← Адаб

Адаб · id 17724

شرح شواهد المغني

الجلال السيوطي

Полный текст (981 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الليلة الثانية، فلما أصبح الحميري ورأى جلاءهم اتبعهم، فانتبه القطا من وقع دوابهم، فمرّت على قوم حذام قطعا قطعا، فخرجت حذام الى قومها فقالت: ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلا لناما فقال زوجها: إذا قالت حذام فصدّقوها فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل، ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا. ٣٥٨ - وأنشد: فلا تستطل منّي بقائي ومدّتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب لم يسم قائله. قال العيني: يخاطب الشاعر به ابنه لما تمنى موته. وللخير: خبر يكن. ومنك: حال. والبيت استشهد به على حذف لام الأمر ضرورة. اذ الاصل: ليكن. ٣٥٩ - وأنشد: محمّد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا (١) قال المبرد: قائلة مجهول. هذا يخاطب النّبى ﷺ . ومحمد منادى على حذف حرف النداء. وتفد: على إظهار الجازم، وهو اللام ضرورة، وفيه الشاهد. وقيل: هو مرفوع حذفت ياؤه ضرورة واكتفى بالكسرة. قال الأعلم: وهذا أشهر في الضرورة وأقرب. والتبال: بفتح المثناة وتخفيف الموحدة، الفساد. قاله شارح أبيات المفصل. وقال الأعلم: سواء العاقبة، وهو بمعنى الوبال. قال الأعلم: وكأن التاء بدل من الواو كالتراث والتجاه، أي إذا خفت وبال أمر أعددت

стр. 597

له. وقال ابن الشجري: والتبال: الإهلاك، من تبلهم الدهر أفناهم. والبيت استشهد به على حذف لام الأمر من تفد، أصله لتفد. ٣٦٠ - وأنشد: دوامي الأيد يخبطن السّريحا (١) هذا لمضرس بن ربعي الأسدي، وقيل ليزيد بن الطثرية، وأوّله: فطرت بمنصلي في يعملات وقبله: وفتيان شويت لهم شواء ... سريع الشّيّ كنت به نجيحا وبعده: فقلت لصاحبي: لا تحبسانا ... بنزع أصوله وأجدذ شيحا قال الأعلم: أراد أنه أسرع القيام بسيفه، وهو المنصل من نوق، فعقرهنّ للأضياف، أو لاصحابه مع حاجته اليهن. وذكر أنهن دوامي الأيدي، إشارة إلى أنه في سفر، فقد حفين لا دمان السير، ودميت أخفافهن. واليعملات: جمع يعملة، وهي الناقة القوية على العمل. وواحدة السريح سريحة، واشتقاقها من التسريح، كأن الناقة قامت من الحفى، فلما أنعلتها تسرجت وانبعثت. والسرح: الناقة الخفيفة السريعة. وقال الزمخشري: النجح: المنجح. والسريح: سيور نعال الابل. والشاهد: في حذف الياء من الأيدي ضرورة. واستشهد الجوهري بقوله: لا تحبسانا، على مخاطبة الواحد بصيغة الاثنين. ويروى: (لا تجسنّا) بنون التوكيد الشديدة. والمعنى: لا تجسنّا عن شيّ اللحم بأن تقلع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من قضبانه وعيدانه، وأسرع لنا في الشيّ. وأجدذ: أصله

стр. 598

اجتذ، بتاء الافتعال، من جذذت الصوف ونحوه، فقلبت التاء دالا. وقد استشهد به ابن أم قاسم على ذلك. والشيح بكسر الشين المعجمة وتحتية ساكنة وحاء مهملة، نبت مشهور. ٣٦١ - وأنشد: على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (١) هذا لمتمم بن نويرة، وقبله: وكلّ امرئ يوما وإن عاش حقبة ... له غاية يجري إليها ومنتهى والبعوضة هنا: موضع قتل فيه أخو مالك ورجال من قومه بني يربوع، فحض على البكاء عليهم (٢). واخمشي بمعنى أخدشي. ويبك: مجزوم على إضمار لام الأمر وفيه الشاهد (٣). قال الأعلم: ويجوز أن يكون محمولا على معنى (فاخمشي) لأنه في معنى لتخمشي. قال: وهذا أحسن من الأوّل. ثم رأيت في أيام العرب لأبي عبيدة يوم جوّ البعوضة: وسبب الوقعة فيه أن مالك بن نويرة كان أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ، وكان عريف بني ثعلبة، فلما قبض النبيّ ﷺ جمع جمعا وأغار على إبل الصدقة فاقتطع منها ثلثمائة، فارسل إليه أبو بكر سرية عليها خالد بن الوليد فأتوا جوّ البعوضة، وبه بنو يربوع، فبيتوهم وقتل في الوقعة خمسة وأربعون رجلا منهم بشر بن أبي سواد الغمداني، وقتل مالك بن نويرة، فقال أخوه متمم يرثيه:

стр. 599

على مثل يوم بالبعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى كهول ومرد من بني عمّ مالك ... وأيفاع صدق لو تملّيتهم رضى مساعير حرب ما يلين شريسهم ... إذا ارتدف السّي الحواري والذّرى على السّيف يبلغ الجوف والحشا ... وهوّن وجدي بعد ما كدت أنتحى عروش أراها من ملوك وسوقة ... هوت بعد ما نالوا السّلامة والغنى وذكر في مقاتل الفرسان القصيدة بطولها، وأوّلها (١): لعمري وما دهري بتأبين مالك ... ولا جزعا والدّهر يعثر بالفتى وأورده بلفظ: على مثل أصحاب البعوضة ... أورده المصنف، وقال: ويروى: (وليبك من بكى). ٣٦٢ - وأنشد: قلت لبوّاب لديه دارها ... يتذن فإنّي حمّها وجارها قال العيني (٢): لم يسم قائله. ويتذن: بكسر التاء المثناة الفوقية، وهو

стр. 600

مقول القول. وأصله: (ليتذن) فحذف اللام وأبقى عملها. قيل: وليس بضرورة لتمكنه من أن يقول ايذن. قال أبو حيان: وليس لقائل أن يقول هذا من تسكين المرفوع اضطرارا، لأنه لو قصد الرفع لتوصل إليه باستغنائه عن الفاء، فكان يقول: يتذن إني حمها. ٣٦٣ - وأنشد: لا نسب اليوم ولا خلّة ... اتّسع الخرق على الرّاقع (١) هو لأنس بن العبّاس بن مرداس. وروى القالي عجزه (٢): اتّسع الفتق على الرّاتق ويقال أبو عامر جدّ العباس بن مرداس. قال المصنف: وهو الصواب، لأن قبله: لاصلح بيني فاعلموه ولا ... بينكم ما حملت عاتقي سيفي وما كنّا بنجد وما ... قرقر قمر الوادي بالشّارق (٣) قال المصنف: قوله: (فاعلموه) جملة اعتراض، فصل بها ما بين المتعاطفين وأنث العاتق، والأفصح تذكيره، وفيه التضمين. وهو من عيوب الشعر، فإن قوله: (سيفي) معمول لحملت، وحذف ياء المنقوص غير المنوّن للضرورة. والراتق: الذي يلحم الفتق، يقول: إنه أصابته شدة تبرأ منه فيها الولي والصديق، وضرب

