: هذا يريد أن يسرق (٢) يريد: لما نفى أن سهره لم يكن لمرض ولا عشق. والمحلق: اسم الممدوح. وفي الأغاني (٣): قال المفضل: اسمه عبد العزيز بن خيثمة بن شدّاد، وإنما سمي محلّقا لأن حصانا له عضّة في وجنته فحلّق فيها حلقة. والمراد بالنار، نار القرى، وهي إحدى نيران العرب. قال العسكري في الأوائل: كان هذا البيت يستحسن في صفة نار القرى، حتى قال الحطيئة (٤): متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد فعفى على الاول هكذا. قالوا: قال: وعندي أنّ الأوّل أحسن وأعرب. وقوله: (رضيعي لبان ... البيت) قال ابن قتيبة: يقول: حالف الجود أن لا يفارقه وهما في الرحم، وهو أسحم داج. وعوض: الدهر، أراد: لا تتفرّق أبدا. وقال شارح اللباب: رضيعي، حال من الندى، والمحلق وثدي أم، على تقدير من. واللبان:

стр. 303

بالكسر، لبن المرأة خاصة. واسحم داج: قيل: الليل. والباء: ظرفية، أي تحالفا في ليل شديد السواد. وقيل: هو الرحم، أي تحالفا في ظلمة الأحشاء قبل الولادة. وقيل: هو الرماد، أي تحالفا عند الرماد. وقيل: زق الخمر، وللعرب عادة في التعاقد عند الشراب بذلك. وقال الدمامينيّ: الأظهر، أن المراد به الليل، لأنه زمن ايقاد النار للأضياف. وهذا البيت أورده المصنف في عوض (١). فائدة: [نيران العرب] قال العسكري (٢): نيران العرب بضع عشرة نار: نار القرى، توقد للأضياف ليهتدي الطارقون إلى المنزل. ونار الاستمطار: كانوا اذا احتبس المطر عنهم يجمعون البقر ويعقدون في أذنابها وعراقيبها السّلع والعشر (٣) ويصعدون بها في الجبل الوعر (٤) ويشعلون فيها النار. ويزعمون ان ذلك من أسباب المطر. قال أميّة بن أبي الصلت (٥): سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا (٦)

стр. 304

وقال الودك الطائي (١): لا درّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر (٢) ونار التحالف: كانوا يعقدون حلفهم عندها، ويذكرون منافعها، ويدعون بالحرمان والمنع من خيرها، على من ينقض العهد، ويهوّلون بها على من يخاف منه الغدر، وخصّوا النار بذلك دون غيرها من المنافع لأن منفعتها تختص بالانسان لا يشركه فيها الحيوان. قال أوس بن حجر (٣): إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجهه ... كما حيد عن نار المهوّل حالف (٤)

стр. 305

ونار الطرد: كانوا يوقدونها خلف من يمضي، ولا يشتهون رجوعه. قال شاعر قديم: وجمّة أقوام حملت ولم تكن ... لتوقد نارا خلفهم للتّندم ونار الأهبة للحرب: كانوا اذا أرادوا حربا أوقدوا نارا على جبل ليبلغ الخبر أصحابهم فيأتونهم، قال عمرو بن كلثوم (١): ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا فاذا جدّ الأمر أوقدوا نارين، قال الفرزدق (٢): لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... نزل العدوّ عليك كلّ مكان ضربوا الصّنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرقتا على النّيران (٣) ونار الصيد: توقد للظباء لتعشى إذا نظرت إليها، ويطلب بها بيض النّعام، قال طفيل (٤):

стр. 306

عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم سوى نار بيض أو غزال بقفرة ... أغنّ من الخنس المناضر توأم ونار الأسد: كانوا يوقدونها إذا خافوه، وهو إذا رأى النار استهالها فتشغله عن السابلة. ونار السليم: توقد للملدوغ والمجروح إذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضّه الكلب، لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر حتى يؤدّيهم الى الهلكة. قال الأعشى في نار المجروح (١): أبا ثابت إنّا إذا يسبقوننا ... سنركب خيل أو ينبّه نائم بدامية يغشى الفراش رشاشها (٢) ... يبيت لها ضوء من النّار جاحم ونار الفداء: كان الملوك إذا سبوا القبيلة خرجت إليهم السادة للفداء والاستيهاب، فكرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن، أو في الظلمة فيخفى قدر ما يحبسون لأنفسهم من الصفى، فيوقدون النار لعرضهن. قال الأعشى (٣): ومنّا الّذي أعطاه بالجمع ربّه ... على فاقة وللملوك هباتها نساء بني شيبان يوم أوارة (٤) ... على النّار إذ تجلى له فتياتها ونار الوسم: يقال للرجال: ما نارك؟ أي ما سمة إبلك (٥).

