٣٣٧ - وأنشد:
فما جمع ليغلب جمع قومي ... مقاومة ولا فرد لفرد
٣٣٨ - وأنشد:
فخرّ صريعا لليدين وللفم
هذا المصراع وقع في عدة قصائد لعدة شعراء: فمنها قصيدة لجابر بن جني (١) ابن حارثة بن عمرو بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب التّغلبي، أوّلها (٢):
ألا يا لقومي للجديد المصرّم ... وللحلم، بعد الزّلّة، المتوهّم
وللمرء يعتاد الصّبابة بعدما ... أتى دونها ما فرط حول مجرّم
فيا دار سلمى بالصّريمة فاللّوى ... إلى مدفع القيقاء فالمتثلّم
فيوم الكلاب قد أزالت رماحنا ... شرحبيل إذ آلى أليّة مقسم
لينتزعن أرماحنا، فأزاله ... أبو حنش عن ظهر شنقاء صلدم (٣)
تناوله بالرّمح ثمّ اتّنى له ... فخرّ صريعا لليدين وللفم
قال الكلبي: كان المنذر بن ماء السماء يبعث عمرو بن مرثد بن سعيد بن مالك، وقيس بن زهير الجثمي، على أتاوة ربيعة، وكانت ربيعة تحسدهما، فجاء عمرو
стр. 562
يوما، فقال جلساء الملك حسدا له: إنه يمشي كأنه لا يرى أحدا أفضل منه! فجاء فحيا الملك بتحية، فقال جابر بن جني في ذلك هذه القصيدة.
وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات: الجديد هنا الشباب. والمصرم:
الذاهب، يتعجب من تصرمه ومن حلمه المتوهم بعد الذلة، لأن الحلم إنما يكون قبلها، وأما بعدها فليس بحلم. و (ما) في قوله: (ما فرط) زائدة، ومجرم: تام كامل. والصريمة وما بعده مواضع. والقيقاء: جمع قيقاة بقافين، وهو ما غلظ من الأرض في ارتفاع. والى في قوله: (الى مدفع) بمعنى الفاء كما قال المصنف. ويوم الكلاب، بضم الكاف، يوم مشهور من أيام العرب قتل فيه الخلائق. والكلاب الذي كانت الوقعة عنده ما بين الكوفة والبصرة، وقال العسكري في كتاب التصحيف:
الكلاب ماء، وقيل موضع بالدهناء بين اليمامة والبصرة، كان به وقعتان للعرب احداهما بين ملوك كندة الآخرة، والأخرى بين بني الحارث وبين بني تميم، فقيل الكلاب الأول والكلاب الثاني. فأما الكلاب الأول فكان في الجاهلية، واليوم لبني تغلب، ورئيسهم يومئذ سلمة بن حارث الكندي ومعه ناس من بني تميم، منهم عرفجة بن أسعد، وقطع أنفه يومئذ، فلقى سلمة أخاه شرحبيل ومعه بكر بن وائل فقتل شرحبيل وهزم أصحابه. وفي هذا يقول امرؤ القيس (١):
كما لاقى أبي حجر وجدّي ... ولا أنسى قتيلا بالكلاب
وأما الكلاب الثاني: فكان لبني سعد والرباب، من الرباب لتيم، ومن بني سعد لمقاعس، وكان رئيسهم في هذا اليوم قيس بن عاصم.
وقال من اللطائف: إن حيان بن بشر المحدث أملى يوما وهو قاض بأصبهان حديث، أن عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فكسر الكاف، فقال له مستمليه: أيها القاضي، إنما هو بالضم. فغضب وأمر بحبسه، فدخل إليه الناس وقالوا: ما هذا؟ قال: قطع أنف عرفجة في الجاهلية وامتحنت أنابه في الاسلام انتهى. وشرحبيل المذكور هو الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، كان رأس
стр. 563
أحد الطائفتين، ورأس الأخرى سلمة اخوه، وقع بينهما لما مات أبوهما ومشت بينهما الرجال حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع، واقتتلوا قتالا شديدا حتى غشيهم الليل، فنادى منادي شرحبيل: من أتاني برأس سلمة، فله مائة من الابل.
ونادى منادي سلمة مثل ذلك. وفي القوم أبو حنش، وهو عصيم بن النعمان بن مالك الجشمي، فعرف مكان شرحبيل، فقصده فطعنه بالرمح، ثم نزل إليه فاحتز رأسه فأتى به سلمة فألقاه بين يديه فقال: لو كنت ألقيته القاء رقيقا، فقال: ما صنع به وهو حي شرّا من هذا، وعرف الندامة في وجهه والجزع على أخيه، فهرب أبو حنش وتنحى عنه. والشنقاء: الطويلة من الخيل. والصلدم، بكسر المهملتين، الصلبة. وتناوله بالرمح: طعنه. وأتنى: أصله انثنى، فادغم النون في الثاء، ثم أبدلها تاء.
ومنها قصيدة للعكبر بن حديد بن مالك بن حذيفة بن بكر بن قيس بن منقذ بن طريف، وكان مع علي ﵁ في أبيات، أولها:
ألا ليت شعري هل أشنّنّ غارة ... على ابن كدام أو سويد بن أصرم
فيعترفا اليحموم ويعدو بفارس ... أخي ثقة يغثى التّألّف معلم
وأشعث قوّام بآيات ربّه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
ضممت إليه بالسّنان قميصه ... فخرّ صريعا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليّا ومن لا يتبع الحقّ يندم
يذكّرني حاميم والرّمح دونه ... فهلّا تلا حاميم قبل التّقدّم
ويروى:
شككت له بالرّمح حيث قميصه ... فخرّ صريعا لليدين وللفم
وأخرج الزبير بن بكار، وابن عساكر عن الضحاك بن عثمان الخزاميّ، قال:
стр. 564
كان هوى محمد بن طلحة بن عبيد الله مع علي بن أبي طالب، فنهى علي عن قتله.
وقال محمد لعائشة: ما تأمريني؟ قالت: أرى أن تكون كخير ابني آدم، ان تكف يدك، فكف يده. فقتله رجل من بني أسد بن خزيمة، يقال له كعب بن مدلج، من بني منقذ بن طريف. ويقال: قتله شدّاد بن معاوية العبسي، ويقال: بل قتله عصام ابن مقشعر البصري، وهو الذي يقول في قتله:
وأشعث قوّام بآيات ربّه ... الأبيات
وقيل: إن القاتل والقائل الأبيات شريح بن أوفى. وقيل: عبد الله بن مكعب حليف لبني أسد، وقيل ابن مكبس الأزدي، وقيل الأشتر.
وقال الشيخ سعد الدين في حاشية الكشاف قوله: (على غير شيء) متعلق بشككت، أي خرقت، يعني بلا سبب من الأسباب، (وغير أن) استثناء من شيء لعمومه بالنفي أو بدل، والفتح للبناء، قوله: (يذكرني حاميم) يعني حمعسق، لما فيها من قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ويروى:
(الرمح شاجر) أي طاعن، من شجرته بالرمح طعنته، وقيل معناه: مختلف، فعلى الأول معناه: لو ذكرني حاميم قبل ان أطعنه بالرمح لسلم. وعلى الثاني قبل قيام الحرب وتردّد الرماح.