стр. 601

اتساع الخرق مثلا لتفاقم الأمر، وفيه قطع ألف الوصل في الدرج للضرورة، وحسنه هنا أنها في أوّل الشطر وهو محل ابتداء. وفيه نصب المعطوف مع تكرير لا. وقرقر: صوت. وقمر: جمع أقمر، مثل حمر وأحمر، أو جمع قمري مثل روم ورومى. وقال العيني في الكبرى: البيت بالعين صحيح. وبعده: كالثّوب إذ أنهج فيه البلى ... أعيى على ذي الحيلة الصّانع قال: وكلا القافيتين مرويتان، فيحتمل أن يكونا لواحد أو لأثنين، ويكون البيت من التوارد أو السرقة. ٣٦٤ - وأنشد: لتقم أنت يا ابن خير قريش ... فلتقضّ حوائج المسلمينا (١) ٣٦٥ - وأنشد: لهنّك من برق عليّ كريم قال ثعلب في أماليه، ووكيع في الغرر معا (٢): حدثني أبو سعيد عبد الله بن شبيب، حدثني هارون بن أبي بكر أخو الزبير، حدثني محمد بن معن الغفاريّ قال: أقحمت السنة المدينة ناسا من الأعراب، فحلّ المذاد (٣) منهم صرم، من بني كلاب (٤)، فابرقوا ليلة في النجد (٥)، وغدوت عليهم فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما، ضيعة ومرضا وضمانة حب، وإذا هو رافع عقيرته بأبيات قد قالها من اللّيل:

стр. 602

ألا ياسنا برق على قلل الحمى ... لهنّك من برق عليّ كريم (١) لمعت اقتذاء الطّير والقوم هجّع ... فهيّجت أسقاما وأنت سليم (٢) فبتّ بحدّ المرفقين أشيمه ... كأنّي لبرق بالسّتار حميم (٣) فهل من معير طرف عين جليّة ... فإنسان طرف العامريّ كليم (٤) رمى قلبه البرق الملألئ رمية ... بذكر الحمى وهنا فبات يهيم (٥) فقلت له: في دون ما بك ما يفحم عن الشّعر، فقال: صدقت، ولكنّ البرق أنطقني. قال: ثم والله ما لبث يومه حتى مات قبل الليل، ما يتّهم عليه غير الوحدة (٦). أخرجه الزجاج في أماليه من وجه آخر عن محمد بن معن به نحوه. وقال القالي في أماليه: حدثني أبو يعقوب ورّاق أبى بكر بن دريد، قال: حدثني محمد بن الحسين عن المفضّل بن محمد بن العلاف قال: لما قدم بغاء بني نمير أسرى، كنت كثيرا ما أذهب اليهم فأسمع منهم وكنت لا أعدم أن ألقى الفصيح منهم، فأتيتهم في عقب مطر، وإذا فتى حسن الوجه قد نهكه المرض ينشد: ألا ياسنا

стр. 603

برق ... فذكر الأبيات، والقصة سواء، غير أن في آخرها ما يتوهم عليه غير الحب. ٣٦٦ - وأنشد: فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أنّي لاحق مستتبع تقدم شرحه في شواهد إذا ضمن قصيدة أبي ذؤيب الهذلي (١). ٣٦٧ - وأنشد: إن كنت قاضي نحبي يوم بينكم ... لو لم تمنّوا بوعد غير توديع (٢) ٣٦٨ - وأنشد: إن الحقّ لا يخفى على ذي بصيرة ... وإن هو لم يعدم خلاف معاند ٣٦٩ - وأنشد: أمسى أبان ذليلا بعد عزّته ... وما أبان لمن أعلاج سودان (٣) ٣٧٠ - وأنشد: أمّ الحليس لعجوز شهربه (٤)

стр. 604

نسبه العيني في الكبرى الى رؤبة. ونسبه الصغاني في العباب الى عنترة بن عروس. وتمامه: ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه الحليس: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وتحتية ساكنة وسين مهملة. وشهربه: بشين معجمة. ويقال أيضا: شهبرة، بتقديم الموحدة على الراء، الكبيرة السنّ جدا من النساء. ومن للبدل مثلها في: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) ولو لم يحمل على ذلك لفسد المعنى، لأن العظم ليس من اللحم. ٣٧١ - وأنشد: ولكنّني من حبّها لعميد قال الأئمة: هذا الشطر لا يعرف له قائل ولا تتمة ولا نظير، وإنما أنشده الكوفيون (١). والعميد والعمود: الذي هدّه العشق. ويروى: لكميد بالكاف، وهو الحزين. ٣٧٢ - وأنشد: وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكلّ مراد (٢) قال المصنف في شواهده: لكثير عزة بيت يشبه هذا، وهو قوله: وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربي ... إلى اليوم كالمقصى بكلّ سبيل قال: فلا أدري من الآخذ من صاحبه، وقد يكون تواردا. قال: والمقصى: بضم الميم وفتح الصاد المهملة، المبعد. والمراد: بفتح الميم، الذي يذهب فيه

стр. 605

ويجاء. قال: وفيه استعمال لدن بغير من، ولم يأت في التنزيل إلا مقرونة بها، انتهى. والبيت استشهد به على دخول لام التأكيد في خبر زال. ٣٧٣ - وأنشد: وقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب (١) هو من أبيات الحماسة. وقبله: ولست بنازل إلّا ألمّت ... برحلي أو خيالتها الكذوب وبعده: كأنّ لها برحل القوم بوّا ... وما إن طبّها إلّا اللّغوب قال التبريزي: يقال: خيال وخياله، وجعلها كذوبا لأنها لا حقيقة لها. وجعلت ههنا بمعنى طفقت، ولذلك لا يتعدى. ومرتعها قريب من موضع الحال، أي أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم لما بها من الاعياء. قال أبو العلاء: رفع قلوص وجه ردئ، لأن جعل إذا كان للمقاربة تعين أن يكون خبرها فعلا، فالأحسن نصب قلوص ويكون في جعلت ضمير يعود على المذكورة وليست جعلت في هذا الوجه بمعنى المقاربة، وإنما هي بمعنى صيرت فلا تفتقر إلى فعل، ويكون قوله مرتعها قريب جملة في موضع المفعول الثاني، كما يقال: (جعلت أخانا ماله كثيرا) انتهى. وفي شرح المرزوقي: قال أبو الفتح: أوقع الجملة من المبتدأ والخبر موقع الجملة بين الفعل والفاعل، أراد بقرب مرتعها من الأكوار، كما قال: فقد جعلت نفسي على النّأي تنطوي وفي شرح الحماسة للشلوبين: أن بعضهم أجاز أن يكون جعل بمعنى صير، وحذف منها ضمير الشأن، أي جعلته، أي الشأن، مرتعها قريب. وأن آخر أجاز

стр. 606

أن يكون على الغاء جعلت مع تقدمها. قال المصنف: ويؤيد هذين القولين أنه يروى بنصب قلوص على أنه مفعول أوّل، والجملة الأسمية الثاني، وفاعل جعلت على هذه الرواية. وعلى رواية الرفع على القولين المذكورين ضمير المرأة السابق في قوله: (إلا ألمت) انتهى. والالمام زيارة لا لبث فيها، وحذف مفعول نازل لفهم المراد، يقول: ما أنزل منزلا الا رأيت هذه المرأة ملمة برحلي، أي متصوّرة بهذه الصورة تشوقا مني، وهذا في حال اليقظة، أو رأيت خيالتها الكذوب قليلة الوفاء إذا نمت. والمعنى: إني لا أخلى منها لا في النوم ولا في اليقظة، وفي هذه الطريقة قول امرئ القيس (١): تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال قاله المرزوقي. والأكوار: جمع كور، وهو الرحل بأداته. والقلوص الفتية من الإبل. وقال العدوي: القلوص: أوّل ما يركب من اناث الإبل الى أن تثنى، فإذا اثنت فهي ناقة. ومرتعها: مرعاها. والبو: جلد حوار يحشى تبنا ويلقى بين يدي الناقة لتدرّ الأم عليه. وطبها: داؤها. واللغوب: الأعياء، يقول: كان لهذه الناقة ولدا برحل القوم فلا تتباعد عنه وما داؤها إلا التعب. ٣٧٤ - وأنشد: ؟؟؟ تى صلحت ليقضين لك صالح ... ولتجزينّ إذا جزيت جميلا ٣٧٥ - وأنشد: غضبت عليّ لئن شربت بجزّة ... فلأن غضبت لأشربن بخروف هو من قصيدة لذي الرّمة هذا أولها أنشده الجاحظ في البيان بلفظ (٢): (فلئن أبيت). وبعده:

