٧٩٠ - وأنشد:
نطوّف ما نطوّف ثمّ نأوي ... ذوو الأموال منّا والعديم
إلى حفر أسافلهنّ جوف ... وأعلاهنّ صفّاح مقيم
تقدم شرحهما في شواهد إذا ضمن قصيدة البرج (١).
٧٩١ - وأنشد:
ما للجمال مشيها وئيدا (٢)
هو للزباء، ونسبه العيني للخنساء. وفي الأغاني قيل إنه مصنوع (٣). وبعده:
أجندلا يحملن أم حديدا ... أم صرفانا باردا شديدا
أم الرّجال قمّصا قعودا
الجمال: جمع جمل. ووئيد: بفتح الواو وكسر الهمزة ودال مهملة، صوت شدة الوطء على الأرض يسمع كالدوي من بعده. والجندل: بفتح الجيم ودال مهملة بينهما نون ساكنة، الحجر. والصرفان: بفتح المهملتين وفاء. قال ثعلب في أماليه:
وقد أنشد البيت، وزعم قوم انه الرصاص. وبارد: ثابت. وقال أبو عبيدة: هو جنس من التمر، لم يكن يهدي لها شيء كان أحب إليها منه من التمر. وقمصا:
بضم القاف وتشديد الميم وصاد مهملة، من قمص الفرس، أي استن، وهو أن يطرح يديه ويرفعهما معا ويعجز رجليه. ويروى بدله (جثما) وهو جاثم من جثم: تلبد بالأرض. واستدل الكوفيون بقوله: (مشيها وئيدا) على جواز تقديم الفاعل.
стр. 912
وخرّجه البصريون على أنه مبتدأ حذف خبره وبقي معموله، أي مشيها يكون وئيدا ويوجد وئيدا. وقال أبو علي: مشيها بدل من الضمير في للجمال، أو مبتدأ. رويدا:
حال سدّت مسد الخبر. ويروى (مشيها) بالنصب على المصدر أي يمشي مشيها.
وبالجرّ بدل اشتمال من الجمال.
٧٩٢ - وأنشد:
فإن لا مال أعطيه فإنّي ... صديق من غدوّ أو رواح
٧٩٣ - وأنشد:
بربّك هل ضممت إليك ليلى (١)
عزى لقيس المجنون.
أخرج في الأغاني عن الهيثم بن عدي قال (٢): مرّ المجنون ذات يوم بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات، فوقف عليه، ثم أنشأ يقول:
بربّك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصّبح أو قبّلت فاها (٣)
وهل زفّت عليك قرون ليلى ... زفيف الأقحوانة في نداها (٤)
فقال: اللهم إذ حلّفتني فنعم! فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر،
стр. 913
فما فارقهما حتى سقط مغشيا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجبا منه.
٧٩٤ - وأنشد:
وكوني بالمكارم ذكّريني ... ودلّي دلّ ماجدة صناع (١)
أنشده أبو زيد، وقبله:
ألا يا أمّ فارغي لا تلومي ... على شيء رفعت به سماعي
المعنى: لا تلوميني على ما يرتفع به صيتي وذكري، وذكريني: كوني مذكرة لي بالمكارم (٢).
٧٩٥ - وأنشد:
إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
٧٩٦ - وأنشد:
إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
هناك أوصيني ولا توصي بيه
هو من أبيات الحماسة (٣). وبعد المصراع الثاني:
وشدّ فوق بعضهم بالأردية (٤)
стр. 914
قال التبريزي: خبر (إن) في قوله: (أوصيني). والمعنى: إني أهل لأن يوصى إليّ حينئذ غيري، ولا يوصى غيري بي. و (ما) في ما القوم زائدة.
وأنجيه: جمع نجي. والمعنى: صاروا فرقا لما حربهم (١) من الشر يتناجون ويتشاورون. واضطرب القوم: أي لجزعهم لم يثبتوا على الخيل. والأرشية:
الدلاء، جمع رشا، بكسر الراء، وشد فوق بعضهم: أي خوف السقوط لضعف الاستمساك عند غلبة النعاس، أو لأنهم أسروا.
٧٩٧ - وأنشد:
أأكرم من ليلى عليّ فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرا لا أطيعها
تقدم شرحه (٢).
٧٩٨ - وأنشد:
نعم الفتى المرّيّ أنت إذا هم ... حضروا لدى الحجرات نار الموقد (٣)
هو لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المرّي، وأوّلها:
لمن الدّيار غشيتها بالفدفد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد
وقبل هذا البيت:
وإلى سنان سيرها ووسيجها ... حتّى تلاقيها بطلق الأسعد
الفدفد: المكان المرتفع فيه صلابة وحجارة. ويقال: هي أرض مستوية. وقوله:
стр. 915
كالوحي: أي كالكتاب. وإنما جعل في حجر المسيل لأنه أصل له (١). والمخلد:
المقيم، من أخلد، إذا أقام. والوسيج: بالجيم، ضرب من السّير. والطلق:
اليوم الطيب لا برد فيه ولا أذى. الأسعد: اليمن، من السعود. والحجرات:
جمع حجرة، وهي شدة الشتاء. والمرّيّ: نسبة الى مرّة، وهو نعت للفتى.
والبيت استشهد به على نعت فاعل نعم. وأنت المخصوص بالمدح.
٧٩٩ - وأنشد:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحرّ كاليأس
هو من قصيدة للحطيئة يخاطب بها الزبرقان بن بدر. وقبله (٢).
لمّا بدا لي منكم عيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي منكم آسي
وبعده:
جارا لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيما بين أرماس
ملّوا قراه وهرّته كلابهم ... وجرّحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد، فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
أخرج الجمحي وابن عساكر عن يونس النحوي قال (٣): كان سبب هجاء الحطيئة الزبرقان انه قدم المدينة، فقال: وددت أنّي أصبت رجلا يحملني وأصفيه مديحتي وأقتصر عليه. فقال الزبرقان: قد أصبته، تقدم على أهلي فإنّي على أثرك. وأرسل الى امرأته أن أكرمي مثواه. وكان مع الحطيئة ابنة جميلة، فكرهت امرأته مكانها
стр. 916
فأظهرت لهم جفوة، فأخذه بغيض بن عامر، وهو يومئذ ينازع الزبرقان الشرف، فبنى عليه قبّة، ونحر له فأكرمه كل الإكرام، فعمل الحطيئة هذه القصيدة فاستعداه الزبرقان الى عمر وادّعى عليه أنه هجاه فقال له: ما قال لك؟ فأنشده القصيدة فقال:
ما أسمع هجاء انما اسمع معاتبة. فقال: وما تبلغ مروءتي الى أن آكل وأشرب؟
فسأل عمر حسان ولبيد: أترونه هجاه؟ قالا: نعم، فحبسه.