стр. 307

قرّب بعض اللصوص إبلا للبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان قد أغار عليها من كل وجه. وإنما يسأل عن ذلك لأنهم يعرفون ميسم كلّ قوم وكرم إبلهم من لؤمها، فقال (١): تسألني الباعة أين نارها ... إذا زعزعوها فسحت أبصارها (٢) كلّ تجار إبل تجارها ... وكلّ دار لأناس دارها وكلّ نار العالمين نارها وقال الآخر (٣): يسقون آبالهم بالنّار ... والنّار قد تشفي من الأوار يقول: لما رأوا نارها خلوا لها المنهل، فشربت لعز أصحابها. ونار الحرب مثل لا حقيقة لها. ونار الحباحب: كل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح بين نعال الدواب وغيرها. قال أبو حيّة: وأوقدن نيران الحباحب والتقى ... غضّى نتراقى بينهنّ ولاوله ونار اليراعة وهو طائر صغير، إذا طار بالليل حسبته شهابا، وضرب من الفراش إذا طار بالليل حسبته شرارة. ونار البرق: العرب يسمون البرق نارا (٤).

стр. 308

ونار الحرّتين: كانت في بلاد عبس، تخرج من الأرض فتؤذي من مرّ بها، وهي التي دفنها خالد بن سنان النبي ﵊. قال خليد: كنار الحرّتين لها زفير ... تصمّ مسامع الرّجل السّميع ونار السعالى: شيء يقع للمتغرّب والمتقفر. قال عبيد بن أيوب (١): ولله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب ودّ خائف متقفر أرنّت للحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تبوخ وتزهر والنار التي توقد بالمزدلفة، حتى يراها من دفع من عرفة، فهي توقد إلى الآن. وأوّل من أوقدها قصيّ. انتهى كلام العسكري ملخصا. وأخرج الطستيّ في مسائله عن ابن عباس، عن نافع بن الأزرق، سأله عن قوله تعالى: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) قال: القط الجزاء، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الأعشى: ولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بنعمته يعطي القطوط ويطلق ١٣٨ - وأنشد: ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني (٢) قاله رجل من بني سلول، وتمامه: فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني

стр. 309

وبعده: غضبان ممتلئا عليّ إهابه ... إنّي وربّك سخطه يرضيني (١) اللئيم: الدنيء الأصل. وجملة (يسبّني) صفة لأن اللام فيه جنسية. وقيل: حال. و (يعنيني) بمعنى يقصدني. وقوله: فمضيت: بمضى أمضى. قال الشيخ سعد الدين في حاشية الكشاف: وانما عبر بلفظ الماضي تحقيقا لمعنى الاغضاء والاعراض. واستشهد ابن مالك في شرح التسهيل به على أن المضارع المعطوف عليه ماض يكون ماضي. المعنى: فامرّ ماضي، المعنى لعطف مضيت عليه. وثمّت: حرف عطف لحقتها الثاء. قال الشيخ سعد الدين: وذلك في عطف الجمل خاصة (٢). ١٣٩ - وأنشد: تمرّون الدّيار ولم تعوجوا (٣) هو لجرير من قصيدة أولها: متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام تنكّر من معالمها ومالت ... دعائمها وقد بلي الثّمام أقول لصحبتي وقد ارتحلنا ... ودمع العين منهمل سجام تمرّون الدّيار ولم تعوجوا ... كلامكم عليّ إذن حرام

стр. 310

قال المصنف في شواهده: هكذا أنشده الكوفيون، وأنشده بعضهم (١): أتمضون الرّسوم ولا تحيّا وفيه أيضا: حذف الجار والتقدير: (أتمضون عن الرّسوم). قلت: وكذا رأيته في ديوانه. وقال شارحه: هو بمعنى أتتركون. وقال النحاس: سمعت علي بن سليمان، يعني الأخفش الصغير، يقول: حدثني محمد بن يزيد، يعني المبرّد قال: حدثني عمارة بن بلال بن جرير قال: إنما قال: (٢) جدّي مررتم بالدّيار وعلى هذا فلا شاهد فيه. والثّمام، بضم المثلثة، جمع ثمامة، وهو نبت. وذو طلوح: بضم الطاء، اسم