стр. 607

ولئن نطقت لأشربنّ بنعجة ... حمراء من آل المذال سجوف ثم رأيت القالي قال في أماليه (١): حدثني أبو بكر بن دريد قال: أخبرني عبد الرحمن وأبو حاتم عن الأصمعي قال: اشترى أعرابي خمرا بجزّة من صوف فعضبت عليه امرأته فأنشأ يقول: غضبت عليّ لئن شربت بصوفة ... ولئن غضبت لأشربن بخروف ولئن غضبت لأشربنّ بنعجة ... دهشاء مالئة الإناء سجوف (٢) ولئن غضبت لأشربنّ بسابح ... هذّاء شمّ المنكبين منيف (٣) ولئن غضبت لأشربنّ بواحد ... ولأجعلنّ الصّبر فيه حليفي ولقد شهدت الخيل تعثر في القنا ... وأجبت صوت الصّارخ الملهوف ولقد شهدت إذ الخصوم تواكلوا ... بخصام لا نزق ولا علفوف قال القالي. الصّفوف: التي تصف بين رجليها عند الحلب. والسجوف (٤): التي لها سجفتان من الشحم، أي طبقات. والعلفوف: الجافي. وقال المعافي بن زكريا في كتاب الجليس: حدثنا أبو نصر عن الأصمعي قال: شرب أعرابي بجزة صوف فلامته امرأته وعتبت عليه، فانشأ يقول: عتبت عليّ لئن شربت بصوفة ... فلئن عتبت لأشربن بخروف ولئن عتبت لأشربنّ بنعجة ... ذراء من بعد الخروف سجوف ولئن عتبت لأشربنّ بلقحة ... صهباء مالئة الإناء صفوف

стр. 608

ولئن عتبت لأشربنّ بصاهل ... ما فيه من هجن ولا تقريف ولئن عتبت لأشربنّ بواحد ... ويكون صبري بعد ذاك حليفي فلقد شربت الخمر في حانوتها ... صفراء صافية بأرض الرّيف ولقد شهدت الخيل تقرع بالقنا ... وأجبت صوت الصّارخ الملهوف قال أبو بكر بن الأنباري: وجدت بغير هذا الاسناد أن امرأته أجابته فقالت: ما إن عتبت لئن شربت بصوفة ... أو أن تلذّ بلقحة وخروف فاشرب بكلّ نفيسة أوتيتها ... وملكتها من تالد وطريف وارفع بطرفك عن بنيّ فإنّه ... من دونه شغب وجدع أنوف الذراء: في رأسها بياض. والسجوف: السمينة. ٣٧٦ - وأنشد: لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ليلى فللموت أروح (١) وهو من قصيدة لذي الرّمة وأولها (٢): ألم تعلمي يا ميّ أنّي وبيننا ... مها ولطرف العين فيهنّ مطرح

стр. 609

ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن ... أمام المطايا تشرئبّ وتسنح وأورده المبرد في الكامل بلفظ: تباريح من ذكراك للموت أروح وأورده في الأغاني: (ومهاو: جمع مهواة) وهو الهواء بين الشيئين. ويقال لفلان في داره مطرح إذا وصفها بالسعة، يقول: مطرح بصره مرة كذا ومرة كذا. والشادن: الذي قد شدن، أي تحرّك. ويقال لمن وقف ينظر كالمتحير: قد اشرأب نحوي. ويقال: هو يسرح في المرعى. والتباريح: الشدائد، يقال برح به. ٣٧٧ - وأنشد: لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا ... أصم في نهار القيظ للشّمس باديا (١) هو لامرأة من عقيل، وبعده: وأركب حمارا بين سرج وفروة ... وأعر من الخاتام صغرى شماليا القيظ: بفتح القاف، شدّة الحر. وباديا: من بدا، بلا همز، إذا ظهر، وهو حال. ويروى بدله: (ضاحيا) أي بارزا للشمس. والخاتام: لغة في الخاتم. والبيت استشهد به على الاكتفاء بجواب الشرط، وهو أصم عن جواب القسم المقدر قبل اللام الموطئة. ٣٧٨ - وأنشد: ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا ... قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا (٢)

стр. 610

هو لعمر بن أبي ربيعة. أخبرني أبو الفرج في الأغاني: عن مصعب الزّبيري قال: اجتمع نسوة فذكرن عمر ابن أبي ربيعة وشعره وظرفه ومجلسه وحديثه، فتشوّقن إليه وتمنّينه، فقالت سكينة: أني لكنّ به، فبعثت إليه رسولا أن يوافي الصّورين ليلة سمّتها (١)، فوافاهنّ على رواحله، فحدّثهنّ حتى طلع الفجر وحان انصرافهنّ فانصرف الى مكة فقال في ذلك: ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا ... قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا قد حلفت ليلة الصّورين جاهدة ... وما على المرء إلّا الحلف مجتهدا (٢) لأختها ولأخرى من مناصفها (٣) ... لقد وجدت به فوق الّذي وجدا لو يجمع النّاس ثمّ اختير صفوتهم (٤) ... شخصا من النّاس لم أعدل به أحدا

стр. 611

شواهد لا ٣٧٩ - وأنشد: إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ في السّفر إذ مضوا مهلا تقدم شرحه في شواهد إذ (١). ٣٨٠ - وأنشد: من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح تقدم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة سعد بن مالك (٢). ٣٨١ - وأنشد: تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر ممّا قضى الله واقيا (٣) لم يسم قائله. وتعز: أمر من العزاء، وهو الصبر والتسلي. والوزر الملجأ، وأصله الجبل. ٣٨٢ - وأنشد: نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصنا بالكماة حصينا (٤)

стр. 612

قال العيني: أنشده أبو الفتح ولم يعزه إلى أحد. وإذ ظرف، ولا: بمعنى ليس، وصاحب اسمها. وغير خاذل خبرها، وهو من الخذلان، وهو ترك النصر. وبوّئت: أي سكنت، من بوّأه الله منزلا، أسكنه إياه. وتبوّأت منزلا: إتخذته. والباءة: المنزل. وحصنا: مفعول ثان، وحصينا: صفة له. وبالكماة: متعلق بنصرتك، كذا قال العيني. وقال: وباؤه تحتمل السببية والاستعانة. والكماة جمع كمى، وهو الشجاع المتكمى سلاحه، المتغطى به. ٣٨٣ - وأنشد: وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها، ولا عن حبّها متراخيا (١) هو من قصيدة للنابغة الجعدي يرثي بها ابنه محاربا وأخاه وحوحا، وقبله: بدت فعل ذي ودّ فلمّا تبعتها ... توّلت وأبقت حاجتي في فؤاديا وبعده: أتيحت له والغمّ يحتضر الفتى ... ومن حاجة الإنسان ما ليس لاقيا فلا هي ترضى دون أمرد ناشئ ... ولا أستطيع أن أعيد شبابيا وقد طال عهدي بالشّباب وظلّه ... ولاقيت أيّاما تشيب النّواصيا أتيحت: قدرت. وبدت: أي ظهرت، وضميره للمحبوبة. ويروى: دنت اي قربت وفعل نصب بنزع الخافض، أي كفعل والمعنى: فعلت معي فعل ذي محبة. وقوله: وسواد القلب: حبته، ولا بمعنى ليس، وأنا اسمها، وباغيا خبرها. ومنها (٢): ألم تعلمي أنّي رزئت محاربا ... فما لك منه اليوم شيء ولا ليا