وأخرج الزبير بن بكار وأبو الفرج وابن عساكر وغيرهم عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما حبس عمر الحطيئة، كلمه عمرو بن العاص وغيره فيه فأخرجه من السجن فقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر؟ (١)
غادرت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر، هداك مليك النّاس يا عمر
أنت الإمام الّذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النّهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الخير
فامنن على صبية بالرّمل مسكنهم ... بين الأباطح يغشاهم بها القرر
أهلي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داوية تعمى بها الخبر
فبكى عمر، ثم قال: أشيروا عليّ في الشاعر فانه يقول الهجو، ويشبب بالنساء، ويمدح الناس، ويرميهم بغير ما فيهم، ما أراني إلا قاطع لسانه. ثم قال: عليّ بالطست، فأتى بها. ثم قال: عليّ بالمخصف، لا بل عليّ بالسكين، فأتى بها. ثم قال: عليّ بالموسى، فهي أوجى. فقالوا: لا يعود يا أمير المؤمنين! قال: النجاء أذهب. فلما أدبر قال: يا حطيئة، فرجع إليه فقال: كأني بك قد دعاك فتى من قريش
стр. 917
فبسط لك نمرقة، وكسر لك أخرى، ثم قال لك: غننا يا حطيئة، فطفقت تغنيه بأعراض المسلمين. قال: فو الله ما ذهبت الليالي حتى رأيت الحطيئة عند عبد الله بن عمر بن الخطاب قد بسط له نمرقة وكسر له أخرى وقال: غننا يا حطيئة! فغناه، فقلت:
يا حطيئة، أما تذكر قول عمر لك، ففزع ثم قال: يرحم الله ذلك المرء، أما لو كان حيا ما فعلنا هذا. وقلت لعبد الله: سمعت أباك يذكر كذا وكذا فكنت ذلك الرجل.
وفي البيان للجاحظ (١): كان عمر أعلم الناس بالشعر، ولكنه لما ابتلي بالحكم بين الحطيئة والزبرقان كره أن يتعرّض له بنفسه، فاستشهد حسان وأمثاله ثم حكم بما يعلم. وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن أبي عمرو بن العلاء قال (٢): لم تقل العرب قط بيتا أصدق من بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
وأخرج عن كعب الأخبار أنه سمع رجلا ينشد هذا البيت فقال: والذي نفسي بيده، إن هذا البيت لمكتوب في التوراة.
٨٠٠ - وأنشد:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء
تقدم شرحه (٣).
٨٠١ - وأنشد:
أظبي كان أمّك أم حمار (٤)
هو لخداش بن زهير، صدره:
стр. 918
فإنّك لا تبالي بعد حول
وقد استشهد به سيبويه على الإخبار في باب كان بالمعرفة عن النكرة ضرورة.
وقد أشكل على كثيرين فقالوا: إنما أخبر عن معرفة بمعرفة إذ اسم كان ضمير، وأجيب بأنه لا ضمير في كان بل
ظبي اسمها قدم للضرورة. وكان الأصل أظبيا كان أمّك؟ بنصب الظبي ورفع الأم. ثم عكس الإعراب وترك الظبي في موضعه لانه خبر في المعنى، وإن كان مرفوعا. ورفع حمار لأنه تابع. وقيل: ليس ظبي اسما لكان المذكورة بل لكان مذكورة تفسرها المذكورة. والتقدير: أكان ظبي أمك.
فالبيت من باب الاشتغال. ومعنى البيت: إن الإنسان إذا استغنى بنفسه لا يبالي عن من انتسب إليه من شريف أو وضيع. وضرب الظبي والحمار لهما مثلا. وذكر الحول لأن هذين يستغنيان بأنفسهما بعده. ثم أشار إلى أن الزمان لعدم جريه على مقتضى القياس قد التحق فيه الوضيع بالشريف، في قوله بعد هذا البيت:
فقد لحق الأسافل بالأعالي ... وماج القوم واختلط النّجار
وعاد الفند مثل أبي قبيس ... وصار مع المعلهجة العشار
المعلهج: الهجين.
٨٠٢ - وأنشد:
وربّ السّموات العلى وبروجها ... والأرض وما فيها: المقدّر كائن
٨٠٣ - وأنشد:
حنّت نوار ولات هنّا حنّت (١)
стр. 919
هو لشبيب بن جعيل الثّعلبي. كان بنو قتيبة بن معين (١)، أسروه في حرب فأنشد ذلك يخاطب أمّه نوار بنت عمرو بن كلثوم، وتمامه:
وبدا الّذي كانت نوار أجنّت ... لما رأت ذات السّلا شربا لها (٢)
والفرت يعصر في الإناء أرنّت
حنت: من الحنين، وهو الشوق. ونوار: علم امرأة من باب حذام (٣).
والواو في (ولات) للحال. قال المصنف في شواهده: وكذا وجدتها حيث وقعت قبل لات. ولات عند الفارسي مهملة. وهنا خبر. وحنت مبتدأ بإضمار ان مثل:
(ومن آياته يريكم البرق) وعند ابن عصفور معملة. وحنت: بتقدير وفت، وحنت وهو الخبر. وعند الخباز إنها
مهملة وهنا مضافة الى حنت. قال المصنف: ويرده ان اسم الاشارة لا يضاف. وذهب بعضهم الى أن هنا خبر لات واسمها محذوف، تقديره ليس الحيا حين حنينها. وبدا: بمعنى ظهر. وأجنت: بجيم، سترت.
والسلا: بالقصر، الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي. وأرنت: صاحت.
والبيت استشهد به ابن مالك على الاشارة بهنّا للزمان، وهي بضم الهاء وتشديد النون، لغة في هنا. وذكر أبو عبيدة: أنّ هذين البيتين لحجل بن نضلة.
٨٠٤ - وأنشد:
مضت سنة لعام ولدت فيه ... وعشر قبل ذاك وحجّتان (٤)
هو للنابغة الجعدي، وقبله:
стр. 920
ومن يك سائلا عنّي فإنّي ... من الفتيان أيّام الختان
وبعده:
فقد أبقت صروف الدّهر عنّي ... كما أبقت من السّيف اليماني
قال ابن حبيب: أيام الختان وقعة لهم. قال قائل منهم: وقد لقوا عدوّهم أختنوهم بالرماح فسمى ذلك العام عام الختان (١).
٨٠٥ - وأنشد:
هذا وجدّكم الصّغار بعينه (٢)
قال سيبويه: هو لرجل من مذحج. وقال أبو رياش: هو لهمّام أخى حسان ابن مرّة (٣). وقال الأصفهاني: هو
لضمرة بن ضمرة. وقال الآمدي في المؤتلف:
هو لابن أحمر من بني الحارث بن مرّة بن عبد مناة، باهلي. قال المصنف:
ويشكل عليه نداؤه في ضمرة في أول القصيدة. وقال: وقد يكون نادى آخر اسمه كاسمه. وقال الحاتمي: هو لابن أحمر. وقال ابن الأعرابي: لرجل من بني عبد مناة قبل الاسلام بخمسمائة سنة يخاطب أبويه وأهله، وكانوا يؤثرون عليه أخاه جندبا، وأوّل القصيدة:
يا ضمر أخبرني ولست بكاذب ... وأخوك نافعك الّذي لا يكذب
أمن السّويّة أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشّدائد بالشّدائد مرّة ... أشجتكم فأنا الحبيب الأقرب
стр. 921
ولجندب سهل البلاد وعذبها ... ولي الملاح وحزنهنّ المجدب
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا لعمركم الصّغار بعينه ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
عجبا لتلك قضيّة وإقامتي ... فيكم على تلك القضيّة أعجب
ضمر: مرخم ضمرة. وجملة: (ولست بكاذب) حالية، أو مستأنفة. فهي توصية له بالصدق على الأوّل، وثناء عليه به على الثاني. والسوية: العدل. والأجنب:
يروى بالجيم والنون، من الجنابة، وهو البعد، وبالخاء المعجمة والياء، من الخيبة.