٣٣٩ - وأنشد
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (١)
هو من قصيدة لمتمم بن نويرة اليربوعي، يرثي بها أخاه مالكا، وكان قتل في الردّة، قتله خالد بن الوليد بالبطاح في خلافة الصديق، وأوّل القصيدة (٢):
стр. 565
لعمري وما عمري بتأبين هالك ... ولا جزعا ممّا أصاب فأوجعا (١)
لقد كفّن المنهال تحت ثيابه ... فتى غير مبطان العشيّات أروعا
إلى أن قال:
وكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ولست إذا ما أحدث الدّهر نكبة ... ورزءا بزوّار القرائب أخضعا
ولا فرحا إن كنت يوما بغبطة ... ولا جزعا إن ناب دهرا فأضلعا
ولكنّني أمضي على ذاك مقدما ... إذا بعض من يلقى الخطوب فكعكعا
ومنها:
قعيدك أن لا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فيسمعا
وقصرك إنّي قد جهدت فلم أجد ... بكفّي عنهم للمنيّة مدفعا
فلو أنّ ما ألقى يصيب متالعا ... أو الرّكن من سلمى إذا لتضعضعا
وما وجد آظآر ثلاث روائم ... رأين مجرّا من حوار ومصرعا
стр. 566
يذكّرن ذا البثّ الحزين ببثّه ... إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
إذا شارف منهنّ قامت فرجّعت ... حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا
بأوجد منّي يوم فارقت مالكا ... وقام به النّاعي الرّفيع فأسمعا
إلى أن قال:
لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة ... عليك من اللّائي يدعنك أجدعا
قوله: (غير مبطان العشيّات). قال في الكامل (١): يقول: كان لا يأكل في آخر نهاره انتظارا للضيف، ويروى أن عمر بن الخطاب سأله: أكذبت في شيء مما قلته لأخيك؟ فإنك ذكرت خصالا قلّ ما تكون في الرجال، فقال:
يا أمير المؤمنين، ما كذبت في حرف واحد، إلا إني أعلم أنّ خصلة واحدة قد قلتها، قال: وما هي؟ قال: قلت: غير مبطان العشيات. وقد علمت أنه كان له بطن، فقال عمر: إن هذه لخصلة يسيرة فيما يقول الشعراء. ذكره أبو عبيدة في مقاتل الفرسان.
والأروع: ذو الروعة والهيبة. وجذيمة: هو الأبرش، كان ملكا، وهو أوّل من أوقد بالشّمع نصب المجانيق للحرب. وندماه مالك وعقيل يضرب بهما المثل لطول ما نادماه حتى قال أبو خراش (٢):
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل
قوله: (وما وجد اظآر)، استشهد به الفارسي على أن الظئر مؤنث، لقوله: ثلاث. وعلى ان الظئر يكون من الابل لأنه وصف في البيت نوقا فقدت أولادها في حال صغر فأقبلن على الحنين. وقال المبرد في الكامل (٣): اظآر: جمع
стр. 567
ظئر، وهي النّوق تعطف على الحوار فتألفه. وروائم: جمع رؤوم، ومعنى ترأمه: (تشمّه) (١). والحوار: ولد الصغير، ويقال له: حيث يسقط من أمّه (سلل) قبل أن يقع عليه الأسماء، فإن كان ذكرا فهو (سقب)، وإن كان أنثى فهو (حائل) وهو في ذلك كله (حوار سفة) «١». وقوله:
إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
أورده المصنف في مع مستشهدا به على أن مع تستعمل للجماعة. وسجعن:
تقابلت أصواتهن على طريقة واحدة وتناسب. وقوله: (لعلك يوما ... البيت).
أورده المصنف في لعل شاهدا على اقتران خبرها بأن.
فائدة: [متمم بن نويرة]
متمم بن نويرة بن شداد يكنى أبا نهشل وأخوه مالك يكنى أبا المغوار.
أخرج أبو الفرج في الأغاني (٢) عن ابن شهاب ان مالك بن نويرة كان من أكثر الناس شعرا، وان خالدا لما قتله أمر برأسه فصب أنفيه بقدر فنضح ما فيها قبل ان بلغت النار الى شواته. وأخرج عن حبيب بن زيد الطائي: ان المنهال مرّ على أشلاء مالك بن نويرة لما قتله خالد فأخذ ثوبا فكفنه فيه ودفنه، ففيه يقول متمم:
(لقد كفن المنهال ... البيت) (٣). وأخرج أيضا من طريق أحمد بن عمار العبدي عن أبيه عن جده قال: صليت مع عمر بن الخطاب الصبح، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل قصير أعور فقال: من هذا؟ قال: متمم بن نويرة، فاستنشده قوله في
стр. 568
أخيه فانشده: لعمري ... القصيدة بتمامها. فقال عمر: لوددت أني أحسن الشعر فأرني أخي زيدا مثل ما رثيت به
أخاك، فقال متمم: لو أن أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي مثل ما عزاني به متمم (١). وقال الدينوري في المجالسة: أخبرنا ابن أبي الدنيا، حدثنا أبي عن هشام عن محمد عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب يقول: ماهبت الصبا إلا بكيت على أخي زيد، وكان إذا لقى متمم بن نويرة استنشده قصيدته في أخيه: وكنا كندماني جذيمة ... البيتين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الايمان عن القاسم بن معين قال: قال عمر بن الخطاب: رحم الله زيدا، يعني أخاه، هاجر قبلي، واستشهد قبلي، ماهبت الرياح من تلقاء اليمامة الا أتتني برياه، وما ذكرت قول متمم بن نويرة إلا ذكرته وهاج بي شجنا: وكنا كندماني جذيمة ... البيتين.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد: أن عمر قال لمتمم بن نويرة: لو كنت شاعرا أثنيت على أخي كما أثنيت على أخيك، فقال: لو كان مهلك أخي كمهلك أخيك لتعزيت عنه، فقال عمر: ما رأيت تعزية أحسن من هذه.
وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا وكيع بن الجراح، ومحمد بن عبد الله الأسدي عن عبد الله بن لاحق المكي عن أبي مليكة قال: مات عبد الله بن أبي بكر بالحبشة فدفن بمكة، فقدمت عائشة من المدينة فأتت قبره فوقفت عليه فتمثلت بهذين البيتين: وكنا كندماني جزيمة ... الى آخرهما. وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن أبي عون وعبد العزيز بن يعقوب الماجشون قالا: قال عمر بن الخطاب لمتمم بن نويرة: ما أشد ما لقيت على أخيك من الحزن؟ قال: كانت عيني هذه قد ذهبت.
وأشار إليها، فبكيت بالصحيحة، وأكثرت البكاء حتى أسعدتها العين الذاهبة وجرت بالدمع. فقال عمر: ان هذا الحزن شديد ما يحزن هكذا أحد على هالكه، ثم قال عمر: يرحم الله زيد بن الخطاب، إني لأحسب أني لو كنت أقدر على أن أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك، فقال متمم: يا أمير المؤمنين، لو قتل يوم اليمامة كما قتل أخوك ما بكيته أبدا. فأبصر عمر وتعزى عن أخيه، وكان قد حزن عليه حزنا شديدا.