стр. 613

ومن قبله ما قد رزئت بوحوح ... وكان ابن أمّي والخليل المصافيا فتى كان فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا فتى كملت خيراته غير أنّه ... جواد فما يبقي من المال باقيا استشهد سيبويه بهذا البيت على نصب غير على الاستثناء المنقطع، أي ولكنه مع ذلك جواد (١). قال المبرد: هذا القبيل من المدح يسمى الاستشباه. فائدة: [النابغة الجعدي] النابغة الجعدي: صحابي اسمه حسان (٢) بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس، كذا صححه صاحب الأغاني. وقيل اسمه قيس بن عبد الله (٣) بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة، قال ابن الأعرابي، يكنى أبا ليلى. قال في الاغاني (٤): وانما سمي النابغة لأنه أقام مدّة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله. ثم أخرج عن ابن الاعرابي قال: أقام النابغة ثلاثين سنة لا يتكلّم بالشعر، ثم تكلم به. وقال القحذمي: كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة الذبياني. وقال ابن سلام (٥): كان النابغة الجعدي قديما شاعرا مفلقا طويل البقاء في الجاهلية والاسلام، وكان أكبر من الذبياني، ويدل على ذلك قوله: ومن يك سائلا عنّي، فإنّي ... من الفتيان أيّام الختان أتت مئة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجّتان فقد أبقت صروف الدّهر منّي ... كما أبقت من السّيف اليماني

стр. 614

قال: وعمّر بعد ذلك عمرا طويلا. وأيام الختان: وقعة لهم (١). أدرك النابغة الاسلام فاسلم، ووفد على النبي ﷺ . وأخرج الحارث بن أبى أسامة في مسنده، وأبو الفرج في الاغاني، والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل، وابن عساكر من طرق عن النابغة الجعدي قال: أنيت النبي ﷺ وأنشدته قولي (٢): وإنّا لقوم ما تعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا وننكر يوم الرّوع لو أنّ خيلنا ... من الطّعن حتّى نحسب الجون أشقرا وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكرا أن تعقّرا بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال النبي ﷺ : الى أين؟ قلت: الى الجنة. فقال: نعم، ان شاء الله. قال: فلما أنشدته: ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... أريب إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال النبي ﷺ : لا يفضض الله فاك. فكان من أحسن الناس ثغرا، وكان اذا سقطت له سنّ نبتت له. قال ابن قتيبة (٣): كان عمر النابغة مائتين

стр. 615

وعشرين سنة ومات باصبهان. قال في الاغاني: وما ذاك بمنكر لانه قال في شعره (١): لبست أناسا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا روي أن عمر بن الخطاب سأله: كم لبثت مع كل أهل لك؟ فقال: ستين سنة، فهذه مائة وثمانون سنة. ثم عمر بعده فمكث الى أيام عبد الله بن الزبير وقدم عليه مكة. وقال أبو عبيدة: كان النابغة الجعدي ممن ذكر (٢) في الجاهلية، وأنكر الخمر والسّكر، وهجر الأزلام والأوثان، وقال كلمته التي أوّلها (٣): الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما وكان يذكر دين ابراهيم، ويصوم ويستغفر، وشهد مع علي ﵁ صفين. وقال أبو زيد (٤): كان النابغة شاعرا مقدّما، وكان مغلّبا، ما هاجى قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء وليلى الأخيلية وكعب بن جبيل فغلبوه جميعا. وقال علي بن سليمان الأخفش أوّل من سبق الى الكناية عن اسم من يعنى بغيره في الشعر الجعدي فانه قال: أكنّي بغير اسمها وقد علم اللّ ... هـ خفيّات كلّ مكتتم فسبق الناس جميعا اليه وتبعوه. ٣٨٤ - وأنشد قول امرئ القيس: كأنّ دثارا حلّقت بلبونه ... عقاب تنوفي لا عقاب القواعل تقدم شرحه في حرف العين وقد سقت هناك القصيدة بتمامها (٥).

стр. 616

٣٨٥ - وأنشد: ولا زال منهلّا بجرعائك القطر (١) هو لذي الرّمّة. أخرج ابن عساكر من طريق نفطويه، ومحمد بن القاسم الأنباري قال: أنبأنا ثعلب عن أبى زيد، حدثني إسحق بن ابراهيم، حدثني أبو صالح الفزاريّ قال (٢): ذكر ذو الرّمّة في مجلس فيه عدّة من الأعراب فقال عصمة بن مالك، شيخ منهم، قد أتى له مائة سنة، فقال: كان من أظرف الناس، كان آدم خفيف العارضين، حسن المضحك، حلو المنطق، وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم مسعود وهمام وخرفاس (٣)، فكانوا يقولون القصيدة فيزيد فيها الأبيات، فيغلب عليها فتذهب له، فأتى يوما فقال لي: يا عصمة، إن ميّة منقرية، وبنو منقر، أخبث حي وأبصره بأثر، وأعلمه بطريق، فهل عندك من ناقة نزر عليها ميّة؟ فقلت: نعم عندي الجؤذر، قال: عليّ بها، فركبناها جميعا، حتى نشرف على بيوت الحي، فاذا هم خلوف (٤) واذا بيت ميّة خال، فملنا إليه فتعرّض النساء نحونا، فطلعت علينا ميّة، فاذا هي جارية أملود واردة الشّعر (٥) قلن: أنشدنا يا ذا الرّمّة. فقال: أنشدهنّ يا عصمة، فانشدتهنّ (٦): وقفت على رسم لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه

стр. 617

وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه حتى بلغت الى قوله: هوى آلف خاف الفراق ولم يحل ... حوائلها أسراره ومعائبه (١) فقالت ظريفة، ممن حضر: فليحل الآن، فنظرت اليها حتى أتيت على قوله: إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح ... عن القلب آبته جميعا عواز به (٢) فقالت الظريفة منهنّ: قتلته قتلك الله. فقالت ميّ: ما أصحّه وهنيأ له. فتنفّس ذو الرمة نفسا كان من حرّه يطير شعر وجهه، ومضيت حتى أتيت على قوله: وقد حلفت بالله ميّة ما الّذي ... أقول لها إلّا الّذي أنا كاذبه إذا فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في داري عدو أحاربه فقال الظريفة: قتلته قتلك الله! فالتفتت ميّ فقالت: خف عواقب الله يا غيلان، ومضيت حتى أتيت على قوله: إذا راجعتك القول ميّة أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدّرع سالبه فيالك من خدّ أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلّل جاذبه «٢»

