← Адаб

Адаб · id 17724

شرح شواهد المغني

الجلال السيوطي

Полный текст (981 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قال: وما اسم كلبك؟ قال: ظالم. فضحك النبيّ ﷺ . وبايع النبي ﷺ وأقام معه، ثم طلب من رسول الله ﷺ قطيعة برهاط، ووصفها له. فاقطعه رسول الله ﷺ شأو الفرس، ورمية ثلاث مرات بحجر، وأعطاه ارواة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له: فرغها في أعلى القطيعة، ولا تمنع الناس فضولها، ففعل. فجاء الماء معينا فجمه الى اليوم، فغرس عليها النخل. ويقال: ان رهاط كلها تشرب منه، وسماه الناس ماء الرسول. وأهل رهاط يغتسلون منه ويستسقون به. وغدا راشد على سواع فكسره. هذا أخرجه بطوله وأخرجه ابن أبي حاتم بسند له بلفظ: انه كان عند الصنم يوما، إذ أقبل ثعلبان، فرفع أحدهما رجله فبال على الصنم، وكان سادنه غاوي بن ظالم، فأنشد: أربّ يبول الثّعلبان ... البيت ثم كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ فقال له: أنت راشد بن عبد الله. وقال المرزباني في معجم الشعراء: كان اسمه غويا، فسماه النبي ﷺ راشدا. وقال المدائني: راشد هذا هو صاحب البيت المشهور (١): فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر وفي طبقات ابن سعد: كان اسمه غاوي بن عبد العزي (٢)، فسماه النبي ﷺ راشد بن عبد ربه. وفيها: أن قدومه وإسلامه كان عام الفتح، وأنه شهد الفتح مع النبي ﷺ . وضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي: الثّعلبان في البيت بضم المثلثة واللام وقال: هو ذكر الثعالب، وهو ما ذكره الكسائي وجماعة. وقال بعضهم: انه وهم، وأن أبا حاتم الرازي رواه بفتح الثاء واللام وكسر النون على انه تثنية ثعلب. ١٤٤ - وأنشد: شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت (٣)

стр. 317

هو من قصيدة لابي ذؤيب الهذلي وتمامه: متى لجج خضر لهنّ نئيج وقبله: سقى أمّ عمرو كلّ آخر لبلة ... حناتم سود ماؤهنّ ثجيج وأول القصيدة (١): صحا قلبه بل لجّ وهو لجوج ... وزالت له بالأنعمين حدوج الأنعمان: اسم موضع (٢). وحدوج، بضم الحاء المهملة، جمع حدج: وهي مراكب النساء. وحناتم، بالحاء المهملة، الجرار الخضر. جمع حنتمة. شبه السحاب بها (٣). وثجيج، من الثج، وهو السيلان. وترفعت: توسعت. ولجج بضم اللام، جمع لجة، وهي معظم الماء. ونئيج، بفتح النون وكسر الهمزة بعدها تحتية ساكنة وجيم، يقال: نأجت الريح تنأج نئيجا تحركت، فهي نؤج، ولها نئيج، أي مرّ سريع مع صوت. والبيت استشهد به المصنف هنا على ورود الباء بمعنى: (من التبعيضية) واستشهد في التوضيح بعجزه على ورود (متى) حرف جر، بمعنى (من) وقد روي بلفظ (٤): تروّت بماء البحر ثمّ تنصبّت ... على حبشيّات لهنّ نئيج

стр. 318

فلا شاهد فيه على واحد من الأمرين. ١٤٥ - وأنشد: شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج (١) هو من أبيات عزاها بعضهم لعبيد بن أوس الطائي، وصاحب الصحاح لجميل، وقد رأيتها في ديوانه. ووقفت عليها مسندة من وجه آخر لعمر بن أبي ربيعة في قصة طويلة. أخرج أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني (٢) وابن عساكر في تاريخه من طريقه، أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، حدثني أبو علي الأسديّ، بشر بن موسى بن صالح، حدثني أبي عن أبي بكر القرشي قال: كان عمر بن أبي ربيعة جالسا بمنى في كساء بمضربه (٣) وغلمانه حوله إذ أقبلت امرأة برزة (٤) عليها أثر النعمة. فسلّمت وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: ها أنا هو. قالت: هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، وأتمهنّ خلقا، وأكملهنّ أدبا، وأشرفهنّ حسبا. قال: ما أحبّ ذلك اليّ. قالت: علي شرط، قال: قولي، قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدّهما وأقودك حتى إذا وصلت الموضع الذي أريد حللت الشدّ ثم أفعل ذلك (بك) (٥) عند عودك، قال: شأنك، ففعلت. فقال: قال عمر: فلما انتهت بي الى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي فإذا بامرأة على كرسيّ لم أر مثلها جمالا وكمالا، فسلّمت وجلست، فقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: نعم،

стр. 319

قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك؟ جعلني الله فداك، قالت: ألست القائل: قالت: وعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج (١) فخرجت خوف يمينها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تحرج (٢) فتناولت رأسي لتعلم مسّه ... بمخضّب الأطراف غير مشنّج فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج قم فاخرج. ثم قامت وجاءت المرأة فشدّت عينيّ ثمّ أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي وانصرفت. فحللت عينيّ وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله أعلم به، وبتّ ليلتي، فلما أصبحت اذا أنابها، فقالت: هل لك في العود؟ فقلت: شأنك، فشدّت عينيّ حتى انتهت بي الى الموضع، وإذا بتلك الفتاة على كرسي فقالت: أيها يا فضّاح الحرائر! فقلت: بماذا؟ جعلني الله فداءك. قالت: بقولك (٣): وناهدة الثّديين قلت لها اتّكي ... على الرّمل من جبّانة لم توسّد فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد فلمّا دنا الإصباح قالت: فضحتني ... فقم غير مطرود، وإن شئت فازدد قم فاخرج عنّي، فخرجت ثم رددت، فقالت: لولا وشك الرّحيل، وخوف الفوت ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك. هات

стр. 320

الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني، فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكلّ شيء، ثم نهضت، فإذا أنا بتور فيه خلوق (١)، فأدخلت يدي فيه، ثم خبأتها في ردني، ثم جاءت العجوز فشدّت عينيّ ونهضت بي تقودني حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ثم صرت الى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمائة درهم، فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم، فنهضت معه فإذا أنا بكفّ طريّة، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، فأخذت في أهبة الرّحيل، فلما نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك الله والرّحم أن لا تفضحني، ويحك، ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك (٢). فصارت إليه العجوز فأدّت إليه ما قالت فاطمة، فقال: لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت ووجّهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفا، ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك (٣): ضاق الغداة بحاجتي صدري ... ويئست بعد تقارب الأمر وذكرت فاطمة الّتي علّقتها ... عرضا فيا لحوادث الدّهر

стр. 321

ممكورة ردع العبير بها ... جمّ العظام لطيفة الخصر وكأنّ فاها بعد ما رقدت ... يجري عليه سلافة الخمر وبجيد آدم شادن خرق ... يرعى الرّياض ببلدة قفر لمّا رأيت مطيّها حزقا ... خفق الفؤاد وكنت ذا صبر فتبادرت عيناي بعد همّ ... وانهلّ مدمعها على الصّدر ولقد عصيت ذوي أقاربها (١) ... طرّا وأهل الودّ والصّهر حتّى إذا قالوا وما كذبوا ... أجننت أم بك داخل السّحر قوله: غير مشنّج، بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد النون وجيم، والتشنج: تقبض في الجلد. واللثم: بمثلثة، القبلة. قال في الصحاح: وقد لثمت فاها بالكسر، إذا قبلتها، وربما جاء بالفتح. قال ابن كيسان: سمعت المبرّد ينشد قول جميل (٢): فلثمت فاها آخذا بقرونها بالفتح انتهى. والقرون: ضفائر شعر الرأس. والنزيف: بزاي وفاء فعيل، بمعنى مفعول: أي منزوف ماؤه، وأراد به المنزوف من الخمر، نزف من إنائه ومزج بالماء البارد. والحشرج: بفتح المهملة والراء بينهما شين معجمة ساكنة آخره جيم، قال ابن السكيت: وحشرج، ماء يكون فيه حصى. وقال غيره: هو ماء تنشقه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابته أمسكته فتحفر عنه الأرض فستخرج. وقوله شرب النزيف، بالنصب، صفة مصدر محذوف، وتقديره: فلثمت فاها ومصصت ريقها وشربتها شربا مثل: شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج

стр. 322

فشرب مصدر مضافا لفاعله، وبرد مفعول، والباء فيه زائدة، وفي: بقرونها للتبعيض. وقوله: فقالت على اسم الله أمرك طاعة أورده المصنف في الكتاب الخامس شاهدا على أن لمحذوف في نحو قوله تعالى (طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) المبتدأ، أي أمرنا للتصريح به في البيت. ١٤٦ - وأنشد: كنواح ريش حمامة نجديّة ... ومسحت باللّثّتين عصف الإثمد (١) هذا لخفاف بن ندبة. قال الأعلم: أراد، كنواحي، فحذف الياء ضرورة. وقد استشهد به سيبويه على ذلك. ووصف في البيت شفتي امرأة، فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتها ولطافتها وحزنها، وخص الحمامة النجدية، لأن الحمام عند العرب كل مطوّق كالقطا وغيره. وإنما قصده منها إلى الحمام الورق، وهي تألف الجبال والحزون. والنجد: ما ارتفع من الأرض، ولا تألف الفيافي والسهول كالقطا ونحوه. قال: والرواية الصحيحة: ومسحت، بكسر التاء، وأراد أن لثاتها تضرب الى السمرة، فكأنها مسحت بالأثمد. وعصف الأثمد: ما سحق منه، وهو من عصفت الريح، إذا هبت بشدة فسحقت ما مرت به وكسرته، وهو مصدر، أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق. ويروى: بضم الثاء، ومعناه قبلتها، مسحت عصف الاثمد في لثمها، انتهى. وقال الزمخشري: البيت عزاه قوم لابن المقفع، وليس كما قالوا. وأراد بالحمامة النجدية: الفاختة لأنها لا تسكن الغور وتهامة وما والاهما، وإنما تسكن في نجد. والعصف: ورق الزرع، وليس الأثمد بشيء ينبت فيكون له ورق، لأنه حجارة ولكنه من الأشياء التي لا تكون ببلاد العرب، فلا يقفون على حقيقته كقوله: ولم تذق من البقول الفستقا شبه سواد لثة المرأة بسواد أطراف ريش الحمامة. وأراد مسحت اللثتين بعصف الأثمد، فقلب لعدم الألتباس. وقال بعضهم: عصف الأثمد: سحيقه، وهم يجعلون

стр. 323

الأثمد على اللثة شبه الوشم في اليد، انتهى. واللّثة، بكسر اللام ومثلثة مخففة، ما حول الأسنان من اللحم، وأصلها لثي، والهاء عوضا من الياء. والأثمد، بكسر الهمزة والميم، حجر الكحل. فائدة: [خفاف] خفاف هذا، هو: ابن عمير بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، يكنى أبا خراشة، وهو ابن عم الخنساء. وندبة أمّه، بنون مفتوحة، وقد تضم، ودال ساكنة، وقد تفتح. صحابي شاعر مشهور، وشهد الفتح ومعه لواء لبني سليم، وشهد حنينا وثبت على إسلامه في الردّة. وله شعر يمدح فيه أبا بكر الصدّيق، وبقي إلى زمن عمر، وكان أسود حالكا (١). ١٤٧ - وأنشد: كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا (٢) هذا عجز مطلع قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس، وصدره: عميرة ودّع إن تجهّزت غاديا وبعده: جنونا بها فيما اعترتنا علاقة (٣) ... علاقة حبّ مستسرّا وباديا ليالي تصطاد الرّجال بفاحم ... نداه أثيثا ناعم النّبت عافيا (٤) وجيد كجيد الرّيم ليس بعاطل ... من الدّرّ والياقوت أصبح حاليا (٥)

стр. 324

كأنّ الثّريّا علّقت فوق نحرها ... وحجر غضا هبّت له الرّيح ذاكيا (١) فما بيضة بات الظّليم يحفّها ... ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا ومنها: بأحسن منها يوم قالت أرائح ... مع الرّكب أم ثاو لدينا لياليا وهي ثمانية وخمسون بيتا (٢). قال صاحب منتهى الطلب: كان ابن الأعرابي يسمي هذه القصيدة الديباج الخسرواني. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن سعد في طبقاته، والمرزباني في معجم الشعراء (٣). والأصبهاني في الأغاني عن الحسن البصري (٤): أن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت: كفى الإسلام والشّيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر: يا رسول الله، ألا قال الشاعر: كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا فأعاده كالأول. فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله (ما علمك الشّعر وما ينبغي لك) (٥). وفي الاصابة لابن حجر: سحيم، بمهملة، مصغر، عبد بني الحسحاس، بمهملات، شاعر مشهور مخضرم. أدرك النبي ﷺ وتمثل النبي ﷺ بشيء من شعره. روى أبو الفرج عن أبي عبيدة. قال: كان سحيم عبدا أسود أعجميا.

стр. 325

وأخرج عمر بن شبّة والأصبهاني في الأغاني عن ابن سيرين قال: قدم سحيم على عمر بن الخطاب فأنشده قصيدته، فقال له عمر: لو قدّمت الاسلام على الشيب لأجزتك. وقال ابن حبيب: أنشد رسول الله ﷺ قول سحيم (١): الحمد لله حمدا لا انقطاع له ... فليس إحسانه عنّا بمقطوع فقال: أحسن وصدق، فان الله ليشكر مثل هذا، وإن سدّد وقارب إنه لمن أهل الجنّة. وقد قيل إن سحيما قتل في خلافة عثمان (٢). وعميرة، منصوب بودع (٣). غاديا: بالغين المعجمة، من الغدو. وذاكيا: بالذال المعجمة، من ذكى يذكي، من باب فتح يفتح، إذا فاح. والظليم، بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام: ذكر النعام. والجؤجؤ: الصدر. وثاو: من ثوى إذا قام. وفي الأغاني عن أبي بكر الهذلي: أن اسم عبد بني الحساس حميمة، وأنه قال

стр. 326

في نفسه (١): أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق وفي الأغاني عن محمّد بن سلام، وأبي عبيدة: أنشد عبد بني الحسحاس عمر ﵁: توسّدني كفّا وتثني بمعصم ... عليّ وتحمي رجلها من ورائيا فقال عمر: ويلك، إنك لمقتول. وروى في الأغاني من طرق: أنه شبب بنساء قومه، ثم ببنت سيده فقتله سيده وأعانه قومه. ومن قوله في أخت مولاه وكانت عليلة (٢): ماذا يريد السّقام من قمر ... كلّ جمال لوجهه تبع ما يرتجى! خاب من محاسنها ... أما له في القباح متّسع (٣) لو كان يبغي الفداء قلت له ... ها أنا دون الحبيب يا وجع ١٤٨ - وأنشد: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد (٤)