стр. 569
وكان عمر يقول: ان الصبا لتهب فتأتيني بريح زيد بن الخطاب. قال ابن جعفر فقلت لابن أبي عون: أما كان عمر يقول الشعر؟ فقال: لا، ولا بيتا واحدا.
٣٤٠ - وأنشد قول جرير:
لنا الفضل في الدّنيا وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
تقدم شرحه في شواهد حتى ضمن قصيدة جرير (١).
٣٤١ - وأنشد:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا: إنّه لذميم (٢)
من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي، وأوّلها:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا: إنّه لذميم
والوجه يشرق في الظّلام كأنّه ... بدر منير والنّساء نجوم
وترى اللّبيب محسّدا لم يجترم ... شتم الرّجال وعرضه مشتوم
وكذاك من عظمت عليه نعمة ... حسّاده سيف عليه صروم
فاترك مجاراة السّفيه فإنّها (٣) ... ندم وغبّ بعد ذاك وخيم
وإذا جريت مع السّفيه كما جرى ... فكلا كما في جريه مذموم
стр. 570
وإذا عتبت على السّفيه ولمته ... في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التّعليم
ويل الشّجيّ من الخليّ فإنّه ... نصب الفؤاد بشجوه مغموم
وترى الخليّ قرير عين لاهيا ... وعلى الشّجيّ كآبة وهموم
ويقول: ما لك لا تقول مقالتي ... ولسان ذا طلق وذا مكظوم
لا تكلمن عرض ابن عمّك ظالما ... فإذا فعلت فعرضك المكلوم
وحريمه أيضا حريمك فاحمه ... كي لا يباح لديك منه حريم
وإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمة ... فكلامه (١) إن عقلت كلوم
وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتّسليم
وإذا رآك مسلّما ذكر الّذي ... حمّلته فكأنّه محتوم (٢)
ورأى عواقب خلف ذاك مذمّة ... للمرء تبقى والعظام رميم
فارج الكريم وإن رأيت جفاءه ... فالعتب منه، والفعال كريم
إن كنت مضطرّا وإلّا فاتّخذ ... نفقا كأنّك خائف مهزوم
стр. 571
وتفرّ عنه ثمّ تهجر بابه (١) ... دهرا وعرضك إن فعلت سليم
والنّاس قد صاروا بهائم كلّهم ... ومن البهائم قابل وزعيم (٢)
عمي وبكم ليس يرجى نفعهم ... وزعيمهم في النّائبات مليم
وإذا طلبت إلى لئيم حاجة ... فألحّ في رفق وأنت مديم
والزم قبالة بيته وفنائه ... بأشدّ ما لزم الغريم غريم
وعجبت للدّنيا ورغبة أهلها ... والرّزق فيما بينهم مقسوم
والأحمق المرزوق أعجب من أرى ... من أهلها والعاقل المحروم
ثمّ انقضى عجبي لعلمي أنّه ... قدر مواف وقته معلوم
وقال البيهقي في شعب الايمان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، أخبرنا الحارث بن أبي اسامة وأبو يزيد أحمد بن روح البزازان عبيد الله محمد بن حفص العبسي، أنشدهم في ابنه:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالنّاس أضداد له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا: إنّه لذميم
وترى اللّبيب مشتّما لم يحترم ... عرض الرّجال وعرضه مشتوم
٣٤٢ - وأنشد:
وإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده (٣)
стр. 572
وأنشد ابن الأعرابي في نوادره لرجل من عاملة يقال له سماك قتلته غسان:
ألا من شجت ليلة عامده ... كما أبدا ليلة واحده
فأبلغ قضاعة إن جئتها ... وأبلغ شراة بني ساعده
وأبلغ معدّا على بابها ... فإنّ الرّماح هي العائده
فأقسم لو قتلوا مالكا ... لكنت لهم حيّة راصده
برأس سبيل على مرقب ... ويوما على طرق وارده
فأمّ سماك فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده
وأنشد ابن الأعرابي في قوله:
كما أبدا ليلة واحده
أي هذه الليلة كأنها الدهر أجمع. و (ما) معرفة فنصب أبدا على خروجه من المعرفة. ثم رايت في كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه للمبرد، ما نصه: قال ابن الزبعري (١):
لا يبعد الله ربّ العبا ... د والملح ما ولدت خالده
وهم مطعنون صدور الكما ... ة والخيل تطرد أو طارده
فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده
أي الى هذا مصيرهم.
٣٤٣ - وأنشد:
لله يبقى على الأيّام ذو حيد
стр. 573
تقدم شرحه في شواهد أم ضمن قصيدة لساعدة بن جوية ميمية (١)، وقد وقع أيضا في قصيدة لأبي ذؤيب سينية، وتمامه (٢):
بمشمخرّ به الظّيّان والآس
وأورده الفارسي في الايضاح بلفظ:
تالله لا تعجز الأيّام ذو حيد
وهو الوعل. والمشمخر: الجبل العالي. والظيان: ياسمين البر. والآس:
المرسين (٣).
٣٤٤ - وأنشد:
فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل (٤)
هو من معلقة امرئ القيس بن حجر المشهورة (٥)، وقبله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
стр. 574
فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
كأنّ الثّريّا علّقت في مصامها ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل
قوله: (وليل) على اضمار (رب) أي ورب ليل. والبيت استشهد به المصنف على ذلك في حرف الواو. وقوله: (كموج البحر) بيان لكثافته وظلمته. وسدوله:
ستوره، يقال: سدلت ثوبي إذا أرخيته ولم تضممه. وأنواع الهموم: أي ضروبها (١). قوله: (ليبتلى) أي لينظر ما عندي من الصبر والجزع. وجوزة:
بالجيم والزاي، وسطه. وجوز كل شيء وسطه (٢). والأعجاز: بفتح الهمزة، جمع عجز، وهو من استعمال الجمع وإرادة الواحد. وناء: بالنون، نهض. والكلكل:
الصدر. والبيت استشهد به ابن مالك على أن (الواو) لا تدل على الترتيب، لأن البعير ينهض بكلكله، أو لاسم يجوزه. وقوله: (ألا انجلى) الانكشاف. ومعنى:
(وما إلا صباح فيك بأمثل) أنه مغموم، فالليل والنهار عليه سواء.
قوله: (يا لك) استشهد به ابن أم قاسم على فتح لام المستغاث من أجله مع الضمير غير الياء. واستشهد به غيره على جر المستغاث من أجله بمن في قوله من ليل. ومغار الفتل: أي محكم الفتل، يقال: أغرت الحيلة: اغارة، وحبل شديد الغارة: أي شديد الفتل. ويذبل: بفتح التحتية وسكون الذال المعجمة وضم الموحدة ولام اسم جبل. وشدت: خبر كان.