стр. 311

موضع (١). وسجام، بكسر أوله، مصدر، سجم الدمع: أي سال. وتعوجوا: من العوج، وهو عطف رأس البعير بالزمام، أي لم تميلوا الينا. وبعد هذا البيت: أقيموا إنّما يوم كيوم ... ولكنّ الرّفيق له ذمام بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيارته لمام ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النّيام قال في شرح ديوان زهير قول جرير: متى كان الخيام بذي طلوح أي كانه لم يكن بذي طلوح خيام قط (٢). ومن أبيات هذه القصيدة بيت استشهد به على ترك التاء من الفعل المسند إلى المؤنث، للفصل بينهما بالمفعول: لقد ولد الأخيطل أمّ سوء ... على باب استها صلب وشام صلب: بضمتين، جمع صليب. وشام: جمع شامة.

стр. 312

١٤٠ - وأنشد: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتّى إذا نبت البقل (١) هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها سنان بن أبي حارثة، وأولها (٢): صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التّعانيق فالثّقل وقبل هذا البيت: إذا السّنة الشّهباء بالنّاس أجحفت ... ونال كرام المال في الجحرة الأكل (٣) وبعده: هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل وما بك من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطّيّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا في منابتها النّخل والتّعانيق والثّقل: موضعان (٤). والجحرة: بتقديم الجيم المفتوحة، السنة

стр. 313

الشديدة. والبيت أورده في الصحاح شاهدا على ذلك (١). و (رأيت) جواب (اذا) ويروى: بضم التاء وفتحها. قال ابن قتيبة في أبيات المعاني: والقطين: الحشم والأهل. يقول: يلزمونهم حتى يسمنون. والجمع: قطن. زاد ثعلب: والقطن: الساكن النازل في الدار. وقوله: نبت البقل: أي أخصب الناس (٢) وقوله: (يستخبلوا) قال ابن قتيبة، قال الاصمعي، قال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف الاستخبال، وأراه قال (يستخولوا). والاستخوال: أن يملكوهم إياهم. وقال أبو عبيدة: أنشدنا أبو عمرو: (يستخولوا المال يخولوا) وقال: لم أسمع يستخبلوا. وقال يونس: بلى، قد سمعه، ولكنه نسى. وقال غير الأصمعي: الاستخبال، أن يستعير الرجل من الرجل إبلا فيشرب من ألبانها وينتفع بأوبارها، فاذا أخصب ردها (٣). وقوله: ييسروا، من الميسر، أي يغلوا في الميسر، أي يأخذون سمان الأبل لا ينحرون إلا غالية. والمقامات: المجالس. قال ثعلب: وإنما سمّيت مقامات، لأن الرجل كان يقوم في المجلس فيحضّ على الخير ويصلح بين الناس. والأندية: جمع ندي، وهو المجلس. و (ينتابها القول والفعل)، أي يقال فيها الجميل ويفعل به. ومكثريهم: مياسيرهم. ويعتريهم: يطلب منهم. والخطّي، بفتح الخاء المعجمة: الرمح، نسبة الى الخطّ، وهو سيف البحر عند عمان والبحرين. ووشيجه، بالمعجمة والجيم، أصله. قال في الصحاح: الوشيجة عرق الشجرة (٤). ومعنى البيت: لا تنبت القناة إلا القناة، يعني أنهم كرام لا يولد الكريم إلا في موضع

стр. 314

كرمه. وقد استشهد المصنف بهذا البيت في التوضيح على تقدم المفعول على الفاعل لأجل الحصر. وأخرج الطستيّ في مسائله عن ابن عباس: أن نافع بن الازرق سأله عن قوله تعالى: (والمعتر) هو الذي يعتر من الأبواب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل (١) ١٤١ - وأنشد: قد سقيت آبالهم بالنّار (٢) هذا أنشده العسكري في كتاب الاوائل هكذا: يسقون آبالهم بالنّار ... والنّار قد تشفي من الأوار والمراد بالنار: نار الوسم، كما تقدّم شرحه قريبا، يعني انها إذا وردت المنهل ورأوا وسمها عرفوا أصحابها، فخلوا لها المنهل لتشرب، تكريما لأصحابها، فكانت النار التي هي آلة الوسم سببا لشربها. والآبال، بالمد، جمع إبل. والأوار بضم الهمزة وتخفيف الواو: حرارة العطش. ١٤٢ - وأنشد: وليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا تقدم شرحه في شواهد إذن (٣).