стр. 618

فقالت الظريفة: ها هي ذه قد راجعتك القول، وبدا لك وجهها فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت إليها ميّة فقالت: قاتلك الله، ما أعظم ما تجيبين به. فتحدثنا ساعة، ثم انصرفنا. فكان يختلف إليها حتى اذا انقضى الربيع ودعا الناس الصيف أتاني فقال: يا عصمة، قد ترحلت ميّة ولم يبق إلا الآثار والنظر في الديار، فاذهب بنا ننظر الى آثارهم. فخرجنا حتى انتهينا فوقف وقال: ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر وإن لم تكوني غير ثاو بقفرة ... تجرّ بها الأذيال صيفيّة كدر قال عصمة: فما ملك عينيه. فقلت: مه، فانتبه وقال: إنّي لجلد وإن كان مني ما ترى، ثم انصرفنا وتفرّقنا. وكان آخر العهد به. قوله: تعلل جاذبه: أي لم يجد فيه مقالا فهو يتعلل بالشيء يقوله، وليس بعيب. والبيتان المذكوران مطلع قصيدة طويلة، ومنها: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لاهراء ولا نزر (١) وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما يفعل الخمر ألا: حرف استفتاح. وقوله: يا اسلمى، حرف نداء. والمنادى محذوف، أو حرف تنبيه، واسلمى، فعل دعاء، أي يا هذه سلمك الله على أنك قد بليت. ومىّ مرخم مية. والبلى، بالكسر والقصر، مصدر بلى يبلي، من باب علم يعلم. ومنهلا، بضم الميم وسكون النون وتشديد اللام، من الانهلال، وهو انسكاب الماء وانصبابه. والجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيأ. والقطر: المطر. وقد عيب على ذي الرمة عجز هذا البيت فإنه أراد أن يدعو لها فدعا عليها بالخراب، وقدم عليه بيت طرفة:

стр. 619

فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمي وأجيب بأنه قدم الاحتراس بقوله اسلمى (١). وأجاب ابن عصفور: بأن لا زال تقتضي ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلا لها على حسب ما قبلها، وذلك أنه عهد دار ميّة في خصب لسقيا المطر لها في أوقات الحاجة إليه، فدعا لها بأن لا تزال على ما عهدها عليه من انهلال القطر بجرعائها وقت الحاجة اليه. قوله: لها بشر: أي جلد. ورخيم الحواشي، بالخاء المعجمة، أي لين نواحي الكلام. وقال ابن فارس: رخيم أي رقيق، ويقال: الصوت الرخيم هو الشجي الطيب النغمة. والحواشي: جمع حاشية وهي الناحية. والهراء: بضم الهاء وتخفيف الراء، الكلام الكثير الذي ليس له معنى. والنزر: بفتح النون وسكون الزاي، القليل. ويروى: ولا هذر، بالذال المعجمة، وهو الكثير، ومراده أنه لا كثير بلا فائدة ولا قليل يخل. ٣٨٦ - وأنشد: لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب (٢) هو من قصيدة لعبيد الله بن قيس الرقيات يمدح بها عبد الملك بن مروان، وأولها: عاد له من كثيرة الطّرب ... فعينه بالدّموع تنسكب كوفيّة نازح محلّتها ... لا أمم دارها ولا صقب والله ما إن صبت إليّ ولا ... يعلم بيني وبينها سبب إلّا الّذي أورثت كثيرة في ال ... قلب وللحبّ سورة عجب

стр. 620

لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب أبصرن شيبا على الذّؤابة في الرّأ ... س حديثا كأنّه العطب فهنّ ينكرن ما رأين ولا ... يعرف من لذّاتي اللّعب ما ضرّها لو غدا بحاجتنا ... غاد كريم أو رائح جنب لم يأت من ريبة وأجشمه ال ... حبّ، فأمسى وقلبه وصب يا حبّذا يثرب ولذّتها ... من قبل أن يهلكوا ويختربوا وقبل أن يخرج الّذين لهم ... فيها الثّناء العظيم والحسب بغت عليهم بها عشيرتهم ... فعوجلوا بالجزاء واطّلبوا قوم هم الأكثرون قبض حصى ... في الحيّ والأكرمون إن نسبوا ما نقموا من بني أميّة إلّا ... أنّهم يحلمون إن غضبوا وأنّهم معدن الملوك فما ... تصلح إلّا عليهم العرب إنّ الفنيق الّذي أبوه أبو ال ... عاصي، عليه الوقار والحجب خليفة الله فوق منبره ... جفّت بذاك الأقلام والكتب يعتدل التّاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذّهب (١) تجرّدوا يضربون باطلهم ... بالحقّ حتّى تبيّن الكذب

стр. 621

ليسوا مفاريح عند توبتهم ... ولا مجازيع إن هم نكبوا إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... والأسد أسد العرين إن ركبوا لم تنكح الصمّ منهم عربا ... وليس يؤذنهم إذا خطبوا قال ثعلب في أماليه (١): حدثني عبد الله بن شبيب، حدثني زبير، حدثني عبد الله بن النضر قال: لما أحيط بمصعب بن الزبير دعا عبيد الله بن قيس فقال له: خذ من هذا المال ما أطقت وانج بنفسك! قال: ما كنت لأسأل الركبان عنك أبدا، فأقام يقاتل مع مصعب حتى إذا قتل خرج هاربا حتى دخل الكوفة، فوقف على باب فإذا امرأة، فلما نظرت إليه علمت أنه خائف، قالت: ادخل، فدخل فصعد عليّة لها، فأقام أربعة أشهر تعدو وتروح عليه بمصلحته لا تسأله من هو، ولا يسألها من هي، قال: وهي تسمع الجعيلة فيه صباح مساء. فجعل فيه ديته وأهدر دمه. فقال لها: يا هذه، قد طربت إلى أهلي، قالت: فلا تعجل، فلما كان الليل قالت له: إذا شئت فانزل، فنزل فإذا راحلتان على أحداهما رحل وعلى الأخرى ذاملة وعبدان، قالت: اركب، هذا دليل وهذا رحال للعبدين، فقال لها: من أنت؟ فو الله ما رأيت أكرم منك؟ قالت: أولا تعرفني؟ قال: لا والله، قالت: أنا التي تقول فيها: عاد له من كثيرة الطّرب ... الأبيات ثم مضى حتى دخل المدينة فأتى أهله طروقا، فلما أن دخل عليهم بكوا وقالوا: ما خرج الطلب من عندنا إلا بالامس، فانج بنفسك. فقدم على عبد الله بن جعفر وقال: جئتك مستجيرا، فركب إلى عبد الملك بن مروان فقال: حاجة يا أمير المؤمنين، فقال: كل حاجة لك الا عبيد الله بن قيس، قال: ما كنت أراك تحجر علىّ شيأ! قال: فكل حاجة لك مطلقة. قال: عبيد الله بن قيس، تهب لي ذنوبه، قال: قد فعلت، ثم غدا عليه فأنشده القصيدة حتى انتهى الى قوله (٢):

стр. 622

يعتدل التّاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذّهب قال: تمدحني بما يمدح به الأعاجم، وتقول في مصعب: إنّما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء وكان قد أعدّ له عساسا من خلنج قد ملأها ألبان البخت، يحمل العمل جماعة بحلق حتى وضعت بين يديه، قال: أين هذه من عساس مصعب حين يقول (١): يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج قال: لا أين يا أمير المؤمنين، قال: ولما ذاك؟ قال: لو طرحت عساسك كلها في عس من عساس مصعب لتقلقلت داخله، قال: أبيت إلا كرما قاتلك الله، أخرج فلا تأخذ مع المسلمين عطاء أبدا. فخرج من عنده حتى لقى عبد الله بن جعفر فاخبره، فقال: عمر نفسك، فعمر نفسه أربعين سنة، فأعطاه لكل عطاء عطاءين، وقال: لا يخرج لهم عطاء الا أعطيتك مثله، فخرج من عنده وهو يقول (٢): تعدّت بي الشّهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها قال أحمد بن كامل: كثيرة التي قال فيها ابن قيس: عاد له من كثيرة الطّرب هي أم عبد الصمد علي بن عبد الله بن عباس. وقال الزمخشري في شرح شواهد الكتاب: حرّك الياء من الغواني للضرورة، والمطلب: التطلب، أي لا يتركن. ويجوز أن يريد أنهن يطلبن من يواصلنه لا تثبت مودتهن لأحد سريعات الصوم. ويروى: (لهن مطلب) بكسر اللام أي يطلبهن. قال ابن السيرافي: وما أحب هذه الرواية لقلة من يرويها وفيه وجه آخر رواه الأصمعي في الغواني وهل ولا ضرورة فيه على هذا، انتهى.