٣٤٥ - وأنشد:
شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا (٣)
стр. 575
هذا من قصيدة للأعشى ميمون يمدح بها النّبي ﷺ ، وقد أتى اليه بمكة ليسلم فاعترضه بعض كفار قريش فقال: إنه يحرّم الزنا، قال: لا أرب لي فيه، قال: إنه يحرّم الخمر. قال: أرجع فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم، فرجع فمات من عامه ولم يعد. والقصيدة (١):
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السّليم مسهّدا (٢)
وما ذاك من عشق النّساء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا
ولكن أرى الدّهر الّذي هو خائن (٣) ... إذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا
وفي رواية ابن اسحق:
كهولا وشبّانا فقدت وثروة ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا
وما زلت أبغي المال إذا أنا يافع (٤) ... وليدا وكهلاحين شبت وأمردا
وإتعابي العيس المراقيل بالضّحى (٥) ... مسافة ما بين النّجير فصرخدا
فإن تسألي عنّي فيا ربّ سائل ... خفيّ عن الأعشى به كيف أصعدا (٦)
ألا أيّهذا السّائلي أين أصعدت (٧) ... فإنّ لها في أهل يثرب موعدا
стр. 576
فأمّا إذا ما أدلجت فترى لها ... رقيبين جديا لا يؤوب وفرقدا (١)
وفيها إذا ما هجّرت عجر فيّة ... إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا
وأزرت برجليها النّقى وأتبعت (٢) ... يداها خنافا ليّنا غير أحردا
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفيّ حتّى تلاقي محمّدا (٣)
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندا (٤)
نبيّ يرى ما لا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغبّ ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا
أجدّك لم تسمع وصاة محمّد ... نبيّ الإله حين أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ... وأبصرت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون مكانه ... فترصد للأمر الّذي كان أرصدا (٥)
فإيّاك والميتات لا تقربنّها ... ولا تأخذن سهما جديدا لتفصدا
وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
وسبّح على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد المثرين والله فاحمدا
وذا الرّحم القربى فلا تتركنّه ... لفاقته ولا الأسير المقيّدا (٦)
стр. 577
ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة ... ولا تحسبنّ المال للمرء مخلّدا
ولا تقربن جارة، إنّ سرّها ... عليك حرام، فانكحن أو تأبّدا
قال شارح ديوانه: ألم تغتمض: استفهام تقرير، والخطاب لنفسه تجريدا.
وليلة أرمد: أي ليلة رجل أرمد. والسّليم: اللديغ، من باب الأضداد، ونصبه على أنه خبر كان المقدّرة، أي ومذ كنت وليدا. قال الاصمعي: قالوا اللديغ: سليم، تفاؤلا بأنه سيسلم، كما قالوا: للمهلكة مفازة، وللعطشان ناهل. والمسهد: الذي لا ينام. والخلة: الصداقة. ومهددا: امرأة. قوله: (ولكن أرى الدهر ...
البيت) يقول: إذا اتخذت مالا واصطفيت أخا جاء الدهر فذهب به والثروة الغنى.
قوله: (فلله) تعجب من الدهر كيف يختلف يذهب ويجئ. قوله: (وما زلت ...
البيت). استشهد به المصنف في مذ على إيلائها الجملة الاسمية. واليافع: الغلام الذي قارب الحلم. والوليد: الصبي.
قال الأصمعي: والكهل من أربعين الى خمسين، والأمرد: الذي ليس على وجهه شعر، وأصله من تمريد الغصن وهو تجريده عن ورقه. والعيس: جمع أعيس وعيسا، وهي الابل البيض التي تخالطها حمرة.
والمراقيل: جمع مرقال بكسر الميم، من أرقل البعير إرقالا: أي ارتفع في سيره وصدّ عنقه ونفض رأسه وضرب بمشافره. والنجير: بضم النون وفتح الجيم وسكون التحتية، موضع بحضر موت. وصرخد: بلدة بالشام. السائل: الحفيّ بالحاء المهملة، المكثر أو الملطف. والجدي والفرقد: كوكبان لا يزولان من مكانهما ولا يغيبان. وهجّرت: سارت في الهاجرة نصف النهار. والعجر فية: جهالة ومرح لفضل نشاطها. والحرباء: دويبة تستقبل الشمس حتى تغرب كيفما دارت رافعة يديها ورأسها. والأصيد: البعير الذي به الصيد، وهو داء يأخذ الأبل في رؤوسها فلا تزال رافعة رأسها منه. وأذرت: ألقت. والنقى: ما تنقى من الحصى والتراب.
والخناف: بالفاء، أن تقلب الخفّ الى الجانب الأيمن. والأحرد: بالحاء المهملة، الذي يخبط بيديه اذا سار. وأغار: أتى الغور. وأنجد: أتى نجدا. وإنما يقال؟؟؟ غار لا أغار، وإنما قاله مواخاة لأنجد على حد مأزورات غير مأجورات، والأصل
стр. 578
موزورات. وأجدك: أي مالك، قاله أبو عمرو. وقال المبرد في الكامل (١): معناه:
أجد منك توفيقا، وتقديره في النصب: أتجدّ جدّا. وقوله: (إذا أنت إلى آخر القصيدة)، تفسيره: وصاه محمد ﷺ . وقوله:
ولا تأخذن سهما جديدا لتفصدا
أي لا تشرب دما. والنصب: حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عنده لآلتهم.
وقوله: (لا تنسكنّه) أراد لا تنسكن عنده، فعد الفعل إليه، أي لا تذبح ذبيحة تتقرّب بها إلى الاصنام. وقوله (والله فاعبدا) استشهد به المصنف في التوضيح على إبدال نون التوكيد الخفيفة ألفا في الوقت، إذ أصله: فاعبدن. والسّرّ الجماع. وقوله: (فانكحنّ أو تأبّدا) أي تزوّج أو توحش.
٣٤٦ - وأنشد:
ومن يك ذا عظم صليب رجا به ... ليكسر عود الدّهر فالدّهر كاسره
هو لنصيب الأسود وأنشده الجاحظ في البيان بلفظ (٢):
ومن يك ذا عود صليب يعدّه
وقبله:
ومن يبق مالا عدّة وصيانة ... فلا الدّهر مبقيه ولا الشّحّ وافره
وفي المؤتلف والمختلف للآمدي عز وهذين البيتين الى توبة بن الحمير من أبيات قالها في ليلى الأخيلية وقبلهما:
стр. 579
أرى النّاس من ليلاك سقما وقربها ... حياء كما الغيث الّذي أنت ناظره
ولو سألت للنّاس يوما بوجهها ... سحاب الثّريّا لاستهلّت مواطره
٣٤٧ - وأنشد:
وملكت ما بين العراق ويثرب ... ملكا أجار لمسلم ومعاهد
قال ثعلب في أماليه: قال الزبير: قال ابن ميادة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان أمير المدينة (١):
من كان أخطأه الرّبيع فإنّه ... نصر الحجاز بغيث عبد الواحد (٢)
إنّ المدينة أصبحت محمودة ... لمتوّج حلو الشّمائل ماجد (٣)
كالغيث من عرض الفرات تهافتت ... سبل إليه بصادر أو وارد
وملكت غير معنّف في ملكه ... ما دون مكّة من حصى ومساجد
وملكت ما بين الفرات ويثرب ... ملكا أجار لمسلم ومعاهد
ماليهما ودميهما من بعد ما ... غشّى الضّعيف شعاع سيف المارد
ولقد رمت قيس وراءك بالحصى ... من رام ظلمك من عدوّ جاهد
٣٤٨ - وأنشد:
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل (٤)
стр. 580
هو من قصيدة لكثير عزّة، قال المصنف وهي من غرر قصائده، وأوّلها:
ألا حيّيا ليلى آن رحيلي ... وآذن أصحابي غدا بقفول
تبدّت له ليلى لتذهب عقله ... وشاقتك أمّ الصّلت بعد ذهول
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
وكم من خليل قال لي: لو سألتها ... فقلت له: ليلى أضنّ بخيل (١)
ومنها:
فإن جاءك الواشون عنّي بكذبة ... فروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا ليل أن تتفهّمي ... بنصح أتى الواشون أم بحبول
ومنها:
وقالوا: نأت فاختر من الصّبر والبكا ... فقلت: البكا أشفى إذن لغليلي
ومنها وهو آخرها:
وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربي ... إلى اليوم كالمقصى بكلّ سبيل
والقفول: الرجوع. والقافلة: الراجعة من سفر. ورسول يروي بدله:
ورسيل، وكلاهما بمعنى الرسالة (٢). وحبول بالحاء المهملة، ويروى بالمعجمة (٣).