стр. 315

١٤٣ - وأنشد: أربّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب هو لراشد بن عبد ربه السلّمي الصحابي ﵁. أخرج أبو نعيم في دلائل النبوّة من طريق حكيم بن عطاء السّلمي، ولد راشد ابن عبد ربه، عن أبيه، عن جدّه، عن راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة بين رهاط تدين له هذيل، وبنو ظفر من سليم (١)، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية إلى سواع، قال راشد: فالفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبيّ من بني عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للأصنام، وحرست السما، ورمينا بالشهب، العجب كل العجب. ثم هتف هاتف من جوف صنم آخر ترك الضمار، وكان يعبد: خرج أحمد نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصلات للأرحام، ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف: إنّ الّذي ورث النّبوّة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي نبيّ يخبر بما سبق وما يكون في غد قال راشد: فالفيت عند سواعا مع الفجر ثعلبين يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى له، ثم يعرجان عليه ببولهما. فعند ذلك يقول راشد: أربّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب وذلك عند مخرج رسول الله ﷺ الى المدينة. فخرج راشد حتى أتى رسول الله ﷺ بالمدينة. ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ ظالم، واسم كلبه راشد، فقال رسول الله ﷺ : ما اسمك؟ قال: راشد.

стр. 316

قال: وما اسم كلبك؟ قال: ظالم. فضحك النبيّ ﷺ . وبايع النبي ﷺ وأقام معه، ثم طلب من رسول الله ﷺ قطيعة برهاط، ووصفها له. فاقطعه رسول الله ﷺ شأو الفرس، ورمية ثلاث مرات بحجر، وأعطاه ارواة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له: فرغها في أعلى القطيعة، ولا تمنع الناس فضولها، ففعل. فجاء الماء معينا فجمه الى اليوم، فغرس عليها النخل. ويقال: ان رهاط كلها تشرب منه، وسماه الناس ماء الرسول. وأهل رهاط يغتسلون منه ويستسقون به. وغدا راشد على سواع فكسره. هذا أخرجه بطوله وأخرجه ابن أبي حاتم بسند له بلفظ: انه كان عند الصنم يوما، إذ أقبل ثعلبان، فرفع أحدهما رجله فبال على الصنم، وكان سادنه غاوي بن ظالم، فأنشد: أربّ يبول الثّعلبان ... البيت ثم كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ فقال له: أنت راشد بن عبد الله. وقال المرزباني في معجم الشعراء: كان اسمه غويا، فسماه النبي ﷺ راشدا. وقال المدائني: راشد هذا هو صاحب البيت المشهور (١): فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر وفي طبقات ابن سعد: كان اسمه غاوي بن عبد العزي (٢)، فسماه النبي ﷺ راشد بن عبد ربه. وفيها: أن قدومه وإسلامه كان عام الفتح، وأنه شهد الفتح مع النبي ﷺ . وضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي: الثّعلبان في البيت بضم المثلثة واللام وقال: هو ذكر الثعالب، وهو ما ذكره الكسائي وجماعة. وقال بعضهم: انه وهم، وأن أبا حاتم الرازي رواه بفتح الثاء واللام وكسر النون على انه تثنية ثعلب. ١٤٤ - وأنشد: شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت (٣)