стр. 623

٣٨٧ - وأنشد: لا همّ إن الحارث بن جبله ... زنا على أبيه ثمّ قتله وركّب الشّادخة المحجّله ... وكان في جاراته لا عهد له وأيّ أمر سيّئ لا فعله قال التبريزي في شرح أبيات الإصلاح: الحارث بن جبلة هو الغساني. ولا همّ، وأصله: اللهم. وزنا: أي ضيق. والشادخة: الغرّة، يكنى بها عن الأمر اليسير. وكذا المحجلة من التحجيل وهو بياض القوائم. وهم يقولون في الشيء المشهور: هو أغرّ محجل. والجارات: جمع جارة، وهنّ النساء اللاتي يجاورنه. والعهد: الذمام والحرمه. يصفه بالغدر وقلة المعروف، وإنه ضيق على أبيه ثم عدا عليه فقتله وركب الخطة الشنعاء التي تشتهر في الناس اشتهار الغرّة في الوجه، والتحجيل في القوائم. ولم يرع عهد نسائه، بل انتهك حرمتهن ولم يترك أمرا ذميما إلا ارتكبه. وقال ابن يسعون: هذا الرجز لابن العفيف العبدي أو عبد المسيح بن عسلة. قاله في الحارث بن أبي شمر الغساني الأعرج، من بني جبلة. وكان اذا أعجبته امرأة من قيس أرسل إليها فاغتصبها حتى قال فيه بعض الكلابيين: يا أيّها الملك المخوف أما ترى ... ليلا وصبحا كيف يعتقبان هل تستطيع الشّمس أن تأتي بها ... ليلا، وهل لك بالمليك يدان اعلم وأيقن أنّ ملكك زائل ... واعلم بأنّ كما تدين تدان وقال ابن الشجري في أماليه: قوله: زنا على أبيه، يروى بتخفيف النون وتشديدها. فمن رآه مخفففا فمعناه زنا بامرأته، ومن رآه مشددا فأصله زناء مهموز. ومعناه ضيق عليه. وهذا القول أوجه، وهي امرأة ابن السكيت (١).

стр. 624

٣٨٨ - وأنشد: إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا (١) قال السكري في أشعار هذيل: قال الأصمعي: أخبرنا ابن أبي طرفة الهذلي قال: قال أبو خراش وهو يسعى بين الصفا والمروة، وثم شجر يومئذ: لاهمّ هذا رابع إن تمّا ... أتمّه الله وقد أتمّا إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا وأبو خراش هذا اسمه خويلد بن مرّة القرددي، وقردد هو عمرو بن معاوية بن سعيد بن هذيل، وكذا قال ابن الشجري في أماليه. قال: وقوله: (لا ألما) أي لم يلم بالذنوب. فقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن حميد: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّمَمَ)، قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون: إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا وأخرج الترمذي وابن جرير والبزار وغيرهم من طريق زكريا بن أبي اسحق، عن عمرو بن دينار، وعن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: (إِلَّا اللَّمَمَ)، قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب. وقال: قال رسول الله ﷺ : إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. ٣٨٩ - وأنشد: لا أعرفن ربربا حورا مدامعها

стр. 625

هو من قصيدة للنابغة الذبياني أوّلها (١): لقد نهيت بني ذبيان عن أثر (٢) ... وعن ترّبعهم في كلّ أصفار وقلت: يا قوم، إنّ اللّيث منقبض ... على براثنه، للوثبة الضّاري (٣) لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... كأنّ أبكارها نعاج دوّار ينظرن شزرا إلى من جاء عن عرض ... بأوجه منكرات الرّقّ أحرار أقر: بضم الهمزة والقاف وراء، واد مملوء حمضا ومياها، وكان النعمان ابن الحارث قد حماه فاحتماه الناس، وتربعته بنو ذبيان، فنهاهم النعمان (٤) عن ذلك وحذرهم، فأبوا، فأرسل إليهم خيلا فأصابوهم، فقال النعمان «٤» هذه القصيدة. وتربعهم: حلولهم زمن الربيع. وأصفار: جمع صفر. ومنقبض: مجتمع، متهيئ للوثوب. والبراثن: بمثلثة، المخالب. والضاري: صفة الليث، ومعناه المتعوّد أكل الناس. وضرب هذا مثلا للملك الذي حذر قومه. قوله: لا (أعرفن) استشهد به على نهي فعل المتكلم، وهو قليل. والربرب: القطيع من البقر، شبّه النساء من حسن العيون وسكون المشي. والحور: بضم الحاء المهملة، جمع حوراء من الحور، وهو شدّة بياض العين في شدّة سوادها. وقيل: الحور أن تسودّ العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر. قاله أبو عمرو. قال: وليس في بني آدم حور وإنما قال للنساء: حور العين لانهنّ شبهن بالظباء والبقر. والمدامع: العيون، وهي مواضع الدمع. والنعاج: أناث البقر. ودوّار: بضم الدال وتشديد الواو، اسم موضع باليمامة. ويروى بدل هذا الشطر: مردفات على أعقاب أكوار

стр. 626

والأكوار: جمع كور، بضم الكاف، وهو الرجل بأداته. ومردفات: نصب على الحال من ربرب، قاله العيني. قلت: والأوجه أنه صفة لها لأن ربربا نكرة. قوله (عن عرض) أي عن اعتراض منكرات للرق، أي هن أحرار، فإذا سبين أنكرن الرق، يخاطب بني ذبيان، وكانوا قد أغاروا على بعض أهل الشام فنهاهم عن ذلك، ذكره الزمخشري. ٣٩٠ - وأنشد: جاؤوا بمذق هل رأيت الذّئب قطّ قال المبرد في الكامل (١): العرب تختصر التشبيه، وربما أو مأت إليه إيماء. وقال أحمد الرّجّاز: بتنا بحسّان ومعزاة تئطّ ... تلحس أذنيه وحينا تمتخط (٢) ما زلت أسعى بينهم وأختبط (٣) ... حتّى إذا كاد الظّلام يختلط جاؤوا بمذق هل رأيت الذّئب قطّ يقول في لون الذئب، واللّبن إذا خلط بالماء: ضرب الى الغبرة انتهى. وحسان: مصروف وممنوع، والمعزي: بكسر الميم، من الغنم خلاف الضأن. وتئط: تصوّت، من الأطيط. وأكثر ما يستعمل في صوت الإبل والرحل. والمذق: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وقاف، اللبن الممزوج بالماء