قال القالي في أماليه (٤): قال لنا أبو بكر، يروى عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال:
لقى الفرزدق كثيرا فقال له: أنت يا أبا صخر أنسب العرب حيث تقول:
стр. 581
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أشعر العرب حيث تقول:
ترى النّاس ما سرنا يسيرون خلفنا ... فإن نحن أو مأنا إلى النّاس وقّفوا
فقال القالي: وهذان البيتان لجميل، سرق أحدهما كثيّر والآخر الفرزدق.
٣٤٩ - وأنشد:
يا بؤس للحرب الّتي ... وضعت أراهط فاستراحوا
هو مطلع قصيدة لسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وهو جدّ طرفة الشاعر، وبعده (١):
والحرب لا يبقى لجا ... حمها التّخيّل والمراح
إلّا الفتى الصّبّار في النّ ... جدات والفرس الوقاح
والنّثرة الحصداء وال ... بيض المكلّل والرّماح
وتساقط التّنواة والذّنبات ... أو جهد الفضاح (٢)
والكرّ بعد الفرّ إذ ... كره التّقدّم والنّطاح
كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشّرّ الصّراح
فالهمّ بيضات الخدو ... ر هناك لا النّعم المراح
стр. 582
بئس الخلائف بعدنا ... أولاد يشكر واللّقاح
من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
صبرا بني قيس لها ... حتّى تريحوا أو تراحوا
إنّ الموائل خوفها ... يعتاقه الأجل المتاح
هيهات هان الموت دو ... ن الفوت وانتضي السّلاح
يا ليلة طالت عليّ ... (م) تفجّعا فمتى الصّباح
كيف الحياة إذا خلت ... منّا الظّواهر والبطاح
أين الأعنّة والأسنّة ... عند ذلك والرّماح (١)
قال التبريزي: أراهط: جمع رهط أرهط، جمع رهط، كأنهم قالوا: رهط وأرهط. ثم قالوا أراهط. وسيبويه عنده أن العرب لم تنطق بأرهط (٢). وقد حكاه غيره، وإذا نصبت أراهط جعلت الحرب الفاعل، وليس الموضع هنا ضدّ الرفع، وإنما المراد أنها تركتهم فلم تكلفهم القتال فيها، وإنما يعني سعد بن مالك الحارث بن عباد. ومن كان مثله في الأعتزال عن الحرب. ويروى أن الحارث لما حارب مع بني بكر بعد قتل بجير قال لسعد: أتراني ممن وضعته الحرب؟ قال:
لا، ولكن لا محبا لعطر بعد عروس. فهذا يدل على النصب، ومن رفع (أراهط) فالمعنى يابؤس للحرب التي وضعتها أراهط، وهذا اللفظ هو الأصل، لأن قولك:
ترك بنو فلان الحرب، هو واجب الكلام. وقولك: تركت الحرب بني فلان،
стр. 583
مجاز. والجاحم: من جحمت النار، إذا اضطرمت، ومنها الجحيم. قال الترمذي:
والتخيل: الخيلاء والتكبر. والمراح، بكسر الميم: اسم من مرح يمرح مرحا، وهو شدة الفرح. قال المصنف: أي انها تشغله عن خيلائه ومرحه. قال البطليوسي:
المراح: النشاط. والفتى بدل من صاحب. والصبّار: مبالغة صابر. والنجدات:
الشدائد. والوقاح، بفتح الواو وتخفيف القاف: الصلب الشديد، ويجمع على وقح. والنّثرة بفتح النون وسكون المثلثة وفتح الراء، الدرع الواسعة. والحصداء:
المحكمة الشديدة. والبيض، بفتح الباء، جمع بيضة، وهي الخودة. أو بكسرها، جمع أبيض، وهو السيف. المكلل: يعني بالمسامير كأنها غشيت وسمرت. قاله التبريزي. وقال التدمريّ: أي المركب على هيئة الاكليل. وتساقط:
عطف على وضعت أراهط. والتنواة (١): بفتح المثناة الفوقية وسكون النون: الاتباع.
والمعنى: وتساقط الدخلاء الذين وطأت أراضيهم العرب، فلم يكونوا منهم.
والذنبات، بفتح المعجمة والنون والموحدة (٢). وجهد الفضاح: أي استوت المفاتحة.
قوله:
كشفت لهم عن ساقها
أي شدّتها، كما في قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) والصّراح بضم الصاد وكسرها، الخالص. قوله:
فالهمّ بيضات الخدور
أراد بها النساء، لان المرأة تشبه ببيضة النعامة، كأنهنّ بيض مكنون. والخدور:
أراد الهوادج. وأصل الخدر السر. والمراح بضم الميم، صفة النعم. وأما بالفتح، فالموضع مكنون. والخدور: أراد الهوادج. وأصل الخدر السر. والمراح: بضم
стр. 584
الميم، صفة النعم. وأما بالفتح، فالموضع الذي تأوى إليه ليلا. وقوله: (أولاد يشكر) هو بكر بن وائل. واللّقاح، بضم اللام (١) يقول إذا خلفنا من لادفاع في حاجتها إلى من يذب عنها. ويروى اللّقاح، بفتح اللام، والمراد به لقب بني حنيفة، وكانوا لا يدينون للملوك فقال حرّ لقاح، بالفتح، إذا لم يدينوا ولم يصبهم شيئا ويكون الكلام على هذا تهكما. قوله: وصدّأ: عرض عن نيرانها، أي الحرب.
قوله: فأنا ابن قيس، أي الذي عرفت بالشجاعة فلا يحتاج إلى البيان. لا براح:
أي ليس لي براح عن موقفي في الحرب. وقد أورد المصنف هذا البيت في شواهد (لا) مستشهدا به على إعمال (لا) عمل (ليس). قال التبريزي: عرض سعد في هذا البيت الحارث بن عباد، وكان من حكام ربيعة وفرسانها، فاعتزل حرب ابني وائل، وتنحى بأهله وولده وحلّ وترقوسه، ونزع سنان رمحه، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. صبرا: أي اصبروا. والموائل: بفتح الميم، جمع موئل، وهو الملجأ.
ويعتاقه: يحبسه ويصرف عنه. والمتاح، بضم الميم وتخفيف المثناة الفوقية، وهو اسم مفعول، أي المقدر، يقال: أتيح له كذا: أي قدر. وقال العيني: هو بفتح الميم وتشديد التاء: الطويل. يقال: ليل متاح، إذا كان طويلا. قلت: وليس
كما قال، ولا يستقيم بذلك الوزن.