стр. 317

هو من قصيدة لابي ذؤيب الهذلي وتمامه: متى لجج خضر لهنّ نئيج وقبله: سقى أمّ عمرو كلّ آخر لبلة ... حناتم سود ماؤهنّ ثجيج وأول القصيدة (١): صحا قلبه بل لجّ وهو لجوج ... وزالت له بالأنعمين حدوج الأنعمان: اسم موضع (٢). وحدوج، بضم الحاء المهملة، جمع حدج: وهي مراكب النساء. وحناتم، بالحاء المهملة، الجرار الخضر. جمع حنتمة. شبه السحاب بها (٣). وثجيج، من الثج، وهو السيلان. وترفعت: توسعت. ولجج بضم اللام، جمع لجة، وهي معظم الماء. ونئيج، بفتح النون وكسر الهمزة بعدها تحتية ساكنة وجيم، يقال: نأجت الريح تنأج نئيجا تحركت، فهي نؤج، ولها نئيج، أي مرّ سريع مع صوت. والبيت استشهد به المصنف هنا على ورود الباء بمعنى: (من التبعيضية) واستشهد في التوضيح بعجزه على ورود (متى) حرف جر، بمعنى (من) وقد روي بلفظ (٤): تروّت بماء البحر ثمّ تنصبّت ... على حبشيّات لهنّ نئيج

стр. 318

فلا شاهد فيه على واحد من الأمرين. ١٤٥ - وأنشد: شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج (١) هو من أبيات عزاها بعضهم لعبيد بن أوس الطائي، وصاحب الصحاح لجميل، وقد رأيتها في ديوانه. ووقفت عليها مسندة من وجه آخر لعمر بن أبي ربيعة في قصة طويلة. أخرج أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني (٢) وابن عساكر في تاريخه من طريقه، أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، حدثني أبو علي الأسديّ، بشر بن موسى بن صالح، حدثني أبي عن أبي بكر القرشي قال: كان عمر بن أبي ربيعة جالسا بمنى في كساء بمضربه (٣) وغلمانه حوله إذ أقبلت امرأة برزة (٤) عليها أثر النعمة. فسلّمت وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: ها أنا هو. قالت: هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، وأتمهنّ خلقا، وأكملهنّ أدبا، وأشرفهنّ حسبا. قال: ما أحبّ ذلك اليّ. قالت: علي شرط، قال: قولي، قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدّهما وأقودك حتى إذا وصلت الموضع الذي أريد حللت الشدّ ثم أفعل ذلك (بك) (٥) عند عودك، قال: شأنك، ففعلت. فقال: قال عمر: فلما انتهت بي الى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي فإذا بامرأة على كرسيّ لم أر مثلها جمالا وكمالا، فسلّمت وجلست، فقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: نعم،

стр. 319

قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك؟ جعلني الله فداك، قالت: ألست القائل: قالت: وعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج (١) فخرجت خوف يمينها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تحرج (٢) فتناولت رأسي لتعلم مسّه ... بمخضّب الأطراف غير مشنّج فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج قم فاخرج. ثم قامت وجاءت المرأة فشدّت عينيّ ثمّ أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي وانصرفت. فحللت عينيّ وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله أعلم به، وبتّ ليلتي، فلما أصبحت اذا أنابها، فقالت: هل لك في العود؟ فقلت: شأنك، فشدّت عينيّ حتى انتهت بي الى الموضع، وإذا بتلك الفتاة على كرسي فقالت: أيها يا فضّاح الحرائر! فقلت: بماذا؟ جعلني الله فداءك. قالت: بقولك (٣): وناهدة الثّديين قلت لها اتّكي ... على الرّمل من جبّانة لم توسّد فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد فلمّا دنا الإصباح قالت: فضحتني ... فقم غير مطرود، وإن شئت فازدد قم فاخرج عنّي، فخرجت ثم رددت، فقالت: لولا وشك الرّحيل، وخوف الفوت ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك. هات

стр. 320

الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني، فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكلّ شيء، ثم نهضت، فإذا أنا بتور فيه خلوق (١)، فأدخلت يدي فيه، ثم خبأتها في ردني، ثم جاءت العجوز فشدّت عينيّ ونهضت بي تقودني حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ثم صرت الى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمائة درهم، فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم، فنهضت معه فإذا أنا بكفّ طريّة، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، فأخذت في أهبة الرّحيل، فلما نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك الله والرّحم أن لا تفضحني، ويحك، ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك (٢). فصارت إليه العجوز فأدّت إليه ما قالت فاطمة، فقال: لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت ووجّهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفا، ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك (٣): ضاق الغداة بحاجتي صدري ... ويئست بعد تقارب الأمر وذكرت فاطمة الّتي علّقتها ... عرضا فيا لحوادث الدّهر
следующие страницы →