стр. 627

فيقل بياضه. وأورده ابن الشجري في أماليه بلفظ: جاؤ بضيج (١). وقال: الضجيج يضرب لونه الى الخضرة والطلسة. قوله: وهل رأيت الذئب قط، جملة انشائية ظاهرة إنها صفة لمذق، وإنما توصف بالخبرية، فأوّل بإضمار القول أي بمذق. تقول عند رؤيته: هل رأيت. قال التغلبي: وفيه وجه آخر أن التقدير: جاؤا بمذق يشابه لونه لون الذئب. ٣٩١ - وأنشد: فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها هو من قصيدة للنّمر بن تولب أوّلها (٢): توّحش من أطلال جمرة مأسل ... فقد أقفرت منها شراء فيذبل ودسّت رسولا من بعيد بآية ... بأن حيّهم واسألهم ما تموّلوا فحيّيت عن شحط فخير حديثنا ... ولا يأمن الأيّام إلّا المضلّل لنا فرس من صالح الخيل نبتغي ... عليه عطاء الله، والله ينحل وحمر مدمّاة كأنّ ظهورها ... ذرى كثب قد بلّها الطّلّ من عل الى أن قال في وصفها: إذا وردت ماء، وإن كان صافيا ... حدته على دلو يعلّ وينهل فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها ... ولا الضّيف فيها إن أناخ محوّل

стр. 628

ومنها لعمري، لقد أنكرت نفسي ورابني ... مع الشّيب أبدالي الّتي أتبدّل دعاني العذارى عمّهنّ وخلتني ... لي اسم فلا أدعى به وهو أوّل وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتّى يؤوب المنخّل فيضحى قريبا غير ذاهب غربة ... وأرسل أيماني ولا أتحلّل وظلعي ولم أكسر، وإنّ ظعينتي ... تلفّ بنيها في الأوار وأعزل وبطئي عن الدّاعي ولست بآخذ ... إليه سلاحي مثل ما كنت أفعل تدارك ما بعد الشّباب وقبله ... حوادث أيّام تمرّ وأغفل (١) يودّ الفتى طول السّلامة والغنى ... فكيف ترى طول السّلامة يفعل؟ (٢) يودّ الفتى بعد اعتدال وصحّة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل قوله: (توحش) يروى بدله (تأبد). وهو معناه، يقال: تأبد المنزل، أي أقفر وألفته الوحوش. وجمرة: بجيم وراء، زوجة النمر بن تولب. ومأسل: بفتح الميم والسين المهملة بينهما همزة ساكنة، رملة. وشراء: مثل حزام، موضع. ويذبل: جبل. قوله: ودست، أي أرسلت رسولهم. وقالت اسألهم ماذا اقتنوا من المال. والآية: العلامة بيننا اذا جاء سائل ليسأل ما اقتنيت من المال. وحييت: رددت التحية. والتشحط: البعد. وخير حديثنا: أي حالنا حسنة. وكنا لا نأمن تغير الايام ولا يأمن ذلك إلا مضلل جاهل. وينحل: بالحاء المهملة، يعطي. وحمر: أي ولنا إبل حمر. ومتونها: ظهورها، وذي أعالي. وكثب: جمع كثيب. قد

стр. 629

بلها: أي لبدها. قوله: (فلا الجارة) أي جارتنا. لا تلحي إبلها: أي لا تشتمها لأنها تصب من لبنها والدنيا القريبة. وقوله: (إن أناخ) أي برك راحلته. ومحول: من التحويل. وقوله: (تلحينها) استشهد به على دخول نون التأكيد بعد لا النافية، تشبيها لها في اللفظ بلا الناهية. قوله: (ورابني) أي أبصرت ما أنكره، تبدّلت ضعفا بعد قوّة، وبياضا بعد سواد، ومنهما بعد صحة. قوله: (دعاني العذارى) في ديوان النمر، وقول العذارى: وهو معطوف على فاعل رابني وأنشده النحاة بلفظ دعاني. والعذارى: جمع عذراء وهي الجارية التي لم يسمها رجل، وهي البكر. والغواني: جمع غانية، وهي المرأة التي غنيت بحسنها عن الزينة، وفيه شاهد على ترك تاء التأنيث للفصل. ويروى: دعا العذارى، مصدر مضاف لفاعله، والمفعول الأول محذوف، أي دعا العذارى إيّاي عمهن، ودعا: نصب بتقدير أنكرت. وروى (دعاني العذارى) على اضافته للمفعول الأول. قوله: (وخلتني) أي خلت نفسي، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وهو من خصائص أفعال القلوب. واستشهدوا به على استعمال خال بمعنى تيقن. وجملة لي: اسم في موضع المفعول الثاني، وجملة: (وهو أول) حال. قوله: (وقولي إذا ما أطلقوا) أي اذا أرسلوا بعيرهم، أقول لا يعود أبدا ولا يردّه أحد لما أجد في نفسي من الضعف. وقوله: (تلاقونه) على حذف لا، أي لا تلاقونه. والمنخل: رجل مضى من غير تجني قيظا فلم يعد، وهو بضم الميم وفتح النون وتشديد الخاء المعجمة المفتوحة. قوله: فيضحي، أي البعير. وغربة: بعد. وأرسل: أي فإني أي أحلف ولا أستثني. قوله: (وظلعي ولم أكسر) أي أعمر من غير أن يصيبني كسر. قوله: (وإن ظعينتي) أي امرأته تعتزله، أي استخفت به من الكبر. قوله: (وبطئي عن الداعي) أي المستغيث، وكلها عطف على فاعل رابني. وينوء: أي ينهض بمشقة. ٣٩٢ - وأنشد: يقولون: لا تبعد، وهم يدفنونني، ... وأين مكان البعد إلّا مكانيا

стр. 630

هذا من قصيدة لمالك بن الريب يرثي بها نفسه أوّلها (١): ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلوص النّواجيا ومنها: ألم ترني بعت الضّلالة بالهدى ... وأصبحت في جيش ابن عفّان غازيا أقول وقد حالت قوى الكرد دوننا ... جزى الله عمرا خير ما كان جازيا إن الله يرجعني من الغزو ولم أكن ... وإن قلّ مالي طالبا من ورائيا ومنها: ولمّا تراءت عند مرو منيّتي ... وحلّ بها سقمي وحانت وفاتيا أقول لأصحابي: ارفعوني فإنّني ... يقرّ بعيني أن سهيل بداليا فيا صاحبي رحلي! دنا الموت، فانزلا ... برابية، إنّي مقيم لياليا أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة ... ولا تعجلاني قد تبيّن مابيا وقوما إذا ما استلّ روحي فهيّئآ ... لي السّدر والأكفان عند وفاتيا ولا تحسداني بارك الله فيكما ... من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا إلى أن قال: وقوما على بئر الشّبيك فأسمعا ... بها الحيّ والبيض الحسان الرّوانيا