وأشجتكم: من أشجاه إذا أغضبه. والملاح: بكسر الميم، جمع مليح وهو المالح.
وضبطه العيني بضم الميم، وهو نبات الحمض، وأصده بتشديد اللام فخفف للضرورة.
وقيل تخفيفه لغة، انتهى. والحزن: ما غلظ من الارض. والكريهة: القصة المكروهة، وأنثت بالتاء لغلبة الإسمية، كالنطيحة. يطلق على الحرب. والحيس: طعام فاضل عندهم يتخذ من تمر وسمن وأقط. وجندب: بفتح الدال
وضمها. والصغار:
بفتح الصاد، الذل والهوان. وفي البيت الإعتراض بين المبتدأ والخبر بالقسم. وبين المتعاطفين بالشرط. وزيادة الباء في كلمة العين المؤكدة بها. وقيل: ان بعينه في موضع الحال أي هذا الصغار. وقوله: لا أم لي، أي إنه لقيط لا يعرف له أب ولا أم إن رضي بهذا الصغار. وكان تامة، واستشهد به على رفع اسم الثاني مع تكرير لا مع فتح الأول، أما على الغاء الثانية ورفع تاليها بالعطف على محل الأولى مع اسمها، أو على إعمال الثانية عمل ليس. وعجبا: مصدر ثابت من أعجب. ويروى بالرفع على الابتداء. وإن كان نكرة لتضمنه معنى التعجب، أو لأنه مصدر في الأصل، وإنما عدل الى رفعه لافادة معنى الثبوت.
٨٠٦ - وأنشد:
زعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنّما الشّيخ من يدبّ دبيبا
стр. 922
هذا لأبي أميّة أوس الحنفي، وبعده:
إنّما الشّيخ من يستره الحيّ ... ويمشي في بيته محجوبا
إن أراد الخروج خوّف بالذّئ ... ب وإن كان لا يرى الحي ذيبا
كيف يدعى شيخا أخو مضلّعات ... ليس يثني تقلّبا وركوبا
يدب: بكسر الدال، يدرج في المشي رويدا. ومضلعات: من الأضلاع، وهو الإمالة. ويقال: حمل مضلع، أي مثقل. وقوله: (ولست بشيخ) جملة حالية.
والبيت أورده المصنف في التوضيح شاهدا على نصب زعم مفعولين.
٨٠٧ - وأنشد:
تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها (١)
هو لزياد بن سيّار (٢) بن عمرو بن جابر، من أقران النابغة وتمامه:
فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر
وقد استشهد به النحاة، منهم المصنف في التوضيح على أن تعلم بمعنى أعلم بنصب مفعولين.
٨٠٨ - وأنشد:
فقلت: أجرني أبا خالد ... وإلّا فهبني امرأ هالكا (٣)
هو لابن همّام السلولي. قال المصنف: قوله: (امرأ) مفعول ثان موطئ لقوله: هالكا. وهالكا صفة له، وهو المقصود بالمفعولية. ونظيره في باب الخبر:
стр. 923
(بل أنتم قوم تجهلون). وفي باب الحال: (أقبل زيد رجلا وراكبا). وفعل الشرط محذوف، أي وإن لا تجرني. ودخلت الفاء في الجواب لأنه انشاء ولأنه جامد. وقد استشهد بالبيت على تعدية هب بمعنى اعتقد الى مفعولين.
٨٠٩ - وأنشد:
لا نسب اليوم ولا خلّة
تقدّم شرحه في شواهد لا (١).
٨١٠ - وأنشد:
اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أحزانك المكنونة الطّلل
ربع قواء أذاع المعصرات بها ... وكلّ حيران سار ماؤه خضل
٨١١ - وأنشد:
إنّ من لام في بني ابنة حسّ ... ان ألمه وأعصه في الخطوب (٢)
هو للأعشى ميمون. وبعده:
إنّ قيسا قيس الفعول وآل الأش ... عث أمست أمداده لشعوب (٣)
كلّ عام يمدّني يحموم (٤) عن ... د وضع العنان أو بنجيب
تلك حبلى منه وتلك ركابي (٥) ... هنّ صفر أولادها كالزّبيب
قال شارع أبيات الايضاح: حذف الهاء التي هي ضمير الشأن للضرورة، ولولا تقديرها ما جزم بمن، ولذلك جزم المد لأن الشرط لا يعمل فيه ما قبله الإبتداء.
стр. 924
٨١٢ - [وأنشد:
فلم أعط شيئا ولم أمنع] (١)
أخرج مسلم في صحيحه والبيهقي في دلائل النبوّة عن رافع بن خديج: أن النبيّ ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين كل رجل منهم مائة من الإبل، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطي الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطي مالك بن عوف النضري مائة، وأعطي العباس بن مرداس ثمانين، فأنشأ يقول (٢):
أتجعل نهي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وقد كنت في الحرب ذا تدرء ... فلم أعط شيئا ولم أمنع
وما كنت دون امرئ منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع
فأتمّ له رسول الله ﷺ مائة. وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قالا: قال العباس بن مرداس السلمي حين رأى رسول الله صلّي الله عليه وسلّم يقسم الغنائم:
وكانت نهابا تلافيتها ... وكرّي على المهر بالأجرع
وإيقاظي الحيّ أن يوقدوا ... وإذ هجع النّاس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
الأبيات بعده، فبلغ رسول الله ﷺ فدعاه وقال: أنت القائل:
فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟
стр. 925
فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، لم يقل كذلك ولا والله، ما أنت بشاعر، وما ينبغي لك، وما أنت برواية. قال: فكيف؟ فأنشده أبو بكر، فقال النبي ﷺ : هما سواء ما يضرّك بأيهما بدأت بالأقرع أم بعيينة. فقال رسول الله ﷺ : اقطعوا عني لسانه، ففزع منها، وانما أراد رسول الله ﷺ أن يقطعوه بالعطية. العبيد اسم فرس له. وأورد ابن اسحق الأبيات، وزاد بعد قوله:
فلم أعط شيئا ولم أمنع ... إلّا أنا قليلا عطيتها
عديد قوائمه الأربع
نهبى: بفتح النون وسكون الهاء، هو الغنيمة ويجمع على نهاب. والعبيد:
بضم العين، اسم فرس للعباس بن مرداس. وذا تدرء: عدة وقوّة على دفع الأعداء، بضم المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وفتح الراء آخره همزة، من الدرء، والتاء فيه زائدة. قوله: فلم أعط شيأ: أي طائلا، فحذف الصفة بدليل قوله: ولم أمنع. وقوله: يفوقان مرداس، استشهد به ابن مالك وغيره على منعه الصرف وهو مصروف للضرورة.