стр. 327

هو مطلع قصيدة بضعة عشر بيتا لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، شاعر جاهلي. وبعده: ومحبسها على القرشيّ تشرى ... بأدراع وأسياف حداد كما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد قال ابن حبيب: ساوم الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي بن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي درعا كانت عنده، فلما نظر اليها وهو راكب وضعها بين يديه، ثم ركض بها فلم يردها على قيس، فعرض قيس لأم الربيع فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي تسير في ظعائن من بني عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تردّ عليه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين ضلّ حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبدا وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينا وشمالا. فقال الناس في ذلك ما شاؤوا أن يقولوا، وحسبك من شرّ سماعه (١). فأرسلتها مثلا. فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها واطرد إبلا لبني زياد حتى قدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان وقال في ذلك: ألم يبلغك والأنباء تنمي .. الأبيات الأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر. وتنمي: بفتح المثناة الفوقية، من نميت الحديث أنميه بالتخفيف إذا بلغته على وجه الاصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الافساد والتهمة قلت نميّته بالتشديد. قاله أبو عبيد وابن قتيبة. واللبون: جماعة الابل ذات اللبن. ويروى بدله، قلوص، وهي الناقة الشابة. وبنو زياد هم الربيع وأخوته. قوله: ومحبسها، أي محبس قلوص بني زياد، أراد حبسها. والقرشي: عبد الله بن جدعان. وتشرى: تباع. والأدراع: جمع درع. والأسياف: جمع سيف. وحداد: جمع حديد، من حدّ السيف يحد حدة، أي صار حادّا. وذات الأصاد: بكسر الهمزة موضع، كانت فيه غاية في الرهان بين داحس فرس قيس بن زهير والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وبسببهما كانت الواقعة المشهورة في العرب بداحس والغبراء، دامت بينهم أربعين سنة. والأصاد: جمع أكمة كثيرة

стр. 328

الحجارة بين أجبل (١). وفي قوله: (ألم يأتيك ... البيت) شاهد على اثبات حرف العلة مع الجازم ضرورة، وعلى ذلك أورده المصنف في التوضيح (٢). وعلى زيادة الياء في الفاعل، وعلى ذلك أورده هنا، فإن (ما) فاعل يأتيك، وجملة الأنباء تنمى، معترضة (٣). وقال بعضهم: يحتمل أن يأتي وتنمي تنازعا في ما فاعمل الثاني وأضمر في الأول فلا اعتراض ولا زيادة. وقيل: فاعل يأتيك مضمر دل عليه الأنباء، أي ألم يأتك النبأ بما لاقيت، فالباء ومجرورها في محب نصب. وقيل الفاعل لبون، وفي لاقت ضميرها، أي ألم يأتك لبون بني زياد، أي خبرها بما لاقت هي (٤). وفي سرّ الصناعة: روى بعض أصحابنا البيت، ألم يأتك، على ظاهر الجزم فلا ضرورة. وروى أيضا بلفظ: أهل أتاك والأنباء تنمي ففيه شاهد على الجمع بين الهمزة وهل. ١٤٩ - وأنشد: مهما لي اللّيلة مهما ليه ... أودى بنعليّ وسرباليه (٥) هذا مطلع أبيات لعمرو بن ملقط الطائي، وهو جاهلي، وبعده:

стр. 329

إنّك قد يكفيك بغي الفتى ... وزرأه أن تركض العاليه بطعنة يجري لها عاند ... كالماء من غاية الجابيه لو أنالتك أرماحنا ... كنت كمن يهوي إلى الهاويه ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه (١) ذاك سنان محلب نصره ... كالجمل الأوطف بالرّاويه يا أيّها النّاصر أخواله ... أأنت خير أم بنو جاريه أأختكم أفضل أم أختنا ... أم أختنا عن نصرنا وانيه والخيل قد تجشّم أربابها الشّقّ ... وقد تعتسف لداويه يأبى لي الثّعلبتان الّذي ... قال ضراط الأمّة الرّاعية ظلّت بواد تجتني صمغه ... واحتلبت لقحتها الآنيه ثمّ غدت تنبض أحرادها ... إن متفناه وإن حاديه مهما: استفهام مبتدأ، ولي خبره. والليلة نصب على الظرف وأعيدت الجملة تاكيدا. وقيل: مه، اسم فعل بمعنى اكفف. وما وحدها استفهام. وأودى هلك. ويركض: يدفع. والعالية: أعلى الرمح. وقيل اسم مرسلة على جهة واحدة. والغاية بمعجمة. وعاند: بمهملتين ونون، العرق الذي يخرج دمه. والجابية بجيم الحوض. وغايتها: ما انتقب وانخرق منها. ويهوي، بكسر الواو، يسقط. وقوله: الفيتا، أورده المصنف في حرف الألف، الهاوي شاهدا على إلحاق الفعل المسند للظاهر علامة التثنية. ومعنى البيت: وصفه بالهرب، فهو يلتفت إلى ورائه في حال انهزامه فتلفى عيناه عند قفاه. وأولى: كلمة تهديد ووعيد. قال الأصمعي: معناه قاربه فأهلكه.

стр. 330

وذا واقية أي وقاية، مصدر على فاعلة. وسنان: اسم رجل. ومحلب بحاء مهملة، معين، والأوطف: كثير شعر العينين والأذنين. والوانية: من ونى إذا فتر. وتجشم أربابها: تحملهم على المشقة. والشق: بالفتح، المشقة. والثعلبتان: ثعلبة بن جدعان، وثعلبة بن رومان. وقوله: ضراط الأمة، ليكون أحشركم. والآنية: قال أبو زيد: المبطئة. وقال غيره: المدركة. وتنبض: تضطرب. واحرادها: امعاؤها، وإن قال الجرمي وأبو حاتم معناه: إما متغناة وإما حادية، ومتغناة متغنية، ١٥٠ - وأنشد: نضرب بالسّيف ونرجوا بالفرج (١) أورده شاهدا على زيادة الباء في المفعول، وهي الثانية. وأما الاولى فللاستعانة. ١٥١ - وأنشد: تبلت فؤادك في المنام خريدة ... تسقي الضّجيع ببارد بسّام (٢) هذا مطلع قصيدة لحسان بن ثابت ﵁ يذكر فيها الحارث بن هشام وهزيمته يوم بدر، وبعده: كالمسك تخلطه بماء سحابة ... أو عاتق كدم الذّبيح مدام أمّا النّهار فلا افتر ذكرها ... واللّيل توزعني به أحلامي أقسمت أنساها وأترك ذكرها ... حتّى تغيّب في الضّريح عظامي بل من لعاذلة تلوم سفاهة ... ولقد عصيت على الهوى لوّامي إن كنت كاذبة الّذي حدّثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس تمرّة ولجام

стр. 331

تبلت: بمثناة فوقية ثم موحدة، أي أفسدت. قال: تبّله الحب: أي أسقمه وأفسده. والفؤاد: القلب على المشهور. وقيل: باطن القلب. وقيل: غشاؤه. والخريدة. من النساء: الحيية، وقيل العذراء. وخاؤها معجمة ودالها مهملة. والضجيع الذي يضاجعها الى جنبها. والمراد بالبارد: البسام الثغر. ويروى: تسقى، وتشفى. والعاتق: الخمر. طمرّة: بكسرتين وتشديد الراء. قال في الصحاح: فرس تمرّ بتشديد الراء وهو المستعد للوثب والعدو (١). فائدة: [حسّان بن ثابت] حسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو الأنصاري الخزرجي، يكنى أبا الوليد، وقيل أبا الحسام، وقيل: أبا عبد الرحمن. شاعر رسول الله ﷺ ، له رواية، روى عنه ابنه عبد الرحمن والبراء بن عازب وسعيد بن المسيّب. قال ابن سعد: عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الاسلام (٢)، وكذلك أبوه وجده. وكان قديم الاسلام، ولم يشهد مع النبي ﷺ مشهدا لأنه كان يجبن (٣). وأخرج أحمد وغيره عن ابن المسيب قال: مرّ عمر بحسان، وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبى هريرة فقال: أنشدك بالله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عنيّ، أيدك الله بروح القدس! قال: نعم. وأخرج أبو يعلي عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد ينشد عليه قائما، ينافح عن رسول الله ﷺ ، ثم يقول رسول الله ﷺ : ان الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ . وأخرج ابن منده، وأبو الفرج الأصبهاني، في الأغاني،