стр. 631

بأنّكما خلّفتماني بقفرة ... تهيل عليّ الرّيح فيها السّوافيا يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلّا مكانيا غداة غد، يا لهف نفسي على غد ... إذا أدلجوا عنّي، وأصبحت ثاويا وأصبح مالي من طريف وتالد ... لغيري وكان المال بالأمس ماليا قال القالي في أماليه (١): قال أبو عبيدة: لما ولّى معاوية سعيد بن عثمان ابن عفّان خراسان، سار فيمن معه فأخذ طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الرّيب ابن حوط بن قرط بن حلّ بن ربيعة بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو ابن تميم، وكان مالك فيمن ذكروا من أجمل العرب جمالا وأبينهم بيانا، فلما رآه سعيد أعجبه، فقال له: ويحك يا مالك! ما الذي يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العداء وقطع الطريق؟ فقال: أصلح الله الأمير، العجز عن مكافأة الإخوان. قال: فإن أغنيتك واستصحبتك أيكفّك ذلك عسا تفعل وتبتغي؟ قال: نعم، فاستصحبه وأجرى عليه خمسمائة دينار في كل شهر، وكان معه حتى قتل سعيد، ومكث مالك بخراسان حتى هلك هناك. فقال هذه القصيدة يذكر مرضه وغربته. وقال بعضهم: بل مات في غز وسعيد، طعن فسقط وهو بآخر رمق. وقال بعضهم: بل مات في خان، فرثته الجنّ لما رأت من غربته ووحدته، ووضعت الجنّ القصيدة تحت رأسه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، انتهى. ثم قال القالي: الغضا شجر ينبت في الرمل ولا يكون غضاء إلا في الرمل (٢). وأزجي: أسوق. والنواجي: السراع. وقوله: ألم ترني بعت الضّلالة بالهدى يقول: بعت ما كنت فيه من الفتك والضلالة بأن سرت في جيش سعيد بن عثمان بن عفان. وقوله: (يقرّ بعيني أن سهيلا) لا يرى بناحية خراسان، فيقول: ارفعوني لعلي أراه فتقرّ عيني لأنه يراه من بلده. والرواني: النواظر. وتهيل:

стр. 632

تثير. والسوافي: ما جازت الريح الى أصول الحيطان. والثاوي: المقيم. والطريف والطارف: المال المستحدث. والتالد والتليد: العتيق الموروث. ٣٩٣ - وأنشد: فلا تشلل يدا فتكت بعمرو ... فإنّك لن تذلّ ولن تضاما قال أبو زيد في نوادره: هذا الرجل من بكر بن وائل جاهلي، وأورده بلفظ: ولن تلاما. وبعده: وجدنا آل مرّة حين خفنا ... جريرتنا هم الأنف الكراما ويسرح جارهم من حيث أمسى ... كأنّ عليه مؤتنفا حراما قال الجرمي: يدا لا تشلل. ثم أقبل على صاحب اليد يخاطبه فقال: فانك لن تذل. وقال أبو زيد: أي لا أشلها الله، يقال: شلّت يده، ولا يقال شلت ولكن أشلّت. ويقال فتكت به أفتك فتكا وفتكا إذا وثبت به من غير أن يعلم فقتلته أو قطعت منه شيئا. والجريرة: ما جروا على أنفسهم من الذنوب، وجمعها جرائر. والأنف الذين يأنفون من احتمال الضيم. ويسرح: أي يرسل ماشيته في المرعى. وقوله: (من حيث أمسى) أي لأمنه في موضعه. ومؤتنف: من الأنف الذي لم يرع جعل له وحرم على غيره. وقال أبو سعيد السكري: قوله: مؤتنفا حراما، يريد شهرا حراما فلا يهاج فيه، أي هو من الأمن كأنه في شهر حرام. قال: وفي مؤتنفا بكسر النون، فان لم يكن غلطا فإنه أراد كان عليه وهو مؤتنف مستأنف شهرا حراما. نصب مؤتنفا على الحال، انتهى. ٣٩٤ - وأنشد: إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم عزاه المصنف للفرزدق. وقال أبو عبد الله المفجع في كتابه المسمى بالمنقذ: هو للوليد بن عقبة يعرض بمعاوية، وبعده:

стр. 633

بصير بما في الطّبل بالبقل عالم ... جروز لما التفّت عليه اللهازم أراد بالجراضم معاوية، لأنه كان كثير الأكل جدا. وهو بضم الجيم: الأكول الواسع البطن، وكذلك الجرضم. والطبل: السلة التي يجعل فيها الطعام. وجروز: بفتح الجيم وضم الراء، آخره زاي، معناه: آكل لما بين يديه. واللهازم: جمع لهزمة وهي الأشداق. والبيت استشهد به على جزم فعل المتكلم بلا الناهية، وهو قليل. ٣٩٥ - وأنشد: وتلحينني في اللهو أن لا أحبّه ... وللهو داع دائب غير غافل عزاه المبرد في الكامل للأحوص (١)، وقبله. ألا يا لقومي قد أشطّت عواذلي ... ويزعمن أن أودى بحقّي باطلي ٣٩٦ - وأنشد: أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله (٢) قال الزمخشري في أحاجيه: هذا المبنى غامض المعنى وما رأيت أحدا فسره. وحكي يونس عن أبي عمرو بن العلاء: إنه جرّ البخل بإضافة لا إليه. وقال السخاوي: هذا البيت أورده أبو علي بنصب البخل، وزعم أنه مفعول أبي، وإن (لا) زائدة. وحكي ذلك عن أبي الحسن الأخفش قال: وأما بقية البيت فلم يفسره وهو مشكل جدا. وأقول في معناه: إنه مدح لكريم أبي لجوده أن ينطق بلا التي للبخل، أي التي يقولها البخيل، واستعجلت بجوده لا، أي سبقت نعم لا كما قال:

стр. 634

واستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجّل فرّاط لورّاد أي سبقونا وتقدمونا، أي أن نعم استعجلت لا، أي سبقتها، صادرة من فتى لا يمنع. والهاء في قائله تعود على نعم، أي قائل نعم يمنع الجود، ثم قال: وقوله: (لا يمنع الجود قاتله) أراد الجود، وإن قتله لا يمنعه، فقاتله منصوب على الحال، أي لا يمنع الجود في حال قتله إياه لأن الجود يفقره. وقد قال: الفقر هو الموت الأحمر. قال: ويجوز أن ينتصب قاتله على أنه مفعول، أي أنه لا يمنع من يريد أن يقتله الجود بذلك عليه كما قال: ولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها، فليتّق الله سائله قال: ويجوز أن يكون معنى قاتله من قتل، من يكرم عليه لأن فاعل ذلك قاتل له، ومع ذلك فلا يمنعه ذلك أن يجود عليه، وقد قال الله: (فإن قاتِلُوهُمْ). * ولا يصح أن يكون هذان البيتان في شعر واحد، لأن الأوّل مرفوع القافية، والثاني منصوبها، بل يجوز أن يكون الثاني بيتا آخر في شعر آخر وقد وقع ذلك للشعراء كثيرا، انتهى. ٣٩٧ - وأنشد: لا وأبيك ابنة العامر ... يّ لا يدّعي القوم أنّي أفرّ هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر فيما ذكر أبو عمرو والمفضل وغيرهما (١). وزعم أبو حاتم أنها لرجل من النّمر بن قاسط يقال له ربيعة بن جشم، وأوّلها: أحار بن عمرو كأنّي خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر لا وأبيك ابنة العامر ... يّ لا يدّعي القوم أنّي أفرّ

стр. 635

تميم بن مرّ وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرّقت الأرض واليوم قرّ الى أن قال: وهرّ تصيد قلوب الرّجا ... ل وأفلت منها ابن عمر وحجر رمتني بسهم أصاب الفؤا ... د غداة الرّحيل فلم أنتصر برهرهة رؤدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر فتور القيام، قطيع الكلام ... تفترّ عن ذي غروب خصر فبتّ أكابد ليل التّمام ... والقلب من خشية مقشعرّ فلمّا دنوت تسدّيتها ... فثوبا نسيت وثوبا أجرّ ولم يرنا كاليء كاشح ... ولم يفش ممّا لدى الباب سرّ ومنها: وأركب في الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر لها حافر مثل قعب الوليد ... ركّب فيه وظيف عجر لها ثنن كخوافي العقاب ... أسود يفين إذا تزبئزّ وساقان كعباهما أصمعان ... لحم حانيهما منبتر لها عجز كصفاة المسيل ... أبرز عنها جحاف مضرّ
следующие страницы →