٨١٣ - وأنشد:
وليست دارنا هاتا بدار (١)
هو لعمران بن حطّان الخارجي، وصدره:
وليس لعيشنا هذا مهاه
وبعده:
لنا إلّا ليال باقيات ... وبلغتنا بأيّام قصار
ولا تبقى ولا نبقي عليها ... ولا في الأمر نأخذ بالخيار
стр. 926
وما أموالنا إلّا عوار ... سيأخذها المعير من المعار
مهاه: وزنها فعال، ولامه هاء، أي صفاء ورونق ومنظر جميل، يقال: وجه له مهاه، هذا قول النحويين. وقال الأصمعي: مهاة، بالتاء، بوزن فعلة كحصاة.
والمهاة: البلق والبقرة الوحشية. وقيل: إنه أيضا بمعنى الصفاء والرونق. ويروى:
وليست دارنا الدّنيا بدار
والبيت أورده المصنف شاهدا على الإشارة بهاتا. ولنا في البيت بعده في صلة البيت الأول. والبلغة: بمعنى البلوغ الى الوقت الذي هو الأجل.
فائدة: [عمران بن حطّان]
عمران بن حطّان السّدوسيّ الخارجي، أحد بني عمر بن شيبان، كان رأس الصّفرية وخطيبهم وشاعرهم، قالت له امرأته (١): أما زعمت إنك لم تكذب في شعر قط؟ قال: أو فعلت! قالت: أنت القائل:
فهناك مجزأة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامه
فيكون رجل أشجع من الأسد؟ فقال: أما رأيت مجزأة بن ثور فتح مدينة، والأسد لا يفتح مدينة.
٨١٤ - وأنشد:
لهفي عليك للهفة من خائف ... يبغي جوارك حين ليس مجير
هو لشمردل اللّيثي من قصيدة يرثي بها منصور بن زياد، وبعده:
أمّا القبور فإنّهنّ أوانس ... بجوار قبرك والدّيار قبور
стр. 927
عمّت فواضله فعمّ مصابه ... فالنّاس فيهم كلّه مأجور
يثني عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنّك بالثّناء جدير
ردّت صنائعه إليه حياته ... فكأنّه من نشرها منشور
والنّاس مأتمهم عليه واحد ... في كلّ دار رنّة وزفير
عجبا لأربع أذرع في خمسة ... في جوفها جبل أشمّ كبير
لهفى: مبتدأ، وعليك خبره. واللهفة: متعلق بما دل عليه لهفى. وحين ظرف ليبغي، ويبغي صفة لخائف، وخبر
ليس محذوف، أي في الدنيا أو ينعشه أو نحو ذلك. وبناحين لإضافته الى ليس. والمعنى: بي كآبة وحسرة شديدة من أجل حسرة رجل نابه حوادث الدهر ما أخافه، طلب جوارك وقت لا مجير له، ثم لا يجدك. والجوار: بكسر الجيم، الأمان. وقوله: من نشرها، أي من نشر الناس لها وذكرها، فأضيف المصدر للمفعول. ومنشور: من نشر الله الميت.
وأصل المأتم: النساء يجتمعن في الخير والشر، وجعله هنا المصيبة نفسها. والرنة:
الفعلة من الرنين. وأذرع: بلا تاء مؤنثة. وخمسة: أي أشبار، والشبر مذكر.
والأشم: الطويل الرأس العالي المرتفع. قال العيني: وصحف بعضهم البيت فقال:
لهفي عليك كلهفة، بالكاف، وهو خطأ. والبيت أورده المصنف في التوضيح بلفظ حين لا فحين، مستشهد به على إهمال لات لعدم دخولها على الزمان.
فائدة: [الشمردل بن عبد الله]
الشمردل بن عبد الله بن رؤبة بن سلمة شاعر إسلامي، في أيام جرير والفرزدق (١).
٨١٥ - وأنشد:
فقالت: على اسم الله أمرك طاعة
تقدم شرحه في شواهد الباء (٢).
стр. 928
٨١٦ - وأنشد:
علفتها تبنا وماء باردا (١)
قال العيني في الكبرى: هذا رجز مشهور بين القوم لم أر أحدا عزاه الى راجزه، وتمامه:
حتّى شتت همّالة عيناها (٢)
شتت: يروى بدله بدت. ومعناهما واحد. وهمّالة: من هملت العين، يعني صبت دمعها. ونصبه على التمييز. وقوله: ماء، على تقدير: وسقيتها، لا معطوف على التبن، لأن التبن ليس مما يعلف. وقال ابن عصفور: هو تضمين الفعل الأوّل معنى يتسلط به على الإسمين، أي اطعمتها، لأن التبن يطعم والماء أيضا مطعوم.
قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي). ويقال: أطعمته ماء فكأنه قال: أطعمتها تبنا وماء.
٨١٧ - وأنشد:
لها سبب ترعى به الماء والشّجر (٣) هو لطرفة، وصدره:
أعمر بن هند ما ترى رأي صرمة
الهمزة: للنداء. وصرمة: بكسر الصاد المهملة وسكون الراء وفتح الميم، القطيع من الإبل نحو الثلاثين. والبيت استشهد به على مثل ما تقدم في علفتها تبنا وماء باردا.
стр. 929
٨١٨ - وأنشد:
وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة (١)
قاله زفر بن الحارث بن معان بن يزيد الكلابي يوم مرج راهط، وهو موضع كانت فيه وقعة بالشام وفيها قتل الضحاك بن قيس الفهري، وتمامه:
ليالي لاقينا جذام وحميرا
وبعده:
فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
ولمّا التقينا عصبة تغلبيّة (٢) ... يقودون جردا للمنيّة ضمّرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا
قوله: وكنا حسبنا: أي كنا نطمع في أمر فوجدناه على خلاف ما كنا نظن، وهو من قولهم في المثل: ما كل بيضاء شحمة، وما كل سوداء تمرة.
والنّبع: شجر صلب ينبت في الجبال، تعمل منه القسي. ومن أمثالهم: النبع يقرع بعضه بعضا، فضربه مثلا لهم
ولأعدائهم، وشهد لهم بالصبر في قوله:
.. أبت عيدانه أن تكسّرا
وتغلبية: بالغين المعجمة، بنو تغلب بن علوان (٣). وجرد: جمع أجرد، وهو الفرس إذا رقت شعرته. وللمنية: متعلق بيقودون، أو بضمر، وهو جمع ضامر، من ضمر الفرس ضمورا خفّ لحمه. وقوله: أصبرا: أي أصبر منا، شهد لأعدائه أيضا بالغلبة. قال التبريزي: وبعضهم تأوّل البيت على أنه أراد أن القتل كان
стр. 930
فيهم أكثر. وهو فاسد لأن الخبر مشهور، وأن قوم زفر هزموا.
فائدة: [زفر بن الحارث]
زفر بن الحارث بن عبد عمرو بن معان بن يزيد بن عمرو بن الصعق أبو الهديل (١). ويقال: أبو عبد الله الكلابي سيد قيس في زمانه. ذكره أبو عروبة في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة. سمع عائشة ومعاوية، وروى عنه ثابت ابن الحجاج، وشهد وقعة صفين أميرا على أهل قنسرين. وشهد وقعة مرج راهط مع الضحاك بن قيس، ثم هرب ولحق بالجزيرة فتحصن بها ومات في أيام عبد الملك بن مروان. لخصته من تاريخ ابن عساكر.