٣٥٠ - وأنشد:
إنّ أباها وأبا أباها
تقدم شرحه في شواهد إنّ ضمن أبيات (٢)
٣٤١ - وأنشد:
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له ... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي (٣)
стр. 585
هو لحاتم الطائي يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله، كذا قال غير واحد (١). وقال في الأغاني (٢): أخبرنا ابن دريد، حدثني عمي عن العباس بن هشام، عن أبيه، عن جدّه، قال: تزوّج قيس بن عاصم المنقري بنفوسة بنت زيد الفوارس الضّبيّ، وأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام، فقال: أين أكيلي؟ فلم تعلم ما يريد، فأنشأ يقول:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له ... أكيلا فإنّي لسث آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنّني (٣) ... أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعابادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإنّي لعبد الضّيف ما دام ثاويا ... وما فيّ إلّا تلك من شيم العبد
قال التبريزي: عني بذي البردين عامر بن احيم بن بهذلة (٤)، وإنما لقب به لأن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء، فأخرج بردين وقال: ليقم أعر العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر فأخذهما، فقال له المنذر: انت أعز العرب قبيلة؟ قال:
العز والعدد في معدّ، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم.
ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهذلة، فمن أنكر هذا فلينافرني، فسكت الناس، ثم قال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، ثم وضع قدميه على الأرض، فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الأبل، فلم
стр. 586
يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز بالبردين. والورد: هو بين الكميت والأشقر.
والاكليل: المواكل، كالنديم المنادم. والشريب: المشارب. والجليس: المجالس، ولا يطلق إلا على من تكرّر منه ذلك، لا من وقع ذلك منه مرة. وإنما نكره ولم يقل اكيلي لأنه عرف بمواكلته، عدّه فأراد واحدا منهم، قاله التبريزي والمرزوقي.
وأخا: بدل من إكيلا. والمذمّة: بالفتح، الذم. والثاوي: المقيم (وإلا تلك) استثناء مقدّم، وموضع من شيم العبد رفع إسم ما والخبر في، ومن بيانية، كذا قالاه. والصواب: أن (ما) لا عمل لها لا تتقاضها بالنفي.
فائدة: [قيس بن عاصم]
قيس بن عاصم بن سنان بن خارجة المنقري يكنى أبا علي، صحابي شاعر فارس شجاع، حليم كثير الغارات، مظفر في غزواته. أدرك الجاهلية والاسلام فساد فيهما.
وصحب النبيّ ﷺ مدة حياته. وروى عدة أحاديث، وعسّر بعده زمانا.
٣٥٢ - وأنشد:
هذا سراقة للقرآن يدرسه (١)
وتمامه:
والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب
ضمير يدرسه راجع إلى الدرس، وهو المصدر، لا إلى القرآن. وقد استشهد به أبو حيان في شرح التسهيل على أن
ضمير المصدر قد يجيء مرادا به التأكيد، وإن ذلك لا يختص بالمصدر، والظاهر على الصحيح.
стр. 587
٣٥٣ - وأنشد قول ليلى:
أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها (١)
هو من أبيات لليلى الاخيلية تمدح بها الحجاج. قال القالي في أماليه: والمعافى ابن زكريا معا، حدثنا أبو بكر بن الانباري قال: حدثني أبي، أخبرنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاص إذا دخل على الحجاج، فدخل يوما فدخلت إليهما وليس عند الحجاج أحد غير عنبسة، فأقعدني فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيأ وجاءني به، ثم جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب! فقال له الحجّاج: ادخلها، فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتّى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنّت حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجّاج عن نفسها فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى، ما أتانا بك؟ فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لها بعد الله الرّفد. فقال: صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرّة، والأرض مقشعرّة، والمبرك معتلّ، وذو العيال مختل، والهالك للقل، والناس مسننّون رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة، لم تدع لنا هبعا، ولا ربعا، ولا عافطة (ولا نافطة) (٢) أذهبت الأموال، ومزّقت الرجال، وأهلكت العيال، ثم قالت: إني قلت في الأمير قولا فأنشأت تقول:
أحجّاج إنّ الله أعطاك غاية ... يقصّر عنها من أراد مداها
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنّما ال ... منايا بكفّ الله حيث تراها
أحجّاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
стр. 588
إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها وشفاها
شفاها من الدّاء العضال الّذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها
سقاها فروّاها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجّاج زحف كتيبة ... أعدّ لها قبل النّزول قراها
أعدّ لها مسمومة فارسيّة ... بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجفّ ثراها
قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجاج: قاتلها الله. ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم التفت الى عنبسة بن سعيد فقال: والله إنّي لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدا، ثم التفت إليها فقال لها: حسبك، فقالت: إني قلت أكثر من هذا؟ فقال: ويحك حسبك: ثم قال: يا غلام، اذهب إلى فلان فقل له:
اقطع لسانها. فذهب بها فقال له: يقول لك الأمير: اقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمك: أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصّلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبا وهمّ بقطع لسانه فقال: أرددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد وأمانة الله يقطع مقولي، ثم أنشأت تقول:
حجّاج أنت الّذي ما فوقه أحد ... إلّا الخليفة والمستغفر الصّمد
حجّاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للنّاس نور في الدّجى يقد
ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير، ما رأينا قطّ أحدا أفصح لسانا، ولا أحسن محاورة ولا أملح وجها، ولا
стр. 589
أرصن شعرا منها. فقال: هذه ليلى الأخيلية الذي مات توبة الفاجيّ من حبها.
ثم التفت إليها وقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، فقالت: نعم أيها الأمير فهو الذي يقول (١):
وهل تبكين ليلى إذا متّ قبلها ... وقام على قبري النّساء النّوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجادكها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله ... بلى كلّ ما قرّت به العين صالح (٢)
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح (٣)
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح (٤)
فقال: زيدينا من شعره يا ليلى، فقالت: هو الذي يقول (٥):
حمامة بطن الواديين ترنّمي ... سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء غضّ نضيرها (٦)
وأشرف بالأرض اليفاع لعلّني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها (٧)
стр. 590
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابنى منها الغداة سفورها
وقلت لعيني لا يضرّك بعدها ... بلى كلّ ما شقّ النّفوس يضيرها (١)
بلى قد يضرّ العين أن تكثر البكا ... ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقال لها الحجاج: يا ليلى، ما الذي رابه من سفورك؟ قالت: أيها الأمير، كان يلم بي كثيرا، فأرسل إليّ يوما أني آتيك، وفطن الحيّ فأرصدوا له، فأسفرت فعلم أن ذلك لشرّ فلم يزد على التسليم والرجوع، فقال: لله درّك، فهل رأيت منه شيئا تكرهينه؟ فقالت: لا والله والذي أسأله أن يصلحك، غير أنه قال مرة قولا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت أقول:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى فازع وخليل (٢)
فلا والذي أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيأ حتى فرّق الموت بيني وبينه، قال: ثم مه! قالت: ثم لم ألبث أن خرج في غزاة له فأوصى ابن عمه إن أتيت الحاضرين من بني عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنها هل أبيتنّ ليلة ... من الدّهر لا يسري إليّ خيالها
وأنا أقول:
стр. 591
وعنه عفا ربّي وأحسن حاله ... فعزّ علينا حاجة لا ينالها
قال: ثم مه. قالت: ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه. قال: فأنشدينا بعض مراثيك فيه، فأنشدت:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة ... بماء شؤون العبرة المتجدّد (١)
قال لها أنشدينا، فقالت (٢):
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينص ... قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسيّ وكان من جلساء الحجاج: من ذا الذي تقول هذه فيه. فو الله إني لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثم قالت: أيها الأمير، إن هذا القائل لو رأى توبة لسرّه أن لا تكون في داره عذراء إلّا وهي حامل منه.