стр. 332

وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: لما كان يوم الأحزاب وردّ الله المشركين بغيظهم لم ينالوا خيرا، قال رسول الله ﷺ : من يحمي أعراض المسلمين؟ قال كعب بن مالك: أنا. وقال ابن رواحة: أنا يا رسول الله، قال: إنك لحسن الشعر، وقال حسان: أنا يا رسول الله. قال: نعم، اهجهم أنت وسيعينك عليهم روح القدس. وأخرج ابن عساكر عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ المدينة فهجته قريش، وهجوا الأنصار معه، فأتى المسلمون كعب بن مالك فقالوا: أجب عنا، فقال: استأذنوا لي رسول الله ﷺ ، فقال: ادعوه، فأتى حسان فقال رسول الله ﷺ : إني أخاف أن تصيبني معهم تهجو من بني عمي. فقال حسان: لأسلنّك منهم سلّ الشعرة من العجين، ولي مقول ما أحب أن لي به مقول أحد من العرب، وأنه ليفري ما لا تفريه الحربة. ثم أخرج لسانه فضرب به أنفه كأنه لسان حية بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه، فأذن له رسول الله ﷺ . وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عروة: أن حسان ذكر عند عائشة فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذاك حاجز بيننا وبين المنافقين لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق. وأخرج ابن عساكر وأبو الفرج الأصبهاني (١) عن ابن بريدة قال: أعان جبريل ﵇ حسان بن ثابت عند مدحه النبي ﷺ بسبعين بيتا. وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي عبيدة (٢) قال: اتّفقت العرب على أن أشعر أهل المدن يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وعلى أن أشعر أهل المدن حسان بن ثابت. وأخرج ابن عساكر عن أبي عربة قال: حسان شاعر الأنصار، وشاعر اليمن، وشاعر أهل القرى، وأفضل ذلك كله هو شاعر رسول الله ﷺ غير مدافع (٣). وأخرج ابن عساكر عن ابن الكلبي: ان حسان بن ثابت كان لسنا شجاعا، فأصابته علة أحدثت فيه الجبن، فكان بعد ذلك لا يقدر أن ينظر إلى قتال ولا يشهده. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس: أن رسول الله

стр. 333

صلّى الله عليه وسلّم خرج وقد فرش حسان فناء أطمه، وأصحاب رسول الله ﷺ ، سماطين وبينهم جارية لحسان يقال لها شرين ومعها مزهر تغنيهم، وهي تقول في غنائها: هل عليّ ويحكم ... إن لهوت من حرج فتبسّم رسول الله ﷺ ، وقال: لا حرج. وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي وجزة السعدي قال: قال رسول الله ﷺ : ليس شعر حسان بن ثابت، ولا كعب بن مالك، ولا عبد الله ابن رواحة شعرا، ولكنه حكمة. وأخرج البخاري في تاريخه عن محمد بن سيرين قال: كان أشعر أصحاب رسول الله ﷺ حسان بن ثابت، وكعب ابن مالك، وعبد الله بن رواحة. وأخرج ابن عساكر من طريق أبى اسحق عن سعد ابن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: مرّ حسان بن ثابت برسول الله ﷺ ومعه الحارث المري، فقال حسان للحارث (١). يا حار من يغدر بذمّة جاره ... منكم فإنّ محمّدا لا يغدر وأمانة المرّيّ حيث لقيته ... مثل الزّجاجة صدعها لم يجبر إن تغدروا فالغدر منكم عادة ... والغدر ينبت في أصول السّخبر فقال الحارث للنبي ﷺ : إني أعوذ بالله وبك من هذا، ان شعر هذا لو مزج بماء البحر لمزجه. وأخرج ابن عساكر من طريق موسى بن علي بن رباح قال: حدثني شيخ صار بأفريقية من أهل المدينة، قال: سمعت حسان بن ثابت في جوف الليل وهو ينوّه باسمائه ويقول: أنا حسان بن ثابت، أنا ابن الفريعة، أنا الحسام. فلما أصبحت غدوت عليه فقلت له: سمعتك البارحة تنوّه باسمائك، فما الذي أعجبك؟ قال: عالجت بيتا من الشعر، فلما أحكمته نوّهت باسمائى!

стр. 334

فقلت: وما البيت؟ قال: قلت (١): وإنّ امرءا يمسي ويصبح سالما ... من النّاس إلّا ما جنى لسعيد فلما مات حسان، قال عبد الرحمن بن حسان بعد موت أبيه: أوقد نارا حتى اجتمع إليه الحي، ثم قال: أنا عبد الرحمن بن حسان، وقد قلت بيتا، فخفت أن يسقط بحدث يحدث عليّ، فجمعتكم لتسمعوه فأنشدهم: وإنّ امرءا نال الغنى ثمّ لم ينل ... صديقا ولا ذا حاجة لزهيد فلما مات عبد الرحمن فعل ابنه سعيد مثل ذلك، وأنشدهم: وإنّ امرءا لاحى الرّجال على الغنى ... ولم يسأل الله الغنى لحسود وأخرج ابن عساكر عن معن بن عيسى قال: قام حسان من جوف الليل فصاح: يا آل الخزرج، فجاؤه وقد فزعوا، فقالوا: مالك؟ قال: بيت قلته فخشيت أن أموت قبل أن أصبح فيذهب ضيعة خذوه عني، قالوا: وما قلت؟ قال: قلت: ربّ حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطّى عليه النّعيم قال ابن اسحق: مات حسان سنة أربع وخمسين وقد كف بصره. ١٥٢ - وأنشد: سود المحاجر لا يقرأن بالسّور (٢) هذا من قصيدة للراعي، واسمه عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل بن قطن ابن ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، يكنى أبا جندل،

стр. 335

ولقب الرّاعي لكثرة وصفه الابل. شاعر مشهور، وفد على عبد الملك بن مروان وذكره الجمحي في الطبقة الأولى من الشعراء الاسلاميين (١)، وقبله: صلّى على عزّة الرّحمن وابنتها ... ليلى وصلّى على جاراتها الأخر هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن قحافة المرّي قال: دخل الأخطل على بشر بن مروان، وعنده الراعي فقال له بشر: أأنت أشعر أم هذا؟ قال: أنا أشعر منه وأكرم. فقال للراعي: ما يقول؟ قال: أما أشعر مني فعسى، وأما أكرم فإن كان في أمّهاته من ولدت مثل الأمير فنعم. فلما خرج الأخطل قيل له: أتقول لخال الامير أنا أكرم منك. ١٥٣ - وأنشد: فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا (٢) هو لكعب بن مالك الصحابي ﵁، وقيل لحسان بن ثابت، وقيل لبشير ابن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. والباء في بناء زائدة في الفاعل، وقيل في المفعول. وحبّ النبي بالرفع، فاعل على الثاني، وبدل اشتمال على المحل، على الأوّل. وفضلا تمييز. ويروى شرفا، وعلى يتعلق به. وقبله: نصروا نبيّهم بنصر وليّه ... فالله عزّ بنصره سمّانا يعني أن الله سماهم الأنصار لأنهم نصروا النبي ﷺ ، ومن والاه، والباء في بنصر وليه، بمعنى مع. قال التدمري: يروي قوله: (على من غيرنا) برفع غير وكسرها، فالرفع على تقدير: (على من هو غيرنا)، فمن موصولة، والعائد محذوف، على حدّ قوله تعالى: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) في قراءة من رفع أحسن، والجر على أن من نكرة موصوفة بغير، أي على انسان غيرنا أو قوم غيرنا.