٨١٩ - وأنشد:
فإن شئت آليت بين المقا ... م والرّكن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي ... أمدّ به أمد السّرمد
٨٢٠ - وأنشد:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... يلاقونه حتّى يؤوب المنخّل
تقدم شرحه في شواهد لا ضمن قصيدة النمر بن تولب (٢).
٨٢١ - وأنشد:
فو الله ما نلتم ولا نيل منكم ... بمعتدل وفق ولا متقارب
٨٢٢ - وأنشد:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
هو لبعض الطائبين يصف مظلمة همّ بها ثم صرف نفسه عنها. وقال العيني:
стр. 931
هو لعامر بن جرير الطائي (١) وصدره:
فلم أر مثلها حباسة واحد
الحباسة: بالحاء والسين المهملتين والباء الموحدة، كالظلامة وزنا ومعنى.
ورجل حبوس: أي ظلوم. وضبطه العيني بالخاء المعجمة. وقال: قال الجوهري:
الحباسة: المغنم. ونهنهت: كففت. وأفعلة: قيل أصله أفعلها بضم اللام، فحذف الألف التي بعد الهاء وجعل فتحة الهاء على اللام كما في: (والكرامة ذات أكرمكم الله به) وهي لغة محكية عن الطائيين. وقيل: الأصل أفعلنه، حذف منه نون التأكيد.
قال المصنف في شواهده: وهذا والقول الأوّل ضعيفان، والأرجح الثاني، لان ذلك قد عرف من لغة قبيلة، ولأن الضمير راجع الى الحباسة وهي مؤنث. فإذا قلنا أصله أفعلها كان جاريا على القياس والظاهر لا يعدل عنه، انتهى. ثم رأيت في الأغاني قال عامر بن جوين:
فكم للسّعيد من هجان مؤبّله ... تسير صحاحا ذات قيد ومرسله
أردت بها فتكا فلم أرتمض له (٢) ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
٨٢٣ - وأنشد:
يا عمرو إنّك قد مللت صحابتي ... وصحابتيك إخال ذاك قليل
٨٢٤ - وأنشد:
فلا وأبي لنأتيها جميعا ... ولو كانت بها عرب وروم
هو لعبد الله بن رواحة من أبيات قالها في غزوة مؤتة أوّلها:
حملنا الخيل من آجام قرح ... يعدّ من الحشيش لها العكوم
стр. 932
حدوناها (١) من الصّوّان سبتا ... أزلّ كأنّ صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها حموم
فرحنا بالجياد مسوّمات ... تنفّس من مناخرها السّموم
فلا وأبي لنأتيها جميعا ... ولو كانت بها عرب وروم
وفقّأ الله أعينهم فجاءت ... عوابس والغبار لها يزيم
بذي لجب كأنّ البيض فيه ... إذا برزت فوارسها النّجوم
أوردها ابن اسحق في سيرته وابن عساكر في تاريخه.
٨٢٥ - وأنشد:
اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسّيف قونس الفرس
قيل: قاله طرفة بن العبد، وقال ابن بري: انه مصنوع عليه. واضرب: من الضرب، بالضاد المعجمة والموحدة، وضبطه بعضهم: اصرف، بالصاد المهملة وبالفاء، من الصرف. قال العيني: وليس بصحيح. وأصله اضربن بنون التأكيد الخفيفة حذفت للضرورة وبقيت الفتحة. والهموم: مفعول. وطارقها بدل منه. وهو من طرق الرجل اذا أتى أهله ليلا. وضربك: مصدر نوعي مضاف إلى فاعله. وأصله:
كضربك. وقونس: مفعول المصدر، وهو بفتح القاف والنون بينهما واو ساكنة وآخره سين مهملة، العظم الناتئ بين أذني الفرس.
٨٢٦ - وأنشد:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلّا قليلا (٢)
стр. 933
هو لأبي الأسود الدؤلي. أخرج أبو الفرج في الاغاني عن عوانة قال: كان أبو الأسود يجلس الى فناء امرأة بالبصرة فيتحدث إليها، وكانت برزة جميلة، فقالت له: يا أبا الأسود، هل لك أن أتزوّجك. فاني صناع الكف، حسنة التدبير، قانعة بالميسور، قال: نعم، فجمعت أهلها وتزوّجته، فوجدها على خلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدّت يدها الى خيانته، وأفشت سرّه، فغدا على من كان حضر تزويجه اياها فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا، فقال لهم:
أريت أمرا كنت لم أبله ... أتاني فقال اتّخذني خليلا (١)
فخاللته ثمّ أكرمته ... فلم أستفد من لديه فتيلا (٢)
وألفيته حين جرّبته ... كذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكّرته ثمّ عاتبته ... عتابا رقيقا وقولا جميلا
وألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلّا قليلا
ألست حقيقا بتوديعه ... وإتباع ذلك صرما طويلا؟
فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود. قال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، فانصرفت معهم.
استشهد سيبويه بالبيت على حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين ونصب ما بعده.
قال الاعلم: وفيه وجهان: إما التشبيه بحذف النون الخفيفة لملاقاة ساكن نحو اضرب الرجل. وإما التشبيه بما حذف تنوينه من الأعلام الموصوفة بابن مضاف إلى علم. قال: والأحسن أن يكون حذف التنوين للضرورة.
стр. 934
٨٢٧ - وأنشد:
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه ... فرغ، وإنّ أخاكم لم يثأر (١)
هو لعامر بن الطّفيل، وهكذا أنشده وأنشده شارح أبيات الايضاح على وجه آخر فقال: قال ابن الطّفيل:
فلأبغينّكم قنا وعوارضا (٢) ... ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد
والخيل تردى بالكماة كأنّها ... حدّ تتابع في الطّريق الأقصد (٣)
في ناشئ من عامر ومجرّب ... ماض إذا انفلت العنان من اليد (٤)
فلأثأرنّ بمالك وبمالك ... وأخي المروءات الّذي لم يسند (٥)
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه ... فرغ، وإنّ أخاهم لم يقصد
يقال: بغيته: طلبته باجتهاد. وقنا: اسم جبل. وعوارض: من أرض بني أسد.
وضرغد: بمعجمتين، أرض في ناحية غطفان. واللابة: الحرّة، وهي أرض ذات حجارة سود. والأصل: لأقبلن الخيل إلى اللابة، فحذف الى، وعدّى الفعل الى المفعول الثاني. وقد استشهد الفارسي في الايضاح بالبيت على ذلك. وقال:
اقبل أيضا غير متعدّ، تقول: أقبلت بوجهي عليه، فحذف الشاعر حرفي عامل واحد. وقال شارح أبياته: قد حكى أبو زيد في نوادره: قبلت الماشية الوادي، وأقبلتها اياه، أنا أقبلت بها نحوه، فاذا ثبت ذلك كان متعديا بنفسه.