قال الحجاج: هذا وأبيك الجواب وقد كنت غنيا عنه، ثم قال لها: سلي يا ليلى تعطي، قالت: أعط فمثلك زاد فأجمل، قال: لك أربعون، قالت: زد فمثلك زاد ففضل، قال: لك ستون، قالت: زد فمثلك زاد فأكمل، قال لك ثمانون، قالت:
زد فمثلك زاد فتمم، قال: لك مائة، واعلمي أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير:
أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأروى زندا، من أن تجعلها غنما، قال: فما هي ويحك يا ليلى. قالت: مائة من الأبل برعاتها. فأمر لها بها، ثم قال: ألك حاجة بعدها. قالت: تدفع إليّ النابغة الجعدي، قال: فعلت، وقد كانت تهجوه ويهجوها،
стр. 592
فبلغ النابغة ذلك فخرج هاربا عائذا بعبد الملك، فاتبعته الى الشام، فهرب الى قتيبة ابن مسلم بخراسان، فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس، ويقال بحلوان.
قال القالي: قولها: إخلاف النجوم، التي بها يكون المطر، فلم تأت بمطر.
وكلب البرد: شدّته. والرّفد: بالكسر، المعونة، وبالفتح، المصدر. والفجاج:
جمع فج، وهو كل سعة بين نشازين. وقولها: والمبرك معتل: أرادت الأبل، فأقامت المبرك مكانها ليعلم المخاطب إيجازا واختصارا، كما قالوا: نهاره صائم وليله قائم. وقولها: وذو العيال مختل: أي محتاج. والهالك للقلّ: أي من أجل القلّة. ومسنتون: أي مقحطون. والسنون: القحوط. ومجحفة: قاسرة.
ومبلطة: ملزقة بالبلاط، وهي الأرض الملساء. والهبع: ما نتج في الصيف.
والرّبع: ما نتج في الربيع. والعاطفة: الضانية. والنافطة: الماعزة.
وقال أبو القاسم الزجاج في أماليه: حدثنا أبو الحسن عليّ بن سليمان، وأبو اسحق الزجاج عن أبي العباس المبرد قال: ثبتت الرواية والآثار أن ليلى الأخيلية لم تكن امرأة توبة بن الحميّر ولا أخته، ولا كان بينهم نسب شانك، إلا أنهما كانا جميعا من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان يحبها وتحبه فأقاما على حب عفيف دهرا، فتلك السنة الماضية في عشاق بني عذرة وغيرهم إلى أن قتل توبة، وكان سبب قتله أنه كان يطلبه بنو عوف، فأمسوا قدومه من سفر فأتوه طروقا، وبينه وبين الحيّ مسيرة ليلة، ومعه أخوه عبد الله ومولاه قابضا، فهربا وأسلماه، فقتل ففي ذلك تقول (١):
стр. 593
دعا قابضا والمرهفات تنوشه ... فقبّحت مدعوّا ولبّيك داعيا (١)
فليت عبيد الله حلّ مكانه ... فأودى ولم أسمع لتوبة ناعيا (٢)
ومن جيد مارثته به قولها (٣):
أقسمت أبكي بعد توبة هالكا (٤) ... وأحفل من دارت عليه الدّوائر
لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعائر
فلا الحيّ ممّا يحدث الله سالما ... ولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر
وكلّ شباب أو جديد إلى البلى ... وكلّ امرئ يوما إلى الله صائر
فلا يبعدنك الله توبة هالكا ... أبا الحرب إن دارت عليه الدّوائر
وأقسمت لا أنفكّ أبكيك ما دعت ... على غصن ورقاء أو طار طائر
قتيل بني عوف فيالهفا به ... وما كنت إيّاهم عليه أحاذر
وقال وكيع في الغرر: حدثني إبراهيم بن إسحق الصالحي، أنبأنا عمرو بن أبي عمرو الشيباني، عن أبيه قال: أنشدت ليلى الأخيلية الحجاج بن يوسف:
стр. 594
إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضال الّذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها
فقال الحجاج: أفلا قلت موضع غلام: همام.
٣٥٤ - وأنشد:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
تقدّم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة امرئ القيس (١).
٣٥٥ - وأنشد:
فخير نحن عند النّاس منكم ... إذا الدّاعي المثوّب قال: يا لا (٢)
هذا لزهير بن مسعود الضبّي، وقبله:
ومن يك باديا ويكن أخاه ... أبا الضّحّاك ينتسح الشّمالا
وبعده:
ولم تثق العواتق من غيور ... بغيرته وخلّين الحجالا
قال المصنف في شواهده: خير مبتدأ، ونحن فاعل، وفيه شذوذان: إعمال الوصف غير معتمد، ورفع اسم التفضيل للظاهر في غير مسئلة الكحل. ولا يكون
стр. 595
خير خبرا مقدما لئلا يلزم الفصل بين اسم التفضيل ومن بالأجنبي، وهو المبتدأ.
وقد يؤول على تقدير خير خبرا لنحن محذوفة، وجعل نحن المذكورة مؤكدة للضمير المستتر في خبر العائد على نحن المحذوفة. والمثوب: الذي يدعو الناس لينتصر بهم دعاء يكرره، ومنه التثويب في الصبح. وقوله: (يا لا) أراد يا لفلان، فحكى صوت الصارخ المستغيث، وخلط اللام بيا وجعلهما كالكلمة. حتى أن الفارسي زعم أن ألف آل يقدّر انقلابها عن الواو على القياس في الالف المتوسطة المجهولة. والعواتق:
اللائي لم يتزوّجن. وتخليتهنّ الحجال من الفزع وعدم الوثوق بأن أباهن وحارسهن يمنعونهن. والحجال: جمع حجل بفتح الحاء وسكون الجيم وهو الخلخال.
٣٥٦ - وأنشد:
فتولّى غلامهم ثمّ نادى ... اظليما أصيدكم أم حمارا
٣٥٧ - وأنشد:
إذا قالت حذام فصدّقوها (١)
قائله نجيم (٢) بن مصعب بن عليّ بن بكر بن وائل، والد حنيفة وعجل ابني سحيم، وحذام امرأته، سميت حذام لأن
ضرّتها حذمت يدها بشفرة، فصبت عليها حذام جمرا فبرشت، فسميت البرشاء، وهي حذام بنت الريان بن خسر بن تميم.