стр. 336

وقال الكسائي: على ان من زائدة، وعلى ذلك أورده ابن قاسم في شرح الألفية. محمد: عطف بيان، وإيّانا: متعد جر المصدر المضاف الى فاعله. ١٥٤ - وأنشد: أليس عجيبا بأنّ الفتى ... يصاب ببعض ما في يديه (١) قال الجاحظ في البيان (٢): هو لمحمود النحاس وأورده بلفظ ببعض الذي في يديه (٣). وبعده: فمن بين باك له موجع ... وبين معزّ مغذّ إليه ويسلبه الشّيب شرخ الشّباب ... فليس يعزّيه خلق عليه ١٥٥ - وأنشد: ومنعكها بشيء يستطاع (٤) هو لرجل من تميم قاله وقد سأله بعض الملوك فرسا يقال لها سكاب فقال: أبيت اللّعن إنّ سكاب علق ... نفيس لا تعار ولا تباع مفدّاة مكرّمة علينا ... تجاع لها العيال ولا تجاع سليلة سابقين تناجلاها ... إذا نسبا يضمّهما الكراع فلا تطمع أبيت اللّعن فيها ... ومنعكها بشيء يستطاع

стр. 337

وقيل هو لقحيف العجلي. وأبيت: من الاباء، وهو الامتناع. واللّعن: الطرد، أي انه من أسباب اللّعن. وكانت هذه تحية الملوك في الجاهلية. وسكاب: علم لفرس مبني على الكسر، كحذام. قال المصنف: هذا هو المحفوظ، والصواب فتحه إعرابا، لأن الشاعر تميمي، وتميم تعرب هذا الباب ممنوع الصرف، واشتقاقه من السكب وهو الصب. يقال: من صفة الفرس هو بحر سكب (١). والعلق: النفيس. فالجمع بينهما للتوكيد كقوله تعالى: (سُبُلًا فِجاجاً) كذا قاله المصنف. وقال التبريزي: علق نفيس: مال يبخل به. وتعار وتباع: بالتذكير والتأنيث، الأول باعتبار نفيس. والثاني باعتبار الفرس (٢). وسليلة سابقين: يعني أنها متولدة من فرسين سابقين. والتناجل: التناسل. وضمير نسبا: للسابقين. والكراع: علم لفحل مشهور. والواو في (ومنعكها) للحال. ويروى بالفاء، المتسبب عن النهي. واستشهد به النحاة على جواز الوصل فيما اجتمع ضميران، أوّلهما أعرف، ومجروران كان الفصل فيه أرجح، وبشيء متعلق بما قبله، أو بما بعده، وعليهما. فالمعنى بشيء ما. ويستطاع: خبر، أو بشيء خبر، ويستطاع صفة، والياء زائدة. ١٥٦ - وأنشد: فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها (٣) الخيبة: حرمان المطلوب. والركاب: الابل التي يسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحد لها من لفظها. والمسيّب، هذا بالفتح لا غير، وكذا كل مسيب إلا والد

стр. 338

سعيد بن المسيّب، فإن فيه الوجهين الفتح والكسر. ١٥٧ - وأنشد: فما انبعثت بمزؤد ولا وكل صدره: كائن دعيت إلى بأساء داهمة كائن: بمعنى كم. والبأساء: الشدة. وداهمة: آتية على بغيه. وانبعثت: أسرعت. والمزؤد: المذعور الخائف. والوكل: بفتح الواو والكاف، العاجز الذي يكل أمره الى غيره. ١٥٨ - وأنشد: وليس بذي سيف وليس بنبّال (١) هذا هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي، وأوّلها (٢): ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن إلّا سعيد مخلّد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألحّ عليها كلّ أسحم هطّال ومنها: ألا زعمت بساسة اليوم أنني ... كبرت، وألّا يشهد اللهو أمثالي

стр. 339

فيا ربّ يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنّها خطّ تمثال يضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبّال الى أن قال: تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال نظرت إليها والنّجوم كأنّها ... مصابيح رهبان تشبّ لقفّال سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال فقالت: سباك الله إنّك فاضحي ... ألست ترى السّمّار والنّاس أحوالي! فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال وأصبحت معشوقا وأصبح زوجها ... عليه القتام كاسف الظّنّ والبال يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتّال أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال وليس بذي سيف فيقتلني به ... وليس بذي رمح وليس بنبّال ومنها: كأنّي بفتخاء الجناحين لقوة ... على عجل منها أطأطئ شيّمالي

стр. 340

تخطّف خزّاز الأنيعم بالضّحى ... وقد جحرت منها ثعالب أورال كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي عم: أصله أنعم، حذف منه الألف والنون تخفيفا، ويجوز في العين الفتح والكسر، من أنعم، مفتوح العين ومكسورها، وكانت تحية الجاهلية. ويقال: إنه من وعم بعم، على فعال وعد يعد، أو على مثال ومق يمق. يقولون في الغداة عم صباحا، وفي العشية عم مساء، وفي الليل عم ظلاما. وصباحا: نصب على الظرف، أي أنعم في صباحك. ويجوز كونه تمييزا منقولا نحو: (اشتعل الرأس شيبا). وعن أبي عمرو: انه من نعم المطر إذا كثر، ونعم الشجر إذا كثر زبده، كأنه دعا بالسقيا وكثرة الخير. وقال الاصمعي: مودعا بالنعيم. وهل يعمن: استفهام إنكار، وأصله ينعمن، وفيه شاهد على ورود هل في الاستفهام الانكاري، وعلى تأكيد المضارع بالنون بعد الاستفهام، و (من) فاعل، وقد استعمله في غير العقلاء، وأورده المصنف في التوضيح شاهدا لذلك. والعصر: بضمتين، بمعنى العصر بالفتح فالسكون وهو الدهر والزمان. والأوجال: جمع وجل، وهو الخوف. وعافيات: دارسات. وذو الخال: جبل مما يلي نجد. والأسحم: الأسود، وهو أغزر ما يكون من الغيم. وهطّال: سيّال دائم. وبسباسة: بموحدتين ومهملتين، امرأة من بني أسد. وآنسة: ذات أنس من غير ريبة. والتمثال: الصورة. وخطها: نقشها. والذبّال: بضم الذال المعجمة وتشديد الموحدة، جمع ذبالة، وهي الفتيلة. والمعنى: في ذبال قناديل. وقوله: تنوّرتها، أي نظرت إلى نارها، وانما أراد بقلبه لا بعينه، يقال: تنوّرت النار من بعيد، أي أبصرتها، فكأنه من فرط الشوق يرى نارها. وأذرعات: بلدة بالشام. وقد أورد النحاة، ومنهم المصنف في التوضيح هذا البيت على أن نحو أذرعات يجوز فيه الكسر في النصب منوّنا وغير منوّن. والاعراب كغير المنصرف، فإن البيت روي بالأوجه الثلاثة. ويثرب: المدينة النبوية. والواو في (وأهلها) حالية.