стр. 935
٨٢٨ - وأنشد:
فطلّقها فلست لها بكفء ... وإلّا يعل مفرقك الحسام
تقدم شرحه في شواهد التنوين (١):
٨٢٩ - وأنشد:
قالوا: أخفت؟ فقلت: إنّ، وخيفتي ... ما إن تزال منوطة برجاء
٨٣٠ - وأنشد:
قالت بنات العمّ: يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما؟ قالت: وإن (٢)
قيل هو لرؤبة، وقبله:
قالت سليمى: ليت لي بعلا يمن ... يغسل جلدي وينسيني الحزن
وحاجة ما إن لها عندي ثمن ... ميسورة قضاء منّه ومن
قالت بنات العمّ: يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما؟ قالت: وإن
سلمى وسليمى: واحد. ويمن: تخفيف النون، وأصله بالتشديد، لأنه من المنة، ومحله نصب صفة بعلا. والتقدير: يمن على. وجملة: يغسل، الخ، كاشفة كلمة يمن. وحاجة بالنصب عطفا على بعلا. والتقدير: يمن على، وهي قضاء الشهوة.
وما نافية. وان زائدة. وميسور: صفة حاجة. ومن: أصله ومنى حذفت الياء والتشديد ضرورة. والمقدّم وجواب الشرط الأوّل محذوف، أي ترضى. وفيه شاهد آخر على دخول التنوين الغالي في أن، أورده كذلك المصنف في التوضيح بلفظ (وانن) في الموضعين.
стр. 936
٨٣١ - وأنشد:
إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسّنين الخوالي
هو لعبيد بن الأبرص من أبيات أوّلها (١):
تلك عرسي غضبى تريد زيا ... لي، ألبين تريد أم الدّلال
إن يكن طبّك الفراق فلا ... أحفل أن تعطفي صدور الجمال
إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر واللّيالي الخوالي
كنت بيضاء كالمهاة وإذ ... آتيك نشوان مرخيا أذيالي
فاتركي خطّ حاجبيك وعيشي ... معنا بالرّجا أو التّأمالي
زعمت أنّني كبرت وأنّي ... قلّ مالي وضنّ عنّي الموالي
وصحا باطلي وأصبحت شيخا ... لا يواتي أمثالها أمثالي
إن تريني تغيّر الرّأس منّي ... وعلا الشّيب مفرقي وقذالي
فبما أدخل الخباء على مه ... ضومة الكشح طفلة كالغزال
فتعاطيت جيدها ثمّ مالت ... ميلان الكثيب بين الرّمال
ثمّ قالت: فداء لنفسك نفسي ... وفداء المال أهلك مالي
الطب: بكسر الطاء المهملة وتشديد الباء الموحدة، العادة. والدلال: بفتح الدال المهملة وتخفيف اللام، التحاشي والتمانع على المحب، وفعله دل يدل من
стр. 937
باب ضرب يضرب. والخوالي: المواضي، جمع خالية، يقول: ان كان عادتك الدلال فلو كان هذا فيما مضى لاحتملناه. والبيت استشهد به ابن مالك على حذف فعل لو الشرطية شرطها وجوابها، فإن تقديره: فلو كان ذلك في سالف الدهر لاحتملناه.
٨٣٢ - وأنشد:
وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزيّة أرشد (١)
هذا من قصيدة لدريد بن الصّمة الجشمي، يرثي أخاه عبد الله، وأوّلها:
أرثّ جديد الحبل من أمّ معبد ... بعاقبة، وأخلفت كلّ موعد
أعاذل مهلا بعض لومك واقصدي ... وإن كان علم الغيب عندك فارشدي
ومنها:
فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّج ... سراتهم في الفارسيّ المسرّد
ارث: بالمثلثة، من أرث الثوب، أخلق. وظنوا: بمعنى أيقنوا. والمدجج:
التام السلاح، من الدجة، بفتح الجيم، وهي شدة الظلمة، لأن كل من الظلمة والسلاح ساتر. وقيل: من الدج، وهو من المشي الرويد، لأن التام السلاح لا يسرع في مشيه. أو أراد بالفارسي المسرّد الدرع. ومن أبيات القصيدة:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلمّا دعاني لم يجدني بقعدد
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على زيادة الباء في ثاني مفعولي وجد
стр. 938
لتقدم النفي. والقعدد: بضم القاف والدال الاولى، الضعيف المتأخر.
فائدة: [دريد بن الصّمة]
دريد بن الصّمة، اسمه معاوية بن الحارث بن بكر بن علقمة، فارس شجاع فحل جعله الجمحي أوّل الشعراء الفرسان (١). وأدرك الاسلام فلم يسلم. وحضر حنين مظاهرا للمشركين فقتل على شركه، ذكره في الأغاني (٢). وابنه سلمة شاعر أيضا، وهو الذي رمى أبا عامر الاشعري بسهم فأصاب ركبته.
стр. 939
الكتاب السادس
٨٣٣ - وأنشد:
بكرت عليه بكرة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله (١)
هذا من قصيدة لزهير بن أبي سلمى أوّلها (٢):
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرّي أفراس الصّبا ورواحله
وقبل هذا البيت:
وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوافله
وبعده:
يفدّينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله
أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنّه قد يهلك المال نائله
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الّذي أنت سائله
ترى الجند والأعراب يغشون بابه ... كما وردت ماء الكلاب هوامله (٣)
стр. 940
إذا ما أتوا به قال مرحبا ... لجوا الباب حتّى يأتي الجوع قاتله
فلو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله (١)
قوله: صحا القلب، أي انكشف عنه ما كان به من سكر الباطل. وأقصر:
كف. وعرى أفراس الصبا: مثل ضربه، أي تركت الصبا فلا أركبه. والصبا:
الميل الى الباطل. والأبيض: السيد (٢). وفياض: سخى. والمعتفون: الذين يأتونه فيطلبون ما عنده. وما تغب: أي انها دائمة لا تنقطع، لا يكون غاية في كل يوم. ونوافله: عطاياه (٣). والصريم: قال ابن قتيبة: جمع صريمة، وهي القطعة من الرمل تنقطع من معظمه. قال أبو عبيدة: الصريم: الليل. وأراد أنه غدا عليه في بقية من الليل. ويقال الصريم: الصبح، لأنه يصرم بين الليل والنهار.
وعواذله: يعذلنه على انفاق ماله. وقوله: يدرين: أي لا يدرين أين الأمر الذي يختلنه فيه أي كيف يخدعنه. وأخو ثقة: أي يوثق به. وقوله: لا يذهب الخمر ماله: لا يفنى ماله في اللذات لكن في المكارم. والنائل: النوال والعطاء.
ومتهلل: ضاحك. والجند: الفرسان. والأعراب: الرجالة. والكلاب: بضم الكاف، ماء بأرض بني عامر. والهوامل: الإبل بلا راع. ولجوّا: ادخلوا. وقاتل الجوع:
القرى. ومن أبيات هذه القصيدة قوله:
فقلت تعلّم أنّ للصّيد غرّة ... وإلّا تضيّعها فإنّك قاتله
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على وقوع تعلم على أنّ وصلتها.