وتمام البيت:
فإنّ القول ما قالت حذام
وحذام في الموضعين بالبناء على الكسر، مع أنه فاعل. وسبب قول هذا البيت: أن عاطس بن الجلاح الحميري صار إلى قومها في جموع فاقتتلوا، ثم رجع الحميري الى معسكره وهرب قومها، فساروا ليلتهم ويومهم الى الغد، ونزلوا
стр. 596
الليلة الثانية، فلما أصبح الحميري ورأى جلاءهم اتبعهم، فانتبه القطا من وقع دوابهم، فمرّت على قوم حذام قطعا قطعا، فخرجت حذام الى قومها فقالت:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلا لناما
فقال زوجها:
إذا قالت حذام فصدّقوها
فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا.
٣٥٨ - وأنشد:
فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب
لم يسم قائله. قال العيني: يخاطب الشاعر به ابنه لما تمنى موته. وللخير: خبر يكن. ومنك: حال. والبيت استشهد به على حذف لام الأمر ضرورة. اذ الاصل:
ليكن.
٣٥٩ - وأنشد:
محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا (١)
قال المبرد: قائلة مجهول. هذا يخاطب النّبى ﷺ . ومحمد منادى على حذف حرف النداء. وتفد:
على إظهار الجازم، وهو اللام ضرورة، وفيه الشاهد. وقيل: هو مرفوع حذفت ياؤه ضرورة واكتفى بالكسرة. قال الأعلم:
وهذا أشهر في الضرورة وأقرب. والتبال: بفتح المثناة وتخفيف الموحدة، الفساد.
قاله شارح أبيات المفصل. وقال الأعلم: سواء العاقبة، وهو بمعنى الوبال. قال الأعلم: وكأن التاء بدل من الواو كالتراث والتجاه، أي إذا خفت وبال أمر أعددت
стр. 597
له. وقال ابن الشجري: والتبال: الإهلاك، من تبلهم الدهر أفناهم. والبيت استشهد به على حذف لام الأمر من تفد، أصله لتفد.
٣٦٠ - وأنشد:
دوامي الأيد يخبطن السّريحا (١)
هذا لمضرس بن ربعي الأسدي، وقيل ليزيد بن الطثرية، وأوّله:
فطرت بمنصلي في يعملات
وقبله:
وفتيان شويت لهم شواء ... سريع الشّيّ كنت به نجيحا
وبعده:
فقلت لصاحبي: لا تحبسانا ... بنزع أصوله وأجدذ شيحا
قال الأعلم: أراد أنه أسرع القيام بسيفه، وهو المنصل من نوق، فعقرهنّ للأضياف، أو لاصحابه مع حاجته اليهن. وذكر أنهن دوامي الأيدي، إشارة إلى أنه في سفر، فقد حفين لا دمان السير، ودميت أخفافهن. واليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل. وواحدة السريح سريحة، واشتقاقها من التسريح، كأن الناقة قامت من الحفى، فلما أنعلتها تسرجت وانبعثت. والسرح:
الناقة الخفيفة السريعة. وقال الزمخشري: النجح: المنجح. والسريح: سيور نعال الابل. والشاهد: في حذف الياء من الأيدي ضرورة. واستشهد الجوهري بقوله: لا تحبسانا، على مخاطبة الواحد بصيغة الاثنين. ويروى: (لا تجسنّا) بنون التوكيد الشديدة. والمعنى: لا تجسنّا عن شيّ اللحم بأن تقلع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من
قضبانه وعيدانه، وأسرع لنا في الشيّ. وأجدذ: أصله
стр. 598
اجتذ، بتاء الافتعال، من جذذت الصوف ونحوه، فقلبت التاء دالا. وقد استشهد به ابن أم قاسم على ذلك. والشيح بكسر الشين المعجمة وتحتية ساكنة وحاء مهملة، نبت مشهور.
٣٦١ - وأنشد:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (١)
هذا لمتمم بن نويرة، وقبله:
وكلّ امرئ يوما وإن عاش حقبة ... له غاية يجري إليها ومنتهى
والبعوضة هنا: موضع قتل فيه أخو مالك ورجال من قومه بني يربوع، فحض على البكاء عليهم (٢). واخمشي بمعنى أخدشي. ويبك: مجزوم على إضمار لام الأمر وفيه الشاهد (٣). قال الأعلم: ويجوز أن يكون محمولا على معنى (فاخمشي) لأنه في معنى لتخمشي. قال: وهذا أحسن من الأوّل. ثم رأيت في أيام العرب لأبي عبيدة يوم جوّ البعوضة: وسبب الوقعة فيه أن مالك بن نويرة كان أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ، وكان عريف بني ثعلبة، فلما قبض النبيّ ﷺ جمع جمعا وأغار على إبل الصدقة فاقتطع منها ثلثمائة، فارسل إليه أبو بكر سرية عليها خالد بن الوليد فأتوا جوّ البعوضة، وبه بنو يربوع، فبيتوهم وقتل في الوقعة خمسة وأربعون رجلا منهم بشر بن أبي سواد الغمداني، وقتل مالك بن نويرة، فقال أخوه متمم يرثيه:
стр. 599
على مثل يوم بالبعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى
كهول ومرد من بني عمّ مالك ... وأيفاع صدق لو تملّيتهم رضى
مساعير حرب ما يلين شريسهم ... إذا ارتدف السّي الحواري والذّرى
على السّيف يبلغ الجوف والحشا ... وهوّن وجدي بعد ما كدت أنتحى
عروش أراها من ملوك وسوقة ... هوت بعد ما نالوا السّلامة والغنى
وذكر في مقاتل الفرسان القصيدة بطولها، وأوّلها (١):
لعمري وما دهري بتأبين مالك ... ولا جزعا والدّهر يعثر بالفتى
وأورده بلفظ:
على مثل أصحاب البعوضة ...
أورده المصنف، وقال: ويروى: (وليبك من بكى).
٣٦٢ - وأنشد:
قلت لبوّاب لديه دارها ... يتذن فإنّي حمّها وجارها
قال العيني (٢): لم يسم قائله. ويتذن: بكسر التاء المثناة الفوقية، وهو
стр. 600
مقول القول. وأصله: (ليتذن) فحذف اللام وأبقى عملها. قيل: وليس بضرورة لتمكنه من أن يقول ايذن. قال أبو حيان: وليس لقائل أن يقول هذا من تسكين المرفوع اضطرارا، لأنه لو قصد الرفع لتوصل إليه باستغنائه عن الفاء، فكان يقول:
يتذن إني حمها.
٣٦٣ - وأنشد:
لا نسب اليوم ولا خلّة ... اتّسع الخرق على الرّاقع (١)
هو لأنس بن العبّاس بن مرداس. وروى القالي عجزه (٢):
اتّسع الفتق على الرّاتق
ويقال أبو عامر جدّ العباس بن مرداس. قال المصنف: وهو الصواب، لأن قبله:
لاصلح بيني فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما كنّا بنجد وما ... قرقر قمر الوادي بالشّارق (٣)
قال المصنف: قوله: (فاعلموه) جملة اعتراض، فصل بها ما بين المتعاطفين وأنث العاتق، والأفصح تذكيره، وفيه التضمين. وهو من عيوب الشعر، فإن قوله:
(سيفي) معمول لحملت، وحذف ياء المنقوص غير المنوّن للضرورة. والراتق:
الذي يلحم الفتق، يقول: إنه أصابته شدة تبرأ منه فيها الولي والصديق، وضرب