стр. 341

وقوله: (وأدني دارها نظر عالي) يقول: كيف أراها وأدني دارها نظر مرتفع. وقيل معناه: أقرب دارها منا بعيد، فكيف بها ودونها نظر عالي. وتشب: توقد. وقفّال، بضم القاف وتشديد الفاء، جمع قافل، وهو الذي قد رجع من غزوة. وسموت: نهضت. والحباب، بفتح الحاء المهملة وتخفيف الموحدة، الطرائق التي في الماء كأنها الوشي. وسباك الله: أبعدك وأذهبك الى غربة. وقيل: لعنك. وقال أبو حاتم: معناه سلط عليك من يسبيك. وأوصال: جمع وصل، وهي المفاصل. ويمين الله: مبتدأ وخبره محذوف، أي على وأبرح على حذف لا، أي لا أبرح. وقد أورده المصنف في التوضيح شاهدا لذلك. وأسمحت: سهلت ولانت. وهصرت بغصن: ثنيت غصنا، والباء زائدة ورضت: من راض يريض. وقوله: (حلفت ... البيت) والفاجر: اللازب. وصال: المصطلي بالنار. والقتام، وكاشف البال: سيئ الخاطر. ويغط: أي يرى له غطيط من الغيظ، كما يرى للبكر إذا خنق فشدّت الأنشوطة في عنقه. والبكر: بفتح الباء، الفتي من الابل. وليس بقتال: أي ليس بصاحب قتل. والمشرفي: بفتح الميم، السيف المنسوب إلى مشارف الشام، وهي قرى للعرب تدنو من الروم. ومسنونه: محددة بالمسنّ، وأراد بها المشاقص. والأغوال: الشياطين، وأراد به التهويل. قال المبرد (١): لم يخبر صادق أنه رأى الغول. قوله: وليس بذي رمح: أي بفارس. والنبّال: الرامي بالنبل. وقد قال الرياشيّ: النبّال هنا ليس بجيد، لأن النبّال هو الذي يعمل النبل أو يبيعها، والذي يرمي بها يقال له نابل. وقال أبو حاتم مثل هذا، كقولهم سياف أي يضرب بالسيف. وقد استشهد المصنف بهذا البيت على ان فعالا يأتي بمعنى صاحب. كذا، فإن نبالا بمعنى صاحب نبل استغنى به عن ياء النسب. قوله: بفتخاء الجناحين، أي لينة الجناحين، والفتح اللين. واللقوة: بكسر اللام، العقاب. وشيمّالي، بالتشديد، أصله: شيمالي، ومعناه شيمالي زيدت فيه الياء. وروي شئمالي بالهمز، ومعناه سريعة، يقال: ناقة شملال أي سريعة. ويقال فلان يطاطئ في ماله: أي يسرع. وتخطف: أي تخطف هذه العقاب التي شبه بها فرسه. والخزّار: بكسر الخاء وتشديد الزاي المعجمتين، جمع خزر، وهو الذكر من الأرانب. وجحرت: توارت. وأورال: موضع. يقول:

стр. 342

ثعالب ذلك الموضع لا ترعى من خوف هذه العقاب. والحشف: أردأ التمر. والبالي: العتيق. ومجد مؤثل: قديم. وقوله: (كأن قلوب الطير ... البيت). استشهد به المصنف في التوضيح على أن رطبا ويابسا حالان متضمنان معنى الفعل، فلذا وجب تأخيرهما. واستشهد به أهل البيان على التشبيه الملفوف، وهو أن يؤتى بمشبهين ثم المشبه بهما، فإن العناب راجع إلى رطب، والحشف راجع الى يابس. قال المبرد في الكامل (١): هذا البيت أحسن ما جاء في تشبيه شيئين مختلفين في حالين مختلفين بشيئين مختلفين. وقال ابن عساكر في تاريخه: يقال أن لبيدا قدم المدينة، قال رسول الله ﷺ : من أشعر الناس؟ فقال: يا حسان، أعلمه. فقال حسان: الذي يقول: كأن قلوب الطير ... البيت. فقال: هذا امرؤ القيس. فقال رسول الله ﷺ : لو أدركته لنفعته، ثم قال: معه لواء الشعر يوم القيامة حتى يتدهدأ بهم في النار. وأخرج ابن عساكر من طرق عن عفيف بن معدي كرب: ان النبي ﷺ ذكر عنده امرؤ القيس فقال: ذاك رجل مذكور في الدنيا منسيّ في الآخرة، شريف في الدنيا خامل في الآخرة، بيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار.

стр. 343

شواهد بجل ١٥٩ - وأنشد: ألا بجلي من ذا الشّراب الأبجل هو من قصيدة لطرفة بن العبد أولها: لخولة بالأجزاع من إضم ظلل (١) ... وبالسّفح من قوّ مقام ومحتمل فلا زال غيث من ربيع وصيّف ... على دارها حيث استقرّت له زجل ومنها: لها كبد ملساء ذات أسرّة ... وكشحان لم ينقض طواءهما الحبل إذا قلت: هل يسلو اللّبانة عاشق ... تمرّ شؤون الحبّ من خولة الأول متى تر يوما عرصة في ديارها ... ولو فرط حول تسجم العين أو تهلّ فقل لخيال الحنظليّة ينقلب ... إليها، فإنّي واصل حبل من وصل ألا إنّما أبكي ليوم لقيته ... بجرثم قاس كلّ ما بعده جلل إذا لا جاء ما لا بدّ منه فمرحبا (٢) ... به حتّى يأتي لا كذاب ولا علل ألا إنّني شربت أسود حالكا ... ألا بجلي من الشّراب الأبجل

стр. 344

فلا أعرفنّي إن نشدتك ذمّتي ... كداعي هديل لا يجاب ولا يمل الأجزاع: جمع جزع بكسر الجيم وسكون الزاي، وهو منعطف الوادي. وإضم: بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة، واد لأشجع وجهينة. والسفح: موضع. وقوّ: بفتح القاف وتشديد الواو، واد. والمقام بضم الميم، بمعنى الاقامة، والمحتمل: الارتحال. والصيّف: بتشديد الياء. وزجل: بفتح الزاي والجيم، صوت ورعد. قوله: (لها) أي لخولة، وأراد بالكبد بطنها ووسطها. والأسرّة: العكن والطرائق، وهي الخطوط التي تكون على البطن، كما يكون في الكف والجبهة، واحدها سرر، بكسر السين وفتح الراء، وجمع الجمع: أسارير. والملساء: تأنيث أملس، وهو اللين من الملاسة، وهي ضدّ الخشونة. والكشحان: ما انضمت عليه الأضلاع من الجبين، ويقال هما الخصران. وقوله: لم ينقض طواءهما، بالضاد المعجمة، يعني هي خميصة البطن ليست بمفاضة، من قولهم: رجل طاو إذا كان ضامر البطن. ومد الطواء للضرورة، وهو مقصور. وقد استشهد ابن أم قاسم بالبيت على ذلك. والحبل: الامتلاء. ويسلو اللبانة: أي عن اللبانة، فأسقط الجار وعدى الفعل. والسلوان: يطيب النفس لترك الشيء. وتمرّ تشتد وتقوى. والشؤن: الأمور، واحدها شأن. والعرصة: الساحة ليس فيها بناء. وتسجم العين: يسيل دمعها. وتهل: تقطر دمعها. والحنظلية: من بني حنظلة بن مالك. وجرثم: موضع. والقاسي: الشديد، وهو صفة ليوم. والجلل: بفتح الجيم واللام الصغير هنا، ويأتي بمعنى الكبير، وهو من الاضداد. والكذاب: بالكسر بمعنى الكذب. والعلل: جمع علة. وأسود حالكا: أراد به كأس المنية، وقيل السم، وهل مثل ضربه لفساد ما بينه وبينها. والحالك: الشديد السواد. وبجل: يأتي حرف جواب بمعنى نعم. واسم فعل بمعنى يكفي. واسما مرادفا لحسب، وهو المراد هنا، فعليه يقال: بجلى. وعلى اسم الفعل يقال بجلنى، بنون الوقاية. وقوله: الأبجل: تأكيد للأول. وقال العيني: الثاني في البيت حرف بمعنى نعم. ونشدتك ذمّتي: سألتك إياها وطلبتها منك. الهديل: بفتح الهاء، فرخ ضل على عهد نوح ﵇، والحمام يبكي عليه كما تزعمه العرب. وقوله: ولا يمل، أي لا يمل الدعاء أبدا.