стр. 941
٨٣٤ - وأنشد:
ولكنّما أهلي بواد أنيسه ... ذئاب تبغّى النّاس مثنى وموحد (١)
هذا من قصيدة لساعدة بن جؤية يرثي بها ابنه أبا سفيان، وأوّلها (٢):
ألا بات من حولي نياما ورقّدا ... وعاودني حزني الّذي يتجدّد
وعاودني ديني فبثّ كأنّما ... خلال ضلوع الصّدر شرع ممدّد
بأوب يدي صنّاجة عند مدمن ... غوىّ إذا ما ينتشي يتغرّد
ولو أنّه إذ كان ما حمّ واقعا ... بجانب من يحفى ومن يتودّد
ولكنّما أهلي بواد أنيسه ... ذئاب تبغّى النّاس مثنى وموحد
أرى الدّهر لا يبقى على حدثانه ... أبود بأطراف المناعة جلعد
قوله: ديني: أي حالي. وخلال: بين. وشرع: بكسر المعجمة وسكون الراء آخره مهملة، الوتر الذي في الملاهي. والمعنى: كأن حنيني ضرب عود في أضلاعي. وأوب: رجوع وترديد في الضرب. ومدمن: أي للخمر. وينتشي:
يسكر. ويتغرّد: يتغنى ويطرب. وحم: قدر. ويحفى: يكرم. ويرفق: يقول:
لو كان ابني اذ أصابه ما قدرّ له من الموت بجانب من يودّه ويكرمه لكان أهون لما بي، ولكنه بواد ليس له أنيس مع الذئاب والوحش. وأورد المصنف البيت مستشهدا به على استعمال مثنى وموحد نعتين لذئاب، أو خبرين لمبتدأ محذوف، أي بعضهم مثنى وبعضهم موحد. وقيل: هما بدلان من ذئاب. ورده أبو حيان بقلة ولائهما العوامل. والإبدال انما يكون بالأسماء التي بابها ان تلي العوامل.
стр. 942
وتبغي أصله تبتغي، فحذف إحدى التاءين. يقال: تبغيته إذا طلبته وبغيته.
والأبود: الأبد المتوحش. والمناعة: بلدة. وجلعد: غليظ.
٨٣٥ - وأنشد:
ولا أرض أبقل إبقالها (١)
هو لرجل طائي، وهو عامر بن جوين بالتصغير، وصدره:
فلا مزنة ودقت ودقها
ومزنة: مبتدأ وأسم لا على إلغائها أو إعمالها عمل ليس. وهي واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض. ويقال للمطر: حب المزن. قال المصنف: وهمّ ابن يسعون فقال: إنه المطر نفسه. ويردد قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ). والودق:
بالدال المهملة، المطر. ودقت تدق: قطرت. والجملة خبر المبتدأ، أو خبره، أو نعت لمزنة. والخبر محذوف أي موجودة. وودقها وابقالها مصدر ان تشبيهان.
وأرض: اسم للبرية المزنة. وأبقل: خبرها، فمحله الرفع، أو نعت لاسمها، فمحله النصب والرفع. ويقال للمكان أول ما ينبت فيه البقل: أبقل، وقد يقال: بقل بقلا وبقولا. ولوجه الغلام أول ما ينبت فيه الشعر: بقل، لا غير. وأنكر جماعة واستشهد بقوله: بقل، على حذف التاء من الفعل المسند الى ضمير المؤنث المجازي منهم الأصمعي بقل في المكان، وادّعوا أن باقلا من الشواذ، كأعشب فهو عاشب، ضرورة. قال المصنف: وكأنه لما اضطر حمل الأرض على الموضع. وزعم ابن كيسان: ان ذلك جائز في النثر، وأن البيت بضرورة لتمكنه من أن يقول أبقلت ابقالها، بنقل كسرة الهمزة الى التاء، فتحذف الهمزة. وأجاب السيرافي: بأنه يجوز أن يكون هذا الشاعر ليس من لغته تخفيف الهمزة. وذكر ابن يسعون: أن بعضهم رواه بالتاء وبالنقل المذكور. قال المصنف: فإن صحت الرواية وصح أن القائل ذلك هو الذي قال: (ولا أرض أبقل) بالتذكير، صح لابن كيسان مدّعاه، وإلا
стр. 943
فقد كانت العرب ينشد بعضهم قول بعض، وكل يتكلم على مقتضى لغته التي فطر عليها، ومن هنا تكثرت
الروايات في بعض الأبيات. وذكر ابن الغواص في شرح ألفية ابن معطي: أنه روى ابقالها، فلا شاهد فيه حينئذ. وزعم بعضهم أنه لا شاهد فيه على رواية النصب أيضا ذات، وان التقدير: ولا مكان أرض. فحذف المضاف وقال: أبقل، على اعتبار المحذوف. وقال: ابقالها على اعتبار المذكور.
٨٣٦ - وأنشد:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم إخوان (١)
عسى الأيّام أن يرجع ... ن قوما كالّذى كانوا
هما من قصيدة للفند الزّمّاني قالها في حرب البسوس، وأولها:
أقيدوا القوم إنّ الظّل ... م لا يرضاه ديّان
وإنّ النّار قد تص ... بح يوما وهي نيران
وفي العدوان للعدوا ... ن توهين وإقران
وفي القوم معا للقو ... م عند البأس أقران
وبعض الحلم يوم الجه ... ل للذّلّة إذعان!
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيّام أن يرجع ... ن قوما كالّذى كانوا
فلمّا صرّح الشّ ... رّ بدا والشّرّ عريان (٢)
стр. 944
ولم يبق سوى العدوا ... ن دنّاهم كما دانوا
أناس أصلنا منهم ... ودنّا كالّذى دانوا
وكنّا معهم نرمي ... فنحن اليوم أخدان
وفي الطّاعة للجا ... هل عند الحرّ عصيان
فلمّا أن أبوا صلحا ... وفي ذلك خذلان
شددنا شدّة اللّيث ... غدا واللّيث غضبان (١)
بضرب فيه تأميم ... وتفجيع وإرنان (٢)
بطعن كفم الزّقّ ... غذا والزّقّ ملآن
فائدة: [الفند]
الفند هذا اسمه شهل، بالمعجمة، ابن شيبان بن ربيعة بن زمّان بن مالك ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن افصى بن دعمي بن جذيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، من شعراء الجاهلية. وسمي فندا لأن بكر بن وائل بعثوا الى بني حنيفة في حرب البسوس يستنصرونهم فأمدّوهم به، فلما أتى بكرا، وهو مسنّ جدا، قالوا: وما يغني هذا عنا؟ قال: أما ترضون أن أكون لكم فندا تأوون إليه. والفند: القطعة العظيمة من الجبل. قوله: صفحنا: أي عفونا عن جرمهم، وأما أصفحت عنه فمعناه أضربت عنه. يرجعن قوما، يرونهم الى الصلة بعد القطيعة. ورجع: مصدر متعد، قال تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ) قوله: كالذي كانوا، قال التبريزي: يحتمل أن يكون معناه: كالذي كانوه قبل من الإلفة والاتفاق. ويحتمل أن يكون المراد: كانوا، فحذف النون تخفيفا. والفرق بينهما
стр. 945
أنه أمل في الوجه الأول أن ترد الأيام أحوالهم كما كانت. وفي الثاني: أن ترجع الأيام أنفسها كما عهدت. وصرّح الشر: خلص فلم يشبه خير شبه باللبن الصريح، وهو الذي ذهبت رغوته، وإذا ذهبت الرغوة فاللبن عريان. وقيل: صرح بمعنى تبين. ويروى:
فأمسى وهو عريان
وأمسى: بمعنى صار، ويروى فأضحى. قال البياري: وهي وأخواتها قد يوصفن في الشعر توسعا موضع منازعة. والعدوان: الظلم والبغي، يقول: لما أصرّوا على البغي والظلم والقطيعة وأبوا أن يرعووا لم يبق الا أن نقاتلهم كما اعتدوا، ودناهم كما دانوا: أي حكمنا عليهم كما حكموا علينا، وجازيناهم كما اعتدوا علينا. وأطلق على فعلهم المجازاة من باب المشاكلة كقوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) وفي المثل: كما تدين تدان. شددنا: حملنا. وغدا:
بالمعجمة، وخص الغدوّ لأنه أشد لصولته ذاهبا لمطلبه لما عنده من سورة الجوع.