стр. 345

شواهد بل ١٦٠ - وأنشد: بل بلد ملء الفجاج قتمه (١) هو لرؤبة من أرجوزة طويلة أولها: قلت لزير لم تصله مريمه ... هل تعرف الرّبع المحيل أرسمه عفت عوافيه وطال قدمه ... بل بلد ملء الفجاج قتمه لا يشترى كتّانه وجهرمه ... يجتاب ضحضاح التّراب أكمه كالحوت لا يرويه شيء يلهمه ... يصبح ضمآن وفي البحر فمه قطّعت أمّا قاصدا تيمّمه ... إلى ابن مجد لم يخرّق أدمه قوله: لزير، بكسر الزاي، الذي يكثر زيارة النساء وخلطتهن. قوله: بل بلد، أي بل رب بلد، فأضمر رب وخبريها. والبيت استشهد به ابن مالك على ذلك. والفجاج: الطرق. والقتم: الغبار. والكتان: هنا السبايب، وهي جمع سبيبة، شقة محتمان رقيقة. والجهرمية: بسط شعر، نسبة الى جهرم قرية بفارس، فالجهرم هنا جمع جهرمي أضيف الى الضمير. قال الفارسي: وأورده في الايضاح شاهدا على ذلك. وقال أبو حاتم والزيادي: الجهرم: البساط من الشعر، والجمع جهارم. قال شارع أبيات الايضاح: فلا شاهد فيه لما قال الفارسي على هذا، يجتاب يلبس.

стр. 346

والضحضاح: ماء قريب القعر. ويلهمه: يبتلعه، من اللهام، فعال، من لهمت الشيء ألهمه، إذا ابتلعته. وقطعت: جواب رب. وأما: أي قصدا لم أتعرّض لغيره. وقاصدا: صفة أما. وتيممه: قصده، وهو مرفوع بقاصد، وأضافه الى الحوت مجازا، وهو يريد صاحبه. وابن مجد: هو السفاح أو المنصور. لم يخرق أدمه: أي لم يقدح في عرضه. وقوله: وفي البحر فمه: استشهد به ابن أم قاسم في شرح الألفية على أبيات الميم في أنعم، حالة الاضافة خلافا لمن أنكره. وقوله: قلت لزير لم تصله مريمه استشهد به البيضاوي في تفسيره على معنى مريم. ١٦١ - وأنشد: وما هجرتك، لا بل زادني شغفا ... هجر وبعد تراخى لا إلى الأجل الشغف: بفتح المعجمتين، مصدر شغفه الحب، إذا خرق، شغفان قلبه حتى وصل الى الفؤاد. والشغاف: حجاب القلب. وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب.

стр. 347

شواهد بيد ١٦٢ - وأنشد: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١) هو من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح بها النعمان بن الحارث (٢)، أوّلها: كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب تطاول حتّى قلت ليس بمنقض ... وليس الّذي يرعى النّجوم بآيب ومنها: لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من النّاس، والأحلام غير عوازب مجلّتهم ذات الإله، ودينهم ... قويم، فما يرجون غير العواقب وبعد قوله ولا عيب ... البيت: تخيّرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب

стр. 348

فهم يتساقون المنيّة بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب ومنها: فلا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشّرّ ضربة لازب قوله: كليني: أي دعيني. وأميمة: اسم امرأة، وضبط في ديوانه بنصب التاء. وقال شارحه، ذكر أبو عمرو والفراء: أن العرب تقول يا أميم، ويا طلح، ثم يلحقون الهاء، فينصبون على نية القائها، وعلى ذلك أورده ابن أم قاسم في شرح الألفية مستشهدا به. وقال بعضهم: للناس في تخريج ذلك أقوال، أحدها أن الفتحة إعراب، ولم ينوّن لأنه غير منصرف. والثاني أنها بناء، لأن منهم من يبني المنادى المفرد على الفتح، كباب لا رجل، الثالث وعليه الأكثر أنه يرخم، أصله يا أميم، ثم أدخلت الهاء غير معتدّ بها، وفتحت لأنها وقعت موقع ما يستحق الفتح، وهو ما قبل تاء التأنيث، ولا شيء. على هنا قولان: أحدهما أن الهاء زائدة، ففتحت اتباعا لحركة الميم. والثاني أنها دخلت بين الميم وفتحها فالفتحة التي في الهاء هي فتحة الميم اتباعا لحركة الهاء (١) وناصب صفة لهم على حدّ: (شعر شاعر وعيشة راضية). وإنما الناصب صاحبه، والنصب: التعب. وحمله سيبويه على النسب أي ذي نصب. وأقاسيه: أكابده. وقوله: (وليل) بالجر، عطفا على لهمّ. وقوله: أقاسيه وبطئ الكواكب صفتان لليل. وقدّم الوصف بالجملة على الوصف بالمفرد. وإضافة بطئ لفظية لانها صفة مشبهة. ويراعي: يراقب. وآيب: راجع. قال شارحه: شبه طول الليل ومراعاته لكواكبه التي لا تبرح براعي إبل لا تريح إبله، ولا يرجع إلى أهله. والشيمة: الطبيعة. والعواذب: جمع عاذبة، وهي الغائبة. ومجلتهم: يروى بالجيم، وهو الكتاب، أي كتابهم كتاب الله. وبالحاء: أي محلهم ببيت الله، يريد بيت المقدس والشام. ويروى مخافتهم. والفلول: كسور في حدّ السيف، واحدها فل،

стр. 349

بالفتح. والقراع بالكسر، الضراب. والكتائب: جمع كتيبة، وهي الجيش. والبيت بين تأكيد المدح بالشبه الذم، ونظيره قول الآخر: ولا عيب فيه غير ما خوف قومه ... على نفسه أن لا يطول بقاؤها وقول الآخر: ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام وإنّا لا نخطّ على النّمل قال أبو عمرو: اذا كان الرجل أمه أخته ثم خط على النملة، وهي قريحة تظهر في ظهر الكف، لم يلبث أن يجف، وهذا إنما يوجد في نكاح المجوس. فعرّض الشاعر برجل أخواله مجوس فقال لست أنا كأولئك. ومن ذلك أيضا قول العطائي: ولا عيب فيهم غير أنّ قدورهم ... على المال أمثال السّنين الحواطم وقوله: (تخيرن ... البيت). أورده المصنف في شواهد (من) على وقوعها لابتداء الغاية في الزمان. وقيل التقدير: من مضي الأزمان. وأورده في الكتاب: (وتخيرن) بالبناء للمفعول. وحليمة: امرأة من غسان كانوا اذا أحسن الرجل منهم القتال طيبته حليمة. واليوم المذكور يوم أخذت الملك من الضجاعم (١). وذلك أن رجلا من غسان، يقال له جذع، أتاه الضجعمي يسأله الخراج، فأعطاه دينارا. فقال: هات آخر، وشدّد عليه، فدخل جذع منزله فأخذ سيفه فضرب عنق الضجعمي، ثم قاتلوهم فأخذوا الملك منهم. فيقال في المثل: خذ من جذع ما أعطاك. ويقال أيضا: ما يوم حليمة بسر. قال المبرّد في الكامل (٢). ويقال إن الغبار يوم حليمة سدّ عين الشمس فظهرت الكواكب المتباعدة عن مطلع الشمس. قال: وأظن قول القائل من العرب (لأرينّك الكواكب ظهرا) أخذ من يوم حليمة. وكل التجارب:

стр. 350

نصب على المصدر. والبيض: السيوف. والمضارب: الأطراف. واللازب: اللازم. ١٦٣ - وأنشد: عمدا فعلت ذاك بيد أنّي ... أخاف إن هلكت أن ترنّي (١) أنشده يوسف بن السيرافي في شرح أبيات إصلاح المنطق بلفظ: أخال إن هلكت لم ترنّي ولم يسم قائله. وقال: إخال أظن، بكسر الهمزة وفتحها. وترني: من الرنين، وهو الصوت. يقال: أرن يرنّ إرنانا، إذا صوّت. والارنان: صوت مع توجع، إنما أظن أني إن هلكت لم تبك عليّ ولم تنوحي. يزعم أنها تبغضه انتهى. وقال التبريزي في شرحه: عمدا أي تعمدا، وبيد بمعنى غير. وإخال: أحسب. وترني: من الرنين وهو الصوت بالبكاء. قال: والبيت أنشده الاصمعي، انتهى. وأنشده الجوهري في الصحاح شاهدا على أنه يقال أرنت بمعنى صاحت.

стр. 351

شواهد بله ١٦٤ - وأنشد: تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكفّ كأنّها لم تخلق هو لكعب بن مالك الصحابي ﵁ من قصيدة قالها في يوم الخندق. وأوّلها (١): من سرّه ضرب يمعمع بعضه ... بعضا كمعمعة الأباء المحرق فليأت مأسدة تسنّ سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق دربوا بضرب المعلنين وأسلموا ... مهجات أنفسهم لربّ المشرق في عصبة نصر الإله نبيّه ... بهم وكان بعبده ذا مرفق في كلّ سابغة تخطّ فضولها ... كالنهى هبّت ريحه المترقرق بيضاء محكمة كأنّ قتيرها ... حدق الجنادب ذات سكّ مولق جدلاء يحفزها نجاد مهنّد ... صافي الحديدة صارم ذي رونق تلكم مع التّقوى تكون لباسها ... يوم الهياج وكلّ ساعة مصدق

стр. 352

نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما، ونلحقها إذا لم تلحق فترى الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكفّ كأنّها لم تخلق نلقى العدوّ بفخمة ملمومة ... تنفي الجموع كقصد رأس المشرق ويعدّ للأعداء كلّ مقلّص ... ورد ومحجول القوائم أبلق تردى بفرسان كأنّ كماتهم ... عند الهياج أسود طلّ ملثق صدق يعاطون الكماة حتوفهم ... تحت العماية بالوشيج المزهق أمر الإله بربطها لعدوّه ... في الحرب إنّ الله خير موفّق ليكون غيظا للعدوّ وحيطا ... للدّار إن دلفت خيول البرق ويعيننا الله العزيز بقوّة ... منه وصدق الصّبّ ساعة نلتقي ونطيع أمر نبيّنا ونجيبه ... وإذا دعا لكريهة لم يسبق ومتى ينادي للشّدائد نأتها ... ومتى يرى الحومات فيها يعبق من يتّبع قول النّبيّ فإنّه ... فينا مطاع الأمر حقّ مصدّق فبذاك ينصرنا ويظهر عزّنا ... ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق إنّ الّذين يكذّبون محمّدا ... كفروا وضلّوا عن سبيل المتّقي أخرج ابن عساكر عن يزيد بن عياض بن جعدبة (١): أنّ النبيّ ﷺ لما قدم المدينة، تناولته قريش بالهجاء، فقال لعبد الله بن رواحة: ردّعنّي.

стр. 353

فذهب في قديمهم وأوّلهم، ولم يصنع في الهجاء شيأ. فأمر كعب بن مالك فقال (١): نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما، ونلحقها إذا لم تلحق ولم يصنع في الهجاء شيأ. فدعا حسّان فقال: اهجهم، وائت أبا بكر يخبرك بمعايب القوم. فأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره، وقال: والله يا رسول الله، ما أحب أن لي به مقولا في العرب، فصب على قريش منه شآبيب شرّ. فقال رسول الله: اهجهم، كأنك تنضحهم بالنبل. قال في الصحاح: المعمعة صوت الحريق في القصب ونحوه، وصوت الابطال في الحرب، وأنشد (من سرّه ... البيت). وأرض مأسدة: ذات أسد. المذاد، باعجام الذال الأولى، وإهمال الثانية، أطم بالمدينة. والجزع، بكسر الجيم، منعطف الوادي. والمرفق من الأمر: ما ارتفقت به وانتفعت. والسابغة: الدرع الواسعة. والمترقرق: اللامع. والقتير: رؤس المسامير في الدروع. والجنادب: جمع جندب، وهو ضرب من الجراد. والجدلاء من الدروع: المنسوجة. والنجاد: بكسر النون، حمائل السيف. والمهند: السيف المطبوع من حديد الهند. ويوم الهياج: يوم القتال. ومصدق: بالفتح، صادق الحلة. ومعنى قدما، بضمتين: تقدم. ولم يعرج: ولم ينثن. والجماجم: جمع جمجمة، وهي اما القبيلة التي تجمع البطون، وإما عظم الرأس المشتمل على الدماغ. وضاحيا: بارزا ظاهرا. والهامات: الرؤس، جمع هامة. قال الدمامينيّ: والمعنى على رواية الرفع، أن تلك السيوف تترك قبائل العرب الكبيرة بارزة الرؤس للأبطال، كأنها لم تخلق في محالها من تلك الأجسام، أو تترك تلك العظام المستورة مكشوفة ظاهرة، فكيف الأكف، أي إذا كانت حالة الرؤس هذه مع عزة الوصول إليها، فكيف حالة الأيدي التي توصل إليها

стр. 354

بسهولة. وعلى رواية النصب: أنها تترك الجماجم على تلك الحالة، دع الأكف، فإن أمرها أيسر وأسهل. وعلى رواية الجرّ: أنها تترك الجماجم ترك الأكف منفصلة عن محالها، كأنها لم تخلق متصلة بها. وملمومة: الكتيبة التي كثر عددها واجتمع فيها المقنب الى المقنب. وفرس مقلّص، بكسر اللام: مشرف مشمر، طويل القوائم. وفرس ورد، بفتح الواو، ما بين الكميت والأشقر. والملثق: بمثلثة، البلل. ويعبق: يلذق. فائدة: [كعب بن مالك] كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري، شاعر رسول الله ﷺ ، يكنى أبا عبد الرحمن. وقيل: أبو عبد الله، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، ولم يشهد بدرا وشهد أحدا، وجرح بها بضعة عشر جرحا، والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ما خلا تبوك فإنه أحد الثلاثة الذين تخلفوا من غير عذر ولم يعتذروا ويستغفر لهم، كما فعل غيرهم. فأرجأ أمرهم خمسين يوما وليلة، ونهى الناس عن كلامهم حتى نزلت توبتهم في قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا .. الآية). وكان قد ذهب بصره ومات سنة خمسين وهو ابن أربع وسبعين سنة. أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين، أن النبي ﷺ أتى كعب ابن مالك على جمل فقال: أين هو؟ فجاء فقال: هيه، فأنشده، فقال: لهو أشدّ عليهم من وقع النبل. وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن عبد الأعلى القرشي قال (١): قال معاوية لجلسائه: أخبروني بأشجع قول وصف به رجل قومه؟ فقال روح بن زنباع: قول كعب بن مالك: نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما، ونلحقها إذا لم تلحق فقال معاوية ﵁: صدقت.

стр. 355

حرف التاء ١٦٥ - أنشد: إلى ملك، ما أمّه من محارب، ... أبوه، ولا كانت كليب تصاهره (١) هو من قصيدة للفرزدق يمدح بها الوليد بن عبد الملك وقبله وهو أولها: رأوني فنادوني أسوق مطيّتي ... بأصوات هلّاك سغاب حرائره وبعده: ولكن أبوها من رواحة ترتقي ... بأيّامه قيس على من تفاخره فقالوا: أغثنا إن بلغت بدعوة ... لنا عند خير النّاس إنّك زائره فقلت لهم: إن يبلغ الله ناقتي ... وإيّاي أثني بالّذي أنا خابره أغث مضرا إنّ السّنين تتابعت ... علينا بحزّ يكسر العظم جابره قوله: الى ملك، متعلق بقوله أسوق، وأراد به الوليد، وأبوه مبتدأ وخبره جملة (ما أمه من محارب). وقال البعليّ: أبوه مبتدأ وأمه مبتدأ ثان، ومن محارب خبره، والجملة خبر الأول. والتقدير: ما أم أبيه من محارب. وقد استشهد ابن عقيل بالبيت على جواز تقدم الخبر على المبتدأ إذا كان جملة. ومحارب: اسم قبيلة.
следующие страницы →