ويروى: بالمهملة، أي عدا على فريسته. وكرّر الليث: ولم يأت بضميره تفخيما، وهم يفعلون ذلك في أسماء
الاجناس والأعلام. وبضرب متعلق بشددنا. وغذا:
بمعجمتين، أي سال، وهو في موضع الحال. قوله: (وفي العدوان ... البيت) أي في اعتدائنا عليهم بالجزاء قمع لعدوانهم وردع، وهو كقولهم: بالشر ترد عادية الشر.
واقران: أي اطاقة، من أقرن له اقرانا أي أطاقه أي بمثل العدوان فيدفع شره.
قال البياري: وأجود منه أن يجعل الاقران هنا اللين والخشوع، أي لا تذله وتقهره إلّا أن تقاتله بمثله، من قولهم: أقرن الجبن، واستقرن: إذا نضج. وقوله: (وبعض الحلم ... البيت) أي ارتكاب الحلم عند الجهل، دخول تحت الذل. وإذعان:
أي انقياد له. وتوهين: تضعيف للمضروب. وتخضيع: تذلل. وارنان: رنة وتأوه منه لشدته. ويروى: تأميم وتفجيع، أي يصير النساء أيامى، أي فاقدات الأزواج لقلتهم، وتفجع الرجل بابنه وأخيه بقتله. وقوله:
بطعن كفم الزّقّ
стр. 946
شبه الطعن ونجيع الدم بفم الزق إذا سال عن ملء. وقوله: والزّق ملآن: تتميم جاء بعد تمام المعنى، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر.
٨٣٧ - وأنشد:
إذ النّاس ناس والزّمان زمان
أنشده صاحب الحماسة البصرية هكذا:
ألا هل إلى أجبال سلمي بذى اللّوى ... لوى الرّمل من قبل الممات معاد
بلاد بها كنّا ونحن نحبّها ... إذ النّاس ناس والبلاد بلاد
لم يسم قائله. وقال في الأغاني (١): هما لرجل من عاد فيما ذكر. ثم أخرج عن حماد الرواية قال: حدثني ابن أخت لنا من مراد قال: وليت صدقات قوم من العرب فقال لي رجل منهم: ألا أريك عجبا؟ فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد قد نشب في ذروة من الجبل عليه مكتوب:
ألا هل إلى أبيات شمح إلى اللّوى ... من الرّمل يوما للنّفوس معاد
بلاد بها كنّا وكنّا من اهلها ... إذ النّاس ناس والبلاد بلاد
ثم أخرجني الى ساحل البحر فإذا أنا بحجر عليه مكتوب: يا ابن آدم! يا عبد ربه، اتق الله ولا تعجل في أمرك فانك لن تسبق رزقك، ولا ترزق ما ليس لك.
٨٣٨ - وأنشد:
أنا أبو النّجم وشعرى شعرى (٢)
стр. 947
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن الأصمعي قال: قال أبو النجم للعديل بن الفرخ: أرأيت قولك:
فإن تك من شيبان أمّي فإنّني ... لأبيض عجليّ شديد المفارق
أكنت شاكا في نسبك حتى قلت هذا؟ فقال له العديل: أفشككت أنت في نفسك وشعرك حيث قلت:
أنا أبو النّجم وشعرى شعرى ... لله درّى ما يجنّ صدرى (١)
فأمسك أبو النجم واستحيا.
٨٣٩ - وأنشد:
كادت النّفس أن تفيض عليه ... مذ ثوى حشو ريطة وبرود (٢)
لم يسم قائله (٣). وتفيظ: بالظاء المعجمة، يقال: فاظ الليث، بالظاء، وفاضت نفسه، بالضاد. قال الزجاج: وفاظت نفسه بالظاء جائز عند الجميع إلا
стр. 948
الأصمعي، فإنه لا يجمع بين الظاء والنفس، بل يقول: فاظ الرجل بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد. وقال ابن بري: الذي يجوز فاظت نفسه بالظاء. يحتج بهذا البيت، وضمير عليه للميت المرثي. والريطة: بفتح الراء وسكون التحتية وفتح الطاء المهملة، الملائة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن ذات لفقين. والبرود: جمع برد. والبيت استشهد به المصنف في التوضيح على دخول إن في كاد.
стр. 949
الكتاب السابع
٨٤٠ - وأنشد:
ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودّة والإخاء؟ (١)
هذا من قصيدة للحطيئة أولها:
ألا قالت أمامة هل تعزّى؟ ... فقلت أمام، قد غلب العزاء
إذا ما العين فاض الدّمع منها ... أقول بها قذى وهو البكاء
لعمرك ما رأيت المرء تبقى ... طريقته وإن طال البقاء
على ريب المنون تداولته ... فأفنته وليس له فناء
إذا ذهب الشّباب فبان منه ... فليس لما مضى منه لقاء (٢)
ومنها:
ألا أبلغ بني عوف بن كعب ... فهل قوم على خلق سواء
ألم أك نائيا فدعوتموني ... فجاء بي المواعد والرّجاء
ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودّة والإخاء
стр. 950
وإنّي قد علقت بحبل قوم ... أعانهم على الحسب الثراء
هم القوم الّذين إذا ألمّت ... من الأيّام مظلمة أضاؤوا
هم القوم الّذين علمتموهم ... لوى الدّاعي إذا رفع اللّواء
والبيت فيه شواهد، أحدها: ورود همزة الإستفهام للتقرير. والثاني: حذف نون أكن لاجتماع الشروط. والثالث: نصب المضارع بأن مقدرة بعد الواو لوقوعه بعد الإستفهام. وعلى ذلك أورده ابن مالك.
٨٤١ - وأنشد:
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم ... ولن تستطيع الحلم حتّى تحلّما (١)
هذا من قصيدة لحاتم الطائي الجواد، وأوّلها:
أتعرف أطلالا ونؤيا مهدّما ... كخطّك في رقّ كتابا منمنما
أذاعت به الأرواح بعد أنيسه ... شهورا وأيّاما وحولا محرّما
ونفسك فاكرمها فإنّك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدّهر مكرما
أهن للّذي تهوى التّلاد، فإنّه ... إذا متّ صار المال نهبا مقسّما
ولا تشقين فيه فيسعد وارث ... به حين تخشى أغبر الجوف مظلما
يقسّمه غنما ويشري كرامة ... وقد سرت في خطّ من الأرض أعظما
قليلا به ما يحمدنّك وارث ... إذا اختار ممّا كنت تجمع مغنما
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم ... ولن تستطيع الحلم حتّى تحلّما